← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.

стр. 3186

و (رِجْزَ الشَّيْطانِ): وسوسته إليهم، وتخويفه إياهم من العطش. وقيل: الجنابة، لأنها من تخييله. وقرئ: "رجس الشيطان". وذلك أن إبليس تمثل لهم، وكان المشركون قد سبقوهم إلى الماء، ونزل المؤمنون في كثيب أعفر تسوخ فيه الأقدام على غير ماء، وناموا فاحتلم أكثرهم، فقال لهم: أنتم- يا أصحاب محمد- تزعمون أنكم على الحق، وأنكم تصلون على غير وضوء وعلى الجنابة، وقد عطشتم، ولو كنتم على حق ما غلبكم هؤلاء على الماء، وما ينتظرون بكم إلا أن يجهدكم العطش، فإذا قطع العطش أعناقكم مشوا إليكم فقتلوا من أحبوا، وساقوا بقيتكم إلى مكة، فحزنوا حزناً شديداً وأشفقوا، فأنزل الله المطر، فمطروا ليلا حتى جرى الوادي، واتخذ رسول الله ﷺ وأصحابه الحياض على عدوة الوادي، وسقوا الركاب، واغتسلوا وتوضؤوا، وتلبد الرمل الذي كان بينهم وبين العدو، حتى ثبتت عليه الأقدام، وزالت وسوسة الشيطان، وطابت النفوس. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ زرتك لتكرمني، وأما اللام في القراءة الشاذة فمتعلقة بمحذوف، كقولك: دفعت إليه المال الذي له، أي: استقر وثبت له، وفيها ضمير لتعلقها بالمحذوف، ومعنى القراءتين يرجع إلى واحد، والمشهورة أفصح لتصريح التعليل فيها. قوله: (وقرئ: "رجس الشيطان") قال ابن جني: "الرجس في القرآن: العذاب، كالرجز، ورجس الشيطان: وسوسته، الرجس في الأصل: كل ما تستقذره النفس، كالخنزير ونحوه". قوله: (كثيب أعفر): أي: رمل أبيض تعلوه حمرة، "تسوخ" أي: تدخل فيه الأقدام وتغيب.

стр. 3187

والضمير في (بِهِ) للماء، ويجوز أن يكون للربط، لأن القلب إذا تمكن فيه الصبر والجرأة ثبتت القدم في مواطن القتال. [(إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلْائكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ ءآمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ) ١٢] (إِذْ يُوحِي) يجوز أن يكون بدلا ثالثاً من (إِذْ يَعِدُكُمُ) [الأنفال: ٧]، وأن ينتصب بـ "يثبت". (أَنِّي مَعَكُمْ) مفعول (يوحى)، وقرئ: " إني" بالكسر على إرادة القول، أو على إجراء (يوحى) مجرى: يقول، كقوله: "إِني مُمِدُّكُمْ"، والمعنى: أنى معينكم على التثبيت فثبتوهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. قوله: (لأن القلب إذا تمكن فيه الصبر والجرأة): يؤذن بأن (عَلَى قُلُوبِكُمْ) صلة لـ"يربط"، وعُدي بـ "على" مزيداً للتمكن، ونحوه في إرادة الاستعلاء: (أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ) [البقرة: ٥] لمزيد التمكن. قال الواحدي: "الربط: معناه الشد، يقال لكل من صبر على أمر: ربط قلبه، و"على" صلة، والمعنى: وليربط قلوبكم بما أنزل من الماء، فتثبت ولا تضطرب بوسوسة الشيطان". قوله: ((إِنْ يُوحَى) يجوز أن يكون بدلاً ثالثاً من (إِذْ يَعِدُكُمْ) وأن ينتصب بـ "يثبت")، وقد سبق أن البدل أولى للتكرير. قوله: (كقوله: "إني ممدكم"): يعني: في قراءة من قرأ بكسر "إن" في قوله: (فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ)، والظاهر أنه استشهد به للوجهين، وإن ذكر في موضعه أنه مفعول القول المضمر.

стр. 3188

وقوله: (سَأُلْقِي … فَاضْرِبُوا) يجوز أن يكون تفسيراً لقوله: (إِني مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا) ولا معونة أعظم من إلقاء الرعب في قلوب الكفرة، ولا تثبيت أبلغ من ضرب أعناقهم، واجتماعهما غاية النصرة. ويجوز أن يكون غير تفسير، وأن يراد بالتثبيت أن يخطروا ببالهم ما تقوى به قلوبهم، وتصحّ عزائمهم ونياتهم في القتال، وأن يظهروا ما يتيقنون به أنهم ممدّون بالملائكة. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((سَأُلْقِي .... فَاضْرِبُوا): يجوز أن يكون تفسيرا) اعلم أن في فصل قوله: (سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ) عما قبله وجهين: أحدهما: أن يكون قوله: (سَأُلْقِي) مع ما ترتب عليه بالفاء تفسيراً لقوله: (إِنِّي مَعَكُمْ) مع ما ترتب عليه بالفاء، فقوله: (سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ) تفسير لقوله: ((إِنِّي مَعَكُمْ)، وقوله: (فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ) تفسير لقوله: (فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا). وثانيهما: أن لا يكون تفسيراً لذلك، وحينئذ يحتمل وجهين أحدهما: أن يكون معنى قوله: (فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا): أخطروا ببالهم ما تقوى به قلوبهم، بنحو: أني سمعت المشركين يقولون: والله لئن حملوا علينا لنَنكَشِفَنَّ، وينحو: أبشروا فإن الله ناصركم، ويكون قوله: (سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ) استئنافاً، كأنه لما قيل: فأوقعوا في قلوب المؤمنين ما تقوى به قلوبهم، وأهروا ما يتيقنون به أنهم قد أمدوا بالملائكة، فقالوا: فماذا يكون إذن؟ فأجيبوا بقوله: (سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ)، وعند ذلك (وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ) يعني: مدوهم أنتم، وأنا أنجزكم وعدكم بإلقاء الرعب في قلوبهم وآمركم بالضربين.

