Полный текст (9 345 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.
стр. 3151
ولقد وقع اختلاف بين المسلمين في غنائم بدر، وفي قسمتها، فسألوا رسول الله ﷺ كيف تُقسم، ولمن الحكم في قسمتها؟ أللمهاجرين أم للأنصار؟ أم لهم جميعاً؟ فقيل له: قل لهم: هي لرسول الله ﷺ ، وهو الحاكمُ فيها خاصة، يحكم فيها ما يشاء، ليس لأحد غيره فيها حُكم. وقيل: شرط لمن كان له بلاء في ذلك اليوم أن يُنفله، فتسارع شبانهم حتى قتلوا سبعين، وأسروا سبعين، فلما يسر الله لهم الفتح اختلفوا فيما بينهم وتنازعوا، فقال الشبان: نحنُ المُقاتلون، وقال الشيوخ والوجوه الذين كانوا عند الرايات: كنا ردءًا لكم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ولقد وقع اختلاف بين المسلمين) إلى آخره: مبني على التفسير الأول، وهو أن يُراد بالنفل: الغنيمة.
وقوله: (شرط لمن كان له بلاء): مبني على التفسير الثاني، وهو أن يراد بالنفل: ما ينفله الغازي، فعلى الأول: السؤال في ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَنْفَالِ﴾ للاستخبار، أي: كيف نُصرفها ومن الحاكم فيها؟ وعلى الثاني: للاستعطاء، على ما رُوي أنهم كانوا يقولون: يا رسولا لله، أعطنا كذا، وأعطنا كذا. قاله الإمام. فعلى هذا "عن" بمعنى "من"، وقيل: "عن" صلة، أي: يسألونك الأنفال، وهكذا قرأه ابن مسعود. ذكره محي السنة.
قوله: (فقال الشبان: نحن المقاتلون) الحديث: أخرجه أبو داود عن ابن عباس. وأما حديث سعد بن أبي وقاص: فرواه مسلم والترمذي وأبو داود مع اختلاف أيضاً.
قوله: (كنا ردءاً لكم) أي: معيناً، الجوهري: "أردأته بنفسي: إذا كنت له ردءاً، وهو العون".
стр. 3152
وفئة تنحازون إليها إن انهزمتم، وقال لرسول الله ﷺ : المغنم قليل والناس كثير: وإن تعط هؤلاء ما شرطت لهم حرمت أصحابك. فنزلت.
وعن سعد بن أبى وقاص: قتل أخي عُمير يوم بدر، فقتلت به سعيد بن العاص، وأخذت سيفه فأعجبني، فجئت به إلى رسول الله ﷺ ، فقلت: إنّ الله قد شفى صدري من المشركين، فهب لي هذا السيف، فقال: "ليس هذا لي ولا لك، اطرحه في القبض"، فطرحته، وبى ما لا يعلمه إلا الله تعالى من قتل أخي، وأخذ سلبي، فما جاوزت إلا قليلًا حتى جاءني رسول الله ﷺ ، وقد أنزلت سورة الأنفال، فقال: يا سعد، إنك سألتني السيف وليس لي، وإنه قد صار لي فاذهب فخذه".
وعن عبادة بن الصامت ﵁: نزلت فينا -يا معشر أصحاب بدر- حين اختلفنا في النفل، وساءت فيه أخلاقنا، فنزعه الله من أيدينا، فجعله لرسول الله ﷺ ، فقسمه بين المسلمين على السواء، وكان في ذلك تقوى الله وطاعة رسوله، وإصلاح ذات البين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (تنحازون إليها)، الجوهري: "الحوز: الجمع، وكل من ضم إلى نفسه شيئاً فقد حازه حوزاً، وانحاز القوم: تركوا منزلهم"، إلى آخره.
قوله: (اطرحه في القبض): القبض - بالتحريك-: ما قُبض من الغنائم.
قوله: (وان في ذلك تقوى الله وطاعة رسوله، وإصلاح ذات البين): أي: في نزع النفل من أيدينا وجعله للرسول ﷺ وقسمته على السواء.
وأما كونه تقوى الله فإن كل أحدٍ منا كان يظن أن حقه أوفى من حق صاحبه؛ لما كان يرى من جهاده، فيقع التشاجر التنازع، فلما نزع الله من بين أيدينا ارتفع الظن والاختلاف خشية من الله أن نتصرف في ماله بغير إذنه.
стр. 3153
وقرأ ابن محيصن: يسألونك علنفال، بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على اللام، وإدغام نون عن في اللام: وقرأ ابن مسعود: يسألونك الأنفال، أي يسألك الشبان ما شرطت لهم من الأنفال.
فإن قلت: ما معنى الجمع بين ذكر الله والرسول في قوله (قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُول)؟ قلت: معناه أنّ حكمها مختص بالله ورسوله، يأمر الله بقسمتها على ما تقتضيه حكمته، ويمتثل الرسول أمر الله فيها، وليس الأمر في قسمتها مفوّضًا إلى رأى أحد، والمراد: أنّ الذي اقتضته حكمة الله وأمر به رسوله: أن يواسى المقاتلة المشروط لهم التنفيل الشيوخ الذين كانوا عند الرايات، فيقاسموهم على السوية،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأما كونه طاعة رسوله صلى الله عيه وسلم: فإنه لما قُسم بيننا على السوية رضينا به.
وأما كونه إصلاح ذات البين: فإنا لم نر حينئذ أن لكل منا فضلاً على الآخر، وأن ما نفله الله تفضل منه لا أجر لسعينا، وفيه إشارة إلى أن ثواب الآخرة على الأعمال تفضل، كما عليه الأصحاب. هذا تفسير حسن للآية، فسره صاحب رسول الله ﷺ .
قوله: (ما معنى الجمع بين كر الله ورسوله؟ ): ظاهره يقتضي أن السؤال وارد على الوجهين، وهو أن يُراد بالأنفال الغنائم، والسؤال عن القسمة من يقسمها: أرسول الله أم غيره؟ وأن يُراد بالأنفال ما يعطاه الغازي زائداً على سهمه، والسؤال للاستعطاء، لكن قوله بعد ذلك: "والمراد أن الذي اقتضته حكمة الله، وأمر به رسوله: أن يواسي المقاتلة المشروط لهم" إلى آخره، يخصصه بالوجه الثاني، وأن المراد بالجمع اختصاص الله تعالى بالأمر، واختصاص رسوله ﷺ بالامتثال.
стр. 3154
ولا يستأثروا بما شرط لهم، فإنهم إن فعلوا لم يؤمن أن يقدح ذلك فيما بين المسلمين من التحاب والتصافي (فَاتَّقُوا اللَّهَ) في الاختلاف والتخاصم، وكونوا متحدين متآخين في الله (وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ) وتآسوا وتساعدوا فيما رزقكم الله وتفضل به عليكم.
وعن عطاء: كان الإصلاح بينهم أن دعاهم وقال: "اقسموا غنائمكم بالعدل"، فقالوا: قد أكلنا وأنفقنا، فقال: "ليردّ بعضكم على بعض".
فإن قلت: ما حقيقة قوله (ذاتَ بَيْنِكُمْ)؟ قلت: أحوال بينكم، يعنى: ما بينكم من الأحوال، حتى تكون أحوال ألفة ومحبة واتفاق، كقوله (بِذاتِ الصُّدُورِ) [آل عمران: ١١٩] وهي مضمراتها. لما كانت الأحوال مُلابسة للبين قيل لها: ذات البين، كقولهم: اسقني ذا إنائك، يريدون: ما في الإناء من الشراب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وعلى الوجه الأول: ذكر الله تعالى لشرف الرسول ﷺ ، كقوله تعالى: (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ) [التوبة: ٦٢] في وجه، يدل عليه قوله فيما سبق: "هي لرسول الله صلى الله عليه وسلمن وهو الحاكم فيها خاصة"، وفيه تعظيم لشأن رسول الله صلى الله عليه وسلمن وإيذانٌ بأن طاعته طاعة الله تعالى، وأنه خليفة الله في أرضه، وكما أنه لا ينطق عن الهوى كذلك لا يفعل بالهوى، صلات الله وسلامه عليه، والوجهان مبنيان على معنى السؤال، هل هو بمعنى استدعاء معرفة أو استجداء عطاء؟
الراغب: "السؤال: إما لاستدعاء معرفة أو ما يؤدي إليها، وإما لاستدعاء مال أو ما يؤدي إليه، فاستدعاء المعرفة: جوابه على اللسان، واليد خليفة له بالكتابة أو الإشارة، واستدعاء المال: جوابه على اليد، واللسان خليفة لها؛ إما بوعدٍ أو رد. والسؤال إذا كان للتعرف يعدى بنفسه وبالجار، نحو: سألته كذا، وعن كذا، وبكذا، وبـ"عن" أكثر، وإذا كان لاستدعاء المال يتعدى بنفسه وبـ"مِنْ"، كقوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) [الأحزاب: ٥٣]، وقال: (وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ) [النساء: ٣٢].
قوله: (أحوال بينكم): قال الزجاج: "معنى (ذَاتَ بَيْنِكُمْ): حقيقة وصلكم، أي:
стр. 3155
وقد جعل التقوى وإصلاح ذات البين وطاعة الله ورسوله من لوازم الإيمان وموجباته، ليعلمهم أنّ كمال الإيمان موقوف على التوفر عليها.
ومعنى قوله: (إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) إن كنتم كاملي الإيمان. واللام في قوله: (إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ) إشارة إليهم. أي: إنما الكاملو الإيمان من صفتهم كيت وكيت، والدليل عليه قوله: (أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا). (وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ): فزعت، وعن أمّ الدرداء: الوجل في القلب كاحتراق السعفة، أما تجد له قشعريرة؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فاتقوا الله وكونوا مجتمعين على ما أمر الله ورسوله، وكذا معنى: "اللهم أصلح ذات البين" أي: أصلح الحال التي لها يجتمع المسلمون".
قوله: ((إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ): إن كنتم كاملي الإيمان): وإنما دل على الكمال ليكون الخطاب مع من آمن إيماناً لا شك فيه، كما أومأ إليه بقوله: "ليعلمهم أن كمال الإيمان موقوف على التوفر عليها"، وفيه أن الإيمان له مراتب، يعني: إن كنتم من الذين لهم المرتبة العليا في الإيمان.
