Полный текст (9 345 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.
стр. 3116
(صالِحاً): ولداً سوياً قد صلح بدنه وبريء. وقيل: ولداً ذكراً، لأن الذكورة من الصلاح والجودة. والضمير في (آتَيْتَنا) و (لَنَكُونَنَّ) لهما ولكل من يتناسل من ذرّيتهما.
(فَلَمَّا آتاهُما) ما طلباه من الولد الصالح السويّ، (جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ) أي: جعل أولادهما له شركاء، على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وكذلك (فِيما آتاهُما) أي: آتى أولادهما، وقد دلّ على ذلك بقوله: (فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) حيث جمع الضمير، وآدم وحواء بريئان من الشرك، ومعنى "إشراكهم فيما آتاهم الله": تسميتهم أولادهم بعبد العزى، وعبد مناة، وعبد شمس، وما أشبه ذلك، مكان: عبد الله، وعبد الرحمن، وعبد الرحيم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال المصنف في قوله تعالى: (بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ) [الناس: ١، ٢]: "كما يستغيث بعض الموالي إذا اعتراهم خطب بسيدهم ووالي أمرهم".
قوله: ((جعلا له شركاء) أي: جعل أولادهما له شركاء على حذف المضاف): روى محيي السنة هذا القول عن الحسن وعكرمة، وقال: "فحذف الأولاد، وأقامهما مقامهم، كما أضاف فعل الآباء إلى الأبناء، فقال: (ثم اتخذتم العجل) [البقرة: ٥١، ٩٢] (وإذ قتلتم نفسًا) [البقرة: ٧٢] ".
وقال الزجاج: "والذي عليه التفسير أن إبليس جاء إلى حواء، فقال: أتدرين ما في بطنك؟ فقالت: لا أدري! قال: فلعله بهيمة! ثم قال: إن دعوت الله أن يجعله إنسانًا، أتسمينه باسمي؟ فسمته عبد الحارث، وهو الحارث".
стр. 3117
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وروى نحوه محيي السنة عن ابن زيد، وروى أيضًا عن عكرمة أنه قال: "خاطب كل واحدٍ من الخلق بقوله: (خلقكم)، أي: خلق كل واحدٍ من أبيه، وجعل من جنسه زوجه".
قال محيي السنة: "وهذا قول حسن، لولا قول السلف، مثل عبد الله بن عباس، ومجاهد، وسعيد بن المسيب، وجماعةٍ من المفسرين: إنه في آدم وحواء".
وقلت: ما أقول: إن قول السلف أحسن الأقوال، لأنه لا قول غيره، ولا معول إلا عليه، لأنه مقتبس من مشكاة النبوة، وحضرة الرسالة صلوات الله وسلامه عليه على ما روينا عن الإمام أحمد بن حنبل والترمذي، عن سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "لما حملت حواء، طاف بها إبليس، وكان لا يعيش لها ولد، فقال: سميه عبد الحارث، فسمته، فعاش، وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره".
قال محيي السنة: "لم يكن هذا إشراكاً في العبادة، ولا أن الحارث ربهما، فإن آدم ﵇ كان نبياً معصوماً من الشرك، ولكن قصد إلى أن الحارث كان سبب نجاة الولد، وسلامة أمه، وقد يطلق اسم العبد على من لا يراد به أنه مملوك، كما أن اسم الرب يطلق على
стр. 3118
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من لا يراد أنه معبود. فعلى هذا قوله تعالى: (فتعالى الله عما يشركون) ابتداء كلام، وأراد به إشراك أهل مكة، ولئن أراد به ما سبق، فمستقيم من حيث كان الأولى بهما ألا يفعلا ما أتيا به من الإشراك في الاسم".
وقلت: يدفع هذا قوله تعالى: (أيشركون ما لا يخلق شيئًا)، فإنه في الأصنام قطعاً، بل القول: إنه ابتداء كلام، وتمام تقريره أن يقال: إن قوله تعالى: (خلقكم من نفسٍ واحدةٍ) كلام وارد على النفس الواحدة وزوجها، مضمن للامتنان عليهما، وطلب الشكر، والتفادي عن الكفران، ولإلزامهما على أنفسهما الشكر، على سبيل المبالغة، على ما دل عليه قوله تعالى: (من الشاكرين) أي: من زمرتهم. وقوله تعالى: (فلما أتاهما صالحاً جعلا له شركاء) الجملة الشرطية مرتبطة بما قبلها بالفاء، وجملة الكلام مفرغ في قالب واحد، على سنن قوله تعالى: (وتجعلون رزقكم) - أي: شكر رزقكم - (أنكم تكذبون) [الواقعة: ٨٢]. فلو أجري (جعلا له) على غير ما أجري عليه الأول، لاختل النظام، وفات المقصود من الإيراد.
وأما الهرب من إثبات ذلك الشرك لآدم وحواء فبعيد من البليغ المحيط بأساليب البلاغة، فإن باب التشديد والتغليظ غير مسدود، وإنما لزم الفساد أن لو حمل على الشرك الحقيقي.
وأما جمع الضمير في (عما يشركون) فإن الفاء السببية التي تستحق أن تسمى بالفاء الفصيحة في قوله تعالى: (فتعالى الله عما يشركون) تقتضي أن يجري الكلام على مشركي مكة، لأنها مع متعلقها المحذوف كالتخلص من قصة آدم وحواء، إلى توبيخ المشركين،
стр. 3119
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
على ما أشار إليه محيي السنة بقوله: "ابتداء كلام، وأراد به إشراك أهل مكة". يعني إذا كان الأمر على ما ذكر، وهو مثل هذه التسمية التي لها محامل كثيرة في التبري عن الشرك، مأخوذاً على أبي البشر، ومسمى بالشرك، فما بال فعل هؤلاء المشركين، من تسمية الحجر والخشب بالآلهة، والعكوف على عبادتها، وتصريح اسم الشركاء عليها؟ (فتعالى الله عما يشركون).
ثم ابتدئ مبيناً موبخاً: (أيشركون ما لا يخلق شيئاً وهم يخلقون) إلى آخر الآيات الواردة في الأصنام.
هذا، وإن هذه السورة الكريمة: من مفتتحها إلى مختتمها، مفرغة في قالبٍ واحد، على نمطٍ عجيب، وأسلوبٍ غريب، لأنه تعالى افتتحها بقوله: (الّمص * كِتَابٌ أُنزِلَ إلَيْكَ فَلا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ) [الأعراف: ١ - ٢] نهاه صلوات الله وسلامه عليه عن ضيق الصدر، والتحرج عما كان يلقى من المشركين من أنواع الأذى، لئلا يتوانى في التبليغ والإنذار، ثم قص عليه قصص الأنبياء الماضية، والقرون السالفة، وما كان مغبة تكذيبهم، وعاقبة صبر الأنبياء، تشجيعاً له، وتثبيتاً لقلبه: (وكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ).
ثم ختم قصص الأنبياء بذكر موسى ﵇ وأطنب في أحوال أمته، إلى أن انتهت إلى قصة بلعام وأحواله، وكانت قصته شبيهة بقصة اليهود الذين أدركوا زمن الرسول صلي الله عليه وسلم وآذوه، وأورد قوله: (سَاءَ مَثَلاً القَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وأَنفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ) [الأعراف: ١٧٧] على ما سبق. فكر راجعاً إلى ما بدئت به السورة، من: تكذيب القوم، وإعراضهم
стр. 3120
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عن آيات الله، وما كان يتحرج منه صدره صلوات الله عليه من قوله تعالى: (والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ)، وقوله: (يسألونك عن الساعة) أي: يسألونك أيان مرساها؟ مقترحين، فلا تبال بهم، وأجب عن سؤالهم وأنت منشرح الصدر: (إنما علمها عند ربي) إلى آخر نيفٍ وعشر آيات، على طريقة الأسلوب الحكيم.
وتحريره: أني ما بعثت لأن أكشف لكم عن أيان الساعة، لأنه من الأمور الإلهية، لا إطلاع لي عليه، (لا يجليها لوقتها إلا هو)، (إن أنا إلا نذير وبشير)، وإنما بعثت لأكشف لكم عن الاستعداد لها، والعمل بما ينفعكم، ومما هو أهم الأشياء، وأدعى إليه أن أكشف لكم عن قبح ما أنتم فيه من الشرك بالله، وأوقفكم (إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) [لقمان: ١٣]. ألا ترون إلى أبيكم حين سمى بعض بنيه بما يتوهم منه أنه أدنى الشرك، كيف نعى عليه، وسجل بقبحه؟ فكيف بما تفعلون أنتم؟ وهلم جراً إلى آخر الآيات.
