Полный текст (9 345 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.
стр. 3046
كان ذلك عبثاً منك، ولم يكن إلا سبباً للتلهي بك! وأما الآخرون فإنما لم يعرضوا عنهم إمّا لأن يأسهم لم يستحكم كما استحكم يأس الأولين، ولم يخبروهم كما خبروهم، أو لفرط حرصهم وجدّهم في أمرهم كما وصف الله تعالى رسوله ﵊ في قوله: (فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ) [الكهف: ٦]، وقيل: الأمةُ: هم الموعوظون، لما وعظوا قالوا للواعظين: لم تعظون منا قوماً تزعمون أنّ الله مهلكهم أو معذبهم؟ وعن ابن عباس ﵄ أنه قال: يا ليت شعري ما فعل بهؤلاء الذين قالوا: (لم تعظون قوماً)؟ قال عكرمة: فقلت جعلني الله فداك، ألا ترى أنهم كرهوا ما هم عليه وخالفوهم وقالوا: (لم تعظون قوماً الله مهلكهم)؟ فلم أزل به حتى عرفته أنهم قد نجوا. وعن الحسن: نجت فرقتان وهلكت فرقة، وهم الذين أخذوا الحيتان.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقيل: الأمة: هم الموعوظون) قيل: هو معطوف على قوله: "من فريق الناجين"، والظاهر: أنه عطف على قوله: "جماعة من أهل القرية، من صلحائهم".
والسؤال والجواب مستدرك؛ لما علم من تقريره السابق أن القوم افترقوا فرقاً: فرقةً وعظوا، والثانية القائلة: (لم تعظون) هم الصلحاء منهم. وكان حقه أن يقول: الفرقة التي قالت: (لم تعظون) هل نجت أم لا؟ كما التبس على ابن عباس.
ولعل التكرير في السؤال والجواب لتعليق الزيادات عليه.
قوله: (لم تعظون منا قوماً؟ ): "من": تجريدية، مثل: رأيت منك أسداً.
قوله: (ما فعل بهؤلاء الذين قالوا): روى محيي السنة: أن ابن عباس قال: نسمع الله يقول: (أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا)، فلا أدري ما فعلت الفرقة
стр. 3047
وروي: أنّ اليهود أُمروا باليوم الذين أُمرنا به وهو يوم الجمعة، فتركوه واختاروا يوم السبت، فابتلوا به وحرّم عليهم فيه الصيد، وأمروا بتعظيمه، فكانت الحيتان تأتيهم يوم السبت شُرعًا بيضاً سماناً كأنها المخاض، لا يرى الماء من كثرتها، ويوم لا يستبون لا تأتيهم، فكانوا كذلك بُرهةً من الدهر، ثم جاءهم إبليس فقال لهم: إنما نهيتم عن أخذها يوم السبت فاتخذوا حياضًا تسوقون الحيتان إليها يوم السبت، فلا تقدر على الخروج منها، وتأخذونها يوم الأحد، وأخذ رجلٌ منهم حوتاً، وربط في ذنبه خيطاً إلى خشبةٍ في الساحل، ثم شواه يوم الأحد، فوجد جاره ريح السمك، فتطلع في تنوره، فقال له: إني أرى الله سيعذبك، فلما لم يره عُذبَ أخذ في السبت القابل حوتين، فلما رأوا أنّ العذاب لا يعاجلهم، صادوا وأكلوا وملحوا وباعوا، وكانوا نحوا من سبعين ألفاً، فصار أهل القرية أثلاثاً: ثُلُثٌ نهوا وكانوا نحواً من اثني عشر ألفاً، وثلثٌ قالوا: لم تعظون قوماً؟ وثلثٌ هم أصحاب الخطيئة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الساكتة؟ قال عكرمة: "جعلني الله فداك، ألا تراهم كيف أنكروا، وكرهوا ما هم عليه، وقالوا: (لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ)، وإن لم يقل الله: أنجيتهم، لم يقل: أهلكتهم. فأعجبه قولي، وأمر لي ببردين، وقال: نجت الساكتة".
قوله: (المخاض)، الجوهري: "هي بفتح الميم: النوق الحوامل، ولا واحد لها من لفظها".
قوله: (فلما لم يره عذب)، أي: لم ير نفسه يعذبه الله، الرؤية بمعنى العلم، نحو قوله تعالى: (أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى) [العلق: ٧].
стр. 3048
فلما لم ينتهوا قال المسلمون: إنا لا نُساكنكم، فقسموا القرية بجدار: للمسلمين باب، وللمعتدين باب، ولعنهم داود ﵇، فأصبح الناهون ذات يومٍ في مجالسهم ولم يخرج من المعتدين أحد، فقالوا: إن للناس شأناً، فعلوا الجدار فنظروا، فإذا هم قردة، ففتحوا الباب ودخلوا عليهم فعرفت القرود أنسباءها من الإنس، والإنس لا يعرفون أنسباءهم من القرود، فجعل القرد يأتي نسيبه فيشم ثيابه ويبكي، فيقول: ألم ننهك؟ فيقول برأسه: بلى، وقيل: صار الشباب قردة، والشيوخ خنازير.
وعن الحسن: أكلوا - والله - أوخم أكلةٍ أكلها أهلها، أثقلها خزياً في الدنيا، وأطولها عذاباً في الآخرة، هاه! وايم الله، ما حوتٌ أخذه قومٌ فأكلوه أعظم عند الله من قتل رجل مسلم. ولكن الله جعل موعدا، (والساعة أدهى وأمرّ) [القمر: ٤٦].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أوخم أكلةٍ)، الأساس: "أوخمه الطعام، فوخم، واتخم، وأصابته التخمة".
الرواية: "أكلة"، بفتح الهمزة، ويجوز ضمها. فالفتح: المصدر، والضم: الاسم. والضمير في "أكلها" يجوز أن يكون مفعولاً به، وأن يكون مفعولاً مطلقاً للتأكيد.
قوله: (أكلها أهلها): صفة "أكلة". وفي الكلام معنى التعجب، أي: أكلوا - والله - أكلةً ما أوخمها من جهة الأكل! وما أثقلها من جهة الخزي! وما أطولها من جهة العذاب!
قوله: (ولكن الله جعل موعداً)، أي: إن لم يعذب قاتل النفس في الدنيا، على أن قتل النفس أعظم من تلك الأكلة، لكن الله يعذبه في الآخرة (والسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ)، هذه في الدنيا، وأما في الآخرة فالأمر أشد وأفظع. والداهية: الأمر المنكر، الذي لا يهتدي لدوائه.
стр. 3049
(بَئِيسٍ): شديد، يقال: بؤس يبؤس بأساً، إذا اشتدّ، فهو بئيس. وقرئ: "بئسٍ"، بوزن حَذِر. و (بئسٍ) على تخفيف العين ونقل حركتها إلى الفاء، كما يقال: كبدٌ في كبدٍ، و (بيسٍ) على قلب الهمزة ياءً، كذيبٍ في ذئب، و"بيئسٍ" على: فيعل، بكسر الهمزة وفتحها. و"بيسٍ" بوزن ريس، على قلب همزة "بيئسٍ" ياءً، وإدغام الياء فيها، و"بيسٍ" على تخفيف "بيس"، كهينٍ في: هين، و"بائس" على فاعلٍ.
(فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ): فلما تكبروا عن ترك ما نهوا عنه، كقوله: (وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ) [الأعراف: ٧٧]، (قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً) عبارةً عن مسخهم قردة، كقوله: (إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [يس: ٨٢]،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (و"بئسٍ" على تخفيف العين): ابن عامر، وعلى قلب الهمزة ياء: نافع، وعلى "فعيل": أبو بكر.
قوله: (كقوله: (وعتوا عن أمر ربهم)) يعني: لم ينتهوا عما نهوا عنه، وذلك بأن أتوا بالفعل المنهي عنه تكبراً وعدم مبالاة به، كما أمروا بالإتيان بالفعل المأمور به، فتكبروا عنه، وتركوه. وفيه أن النهي عن الشيء أمر بضده.
قوله: ((كونوا قردةً): عبارةً عن مسخهم) أي: لم يكن ثمة قول.
قال الزجاج: "جائز أن يكون ثمة قول مسموع، وأن يكون مثل قوله تعالى: (كن فيكون)، والأول أبلغ في النازلة بهم".
стр. 3050
والمعنى: أنّ الله تعالى عذبهم أوّلاً بعذابٍ شديد، فعتوا بعد ذلك فمسخهم. وقيل: (فلما عتوا)، تكرير لقوله: (فَلَمَّا نَسُوا)، والعذاب البئيس: هو المسخ.
[(وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ)].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والمعنى: أن الله تعالى عذبهم أولاً بعذابٍ شديد، فعتوا بعد ذلك): يريد أن الفاء في قوله تعالى: (فلما عتوا) فصيحة، أي: فلما نسوا عما ذكروا به عذبناهم، ليتنبهوا ويتعظوا، فما نجع فيهم الوعظ، فعتوا بعد ذلك، فمسخناهم. فإذاً العذاب غير المسخ، والنسيان غير العتو. نحوه قوله تعالى: (ومَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَاسَاءِ والضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ * ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ) إلى قوله: (فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وهُمْ لا يَشْعُرُونَ) [الأعراف: ٩٤ - ٩٥].
