← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.

стр. 3081

(فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ): فصفته التي هي مثلٌ في الخسة والضعة كصفة الكلب في أخس أحواله وأذلها، وهي حال دوام اللهث به واتصاله، سواء حُمِلَ عليه - أي: شُدّ عليه وهيج فطرد - أو ترك غير متعرّضٍ له بالحمل عليه. وذلك أنّ سائر الحيوان لا يكون منه اللهث إلا إذا هيج منه وحرّك، وإلا لم يلهث، والكلب يتصل لهثه في الحالتين جميعاً، وكان حق الكلام أن يقال: (ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض)، فحططناه ووضعنا منزلته، فوضع قوله: (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ) موضع "فحططناه أبلغ حط" لأنّ تمثيله بالكلب في أخس أحواله وأذلها في معنى ذلك. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وكان حق الكلام) إلى قوله: (فحططناه أبلغ حط): اعلم أن التشبيه عدول عن أصل المعنى، وروم للمبالغة، فإنك إذا أردت المبالغة في قولك: "زيد شجاع"، قلت: "زيد كالأسد"؛ لأنك في التشبيه تقصد محاولة إبراز المشبه في صورة المشبه به، ليثبت في النفس خياله، فيكون أدخل في الروعة وآكد في الدلالة من أصل المعنى. وهاهنا الأصل - كما قال - "حططناه أبلغ حط"، فوضع التمثيل مقامه، ليخيل إلى السامع خيالاً في غاية الضعة والخسة. واللهث: إدلاع اللسان من التنفس الشديد. فإن قلت: نسبة التمثيل إلى أصل المعنى من أي قبيل هو؟ قلت: من قبيل الكناية، وأخذ الزبدة والخلاصة من المجموع من غير اعتبار مفرداته، كما سيجيء في قوله تعالى: (والأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ والسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ) [الزمر: ٦٧].

стр. 3082

وعن ابن عباس ﵄: الكلب منقطع الفؤاد، يلهث إن حمل عليه أو لم يجمل عليه. وقيل: معناه: إن وعظته فهو ضالّ، وإن لم تعظه فهو ضالّ، كالكلب إن طردته فسعى لهث، وإن تركته على حاله لهث. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقيل: معناه: إن وعظته فهو ضال) عطف على قوله: "فصفته التي هي مثل في الخسة". والتمثيل الأول: مركب عقلي، لأنه اعتبر من المجموع الضعة والخسة: شبه بلعام من حيث إنه مال من المرتبة العالية، ومنازل الأبرار من العلماء، إلى أسفل السافلين، والميل إلى الدنيا وحطامها، بالكلب في الحالتين معاً. والوجه: هو الزبدة والخلاصة من الضعة والخسة. وإليه أشار بقوله: "لأن تمثيله بالكلب في أخس أحواله وأذلها في معنى ذلك" أي: حططناه أبلغ حط. وعلى الثاني: مركب وهمي، لأنه توهم في الوجه متعدداً، وهو عدم تغيير حال الضعة في حالتي الإغراء والترك. وهو المراد من قوله: "إن وعظته فهو ضال، وإن لم تعظه فهو ضال". وعلى الثالث - وهو قوله: "وقيل: لما دعا بلعم على موسى" إلى آخره -: التشبيه مفرد حسي. وقوله: (إن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث) جملة استئنافية مبنية لحال تشبيه بلعام بالكلب. ولهذا قال: "وجعل يلهث كما يلهث الكلب". والدليل على أن هذا التشبيه مفرد، والأول والثاني مركبان: سؤاله بقوله: "ما محل الجملة الشرطية؟ " بعد تمام التشبيهين. وجوابه: "النصب على الحال"، ليدخل حينئذٍ في حيز التشبيهين، لإرادة التركيب فيهما.

стр. 3083

فإن قلت: ما محل الجملة الشرطية؟ قلت: النصب على الحال، كأنه قيل: كمثل الكلب ذليلاً دائم الذلة لاهثاً في الحالتين. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (النصب على الحال، كأنه قيل: كمثل الكلب ذليلاً دائم الذلة): قال صاحب "الضوء": "الشرطية لا تكاد تقع بتمامها موقع الحال، ولو أريد ذلك لجعلت خبراً عن ضمير ما أريد الحال عنه، نحو: "جاءني زيد وهو إن يسأل يعط". فالحال إذن جملة اسمية، والسر فيه أن الشرطية، لتصدرها بما يقتضي الصدرية، لا تكاد ترتبط بما قبلها، إلا أن يكون هناك فضل قوة. نعم، إنما يجوز إذا أخرجت عن حقيقة الشرط، ثم هي لم تخل من إن عطف عليها ما يناقضها أو لم يعطف. والأول: حذف الواو فيه مستمر، نحو: آتيك إن تأتني أو لم تأتني؛ لأن النقيضين في مثل هذا الموضع لا يبقيان على معنى الشرط، بل يتحولان إلى معنى التسوية، كالاستفهامين المتناقضين في قوله تعالى: (وسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ) [البقرة: ٦]. وأما الثاني: فلابد فيه من الواو، نحو: آتيك وإن لم تأتني، ولو ترك الواو لالتبس بالشرط حقيقة". قلت: وإنما ترك الواو في التنزيل، لأنه من باب: آتيك إن تأتني أو لم تأني، لأن المراد: إن حمل عليه أو لم يحمل عليه. وأما قوله قبل هذا: "سواء حمل عليه - أي: شد عليه وهيج فطرد - أو ترك غير متعرض له" فهو كما قاله صاحب "الضوء": "إن النقيضين في هذا المقام لا يبقيان على معنى الشرط، بل يتحولان إلى معنى التسوية".

стр. 3084

وقيل: لما دعا بلعم على موسى ﵇ خرج لسانه فوقع على صدره، وجعل يلهث كما يلهث الكلب. (ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا) من اليهود بعد ما قرؤوا نعت رسول الله ﷺ في التوراة، وذكر القرآن المعجز وما فيه، وبشروا الناس باقتراب مبعثه، وكانوا يستفتحون به، "فَاقْصُصِ" قصص بلعم الذي هو نحو قصصهم، (لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) فيحذرون مثل عاقبته، إذ ساروا نحو سيرته، وزاغوا شبه زيغه، ويعلمون أنك علمته من جهة الوحي، فيزدادوا إيقاناً بك وتزداد الحجة لزوماً لهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((ذَّلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا)) يعني: إنما أتى بقوله: (ذَّلِكَ مَثَلُ القَوْمِ) عقيب تمثيل بلعام لينبه اليهود الذين كذبوا رسول الله صلي الله عليه وسلم بعد ما أوتوا من الآيات، وهو التوراة، وفيها نعت الرسول صلي الله عليه وسلم وذكر القرآن، وبشروا الناس بمبعثه، واستفتحوا بنصرته، ثم انسلخوا منها، ومالوا إلى الدنيا، واشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً، وحرفوا اسمه، وكفروا به، على أن حالهم مثل حال بلعام، حذو القذة بالقذة. وإليه الإشارة بقوله: "فاقصص قصص بلعم الذي هو نحو قصصهم (لعلهم يتفكرون) "، قلت: من تفكر في هذا المثل، وسائر الأمثال المضروبة في التنزيل، في حق المشركين والأصنام؛ من بيت العنكبوت، والذباب، تحقق له أن حال علماء السوء أسوأ وأقبح من ذلك، فما أنعاه من مثلٍ عليهم، وما هم فيه من التهالك في الدنيا؛ مالها

стр. 3085

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وجاهها، والركون إلى لذاتها وشهواتها، ومن متابعة النفس الأمارة وإرخاء زمامها في مرامها! وكتب شيخنا شيخ الإسلام شهاب الدين أبو حفص السهروردي، إلى الإمام العلامة فخر الدين الرازي تغمدهما الله برضوانه: "من تعين في الزمان لنشر العلم، عظمت نعمة الله لديه، ينبغي للمتيقظين الحذاق من أرباب الديانات، أن يمدوه بالدعاء الصالح، ليصفي الله تعالى مورد علمه بحقائق التقوى، ومصدره من شوائب الهوى، إذ قطره من الهوى تكدر بحراً من العلم، ونوازع الهوى المركون في النفوس المستصحبة إياه، من محتدها، من العالم السفلي، إذا شابت العلم حطته من أوجه. وإذا صفت مصادر العلم وموارده من الهوى، أمدته كلمات الله التي ينفد البحر دون نفادها، ويبقي العلم على كمال قوته، وهذه رتبة الراسخين في العلم، لا المترسمين به، وهم وراث الأنبياء: كر عملهم على علمهم، وكر علمهم على عملهم، وتناوب العلم والعمل فيهم، حتى صفت أعمالهم، ولطفت، فصارت مسامراتٍ سرية، ومحاوراتٍ روحية، وتشكلت الأعمال بالعلوم، لمكان لطافتها، وتشكلت العلوم بالأعمال، لقوة فعلها، وسراتها إلى الاستعدادات. وفي إتباع الهوى إخلاد إلى الأرض، قال الله تعالى: (ولَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا ولَكِنَّهُ أَخْلَدَ إلَى الأَرْضِ واتَّبَعَ هَوَاهُ)، فتطهير نور الفكرة عن رذائل التخيلات، والارتهان بالموهومات، التي اشتركت العقول الصغار المداهنة للنفوس القاصرة، وهو من شأن البالغين من الرجال، فتصحب نفوسهم الطاهرة الملأ الأعلى، فتسرح في ميادين القدس، والنزاهة؛ النزاهة من محبة حطام الدنيا، والفرار؛ الفرار من استحلاء نظر الخلق وعقائدهم، فتلك مصارع الأدوان. فطالب الرفيق الأعلى مكلم محدث، والتعريفات الإلهية واردة عليه، لمكان علمه بصورة.