ومن هذا الأسلوب ما رويناه عن البخاري ومسلم عن أنس: أن رجلاً سأل النبي صلي الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، متى الساعة؟ ، قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "ما أعددت لها؟ " فكأن الرجل استكان، ثم قال: ما أعددت لها كثير صيام ولا صدقة، ولكني أحب الله ورسوله. قال: "أنت مع من أحببت"، وفي رواية: قال أنس: "ما فرحنا بشيء فرحنا بقول النبي ﵊: "أنت مع من أحببت". قال أنس: فأنا أحب النبي صلي الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر، وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم، وإن لم أعمل أعمالهم.
стр. 3121
ووجهٌ آخر، وهو أن يكون الخطاب لقريشٍ الذين كانوا في عهد رسول الله ﷺ ، …
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الاستكانة: الذل والخضوع.
وقلت - والعلم عند الله -: انظر إلى هذا العلاج الصائب لمرضى القلوب، فإن الطبيب الحاذق قد يحتاج في علاجه إلى تدبير دفع الأخلاط الرديئة، لإزالة المرض، وقد يحتاج إلى تدبير حفظ الصحة فقط.
والمشركون لما سألوا عن وقت الساعة، ولم يكن أهم شيءٍ إلا قلع الشرك، فقيل: (هو الذي خلقكم) إلى آخر الآيات، أدرج في الجواب الحكيم معرفة المسؤول عنه، وأنها مما استأثر الله تعالى بها. ولم يحتج في جواب الصحابي إلى هذا القدر، فلم يذكر. يعني: أنك بصدد أن يجب عليك ألا يخطر ببالك هذا، لأنك ممن يؤمن أن علم ذلك مختص بالله تعالى. وأما إزالة الشرك فإنك قد فرغت منها، بقي عليك ما يخلصك من أهوال يوم القيامة من العمل، "فما أعددت لها؟ " فأجاب هو أيضًا بالكلمة الحكيمة الجامعة: لكني أحب الله ورسوله.
فانظر إلى هذه الرموز التي تحير العقول!
قوله: (ووجه آخر، وهو أن يكون الخطاب لقريشٍ): روى محيي السنة عن ابن كيسان: "هم الكفار، سموا أولادهم: عبد العزى، وعبد اللات، وعبد مناة".
وقال صاحب "الانتصاف": "وأقرب من هذين التفسيرين أن يراد جنسا الذكر والأنثى، من غير قصدٍ إلى معينٍ معلوم. أي: خلقكم جنساً، وجعل أزواجكم منكم، لتسكنوا إليهن. فلما تغشى الجنس جنسه الآخر، جرى من هذين الجنسين كذا وكذا.
стр. 3122
وهم آل قصي، ....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ويجوز إضافة الكلام إلى الجنس، تقول: "قتل بنو تميم فلاناً"، ومثله قوله تعالى: (ويَقُولُ الإنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ) [مريم: ٦٦]، (قُتِلَ الإنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ) [عبس: ١٧]، (إنَّ الإنسَانَ لَفِي خُسْرٍ) [العصر: ٢].
وعلى التفسير الأول أضاف الشرك إلى أولاد آدم وحواء، وهو واقع من بعضهم، وعلى الثاني أضافه إلى قصي وعقبه، وأراد بعضهم، ويسلم بهذا من حذف المضاف اللازم للأول، ومن استبعاد إرادة قصي بهذا. والظاهر من قوله: (ليسكن إليها) أن المراد الجنس". تم كلامه.
قلت: إن لزم من التفسيرين ما ذكر من المحذوف، لزم من تفسيره أيضًا إجراء جميع ألفاظ الآية على الأوجه البعيدة. والتأويل ما نص عليه من أوحي إليه التنزيل، كما سبق بيانه. والله أعلم.
قوله: (وهم آل قصي) أي: الذين كانوا في عهد رسول الله صلي الله عليه وسلم آل قصي، أي: أولاده، يدل عليه قوله: "ويراد هو الذي خلقكم من نفس قصي"، والأقرب ما ذكره في الأنعام: "قال أبو جهلٍ: إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والنبوة، فماذا يكون لسائر قريش؟ " لأنه دل على أن قصياً من قريش.
قال محمد بن هشام صاحب "السير": النضر بن كنانة قريش، فمن كان من ولده فهو
стр. 3123
ألا ترى إلى قوله في قصة أم معبد:
فَيَا لَقُصَيّ مَا زَوَى اللَّهُ عَنْكُمُ … بِهِ مِنْ فَخَارٍ لَا يُبَارَى وَسُؤدَدِ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قرشي، وإلا فلا، وقيل: من كان من ولد فهر بن مالك بن النضر فهو قرشي، وسمي قريش لتجمعها من تفرقها، كذا في "جامع الأصول". وفي "الجامع" أيضاً: قيل: أول من سمي قريشاً قصي، وفيه بعد، والأكثر الأول، وقال محمد بن هشام: كان قصي أول من بني كعب ابن لؤي أصاب ملكاً أطاع به قومه، وكانت إليه الحجابة والسقاية والرفادة واللواء، فحاز شرف مكة كله.
قوله: (في قصة أم معبد): هذه القصة مذكورة في "شرح السنة"، و"الاستيعاب" لابن عبد البر، وكتاب "الوفا" لابن الجوزي. ونحن نورد رواية "شرح السنة".
قال: إن رسول الله صلي الله عليه وسلم حين أخرج من مكة، خرج مهاجراً إلى المدينة هو وأبو بكر ﵁ وعامر وعبد الله بن أريقط، فنزلوا خيمة أم معبد، فرأى رسول الله صلي الله عليه وسلم شاةً خلفها الجهد عن الغنم، فدعا بها رسول الله صلي الله عليه وسلم فمسح بيده ضرعها، وسمى الله،
стр. 3124
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ودعا لها، فتفاجت عليه، ودرت، فدعا بإناء، فحلب فيه ثجاً، ثم سقاها حتى رويت، وسقى أصحابه حتى رووا، ثم شرب آخرهم، ثم حلب فيها ثانياً، ثم غادره عندها وارتحلوا. فجاء زوجها، فذكرت القصة.
قال أبو معبد: هو، والله، صاحب قريشٍ الذي ذكر لنا من أمره ما ذكر!
فأصبح صوت بمكة عالياً، يسمعون الصوت، ولا يدرون من صاحبه، وهو يقول:
جزى الله رب الناس خير جزائه … رفيقين قالا خيمتي أم معبد
هما نزلاها بالهدى واهتدت به … فقد فاز من أمسى رفيق محمد
فيا لقصي ما زوى الله عنكم … به من فعالٍ لا يجازى وسؤدد
ليهن بني كعبٍ مقام فتاتهم … ومقعدها للمؤمنين بمرصد
سلوا أختكم عن شاتها وإنائها … فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد
دعاها بشاةٍ حائل فتحلبت … عليه صريحاً ضرة الشاة مزبد
فغادرها رهناً لديها لحالبٍ … يرددها في مصدرٍ ثم مورد
стр. 3125
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال: والصوت صوت مسلم الجن، أقبل من أسفل مكة، حتى خرج بأعلاها".
وزاد ابن عبد البر: "فلما سمع ذلك حسان بن ثابت، أجاب:
لقد خاب قوم غاب عنهم نبيهم … وقدس من يسري إليهم ويغتدي
ترحل عن قومٍ فضلت عقولهم … وحل على قومٍ بنورٍ مجدد
هداهم به بعد الضلالة ربهم … وأرشدهم، من يتبع الحق يرشد
وهل يستوي ضلال قومٍ تسفهوا … عما يتهم، هادٍ به كل مهتد
لقد نزلت منه على أهل يثربٍ … ركاب هدىً حلت عليهم بأسعد
نبي يرى ما لا يرى الناس حوله … ويتلو كتاب الله في كل مشهد
وإن قال في يومٍ مقالة غائبٍ … فتصديقها في اليوم أو في ضحى الغد
ليهن أبا بكر سعادة جده … بصحبته، من يسعد الله يسعد
ليهن بني كعبٍ مقام فتاتهم … ومسعدها للمؤمنين بمرصد"
стр. 3126
ويراد هو الذي خلقكم من نفس قصيّ، وجعل من جنسها زوجها عربية قرشيةً ليسكن إليها، فلما آتاهما ما طلبا من الولد الصالح السويّ جعلا له شركاء فيما آتاهما، حيث سميا أولادهما الأربعة بعبد منافٍ، وعبد العزى، وعبد قُصيٍّ، وعبد الدار، وجعل الضمير في (يُشْرِكُونَ) لهما ولأعقابهما الذين اقتدوا بهما في الشرك، وهذا تفسير حسنٌ لا إشكال فيه.
وقرئ: (شركاً)، أي: ذوي شرك، وهم الشركاء، أو أحدثا لله إشراكاً في الولد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال المصنف في "الفائق": "معنى البيت: تعالوا يا قصى، لنتعجب منكم فيما أغفلتموه من حظكم، وأضعتموه من عزكم، بعصيانكم رسول الله صلي الله عليه وسلم، وإلجائكم إياه إلى الخروج من بين أظهركم".