ثم اتجه لهم أن يسألوا: ما لنا خوطبنا بقوله: (إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ)، وهل يشك في كوننا كاملي الإيمان؟ فقيل: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ) الآيات، وهو المراد من قوله: "واللام في قوله: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ) إشارة إليهم".
قوله: (السعفة)، الجوهري: "السعفة-بالتحريك-: غُصن النخل، والجمع سعف".
قوله: (قشعريرة): هي من قولهم: اقشعر جلد الإنسان اقشعراراً، يُقال: أخذته قشعريرة. كأنه شكى بعضهم إليها فزعة يجدها عند استماع الذكر، فقالت: إن تلك الفزعة تشبه احتراق الورقة اليابسة، وعلامتها إحساس الارتعاد في الجلد، ثم أرشدته بإزالتها بالدعاء.
стр. 3156
قال: بلى، قالت: فادع الله؛ فإنّ الدعاء يذهبه. يعنى: فزعت لذكره استعظاما له، وتهيبا من جلاله وعزَّة سلطانه وبطشه بالعصاة وعقابه، وهذا الذَّكر خلاف الذَّكر في قوله: (ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ) [الزمر: ٢٣] لأن ذلك ذكر رحمته ورأفته وثوابه. وقيل: هو الرجل يريد أن يظلم أو يهم بمعصية، فيقال له: اتق الله فينزع. وقرئ: "وجلت"، بالفتح، وهي لغة، نحو: "وبق" في "وبق"، وفي قراءة عبد الله: "فرقت".
(زادَتْهُمْ إيمناً): ازدادوا بها يقينا وطمأنينة نفس؛ لأن تظاهر الأدلة أقوى للمدلول عليه وأثبت لقدمه، وقد حمل على زيادة العمل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (قالت: فادع الله؛ فإن الدعاء يذهبه): يوهم توخي إزالة الخوف عن القلب بالكلية، والركون إلى الرجاء، لكن المراد أن المبتدئ إذا سمع الآيات القوارع والزواجر لم يطق فينزعج، وليس ذل من صريح الإيمان، بل صريح الإيمان أن يتدارك ذلك بآيات الرجاء ليحصل له الاطمئنان، كما أن الخوف يجذبه إلى القلق والاضطراب، فالرجاء يدعوه إلى السكون، فيطمئن السالك بين تينك الجذبتين، وهو المراد من قولها: "فإن الدعاء يذهبه".
قال شيخنا شيخ الإسلام أبو حفص السهروردي قدس سره: لما رأى أبو بكر الصديق ﵁ الباكي عند قراءة القرآن، قال: هكذا كنا حتى قست القلوب. أي: أدمنت سماع القرآن وألفت أنواره، فما استغربته حتى تتغير.
قوله: (فينزع): من نزعت الشيء من مكانه نزعاً: قلعته.
قوله: (ازدادوا به يقيناً وطمأنينة): قال الشيخ محيي الدين في "شرح صحيح مسلم": "الأظهر أن نفس التصديق يزيد بكثرة النظر وتظاهر الأدلة، ولهذا يكون إيمان الصديقين أقوى من إيمان غيرهم، بحيث لا تعتريهم الشبهة، ولا يتزلزل إيمانهم بعارض، ولا تزال قلوبهم منشرحة، وإن اختلفت عليهم الأحوال، وأما غيرهم من المؤلفة ومن قاربهم فليسوا كذلك، فهذا مما لا يمكن إنكاره". وهذا موافق لقول من قال: الأعمال غير داخلة في مسمى الإيمان،
стр. 3157
وعن أبي هريرة: "الإيمان سبع وسبعون شعبة، أعلاها: شهادة أن لا إله إلا الله. وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان".
وعن عمر بن عبد العزيز: "إن للإيمان سَننّا وفرائض وشرائع، فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كما أن قوله: "وقد حُمل على زيادة العمل" مُناسب لقول القائلين بأن الأعمال داخلة فيه، ودلالة الآيات على الأول أظهر، لأن قوله: ٠ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) جملة واردة على المدح، إما بتقدير "أعني" أو "هم".
وقلت: يمكن أن يُقال - والله أعلم-: نبه أولاً بقوله: (وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) على بدء حال المريد في التصقيل، وثانياً بقوله: (زَادَتْهُمْ إِيمَانَاً) على أخذه في السلوك والتجلي وعروجه في الأحوال، وثالثاً بقوله: (وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) على صعوده في الدرجات والمقامات.
ثم في تقديم المعمول: الإيذان بالتبري عن الحول والقوة، والتفويض الكامل، وقطع النظر عما سواه. وفي صيغة المضارع: التلويح إلى استيعاب مراتبه كلها.
قال الشيخ العارف أبو إسماعيل الأنصاري: "التوكل: كلة الأمر كله إلى مالكه والتعويل على وكالته، وهو من أصعب المنازل".
قوله: (الإيمان سبع وسبعون شعبة): وفي رواية لمسلم والبخاري: "بضع". النهاية: "البضع
стр. 3158
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في العدد - بالكسر، وقد يُفتح-: ما بين الثلاث إلى التسع، وقيل: ما بين الواحد إلى العشرة، لأنه قطعة من العدد". و"الشعبة: الطائفة من كل شيء والقطعة منه".
وفي "الأساس": "ومن المجاز: أنا شعبة من دوحتك، وغصن من سرحتك".
وقلت: دلالة هذا الحديث على أن العمال داخلة في مسمى الإيمان ظاهرة.
قال الشيخ محيي الدين: "الإيمان قول وعمل، وهو مذهب مالك والثوري والأوزاعي ومن بعدهم من أرباب العلم الذين كانوا مصابيح الهدى وأئمة الدين، من أهل العراق والشام وغيرهم، وقول ابن مسعود وحذيفة والنخعي والحسن وعطاء وطاووس ومجاهد وابن المبارك".
وقال الشيخ: "المعنى الذي يستحق به العبد المدح والولاية من المؤمنين: هو إتيانه بهذه الأمور: التصديق بالقلب والإقرار باللسان والعمل بالجوارح، وذلك أنه إذا أقر وعمل على غير علم منه ومعرفة بربه لا يستحق اسم المؤمن، وكذا لو عرفه وعمل وجحد بلسانه وكذب ما عرف، وكذا إذا أقر ولم يعمل بالفرائض لا يسمى مؤمناً بالإطلاق، وإن كان في اللغة يسمى مؤمناً؛ لأنه غير مستحق لهذا الاسم في قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) ".
وقلت: فعلى هذا (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) بدل من السابق، لأن في إقامة الصلاة إشارة إلى تعديل أركانها وتوفيه حدودها وآدابها، وذلك لا يتأتى إلا من
стр. 3159
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المؤمن المخلص، ثم في اقترانها بأداء الزكاة- وهما أما العبادات البدنية والمالية- دلالة على استجلاب سائرها.
وقال الشيخ أيضاً: "أنكر أكثر المتكلمين زيادته ونقصانه، وقالوا: متى قبل الزيادة والنقصان كان شكاً وكفراً، وقال المحققون من المتكلمين: نفس التصديق لا يزيد ولا ينقصن والإيمان الشرعي يزيد وينقص بزيادة ثمراته ونقصانها، وفي هذا توفيق بين ظواهر النصوص".
وقال: "الإيمان في اللغة: هو التصديق، فإن عُني به ذلك فلا يزيد ولا ينقص؛ لأن التصديق لا يتجزأ، فلا يتصور كماله مرة ونقصانه أخرى، وفي لسان الشرع: هو التصديق بالقلب والعمل بالأركان".
وقال الراغب في "الذريعة: "الإيمان: هو الإذعان على سبيلا لتصديق لله تعالى باليقين، قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) ووجل القلب: هو الخشية للحق على سبيل التصديق له باليقين. هذا أصل الإيمان، ثم صار اسماً لشريعة محمد صلى الله عليه ولم كالإسلام، فعلى الثاني يصح إطلاقه على من يظهر ذلك، وإن لم يتخصص بالتصديق اليقيني، ولأن اشتقاق الإيمان لا يمنع منه، فإن معنى المؤمن: من صار ذا أمن، وبإظهار الشهادتين يأمن الإنسان من أن يهراق دمه ويباح ماله، على أنه ﷺ حين سأل الجاري عن الله تعالى، فأشارت نحو السماء، وعن النبوة فأشارت إليه، قال: "أعتقها فإنها مؤمنة". وقال بعض المعتزلة: لا يصح إطلاقه على أحد ما لم يختبر في الأصول الخمسة".
وقال أيضاً: "اختلف في الإيمان: هل هو الاعتقاد المجرد أم الاعتقاد والعمل معاً؟ واختلافهم بسبب اختلاف نظرهم، فمن قال: هو اعتقاد مجرد فنظره إلى اشتقاق اللفظ،
стр. 3160
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وإلى أنه فصل بينهما في عامة التنزيل بالعطف، لأن النبي ﷺ فرق بينهما في خير جبريل حين سأله عن الإسلام والإيمان، ففسر الأول بالأعمال، والثاني بالاعتقاد، ومن قال: هو الاعتقاد والعمل؛ فلما ورد: "الإيمان معرفة بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالأركان".
ولأن الإيمان ليس بذي منزلة واحدة، قال النبي ﷺ : "الإيمان بضع وسبعون شعبة" الحديث، ومن تأمله وعرف حقيقته علم أن الإيمان الواجب هو اثنان وسبعون درجة، لا أقل ولا أكثر؛ لأنه صلوات الله عليه لا ينطق عن الهوى، إن هوى إلا وحي يوحى". إلى آخر كلامه.
وقلت: قد مر تأويل العطف في البقرة عند قوله تعالى: (وَبَشِّرْ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ): "جعل النبي ﷺ في الحديث الإسلام اسماً لما ظهر من الأعمال، وجعل الإيمان اسماً لما بطن من الاعتقاد، وليس ذلك لأن الأعمال ليست من الإيمان، والتصديق بالقلب ليس من الإسلام، بل ذلك تفصيل لجملة هي كلها شيء واحد، وجماعها الدين، ولذلك قال: "ذاك جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم".