стр. 3086

[(ساءَ مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ)]. (ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ) أي: مثل القوم، أو ساء أصحاب مثل القوم. وقرأ الجحدري: "ساء مثل القوم". (وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ) إما أن يكون معطوفاً على (كذبوا)، فيدخل في حيز الصلة بمعنى: الذين جمعوا بين التكذيب بآيات الله وظلم أنفسهم، وإما أن يكون كلاماً منقطعاً عن الصلة، بمعنى: وما ظلموا إلا أنفسهم بالتكذيب، وتقديم المفعول به للاختصاص، كأنه قيل: وخصوا أنفسهم بالظلم لم يتعدّها إلى غيرها. [(مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ)]. (فَهُوَ الْمُهْتَدِي) حملٌ على اللفظ، و (فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ) حملٌ على المعنى. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الابتلاء، واستئصال شأفة الابتلاء بصدق الالتجاء، وكثرة ولوجه في حريم القرب الإلهي، وانغماسة مع الأنفاس في بحار عين اليقين، وغسله كشف دلائل البرهان بنور العيان، والبرهان للأفكار، والعيان للأبرار" إلى آخره، والله أعلم. قوله: (أي: مثل القوم، أو ساء أصحاب مثل القوم) يريد: أنه لابد أن يكون المخصوص بالذم مطابقاً للفاعل، والفاعل هاهنا مضمر مميز بـ (مثلا)، و (القوم) لا يطابقه، فيقدر المضاف إما قبل (القوم) وإما قبل (مثلاً) ليطابقه. قوله: (وإما أن يكون كلاماً منقطعاً عن الصلة) وعلى هذا الكلام تذييل وتأكيد لمضمون الجملة. قوله: ((فهو المهتدي) حمل على اللفظ، و (فأولئك هم الخاسرون) حمل على المعنى):

стр. 3087

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال القاضي: "في هذا تنبيه على أن المهتدين كواحد، لاتحاد طريقهم، بخلاف الضالين. والاقتصار في الإخبار عمن هداه الله بـ (المهتدى) تعظيم لشأن الاهتداء، وتنبيه على أنه في نفسه كمال جسيم، ونفع عظيم، لو لم يحصل له غيره لكفاه، وأنه المستلزم للفوز بالنعم الآجلة". وقال: "الآية تصريح بأن الهدى والضلالة من الله، وأن هداية الله تختص ببعضٍ دون بعض، وأنها مستلزمة للاهتداء". وقلت: الآية تذييل للتمثيلين وتأكيد، لأن المشيئة هي السبب في فعل العبد من الاهتداء والضلال، وأن لزوم "بلعام" الآيات تابع لمشيئة الله، وأن الكلام فيه مجرى على ظاهره. والآية التالية المصدرة بالقسمية تذييل لقصة الفرقة الضالة بعد عد قبائحهم، وتسجيل بأنهم لا يؤمنون، تسلية لرسول الله صلي الله عليه وسلم ليعرض عنهم، ويقبل إلى من يجدي به الإنذار وينجع فيه الوعظ. يدل عليه قوله تعالى: (وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ) [الأعراف: ١٨٠]، وقوله: (ومِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ) [الأعراف: ١٨١]، أي: دع هؤلاء الذين يحرفون كلام الله، ويميلون بأسمائه الحسنى إلى التأويل الزائغ، واشتغل بأمتك الذين يتمسكون بكتاب الله، ولا يلحدون في أسمائه الحسنى، ولا يتبعون ما تشابه منها. يدل عليه ما رواه المصنف: "هذه لكم، وقد أعطي القوم بين أيديكم مثلها". ويدل على أن هذا الكلام تذييل لقصة اليهود: قوله: "والمراد: وصف حال اليهود في عظم ما أقدموا عليه، وأنهم من جملة الكثيرين الذين لا يكاد الإيمان يتأتى منهم".

стр. 3088

[(وَلَقَدْ ذَرَأنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ)]. (كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ) هُم المطبوع على قلوبهم الذين علم الله أنه لا لُطف لهم، وجعلهم في أنهم لا يلقون أذهانهم إلى معرفة الحق، ولا ينظرون بأعينهم إلى ما خلق الله نظر اعتبار، ولا يسمعون ما يتلى عليهم من آيات الله سماع تدبر، كأنهم عدموا فهم القلوب، وإبصار العيون، واستماع الآذان، وجعلهم - لإغراقهم في الكفر، وشدّة شكائمهم فيه، وأنه لا يأتي منهم إلا أفعال أهل النار - مخلوقين للنار، دلالةً على توغلهم في الموجبات وتمكنهم فيما يؤهلهم لدخول النار ومنه كتاب عمر ﵁ إلى خالد بن الوليد: "بلغني أن أهل الشام اتخذوا لك دلوكاً عجن بخمر وإني لأظنكم آل المغيرة ذره النار". ويقال لمن كان عريقاً في بعض الأمور: ما خلق فلانٌ إلا لكذا. والمراد وصف حال اليهود في عظم ما أقدموا عليه من تكذيب رسول الله ﷺ ، مع علمهم أنه النبي الموعود، وأنهم من جملة الكثير الذين لا يكاد الإيمان يتأتى منهم، كأنهم خلقوا للنار. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كتاب عمر ﵁، النهاية: "الدلوك، بالفتح: اسم لما يتدلك به من الغسولات، كالعدس والأشنان والأشياء المطيبة". قوله: (عريقاً في بعض الأمور)، الأساس: "فلان معرق في الكرم أو اللؤم، وهو عريق فيه". قوله: (وأنهم من جملة [الكثير] الذين) عطف على قوله: "وصف" أو "عظم ما أقدموا"، ومحل قوله: "كأنهم خلقوا للنار": إما نصب حال من الضمير في خبر "أن" بمعنى: مشبهين. وإما رفع خبرٍ بعد خبر، وفي كلامه أنهم ما خلقوا للنار حقيقة، وأن المراد من قوله تعالى:

стр. 3089

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (ولَقَدْ ذَرَأنَا لِجَهَنَّمَ) الإغراق في وصفهم به. وهو مخالف للظاهر والأحاديث الواردة في الباب؛ منها ما رواه الإمام أحمد بن حنبل في "مسنده"، عن عبد الرحمن بن قتادة، قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: "إن الله خلق آدم، ثم أخذ الخلق من ظهره، فقال: هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهؤلاء في النار ولا أبالي". قال قائل: فعلى ماذا نعمل؟ قال: "على موافقة القدر". ومنها ما روينا عن مالك وأحمد والترمذي وأبي داود، عن عمر ﵁: الحديث السابق، عند قوله تعالى: (ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى) [الأعراف: ١٧٢]. وغير موافق للنص القاطع، والنظم الفائق، فإن قوله تعالى: (ولقد ذرأنا لجهنم) كالتفريع على تذييل قصة الفرقة الضالة، المشبهة بـ"بلعام". وموقع قوله تعالى: (لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا ولَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا ولَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا) مع ما قبله: موقع قوله تعالى: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ) [البقرة: ٧] مع ما قبله، وفصل ما نحن بصدده عليه أنه مصدر بالجملة القسمية، أن المذكورات هاهنا مستقلة في كونها جملاً صراحاً، واسمية مكررة الجار والمجرور، والاستئناف

стр. 3090

(أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ) في عدم الفقه والنظر للاعتبار والاستماع للتدبر، (بَلْ هُمْ أَضَلُّ) من الأنعام عن الفقه والاعتبار والتدبر، (أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ): الكاملون في الغفلة، وقيل: الأنعام تبصر منافعها ومضارّها، فتلزم بعض ما تبصره، وهؤلاء أكثرهم يعلم أنه معاند فيقدم على النار. [(وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ)]. (وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى) التي هي أحسن الأسماء، لأنها ندل على معانٍ حسنةٍ من تمجيدٍ وتقديسٍ وغير ذلك، (فَادْعُوهُ بِها): فسموه بتلك الأسماء، (وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ) ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ هاهنا بإعادة اسم من استؤنف عنه الحديث، كأنه تعالى لما أقسم بقوله: (ولَقَدْ ذَرَانَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الجِنِّ والإنسِ)، قيل: فما يكون لهم حينئذ؟ فقيل: (لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا)، وكيت وكيت. وأما فائدة القسمية: فللتنبيه على قلع شبهة من عسى أن يتصدى لتأويل الآية، ويحرف النص القاطع، ويقول: "ومعنى (ولقد ذرأنا لجهنم): وجعلهم لإغراقهم في الكفر، وشدة شكمائمهم، وأنه لا يتأتى منهم إلا أفعال أهل النار، مخلوقين للنار". ومما يؤاخيه ما روى المصنف: "أن أعرابياً، لما سمع قوله تعالى: (وفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ ومَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ والأَرْضِ إنَّهُ لَحَقٌّ) [٢٢ - ٢٣]، قال: من الذي أغضب الجليل، حتى حلف؟ كأنهم لم يصدقوه بقوله حتى ألجؤوه إلى اليمن". قال الإمام: "هذه الآية حجة لصحة مذهبنا في مسألة خلق الأعمال، وإرادة