"ما": مبتدأ بمعنى الذي، والخبر: "من فخار"، و"لا يجازى": صفته، ويروى: "لا يبارى"، زوى فلان المال عن وارثه. والضمير في "به" لرسول الله صلي الله عليه وسلم، والباء للسببية. "لا يبارى"، من: باريت الرجل: إذا فعلت مثل فعله.
المعنى: تعالوا، يا لقصي، لتتعجب منكم من فوت أمرٍ عظيم، وفخارٍ لا يدرك، بسبب رحلة الرسول صلي الله عليه وسلم من عندكم.
قوله: (عبد قصي، وعبد الدار) أضاف قصي ولديه إلى صنميه: مناف والعزى، وواحداً إلى نفسه، وآخر إلى داره، وهي دار الندوة.
قوله: (وقرئ: "شركاً") بكسر الشين وسكون الراء: نافع وأبو بكر.
стр. 3127
[(أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ* وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ* وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ)].
أُجريت الأصنام مجرى أولي العلم في قوله: (وَهُمْ يُخْلَقُونَ)، بناءً على اعتقادهم فيها وتسميتهم إياها آلهة. والمعنى: أيشركون ما لا يقدر على خلق شيءٍ كما يخلق الله، وهم يخلقون؟ لأن الله خالقهم، أو: لا يقدر على اختلاق شيء، لأنه جماد، وهم يُخلقون؛ لأن عبدتهم يختلقونهم، فهم أعجز من عبدتهم، (وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ): لعبدتهم، (نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ) فيدفعون عنها ما يعتريها من الحوادث، بل عبدتهم هم الذين يدفعون عنهم ويحامون عليهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال الزجاج: " (شركاً) مصدر: شركت الرجل أشركه شركاً، أي: جعلا له ذا شرك". قوله: (أو لا يقدر على اختلاق شيء)، الجوهري: "خلق الإفك، واختلقه، وتخلقه: إذا افتراه، يقال: هذه قصيدة مخلوقة، أي: منحولة إلى غير قائلها".
وإنما قدر: "لا يقدر على خلق شيء" لتطابق قرينتها: (ولا يستطيعون لهم نصراً)، وهذا أبلغ مما لو قيل: ما لا يخلق شيئاً ولا ينصرهم.
قوله: (ويحامون عليهم)، الجوهري: "حاميت على ضيفي: إذا احتفلت له".
قال الشاعر:
حاموا على أضيافهم فشووا لهم
стр. 3128
(وَإِنْ تَدْعُوهُمْ): وإن تدعوا هذه الأصنام (إِلَى الْهُدى) أي: إلى ما هو هدىً ورشاد، وإلى أن يهدوكم. والمعنى: وإن تطلبوا منهم كما تطلبون من الله الخير والهدى، (لا يتبعوكم) إلى مرادكم وطلبتكم، ولا يجيبوكم كما يجيبكم الله، ويدلُّ عليه قوله: (فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) [الأعراف: ١٩٤].
(سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ) أم صمتم عن دعائهم، في أنه لا فلاح معهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وإلى أن يهدوكم) عطف تفسيري على قوله: "إلى ما هو هدى".
وفي رواية: "أو إلى أن يهدوكم" يعني: يجوز أن يحمل الهدى على الرشاد، وهو الدلالة الموصلة إلى البغية، وأن يحمل على مجرد الدلالة. والظاهر الأول، يدل عليه قوله: "وإن تطلبوا منهم الهدى كما تطلبون من الله الخير والهدى، (لا يتبعوكم) إلى مرادكم".
قوله: (يدل عليه قوله: (فادعوهم) أي: على أن معنى (لا يتبعوكم): لا يجيبوكم كما يجيبكم الله، ويمكن أن يراد: والدليل على أن الضمير في (وإن تدعوهم إلى الهدى) للأصنام، والخطاب للمشركين، وأن المعنى: لا يجيبوكم كما يجيبكم الله، وفيه إشارة إلى ترجيح هذا القول على قول من قال: إن الضمير للمشركين، والخطاب مع المسلمين.
ذكر الواحدي ومحيي السنة ما ينبئ عن هذا. وتقرير الاستدلال أن قوله: (إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم)، المراد منهم: الأصنام، بالاتفاق، وهو وارد على التعليل السابق، بدليل كلمة (إن)، وقوله: (فادعوهم فليستجيبوا لكم) مرتب عليه ترتب الحكم على الوصف المناسب، وفيه معنى الدعاء والاستجابة، ولو أريد به غير ما فسر لاختل النظم.
стр. 3129
فإن قلت: هلا قيل: أم صمتم؟ ولم وضعت الجملة الاسمية موضع الفعلية؟ قلت: لأنهم كانوا إذا حزبهم أمرٌ دعوا الله دون أصنامهم، كقوله: (وَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ) [الروم: ٣٣]، فكانت حالهم المستمرة أن يكونوا صامتين عن دعوتهم، فقيل: إن دعوتموهم لم تفترق الحال بين إحداثكم دعاءهم، وبين ما أنتم عليه من عادة صمتكم عن دعائهم.
[(إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ)].
(إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) أي: تعبدونهم وتسمونهم آلهة من دون الله (عِبادٌ أَمْثالُكُمْ) وقوله: (عِبادٌ أَمْثالُكُمْ) استهزاءٌ بهم، أي: قصارى أمرهم أن يكونوا أحياءً عقلاء، فإن ثبت ذلك فهم عبادٌ أمثالكم لا تفاضل بينكم، ثم أبطل أن يكونوا عباداً أمثالهم فقال: (أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقوله: (لأنهم كانوا إذا حزبهم أمر): تلخيصه: أن قوله: (أدعوتموهم): جملة فعلية تدل على التجدد، وقوله: (أنتم صامتون) اسمية تدل على الثبوت والاستمرار، فعطفت لإرادة التجدد في الأولى، والثبات في الثانية؛ لأن كونهم صامتين عن دعوة الأصنام، إذا نابهم بلاء أو محنة، ثابت مستمر، ما شهد منهم قط أنهم: إذا ألم بهم نازلة دعوا الأصنام، بل (دعوا الله مخلصين له الدين).
وفي معنى الآيتين التقابل، لأن التقدير: إن تطلبوا منهم الخير والهدى لا يتبعوكم إلى مرادكم، وإن تطلبوا منهم أن يدفعوا عنكم الشر، لا يجيبوكم البتة، ولذلك أنتم صامتون عن دعائهم، فأدمج في الكلام بطريق المفهوم اضطرارهم إلى الله، والتجاءهم إليه، تتميماً لذم آلهتهم.
стр. 3130
وقيل: (عبادٌ أمثالكم): مملوكون أمثالكم. وقرأ سعيد بن جبير: "إن الذين تدعون من دون الله عباداً أمثالكم" بتخفيف "إن"، ونصب "عباداً أمثالكم"، والمعنى: ما الذين تدعون من دون الله عباداً أمثالكم، على إعمال «إن» النافية عمل «ما» الحجازية، (قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ) واستعينوا بهم في عداوتي، (ثُمَّ كِيدُونِ) جميعاً أنتم وشركاؤكم، (فَلا تُنْظِرُونِ) فإني لا أُبالي بكم، ولا يقول هذا إلا واثقٌ بعصمة الله، وكانوا قد خوّفوه آلهتهم فأمر أن يخاطبهم بذلك، كما قال قوم هودٍ له: (إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ) [هود: ٥٤] فقال لهم: (أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ* مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ) [هود: ٥٥].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرأ سعيد بن جبير: "إن الذين تدعون من دون الله عباداً أمثالكم").
قال أبو البقاء: " (إن) النافية لا تعمل عند سيبويه، وخالفه المبرد".
قال ابن جني: " (إن) هذه بمنزلة "ما"، أي: ما الذين تدعون من دون الله عباداً أمثالكم، فأعمل "إن" إعمال "ما" الحجازية، وفيه ضعف، لأن "إن" هذه لم تختص بنفي الحاضر اختصاص "ما" به، فتجري مجرى "ليس" في العمل، المعنى: إن هؤلاء الذين تدعون من دون الله إنما هي حجارة، فهم أقل منكم، لأنكم عقلاء، وهي جماد، فكيف تعبدون ما هو دونكم؟
فإن قلت: كيف تصنع بقراءة الجماعة: (إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم)، إذ التقدير: أنهم مخلوقون كما أنتم أيها العباد مخلوقون؟ فكيف أثبت في هذه ما نفاه في تلك؟ ".
стр. 3131
[(إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ* وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ)].
(إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ) أي: ناصري عليكم الله، (الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ): الذي أوحى إليَّ كتابه، وأعزني برسالته، (وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ): ومن عادته أن ينصر الصالحين من عباده وأنبيائه ولا يخذلهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قلت: يجوز أن يكون الإخبار في قراءة الجماعة بمعنى الإنكار، كما سبق في قوله تعالى حكايةً عن فرعون: (آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ) [الأعراف: ١٢٣]، فيحسن حينئذ ترتب قوله: (فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ)، أي: ليسوا أمثالكم، فجربوهم بالدعاء ليستجيبوا لكم إن كانوا أمثالكم. ويكون الاستفهام في قوله تعالى: (أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا) للإنكار وتقرير عدم المساواة.