أو هي تكرير، فيراد بقوله تعالى: (عتوا عن ما نهوا) قوله: (نسوا ما ذكروا به)، ومعناه: فلما تركوا ما ذكرهم به الصالحون من أمر بهم، مسخناهم، لأنهم كانوا مأمورين بألا يشتغلوا فيه بغير العبادة، فلما اشتغلوا بالصيد عتوا عن أمر ربهم. ويراد بقوله تعالى: (كونوا قردةً خاسئين) قوله: (وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس) وهو المسخ، كما سبق.
قال القاضي: "يجوز أن تكون الآية الثانية تقريراً وتفصيلاً للأولى".
стр. 3051
(تَأَذَّنَ رَبُّكَ): عزم ربك، وهو تفعل؛ من الإيذان وهو الإعلام، لأنّ العازم على الأمر يحدّث نفسه به ويؤذنها بفعله، وأجري مجرى فعل القسم، كعلم الله، وشهد الله. ولذلك أجيب بما يجاب به القسم وهو قوله: (لَيَبْعَثَنَّ) والمعنى: وإذ حتم ربك وكتب على نفسه ليبعثنَّ على اليهود) إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ)، فكانوا يؤدّون الجزية إلى المجوس، إلى أن بعث الله محمدا ﷺ فضربها عليهم، فلا تزال مضروبةً عليهم إلى آخر الدهر. ومعنى (ليبعثنّ عليهم): ليسلطنّ عليهم، كقوله: (بعثنا عليكم عبادا لنا أولى بأس شديد) [الإسراء: ٥].
[(وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ* فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَاخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وَإِنْ يَاتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَاخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا ما فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ)].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لأن العازم على الأمر يحدث نفسه): تعليل لقوله: " (تأذن ربك): عزم ربك". يعني: إنما عبر عن العزم بالإذن، لأن العازم على الأمر يشاور نفسه في الفعل والترك، ثم يجزم على الفعل، ويطلب من النفس الإذن بالفعل. فكنى عن العزم بالإذن، ليعلم أن العزم لم يكن إلا بعد إتقان ومشورة. ولما كان العازم جازماً على الشيء قاطعاً، كان معنى "عزم": جزم وقضى، فصار كفعل القسم في التأكيد، فأجيب بما يجاب به القسم.
قال الزجاج: "قيل: (تأذن): تألى. وقيل: (تأذن): أعلم. والعرب تقول: تعلم أنه كذا وكذا، في معنى: أعلم".
стр. 3052
(وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً): وفرقناهم فيها، فلا يكاد يخلو بلدٌ من فرقةٍ منهم، (مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ): الذين آمنوا منهم بالمدينة، أو الذين وراء الصين، (وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ): ومنهم ناسٌ دون ذلك الوصف منحطون عنه، وهم الكفرة والفسقة.
فإن قلت: ما محل (دون ذلك)؟ قلت: الرفع، وهو صفةٌ لموصوفٍ محذوف، معناه: ومنهم ناسٌ منحطون عن الصلاح، ونحوه: (وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ) [الصافات: ١٦٤]، بمعنى: وما منا أحدٌ إلا له مقام، (وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ): بالنعم والنقم، (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ): فينيبون.
(فَخَلَفَ) مِن بعد المذكورين (خَلْفٌ) وهم الذين كانوا في زمن رسول الله ﷺ ، (وَرِثُوا الْكِتابَ): التوراة، بقيت في أيديهم بعد سلفهم يقرؤونها، ويقفون على ما فيها من الأوامر والنواهي والتحليل والتحريم، ولا يعملون بها، (يَاخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى) أي: حطام هذا الشيء الأدنى، يريد: الدنيا وما يتمتع به منها. وفي قوله: (هذَا الْأَدْنى) تخسيسٌ وتحقير. والأدنى: إما من الدنوّ بمعنى: القرب، لأنه عاجلٌ قريبٌ، وإما من دُنوّ الحال وسقوطها وقلتها، والمراد: ما كانوا يأخذونه من الرشا في الأحكام على تحريف الكلم للتسهيل على العامة، (وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا): لا يؤاخذنا الله بما أخذنا، وفاعلُ (سَيُغْفَرُ) الجار والمجرور، وهو (لَنا)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((منهم الصالحون): الذين آمنوا منهم بالمدينة): والظاهر خلافه، لما يقتضيه النظم، لقوله: (فخلف من بعدهم خلف) كما سيجيء بيانه.
قوله: ((خلف))، النهاية: "الخلف - بالتحريك والسكون -: من يجيء بعد من مضى، إلا أنه بالتحريك في الخير، وبالتسكين في الشر، يقال: خلف صدق، وخلف سوء، ومعناهما جميعاً: القرن من الناس".
стр. 3053
ويجوز أن يكون "الأخذ" الذي هو مصدر (يأخذون)، (وَإِنْ يَاتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَاخُذُوهُ) الواو للحال، أي: يرجون المغفرة وهم مصرون عائدون إلى مثل فعلهم، غير تائبين. وغفران الذنوب لا يصح إلا بالتوبة، والمصر لا غفران له، (أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ) يعني قوله في التوراة: من ارتكب ذنباً عظيماً فإنه لا يغفر له إلا بالتوبة، (وَدَرَسُوا ما فِيهِ): في الكتاب من اشتراط التوبة في غفران الذنوب، والذي عليه المجبرة هو مذهب اليهود بعينه كما ترى.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((وإن يأتهم .... ): الواو للحال) أي: من الضمير في "يقولون"، والقول: بمعنى الاعتقاد والظن. ولذلك قال: "يرجون المغفرة وهم مصرون".
النهاية: "لما رأي رسول الله صلي الله عليه وسلم الأخبية في المسجد قال: "البر تقولون بهن"؟ أي: أتظنون وترون أنهن أردن البر؟ ".
قال الزجاج: "إنهم كانوا يذنبون بأخذ الرشا، ويقولون: سيغفر لنا، من غير أن يتوبوا، لأن قوله تعالى: (وإن يَاتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَاخُذُوهُ) دليل على إصرارهم على الذنب".
قوله: (والذي عليه المجبرة هو مذهب اليهود بعينه) سقطة منه، لأن أهل السنة لا يتمنون المغفرة مع الإصرار، وهم أحزم من ذلك؛ ألا ترى إلى ما رواه الترمذي عن شداد، عن رسول الله صلي الله عليه وسلم: "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله".
стр. 3054
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"دان نفسه": حاسبها في الدنيا قبل أن تحاسب يوم القيامة.
فكيف والسين في (سيغفر) تدل على القطع في وقوع الخبر عن المستقبل؟ وأهل السنة لا يقطعون في شيءٍ من أمورهم، لا في الغفران إن تابوا، ولا في الثواب إن عملوا، وأنتم توجبون على الله الغفران إذا حصلت التوبة، وتقطعون بحصول الثواب على العمل؟ فمذهبكم في هذه الصورة مثل مذهبهم.
وأيضاً: قوله: "معنى أخذ الميثاق: هو أن في التوراة: من ارتكب ذنباً عظيماً، فإنه لا يغفر إلا بالتوبة". وقوله: "وفيه أن إثبات المغفرة بغير توبةٍ خروج عن ميثاق الكتاب"، وما أدري: أهو منقول من نص التوراة أو مستنبط من معنى الآية؟ أما الآية فدالة على التوبيخ على أخذ الرشا، وتغيير أوضاع الشريعة، ونسبة خلافها إلى الله تعالى، كما فعلوا بصفة النبي صلوات الله عليه، وبآية الرجم، وتسويف النفس بالأباطيل و "يا ليت" على المغفرة مع عدم التوبة.
ثم إن هذا النقل، إن لم يصح، فهو تقول على الله تعالى بما ليس بحق، وهو عين فعل اليهود، وإن صح، فلم لا يجوز أن يراد به الشرك، لقوله تعالى: (إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) [لقمان: ١٣]، وقوله: (إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ) [النساء: ٤٨] أو يكون منسوخاً بالنصوص القاطعة من الآيات والسنة بالنسبة إلينا، وثانياً بالنسبة إليكم، فيكون مذهبكم عين مذهبهم؟ عفا الله عنه.
وأما قضية النظم: فهي أنه تعالى لما حكي عن بني إسرائيل أنهم كانوا قبل مبعث النبي صلي الله عليه وسلم أمماً: منهم الصالحون، ومنهم الكفرة والفسقة، ذكر أنهم، بعد مبعثه صلوات الله عليه أيضاً، داموا على ما كانوا: فرقة منهم ما تمسكوا بمقتضي التوراة، مع أنهم كانوا يقرؤونها، ويدرسون
стр. 3055
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ما فيها، ويقفون على ما أمر الله، وما نهاه، من الحلال والحرام، ولا يعملون بها، وكانوا (يَاخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى)، ويحرفون الكلم عن مواضعه، (ويَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ومَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ) [آل عمران: ٧٨]، ويتمنون بالأباطيل، وإليه الإشارة بقوله: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ورِثُوا الكِتَابَ).