стр. 3091

واتركوا تسمية الذين يميلون عن الحق والصواب فيها فيسمونه بغير الأسماء الحسنى، وذلك أن يسموه بما لا يجوز عليه، كما سمعنا البدو يقولون بجهلهم: يا أبا المكارم، يا أبيض الوجه، يا نخىّ! أو أن يأبوا تسميته ببعض أسمائه الحسنى، نحو أن يقولوا: يا الله، ولا يقولوا: يا رحمن، وقد قال الله تعالى: (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى) [الإسراء: ١١٠]. ويجوز أن يراد: ولله الأوصاف الحسنى، وهي الوصف بالعدل والخير والإحسان وانتفاء شبه الخلق فصفوه بها، وذروا الذين يلحدون في أوصافه، فيصفونه بمشيئة القبائح وخلق الفحشاء والمنكر، وبما يدخل في التشبيه، كالرؤية ونحوها، وقيل: إلحادهم في أسمائه: تسميتهم الأصنام آلهةً، واشتقاقهم "اللات" من "الله"، و"العزى" من "العزيز". [(وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ)]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الكائنات، لأنه تعالى صرح بأنه خلق كثيراً من الجن والإنس لجهنم، ولا مزيد على بيان الله ". قوله: (يا نخي! ) بالنون والخاء المعجمة، أي: يا متكبر. الأساس: "وقد ينخى فلان، وهو منخو مزهو. وانتخى من كذا: استنكف منه، والعرب تنتخي من الدنايا، ورجل ذو نخوة". قوله: (ويجوز أن يراد: ولله الأوصاف الحسنى)، معطوف على قوله: "التي هي أحسن الأسماء" لأنها تدل على معانٍ حسنة. ويتغير بحسب التفسيرين معنى قوله تعالى: (يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ): فعلى الأول: الإلحاد في التسمية أن يقال: أبو المكارم ونحوه، أو أن يخص بالله دون الرحمن. وعلى الثاني: الإلحاد في الوصف، وهو ما ذكره من المعاني التي دلت على مذهبه تحكماً.

стр. 3092

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وهو أيضاً ميل، لأن المراد بأسمائه الحسنى ما ورد عن الشارع، وأذن فيه في الكتاب والسنة. أما الكتاب فإن التعريف في "الأسماء" للعهد، ولابد من المعهود، ولأنه أمر بالدعاء بها بقوله تعالى: (فادعوه بها) فلابد من وجود المأمور به، ونهى عن الدعاء بغيرها في قوله: (وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ)، وأوعد على الإلحاد فيها بقوله: (سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)، وأكده بالسين. وأما الحديث فما رويناه عن البخاري، ومسلم، والترمذي، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "إن لله تسعةً وتسعين اسماً، من حفظها دخل الجنة"، وفي رواية: "أحصاها"، وفي أخرى: "إن لله تسعةً وتسعين اسماً، مئةً إلا واحداً". قوله: "مئةً إلا واحداً" تأكيد وفذلكة، لئلا يزاد على ما ورد، كقوله تعالى: (تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ) [البقرة: ١٩٦]. قال محيي السنة: "الإلحاد في أسمائه: تسميته بما لم ينطق به كتاب ولا سنة. وجملته أن أسماء الله على التوقيف".

стр. 3093

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال الشيخ أبو القاسم القشيري في كتاب "مفاتيح الحجج ومصابيح النهج": "أسماء الله تعالى تؤخذ توقيفاً، ويراعى فيه الكتاب والسنة والإجماع. فكل اسم ورد به في هذه الأصول وجب إطلاقه في وصفه تعالى، وما لم يرد فيها لا يجوز إطلاقه في وصفه تعالى وإن صح معناه". وقال الزجاج: "لا ينبغي لأحدٍ أن يدعوه بما لم يصف به نفسه، فيقول: يا الله، يا رحمن، يا جواد، ولا يقول: يا سخي، لأنه لم يصف به نفسه، ويقول: يا رحيم، لا: يا رفيق، ويقول: يا قوي، لا: يا جلد". وقال الإمام: "قال أصحابنا: ليس كل ما صح معناه جاز إطلاقه عليه ، فإنه الخالق للأشياء كلها، ولا يجوز أن يقال: يا خالق الذئب والقردة. وورد: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا) [البقرة: ٣١]، (وعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ) [النساء: ١١٣]، (وعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا) [الكهف: ٦٥]، ولا يجوز: يا معلم، ولا يجوز عندي: يا محب، وقد ورد: (يُحِبُّهُمْ ويُحِبُّونَهُ) [المائدة: ٥٤] ". تم كلامه. وأما الصفات فكذلك، فكل ما ثبت بالكتاب والسنة من الصفات والأفعال، كجواز الرؤية، وخلق أفعال العباد، دون ما تشتهيه النفس، ويميل إليه الوهم، هو الذي يجب أن يتبع.

стр. 3094

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال الإمام: "ومن الإلحاد قول المعتزلة: لو فعل كذا لكان سفيهاً، مستحقاً للذم". والمقام لا يقتضي إلا ذلك، لما تقرر أن الآية تذييل لقصة اليهود، وأنهم كانوا يغيرون أوضاع التوراة، ويحرفون الكلم عن مواضعه، يعني: تمسك بما جاءك، في أسماء الله وصفاته وأفعاله، من الله، وذر الذين يغيرون ما جاءهم من الله تعالى. فإذا لا مدخل للقياس والوهم فيه. تنبيه: ذكر الفاضل برهان الدين النسفي في "شرح أسماء الله الحسنى": "أن مذهب الأشعري ومن تابعه: أن أسماء الله تعالى توقيفية. والمعتزلة والكرامية: أنها قياسية، لأنه إذا تقرر في العقل أن معنى اللفظ ثابت في حقه تعالى فقد صح الإطلاق. واختيار الغزالي وبعض الأصحاب: أن الأسماء موقوفه على الإجازة، وأما الصفات فلا. واعلم أن الألفاظ الدالة على الصفات ثلاثة أقسام: الأول: ما يدل على صفات واجبة، منها ما يصح إطلاقه مفرداً لا مضافاً، نحو: الموجود، والأزلي، والقديم، ونحوها. ومنها ما يصح إطلاقه مفرداً ومضافاً، نحو: الملك، والمولى، والرب، والخالق، يجوز: يا خالق السموات. دون: يا خالق القردة والخنازير. ومنها ما يصح مضافاً غير مفرد، نحو: يا منشئ الرفات، ويا مقيل العثرات.

стр. 3095

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والثاني: ما يدل على صفاتٍ ممتنعة، نحو: الوجه، واليد، والنزول، والمجئ، ولا يصح إطلاقه البتة، وإن ورد به السمع كان التأويل من اللوازم. والثالث: ما لا يدل على صفاتٍ واجبةٍ ولا ممتنعة، بل يدل على معانٍ ثابتة، نحو: المكر والخداع وأمثالهما. فلا يصح إطلاقه، إلا إذا ورد التوقيف. ولا يقال: يا مكار، يا خداع، البتة، وإن كان مذكوراً، كقوله: (ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ) [آل عمران: ٥٤]. فإن قلت: أليس أن العجم يسمون الله باسمٍ غير وارد، والأمة قد اتفقوا على صحته؟ فنقول: الأصل فيه ألا يصح، وأما اتفاقهم على الصحة، فإنه يدل على كونه وارداً، وأما الوصف فإنه لا يتوقف على التوقيف، فإن مدلول اللفظ لما كان ثابتاً في حق الله تعالى كان وصفه به حقاً، فوجب أن يصح، غير أنه إذا كان موهماً لما لا يليق بحضرته، فاللازم هو الاحتراز عنه". وقال أيضاً: "المتكلمون قالوا: اللفظ إما أن يدل على نفس الحقيقة من حيث هي هي، كالأرض، والسماء، والحجر، والمدر، فهو الاسم، أو يدل على أنها موصوفة بصفةٍ معينة، نحو: العالم والقادر والخالق والرازق، وهو الصفة". وقلت: هذه القسمة التي ذكرها، والفرق الذي نقله، كله على خلاف رأي الأصحاب. والحق أن الاعتماد في كل ذلك على التوقيف، فكل ما أذن به الشارع أن يدعى به الله عز اسمه - سواء كان مشتقاً أو غير مشتق - فهو اسم، وكل ما نسب إليه تعالى من غير ذلك الوجه - سواء كان مؤولاً أو غير مؤول - فهو وصف، كقوله تعالى: (ولِلَّهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى

стр. 3096

لما قال: (وَلَقَدْ ذَرَأنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً) [الأعراف: ١٧٩]، فأخبر أنّ كثيراً من الثقلين عاملون بأعمال أهل النار، أتبعه قوله: (وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فَادْعُوهُ بِهَا وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ). وقوله صلي الله عليه وسلم: "إن الله تسعةً وتسعين اسماً، مئةً إلا واحداً". وقول الآئمة: يقال: يا رحيم، لا: يا رفيق، ويقال: يا قوي، لا: يا جليد. ولا يقال: يا معلم، يا محب. مثاله حديث سلمان ﵁، عن رسول الله صلي الله عليه وسلم: "الله حيي كريم، يستحيي إذا رفع إليه العبد يده أن يرده صفراً، حتى يضع فيهما خيراً"، أخرجه أبو داود والترمذي. فالاسم كريم، والوصف حيي، فيقال: يا كريم، لا: يا حيي. وقوله: "يرده" و"يضع" مما نسب إليه، فيجوز اعتبار لفظهما فحسب، فلا يقال: يا راد، يا واضع، فقس على ذلك، لا على العقل. وقل: "لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك". قوله: (لما قال: (ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً) … أتبعه قوله: (ومِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ)): ولخص القاضي هاهنا كلام الإمام، حيث قال: "ذكر الله تعالى (ومِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ)، بعد ما بين أنه خلق للنار طائفةً ضالين ملحدين عن الحق، للدلالة على أنه خلق أيضاً للجنة هادين بالحق، عادلين في الأمر. واستدل به على صحة الإجماع، لأن المراد منه أن

стр. 3097

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ في كل قرنٍ طائفةً بهذه الصفة، إذ لو اختص بعهد الرسول صلي الله عليه وسلم أو غيره، لم يكن لذكره فائدة. فإنه معلوم". وقلت: قد ظهر من كلام المصنف والإمامين، أن قوله تعالى: (وممن خلقنا) عطف على جملة قوله: (ولقد ذرأنا) [الأعراف: ١٧٩]. وقوله: (يهدون بالحق وبه يعدلون)، إذا أخذ بجملته وزبدته، كان كالمقابل لقوله: (لهم قلوبٌ لا يفقهون بها) إلى قوله: (هم الغافلون) [الأعراف: ١٧٩]، وكلتا الآيتين كالنشر لقوله: (مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ) وهو كالتذييل لحديث بلعام، الذي أوتي آيات الله، والأسماء العظام، فانسلخ منها، ومال إلى الأرض. ولما كانت الآيات تابعةً لتلك المعاني صح أن يكون: (ولِلَّهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى) [الأعراف: ١٨٠] اعتراضاً. وأما تعلقه بقوله: (أُوْلَئِكَ هُمُ الغَافِلُونَ) [الأعراف: ١٧٩] فإنه كالتنبيه على أن الموجب لدخول جهنم هو الغفلة عن ذكر الله، وعن أسمائه الحسنى. وأرباب الذوق والمشاهدة يجدون ذلك من أرواحهم، لأن القلب، إذا غفل عن ذكر الله، وأقبل على الدنيا وشهواتها، وقع في نار الحرص، ولا يزال يترقى من ظلمةٍ إلى ظلمة، حتى ينتهي إلى دركات الحرمان. وبخلافه إذا انفتح على القلب باب ذكر الله تعالى.

стр. 3098

وعن النبي ﷺ : أنه كان يقول إذا قرأها: «هذه لكم، وقد أعطى القوم بين أيديكم مثلها: (وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ) [الأعراف: ١٥٩] "، وعنه ﷺ : "إنّ من أمتي قوماً على الحق حتى ينزل عيسى ﵇» وعن الكلبي: هم الذين آمنوا من أهل الكتاب. وقيل: هم العلماء والدعاة إلى الدين. [(وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ* وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ* أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ* أَوَ لَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ)]. الاستدراج: استفعالٌ من الدرجة؛ بمعنى: الاستصعاد أو الاستنزال درجة بعد درجة. قال الأعشى: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (هذه لكم، وقد أعطي القوم بين أيديكم مثلها) يعني: قوله تعالى: (وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون) حاصل لكم، ونازل في شأنكم، فهي مختصة بكم، وقد أعطي القوم الذين سبقكم، يعني: بني إسرائيل، مثل هذه الآية، وهي قوله تعالى: (ومِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ) الآية [الأعراف: ١٥٩]، يريد: لا تحملوا هذه الآية على بني إسرائيل، فإن لهم آية أخرى، واردةً في شأنهم. قوله: (إن من أمتي قوماً على الحق) الحديث من رواية البخاري ومسلم، عن معاوية قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "لا يزال من أمتي قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك".

стр. 3099

فلو كنت في جبّ ثمانين قامةً … ورقيت أسباب السّماء بسلّم ليستدر جنك القول حتّى تهرّه … وتعلم أنّى عنكم غير مفحم ومنه: درج الصبي: إذا قارب بين خطاه، وأدرج الكتاب: طواه شيئاً بعد شيء، ودرج القوم: مات بعضهم في أثر بعض. ومعنى (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ): سنستدنيهم قليلاً قليلاً إلى ما يهلكهم ويضاعف عقابهم، (مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ) ما يراد بهم، وذلك أن يواتر الله نعمه عليهم مع انهماكهم في الغيّ، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فلو كنت في جب) البيتين، الجب: البئر. وأسباب السماء: أبوابها. تهره: تكرهه. أفحمت فلاناً: إذا لم يطق جوابك. يقول: لو كنت مثلاً تحت الأرض، أو صعدت في السماء، ما تخلصت مني، ومن هجائي إياك، فإني أستصعدك من تحت الأرض، وأستنزلك من السماء، بقولٍ تكرهه، لتعلم أني غير مفحم من جوابك. يقول: لو كنت مثلاً تحت الأرض، أو صعدت في السماء، ما تخلصت مني، ومن هجائي إياك، فإني أستصعدك من تحت الأرض، وأستنزلك من السماء، بقولٍ تكرهه، لتعلم أني غير مفحم من جوابك. والواو في: "ورقيت" بمعنى "أو"؛ لأنه على وزان قوله تعالى: (فَإنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ) [الأنعام: ٣٥]. قوله: (أن يواتر الله نعمه) أي: يتابع، من الوتيرة، وهي: الطريقة.

стр. 3100

فكلما جدّد عليهم نعمة ازدادوا بطراً وجدّدوا معصية، فيتدرّجون في المعاصي بسبب ترادف النعم، ظانين أنّ مواترة النعم أثرةٌ من الله وتقريب، وإنما هي خذلانٌ منه وتبعيد، فهو استدراج الله تعالى، نعوذ بالله منه. (وَأُمْلِي لَهُمْ) عطفٌ على (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ)، وهو داخل في حكم السين، (إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) سماه "كيداً" لأنه شبيهٌ بالكيد، من حيث إنه في الظاهر إحسان، وفي الحقيقة خذلان. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الجوهري: "المواترة: المتابعة، ولا تكون المواترة بين الأشياء إلا إذا وقعت بينها فترة، وإلا فهي مداركة". قوله: (فيتدرجون في المعاصي بسبب ترادف النعم)، يمكن أن يحمل على الاستصعاد، باعتبار نظروهم وزعمهم أن مواترة النعم أثرة من الله، وهو الظاهر، وأن يحمل على الاستنزال، باعتبار الحقيقة؛ فإن الجبلة الإنسانية في أصل الفطرة سليمة، متهيئة لقبول الحق، لقضية "كل مولود يولد على الفطرة"، فهو في يفاع التمكن على الهدى والدين، فإذا أخلد إلى الأرض، واتبع الشهوات، ارتكب المعاصي، فنزل درجةً درجة، إلى أن يصير إلى أسفل السافلين، ومنزل أولئك (كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً) [الفرقان: ٤٤]. وإليه يلمح قوله تعالى: (لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ) [التين: ٤، ٥]. قوله: (أثرة من الله) من قولهم: استأثر فلان بالشيء: اختص به. والاسم: الأثرة، بالتحريك.