قوله: (وأعزني برسالته) هو عطف تفسيري على قوله: "أوحى إلى كتابه"، يعني قوله تعالى: (نزل الكتاب) وضع موضع: أرسلني رسولاً، لأن النبي: صاحب المعجزة، والرسول: الذي جمع بين المعجزة والكتاب.
وقلت: يمكن أن يكشف عنه بأبسط من هذا، وأن يقال: إنما خص وصف اسم الذات في هذا المقام بإنزال الكتاب، وجعلت الآية تعليلاً لقوله تعالى: (قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنظِرُونِ) للدلالة على تفخيم أمر المنزل، وأنه الفارق بين الحق والباطل، وأنه القامع لضلالات الكفر، والمجلي لظلمات الشرك، والمفحم لألسن أرباب البيان، المعجز الباقي في كل أوان، وهو النور المبين، والحبل المتين، وبه أصلح الله شؤون رسوله،
стр. 3132
[(وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ)].
(يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ): يشبهون الناظرين إليك، لأنهم صوّروا أصنامهم بصورة من قلب حدقته إلى الشيء ينظر إليه، (وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ): وهم لا يدركون المرئيّ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صلوات الله عليه، حيث كمل به خلقه، وأقام به أوده، وأفسد به أباطيل المعطلة، وأفحم ملفقات المعارضة.
ومن ثم جيء بقوله تعالى: (وهو يتولى الصالحين) كالتذييل والتقرير لما سبق، والتعريض بمن فقد الصلاح بالخذلان والمحق.
المعنى: إن وليي الله الذي نزل الكتاب المشهور، الذي تعرفون حقيقته، ومثل ذلك يتولى الصالحين، ويخذل الظالمين.
وقوله: (والذين تدعون من دونه) الآيتين كالمقابل لها.
وإلى التذييل أشار المصنف بقوله: "ومن عادته أن ينصر الصالحين".
قوله: ((ينظرون إليك): يشبهون الناظرين): قال الإمام: "إن حملنا هذه الصفات على الأصنام، قلنا: المراد من كونها ناظراً: كونها مقابلةً بوجوهها وجوه القوم، وإن حملناها على المشركين، فالمعنى: أنهم وإن كانوا ينظرون، إلا أنهم لشدة إعراضهم عن الحق، لم ينتفعوا بذلك النظر والرؤية، فصاروا كأنهم عمي".
стр. 3133
[(خُذِ الْعَفْوَ وَأمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ)].
(الْعَفْوَ): ضد الجهد: أي: خذ ما عفا لك من أفعال الناس وأخلاقهم، وما أتى منهم، وتسهل من غير كلفة، ولا تداقهم، ولا تطلب منهم الجهد وما يشق عليهم، حتى لا ينفروا، كقوله ﷺ : «يسروا ولا تعسروا» قال:
خذي العفو مني تستديمي مودّتي … ولا تنطقى في سورتي حين أغضب
وقيل: خذ الفضل وما تسهل من صدقاتهم، وذلك قبل نزول آية الزكاة، فلما نزلت أمر أن يأخذهم بها طوعاً أو كرهاً.
و"العرف": المعروف والجميل من الأفعال، (وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ): ولا تكافئ السفهاء بمثل سفههم، ولا تمارهم، واحلم عنهم، وأغض على ما يسوؤك منهم.
وقيل: لما نزلت الآية "سأل جبريل: ما هذا؟ فقال: لا أدري حتى أسأل، ثم رجع فقال: يا محمد، إن ربك أمرك أن تصل من قطعك، ......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ولا تداقهم)، أي: لا تناقشهم. الأساس: "داقني في الحساب، مداقة".
قوله: (أن تصل من قطعك). الحديث رواه أحمد بن حنبل في "مسنده"، عن عقبة بن عامر.
واعلم أن التوفيق بين الآية والحديث إنما يستتب إذا أخذ الزبدة والخلاصة من المجموع. والزبدة في الآية: تحري حسن المعاشرة مع الناس، وتوخي بذل المجهود في الإحسان إليهم، والمداراة معهم، والإغضاء عن مساوئهم، وعلى هذا معنى الحديث، ولكنه
стр. 3134
وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك". وعن جعفر الصادق: أمر الله نبيه ﵊ بمكارم الأخلاق، وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق منها.
[(وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أغرب منه، وأصعب متناولاً، وكذلك ينبغي أن يكون، لأن القرآن مادته عامة، والحديث القدسي مادته خاصة، (قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ) [البقرة: ٦٠].
قوله: (أمر الله نبيه بمكارم الأخلاق): هو من حديث مالك، أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: "بعثت لأتمم مكارم الأخلاق". أخرجه الإمام مالك في "الموطأط.
أما بيان أن هذه الآية جامعة لمكارم الأخلاق، فلأن الخلق - بضم اللام وسكونها -: الطبع والسجية. وحقيقته: أن الإنسان له صورة باطنة، وهي نفسه، ولها صفات حسنة، وصفات قبيحة، وعليهما يترتب الثواب والعقاب في الآخرة. والأنبياء بعثوا لتغيير الصفات القبيحة إلى الحسنة، ليتخلص الناس من العقاب، ويخلصوا إلى الثواب. ولا شك أن نبينا صلوات الله عليه خاتمهم، بعث لإتمام ما دعوا الناس إليه، و"كان خلقه القرآن"، كما روي عن عائشة ﵂، فدعا الناس بخلقه إلى صراط مستقيم. فالمدعو إما: مؤمن موافق، أو مخالف؛ فالمخالف إما معاند أو غير معاند، وطريق الدعوة مع الفرقة الأولى بأداء العبادات، وتزكية النفس من الرذائل، وتحليتها بالفضائل، وإليه الإشارة بقوله تعالى: (وامُرْ بِالْعُرْفِ) [الأعراف: ١٩٩]. ومع الثانية بالمداراة والمساهلة وإرخاء العنان، وهو المراد بقوله تعالى: (خُذِ العَفْوَ) [الأعراف: ١٩٩].
وقال تعالى: (يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إلاَّ اللَّهَ) الآية [آل عمران: ٦٤].
стр. 3135
(وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ): وإما ينخسنك منه نخس، بأن يحملك بوسوسته على خلاف ما أمرت به، (فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ) ولا تطعه.
النزغ والنسغ: الغرز والنخس، كأنه ينخس الناس حين يغريهم على المعاصي. وجعل النزغ نازغاً، كما قيل جدّ جدّه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وروينا عن مسلم عن أبي موسى، قال: كان النبي صلي الله عليه وسلم إذا بعث أحداً من أصحابه في بعض الأمور قال: "بشروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا".
ومع الثالثة بالمتاركة والإعراض. وإليه أومأ بقوله تعالى: (وأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ) [الأعراف: ١٩٩]. وقال تعالى: (وقِيلِهِ يَا رَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ * فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) [الزخرف: ٨٨ - ٨٩].
وعلى هذا القسم ينطبق الكلام مع السابق، لأنه كلام في المعاندين من المشركين، فوضع موضع ضميرهم (الجاهلين) تسجيلاً عليهم بعدم الارعواء، وإقناطاً كلياً منهم، لأن جهلهم جهل مركب، ألا ترى كيف أعاد الضمير في قوله: (وإخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ * وإذَا لَمْ تَاتِهِم بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَهَا) [الأعراف: ٢٠٢ - ٢٠٣]. كل ذلك بيان للعناد والتمرد.
قوله: (كأنه ينخس الناس حين يغريهم). قال القاضي: "شبه وسوسته للناس، إغراءً لهم على المعاصي، وإزعاجاً، بغرز السائق ما يسوقه".
قال الزجاج: "النزغ: أدنى حركة من الآدمي، وأدني وسوسة من الشيطان".
стр. 3136
وروي: أنها لما نزلت قال رسول الله ﷺ : «كيف - يا رب - والغضب؟ » فنزل: (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ). ويجوز أن يراد بنزغ الشيطان: اعتراء الغضب، كقول أبي بكر ﵁: "إنّ لي شيطاناً يعتريني".
[(إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ* وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ)].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لما نزلت)، أي: قوله تعالى: (خُذِ العَفْوَ وامُرْ بِالْعُرْفِ وأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ) [الأعراف: ١٩٩]، قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "كيف، يا رب، والغضب؟ ! "، أي: كيف أصنع مع الظالم، والغضب حامل على الانتقام؟ فقيل: إن الغضب من نزغ الشيطان (وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ).
روينا عن أبي داود، عن عطية، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "إن الغضب من الشيطان" الحديث.
قوله: (ويجوز أن يراد بنزغ الشيطان: اعتراء الغضب)، فالتقدير: (خُذِ العَفْوَ وامُرْ بِالْعُرْفِ وأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ)، وإن اعتراك منه فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم.