وطائفة أخرى منهم تمسكوا بها، وعملوا بمقتضاها، وآمنوا بنبي الرحمة، وأقاموا الصلاة، وإليه الإشارة بقوله تعالى: (والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وأَقَامُوا الصَّلاةَ) [الأعراف: ١٧٠].
وينصره ما نقله محيي السنة عن مجاهد: "هم المؤمنون من أهل الكتاب، مثل: عبد الله بن سلام وأصحابه، تمسكوا بالكتاب الذي جاء به موسى، فلم يحرفوه، ولم يكتموه، ولم يتخذوه مأكلة".
فظهر من هذا أن تخصيص قوله: (أن لا يقولوا على الله إلا الحق) بما قاله المصنف تحكم.
فعلى هذا الواجب أن يكون قوله تعالى: (والذين يمسكون) الآية جملةً مبتدأة، معطوفة على قوله: (فخلف من بعدهم خلف) من حيث المعنى، والجملة من المعطوف والمعطوف عليه مستطرد لذكر قوله: (وقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ ومِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ)، لأن قوله تعالى: (وإذْ نَتَقْنَا الجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ) عطف على قوله: (وإذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُ)، و (وإذ قالت أمة)، (وإذ قيل لهم)، و (إذ استسقاه).
فانظر إلى هذا النظم السري، وتعجب ممن يريد تفكيكه!
стр. 3056
وعن مالك بن دينارٍ ﵀، يأتي على الناس زمانٌ إن قصروا عما أُمروا به، قالوا: سيغفر لنا، لأنا لم نشرك بالله شيئاً، كل أمرهم إلى الطمع، خيارهم فيهم المداهنة، فهؤلاء من هذه الأمّة أشباه الذين ذكرهم الله، وتلا الآية.
(وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ) من ذلك العرض الخسيس، (لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ) الرشا ومحارم الله.
وقرئ: "ورّثوا الكتاب"، و"ألا تقولوا"، بالتاء، و"ادّارسوا"، بمعنى: تدارسوا. و (أفلا تعقلون)، بالياء والتاء.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأما إذا كان عطفاً على قوله: (للذين) كما هو عليه الوجه الثاني، يكون المراد، منهم الذين آمنوا مطلقاً، على ما روى محيي السنة عن عطاء: "هم أمة محمد صلوات الله عليه".
والأول هو القول.
قوله: ((أفلا تعقلون) بالياء والتاء): بالياء التحتانية: نافع وابن عامر وحفص. وبالتاء الفوقانية: الباقون.
стр. 3057
فإن قلت: ما موقع قوله: (أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ)؟ قلت: هو عطف بيان لـ (ميثاق الكتاب). ومعنى (ميثاق الكتاب): الميثاق المذكور في الكتاب، وفيه أن إثبات المغفرة بغير توبةٍ خروجٌ عن ميثاق الكتاب، وافتراءٌ على الله، وتقوّلٌ عليه ما ليس بحق. وإن فسر (ميثاق الكتاب) بما تقدم ذكره كان (أَنْ لا يَقُولُوا) مفعولاً له. ومعناه: لئلا يقولوا، ويجوز أن تكون (أَن) مفسرة، و (لا يَقُولُوا) نهياً، كأنه قيل: ألم يقل لهم: لا تقولوا على الله إلا الحق؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (هو عطف بيانٍ لـ (ميثاق الكتاب): أجاب عن السؤال بوجهين:
أحدهما: أن (أن) في (أن لا يقولوا) ناصبة للفعل، وهو إما تفسير (ميثاق الكتاب) والإضافة، بمعنى: في أي الميثاق المذكور في الكتاب، وهو (أن لا يقولوا على الله إلا الحق). وفي جملة ذلك ألا يقولوا: إن الله يغفر الذنوب العظام بغير توبة.
وإما مفعول به، و (ميثاق الكتاب) مبهم لا يعلم ما هو. فاخترع أن بيانه وتفسيره: من ارتكب ذنباً عظيماً، فإنه لا يغفر إلا بالتوبة. أي: أما تقرر وأخذ ميثاقكم أن من ارتكب ذنباً عظيماً لا يغفر له إلا بالتوبة، لئلا يقولوا على الله إلا الحق؟
وثانيهما: أن (أن) مفسرة، لأن في قوله تعالى: (أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الكِتَابِ) معنى القول، أي: ألم يقل لكم: لا تقولوا على الله إلا الحق؟ وهو ذلك القول بزعمه واختراعه.
وقلت: الحق أن الإنكار والتوبيخ واردان على ترك استحفاظهم كلام الله، والتمادي في التحريف والتغيير، وعليه أخذ الله ميثاقهم كقوله تعالى: (إنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى ونُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا والرَّبَّانِيُّونَ والأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ) [المائدة: ٤٤]، قال المصنف: "بما سألهم أنبياؤهم حفظه من التغيير والتبديل"،
стр. 3058
فإن قلت: علام عطف قوله: (وَدَرَسُوا ما فِيهِ)؟ قلت: على (أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ)، لأنه تقرير، فكأنه قيل: أخذ عليهم ميثاق الكتاب ودرسوا ما فيه.
[(وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ)].
(وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ) فيه وجهان، أحدهما: أن يكون مرفوعاً بالابتداء، وخبره: (إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يعني: ألم يؤخذ عليهم الميثاق، باستحفاظ كتاب الله من غير التغيير والتبديل؟ فكيف غيروا وبدلوا وأخذوا عليه الرشا، فكفروا ونقضوا ميثاق الله، ثم قالوا: استغفر لنا؟
فإن قلت: فعلى هذا: المنكر هو التغيير والتبديل، والمنكر هو القول، لما مر أن قوله: " (أن لا يقولوا على الله إلا الحق) عطف بيان لـ (ميثاق الكتاب) ".
قلت: إنهم إذا غيروا وبدلوا، لابد أن يقولوا: هو من عند الله، ليأخذوا عليه الرشا.
قال المصنف في قوله تعالى: (وإنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكِتَابِ ومَا هُوَ مِنَ الكِتَابِ ويَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ) [آل عمران: ٧٨]: "قال ابن عباس: هم اليهود من الذين قدموا على كعب بن الأشرف، غيروا التوراة، وكتبوا كتاباً بدلوا فيه صفة رسول الله صلي الله عليه وسلم، ثم أخذت قريظة ما كتبوه، فخلطوه بالكتاب الذي عندهم". والله أعلم.
قوله: (لأنه تقرير) أي: يجب أن يكون (ودرسوا) عطفاً على (ألم يؤخذ)، وإن اختلفا خبراً وطلباً، لأن الاستفهام وارد على التقرير، فهو بمنزلة الإخبار عن الثابت، فيصح العطف لعدم المنافاة. ولهذا قال: "أخذ عليهم الميثاق، ودرسوا".
стр. 3059
والمعنى: إنا لا نضيع أجرهم، لأنّ (المصلحين) في معنى "الذين يمسكون بالكتاب"، كقوله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا) [الكهف: ٣٠]. والثاني: أن يكون مجروراً عطفاً على "الذين يتقون"، ويكون قوله: (إِنَّا لا نُضِيعُ) اعتراضاً.
وقرئ: (يمسكون) بالتشديد. وتنصره قراءة أُبيّ: "والذين مسكوا بالكتاب".
فإن قلت: التمسك بالكتاب يشتمل على كل عبادة، ومنها إقامة الصلاة، فكيف أفردت؟ قلت: إظهاراً لمزية الصلاة لكونها عماد الدين، وفارقة بين الكفر والإيمان.
وقرأ ابن مسعود ﵁: "والذين استمسكوا بالكتاب".
[(وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)].
(وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ): قلعناه ورفعناه، كقوله:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والمعنى: إنا لا نضيع أجرهم): يعني: لابد في الخبر إذا كان جملةً من عائد إلى المبتدأ، فقوله: (أجر المصلحين)، وإن لم يكن فيه الضمير، لكنه هو نفس المبتدأ، فهو من إقامة المظهر موضع المضمر، للعلية.
قوله: (وقرئ: (يمسكون) بالتشديد): الجماعة إلا أبا بكر.