стр. 3101

(ما بِصاحِبِهِمْ): بمحمدٍ ﷺ ، (مِنْ جِنَّةٍ) من جنون، وكانوا يقولون: شاعرٌ مجنون. وعن قتادة أنّ النبي ﷺ علا الصفا، فدعاهم فخذاً فخذاً، يحذرهم بأس الله، فقال قائلهم: إن صاحبكم هذا لمجنون، بات يهوّت إلى الصباح. (أَوَلَمْ يَنْظُرُوا) نظر استدلال، (فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) فيما تدلان عليه من عظم الملك؟ والملكوت: الملك العظيم، (وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ) وفيما خلق الله مما يقع عليه اسم الشيء من أجناس لا يحصرها العدد ولا يحيط بها الوصف؟ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أن النبي صلي الله عليه وسلم علا الصفا) الحديث من رواية البخاري، ومسلم، وأحمد بن حنبل والترمذي، عن ابن عباس: "لما نزلت: (وأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) [الشعراء: ٢١٤]، صعد النبي صلي الله عليه وسلم على الصفا، فجعل ينادي: "يا بني فهر، يا بني عدي"، لبطون قريش، حتى اجتمعوا، فجاء أبو لهب وقريش. فقال: "أرايتكم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي، تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقي؟ " قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقاً. قال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد"، فقال أبو لهب: تباً لك، ألهذا جمعتنا؟ فنزلت: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وتَبَّ) [المسد: ١] ". قوله: (يهوت)، النهاية: "يهوت، أي: ينادي عشيرته، يقال: هوت بهم وهيت: إذا ناداهم، والأصل فيه حكاية الصوت. وقيل: هو أن يقول: ياه ياه. وهو نداء الراعي لصاحبه من بعد". قوله: (مما يقع عليه اسم الشيء) يعني: قوله تعالى: (من شيء) بيان "ما" في "ما خلق الله"، يعني: إن فيما خلق الله تعالى أشياء ما علق عليها أسماءً ويقع عليها اسم الشيء.

стр. 3102

(وَأَنْ عَسى) "أن" مخففةٌ من الثقيلة، والأصل: وأنه عسى، على أن الضمير ضمير الشأن، والمعنى: أو لم ينظروا في أن الشأن والحديث: عسى (أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ) ولعلهم يموتون عما قريب، فيسارعوا إلى النظر وطلب الحق وما ينجيهم، قبل مغافصة الأجل وحلول العقاب. ويجوز أن يراد باقتراب الأجل: اقتراب الساعة، ويكون من «كان» التي فيها ضمير الشأن. فإن قلت: بم يتعلق قوله؛ : (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ)؟ قلت: بقوله: (عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ)، كأنه قيل: لعلّ أجلهم قد اقترب، فما لهم لا يبادرون إلى الإيمان بالقرآن قبل الفوت، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((وأن عسى): "أن" مخففة من الثقيلة): قال أبو البقاء: "ويجوز أن تكون مصدرية. وعلى الوجهين هو عطف على (ملكوت)، و (أن يكون): فاعل (عسى)، واسم (يكون) مضمر فيها، وهو ضمير الشأن، و (قد اقترب) خبر "كان"، والهاء في (بعده) ضمير القرآن". وقوله: "ويكون من "كان" التي فيها ضمير الشأن": ابتداء كلامٍ لا يختص بقوله: "ويجوز أن يراد". قوله: (مغافصة الأجل)، الأساس: "غافصه الأمر: فاجأه على غرةٍ منه. ووقاك الله غوافص الدهر، أي: حوادثه". قوله: (كأنه قيل: لعل أجلهم قد اقترب، فما لهم لا يبادرون إلى الإيمان بالقرآن)، يدل على أن قوله تعالى: (عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ) متصل بقوله: (مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ إنْ

стр. 3103

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ هُوَ إلاَّ نَذِيرٌ)، وأن اتصال: (فبأي حديث) بقوله: (عسى أن يكون) اتصال المسبب بالسبب، لكن على تقدير معطوفات، فإنه قدر للفاء مدخولا آخر، وعطف (فبأي حديث) بالواو عليه. المعنى: أو لم يتفكروا أن الشأن والحديث أن يكون قد اقترب أجلهم، فيسارعوا إلى التفكر في القرآن، والإيمان به. وماذا ينتظرون بعد وضوح الحق؟ وبأي حديث أحق منه يريدون أن يؤمنوا. والذي يدل على أن الكلام في القرآن، وأنه متعلق بالأول، الضمير في قوله تعالى: (بعده)، وأن أصل الكلام في الرسول صلي الله عليه وسلم ونفي الجنون عنه، بما يورده من الوحي، لأن وزان الآية وزان قوله تعالى: (وما صاحبكم بمجنون)، إلى قوله: (إنْ هُوَ إلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ) [التكوير: ٢٢ - ٢٧]، والآيات المشابهة لها. وإنما خلط المصنف الكلام بعضه مع بعض، لأن قوله تعالى: (أَوَ لَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ ومَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ) جاء مقرراً لقوله: (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ إنْ هُوَ إلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ). المعنى: أو لم يتجردوا للتفكر في ملكوت السموات والأرض، وما خلق الله من شيء، ليعلموا أن الله لم يخلقهم سدى، وإنما خلقهم ليعبدوه، ولا يشركوا به شيئاً، وليحصلوا ما به ينالون الزلفى عند الله، ويتخلصوا من عقاب السرمد. ولا يستتب ذلك إلا بإنزال كتاب، وإرسال رسول. فها هو قد أنزل إليكم هذا الكلام المجيد، وأرسل هذا الرسول الكريم، فيتفكروا في أحواله، ليعلموا أنه ليس بمجنون، ولينظروا في أحوال أنفسهم،

стр. 3104

وماذا ينتظرون بعد وضوح الحقِّ؟ ، وبأي: حديثٍ أحقّ منه يريدون أن يؤمنوا؟ [(مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ)]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ليتحقق الأمر. فما هذا التواني والانتظار؟ فانتظروا الفرصة، إذ ليس بعد ذلك حديث مثله، فآمنوا به قبل مغافصة الأجل، وحلول العقاب. فلما كان قوله تعالى: (أَوَ لَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ) تقريراً لقوله: (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ) متصلاً به، وكان حديثاً في شأن التنزيل والرسول، عطف قوله: (وأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ) عليه. روى محيي السنة عن قتادة: أن النبي صلي الله عليه وسلم قام على الصفا ليلاً، فجعل يدعو قريشاً فخذاً فخذاً: "يا بني فلان، يا بني فلان"، يحذرهم بأس الله ووقائعه. فقال قائلهم: إن صاحبكم هذا لمجنون. فأنزل الله تعالى: (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ إنْ هُوَ إلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ)، ثم حثهم على النظر المؤدي إلى العلم، فقال: (أَوَ لَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ ومَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ) ليستدلوا به على وحدانيته، (وأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ) أي: بعد القرآن. أي: بأي كتابٍ غير ما جاء به محمد يصدقون، وليس بعده نبي ولا كتاب؟ ! ثم ذكر علة إعراضهم عن الإيمان فقال تعالى: (مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ) [الأعراف: ١٨٦]. قوله: (وبأي حديثٍ أحق منه)، أحق منه: تأويل (بعده). المغرب: "قوله: وإن كان

стр. 3105

قرئ: (وَيَذَرُهُمْ) بالياء والنون، والرفع على الاستئناف، و"يذرهم" بالياء والجزم؛ عطفاً على محل (فَلا هادِيَ لَهُ)، كأنه قيل: من يضلل الله لا يهده أحد ويذرهم. [(يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَاتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)]. (يَسْئَلُونَكَ) قيل: إن قوماً من اليهود قالوا: يا محمد، أخبرنا متى الساعة إن كنت نبياً، فإنا نعلم متى هي! وكان ذلك امتحاناً منهم، مع علمهم أن الله تعالى قد استأثر بعلمها. وقيل: السائلون قريش. و (السَّاعَةِ) من الأسماء الغالبة، كالنجم للثريا، وسميت القيامة بالساعة، لوقوعها بغتة أو لسرعة حسابها، أو على العكس لطولها، ..... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ليس بالذي "لا بعد له"، يعني: ليس بنهاية في الجودة والرداءة، فكأن محمدًا - رحمة الله عليه - أخذ من قولهم: هذا مما ليس بعده غاية في الجودة والرداءة". قوله: (وقرئ: (ويذرهم) بالياء والنون): بالياء: أبو عمروٍ وعاصم. وبالنون: نافع وابن كثير وابن عامر، وحمزة والكسائي: بالياء وجزم الراء. قوله: (أو على العكس): أي: سميت القيامة بالساعة، بناءً على عكس ما هي عليه من الطول، تمليحًا، كما سميت المهمه مفازةً، والأسود كافورًا.

стр. 3106

أو لأنها عند الله على طولها كساعةٍ من الساعات عند الخلق. (أَيَّانَ) بمعنى: متى. وقيل: اشتقاقه من "أي"؛ فعلان منه، لأن معناه: أي: وقتٍ وأي فعل، من: أويت إليه، لأن البعض آوٍ إلى الكل متساندٌ إليه، قاله ابن جني، وأبى أن يكون من «أيان»؛ لأنه زمان، «وأين» مكان. وقرأ السلمى: "إيان" بكسر الهمزة، ....... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أو لأنها عند الله) عطف على قوله: "لوقوعها بغتة"، يعني: سميت القيامة عرفًا بكذا، وعند الله بكذا. والساعة عرفًا: عبارة عن أدني الزمان. قال في قوله تعالى: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ) [الروم: ٥٥]: "الساعة: القيامة، سميت بذلك لأنها تقع بغتة، كما تقول: "في ساعة"، لمن تستعجله، وجرت علمًا لها، كالنجم للثريا". قوله: (قاله ابن جني): ذكر ابن جني في "المحتسب": "أما "أيان" بفتح الهمزة: ففعلان، وبكسرها: فعلان، والنون فيهما زائدة، حملاً على الأكثر في زيادة النون، في نحو ذلك. ولم تجعل "فعالاً" من لفظ "أين"، لما يمنع منه كون "أيان": ظرف زمان، و"أين": ظرف مكان. و"أي" هذه من لفظ "أويت" ومعناه: أما اللفظ فإن باب "طويت" و"شويت" أضعاف باب و"أي" هذه من لفظ "أويت" ومعناه: أما اللفظ فإن باب "طويت" و"شويت" أضعاف باب "حييت" و"عييت"، وأما المعنى فإن البعض أو إلى الكل، ومتساند إليه، فأصلها على هذا: "أوى"، ثم قلبت الواو ياء، وأدغمت في الياء، فصارت "أي"، كقولك: طويت الكتاب طيًا، وشويت اللحم شيًا". قال أبو البقاء: " (أيان): اسم مبني، لتضمنه معنى حرف الاستفهام، بمعنى "متى"، وهو خبر لـ (مرساها)، والجملة في موضع جر بدلاً من الساعة، أي: يسألونك عن زمان حلول الساعة".