روينا عن البخاري ومسلم وأبي داود، عن سليمان بن صرد، قال: استب رجلان
стр. 3137
(طيفٌ مِنَ الشَّيْطانِ): لمةٌ منه، مصدرٌ من قولهم: طاف به الخيال يطيف طيفاً، قال:
أنَّى ألَمَّ بِكَ الْخَيَالُ بَطِيفُ
أو هو تخفيف "طيف" فيعل، من: طاف يطيف، كلينٍ. أو مِن: طاف يطوف، كهين. وقرئ: (طائف)، وهو يحتمل الأمرين أيضاً. وهذا تأكيدٌ وتقريرٌ لما تقدم من وجوب الاستعاذة بالله عند نزغ الشيطان، وأنّ المتقين هذه عادتهم: …
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عند رسول الله ﷺ ، فبينما أحدهما يسب صاحبه مغضباً، قد احمر وجهه، قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "إني لأعلم كلمة، لو قالها، لذهب عنه الذي يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لذهب عنه" الحديث.
قوله: (أني ألم بك الخيال يطيف): تمامه:
ومطافه لك ذكرة وشغوف
البيت لكعب بن زهير.
ألم: نزل، والإلمام: الزيارة. والذكرة: ضد النسيان. والشغوف: امتلاء القلب من الحب.
قوله: (وقرئ: (طائف))، نافع وابن عامر وعاصم وحمزة، وهو أيضاً يحتمل أن يكون واوياً ويائياً.
قوله: (وأن المتقين هذه عادتهم) عطف تفسيري على قوله: "تأكيد"، أي: قوله تعالى:
стр. 3138
إذا أصابهم أدنى نزغ من الشيطان وإلمام بوسوسته، (تَذَكَّرُوا) ما أمر الله به ونهى عنه، فأبصروا السداد ودفعوا ما وسوس به إليهم، ولم يتبعوه أنفسهم. وأما "إخوان الشياطين" الذين ليسوا بمتقين، فإن الشياطين (يمدونهم في الغي)، أي: يكونون مدداً لهم فيه ويعضدونهم. وقرئ: (يمُدّونهم) من الإمداد، و"يمادّونهم"، بمعنى: يعاونونهم، (ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ): ثم لا يمسكون عن إغوائهم حتى يصروا ولا يرجعوا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا) تذييل للكلام السابق، وتوكيد لمعناه، ومن ثم صرح بذكر العادة.
ثم الخطاب في قوله تعالى: (وإما ينزغنك) إما أن يكون مختصاً برسول الله صلي الله عليه وسلم هو الظاهر، إذ التقدير: (خُذِ العَفْوَ وامُرْ بِالْعُرْفِ وأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ)، وإن اعتراك غضب فاستعذ بالله. فالمناسب أن يراد بـ"المتقين" المرسلون من أولي العزم، كما قال تعالى: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ) [الاحقاف: ٣٥]، أو يكون عاماً على طريقة: "بشر المشائين إلى المساجد بالنور التام"، أو خاصاً يراد به العام، كنحو: (ْيَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ) [الطلاق: ١]، فالمتقون حينئذ: الصالحون من عباد الله.
قوله: (إذا أصابهم أدنى نزغٍ): الجملة من الشرط والجزاء بيان للجملة قبلها، وهي: "أن المتقين هذه عادتهم".
قوله: (وقرئ "يمدونهم" من الإمداد) نافع، يقال: مد الدواة وأمدها: زادها ما يصلحها. ومده الشيطان في الغي، وأمده: إذا أوصله بالوساوس حتى يتلاحق غيه.
стр. 3139
قوله: (وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ) كقوله:
قَوْمٌ إذَا الْخَيْلُ جَالُوا فِى كَوَاثِبِهَا
في أنّ الخبر جار على غير ما هو له.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (قوم إذا الخيل حالوا في كواثبها): تمامه:
فوارس الخيل لا ميل ولا قزم
الخيل: الفرسان. حالوا - بالحاء المهملة -: وثبوا. يقال: حال في ظهر الفرس: وثب عليه وركب، والكاثبة من الفرس: ما تقدم من قربوس السرج. والميل: جمع أميل، وهو: الذي لا يثبت على هر الدابة. والقزم: اللئام.
يقول: هم فوارس الخيل، لا مائلون عن وجوه الأعداء، ولا لئام ضعاف صغار، أو لا بخلاء، ليجمع لهم صفة الشجاعة والسخاوة.
قالوا: إن الاحتجاج بهذا البيت لا يصح، لأن "الخيل" ليس بمبتدأ، لأن "إذا" لا تدخل على المبتدأ المتضمن معنى الشرط.
وتقديره: إذا حال الخيل حالوا في كواثبها، فكان ارتفاع "الخيل" بالفاعلية.
وقوله: "حالوا في كواثبها" مفسر للقول السابق، والتفسير في حكم الساقط، وإنما نظير الآية: هند زيد تضربه.
стр. 3140
ويجوز أن يراد بـ"الإخوان": الشياطين، ويرجع الضمير المتعلق به إلى الجاهلين، فيكون الخبر جارياً على ما هو له. والأوّل أوجه، لأن "إخوانهم" في مقابلة (الذين اتقوا).
فإن قلت: لم جمع الضمير في "إخوانهم". والشيطان مفردٌ؟ قلت: المراد به الجنس، كقوله: (أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ) [البقرة: ٢٥٧].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأجيب: لم لا يجوز أن "إذا" قد انسلخ عنه معنى الاستقبال، وصار للوقت المجرد، على نحو: إذا يقوم زيد إذا يقوم عمرو. بل المعنى عليه؟
قوله: (فيكون الخبر جارياً على ما هو له): فعلى الأول التقدير: وإخوان الشياطين الذين ليسوا بمتقين، الشياطين يمدونهم. الضمير المسند إليه الفعل ليس للمبتدأ، بل لمتعلقه. كما أن الضمير في "حالوا" لصاحب الخيل.
وعلى الثاني التقدير: وإخوان الجاهلين الذين هم الشياطين، يمدون الجاهلين.
قوله: (والأول أوجه، لأن "إخوانهم" في مقابلة (الذين اتقوا)): يعني: في الكلام مقابلة، فيجب مراعاتها. فإن قوله تعالى: (وإمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ) أمر للنبي صلي الله عليه وسلم بالاستعاذة من نزغ الشيطان. وقوله: (إن الذين اتقوا) إلى آخر الآيتين، كالتعليل للآمر بالاستعاذة، يعني: دأب من هو على صفتك من التقوى الاستعاذة عند نزغ الشيطان، ودأب من يخالفك بخلافه.
روى الواحدي عن الضحاك: "المشركون لا يقصرون عن الضلالة، ولا يبصرونها، بخلاف ما قال في المؤمنين: (تَذَكَّرُوا فَإذَا هُم مُّبْصِرُونَ) ".
стр. 3141
[(وَإِذا لَمْ تَأتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)].
اجتبى الشيء، بمعنى جباه لنفسه: أي: جمعه، كقولك: اجتمعه، أو جُبي إليه فاجتباه: أي: أخذه، كقولك: جليت إليه العروس فاجتلاها، ومعنى (لَوْلا اجْتَبَيْتَها):
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأيضاً، الكلام في الأصل جار على المشركين المعاندين، كما سبق، وأن قوله: (إن الذين اتقوا) وقوله: (وإخوانهم يمدونهم) بعد ذكر العفو، والأمر بالعرف، والإعراض، ونزغ الشيطان، والاستعاذة، كالتخلص منه إلى ذكر ما ابتدئ له الحديث.
وفيه: أنه يجب عليك، أيها الداعي البشير النذير، إذا لحقك منهم أذى أن تعفو عنهم، وإن اعتراك غضب يحملك على الانتقام فذاك نزغة من الشيطان ونخسة، فإن الشيطان ليس له عليك سلطان، سوى هذه النسخة التي إذا استعذت بالله بطلت، لأنك من المخلصين من عباده، لكن هؤلاء المشركين هم الذين اتبعوا الشياطين، فلا يفارقونهم، كالأخ لشقيقه. والشياطين أيضاً لا يقصرون في غيهم، يمدونهم غياً بعد غي.
ومن ذلك أنك إذا أعرضت عنهم، وتركتهم، ولم تأتهم بآية، قالوا لك: (لَوْلا اجْتَبَيْتَهَا) [الأعراف: ٢٠٣] ولا غي بعد اقتراح الآيات مع الاستهزاء، قل: إن آيتي هذا الكتاب المعجز الظاهر لمن له بصيرة، يميز بين الحق والباطل، ويفرق بين الافتراء والصدق المحض، وهدى ورحمةً لمن آمن بأنه من عند الله، وليس بافتراء.