стр. 3060
(ورفعنا فوقهم الطور) [النساء: ١٥٤]. ومنه: نتق السقاء؛ إذا نفضه ليقتلع الزبدة منه. و"الظلة": كل ما أظلك من سقيفةٍ أو سحاب. وقرئ بالطاء، من أهل عليه؛ إذا أشرف، (وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ): وعلموا أنه ساقط عليهم، وذلك أنهم أبوا أن يقبلوا أحكام التوراة لغلظها وثقلها، فرفع الله الطور على رؤوسهم مقدار عسكرهم، وكان فرسخاً في فرسخ، وقيل لهم: إن قبلتموها بما فيها وإلا ليقعن عليكم، فلما نظروا إلى الجبل خرّ كل رجلٍ منهم ساجداً على حاجبه الأيسر، وهو ينظر بعينه اليمنى إلى الجبل فرقاً من سقوطه، فلذلك لا ترى يهودياً يسجد إلا على حاجبه الأيسر، ويقولون: هي السجدة التي رفعت عنا بها العقوبة، ولما نشر موسى الألواح وفيها كتاب الله، لم يبق جبل ولا شجرٌ ولا حجرٌ إلا اهتز، فلذلك لا ترى يهودياً تقرأ عليه التوراة إلا اهتز وأنغض لها رأسه، (خُذُوا ما آتَيْناكُمْ) على إرادة القول، أي: وقلنا خذوا ما آتيناكم، أو قائلين: خذوا ما آتيناكم من الكتاب، (بِقُوَّةٍ) وعزمٍ على احتمال مشاقه وتكاليفه،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ومنه: نتق الشقاء): ابن السكيت: "السقاء: يكون للبن والماء، والوطب: للبن خاصة، والنحي: للسمن، والقربة: للماء".
قوله: (ولما نشر موسى ﵇ الألواح) إلى آخر القصة، مستطرد لذكر نتق الجبل، وسجود القوم على حاجبهم، كما كان قوله: (فخلف من بعدهم خلف) الآيتين، مستطرداً من المعطوف والمعطوف عليه، على ما سبق.
стр. 3061
(وَاذْكُرُوا ما فِيهِ) من الأوامر والنواهي ولا تنسوه، أو: واذكروا ما فيه من التعريض للثواب العظيم فارغبوا فيه. ويجوز أن يراد: خذوا ما آتيناكم من الآية العظيمة بقوّةٍ إن كنتم تطيقونه، كقوله: (إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فانفذوا) [الرحمن: ٣٣]. (وَاذْكُرُوا ما فِيهِ) من الدلالة على القدرة الباهرة والإنذار، (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) ما أنتم عليه. وقرأ ابن مسعود: "وتذكروا" وقرئ: "واذّكروا"، بمعنى. وتذكروا.
[(وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ* أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ* وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)].
(مِنْ ظُهُورِهِمْ) بدل من (بني آدم) بدل البعض من الكل، ومعنى "أخذ ذرّياتهم من ظهورهم": إخراجهم من أصلابهم نسلاً وإشهادهم على أنفسهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أو: اذكروا ما فيه من التعريض)، الجوهري: "عرضت فلاناً لكذا فتعرض هو له".
قوله: (ويجوز أن يراد: خذوا ما آتيناكم من الآية)، فعلى هذا، المراد من نتق الجبل: إظهار العجز لا غير، كما في الآية المستشهد بها، كما تقول لمن يدعي الصرعة والقوة بعدما غلبته: خذه مني، يعني: إن كنتم تطلبون آية قاهرة، وتقترحونها، خذوا ما آتيناكم إن كنتم تطيقون.
стр. 3062
قوله: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا) من باب التمثيل والتخييل، ومعنى ذلك أنه نصب لهم الأدلة على ربوبيته ووحدانيته، وشهدت بها عقولهم وبصائرهم التي ركبها فيهم، وجعلها مميزة بين الضلالة والهدى، فكأنه أشهدهم على أنفسهم وقررهم وقال لهم: ألست بربكم؟ وكأنهم قالوا: بلى أنت ربنا، شهدنا على أنفسنا وأقررنا بوحدانيتك.
وباب التمثيل واسع في كلام الله تعالى ورسوله ﵇، وفي كلام العرب. ونظيره قوله تعالى: (إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [النحل: ٤٠]، (فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ) [فصلت: ١١] وقوله:
إذْ قَالَتِ الأَنْسَاعُ لِلْبَطْنِ: الْحَقِ
قَالَتْ لَهُ رِيحُ الصَّبَا: قَرْقَارِ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وشهدت بها عقولهم) عطف على قوله: "نصب لهم الأدلة"، وكذا "جعلها مميزة"، أي: جمع بين نصب الأدلة وبين جعل القوة مميزة، وبين شهادتها، لتكون الاستعارة تمثيليةً مركبة من عدة أمور متوهمة.
هذا هو المراد من قوله: "من باب التمثيل والتخييل"، لا ما ظن أنها من الاستعارة التخييلية، لأن المشبه به في التخييلية أمر واحد محقق يطلق على المخترع المتوهم، كالأنباب في قولك: أنياب المنية نشبت بفلان.
قوله: (إذا قالت الأنساع مضى شرحه في "البقرة".
قوله: (قالت له ريح الصبا: قرقار)، بعده:
واختلط المعروف بالإنكار
стр. 3063
ومعلومٌ أنه لا قول ثم، وإنما هو تمثيل وتصوير للمعنى.
(أَوْ تَقُولُوا) مفعولٌ له، أي: فعلنا ذلك من نصب الأدلة الشاهدة على صحتها العقول، كراهة (أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ) لم ننبه عليه، (أَوْ) كراهة أن (تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ) فاقتدينا بهم، لأن نصب الأدلة على التوحيد وما نبهوا عليه قائم معهم، فلا عذر لهم في الإعراض عنه والإقبال على التقليد والاقتداء بالآباء، كما لا عذر لآبائهم في الشرك، وأدلة التوحيد منصوبة لهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الضمير المجرور في "له" للسحاب، أي: قالت للسحاب الريح: قرقر بالرعد. فهو أمر من القرقرة، وهو في الرباعي كـ"نزال" في الثلاثي.
"واختلط المعروف"، يعني: المطر بلغ كل مكان مما يعرف وينكر، أي: عم الأراضي كلها.
شبه الريح بالآمر، والسحاب بالمأمور، والقرقار بالمأمور به، وتخيل الحالات على سبيل التمثيل.
في "الانتصاف": "إطلاق لفظ "التخييل" على كلام الله مردود".
وقلت: إذا كان القرآن وارداً على أساليب كلام العرب وافتنانهم، فلا بعد في الذهاب إليه.
قوله: (لأن نصب الأدلة على التوحيد) علة لما فهم من المعلل مع عليته، أي: فعلنا ذلك كراهة أن تعتذروا بالغفلة والتقليد، "لأن نصب الأدلة .. " إلى آخره.
стр. 3064
فإن قلت: بنو آدم وذرّياتهم من هم؟ قلت: عنى بـ"بني آدم": أسلاف اليهود الذين أشركوا بالله، حيث قالوا: عزير ابن الله. وبـ"ذرّياتهم": الذين كانوا في عهد رسول الله ﷺ من أخلافهم المقتدين بآبائهم، والدليل على أنها في المشركين وأولادهم: قوله: (أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ)، والدليل على أنها في اليهود: الآيات التي عُطفت عليها هي، والتي عطفت عليها وهي على نمطها وأسلوبها، وذلك قوله: (وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ) [الأعراف: ١٦٣]، (وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ) [الأعراف: ١٦٤]، (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ) [الأعراف: ١٦٧]، (وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ) [الأعراف: ١٧١]. (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا) [الأعراف: ١٧٥].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ويجوز أن يكون تعليلاً للثاني، كأنه قيل: فعلنا نصب الأدلة كراهة أن تقولوا: (إنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ)، لأنه "قائم معهم" لا يفارقهم، "فلا عذر لهم في الإعراض عنه، والإقبال على التقليد". فلما كان هذا التنبيه لا يفارق أحداً من المكلفين، قال: "لا عذر لآبائهم في الشرك".
قوله: (الآيات التي عطفت عليها هي) أي: عطفت: (وإذ نتقنا الجبل)، (وإذ تأذن) [الأعراف: ١٦٧]، (وإذ قيل لهم اسكنوا) [الأعراف: ١٦١].
قوله: (والتي عطفت عليها) أي: على قوله: (وإذ أخذ)، وهي قوله: (واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا) [الأعراف: ١٧٥] وسائر الآيات التي تتعلق بـ"بلعم".
قوله: (وهي على نمطها وأسلوبها): أي: (وإذ أخذ ربك): على نمط الآيات المتقدمة والمتأخرة.
стр. 3065
(أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ) أي: كانوا السبب في شركنا؛ لتأسيسهم الشرك، وتقدّمهم فيه، وتركه سنةً لنا.
(وَكَذلِكَ): ومثل ذلك التفصيل البليغ، (نُفَصِّلُ الْآياتِ) لهم، (وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ): وإرادة أن يرجعوا عن شركهم نفصلها.
وقرئ: "ذريتهم" على التوحيد، و"أن يقولوا" بالياء.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون عاماً كالتذييل للميثاق الخاص، فيدخل فيه اليهود دخولاً أولياً، فلا تكون الواو عاطفة؟ ولأن ألفاظها لا تقبل التخصيص إلا بالتعسف، كما أول الشرك.