стр. 3161
(وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ): ولا يفوّضون أمورهم إلى غير ربهم، لا يخشون ولا يرجون إلا إياه.
جمع بين أعمال القلوب من الخشية والإخلاص والتوكل، وبين أعمال الجوارح من الصلاة والصدقة. (حَقًّا) صفة للمصدر المحذوف، أي: أولئك هم المؤمنون إيماناً حقّاً، أو هو مصدر مؤكد للجملة التي هي (أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ) كقولك: هو عبد الله حقا، أي حقَّ ذلك حقا.
وعن الحسن: أنّ رجلاً سأله: أمؤمن أنت؟ قال: الإيمان إيمانان، فإن كنت تسألني عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والجنة والنار والبعث والحساب، فأنا مؤمن. وإن كنت تسألني عن قوله: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ) فو الله لا أدرى؛ أمنهم أنا أم لا؟ وعن الثوري: "من زعم أنه مؤمن بالله حقاً، ثم لم يشهد أنه من أهل الجنة، فقد آمن بنصف الآية". وهذا إلزام منه، يعنى: كما لا يقطع بأنه من أهل ثواب المؤمنين حقا، فلا يقطع بأنه مؤمن حقاً، وبهذا تعلق من يستثنني في الإيمان.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وبهذا تعلق من يستثني): أي: بإلزام الثوري تمسك من يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، وبيانه: أنه تعالى عقب اسم الإشارة بقوله: (هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً)، وبقوله: (لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ) الآية، بعد إجراء الوصاف الفاضلة على المؤمنين، فيلزم أن يكونا حقين ثابتين للمؤمنين، لاتصافهم بتلك الفضائل، وقد تقرر أن اسم الإشارة في مثل هذا المقام مؤذن بأن ما يرد عقيبه: المذكورون قبله أهل لاكتسابه من أجل الخصال التي عُددت، لا سيما على الحصر، فكأنهما معللان معاً لتلك الصفات الجارية على الموصوف، فلا يفارقانه أبداً.
وقد تقرر - بل أجمع عليه - أن أحداً من المسلمين بعد العشرة المبشرة لا يقدر أن يقطع
стр. 3162
وكان أبو حنيفة ﵁ ممن لا يستثني فيه، وحكي عنه أنه قال لقتادة: لم تستثني في إيمانك؟ قال: إتباعاَ لإبراهيم ﵇ في قوله: (وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي) [الشعراء: ٨٢] فقال له: هلا اقتديت به في قوله: (أَوَ لَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى) [البقرة: ٢٦٠].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بأنه من أهل الثواب، فمن قال: إني مؤمن حقاً لابد له من القول بأن له درجات عند ربه قطعاً، وألا فقد آمن ببعض دون البعض، لكنه لا يجوز القطع بالثاني، فلا يجوز القطع بالأول، فله أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، لا: أنا مؤمن حقاً، وإليه الإشارة بقوله: "وهذا إلزام منه".
قال الإمام: مذهب عبد الله بن مسعود جواز الاستثناء، وأن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، وتبعه جمع عظيم من الصحابة والتابعين، وهو قول الشافعي، ﵃. وأنكره أبو حنيفة ﵁؛ ذهاباً إلى أن الاستثناء شك، فلا يجتمع مع الإيمان الذي هو اليقين. والشافعي يحمل الاستثناء إما على التبرك، كقوله تعالى: (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ) [الفتح: ٢٧]، وإما على الإيمان المنتفع به عند الموت، فإذن لا خلاف في أصل المعنى.
قوله: (هلا اقتديت به في قوله: (أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى) [البقرة: ٢٦٠]): يعني: لِمَ لم تقتد به في هذا الجواب حيث جزم به وقطعه ولم يتردد فيه، ولم يقل: بلى إن شاء الله؟
ويمكن أن يجاب: بأن الإيمان بأن الله تعالى قادر على إحياء الموتى مما الشك فيه موجب للكفر، وليس أيضاً من مقام التبرك، بخلافه في قوله ﵇: (وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ) [الشعراء: ٨٢]، فإنه ﵇ في مقام هضم النفس وتحري الوسيلة إلى إنجاح المطلوب. وإليه ينظر قول الحسن: "الإيمان إيمانان".
стр. 3163
(دَرَجَاتٌ): شرف وكرامة وعلوٌّ منزلة (وَمَغْفِرَةٌ): وتجاوز لسيئاتهم (وَرِزْقٌ كَرِيمٌ): نعيم في الجنة، يعنى: لهم منافع حسنة دائمة على سبيل التعظيم، وهذا معنى الثواب.
[(كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ) ٥]
[(كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ)] فيه وجهان: أحدهما: أن يرتفع محل الكاف على أنه خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هذه الحال كحال إخراجك،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (هذه الحال كحال إخراجك): قال محيي السنة: "اختلفوا في تعلق الكاف؛ قيل: التقدير: امض لأمر الله - يعني: في الأنفال- وإن كرهوا، كما مضيت لأمر الله في الخروج من البيت لطلب العير وهم كارهون. وعن المبرد: الأنفال لله والرسول وإن كرهوا، كما أخرجك ربك بالحق وإن كرهوا".
قال السيد ابن الشجري في "الأمالي": القول بأن الكاف نعت لمصدر- كما في الوجه الثاني- ضعيف؛ لتباعد ما بينهما بعشر جمل، والوجه: الأول، وهو أن يكون خبر مبتدأ محذوف.
وقلت: بل الوجه الثاني أدق التئاماً من الأول، والتشبيه في أكثر تفصيلاً، لأنه حينئذ من تتمة الجملة السابقة داخل في حيز المقول مع مراعاة الالتفات، فالفاء في (فَاتَّقُوا اللَّهَ) رابطة للوصف بالحكم، جاعلة تتمة الآية من جملة حال المشبه ومرتبة عليه، فكأنه قيل: قُلِ
стр. 3164
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأنفال استقر لله مع كراهتكم، وكان خيراً لكم؛ لما حصل لكم من تقوى الله وطاعة الرسول وإصلاح ذات البين، كما استقر إخراجي من المدينة إلى القتال مع كراهتكم إياه، وكان خيراً لكم؛ لما نلتم من الفتح والغنيمة. والأول مركب عقلي لقوله: "هذه الحال كحال إخراجك"، والثاني مركب وهمي، فلابد من تصور جزئيات الكلام، لئلا يختل أمر التمثيل، بخلاف الأول، فإنه يحصل من مجرد أخذ الزبدة والخلاصة، كما مر مراراً.
ثم استأنف مستطرداً بقوله: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) إلى آخر الآيات، للحث على طاعة الله وطاعة رسوله وقلع الهوى الكامن في النفوس، والإيذان بأن المؤمن الكامل من يجعل هواه تبعاً لما جاء به الرسول ﷺ ، على ما روينا في "المصابيح" عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به".
ثم في تقديم عجز القصة - وهي ذكر قسمة الأنفال والسؤال فيها- على صدرها؛ وهو الخروج من المدينة إلى بدر، إلى آخر هذه القصة الواردة في هذه السورة: استبعاد لكراهتهم هذه بعدما شاهدوا أمثال هذه الحالة، فكرهوها، ثم تبين لهم حقيقتها، واستحضار لمعنى التأديب في قوله: (لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) [الحجرات: ١]، ولما تبني لهم من وجه الحكمة في قوله: (وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنْ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ) الآية [الحجرات: ٧].
كأن هذه السورة الكريمة من فاتحتها إلى خاتمتها جواب عن سؤال واحد، وإرشاد للصحابة رضوان الله عليهم أجمعين في تحري طاعة رسول الله ﷺ وتوخي رضاه، وامتنان عليهم بما
стр. 3165
يعني: أنّ حالهم في كراهة ما رأيت من تنفيل الغزاة مثل حالهم في كراهة خروجك للحرب. والثاني: أن ينتصب على أنه صفة مصدر الفعل المقدَّر في قوله: (الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ) [الأنفال: ١] أي: الأنفال استقرّت لله والرسول، وثبتت، مع كراهتهم، ثباتاً مثل ثبات إخراج ربك إياك من بيتك وهم كارهون.
و(مِنْ بَيْتِكَ) يريد بيته بالمدينة، أو المدينة نفسها، لأنها مهاجره ومسكنه، فهي في اختصاصها به كاختصاص البيت بساكنه (بِالْحَقِّ) أي: إخراجاً ملتبسا بالحكمة والصواب الذي لا محيد عنه (وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكرهُونَ) في موضع الحال، أي: أخرجك في حال كراهتهم،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من لهم من نعمة الصحبة، وإن شئت فجرب ذوقك في تكرار "إذ" في التفصيل الوارد في السورة وإيراد القص من غير ترتيب، ثم في كل من تلك الإيرادات الرمز إلى المقصود، ثم في إدراج تقسيم المسؤول عنه في أثناء ذلك، يعني قوله: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ) [الأنفال: ٤١]: بيان لكيفية تصرف من وُكل إليه أمر الغنائم، فتفكر في كل ذلك تَرَ العجائب، ويتحقق لك ما ذكرت هاهنا، وما أسلفت في قصة البقرة من تقديم آخر القصة على أولها، لتقف على شمة من أسرار كلام الله تعالى المجيد، والله يقول الحق وهوي هدي السبيل.
قوله: (في كراهة ما رأيت): قيل: هو من الرأي الذي في قول الله تعالى: (بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ) [النساء: ١٠٥]، لا من رؤية البصر، ولا من رؤية القلب المتعدي إلى مفعولين، ويدل عليه قوله ﷺ في فاتحة السورة: "من قتل قتيلاً فله سلبه"، وقول المصنف: "شرط لمن كان له بلاء في ذلك اليوم أن ينفله".