وفيه تعريض بهؤلاء الكفرة أن لا بصائر لهم ولا هداية، وأنهم من أهل غضب الله والآيسين من رحمته، حيث لم يرفعوا به رأساً، كقوله تعالى: (يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إلاَّ الفَاسِقِينَ) [البقرة: ٢٦].
قوله: (أوجبي إليه فاجتباه)، الراغب: "جببت الماء في الحوض: جمعته. والحوض
стр. 3142
هلا اجتمعتها، افتعالاً من عند نفسك؛ لأنهم كانوا يقولون: (ما هذا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرىً) [سبأ: ٤٣]، أو: هلا أخذتها منزّلةً عليك مقترحة؟ (قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي) ولست بمفتعل للآيات، أو لست بمقترحٍ لها. (هذا بَصائِرُ): هذا القرآن بصائر (مِنْ رَبِّكُمْ) أي: حجج بينةٌ يعود المؤمنون بها بصراء بعد العمى، أو هو بمنزلة بصائر القلوب.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الجامع له: جابية، وجمعها: جوابٍ. ومنه: جبيت الخراج، ومنه قوله تعالى: (يُجْبَى إلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ) [القصص: ٥٧]. والاجتباء: الجمع على سبيل الاصطفاء. واجتباء الله العبد: تخصيصه إياه بفيضٍ إلهي، يتحصل منه أنواع من النعم، بلا سعي من العبد، وذلك للأنبياء وبعض من يقاربهم من الصديقين والشهداء".
قوله: (اجتمعتها افتعالاً من عند نفسك): "افتعالاً": حال من الفاعل في "اجتمعتها"، وهذا مبني على قوله: "اجتبي الشيء، بمعنى: جباه لنفسه"، وقوله: "هلا أخذتها منزلة" مبني على قوله: "أو جبي إليه فاجتباه". و"منزلة": حال من المفعول. ومعنى قوله: "هلا أخذتها منزلةً عليك مقترحة": هلا طلبت من الله وأنت مقترح، ليكون اقتراحك سبباً لأن يأخذها وهي مقترحة؟
فعلى هذا هو تهكم من الكفار، كقوله تعالى حكايةً عنهم: (يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ) [الحجر: ٦].
قوله: (أو هو بمنزلة بصائر القلوب): يريد: أن "البصائر" هاهنا إما من إطلاق المسبب على السبب؛ فإن المراد: هذا حجج وبرهان من ربكم، تفتح بها أعين عمي، وقلوب صفر عن البصيرة. ولما كانت الحجج سبباً لإدراك القلب، قيل: (هذا بصائر)، أو أنها استعارة، استعير لإرشاد القرآن الخلق إلى درك الحقائق البصائر.
стр. 3143
[(وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)].
(وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا) ظاهره وجوب الاستماع والإنصات وقت قراءة القرآن في صلاةٍ وغير صلاة. وقيل: كانوا يتكلمون في الصلاة فنزلت، ثم صار سنةً في غير الصلاة أن ينصت القوم إذا كانوا في مجلسٍ يقرأ فيه القرآن.
وقيل معناه: وإذا تلا عليكم الرسول القرآن عند نزوله فاستمعوا له.
وقيل: معنى (فاستمعوا له): فاعملوا بما فيه ولا تجاوزوه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقيل: معنى (فاستمعوا له): فاعملوا بما فيه، ولا تجاوزوه): قال الزجاج: "لأن معنى قول القائل: سمع الله دعاءك: أجاب الله دعاءك".
الأساس: "ومن المجاز: "سمع الله لمن حمده": أجاب وقبل، والأمير سمع كلام فلان".
وقلت: هذا أوفق لتأليف النظم سابقًا ولاحقاً، وأجمع للمعاني والأقوال. فإنه تعالى لما ذكر تعريضًا بأن المشركين إنما استهزؤوا بالقرآن، ونبذوه وراءهم ظهرياً، لأنهم فقدوا البصائر، وعدموا الهداية والرحمة، وأن حالهم على خلاف المؤمنين، أمر المؤمنين بمزيد ما كانوا عليه من مجرد الاستماع، وهو العمل بما فيه، والتمسك به، وألا يجاوزوه، ترتباً للحكم على تلك الأوصاف.
ولذلك قيل: (وإذا قرئ القراءن): وضع للمظهر موضع المضمر، لمزيد الدلالة على العلية. يعني: إذا ظهر، أيها المؤمنون، أنكم لستم مثل هؤلاء المعاندين، فعليكم بهذا الكتاب الجامع لصفات الكمال، الهادي إلى الطريق المستقيم، الموصل إلى مقام الرحمة والزلفى، (فاستمعوا له)، وبالغوا في الأخذ منه، والعمل بما فيه، ليحصل المطلوب، و (لعلكم ترحمون).
стр. 3144
[(وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ)].
(وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ) هو عامٌّ في الأذكار من قراءة القرآن والدعاء والتسبيح والتهليل وغير ذلك، (تَضَرُّعاً وَخِيفَةً): متضرعاً وخائفاً، (وَدُونَ الْجَهْرِ): ومتكلماً كلاماً دون الجهر، لأنّ الإخفاء أدخل في الإخلاص وأقرب إلى حسن التفكر، (بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ) لفضل هذين الوقتين، أو أراد الدوام. ومعنى (بالغدوّ): بأوقات الغدوّ، وهي الغدوات. وقرئ: "والإيصال"، من آصل: إذا دخل في الأصيل، كأقصر وأعتم،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فيدخل فيه وجوب الإنصات في الصلاة، بالطريق الأولى، لأنها مقام المناجاة، والاستماع من المتكلم. وعلى هذا الإنصات عند تلاوة الرسول صلي الله عليه وسلم، وفيه أن رفع الجناح في غير الصلاة من باب السهولة وضعف القوة.
قوله: (وقرئ: "والإيصال"): قال ابن جني: "قرأها أبو مجلز، وهو مصدر: آصلنا، فنحن مؤصلون، أي: دخلنا في وقت الأصيل".
قوله: (كأقصر)، الجوهري: "أقصرنا، أي: دخلنا في قصر العشي. كما تقول: أمسينا، من المساء. وقصر الظلام: اختلاطه. ويقال: أتيته قصراً، أي: عشياً".
قوله: (وأعتم): قال الخليل: "العتم من الليل: بعد غيبويه الشفق".
стр. 3145
وهو مطابقٌ للغدوّ (وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ) من الذين يغفلون عن ذكر الله ويلهون عنه.
[(إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِه ِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ)].
(إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ) هم الملائكة صلوات الله عليهم، ومعنى (عِنْدَ): دنوّ الزلفة، والقرب من رحمة الله تعالى وفضله، لتوفرهم على طاعته وابتغاء مرضاته، (وَلَهُ يَسْجُدُونَ): ويختصونه بالعبادة لا يشركون به غيره، وهو تعريضٌ بمن سواهم من المكلفين.
عن رسول الله ﷺ : من «قرأ سورة الأعراف جعل الله يوم القيامة بينه وبين إبليس ستراً، وكان آدم شفيعاً له يوم القيامة».
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (مطابق للغدو) لأن الأصل أن يقال: بالغدوات، جمع "غدوة"، ليطابق "الآصال" في الجمع. وأما على هذه القراءة فهما مفردان.
قوله: (وهو تعريض بمن سواهم من المكلفين): يعني: دل تقديم متعلق (يسجدون) عليه، على أن غيرهم لا يختصونه بالسجود، بل يشركون معه غيره.
وقلت: يمكن أن يقال: إن التقديم لمراعاة الفواصل، وإن الآية بتمامها تعريض، لأن وزان قوله تعالى: (إنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ) الآية، مع قوله: (واذكر ربك في نفسك) الآية، وزان قوله: (فَإنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ والنَّهَارِ وهُمْ لا يَسْأَمُونَ) [فصلت: ٣٨]، مع قوله: (واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون) [فصلت: ٣٧] في ترتب الثاني على الأول، والمخالفة بالفاء والاستئناف لا تمنع العلية.
стр. 3146
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ.
المعنى: ايتوا بالعبادة على سبيل التضرع والاستكانة، واستشعار الخوف سراً، والخفض من الصوت جهراً، لأن المطلوب المواطأة بين السر والعلانية، في التواضع والمداومة، فإن لم تأتوا بالعبادة على هذا الوجه، فاعلموا أنا مغنون عنكم، لأن لنا عباداً مكرمين مقربين، دأبهم وعادتهم التواضع وعدم الاستكبار في جميع أحوالهم.
وبهذا ظهر أن القول بالمداومة في الغدو والآصال هو الوجه. ويدل عليه قوله تعالى: (ولا تكن من الغافلين)، والتعريض بالأفعال المضارعة، أي: (يستكبرون)، و (يسبحونه)، (وله يسجدون) لأنها تدل على أن عدم الاستكبار، والتسبيح، والسجدة، دأبهم وعادتهم، كقوله تعالى: (يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ والنَّهَارِ وهُمْ لا يَسْأَمُونَ) [فصلت: ٣٨].