стр. 3107

(مُرْساها): إرساؤها، أو وقت إرسائها، أي: إثباتها وإقرارها، وكل شيءٍ ثقيل رسوّه ثباته واستقراره. ومنه: رسا الجبل وأرسى السفينة. والمرسى: الأنجر الذي تُرسى به، ولا أثقل من الساعة، بدليل قوله: (ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ)، والمعنى: متى يرسيها الله، (إِنَّما عِلْمُها) أي: علم وقت إرسائها عنده قد استأثر به، لم يخبر به أحداً من ملكٍ مُقرّبٍ ولا نبيّ مرسل، يكاد يخفيها من نفسه، ليكون ذلك أدعى إلى الطاعة، وأزجر عن المعصية، كما أخفى الأجل الخاص، وهو وقت الموت، لذلك (لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ) أي: لا تزال خفية، لا يظهر أمرها ولا يكشف خفاء علمها إلا هو وحده إذا جاء بها في وقتها بغتة، لا يجليها بالخبر عنها قبل مجيئها أحدٌ من خلقه، ..... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ولا أثقل من الساعة): يعني: إنما استعير (مرساها) لإثبات (الساعة) وإقرارها، والرسو إنما يستعمل في الأجسام الثقيلة: كالجبل، وأنجر السفينة، لأن "الساعة" أيضًا ثقيلة في المعنى، ولا أثقل منها. قال الله تعالى: (ويَذَرُونَ ورَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلاً) [الإنسان: ٢٧]. ولهذا قال بعدها: (ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ والأَرْضِ) فجعل السموات والأرض ظرفًا لها، تشبيهاً للمعاني بالأجسام. ووجه التشبيه: أن كل شيءٍ لا يطاق ولا يقام له فهو ثقيل، كما صرح به. قوله: ((لا يجليها لوقتها إلا هو))، "اعلم أن قوله: (لوقتها) حال من فاعل (يجليها)، واللام فيه - أي: في (لوقتها) - مثلها في قوله تعالى: (أقم الصلاة لدلوك الشمس) وهي للتأقيت. قاله القاضي.

стр. 3108

لاستمرار الخفاء بها على غيره إلى وقت وقوعها، (ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) أي: كل من أهلها من الملائكة والثقلين أهمه شأن الساعة، وبودّه أن يتجلى له علمها، وشق عليه خفاؤها، وثقل عليه، أو ثقلت فيها لأن أهلها يتوقعونها ويخافون شدائدها وأهوالها، أو لأن كل شيءٍ لا يطيقها ولا يقوم لها فهي ثقيلةٌ فيها، (إِلَّا بَغْتَةً): إلا فجأةً على غفلةٍ منكم. وعن النبي ﷺ : «إن الساعة تهيج بالناس، والرجل يصلح حوضه، والرجل يسقي ماشيته، والرجل يقوّم سلعته في سوقه، والرجل يخفض ميزانه ويرفعه». ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((ثقلت في السماوات والأرض) أي: كل من أهلها): اعلم أن نسبة الثقل إلى السماوات والأرض - كما سبق - معنوي، فإما أن يقدر الأهل أو لا، والأول: الثقل: إما بحسب الاهتمام بشأن معرفتها، وأنها خفية لا تعلم، فيشق عليهم، أو بحسب الخوف من شدائدها، والتقدير: ثقل هم معرفتها، أو خوف إرسائها على أهل السماوات والأرض. و (في) هاهنا كما هي في قوله تعالى: (ولأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) [طه: ٧١]، ولذلك قال: "شق عليه". والثاني: معنى الثقل: هو أن نفس السماوات والأرض لا تطيقها، فإن السماوات تنشق عند نزولها، والأرض ترجف، والجبال تنهد. قوله: (وبوده أن يتجلى له): يقال: بودي أن أفعل كذا، أي: أتمنى، والباء زائدة، مثلها في: "بحسبك أن تفعل كذا"، وهو مبتدأ وخبر. والجملة معطوفة على خبر "كل" وهو "أهمه". قوله: (إن الساعة تهيج بالناس): روينا عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "لتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما، فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وقد

стр. 3109

(كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها): كأنك عالمٌ بها، وحقيقته: كأنك بليغٌ في السؤال عنها، لأن من بالغ في المسألة عن الشيء والتنقير عنه، استحكم علمه فيه ورصن، وهذا التركيب معناه المبالغة، ومنه: إحفاء الشارب، واحتفاء البقل: استئصاله، وأحفى في المسألة، إذا ألحف، وحفي بفلانٍ وتحفى به: بالغ في البرّ به. وعن مجاهد: استحفيت عنها السؤال حتى علمت. وقرأ ابن مسعود: "كأنك حفيّ بها"، أي: عالمٌ بها بليغٌ في العلم بها. وقيل: (عَنْها) متعلقٌ بـ (يسئلونك)، أي: يسألونك عنها كأنك حفيٌّ- أي: عالم- بها. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي منه، ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه، فلا يطعمها" أخرجه البخاري ومسلم. قوله: ((كأنك حفى عنها): كأنك عالم بها): اعلم أن (عنها) في قوله تعالى: (يسألونك كأنك حفى عنها) إما أن يتعلق بقوله: (حفى) أو (يسألونك). فإذا علق بـ (حفى) يكون كنايةً عن علمٍ رصين، لأن معنى (حفى عنها): بليغ في السؤال عن الساعة. وفيه تضمين معنى السؤال، ودلت المبالغة في المسالة عن الشيء على حصول ذلك الشيء على سبيل الاستحكام. قال الزجاج: "كأنك أكثرت المسألة عنها". المعنى: يظن اليهود أنك مبالغ في السؤال عن الساعة، حتى منحك الله علمها، فيسألون: أيان ذلك؟

стр. 3110

وقيل: إن قريشاً قالوا له: إن بيننا وبينك قرابة، فقل لنا متى الساعة؟ فقيل: يسألونك عنها كأنك حفيٌّ تتحفى بهم، فتختصهم بتعليم وقتها لأجل القرابة، وتزوي علمها عن غيرهم، ولو أُخبرت بوقتها لمصلحةٍ عرفها الله في إخبارك به، لكنت مبلغه القريب والبعيد من غير تخصيص، كسائر ما أوحي إليك. وقيل: كأنك حفيٌّ بالسؤال عنها تحبه وتؤثره، يعنى أنك تكره السؤال عنها، لأنها من علم الغيب الذي استأثر الله به، ولم يؤته أحداً من خلقه. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ هذا معنى قول مجاهد: "استخفيت عنها السؤال، حتى علمت"، لأن "حتى" للتدرج. وقراءة ابن مسعود: "كأنك حفي بها" لأنه ضمنه معنى العلم الذي هو بمعنى الإحاطة، كقوله: (وأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) [الطلاق: ١٢]، وعداه بالباء. وأما إذا علق (عنها) بـ (يسألونك)، فمتعلق (حفى) إذا الباء المقدرة. ثم لا تخلو (حفى) إما أن تضمن معنى العلم مع الباء المقدرة، كقراءة ابن مسعود، وهو المراد بقوله: " (يسألونك كأنك حفى عنها): أي عالم بها"، وإما أن تجعل من قولهم: حفي بفلان، وتحفى به: بالغ في البر به، ثم مدخول الباء إما ضمير السائل فهو المراد من قوله: " (كأنك حفى عنها): تتحفى بهم، فتختصهم بتعليم وقتها"، أو ضمير السؤال، وهو المراد من قوله: "كأنك حفي بالسؤال عنها تحبه وتختاره". قال الزجاج: "كأنك فرح بسؤالهم، يقال: تحفيت بفلان في المسألة: إذا سألت سؤالاً أظهرت فيه المحبة والبر به". قال أبو البقاء: " (حفي عنها) فيه وجهان: أحدهما تقديره: (يسألونك كأنك حفي عنها)،