стр. 3166
وذلك أن عير قريش أقبلت من الشام فيها تجارة عظيمة، معها أربعون راكباً، منهم أبو سفيان وعمرو بن العاص وعمرو ابن هشام، فأخبر جبريل رسول الله ﷺ فأخبر المسلمين، فأعجبهم تلقى العير؛ لكثرة الخير وقلة القوم، فلما خرجوا بلغ أهل مكة خبر خروجهم، فنادي أبو جهل فوق الكعبة: يا أهل مكة النَّجَاء النَّجَاء، على كل صعب وذلول، عيركم أموالكم، إن أصابها محمد لن تفلحوا بعدها أبداً.
وقد رأت أخت العباس بن عبد المطلب رؤيا فقالت لأخيها: إني رأيت عجباً،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وذلك أن عير قريش): جملة كالمبينة للأولى وإن دخلت الواو؛ لأن المشار غليه ما سبق، أي: الإخراج في حال الكراهية، لأن عير قريش، إلى آخره.
قوله: (النجاء النجاء)، الجوهري: "نجوت نجاءً، ممدودً؛ أي: أسرعت"، منصوب بفعل مُضمر، واللام فيهما للجنس.
قوله: (على كل صعب وذلول)، أي: أسرعوا وبادروا مجتمعين، ولا تقفوا لأن تختاروا للركوب ذلولاً دون صعب.
قوله: (عيركم أموالكم): "أموالكم" بدل "عيركم"، وهو مثل قولهم: "أهلك فقد أعريت"، قال الميداني: "أي: بادر أهلك وعجل الرجوع إليهم، فقد هاجت ريح عرية، أي: باردة، أعريت: دخلت في العرية". وقيل: التقدير: الزموا عيركم.
قوله: (وقد رأت أخت العباس): قال محيي السنة: هي عاتكة بنت عبد المطلب.
стр. 3167
رأيت كأنّ ملكاً نزل من السماء، فأخذ صخرة من الجبل، ثم حلق بها فلم يبق بيت من بيوت مكة إلا أصابه حجر من تلك الصخرة. فحدّث بها العباس، فقال أبو جهل: ما يرضى رجالهم أن يتنبّئوا حتى تتنبَّأ نساؤهم، فخرج أبو جهل بجميع أهل مكة وهم النفير في المثل السائر: "لا في العير ولا في النفير"، فقيل له: إنّ العير أخذت طريق الساحل ونجت، فارجع بالناس إلى مكة، فقال: لا والله، لا يكون ذلك أبداً، حتى ننحر الجزور، ونشرب الخمور، ونقيم القينات والمعازف ببدر، فيتسامع جميع العرب بمخرجنا، وإن محمداً لم يصب العير، وإنا قد أعضضناه. فمضى بهم إلى بدر، وبدر: ماء كانت العرب تجتمع فيه لسوقهم يوماً في السنة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (حلق بها): التحليق بالشيء: الرمي به إلى فوق.
قوله: (لا في العير ولا في النفير): قال المفضل: أول من قال ذلك أبو سفيان بن حرب حين انصرف بنو زهرة إلى مكة: يا بني زهرة، لا في العير ولا في النفير! عني بالعير: عير قريش التي أقبلت مع أبي سفيان من الشام، وبالنفير: من خرج مع عتبة بن ربيعة لاستنقاذها من أيدي المؤمنين، وكان ببدر ما كان. قال الأصمعي: يضرب للرجل يحط أمره ويصغر قدره.
الجوهري: "النفير: القوم الذين يتقدمون في أمر"، و"العير بالكسر: الإبل التي تحمل الميرة".
قوله: (أعضضناه): أي: استخففنا به وشتمناه وقلنا له: عضضت بظر أمك، والبظر: لحمة في الفرج، وهي التي تختن، وهذا من شتائم العرب. النهاية: "وفي الحديث: "من تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا"، أي: قولوا له: اعضض بأير أبيك، ولا تكنوا عن الأير بالهن، تنكيلاً له". وقول أبي جهل لعتبة يوم بدر: لو غيرك يقول هذا أعضضته، أي: شتمته.
стр. 3168
فنزل جبريل ﵇، فقال: يا محمد، إن الله وعدكم إحدى الطائفتين: إمّا العير، وإمّا قريشا، فاستشار النبي ﷺ أصحابه وقال: "ما تقولون؟ إن القوم قد خرجوا من مكة على كل صعب وذلول، فالعير أحب إليكم أن النفير؟ " قالوا: بل العير أحب إلينا من لقاء العدوّ، فتغير وجه رسول الله ﷺ : ثم ردّد عليهم فقال: "إن العير قد مضت على ساحل البحر، وهذا أبو جهل قد أقبل"، فقالوا: يا رسول الله، عليك بالعير ودع العدوّ، فقام عند غضب النبي ﷺ أبو بكر وعمر ﵄، فأحسنا، ثم قام سعد بن عبادة فقال: انظر أمرك فامض، فو الله لو سرت إلى عدن أبين ما تخلف عنك رجل من الأنصار، ثم قال المقداد بن عمرو: يا رسول الله، امض لما أمرك الله،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقيل: من الأدب أن يُقال: يعني "أعضضناه"؛ أي: جعلناه عاض أنامله، أو قلنا له: أعضضت علينا أناملك من الغيظ، يعني: ما حصل مطلوبك، وما ظفرت إلا بعض أناملك من الغيظ، وتحقيق هذه الكناية: أوقعناه فيما يصير به نادماً يعض أنامله، فإنه إذا قصد العير ولم يجده ندم على المسير، كقوله تعالى: (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ) [الفرقان: ٢٨]، أو غضب كقوله تعالى: (عَضُّوا عَلَيْكُمْ الأَنَامِلَ مِنْ الغَيْظِ) [آل عمران: ١١٩].
قوله: (قالوا: بل العير أحب إلينا من لقاء العدو، فتغير وجه رسول الله ﷺ … فقالوا: يا رسول الله، عليك بالعير ودع العدو): وهذا هو المراد من إيراد هذه القصة؛ لأن القصة سيقت لبيان أن قوله: (وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ) حال، كما علم من كلامه.
قوله: (فأحسنا): أي: أحسنا الكلام في اتباع مراد رسول الله ﷺ .
قوله: (إلى عدن أبين)، النهاية: "عدن أبين: مدينة معروفة باليمن، أضيفت إلى "أبين" بوزن "أبيض"، وهو رجل عدن بها، أي: أقام".
قوله: (ثم قال المقداد بن عمرو): روينا في "صحيح البخاري" عن ابن مسعود قال: "أتى
стр. 3169
فإنا معك حيثما أحببت، لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا معكما مقاتلون ما دامت عين منا تطرف. فضحك رسول الله ﷺ ، ثم قال: " أشيروا علىَّ أيها الناس"، وهو يريد الأنصار، لأنهم قالوا له حين بايعوه على العقبة: إنا برآء من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا، فإذا وصلت إلينا فأنت في ذمامنا، نمنعك مما نمنع منه آباءنا ونساءنا، فكان النبي ﷺ يتخوّف أن لا تكون الأنصار لا ترى عليهم نصرته إلا على عدوّ دهمه بالمدينة.
فقام سعد بن معاذ فقال: لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: "أجل"، قال: آمنَّا بك وصدّقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض-يا رسول الله- لما أردت، فو الذي بعثك بالحق، لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المقداد النبي ﷺ وهو يدعو على المشركين، فقال: يا رسول الله، إنا لا نقول كما قالت بنو إسرائيل: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن امض ونحن معك. فسري عن رسول الله ﷺ ".
ورواه أحمد بن حنبل عن طارق بن شهاب، وفي آخره: "ولن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون".
قوله: (بتخوف أن لا تكون الأنصار لا ترى عليهم): أي: لا تعتقد وجوب نصرته عليهم إلا على عدو يفجؤه بالمدينة، و"لا" في "أن لا تكون": زائدة.
قوله: (استعرضت): أي لو عبرت بنا البحر عرضاً. النهاية: "في الحديث: "فأتى جمرة الوادي فاستعرضها"، أي: أتاها من جانبها عرضاً".
стр. 3170
بنا عدوّنا، إنا لصبر عند الحرب، صدق عند اللقاء، ولعلّ الله يريك ما تقرّبه عينك، فسر بنا على بركة الله. ففرح رسول الله ﷺ ، وبسطه قول سعد، ثم قال: "سيروا على بركة الله وأبشروا، فإنّ الله وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم".
وروى: أنه قيل لرسول الله ﷺ حين فرغ من بدر: عليك بالعير ليس دونها شيء، .....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ.
قوله: (لكأني الآن انظر إلى مصارع القوم): روينا عن مُسلم وأبي داود عن أنس قال: "إن النبي ﷺ شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان، فقام سعد بن عبادة فقال: يا رسول الله، والذي نفسي بيده، لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا. قال: فندب رسول الله ﷺ الناس، فانطلقوا حتى نزلوا بدراً، فقال رسول الله ﷺ : "هذا مصرع فلان"، ويضع يده على الأرض هاهنا وهاهنا، قال: فما ماط أحد عن موضع يد رسول الله ﷺ ".
الأساس: "خاض الماء خوضاً، وأخاضوا الماء إخاضة: إذا خاضوه بدوابهم".
النهاية: "في الحديث: "لا تضرب أكباد المطي إلا إلى ثلاثة مساجد"؛ أي: لا تركب ولا يسار عليها، يقال ضربت في الأرض؛ إذا سافرت فيها".
وأما "برك الغماد" بفتح الباء وكسرها، وضم الغين وكسرها: فهو اسم موضع باليمن، وقيل: هو موضع من وراء مكة بخمس ليال.
стр. 3171
فناداه العباس وهو في وثاقه: لا يصلح، فقال له النبي ﷺ : "لم"؟
قال: لأنّ الله وعدك إحدى الطائفتين، وقد أعطاك ما وعدك.
وكانت الكراهة من بعضهم لقوله: (وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكِرهُونَ).
[(يُجدِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ) ٦]
(يُجدِلُونَكَ فِي الْحَقِّ) والحق الذي جادلوا فيه رسول الله ﷺ : تلقى النفير، لإيثارهم عليه تلقى العير (بَعْدَ ما تَبَيَّنَ): بعد إعلام رسول الله ﷺ بأنهم ينصرون. وجدالهم: قولهم: ما كان خروجنا إلا للعير، وهلا قلت لنا لنستعد ونتأهب! وذلك لكراهتهم القتال.