وفي الآية الدلالة على أن الأصل في الذكر اللساني مراعاة سلوك القصد والاعتدال، ونظيره وله تعالى: (ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ولا تُخَافِتْ بِهَا وابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً) [الإسراء: ١١٠].
وأما قوله تعالى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وخُفْيَةً) [الأعراف: ٥٥] فمختص بالدعاء، واستنزال الإجابة، هذا إذا جعل الخطاب في قوله: (واذكر ربك) عاماً، نحو قوله صلوات الله عليه: "بشر المشائين إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة". وأما إذا جعل مختصاً برسول الله صلي الله عليه وسلم، تأديباً له، وتأسياً لأمته، وإظهاراً لبيان مكانته ومنزلته، فيكون في الآيات إشعار بمراتب الذكر، وبيان درجات الذاكرين، بحسب تفاوت منازلهم ومقاماتهم، قوله تعالى: (واذكر ربك في نفسك تضرعا) إشارة إلى أعلى المراتب، وهو حصة الواصلين المشاهدين، وقوله: (ودون الجهر من القول) هي المرتبة الوسطى، وهي نصيب السائرين إلى مقام المشاهدة، وقوله: (ولا تكن من الغافلين) إيماء إلى مرتبة النازلين من السالكين.
стр. 3147
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ.
فالأمر في قوله تعالى: (واذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وخِيفَةً) للوجوب، وفي (ودون الجهر من القول) للترخص تأسياً، والنهي بقوله: (ولا تكن من الغافلين) للترفع عن هذا المقام، على سبيل التهييج والإلهاب. يعني: ولا تكن من الجاهرين بالصوت، لأن منزلتك فوق هذا المقام، لأنك من الواصلين إلى عين الحقيقة، الماثلين في مقام الشهود، المنخرطين في زمرة المقربين الذين جاهدوا في قمع خواطر النفس، وإماطة لوث الهوى.
وفي ذكر الخوف الإشعار باستشعار هيبة الجلال، قال:
أشتاقه فإذا بدا … أطرقت من إجلاله
لا خيفة بل هيبةً … وصيانةً لجماله
ومن هذا المقام نهى صلوات الله عليه أصحابه، على ما روينا عن البخاري ومسلم والترمذي وأبي داود، عن أبي موسى، قال: كنا مع رسول الله صلي الله عليه وسلم في سفر، فجعل الناس يجهرون بالتكبير، فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "يا أيها الناس، اربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصم، ولا غائباً، إنكم تدعون سميعاً بصيراً، وهو معكم، والذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته". كقوله: (وهو معكم) [الحديد: ٤] و (أقرب).
فعلى هذا: حال المبتدئ والسالك منوطة برأي الشيخ المرشد، فإنه قد يأمره برفع الصوت في الذكر، لقلع الخواطر، وحديث النفس، لرسوخها فيه في بدء الأمر.
стр. 3148
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ.
فقوله تعالى: (ولا تكن من الغافلين) إشارة إلى هذا المقام.
ووجدت في بعض كلمات شيخنا شيخ الإسلام أبي حفص السهروردي، قدس سره بلا شك أنه قال: "بنية العبد ووجوده يحكي مدينةً جامعة، وأعضاؤه وجوارحه بمثابة سكان المدينة وقطان البلد. والعبد، في وقت إقباله على الذكر، كمؤذن صعد منارةً على باب المدينة، ويقصد إسماع أهل المدينة بالأذان، فهكذا الذاكر المحقق، يقصد إيقاظ قلبه، وإنباه أجزائه وأبعاضه، يذكر بلسانه، ويعي الذكر بقلبه ومتفرقات جوارحه، فتكون مناداة الذكر باللسان، وصداه في قبة القالب، يستحضر بالذكر سكان مدينة النفس، ويستجمع شوارد عساكر الفهم والحس، يقول ببعضه، ويستمع بكله، إلى أن تنتقل الكلمة من اللسان إلى القلب، فيتنور بها، ويظفر بجدوى الأحوال، ثم ينعكس نور القلب على القالب، فيتزين بمحاسن الأعمال".
وقال أيضاً في "العوارف": "لا يزال العبد يردد هذه الكلمة على لسانه، مع مواطأة القلب، حتى تصير الكلمة متأصلةً في القلب، مزيلةً لحديث النفس، ينوب معناها في القلب عن كل حديث النفس. فإذا استولت الكلمة، وسهلت على اللسان، يتشربها القلب، ويصير الذكر حينئذٍ ذكر الذات، وهذا الذكر هو المشاهدة والمكاشفة والمعاينة. وهذا هو المقصد الأقصى من الخلوة. وقد يحصل هذا لا بذكر الكلمة بل بتلاوة القرآن، إذا أكثر من التلاوة، واجتهد في مواطأة القلب مع اللسان، حتى تجري التلاوة على اللسان، وتقوم مقام حديث النفس، فيدخل على العبد سهولة في التلاوة والصلاة". والله أعلم.
تمت السورة
стр. 3149
سورة الأنفال
مدنية، ست وسبعون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[(يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) ١ - ٤]
النفل: الغنيمة، لأنها من فضل الله تعالى وعطائه،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سورة الأنفال
مدنية، ست وسبعون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (لأنها من فضل الله تعالى) وهو علة التسمية، قال الإمام: "سُميت الغنائم أنفالاً؛
стр. 3150
قال لبيد:
إنَّ تَقْوَى رَبِّنَا خَيْرُ نَفَلْ
والنفل: ما ينفله الغازي، أي يعطاه زائدًا على سهمه من المغنم، وهو أن يقول الإمام تحريضًا على البلاء في الحرب: من قتل قتيلًا فله سلبه. أو قال لسرية: ما أصبتمُ فهو لكم، أو فلكم نصفه أو ربعه. ولا يخمس النفل، ويلزم الإمام الوفاء بما وعد منه. وعند الشافعي ﵀ -في أحد قوليه-: لا يلزم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لأن المسلمين فضلوا بها على سائر الأمم الذين لم تحل الغنائم لهم، وقال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ [الأنبياء: ٧٢]، أي: زيادة على ما سأل".
قوله: (إن تقوى ربنا خيرُ نفل): تمامه:
… وبإذن الله ريثي وعجل
أحمد الله فلا ند له … بيديه الخيري ما شاء فعل
من هداه سبل الخير اهتدى … ناعم البال ومن شاء أضل
قوله: (على البلاء في الحرب)، المغرب: "بلاه وأبلاه: اختبره، ومنه: أبلى في الحرب؛ إذا أظهر بأسه حتى اختبره الناس".
قوله: (من قتل قتيلاً فله سلبه) الحديث: من رواية البخاري ومسلم وغيرهما: "من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه"، الحديث.
стр. 3151
ولقد وقع اختلاف بين المسلمين في غنائم بدر، وفي قسمتها، فسألوا رسول الله ﷺ كيف تُقسم، ولمن الحكم في قسمتها؟ أللمهاجرين أم للأنصار؟ أم لهم جميعاً؟ فقيل له: قل لهم: هي لرسول الله ﷺ ، وهو الحاكمُ فيها خاصة، يحكم فيها ما يشاء، ليس لأحد غيره فيها حُكم. وقيل: شرط لمن كان له بلاء في ذلك اليوم أن يُنفله، فتسارع شبانهم حتى قتلوا سبعين، وأسروا سبعين، فلما يسر الله لهم الفتح اختلفوا فيما بينهم وتنازعوا، فقال الشبان: نحنُ المُقاتلون، وقال الشيوخ والوجوه الذين كانوا عند الرايات: كنا ردءًا لكم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ولقد وقع اختلاف بين المسلمين) إلى آخره: مبني على التفسير الأول، وهو أن يُراد بالنفل: الغنيمة.
وقوله: (شرط لمن كان له بلاء): مبني على التفسير الثاني، وهو أن يراد بالنفل: ما ينفله الغازي، فعلى الأول: السؤال في ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَنْفَالِ﴾ للاستخبار، أي: كيف نُصرفها ومن الحاكم فيها؟ وعلى الثاني: للاستعطاء، على ما رُوي أنهم كانوا يقولون: يا رسولا لله، أعطنا كذا، وأعطنا كذا. قاله الإمام. فعلى هذا "عن" بمعنى "من"، وقيل: "عن" صلة، أي: يسألونك الأنفال، وهكذا قرأه ابن مسعود. ذكره محي السنة.
قوله: (فقال الشبان: نحن المقاتلون) الحديث: أخرجه أبو داود عن ابن عباس. وأما حديث سعد بن أبي وقاص: فرواه مسلم والترمذي وأبو داود مع اختلاف أيضاً.
قوله: (كنا ردءاً لكم) أي: معيناً، الجوهري: "أردأته بنفسي: إذا كنت له ردءاً، وهو العون".