وبيان التذييل أن قوله: (وإذْ نَتَقْنَا الجَبَلَ) [الأعراف: ١٧١] في معنى: أخذ الميثاق، بدليل قوله تعالى في "البقرة": (وإذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ ورَفَعْنَا فَوْْقَكُمُ الطُّورَ) [البقرة: ٦٣، ٩٣]، وقول المصنف: " (وإذا أخذنا ميثاقكم): بالعمل بما في التوراة (ورفعنا فوقكم الطور) حتى قبلتم، وأعطيتم الميثاق". أتي بالميثاق الخاص، من حيث الصورة، ثم عقبه بالعام من حيث المعنى، دلالةً على شدة شكيمتهم، وفرط عتوهم في أن الإلزام السمعي والعقلي - على رأيه - لا يجدي فيهم.
قال القاضي: "المقصود من إيراد هذا الكلام إلزام اليهود بمقتضى الميثاق العام، بعد ما ألزمهم بالميثاق المخصوص بهم، والاحتجاج عليهم بالحجج السمعية والعقلية، ومنعهم عن التقليد، وحملهم على النظر والاستدلال، كما قال: (وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ ولَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)، أي: عن التقليد، واتباع الباطل".
стр. 3066
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقلت: ويؤيده ما روينا عن مالك، وأحمد بن حنبل، والترمذي، وأبي داود، و"شرح السنة"، عن عمر ﵁ أنه سئل عن هذه الآية، قال: سئل عنها رسول الله صلي الله عليه وسلم فقال: "إن الله خلق آدم، ثم مسح ظهره بيمينه، فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره، فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون". فقال: رجل: يا رسول الله، ففيم العمل؟ فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "إن الله تعالى إذا خلق العبد للجنة، استعمله بعمل أهل الجنة، حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة، فيدخله به الجنة، وإذا خلق العبد للنار، استعمله بعمل أهل النار، حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار".
قال الإمام: "أطبقت المعتزلة على أنه لا يجوز تفسير الآية بالحديث، لأن قوله: (من ظهورهم) بدل من قوله: (بنى أدم)، فالمعنى: وإذ أخذ ربك من ظهور بني آدم، فلم يذكر أنه أخذ من ظهر آدم شيئاً، ولأنه لو كان المراد أنه أخرج من ظهر آدم شيئاً، لما قال: (من ظهورهم) بل يجب أن يقول: من ظهره، وذريته".
وأجاب الإمام: "أن ظاهر الآية يدل على أنه تعالى أخرج الذرية من ظهور بني آدم. وأما أنه أخرج كل تلك الذرية من صلب آدم، فليس في لفظ الآية ما يدل على ثبوته، ولا على نفيه، إلا أن الخبر قد دل، فثبت إخراج الذرية من ظهور بني آدم بالقرآن، وإخراج الذرية من ظهر آدم بالخبر، ولا منافاة بينهما، فوجب المصير إليهما معاً، صوناً للآية والخبر عن الاختلاف".
стр. 3067
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقال الشيخ شهاب الدين التوربشتي: وقد ذهب كثير من أهل العلم إلى أن المراد من الآية توليد بعضهم من بعض، على مر الزمان، ولو أريد استخراج الذرية من صلب آدم دفعةً واحدة، لكان من حق القول أن يقول: وإذ أخذ ربك من ظهر آدم ذريته.
فإن قيل: بيان الآية في الحديث خلاف ما ذهبوا إليه، فلهم أن يقولوا: إنما تركوا ظاهر الآية بالحديث، سيما في مثل هذه القضية التي هي إخبار عن الغيب، إذا كان الحديث المبين للآية حديثاً صحيحاً، يجب به العلم. وهذا الحديث، وإن كان حديثاً حسناً، فإنه من جملة الآحاد، فلا يترك ظاهر الكتاب بمثل هذا الحديث.
مما يمكننا من التوفيق بين الآية والحديث هو أن نقول: إنما اقتصر في الحديث على ذكر آدم، دون الذرية، لأنه هو الأصل، فاكتفى بذكر الأصل عن الفرع.
فإن قيل: فقد روى أبو هريرة ﵁، عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "لما خلق الله آدم مسح ظهره، فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة" إلى تمام الحديث وهو حديث صحيح، فلم ذهبتم في حديث عمر ﵁ إلى التأويل الذي ذكرتموه؟
فالجواب: أن حديث أبي هريرة ﵁ لا تعلق له بالآية، ولم يذكر فيه حديث الميثاق والإشهاد، وإنما ذكر فيه أن الله تعالى مثل لآدم ذريته، وعرضهم عليه. وهذا غير ذلك.
стр. 3068
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقد ذهب أهل التأويل إلى أن المراد بالإشهاد ما ركبه الله فيهم من العقول، وآتاهم من البصائر، فكأنه أشهدهم على أنفسهم وقررهم، وقال لهم: (ألست ربكم) فكأنهم قالوا: (بلى). فذهبوا في معناه إلى أنه تمثيل وتصوير للمعنى.
وهذا الذي ذهبوا إليه في تأويل حديث عمر ﵁ تأويل حسن مستقيم، لولا مخالفته حديث ابن عباس، وهو ما رواه عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: "أخذ الله الميثاق من ظهر آدم بنعمان - يعني: عرفة - فأخرج من صلبه كل ذريةٍ ذرأها، فنثرهم بين يديه كالذر، ثم كلمهم قبلاً قال: (ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ) ".
وهذا الحديث مخرج في كتاب أبي عبد الرحمن النسائي. فهذا الحديث لا يحتمل من التأويل ما يحتمله حديث عمر ﵁، لظهور المراد منه.
ولا أراهم يقابلون هذه الحجة إلا بقولهم: إن حديث ابن عباس من جملة الآحاد فلا يلزمنا إن تركنا أن نترك به ظاهر الكتاب!
وقال: إنما جدوا في الهرب عن القول في معنى الآية بما يقتضيه ظاهر هذا الحديث لمكان قوله سبحانه: (أَن تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ). فقالوا: إن كان هذا الإقرار عن اضطرار، حيث كوشفوا بحقيقة الأمر، وشاهدوه عين اليقين، فلهم يوم القيامة أن يقولوا: شهدنا يومئذ، فلما زال عنا علم الضرورة، ووكلنا إلى آرائنا، كان منا من أصاب، ومنا من أخطأ. وإن كان عن استدلال، ولكنهم عصموا عنده من الخطأ، فلهم أيضاً أن يقولوا:
стр. 3069
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أيدنا يوم الإقرار بتوفيق وعصمة، وحرمناهما من بعد، ولو أمددنا بهما أبداً، لكانت شهادتنا في كل حين كشهادتنا في اليوم الأول.
فقد تبين أن الميثاق: ما ركب الله فيهم من العقول، وآتاهم من البصائر، لأنها هي الحجة الباقية، المانعة لهم عن قولهم: (إنا كنا عن هذا غافلين)؛ لأن الله تعالى جعل هذا الإقرار حجة عليهم في الإشراك، كما جعل بعث الرسول حجةً عليهم في الإيمان، بما أخبروا عنه من الغيوب.
ولهم في ذلك كلام كثير اكتفينا عنه بهذا المقدار، والغرض منه توقيف الطالبين على مواضع الإشكال.
والتوفيق بين الآية وحديث عمر ﵁ على ما ذكرناه - متيسر، والتوفيق بينهما وبين حديث ابن عباس - على الوجه الذي لا تعارضه حجة أخرى من الكتاب - مشكل جداً، إلا أن يعلل الحديث بما عللوه". انتهى كلامه.
وقال القاضي في "شرح المصابيح": "والتوفيق بين الآية والحديث أن يقال: إن المراد من (بنى آدم) في الآية: آدم وأولاده، فكأنه صار اسماً للنوع، كالإنسان والبشر، والمراد من الإخراج: توليد بعضهم من بعض، على مر الزمان، واقتصر في الحديث على ذكر آدم اكتفاءً بذكر الأصل عن ذكر الفرع.
стр. 3070
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقلت، وما توفيقي إلا بالله: نبين أولاً أن الأحاديث الثلاثة كلها معتمدة متوافقة متعاضدة، ثم نشرع في المقصود:
أما الحديث الأول: فقد سبق أنه اتفق على روايته الإمامان: مالك، وأحمد، والشيخان: أبو داود، والترمذي، ورواه محيي السنة في "شرح السنة" و"المصابيح"، وفيه: "فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون. ثم مسح ظهره، فاستخرج منه ذريةً فقال: خلقت هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون" إلى آخر الحديث.
هذا السياق لا يدع لذي لب ريباً في أن المراد بالاستخراج: استخراج الذراري كلها إلى انقراض العالم، وإلا فأي معنى لقوله: ففيم العمل؟ ، وقوله صلوات الله عليه: "إن الله تعالى خلق العبد للجنة"، وقوله: "خلق العبد للنار"؟
وروى محيي السنة في "معالم التنزيل"، عن مقاتل وغيره: وفي آخره: "ثم أعادهم جميعاً في صلبه، فأهل القبور محبوسون، حتى يخرج أهل الميثاق كلهم من أصلاب الرجال، وأرحام النساء".
فإذن لا معنى لقولهم: اقتصر في الحديث على ذكر آدم دون الذرية، لأنه هو الأصل، فاكتفى بذكر الأصل عن الفرع.