ثم شبه حالهم في فرط فزعهم ورعبهم، وهم يسار بهم إلى الظفر والغنيمة، .........
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فناداه العباس وهو في وثاقه) الحديث: رواه أحمد بن حنبل والترمذي عن ابن عباس.
قوله: (لا يصلح): أي: لا يصلح هذا الرأي، وهو قول القائل: "عليك بالعير"؛ لأنه تعالى وعدك إحدى الطائفتين وأنجز ما وعده.
قوله: (وكانت الكراهة من بعضهم) عطف على قوله: "وذلك أن عير قريش أقبلت من الشام" إلى آخر القصة، أو حال عاملة معنى الإشارة، وهو كالبيان لمضمون القصة، لأن القصة أذنت بحصول الكراهة من أصحاب الرسول ﷺ لتلقي النفير، والإعجاب لتلقي العير، ولم يعلم أن لهم كرهوا ذلك أو بقي منهم من لم يكره، يدل عليه قوله: "فاستشار أصحابه وقال: ما تقولون: "العير أحب غليكم أم النفير؟ " قالوا: بل العير، فتغير وجه رسول الله ﷺ ". فقال: "وكانت الكراهة من بعضهم بدليل قوله: (وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ) ".
قوله: (ثم شبه حالهم): لفظة "ثم" توهم أنالمشبه غير ما سبق من قوله: (يُجَادِلُونَكَ فِي
стр. 3172
بحال من يعتل إلى القتل، ويساق على الصغار إلى الموت المتيقن، وهو مشاهد لأسبابه، ناظر إليها، لا يشك فيها.
وقيل: كان خوفهم لقلة العدد، وأنهم كانوا رجالة، وروي: أنه ما كان فيهم إلا فارسان.
[(وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ) ٧]
(وإذ) منصوب بإضمار: اذكر. و (أَنَّها لَكُمْ) بدل من (إحدى الطائفتين)، والطائفتان:
العير والنفير، و (غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ): العير،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ)، ولكن هو المشبه، لأن مثل هذا الجدال - أعني قولهم: "ما كان خروجنا إلا للعير، وهلا قلت لنا لنستعد ونتأهب"، بعد قول رسول الله ﷺ : "إن الله وعدني إحدى الطائفتين"، وقوله: "والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم" - يدل على جبن عظيم وإفراط في الرعب والفرق، فصح تشبيهه بقوله: (كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ)، ثم عطفت هذه الجملة على ما سبق من حيث المعنى، يعني: أثبت الله لهم الجدال بسبب الكراهة بعدما أعلمهم رسول الله ﷺ بالنصرة، ثم شبه حالهم.
قوله: (من يعتل إلى القتل)، الجوهري: "عتلت الرجل أعتله: إذا جذبته جذباً عنيفاً".
قوله: (وقيل: كان خوفهم لقلة العدد، وأنهم كانوا رجالة): عطف على قوله: "لكراهتهم القتال"، أي: خافوا العدو إما جُبناً وخوراً وكانوا معذورين فيه لقلة العدد والعُدد، ولهذا قدر وجه التشبيه في الأول: "في فرط فزعهم ورعبهم".
قوله: (إلا فارسان): قيل: هما المقداد بن الأسود والزبير بن العوام. وفي "مسند الإمام أحمد بن حنبل" عن علي ﵁: "ما كان منا فارس يوم بدر إلا المقداد بن الأسود".
стр. 3173
لأنه لم يكن فيها إلا أربعون فارسًا، والشوكة كانت في النفير لعددهم وعدّتهم، والشوكة: الحدّة، مستعارة من واحدة الشوك. ويقال: شوك القنا؛ لشباها، ومنها قولهم: شائك السلاح، أي تتمنون أن تكون لكم العير، لأنها الطائفة التي لا حدّة لها ولا شدّة، ولا تريدون الطائفة الأخرى (أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ): أن يثبته ويعليه (بِكَلِمتِهِ): بآيه المنزلة في محاربة ذات الشوكة، وبما أمر الملائكة من نزولهم للنصرة، وبما قضى من أسرهم وقتلهم وطرحهم في قليب بدر.
والدَّابر: الآخر، فاعل من: دبر: إذا أدبر، ومنه: دابرة الطائر. وقطع الدابر: عبارة عن الاستئصال، يعنى: أنكم تريدون الفائدة العاجلة وسفساف الأمور، وأن لا تلقوا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لشباها)، الجوهري: "شباة كل شيء: حد طرفه، والجمع: الشبا والشبوات".
قوله: (ومنها قولهم: شائك السلاح): فعلى هذا "شائك" يكون أصلاً و"شاك" مقلوبة، وذكر في "الصافات" عند قوله: (صَالِي الْجَحِيمِ) [الصافات: ١٦٣] عكس ذلك، وحقق القول فيه هنالك.
قوله: (بآية المنزلة)، (وبما أمر الملائكة)، (وبما قضى من أسرهم): كلها تفسير لقوله: (بِكَلِمَاتِهِ)؛ لأنها جمع يحتمل المعدودات كلها، لأن الكلمة تطلق على المنزل، نحو قوله: (يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ) [الأعراف: ١٥٨]، وعلى "كُن" بمعنى الأمر الحقيقي، أو بمعنى "قضى" على المجاز، كقوله تعالى: (إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [آل عمران: ٤٧، ومريم: ٣٥].
قوله: (دابرة الطائر)، الجوهري: "دابرة الطائر: التي يضرب بها، وهي كالإصبع في باطن رجله".
قوله: (وسفساف الأمور)، النهاية: "السفساف: ضد المكارم والمعالي، وأصله ما يطير من غبار الدقيق إذا نُخل، والتراب إذا نثر"، والمصنف ذهب إلى الاقتباس مما رُوي في
стр. 3174
ما يرزؤكم في أبدانكم وأحوالكم، والله يريد معالي الأمور، وما يرجع إلى عمارة الدين، ونصرة الحق، وعلوّ الكلمة، والفوز في الدارين، وشتان ما بين المرادين، ولذلك اختار لكم الطائفة ذات الشوكة، وكسر قوّتهم بضعفكم، وغلب كثرتهم بقلتكم، وأعزّكم وأذلهم، وحصل لكم مالا تعارض أدناه العير وما فيها. وقرئ: "بكلمته"، على التوحيد.
[(لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ) ٨]
فإن قلت: بم يتعلق قوله لِيُحِقَّ الْحَقَّ؟ قلت: بمحذوف تقديره: ليحق الحق ويبطل الباطل فعل ذلك، ما فعله إلا لهما، وهو إثبات الإسلام وإظهاره، وإبطال الكفر ومحقه. فإن قلت: أليس هذا تكريراً؟ قلت: لا، لأنّ المعنيين متباينان،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحديث: "إن الله يحب معالي الأمور ويبغض سفسافها"، ومن ثم ذكر في المقابل: "والله تعالى يريد معالي الأمور".
قوله: (يرزؤكم): أي: ينقصكم، والرزء: المصيبة.
قوله: (أليس هذا تكريراً؟ ): يعني: أليس قوله: (لِيُحِقَّ الْحَقَّ) بعد قوله: (وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ)، مثل قولك: أردت أن أكرم زيداً لإكرامه؟
وتلخيص الجواب: أنه ليس نظيراً لذلك، بل هو نظير قولك: أردت أن تفعل الباطل، وأردت أن أفعل الحق، ففعلت ما أردته لكذا، لا لمقتضى إرادتك، ولهذا قال: "وجب أن يُقدر المحذوف متأخراً حتى يفيد معنى الاختصاص"، لأن المقام يقتضي نفي إرادة القوم وإثبات
стр. 3175
وذلك أنّ الأوّل تمييز بين الإرادتين، وهذا بيان لغرضه فيما فعل من اختيار ذات الشوكة على غيرها لهم ونصرتهم عليها، وأنه ما نصرهم ولا خذل أولئك، إلا لهذا الغرض الذي هو سيد الأغراض. ويجب أن يقدّر المحذوف متأخراً حتى يفيد معنى الاختصاص، وينطبق عليه المعنى. وقيل: قد تعلق بـ" يقطع".
[(إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ) ٩] فإن قلت: بم يتعلق (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ)؟ قلت: هو بدل من (إِذْ يَعِدُكُمُ) [الأنفال: ٧]،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إرادة الله لينطبق عليه المعنى، ولا يحصل ذلك غلا بتأخير المقدر، وكان أصل الكلام: تودون أن العير تكون لكم، ويريد الله ملاقاة النفير، ففعل الله تعالى ما أراده دون ما أردتم أنتم. فوضع (أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ) موضع "ملاقاة النفير" للدلالة على حصول الفوز في الدارين، ثم وضع موضع "ففعل الله تعالى ما أراده دون ما أردتم" قوله: (لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ)، مع إرادة المحذوف متأخراً للدلالة على تعظيم ذلك الفعل.
وإلى الأول الإشارة بقوله: "وما يرجع إلى عمارة الدين، ونُصرة الحق، وعلو الكلمة، والفوز في الدارين"، وإلى الثاني الإشارة بقوله: "وأنه ما نصرهم، ولا خذل أولئك، إلا لهذا الغرض الذي هو سيد الأغراض".
وفي وضع "تودون" موضع "تريدون"، لكونه مقابلاً لقوله: (وَيُرِيدُ اللَّهُ): إيذان ببطلان إرادتهم، وفي إيثار (غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ) على "العير": إيماء إلى جُبنهم وخورهم، وإنما ترك الفاء في جملة قوله: (يُحِقَّ الْحَقَّ) مع معلله كما في المثال، ليكون الاتصال استئنافاً.
قوله: (فيما فعل من اختيار ذات الشوكة على غيرها لهم، ونصرتهم عليها، وأنه ما نصرهم): "من" بيان "ما فعل"، و"أنه" عطف على "غرضه"، أي: هذا بيان لأن ما نصرهم ولا خذل أولئك إلا لهذا الغرض.
стр. 3176
وقيل: بقوله: (لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ البَطلَ)، واستغاثتهم: أنهم لما علموا أنه لا بدَّ من القتال، طفقوا يدعون الله ويقولون: أي ربنا، انصرنا على عدوّك، يا غياث المستغيثين أغثنا.