стр. 3152
وفئة تنحازون إليها إن انهزمتم، وقال لرسول الله ﷺ : المغنم قليل والناس كثير: وإن تعط هؤلاء ما شرطت لهم حرمت أصحابك. فنزلت.
وعن سعد بن أبى وقاص: قتل أخي عُمير يوم بدر، فقتلت به سعيد بن العاص، وأخذت سيفه فأعجبني، فجئت به إلى رسول الله ﷺ ، فقلت: إنّ الله قد شفى صدري من المشركين، فهب لي هذا السيف، فقال: "ليس هذا لي ولا لك، اطرحه في القبض"، فطرحته، وبى ما لا يعلمه إلا الله تعالى من قتل أخي، وأخذ سلبي، فما جاوزت إلا قليلًا حتى جاءني رسول الله ﷺ ، وقد أنزلت سورة الأنفال، فقال: يا سعد، إنك سألتني السيف وليس لي، وإنه قد صار لي فاذهب فخذه".
وعن عبادة بن الصامت ﵁: نزلت فينا -يا معشر أصحاب بدر- حين اختلفنا في النفل، وساءت فيه أخلاقنا، فنزعه الله من أيدينا، فجعله لرسول الله ﷺ ، فقسمه بين المسلمين على السواء، وكان في ذلك تقوى الله وطاعة رسوله، وإصلاح ذات البين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (تنحازون إليها)، الجوهري: "الحوز: الجمع، وكل من ضم إلى نفسه شيئاً فقد حازه حوزاً، وانحاز القوم: تركوا منزلهم"، إلى آخره.
قوله: (اطرحه في القبض): القبض - بالتحريك-: ما قُبض من الغنائم.
قوله: (وان في ذلك تقوى الله وطاعة رسوله، وإصلاح ذات البين): أي: في نزع النفل من أيدينا وجعله للرسول ﷺ وقسمته على السواء.
وأما كونه تقوى الله فإن كل أحدٍ منا كان يظن أن حقه أوفى من حق صاحبه؛ لما كان يرى من جهاده، فيقع التشاجر التنازع، فلما نزع الله من بين أيدينا ارتفع الظن والاختلاف خشية من الله أن نتصرف في ماله بغير إذنه.
стр. 3153
وقرأ ابن محيصن: يسألونك علنفال، بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على اللام، وإدغام نون عن في اللام: وقرأ ابن مسعود: يسألونك الأنفال، أي يسألك الشبان ما شرطت لهم من الأنفال.
فإن قلت: ما معنى الجمع بين ذكر الله والرسول في قوله (قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُول)؟ قلت: معناه أنّ حكمها مختص بالله ورسوله، يأمر الله بقسمتها على ما تقتضيه حكمته، ويمتثل الرسول أمر الله فيها، وليس الأمر في قسمتها مفوّضًا إلى رأى أحد، والمراد: أنّ الذي اقتضته حكمة الله وأمر به رسوله: أن يواسى المقاتلة المشروط لهم التنفيل الشيوخ الذين كانوا عند الرايات، فيقاسموهم على السوية،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأما كونه طاعة رسوله صلى الله عيه وسلم: فإنه لما قُسم بيننا على السوية رضينا به.
وأما كونه إصلاح ذات البين: فإنا لم نر حينئذ أن لكل منا فضلاً على الآخر، وأن ما نفله الله تفضل منه لا أجر لسعينا، وفيه إشارة إلى أن ثواب الآخرة على الأعمال تفضل، كما عليه الأصحاب. هذا تفسير حسن للآية، فسره صاحب رسول الله ﷺ .
قوله: (ما معنى الجمع بين كر الله ورسوله؟ ): ظاهره يقتضي أن السؤال وارد على الوجهين، وهو أن يُراد بالأنفال الغنائم، والسؤال عن القسمة من يقسمها: أرسول الله أم غيره؟ وأن يُراد بالأنفال ما يعطاه الغازي زائداً على سهمه، والسؤال للاستعطاء، لكن قوله بعد ذلك: "والمراد أن الذي اقتضته حكمة الله، وأمر به رسوله: أن يواسي المقاتلة المشروط لهم" إلى آخره، يخصصه بالوجه الثاني، وأن المراد بالجمع اختصاص الله تعالى بالأمر، واختصاص رسوله ﷺ بالامتثال.
стр. 3154
ولا يستأثروا بما شرط لهم، فإنهم إن فعلوا لم يؤمن أن يقدح ذلك فيما بين المسلمين من التحاب والتصافي (فَاتَّقُوا اللَّهَ) في الاختلاف والتخاصم، وكونوا متحدين متآخين في الله (وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ) وتآسوا وتساعدوا فيما رزقكم الله وتفضل به عليكم.
وعن عطاء: كان الإصلاح بينهم أن دعاهم وقال: "اقسموا غنائمكم بالعدل"، فقالوا: قد أكلنا وأنفقنا، فقال: "ليردّ بعضكم على بعض".
فإن قلت: ما حقيقة قوله (ذاتَ بَيْنِكُمْ)؟ قلت: أحوال بينكم، يعنى: ما بينكم من الأحوال، حتى تكون أحوال ألفة ومحبة واتفاق، كقوله (بِذاتِ الصُّدُورِ) [آل عمران: ١١٩] وهي مضمراتها. لما كانت الأحوال مُلابسة للبين قيل لها: ذات البين، كقولهم: اسقني ذا إنائك، يريدون: ما في الإناء من الشراب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وعلى الوجه الأول: ذكر الله تعالى لشرف الرسول ﷺ ، كقوله تعالى: (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ) [التوبة: ٦٢] في وجه، يدل عليه قوله فيما سبق: "هي لرسول الله صلى الله عليه وسلمن وهو الحاكم فيها خاصة"، وفيه تعظيم لشأن رسول الله صلى الله عليه وسلمن وإيذانٌ بأن طاعته طاعة الله تعالى، وأنه خليفة الله في أرضه، وكما أنه لا ينطق عن الهوى كذلك لا يفعل بالهوى، صلات الله وسلامه عليه، والوجهان مبنيان على معنى السؤال، هل هو بمعنى استدعاء معرفة أو استجداء عطاء؟
الراغب: "السؤال: إما لاستدعاء معرفة أو ما يؤدي إليها، وإما لاستدعاء مال أو ما يؤدي إليه، فاستدعاء المعرفة: جوابه على اللسان، واليد خليفة له بالكتابة أو الإشارة، واستدعاء المال: جوابه على اليد، واللسان خليفة لها؛ إما بوعدٍ أو رد. والسؤال إذا كان للتعرف يعدى بنفسه وبالجار، نحو: سألته كذا، وعن كذا، وبكذا، وبـ"عن" أكثر، وإذا كان لاستدعاء المال يتعدى بنفسه وبـ"مِنْ"، كقوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) [الأحزاب: ٥٣]، وقال: (وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ) [النساء: ٣٢].
قوله: (أحوال بينكم): قال الزجاج: "معنى (ذَاتَ بَيْنِكُمْ): حقيقة وصلكم، أي:
стр. 3155
وقد جعل التقوى وإصلاح ذات البين وطاعة الله ورسوله من لوازم الإيمان وموجباته، ليعلمهم أنّ كمال الإيمان موقوف على التوفر عليها.
ومعنى قوله: (إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) إن كنتم كاملي الإيمان. واللام في قوله: (إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ) إشارة إليهم. أي: إنما الكاملو الإيمان من صفتهم كيت وكيت، والدليل عليه قوله: (أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا). (وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ): فزعت، وعن أمّ الدرداء: الوجل في القلب كاحتراق السعفة، أما تجد له قشعريرة؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فاتقوا الله وكونوا مجتمعين على ما أمر الله ورسوله، وكذا معنى: "اللهم أصلح ذات البين" أي: أصلح الحال التي لها يجتمع المسلمون".
قوله: ((إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ): إن كنتم كاملي الإيمان): وإنما دل على الكمال ليكون الخطاب مع من آمن إيماناً لا شك فيه، كما أومأ إليه بقوله: "ليعلمهم أن كمال الإيمان موقوف على التوفر عليها"، وفيه أن الإيمان له مراتب، يعني: إن كنتم من الذين لهم المرتبة العليا في الإيمان.
ثم اتجه لهم أن يسألوا: ما لنا خوطبنا بقوله: (إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ)، وهل يشك في كوننا كاملي الإيمان؟ فقيل: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ) الآيات، وهو المراد من قوله: "واللام في قوله: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ) إشارة إليهم".
قوله: (السعفة)، الجوهري: "السعفة-بالتحريك-: غُصن النخل، والجمع سعف".
قوله: (قشعريرة): هي من قولهم: اقشعر جلد الإنسان اقشعراراً، يُقال: أخذته قشعريرة. كأنه شكى بعضهم إليها فزعة يجدها عند استماع الذكر، فقالت: إن تلك الفزعة تشبه احتراق الورقة اليابسة، وعلامتها إحساس الارتعاد في الجلد، ثم أرشدته بإزالتها بالدعاء.
следующие страницы →