وأما الحديث الثاني: فتمامه على ما أورده صاحب "جامع الأصول" عن الترمذي، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "لما خلق الله آدم، مسح ظهره، فسقط من ظهره كل نسمةٍ هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة، وجعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصاً
стр. 3071
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من نور، ثم عرضهم على آدم، فقال: أي رب، من هؤلاء؟ فقال: هؤلاء ذريتك" إلى آخر الحديث.
وأما الحديث الثالث: فقد أخرجه الإمام أحمد بن حنبل في "مسنده" عن ابن عباس أيضاً، كما ذكر من غير زيادة ولا نقصان.
فإذا تقرر هذا فالواجب على المفسر المحقق ألا يفسر كلام الله المجيد برأيه، إذا وجد من جانب السلف الصالح نقلاً معتمداً، فكيف بالنص القاطع من جناب حضرة الرسالة صلوات الله على صاحبها؟ فإن الصحابي ﵁ إنما سأله صلي الله عليه وسلم عما أشكل عليه من معنى الآية: أن الإشهاد هل هو حقيقة أم لا؟ والإخراج والمقاولة بقوله: (ألست بربكم قالوا بلى): أهما على المتعارف أم على الاستعارة؟ فلما أجابه صلوات الله عليه بما عرف منه ما أراده، سكت، لأنه كان بليغاً، ولو أشكل عليه من جهة أخرى لكان الواجب بيان تلك الجهة.
وكذا فهم الفاروق رضوان الله عليه.
وأما قولهم: لو كان المراد أنه أخرج من ظهر آدم، لما قال: (من ظهورهم)، بل يجب أن يقول: من ظهره وذريته، فجوابه: أن المراد آدم وذريته، لكن غلب إخراج الذراري من أصلاب أولاده نسلاً بعد نسل حينئذٍ على ذراري نفسه، لأن الكلام في الاحتجاج على
стр. 3072
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأولاد بشهادة قوله: (وأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى)، ونحوه، لكن في إرادة الامتنان، قوله تعالى: (ولَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ) [الأعراف: ١١] والمراد آدم، بقرينة قوله: (اسجدوا لأدم) [الأعراف: ١١].
ويعضده ما رواه الواحدي عن الكسائي أنه قال: "لم يذكر ظهر آدم، وإنما أخرجوا جميعاً من ظهره، لأن الله تعالى أخرج ذرية آدم بعضهم من ظهور بعض، على نحو ما يتوالد الأبناء من الآباء، واستغنى عن ذكر ظهر آدم، لما علم أنهم كلهم بنوه، وأخرجوا من ظهره".
وقال الإمام المحقق قطب الدين الشيرازي ﵀: "ظواهر ألفاظ الآية، من قوله: (مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) دافعة لظاهر حديث عمر ﵁، لكن لما كان المعلوم المقرر في بداية العقول أن بني آدم من ظهر آدم، فيكون كل ما أخرج من ظهور بني آدم في "لا يزال" على يوم القيامة هم الذر، قد أخرجهم الله تعالى في الأزل عن صلب آدم، وأخذ منه الميثاق الأول، ليعرف منه أن هذا النسل الذي يخرج في "لا يزال" من أصلاب بني آدم هو الذر الذي أخرج في الأزل من صلب آدم، وأخذ منه الميثاق الأول، وهو المقالي الأزلي، كما أخذ منهم في "لا يزال" بالتدريج، حين أخرجوا الميثاق الثاني، وهو الحالي "اللا يزالي".
стр. 3073
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والحاصل: أن الله تعالى لما كان له ميثاقان مع بني آدم، أحدهما: يهتدي إليه العقل من نصب الأدلة الباعثة على الاعتراف الحالي، وثانيهما: المقالي الذي لا يهتدي إليه العقل، بل يتوقف على توقيف واقف على أحوال العباد من الأزل إلى الأبد، كالأنبياء ﵈، أراد النبي صلي الله عليه وسلم أن يعلم الأمة ويخبرهم أن من وراء الميثاق الذي تهتدون إليه بعقولكم ميثاقاً آخر أزلياً، فقال ما قال من مسح ظهر آدم في الأزل، وإخراج الذرية والميثاق الآخر".
وقلت: هذا كلام عالي الدرجة لا مزيد عليه، وهو قريب من الأسلوب الحكيم، على منوال قوله تعالى: (يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خيرٍ فاللوالدين) [البقرة: ٢١٥]، سألوا عن بيان ما ينفقون، وأجيبوا ببيان المصرف، وضمن بيان ما ينفقون. كذا هاهنا: سأل الصحابي عن بيان الميثاق الحالي، فأجيب عن المقالي، وضمن فيه الحالي على ألطف وجه. والله أعلم.
قلت: من أبي هذا التقرير قرب أن يعدل إلى مذهب أهل العدل، وأما الترديد الذي نقله الشيخ التوربشتي ﵀ وهو أن "قالوا: إن كان هذا الإقرار عن اضطرار" إلى قوله: "وإن كان عن استدلال" إلى آخره، فخلاصته أنه يلزم ألا يكونوا محجوجين يوم القيامة. فجوابه: أنهم إذا قالوا: شهدنا يومئذ، فلما زال علم الضرورة، ووكلنا إلى آرائنا، كان كذا، كذبوا؛ فإنكم ما وكلتم إلى آرائكم، بل أرسلنا رسلنا تترى لتوقظكم عن سنة الغفلة.
стр. 3074
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال المصنف في قوله تعالى: (لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) [النساء: ١٦٥]: "الرسل منبهون عن الغفلة، وباعثون على النظر".
وقال محيي السنة: "فإن قيل: كيف تلزم الحجة واحداً لا يذكر ذلك الميثاق؟ قيل: قد أوضح الله الدلائل على وحدانيته، وصدق رسله فيما أخبروا، فمن أنكره كان معانداً ناقضاً للعهد، ولزمته الحجة، وبنسيانهم، وعدم حفظهم لا يسقط الاحتجاج بعد إخبار المخبر الصادق".
وأما الجواب عن قولهم: "فلهم أن يقولوا: أيدنا يوم الإقرار بتوفيق وعصمة، وحرمناهما من بعد"، فهو أن يقال: إن هذا مشترك الإلزام، لأنه إذا قيل لهم: ألم نمنحكم العقول والبصائر؟ فلهم أن يقولوا: فإذا حرمنا اللطف والتوفيق، فأي منفعةٍ لنا في العقل والبصيرة؟ ولنختم الكلام بما ورد عن أرباب الكشف، وأصحاب العرفان.
روى الشيخ العارف أبو عبد الرحمن السلمي في "الحقائق" عن بنان أنه قال: "انتخبهم للولاية، واستخلصهم للكرامة، وجعل لهم فتوحاً في غوامض غيوب الملكوت، أوجدهم لديه في كون الأزل، ثم دعاهم فأجابوا سراعاً، وعرفهم نفسه حين لم يكونوا في صورة الإنسية، ثم أخرجهم بمشيئته خلقاً، وأودعهم في صلب آدم، فقال: (وإذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) [الأعراف: ١٧٢]، فأخبر أنه خاطبهم وهم غير موجودين إلا بوجوده لهم، إذ كانوا واجدين للحق في غير وجودهم لأنفسهم، وكان الحق بالحق في ذلك موجوداً".
стр. 3075
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأنشد السلمي لبعضهم:
لو يسمعون كما سمعت كلامها … خروا لعزة ركعاً وسجودا
وقال شيخنا شيخ الإسلام أبو حفص السهروردي، قدس سره:
"ورد في الحديث أن الله مسح ظهر آدم، وأخرج ذريته منه، كهيئة الذر، استخرج الذر من مسام شعر آدم، فخرج الذر كخروج العرق، وكان ذلك ببطن النعمان: وادٍ بجنب عرفة، بين مكة والطائف".
وقلت: والغرض من هذا الإطناب الإرشاد إلى التفادي عن القول في الأحاديث الصادرة عن منبع الرسالة عن الثقات، بأنها متروكة العمل، لعلة كونها من الآحاد، لأن ذلك يؤدي إلى سد باب كثيرٍ من الفتوحات الغيبية، ويحرم قائله من عظيم منح الإلهية.
روى الإمام أبو بكر البيهقي ﵀ في "المدخل" عن الشافعي ﵁: الذين لقيناهم كلهم يثبتون خبر واحدٍ عن واحدٍ عن النبي صلي الله عليه وسلم، ويجعلونه سنة، حمد من تبعها، وعيب من خالفها. وقال الشافعي: من فارق هذا المذهب كان عندنا مفارقاً لسبيل أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم وأهل العلم بعدهم، وكان من أهل الجهالة. وقال الشافعي: فمهما قلت من قولٍ أو أصلت من أصلٍ فيه عن رسول الله ﷺ خلاف ما قلت، فالقول ما قال رسول الله ﷺ .
стр. 3076
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وهو قولي. قال: وجعل يردده. وروى الدارمي عن الشعبي قال: ما حدثك هؤلاء عن النبي صلي الله عليه وسلم فخذ به، وما قاله برأيه فألقه في الحش.