وعن عمر ﵁: أنّ رسول الله ﷺ نظر إلى المشركين وهم ألف، وإلى أصحابه وهم ثلاث مئة، فاستقبل القبلة ومدّ يديه يدعو: " اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض، فما زال كذلك حتى سقط رداؤه، فأخذه أبو بكر فألقاه على منكبه والتزمه من ورائه، وقال: يا نبي الله، كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك.
(أَنِّي مُمِدُّكُمْ) أصله: بأني ممدكم، فحذف الجار وسلط عليه "استجاب" فنصب محله. وعن أبى عمرو أنه قرأ: " أَنِّي مُمِدُّكُمْ" بالكسر؛ على إرادة القول، أو على إجراء استجاب مجرى "قال" لأنّ الاستجابة من القول.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقيل: بقوله) أي: يتعلق (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ) بقوله: (وَيُحِقُّ الْحَقّ)، وقيل: هذا أوجه من أن يكون بدلاً، لأن زمان الوعد غير زمان الاستغاثة، إلا على تأويل أن الوعد والاستغاثة وقعاً في زمان واسع، كما تقول: لقيته سنة كذا. وهذا أبلغ؛ لتكرير التذكير لمزيد الامتنان والتعبير لما وُجد منهم من الكراهة والخوف، كما سبق في قوله: (إِذْ يَخْتَصِمُونَ * إِذْ قَالَتْ الْمَلائِكَةُ) في "آل عمران" [الآية ٤٤ - ٤٥].
قوله: (اللهم أنجز لي ما وعدتني): عن مُسلم وأحمد والترمذي عن عمر ﵁ قال: "لما كان يوم بدر نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاث مئة وتسعة عشر رجلاً، فاستقبل القبلة، ثم مد يده، فجعل يهتف بربه، يقول: اللهم أنجز لي ما وعدتني" الحديث.
стр. 3177
فإن قلت: هل قاتلت الملائكة يوم بدر؟ قلت: اختلف فيه، فقيل: نزل جبريل في خمس مئة ملك على الميمنة، وفيها أبو بكر ﵁، وميكائيل في خمس مئة على الميسرة، وفيها علىّ بن أبى طالب ﵁، في صور الرجال، عليهم ثياب بيض وعمائم بيض، قد أرخوا أذنابها بين أكتافهم، فقاتلت.
وقيل: قاتلت يوم بدر، ولم تقاتل يوم الأحزاب ويوم حنين.
وعن أبى جهل أنه قال لابن مسعود: من أين كان ذلك الصوت الذي كنا نسمع ولا نرى شخصا؟ قال: من الملائكة، فقال أبو جهل: هم غلبونا، لا أنتم. وروى: أنّ رجلاً من المسلمين بينما هو يشتد في أثر رجل من المشركين، إذ سمع صوت ضربة بالسوط فوقه، فنظر إلى المشرك قد خر مستلقيا وشقّ وجهه، فحدث الأنصاري رسول الله ﷺ ، فقال: "صدقت، ذاك من مدد السماء". وعن أبى داود المازني: تبعت رجلا من المشركين لأضربه يوم بدر، فوقع رأسه بين يدي قبل أن يصل إليه سيفي.
وقيل: لم يقاتلوا، وإنما كانوا يكثرون السواد ويثبتون المؤمنين، وإلا فملك واحد كاف في إهلاك أهل الدنيا كلهم، فإنّ جبريل ﵇ أهلك بريشة من جناحه مدائن قوم لوط، وأهلك بلاد ثمود قوم صالح بصيحة واحدة.
وقرئ (مُرْدِفِينَ) بكسر الدال وفتحها، من قولك: ردفه: إذا تبعه، ........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: (مُرْدِفِينَ) بكسر الدال وفتحها): بالفتح: نافع، وبالكسر: الباقون. قال الزجاج: "يُقال: ردفت الرجل: إذا ركبت خلفه، وأردفته: إذا أركبته خلفي. ويُقال: أردفت الرجل: إذا جئت بعده، فمعنى "مردفين": يأتون فرقة بعد فرقة".
قال الجوهري: "كل شيء تبع شيئاً فهو ردفه، وردفه - بالكسر-: أي: تبعه، وأردفه: لغة في ردفه، مثل: تبعه وأتبعه".
стр. 3178
ومنه قوله تعالى: (رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ) [النمل: ٧٢] بمعنى: ردفكم. وأردفته إياه: إذا أتبعته، ويقال: أردفته، كقولك: أتبعته: إذا جئت بعده، فلا يخلو المكسور الدال من أن يكون بمعنى: متبعين أو متبعين، فإن كان بمعنى "متبعين": فلا يخلو من أن يكون بمعنى: متبعين بعضهم بعضاً، أو متبعين بعضهم لبعض، أو بمعنى: متبعين إياهم المؤمنين، أي يتقدمونهم فيتبعونهم أنفسهم، ........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الراغب: "الردف: التابع، وردف المرأة: عجيزتها، والترادف: التتابع، والرادف: المتأخر، والمردف: المتقدم الذي أردف غيره، قال أبو عبيدة في قوله تعالى: (بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ): جائين، فجعل "ردف" و"أردف" بمعنى واحد، وأنشد:
إذا الجوزاء أردفت الثريا
وقال غيره: معناه مردفين ملائكة أخرى، فعلى هذا يكونون ممدين من الملائكة، وقيل: عني بالمردفين: المتقدمين للعسكر يلقون في قلوب العدا الرعب. وقرئ: "مردفين"، أي: أردف كل إنسان ملكاً".
قوله: (كقولك: اتبعته): واعلم أن في كلام المصنف دقة، فإنه لما قسم المكسورة الدال على قسمين، أخذ في بيان أحد القسمين، وخلط القسم الآخر به، وكان الظاهر أن لا يأتي بالآخر إلا بعد الفراغ من الأول، ومن ثم عمد إلى إبطال سطر من الكتاب، فعاد الكلام
стр. 3179
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هكذا: "فلا يخلو المكسور الدال من أن يكون بمعنى: متبعين بعضهم بعضاً أو متبعين بعضهم لبعض"، إلى آخره.
وأما وجه استقامة ما في الكتاب - كما جاء في النسخ كلها-: فهو أن للبلغاء في أسلوب اللف والنشر طرقاً شتى - خلاف الظاهر - يسلكونها؛ تارة بإعانة اللف على النشر، وأخرى عكس ذلك، وهاهنا لما أتى باللف على ظاهره حيث قال: "بمعنى: متبعين أو متبعين" عمد في النشر إلى خلاف الظاهر، ثقة بأن السامع يرتب النشر عليه بالإضمار والتقديم والتأخير، كما يقول: "فن كان بمعنى: متبعين" بالتخفيف "فلا يخلو من أن يكون بمعنى: متبعين بعضهم بعضاً"، أي: يتبعون بعض الملائكة بعضاً منهم، "أو متبعين إياهم المؤمنين، أو متبعين أنفسهم، أو متبعين غيرهم من الملائكة".
وأعجب بنشر فيه لف! وإنما ارتكب هذا الصعب ليريك أن "متبعين" و"مُتَّبعين" عند كل من الاختلاف متفقان على معنى واحد، فقوله: "متبعين بعضهم بعضاً، أو متبعين بعضهم لبعض" يشتركان في معنى قوله: "أردفته إياه: إذا أتبعته" إذا كان المفعولان منهم، وقوله: "أو مُتبعين إياهم المؤمنين، أو متبعين لهم يشيعونهم" يشتركان في معنى قوله: "أردفته: إذا اتبعته" إذا كان أحد المفعولين "المؤمنين". وكذلك الصورة الثالثة، وإنما الفرق أن الثالثة واردة في إتباع أنفسهم ملائكة آخرين، والثانية في إتباع أنفسهم المؤمنين.
стр. 3180
أو متبعين لهم يشيعونهم ويقدمونهم بين أيديهم، وهم على ساقتهم، ليكونوا على أعينهم وحفظهم، أو بمعنى متبعين أنفسهم ملائكة آخرين، أو متبعين غيرهم من الملائكة، ويعضد هذا الوجه قوله تعالى في سورة آل عمران: (بِثَلثَةِ ءالف مِنَ الْمَلكَةِ مُنْزَلِينَ). [آل عمران: ١٢٤]. (بِخَمْسَةِ ءالف مِنَ الْمَلكَةِ مُسَوِّمِينَ) [آل عمران: ١٢٥].
ومن قرأ: (مُرْدِفِينَ) بالفتح: فهو بمعنى: متبعين أو متبعين. وقرئ: (مردّفين)، بكسر الراء وضمها وتشديد الدال، وأصله: مرتدفين، أي: مترادفين أو متبعين، من: ارتدفه، فأدغمت تاء الافتعال
في الدال، فالتقى ساكنان، فحرّكت الراء بالكسر على الأصل، أو على إتباع الدال، وبالضم على إتباع الميم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقريب منه قوله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ) [الروم: ٢٣]، قال المصنف: "التقدير" منامكم وابتغاؤكم بالليل والنهار، فصل بين القرينتين الأوليين بالقرينتين الأخريين، بإعانة اللف"، فعلى هذا يتطابق بين تفسيره القراءة المكسورة وبين تفسيره المفتوحة حيث قال: "ومن قرأ "مردفين" - بالفتح- فهو بمعنى: متبعين أو متبعين".
قوله: (ويعضد هذا الوجه): لأن هذا الوجه يدل على أن الملائكة كانوا أكثر من الألف، فيوافق ما في قوله: (أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَاتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ) [آل عمران: ١٢٤ - ١٢٥]، وإنما استشهد بقوله: (بِخَمْسَةِ آلافٍ) وإن لم ينزلوا للنصر ليقرر أنهم نيفوا على الألف البتة، وأن الكلام في الزيادة,
قوله: ("مردفين" بكسر الراء وضمها وتشديد الدال)، قال الزجاج: "ويجوز في اللغة: مُرِدفين ومُرَدفين ومُرُدفين، يجوز في الراء مع تشديد الدال وكسرها: فتحها وضمها وكسرها.