стр. 3111

فإن قلت: لم كرر (يسئلونك) و (إنما علمها عند الله)؟ قلت: للتأكيد، ولما جاء به من زيادة قوله: (كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها)، وعلى هذا تكرير العلماء الحذاق في كتبهم، لا يخلون المكرر من فائدةٍ زائدة، منهم محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة رحمهما الله، (وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) أنه العالم بها، وأنه المختص بالعلم بها. [(قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)]. (قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي) هو إظهارٌ للعبودية، والانتفاء عما يختص بالربوبية من علم الغيب، أي: أنا عبدٌ ضعيفٌ لا أملك لنفسي اجتلاب نفعٍ ولا دفع ضررٍ كما المماليك والعبيد، (إِلَّا ما شاءَ اللهُ) ربي ومالكي من النفع لي والدفع عني، (وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ) لكانت حالي على خلاف ما هي عليه، ومن استكثار الخير، واستغزار المنافع، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أي: معني بطلبها، فقدم وأخر. والثاني: أن "عن" بمعنى الباء، أي: حفي بها، و (كأنك) حال من المفعول. (حفي) بمعنى "محفو)، و"فعيل" بمعنى: فاعل". قوله: (لا يخلون المكرر من فائدةٍ): قال في "الانتصاف": "وفي التكرير نكتة لا توجد إلا في القرآن، فإنه إذا بني الكلام على مقصد، واعترض في أثنائه عارض، وأريد الرجوع لتتمة المقصد الأول، وقد بعد، طري لتتصل النهاية بالبداية، فإنه تعالى ابتدأ بقوله: (يسألونك عن الساعة)، وطال الكلام، إلى قوله: (بغتة)، وأراد إنكار سؤالهم بوجه آخر، هو قوله: (كأنك حفي) وتعلقه قوي بالسؤال، فطري، وغالب التطرية بإجمال، ولهذا قال: (يسألونك) ولم يذكر "الساعة"، اكتفاءً بما تقدم، وأعاد: (إنما علمها عند الله) مجملاً".

стр. 3112

واجتناب السوء والمضارّ، حتى لا يمسني شيء منها، ولم أكن غالباً مرة ومغلوباً أخرى في الحروب، ورابحاً وخاسراً في التجارات، ومصيباً مخطئاً في التدابير، (إِنْ أَنَا إِلَّا) عبدٌ أُرسلت نذيراً وبشيراً، وما من شأني أني أعلم الغيب، (لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) يجوز أن يتعلق بـ"النذير" و"البشير" جميعاً، لأن النذارة والبشارة إنما تنفعان فيهم، أو يتعلق بـ"البشير" وحده ويكون المتعلق بـ"النذير" محذوفاً، أي: إلا نذيرٌ للكافرين، وبشيرٌ لقومٍ يؤمنون. [(هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ* فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)]. (مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ) وهي نفس آدم ﵇، (وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها) وهي حواء، خلقها من جسد آدم من ضلع من أضلاعه، أو من جنسها كقوله: (جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً) [النحل: ٧٢]، (لِيَسْكُنَ إِلَيْها): ليطمئن إليها ويميل ولا ينفر؛ لأن الجنس إلى الجنس أميل وبه آنس، وإذا كانت بعضاً منه كان السكون والمحبة أبلغ، ......... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ولم أكن غالبًا مرةً، ومغلوبا أخرى في الحروب): قلت: ومن ثم سأل هرقل أبا سفيان، على ما روينا عن البخاري ومسلم: هل قاتلتموه؟ قال: قلت: نعم. قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قال: قلت: تكون الحرب بيننا وبينه سجالاً: يصيب منا، ونصيب منه. قال: كذلك الرسل، تبتلى، ثم تكون لها العاقبة.

стр. 3113

كما يسكن الإنسان إلى ولده ويحبه محبة نفسه لكونه بضعةً منه، وقال: (لِيَسْكُنَ) فذكر بعد ما أنث في قوله: (واحدةٍ)، (منها زوجها)، ذهاباً إلى معنى "النفس" ليبين أن المراد بها آدم، ولأن الذكر هو الذي يسكن إلى الأنثى ويتغشاها، فكان التذكير أحسن طباقاً للمعنى. والتغسي: كنايةٌ عن الجماع، وكذلك الغشيان والإتيان، (حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً) خف عليها، ولم تلق منه ما يلقى بعض الحبالى من حملهن من الكرب والأذى، ولم تستثقله كما يستثقلنه، وقد تسمع بعضهن تقول في ولدها: ما كان أخفه على كبدي حين حملته! ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (بضعة منه)، الجوهري: "البضعة: القطعة من اللحم، هذه بالفتح، وأخواتها بالكسر، مثل: القطعة والفلذة". قوله: (فكان التذكير أحسن طباقًا): قيل: لو أنث الضمير في (ليسكن) لتوهم أن فاعله ضمير الزوج، والضمير المجرور للنفس، وأدى إلى أن الأنثى هي التي تسكن إلى الذكر، والشأن خلافه، وقلت: وفيه نظر. وإنما عطف المصنف "ويتغشاها" على "ويسكن" ليؤذن بالبيان والتفسير. والسكون على هذا الوجه غير السكون على الأول، لأنه كالمقدمة للجماع، وما به يتوصل الرجل إلى ما يريده من المرأة. فالفاء في (فلما تغشاها) للتعقيب، كقوله تعالى: (فَتُوبُوا إلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ) [البقرة: ٥٤]، فذكر الضمير مراعاةً للفظ والمعنى.

стр. 3114

(فَمَرَّتْ بِهِ) فمضت به إلى وقت ميلاده من غير إخداجٍ ولا إزلاق. وقيل: (حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً) يعني: النطفة، (فَمَرَّتْ بِهِ) فقامت به وقعدت. وقرأ ابن عباسٍ ﵁: "فاستمرت به"، ....... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وفائدة هذا الوجه: بيان المقصود الأول من الازدواج للتوالد والتناسل، حيث أوقع الغشيان ومقدمته، أي: السكون، علة للجعل. ومن عنده أدنى مسكةٍ يعلم أن الجماع غير مطلوب بالذات، وإنما هو ذريعة إلى تكثير نوع الإنسان، فظهر من هذا أن عطف (فلما تغشاها) على (ليسكن) مانع عن أن يحمل "السكون" على الأنثى. قوله: (إلى وقت ميلاده)، وهو من إضافة العام إلى الخاص، نحو: كل الدراهم، لأن الميلاد هو "اسم الوقت الذي ولد فيه، والمولد: الموضع الذي ولد فيه". قاله الجوهري. وأما في "الأساس" فهما سيان، قال: "مولده وميلاده: وقت كذا". قوله: (من غير إخداجٍ)، الأساس: "ناقة خادج: ألقت ولدها قبل الوقت، وإن تم خلقه. ومخدج: جاءت به ناقص الخلق، وإن كان لوقته". قوله: (ولا إزلاق)، الأساس: "ومن المجاز: أزلقت الرمكة: أسقطت، وهي مزلاق، وولدها زليق". قوله: ((فمرت به): فقامت به وقعدت): قال الزجاج: " (فمرت به)، معناه: استمرت به، قعدت وقامت، فلم يثقلها". ومن ثم عقبه المصنف بقراءة ابن عباس: "واستمرت به".

стр. 3115

وقرأ يحيى بن يعمر: "فمرت به" بالتخفيف، وقرأ غيره، "فمارت به"؛ من المرية، كقوله: (أَفَتُمارُونَهُ) [النجم: ١٢]، و"أفتمرونه". ومعناه: فوقع في نفسها ظن الحمل، وارتابت به. (فَلَمَّا أَثْقَلَتْ): حان وقت ثقل حملها، كقولك: أقربت. وقرئ: "أثقلت"، على البناء المفعول: أي: أثقلها الحمل، (دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما): دعا آدم وحواء ربهما ومالك أمرهما الذي هو الحقيق بأن يُدعى ويلتجأ إليه، فقالا: (لَئِنْ آتَيْتَنا): لئن وهبت لنا، ........ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال ابن جني: "معنى "استمرت به": مرت مكلفةً نفسها ذلك، لأن "استفعل" إنما يأتي في أكثر الأمر للطلب". قوله: (وقرأ غيره: "فمارت به"): قال ابن جني: "وهي قراءة عبد الله بن عمرو. وهو من: مار يمور: إذا ذهب وجاء. والمعنى واحد. ومنه سمي الطريق مورًا، للذهاب والمجيء عليه". وقال: "أصل قراءة يحيي بن يعمر: (فمرت به) مثقلاً، كقراءة الجماعة، فحذف تخفيفًا لثقل التضعيف، ومنه قوله تعالى: (وقرن في بيوتكن) [الأحزاب: ٣٣] إذا أخذ من القرار. ومنه: "ظلت"، و"مست"، في: ظللت، ومسست". وهذا الذي ذكره ابن جني أوفق للمشهورة مما ذكره المصنف. قوله: (ربهما ومالك أمرهما الذي هو الحقيق بأن يدعى ويلتجأ إليه): يريد أنهم إذا حزبهم أمر خطير دعوا الله. وأما تخصيص الرب بالدعاء فللاستعطاف، ولهذا قال: "ومالك أمرهما".