روينا عن أبي داود، والترمذي، وابن ماجه، والدارمي، عن المقدام، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلالٍ فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرامٍ فحرموه". وفي رواية: "وإن ما حرم رسول الله صلي الله عليه وسلم كما حرم الله" الحديث.
وفي "جامع الأصول" عن رزينٍ العبدري، عن أبي رافع، أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: "لا أعرفن الرجل منكم يأتيه الأمر من أمري أنا أمرته، أو نهيت عنه، وهو متكئ على أريكته، فيقول: ما ندري ما هذا؟ عندنا كتاب الله، وليس هذا فيه" الحديث.
وقد روى الترمذي وأبو داود وابن ماجه عن نحوه، وروايتهم أقصر.
стр. 3077
[(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ* وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)].
(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ): على اليهود (نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها): هو عالمٌ من علماء بني إسرائيل، وقيل: من الكنعانيين، اسمه بلعم بن باعوراء؛ أوتي علم بعض كتب الله، (فَانْسَلَخَ مِنْها): من الآيات، بأن كفر بها ونبذها وراء ظهره (فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ): فلحقه الشيطان وأدركه وصار قريناً له،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقلت: والذي أقضي منه العجب أن الشيخ شهاب الدين التوربشتي كيف نقل كلامهم هذا، وقرره، ولم يرد عليه، مع رسوخ علمه، وعلو مرتبته! والله أعلم.
قوله: (هو عالم من علماء بني إسرائيل): روى محي السنة عن مجاهد: هو بلعام بن باعر. وعن ابن عباس: هو بلعام بن باعوراء، كان من بني إسرائيل. وروي عن ابن طلحة ﵁ أنه كان من الكنعانيين.
قوله: ((فانسلخ منها) … بأن كفر بها، ونبذها وراء ظهره): هذه مبالغة، لأن السلخ حقيقةً: كشط الجلد عن المسلوخ، وإزالته عنه بالكلية.
قال الإمام: "انسلخ، أي: خرج. يقال لكل من فارق الشيء بالكلية: انسلخ منه".
قوله: ((فأتبعه الشيطان): فلحقه)، الجوهري: "أتبعت القوم - على "أفعلت" -: إذا كانوا قد سبقوك، فلحقتهم. وأتبعت أيضاً غيري. يقال: أتبعته الشيء فتبعه".
стр. 3078
أو: فأتبعه خطواته. وقرئ: "فاتبعه"؛ بمعنى: فتبعه، (فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ): فصار من الضالين الكافرين. روي: أن قومه طلبوا إليه أن يدعو على موسى ومن معه، فأبى وقال: كيف أدعو على من معه الملائكة، فألحوا عليه ولم يزالوا به حتى فعل، (وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها): لعظمناه ورفعناه إلى منازل الأبرار من العلماء بتلك الآيات، (وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ): مال إلى الدنيا ورغب فيها. وقيل: مال إلى السفالة ......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (روي: أن قومه طلبوا إليه أن يدعو على موسى): عن محيي السنة، عن ابن عباس، والسدي، وغيرهما، "أن موسى، لما قصد حرب الجبارين، ونزل أرض بني كنعان من أرض الشام، أتى قوم بلعام [إلى بلعم]، وكان عنده اسم الله الأعظم، فقالوا: إن موسى رجل حديد، ومعه جنود كثيرة، وإنه قد جاء ليخرجنا من ديارنا، ويقتلنا، وأنت رجل مجاب الدعوة، فاخرج وادع الله أن يردهم عنا. فقال: ويلكم، نبي الله، ومعه الملائكة والمؤمنون كيف أدعو عليهم وأنا أعلم من الله ما أعلم، وإني إن فعلت هذا ذهبت ديناي وآخرتي؟ ! فراجعوه، وألحوا عليه، فلم يزالوا يتضرعون إليه، حتى فتنوه".
قوله: ((ولكنه أخلد إلى الأرض): مال إلى الدنيا، ورغب فيها)، النهاية: "أخلد إليها، أي: ركن إليها، ولزمها". وقال الزجاج: "يقال: أخلد فلان إلى كذا وكذا، وخلد - والأول أكثر - أي: سكن إلى لذات الأرض".
قوله: (وقيل: مال إلى السفالة) الرواية بفتح السين.
стр. 3079
فإن قلت: كيف علق رفعه بمشيئة الله تعالى ولم يعلق بفعله الذي يستحق به الرفع؟ قلت: المعنى: ولو لزم العمل بالآيات ولم ينسلخ منها لرفعناه بها؛ وذلك أن مشيئة الله تعالى رفعه تابعةٌ للزومه الآيات فذكرت المشيئة. والمراد: ما هي تابعةٌ له ومسببةٌ عنه، كأنه قيل: ولو لزمها لرفعناه بها. ألا ترى إلى قوله: (وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ)، فاستدرك المشيئة بإخلاده الذي هو فعله، فوجب أن يكون (وَلَوْ شِئْنا) في معنى ما هو فعله، ولو كان الكلام على ظاهره لوجب أن يقال: ولو شئنا لرفعناه ولكنا لم نشأ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الجوهري: "السفالة، بضم السين: نقيض العلو، وبالفتح: النذالة".
الأساس: "ومن المجاز: سفلت منزلته عند الأمير. وقد سفل في النسب والعلم".
قوله: (مال إلى الدنيا ورغب فيها) مقابل لقوله: "رفعناه إلى منازل الأبرار"، لأن الدنيا ليست بمنازلهم، لقوله: "فاعبروها، ولا تعمروها".
وأما قوله: (مال إلى السفالة) فبالنظر إلى لفظ "رفعنا".
قوله: (ألا ترى إلى قوله تعالى: (ولَكِنَّهُ أَخْلَدَ إلَى الأَرْضِ)، فاستدرك المشيئة بإخلاده الذي هو فعله، فوجب أن يكون (ولو شئنا) في معنى ما هو فعله)، قال القاضي: "إنما علق رفعه بمشيئة الله، ثم استدرك عنه بفعل العبد، تنبيهاً على أن المشيئة سبب لفعله الموجب لرفعه، وأن عدمه دليل عدمها دلالة انتفاء المسبب على انتفاء سببه، وأن السبب الحقيقي هو المشيئة، وأن ما نشاهده من الأسباب وسائط معتبرة في حصول السبب، من حيث إن المشيئة تعلقت به.
стр. 3080
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وكان من حقه أن يقول: ولكنه أعرض عنها، فأوقع موقعه (ولَكِنَّهُ أَخْلَدَ إلَى الأَرْضِ واتَّبَعَ هَوَاهُ)، مبالغةً وتنبيهاً على أن ما حمله عليه هو هواه، وأن حب الدنيا رأس كل خطيئة".
هذا تمام كلام القاضي. وتلخيصه: أن قوله تعالى: (ولَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا) مجرى على ظاهره، وقوله: (ولَكِنَّهُ أَخْلَدَ إلَى الأَرْضِ) محمول على التأويل، على عكس ما فعله المصنف.
ثم الواجب علينا أن نبين وجه الرجحان من غير التعصب، فنقول، والله أعلم بمراده من كلامه: إنه تعالى لما قال: (الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا) بمعنى: نحن فعلنا إيتاء الآيات، فعقبها هو بفعل الانسلاخ، توهماً منه أنه مستقل في إيجاد الفعل، فقيل دفعاً لذلك التوهم: لو شئنا أن نرفعه بالآيات إلى المراتب العلية لفعلنا، فلا يحصل منه الانسلاخ إذاً، لكن تعلقت مشيئتنا بانحطاطه إلى الأرض، فحصل منه الانسلاخ، فوضع موضعه (أخلد إلى الأرض) ليطابق الرفع. وإنما جاء قول المصنف: "ولكنه أخلد إلى الأرض، فحططناه"، على عكس هذا التقدير: لأنه جعل مشيئة الله تابعةً لفعل العبد، فعدم التوفيق، فأخطأ في التلفيق.
وأما قوله: "ولو كان الكلام على ظاهره، لوجب أن يقال: ولو شئنا لرفعناه بها، ولكنا لم نشأ"، فجوابه: أنك لما جعلت المشيئة ابتداءً تابعةً للزوم هذا الإنسان الآيات، لزمك هذا، فاجعل لزومه الآيات تابعاً للمشيئة، كما فعلنا، لتنظر كيف يجيء الكلام على سننه!
стр. 3081
(فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ): فصفته التي هي مثلٌ في الخسة والضعة كصفة الكلب في أخس أحواله وأذلها، وهي حال دوام اللهث به واتصاله، سواء حُمِلَ عليه - أي: شُدّ عليه وهيج فطرد - أو ترك غير متعرّضٍ له بالحمل عليه. وذلك أنّ سائر الحيوان لا يكون منه اللهث إلا إذا هيج منه وحرّك، وإلا لم يلهث، والكلب يتصل لهثه في الحالتين جميعاً، وكان حق الكلام أن يقال: (ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض)، فحططناه ووضعنا منزلته، فوضع قوله: (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ) موضع "فحططناه أبلغ حط" لأنّ تمثيله بالكلب في أخس أحواله وأذلها في معنى ذلك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وكان حق الكلام) إلى قوله: (فحططناه أبلغ حط): اعلم أن التشبيه عدول عن أصل المعنى، وروم للمبالغة، فإنك إذا أردت المبالغة في قولك: "زيد شجاع"، قلت: "زيد كالأسد"؛ لأنك في التشبيه تقصد محاولة إبراز المشبه في صورة المشبه به، ليثبت في النفس خياله، فيكون أدخل في الروعة وآكد في الدلالة من أصل المعنى.