стр. 3181
وعن السدي: (بآلاف من الملائكة)؛ على الجمع، ليوافق ما في سورة آل عمران.
فإن قلت: فبم يعتذر لمن قرأ على التوحيد، ولم يفسر المردفين بإرداف الملائكة ملائكة آخرين، والمردفين بارتدافهم غيرهم؟ قلت: بأنّ المراد بالألف من قاتل منهم، أو الوجوه منهم الذين من سواهم أتباع لهم.
[(وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) ١٠]
فإن قلت: إلام يرجع الضمير في وَما (جَعَلَهُ)؟ قلت: إلى قوله: (أَنِّي مُمِدُّكُمْ) [الأنفال: ٩]، لأن المعنى: فاستجاب لكم بإمدادكم.
فإن قلت: ففيمن قرأ بالكسر؟ قلت: إلى قوله: (أَنِّي مُمِدُّكُمْ) لأنه مفعول القول المضمر، فهو في معنى القول، ويجوز أن يرجع إلى الإمداد الذي يدل عليه (ممدّكم).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال سيبويه: أصله: مرتدفين، فأدغمت التاء في الدال فصارت مردفين، لأنك طرحت حركة التاء على الراء. قال: وإن شئت لم تطرح حركة التاء، وكسر الراء لالتقاء الساكنين، والذين ضموا الراء جعلوها تابعة لضم الميم".
قوله: (لأن المعنى: فاستجاب لكم بإمدادكم): يعني: (أَنِّي مُمِدُّكُمْ) بفتح الهمزة: مفرد يجوز أن يرجع إليه الضمير، وأصله: بأني ممدكم، فحذف الجار وسلط عليه (فَاسْتَجَابَ) فنصب محله، أي: ما جعل إمدادكم بالملائكة لأمر من الأمور، إلا للبشرى وللاطمئنان، لأن النصر ليس بالملائكة، فإن الناصر هو الله.
قوله: (ففيمن قرأ بالكسر؟ ): أي: فما تصنع في قراءة من قرأ بكسر الهمزة، فإنها ليست في تأويل المفرد، فأجاب: "اجعله مقولاً للقول" لأن التقدير: فاستجاب لكم وقال: إني ممدكم، كأنه قيل: ما جعل الله ذلك القول- أي: إني ممدكم - إلا بشرى.
стр. 3182
(إِلَّا بُشْرى): إلا بشارة لكم بالنصر، كالسكينة لبنى إسرائيل، يعنى: أنكم استغثتم وتضرعتم لقلتكم وذلتكم، فكان الإمداد بالملائكة بشارة لكم بالنصر، وتسكيناً منكم، وربطا على قلوبكم (وَمَا النَّصْر إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) يريد: ولا تحسبوا النصر من الملائكة، فإن الناصر هو الله لكم وللملائكة، أو: (وما النصر) بالملائكة وغيرهم من الأسباب (إلا من عند الله)، والمنصور من نصره الله.
[(إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ) ١١]
"إِذْ يغشاكم" بدل ثان من (إِذْ يَعِدُكُمُ) [الأنفال: ٧] أو منصوب بـ (النصر)، أو بما في (مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) [الأنفال: ١٠] من معنى الفعل، أو بـ (جعله الله)، أو بإضمار: اذكر. وقرئ: (يغشيكم) بالتخفيف والتشديد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أو: (وَمَا النَّصْرُ) بالملائكة): عطف على لفظ: "لا تحسباو"، و (النَّصْرُ) على هذا مُطلق شائع في جنسه، ولذلك قدر "وغيرهم من الأسباب"، وعلى الأول مقيد بالملائكة المنزلين بقرائن المقام، والجملة داخلة تحت الحسبان، نزلهم لاعتمادهم على نصرة الملائكة منزلة من يزعم أن الملائكة هم الناصرون، فقصر الإفرادي، لأنه نفي زعم من زعم الفرق بين المؤثر المشاهد، وأن بعضه مستقل وبعضه سبب، فقصر الحكم على أن الكل أسباب لا فرق بينها، فقيل: (وَمَا النَّصْرُ) بالملائكة وغيرهم من الأسباب (إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ).
قوله: (وقرئ: (يُغَشِّيكُمْ)، بالتخفيف والتشديد): "يغشاكم": بالألف وفتح الياء، و"النعاس" بالرفع: قراءة أبي عمري وابن كثير. وبضم الياء وتخفيف الشين ونصب (النُّعَاسَ): قراءة نافع، وبتشديد الشين وضم الياء- من التغشية- ونصب (النُّعَاسَ): قراءة ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي.
стр. 3183
ونصب (النعاس)، والضمير لله . (وأَمَنَةً) مفعول له.
فإن قلت: أما وجب أن يكون فاعل الفعل المعلل والعلَّة واحداً؟ قلت: بلى، ولكن لما كان معنى "يغشاكم النعاس"، تنعسون، انتصب (أمنة) على أن النعاسِ والأمنة لهم. والمعنى: إذ تنعسون أمنة، بمعنى: أمنا، أي: لأمنكم، و (مِنْهُ) صفة لها، أي: أمنة حاصلة لكم من الله .
فإن قلت: فعلى غير هذه القراءة؟ قلت: يجوز أن تكون الأمنة بمعنى الإيمان، أي: ينعسكم إيماناً منه، أو على: يغشيكم النعاس فتنعسون أمناً.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (و (آمِنَةً) مفعول له): فإن قلت: لم قصر هاهنا على هذا، وجعل في "آل عمران": تارة حالاً، وأخرى مفعولاً به، ومفعولاً له؟
قلت: لأن ذلك المقام اقتضى الاهتمام بشأن الأمن، ولذل قدمه وبسط الكلام في الأمن وإزالة الخوف، ألا ترى إلى سياق الآية وهو قوله: (فَأَثَابَكُمْ غَمّاً بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا) [آل عمران: ١٥٣]، وسياقها وهو قوله: (يَغْشَى طَائِفَةً) إلى آخرها [آل عمران: ١٥٤]، حيث جعلها صفة لـ (نُعَاساً) وختم الكلام بقوله: (لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقَتْلُ)، كيف جعل الكلام كله في الأمن والخوف بخلافه هنا، لأنه في مقام تعداد النعم، فجيء بالقصة مختصرة للرمز.
قوله: (لما كان معنى "يغشام النعاس"): هذا الجواب على القراءة الأولى، وهي: "يغشاكم" بالألف و"النعاس" بالرفع.
قوله: (فعلى غير هذه القراءة؟ ) يعني: صح الجواب على قراءة "يغشاكم"، فما تأويله على
стр. 3184
فإن قلت: هل يجوز أن ينتصب على أنّ الأمنة للنعاس الذي هو فاعل "يغشاكم"؟ أي: يغشاكم النعاس لأمنه، على أن إسناد الأمن إلى النعاس إسناد مجازى، وهو لأصحاب النعاس على الحقيقة، أو على أنه أنامكم في وقت كان من حق النعاس في مثل ذلك الوقت المخوف أن لا يقدم على غشيانكم؟ وإنما غشيكم أمنة حاصلة من الله لولاها لم يغشكم، على طريقة التمثيل والتخييل؟ قلت: لا تبعد فصاحة القرآن عن احتماله، وله فيه نظائر، وقد ألم به من قال:
يهاب النّوم أن يغشى عيونًا … تهابك فهو نفّار شرود
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
القراءة الثانية، يعني: "يغشيكم" بضم الياء وتخفيف الشين، والثالثة، أي: (يُغَشِّيكُمْ)؛ بالتشديد؟ أجاب: بأن الفاعل على القراءتين هو الله تعالى، أي: ينعسكم الله تعالى إيماناً منه، أو يغشيكم الله النعاس فتنعسون أمناً، على أن عامله مضمر، و (آمِنَةً) بمعنى: أمناً.
قوله: (هل يجوز أن ينتصب؟ ): هذا السؤال أيضاً وارد على القراءة الأولى.
قوله: (على طريقة التمثيل والتخييل): أي: على أنه من الاستعارة المكنية، شبه النعاس بشخص طالب للأمن، ثم خيل أنه إنسان بعينه، حيث أثبت له على سبيل الاستعارة التخييلية الأمنة التي هي من لوازم المشبه به، وجعل نسبتها إليه قرينة مانعة من إرادة الحقيقة، وفيه إغراق في الوصف، لأنه جعل النعاس الذي هو سبب للأمن بسبب غشيانه غياهم ملتمساً للأمن منهم.
قوله: (يهاب النوم) البيت: قيل: إنه للمصنف. "تهابك": صفة لـ "عيونا".
"نفار": مبالغة من: نفرت الدابة نفاراً، و"شرود": من: شرد البعير، أي: مستعصى
стр. 3185
وقرئ: "أمنة" بسكون الميم، ونظير: أمن أمنة: حيي حياة، ونحو: أمن أمنة: رحم رحمة، والمعنى: أن ما كان بهم من الخوف كان يمنعهم من النوم، فلما طمأن الله قلوبهم وأمنهم رقدوا. وعن ابن عباس ﵄: " النعاس في القتال أمنة من الله، وفي الصلاة: وسوسة من الشيطان".
(وَيُنَزِّلُ) قرئ بالتخفيف والتثقيل، وقرأ الشعبي: "ما ليطهركم به"، قال ابن جني:
"ما" موصولة وصلتها حرف الجر بما جره، فكأنه قال: ما للطهور.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عليك، والضمير في "فهو" عبارة عن النوم. المعنى: يخاف النوم أن يدخل عين أعدائك، فهو لذلك نفار شرود.
قال في "الانتصاف": "وفيه بُعد؛ لأن هذه الاستعارة البعيدة للنوم قد تستحسن في الشعر لبنائه على المبالغة، وغلبة باطله على حقه، ولا يوجد مثلها في الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه".
قلت: إن منع استعمال المجاز في كتاب الله المجيد يتمشى له هذا المنع، وإلا هذا منه غير مستحسن، لأن هذا الأسلوب في الدرجة القصوى من البلاغة، وكلام الله إنما كان معجزاً من حيث اللفظ والمعنى إذا استعمل فيه أمثال ذلك.