стр. 3116

(صالِحاً): ولداً سوياً قد صلح بدنه وبريء. وقيل: ولداً ذكراً، لأن الذكورة من الصلاح والجودة. والضمير في (آتَيْتَنا) و (لَنَكُونَنَّ) لهما ولكل من يتناسل من ذرّيتهما. (فَلَمَّا آتاهُما) ما طلباه من الولد الصالح السويّ، (جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ) أي: جعل أولادهما له شركاء، على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وكذلك (فِيما آتاهُما) أي: آتى أولادهما، وقد دلّ على ذلك بقوله: (فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) حيث جمع الضمير، وآدم وحواء بريئان من الشرك، ومعنى "إشراكهم فيما آتاهم الله": تسميتهم أولادهم بعبد العزى، وعبد مناة، وعبد شمس، وما أشبه ذلك، مكان: عبد الله، وعبد الرحمن، وعبد الرحيم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال المصنف في قوله تعالى: (بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ) [الناس: ١، ٢]: "كما يستغيث بعض الموالي إذا اعتراهم خطب بسيدهم ووالي أمرهم". قوله: ((جعلا له شركاء) أي: جعل أولادهما له شركاء على حذف المضاف): روى محيي السنة هذا القول عن الحسن وعكرمة، وقال: "فحذف الأولاد، وأقامهما مقامهم، كما أضاف فعل الآباء إلى الأبناء، فقال: (ثم اتخذتم العجل) [البقرة: ٥١، ٩٢] (وإذ قتلتم نفسًا) [البقرة: ٧٢] ". وقال الزجاج: "والذي عليه التفسير أن إبليس جاء إلى حواء، فقال: أتدرين ما في بطنك؟ فقالت: لا أدري! قال: فلعله بهيمة! ثم قال: إن دعوت الله أن يجعله إنسانًا، أتسمينه باسمي؟ فسمته عبد الحارث، وهو الحارث".

стр. 3117

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وروى نحوه محيي السنة عن ابن زيد، وروى أيضًا عن عكرمة أنه قال: "خاطب كل واحدٍ من الخلق بقوله: (خلقكم)، أي: خلق كل واحدٍ من أبيه، وجعل من جنسه زوجه". قال محيي السنة: "وهذا قول حسن، لولا قول السلف، مثل عبد الله بن عباس، ومجاهد، وسعيد بن المسيب، وجماعةٍ من المفسرين: إنه في آدم وحواء". وقلت: ما أقول: إن قول السلف أحسن الأقوال، لأنه لا قول غيره، ولا معول إلا عليه، لأنه مقتبس من مشكاة النبوة، وحضرة الرسالة صلوات الله وسلامه عليه على ما روينا عن الإمام أحمد بن حنبل والترمذي، عن سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "لما حملت حواء، طاف بها إبليس، وكان لا يعيش لها ولد، فقال: سميه عبد الحارث، فسمته، فعاش، وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره". قال محيي السنة: "لم يكن هذا إشراكاً في العبادة، ولا أن الحارث ربهما، فإن آدم ﵇ كان نبياً معصوماً من الشرك، ولكن قصد إلى أن الحارث كان سبب نجاة الولد، وسلامة أمه، وقد يطلق اسم العبد على من لا يراد به أنه مملوك، كما أن اسم الرب يطلق على

стр. 3118

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ من لا يراد أنه معبود. فعلى هذا قوله تعالى: (فتعالى الله عما يشركون) ابتداء كلام، وأراد به إشراك أهل مكة، ولئن أراد به ما سبق، فمستقيم من حيث كان الأولى بهما ألا يفعلا ما أتيا به من الإشراك في الاسم". وقلت: يدفع هذا قوله تعالى: (أيشركون ما لا يخلق شيئًا)، فإنه في الأصنام قطعاً، بل القول: إنه ابتداء كلام، وتمام تقريره أن يقال: إن قوله تعالى: (خلقكم من نفسٍ واحدةٍ) كلام وارد على النفس الواحدة وزوجها، مضمن للامتنان عليهما، وطلب الشكر، والتفادي عن الكفران، ولإلزامهما على أنفسهما الشكر، على سبيل المبالغة، على ما دل عليه قوله تعالى: (من الشاكرين) أي: من زمرتهم. وقوله تعالى: (فلما أتاهما صالحاً جعلا له شركاء) الجملة الشرطية مرتبطة بما قبلها بالفاء، وجملة الكلام مفرغ في قالب واحد، على سنن قوله تعالى: (وتجعلون رزقكم) - أي: شكر رزقكم - (أنكم تكذبون) [الواقعة: ٨٢]. فلو أجري (جعلا له) على غير ما أجري عليه الأول، لاختل النظام، وفات المقصود من الإيراد. وأما الهرب من إثبات ذلك الشرك لآدم وحواء فبعيد من البليغ المحيط بأساليب البلاغة، فإن باب التشديد والتغليظ غير مسدود، وإنما لزم الفساد أن لو حمل على الشرك الحقيقي. وأما جمع الضمير في (عما يشركون) فإن الفاء السببية التي تستحق أن تسمى بالفاء الفصيحة في قوله تعالى: (فتعالى الله عما يشركون) تقتضي أن يجري الكلام على مشركي مكة، لأنها مع متعلقها المحذوف كالتخلص من قصة آدم وحواء، إلى توبيخ المشركين،

стр. 3119

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ على ما أشار إليه محيي السنة بقوله: "ابتداء كلام، وأراد به إشراك أهل مكة". يعني إذا كان الأمر على ما ذكر، وهو مثل هذه التسمية التي لها محامل كثيرة في التبري عن الشرك، مأخوذاً على أبي البشر، ومسمى بالشرك، فما بال فعل هؤلاء المشركين، من تسمية الحجر والخشب بالآلهة، والعكوف على عبادتها، وتصريح اسم الشركاء عليها؟ (فتعالى الله عما يشركون). ثم ابتدئ مبيناً موبخاً: (أيشركون ما لا يخلق شيئاً وهم يخلقون) إلى آخر الآيات الواردة في الأصنام. هذا، وإن هذه السورة الكريمة: من مفتتحها إلى مختتمها، مفرغة في قالبٍ واحد، على نمطٍ عجيب، وأسلوبٍ غريب، لأنه تعالى افتتحها بقوله: (الّمص * كِتَابٌ أُنزِلَ إلَيْكَ فَلا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ) [الأعراف: ١ - ٢] نهاه صلوات الله وسلامه عليه عن ضيق الصدر، والتحرج عما كان يلقى من المشركين من أنواع الأذى، لئلا يتوانى في التبليغ والإنذار، ثم قص عليه قصص الأنبياء الماضية، والقرون السالفة، وما كان مغبة تكذيبهم، وعاقبة صبر الأنبياء، تشجيعاً له، وتثبيتاً لقلبه: (وكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ). ثم ختم قصص الأنبياء بذكر موسى ﵇ وأطنب في أحوال أمته، إلى أن انتهت إلى قصة بلعام وأحواله، وكانت قصته شبيهة بقصة اليهود الذين أدركوا زمن الرسول صلي الله عليه وسلم وآذوه، وأورد قوله: (سَاءَ مَثَلاً القَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وأَنفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ) [الأعراف: ١٧٧] على ما سبق. فكر راجعاً إلى ما بدئت به السورة، من: تكذيب القوم، وإعراضهم

стр. 3120

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عن آيات الله، وما كان يتحرج منه صدره صلوات الله عليه من قوله تعالى: (والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ)، وقوله: (يسألونك عن الساعة) أي: يسألونك أيان مرساها؟ مقترحين، فلا تبال بهم، وأجب عن سؤالهم وأنت منشرح الصدر: (إنما علمها عند ربي) إلى آخر نيفٍ وعشر آيات، على طريقة الأسلوب الحكيم. وتحريره: أني ما بعثت لأن أكشف لكم عن أيان الساعة، لأنه من الأمور الإلهية، لا إطلاع لي عليه، (لا يجليها لوقتها إلا هو)، (إن أنا إلا نذير وبشير)، وإنما بعثت لأكشف لكم عن الاستعداد لها، والعمل بما ينفعكم، ومما هو أهم الأشياء، وأدعى إليه أن أكشف لكم عن قبح ما أنتم فيه من الشرك بالله، وأوقفكم (إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) [لقمان: ١٣]. ألا ترون إلى أبيكم حين سمى بعض بنيه بما يتوهم منه أنه أدنى الشرك، كيف نعى عليه، وسجل بقبحه؟ فكيف بما تفعلون أنتم؟ وهلم جراً إلى آخر الآيات. ومن هذا الأسلوب ما رويناه عن البخاري ومسلم عن أنس: أن رجلاً سأل النبي صلي الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، متى الساعة؟ ، قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "ما أعددت لها؟ " فكأن الرجل استكان، ثم قال: ما أعددت لها كثير صيام ولا صدقة، ولكني أحب الله ورسوله. قال: "أنت مع من أحببت"، وفي رواية: قال أنس: "ما فرحنا بشيء فرحنا بقول النبي ﵊: "أنت مع من أحببت". قال أنس: فأنا أحب النبي صلي الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر، وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم، وإن لم أعمل أعمالهم.
следующие страницы →