وهاهنا الأصل - كما قال - "حططناه أبلغ حط"، فوضع التمثيل مقامه، ليخيل إلى السامع خيالاً في غاية الضعة والخسة. واللهث: إدلاع اللسان من التنفس الشديد.
فإن قلت: نسبة التمثيل إلى أصل المعنى من أي قبيل هو؟ قلت: من قبيل الكناية، وأخذ الزبدة والخلاصة من المجموع من غير اعتبار مفرداته، كما سيجيء في قوله تعالى: (والأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ والسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ) [الزمر: ٦٧].
стр. 3082
وعن ابن عباس ﵄: الكلب منقطع الفؤاد، يلهث إن حمل عليه أو لم يجمل عليه. وقيل: معناه: إن وعظته فهو ضالّ، وإن لم تعظه فهو ضالّ، كالكلب إن طردته فسعى لهث، وإن تركته على حاله لهث.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقيل: معناه: إن وعظته فهو ضال) عطف على قوله: "فصفته التي هي مثل في الخسة". والتمثيل الأول: مركب عقلي، لأنه اعتبر من المجموع الضعة والخسة: شبه بلعام من حيث إنه مال من المرتبة العالية، ومنازل الأبرار من العلماء، إلى أسفل السافلين، والميل إلى الدنيا وحطامها، بالكلب في الحالتين معاً. والوجه: هو الزبدة والخلاصة من الضعة والخسة. وإليه أشار بقوله: "لأن تمثيله بالكلب في أخس أحواله وأذلها في معنى ذلك" أي: حططناه أبلغ حط.
وعلى الثاني: مركب وهمي، لأنه توهم في الوجه متعدداً، وهو عدم تغيير حال الضعة في حالتي الإغراء والترك. وهو المراد من قوله: "إن وعظته فهو ضال، وإن لم تعظه فهو ضال".
وعلى الثالث - وهو قوله: "وقيل: لما دعا بلعم على موسى" إلى آخره -: التشبيه مفرد حسي. وقوله: (إن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث) جملة استئنافية مبنية لحال تشبيه بلعام بالكلب. ولهذا قال: "وجعل يلهث كما يلهث الكلب".
والدليل على أن هذا التشبيه مفرد، والأول والثاني مركبان: سؤاله بقوله: "ما محل الجملة الشرطية؟ " بعد تمام التشبيهين. وجوابه: "النصب على الحال"، ليدخل حينئذٍ في حيز التشبيهين، لإرادة التركيب فيهما.
стр. 3083
فإن قلت: ما محل الجملة الشرطية؟ قلت: النصب على الحال، كأنه قيل: كمثل الكلب ذليلاً دائم الذلة لاهثاً في الحالتين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (النصب على الحال، كأنه قيل: كمثل الكلب ذليلاً دائم الذلة): قال صاحب "الضوء": "الشرطية لا تكاد تقع بتمامها موقع الحال، ولو أريد ذلك لجعلت خبراً عن ضمير ما أريد الحال عنه، نحو: "جاءني زيد وهو إن يسأل يعط". فالحال إذن جملة اسمية، والسر فيه أن الشرطية، لتصدرها بما يقتضي الصدرية، لا تكاد ترتبط بما قبلها، إلا أن يكون هناك فضل قوة. نعم، إنما يجوز إذا أخرجت عن حقيقة الشرط، ثم هي لم تخل من إن عطف عليها ما يناقضها أو لم يعطف. والأول: حذف الواو فيه مستمر، نحو: آتيك إن تأتني أو لم تأتني؛ لأن النقيضين في مثل هذا الموضع لا يبقيان على معنى الشرط، بل يتحولان إلى معنى التسوية، كالاستفهامين المتناقضين في قوله تعالى: (وسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ) [البقرة: ٦]. وأما الثاني: فلابد فيه من الواو، نحو: آتيك وإن لم تأتني، ولو ترك الواو لالتبس بالشرط حقيقة".
قلت: وإنما ترك الواو في التنزيل، لأنه من باب: آتيك إن تأتني أو لم تأني، لأن المراد: إن حمل عليه أو لم يحمل عليه.
وأما قوله قبل هذا: "سواء حمل عليه - أي: شد عليه وهيج فطرد - أو ترك غير متعرض له" فهو كما قاله صاحب "الضوء": "إن النقيضين في هذا المقام لا يبقيان على معنى الشرط، بل يتحولان إلى معنى التسوية".
стр. 3084
وقيل: لما دعا بلعم على موسى ﵇ خرج لسانه فوقع على صدره، وجعل يلهث كما يلهث الكلب.
(ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا) من اليهود بعد ما قرؤوا نعت رسول الله ﷺ في التوراة،
وذكر القرآن المعجز وما فيه، وبشروا الناس باقتراب مبعثه، وكانوا يستفتحون به، "فَاقْصُصِ" قصص بلعم الذي هو نحو قصصهم، (لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) فيحذرون مثل عاقبته، إذ ساروا نحو سيرته، وزاغوا شبه زيغه، ويعلمون أنك علمته من جهة الوحي، فيزدادوا إيقاناً بك وتزداد الحجة لزوماً لهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((ذَّلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا)) يعني: إنما أتى بقوله: (ذَّلِكَ مَثَلُ القَوْمِ) عقيب تمثيل بلعام لينبه اليهود الذين كذبوا رسول الله صلي الله عليه وسلم بعد ما أوتوا من الآيات، وهو التوراة، وفيها نعت الرسول صلي الله عليه وسلم وذكر القرآن، وبشروا الناس بمبعثه، واستفتحوا بنصرته، ثم انسلخوا منها، ومالوا إلى الدنيا، واشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً، وحرفوا اسمه، وكفروا به، على أن حالهم مثل حال بلعام، حذو القذة بالقذة.
وإليه الإشارة بقوله: "فاقصص قصص بلعم الذي هو نحو قصصهم (لعلهم يتفكرون) "، قلت: من تفكر في هذا المثل، وسائر الأمثال المضروبة في التنزيل، في حق المشركين والأصنام؛ من بيت العنكبوت، والذباب، تحقق له أن حال علماء السوء أسوأ وأقبح من ذلك، فما أنعاه من مثلٍ عليهم، وما هم فيه من التهالك في الدنيا؛ مالها
стр. 3085
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وجاهها، والركون إلى لذاتها وشهواتها، ومن متابعة النفس الأمارة وإرخاء زمامها في مرامها!
وكتب شيخنا شيخ الإسلام شهاب الدين أبو حفص السهروردي، إلى الإمام العلامة فخر الدين الرازي تغمدهما الله برضوانه: "من تعين في الزمان لنشر العلم، عظمت نعمة الله لديه، ينبغي للمتيقظين الحذاق من أرباب الديانات، أن يمدوه بالدعاء الصالح، ليصفي الله تعالى مورد علمه بحقائق التقوى، ومصدره من شوائب الهوى، إذ قطره من الهوى تكدر بحراً من العلم، ونوازع الهوى المركون في النفوس المستصحبة إياه، من محتدها، من العالم السفلي، إذا شابت العلم حطته من أوجه. وإذا صفت مصادر العلم وموارده من الهوى، أمدته كلمات الله التي ينفد البحر دون نفادها، ويبقي العلم على كمال قوته، وهذه رتبة الراسخين في العلم، لا المترسمين به، وهم وراث الأنبياء: كر عملهم على علمهم، وكر علمهم على عملهم، وتناوب العلم والعمل فيهم، حتى صفت أعمالهم، ولطفت، فصارت مسامراتٍ سرية، ومحاوراتٍ روحية، وتشكلت الأعمال بالعلوم، لمكان لطافتها، وتشكلت العلوم بالأعمال، لقوة فعلها، وسراتها إلى الاستعدادات.
وفي إتباع الهوى إخلاد إلى الأرض، قال الله تعالى: (ولَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا ولَكِنَّهُ أَخْلَدَ إلَى الأَرْضِ واتَّبَعَ هَوَاهُ)، فتطهير نور الفكرة عن رذائل التخيلات، والارتهان بالموهومات، التي اشتركت العقول الصغار المداهنة للنفوس القاصرة، وهو من شأن البالغين من الرجال، فتصحب نفوسهم الطاهرة الملأ الأعلى، فتسرح في ميادين القدس، والنزاهة؛ النزاهة من محبة حطام الدنيا، والفرار؛ الفرار من استحلاء نظر الخلق وعقائدهم، فتلك مصارع الأدوان. فطالب الرفيق الأعلى مكلم محدث، والتعريفات الإلهية واردة عليه، لمكان علمه بصورة.
следующие страницы →