قوله: (حيي حياة): أصله: حيية، قلبت الياء ألفاً؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها، وكتبت ألفه واواً للتفخيم.
قوله: (وقرأ الشعبي: "ما ليطهركم [به] "، قال ابن جني: "ما"موصولة)، فالتقدير: وينزل عليكم من السماء الذي لطهارتكم أو لتطهيركم. واللام التي في قراءة الجماعة هي اللام في قولك:
стр. 3186
و (رِجْزَ الشَّيْطانِ): وسوسته إليهم، وتخويفه إياهم من العطش. وقيل: الجنابة، لأنها من تخييله. وقرئ: "رجس الشيطان".
وذلك أن إبليس تمثل لهم، وكان المشركون قد سبقوهم إلى الماء، ونزل المؤمنون في كثيب أعفر تسوخ فيه الأقدام على غير ماء، وناموا فاحتلم أكثرهم، فقال لهم: أنتم- يا أصحاب محمد- تزعمون أنكم على الحق، وأنكم تصلون على غير وضوء وعلى الجنابة، وقد عطشتم، ولو كنتم على حق ما غلبكم هؤلاء على الماء، وما ينتظرون بكم إلا أن يجهدكم العطش، فإذا قطع العطش أعناقكم
مشوا إليكم فقتلوا من أحبوا، وساقوا بقيتكم إلى مكة، فحزنوا حزناً شديداً وأشفقوا، فأنزل الله المطر، فمطروا ليلا حتى جرى الوادي، واتخذ رسول الله ﷺ وأصحابه الحياض على عدوة الوادي، وسقوا الركاب، واغتسلوا وتوضؤوا، وتلبد الرمل الذي كان بينهم وبين العدو، حتى ثبتت عليه الأقدام، وزالت وسوسة الشيطان، وطابت النفوس.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
زرتك لتكرمني، وأما اللام في القراءة الشاذة فمتعلقة بمحذوف، كقولك: دفعت إليه المال الذي له، أي: استقر وثبت له، وفيها ضمير لتعلقها بالمحذوف، ومعنى القراءتين يرجع إلى واحد، والمشهورة أفصح لتصريح التعليل فيها.
قوله: (وقرئ: "رجس الشيطان") قال ابن جني: "الرجس في القرآن: العذاب، كالرجز، ورجس الشيطان: وسوسته، الرجس في الأصل: كل ما تستقذره النفس، كالخنزير ونحوه".
قوله: (كثيب أعفر): أي: رمل أبيض تعلوه حمرة، "تسوخ" أي: تدخل فيه الأقدام وتغيب.
стр. 3187
والضمير في (بِهِ) للماء، ويجوز أن يكون للربط، لأن القلب إذا تمكن فيه الصبر والجرأة ثبتت القدم في مواطن القتال.
[(إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلْائكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ ءآمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ) ١٢]
(إِذْ يُوحِي) يجوز أن يكون بدلا ثالثاً من (إِذْ يَعِدُكُمُ) [الأنفال: ٧]، وأن ينتصب بـ "يثبت". (أَنِّي مَعَكُمْ) مفعول (يوحى)، وقرئ: " إني" بالكسر على إرادة القول، أو على إجراء (يوحى) مجرى: يقول، كقوله: "إِني مُمِدُّكُمْ"، والمعنى: أنى معينكم على التثبيت فثبتوهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ.
قوله: (لأن القلب إذا تمكن فيه الصبر والجرأة): يؤذن بأن (عَلَى قُلُوبِكُمْ) صلة لـ"يربط"، وعُدي بـ "على" مزيداً للتمكن، ونحوه في إرادة الاستعلاء: (أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ) [البقرة: ٥] لمزيد التمكن.
قال الواحدي: "الربط: معناه الشد، يقال لكل من صبر على أمر: ربط قلبه، و"على" صلة، والمعنى: وليربط قلوبكم بما أنزل من الماء، فتثبت ولا تضطرب بوسوسة الشيطان".
قوله: ((إِنْ يُوحَى) يجوز أن يكون بدلاً ثالثاً من (إِذْ يَعِدُكُمْ) وأن ينتصب بـ "يثبت")، وقد سبق أن البدل أولى للتكرير.
قوله: (كقوله: "إني ممدكم"): يعني: في قراءة من قرأ بكسر "إن" في قوله: (فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ)، والظاهر أنه استشهد به للوجهين، وإن ذكر في موضعه أنه مفعول القول المضمر.
стр. 3188
وقوله: (سَأُلْقِي … فَاضْرِبُوا) يجوز أن يكون تفسيراً لقوله: (إِني مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا) ولا معونة أعظم من إلقاء الرعب في قلوب الكفرة، ولا تثبيت أبلغ من ضرب أعناقهم، واجتماعهما غاية النصرة. ويجوز أن يكون غير تفسير، وأن يراد بالتثبيت أن يخطروا ببالهم ما تقوى به قلوبهم، وتصحّ عزائمهم ونياتهم في القتال، وأن يظهروا ما يتيقنون به أنهم ممدّون بالملائكة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((سَأُلْقِي .... فَاضْرِبُوا): يجوز أن يكون تفسيرا) اعلم أن في فصل قوله: (سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ) عما قبله وجهين:
أحدهما: أن يكون قوله: (سَأُلْقِي) مع ما ترتب عليه بالفاء تفسيراً لقوله: (إِنِّي مَعَكُمْ) مع ما ترتب عليه بالفاء، فقوله: (سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ) تفسير لقوله: ((إِنِّي مَعَكُمْ)، وقوله: (فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ) تفسير لقوله: (فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا).
وثانيهما: أن لا يكون تفسيراً لذلك، وحينئذ يحتمل وجهين
أحدهما: أن يكون معنى قوله: (فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا): أخطروا ببالهم ما تقوى به قلوبهم، بنحو: أني سمعت المشركين يقولون: والله لئن حملوا علينا لنَنكَشِفَنَّ، وينحو: أبشروا فإن الله ناصركم، ويكون قوله: (سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ) استئنافاً، كأنه لما قيل: فأوقعوا في قلوب المؤمنين ما تقوى به قلوبهم، وأهروا ما يتيقنون به أنهم قد أمدوا بالملائكة، فقالوا: فماذا يكون إذن؟ فأجيبوا بقوله: (سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ)، وعند ذلك (وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ) يعني: مدوهم أنتم، وأنا أنجزكم وعدكم بإلقاء الرعب في قلوبهم وآمركم بالضربين.
стр. 3189
وقيل: كان الملك يتشبه بالرجل الذي يعرفون وجهه، فيأتي، فيقول: إني سمعت المشركين يقولون: والله لئن حملوا علينا لننكشفنَّ، ويمشى بين الصفين، فيقول: أبشروا، فإن الله ناصركم؛ لأنكم تعبدونه، وهؤلاء لا يعبدونه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ.
فقوله: "كان الملك يتشبه بالرجل": كالاستشهاد للإخطار بالبال بما تقوى به القلوب، وقوله: "يمشي بين الصفين فيقول" بيان لقوله: "وأن يظهروا ما يتيقنون به أنهم ممدون بالملائكة".
وثانيهما: أن يكون قوله: (سَأُلْقِي) إلى آخره، بعينه ملقناً، وهو المراد من قوله: "ويجوز أن يكون قوله: (سَأُلْقِي) إلى قوله: (كُلَّ بَنَانٍ) تلقينا للملائكة"، وهذا أيضاً يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون مقولاً للقول على سبيل البيان، كقوله: (فَثَبِّتُوا).
وثانيهما: على الاستئناف على طريقة السؤال والجواب، كما صرح به قوله: "فالضاربون على هذا"، أي: على أن يكون (سَأُلْقِي) تلقيناً، وعلى الوجوه السابقة هم الملائكة، وفيه دلالة على أن الملائكة قاتلت.
فإن قلت: التقسيم مختل؛ لأن الوجه الأخير مشتمل على البيان، وهو تفسير، فكيف يكون قسيماً للوجه الأول؟ قلت: ليس كذل؛ لأنه قال أولاً: " (سَأُلْقِي .. فَاضْرِبُوا): يجوز أن يكون تفسيراً"، فالتقدير: أن المجموع: إما تفسيرٌ أو غير تفسير، والثاني: إما أن يكون معنى "التثبيت": الإخطار بالبال، أو إظهار ما يحصل به اليقين، أو التلقين، ثم التلقين: إما على البيان أو على الاستئناف.
قوله: (لننكشفن) أي: لننهزمن، من: كشفت الشيء فانكشف.
стр. 3190
وقرئ: (الرعب) بالتثقيل، (فَوْقَ الْأَعْناقِ): أراد أعالي الأعناق التي هي المذابح، لأنها مفاصل، فكان إيقاع الضرب فيها حزاً وتطييراً للرؤوس.
وقيل: أراد الرؤوس لأنها فوق الأعناق، يعنى: ضرب الهام. قال:
وَأضْرِبُ هَامَةَ الْبطَلِ الْمُشِيحِ
و:
غشّيته وهو في جأواء باسلة … عضبًا أصاب سواء الرّأس فانفلقا
والبنان: الأصابع، يريد الأطراف، والمعنى: فاضربوا المقاتل والشوى،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ("الرعب" بالتثقيل): أي: بضم العين، ابن عامر والكسائي.
قوله: (واضرب هامة البطل المشيح): أوله:
وإجشامي على المكروه نفسي
إجشامي: تكليفي، والهام: وسط الرأس، والمشيح- بالحاء المهملة-: المُجد المسرع، ورجل مشيح: حذر، وأشاح الرجل: إذا جد في القتال.
قوله: (غشيته) البيت: الجأواء: العسكر العظيم الذي اسود من كثرة السلاح، والبسالة: الشجاعة، والعضب: السيف القاطع، والسواء: الوسط، يقول: رب فارس صفته كيت وكيت، أنا ضربته وهو في جيش تام السلاح، بسيف قاطع نال وسط رأسه، فشقه.
قوله: (والشوى): وهو اليدان والرجلان والرأس من الإنسان، وكل ما ليس مقتلاً، يُقال: رماه فاشواه: إذا لم يصب المقتل.
следующие страницы →