стр. 3189

وقيل: كان الملك يتشبه بالرجل الذي يعرفون وجهه، فيأتي، فيقول: إني سمعت المشركين يقولون: والله لئن حملوا علينا لننكشفنَّ، ويمشى بين الصفين، فيقول: أبشروا، فإن الله ناصركم؛ لأنكم تعبدونه، وهؤلاء لا يعبدونه. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. فقوله: "كان الملك يتشبه بالرجل": كالاستشهاد للإخطار بالبال بما تقوى به القلوب، وقوله: "يمشي بين الصفين فيقول" بيان لقوله: "وأن يظهروا ما يتيقنون به أنهم ممدون بالملائكة". وثانيهما: أن يكون قوله: (سَأُلْقِي) إلى آخره، بعينه ملقناً، وهو المراد من قوله: "ويجوز أن يكون قوله: (سَأُلْقِي) إلى قوله: (كُلَّ بَنَانٍ) تلقينا للملائكة"، وهذا أيضاً يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون مقولاً للقول على سبيل البيان، كقوله: (فَثَبِّتُوا). وثانيهما: على الاستئناف على طريقة السؤال والجواب، كما صرح به قوله: "فالضاربون على هذا"، أي: على أن يكون (سَأُلْقِي) تلقيناً، وعلى الوجوه السابقة هم الملائكة، وفيه دلالة على أن الملائكة قاتلت. فإن قلت: التقسيم مختل؛ لأن الوجه الأخير مشتمل على البيان، وهو تفسير، فكيف يكون قسيماً للوجه الأول؟ قلت: ليس كذل؛ لأنه قال أولاً: " (سَأُلْقِي .. فَاضْرِبُوا): يجوز أن يكون تفسيراً"، فالتقدير: أن المجموع: إما تفسيرٌ أو غير تفسير، والثاني: إما أن يكون معنى "التثبيت": الإخطار بالبال، أو إظهار ما يحصل به اليقين، أو التلقين، ثم التلقين: إما على البيان أو على الاستئناف. قوله: (لننكشفن) أي: لننهزمن، من: كشفت الشيء فانكشف.

стр. 3190

وقرئ: (الرعب) بالتثقيل، (فَوْقَ الْأَعْناقِ): أراد أعالي الأعناق التي هي المذابح، لأنها مفاصل، فكان إيقاع الضرب فيها حزاً وتطييراً للرؤوس. وقيل: أراد الرؤوس لأنها فوق الأعناق، يعنى: ضرب الهام. قال: وَأضْرِبُ هَامَةَ الْبطَلِ الْمُشِيحِ و: غشّيته وهو في جأواء باسلة … عضبًا أصاب سواء الرّأس فانفلقا والبنان: الأصابع، يريد الأطراف، والمعنى: فاضربوا المقاتل والشوى، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ("الرعب" بالتثقيل): أي: بضم العين، ابن عامر والكسائي. قوله: (واضرب هامة البطل المشيح): أوله: وإجشامي على المكروه نفسي إجشامي: تكليفي، والهام: وسط الرأس، والمشيح- بالحاء المهملة-: المُجد المسرع، ورجل مشيح: حذر، وأشاح الرجل: إذا جد في القتال. قوله: (غشيته) البيت: الجأواء: العسكر العظيم الذي اسود من كثرة السلاح، والبسالة: الشجاعة، والعضب: السيف القاطع، والسواء: الوسط، يقول: رب فارس صفته كيت وكيت، أنا ضربته وهو في جيش تام السلاح، بسيف قاطع نال وسط رأسه، فشقه. قوله: (والشوى): وهو اليدان والرجلان والرأس من الإنسان، وكل ما ليس مقتلاً، يُقال: رماه فاشواه: إذا لم يصب المقتل.

стр. 3191

لأنّ الضرب إما واقع على مقتل أو غير مقتل، فأمرهم بأن يجمعوا عليهم النوعين معاً. ويجوز أن يكون قوله: (سَأُلْقِي) إلى قوله: (كُلَّ بَنانٍ)، عقيب قوله: (فَثَبِّتُوا الَّذِينَ ءامَنُوا): تلقيناً للملائكة ما يثبتونهم به، كأنه قال: قولوا لهم قوله: (سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ)، أو كأنهم قالوا: كيف نثبتهم؟ فقيل: قولوا لهم قوله: (سَأُلْقِي)، فالضاربون على هذا هم المؤمنون. [(ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ * ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ) ١٣ - ١٤] (ذلك) إشارة إلى ما أصابهم من الضرب والقتل والعقاب العاجل، ومحله الرفع على الابتداء، و (بأنَّهُمْ) خبره، أي: ذلك العقاب وقع عليهم بسبب مشاقتهم، والمشاقة: مشتقة من الشق، لأن كلا المتعاديين في شق خلاف شق صاحبه. وسئلت في المنام عن اشتقاق المعاداة، فقلت: لأن هذا في عدوة، وذاك في عدوة. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الراغب: "البنان: الأصابع، سميت بذلك لأن بها صلاح الأحوال التي يمكن للإنسان أن يبن بها، يريد: أن يقيم، ويُقال: أبنَّ بالمكان يُبنُّ، ولذلك خُص في قوله تعالى: (بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ) [القيامة: ٤]، وقوله تعالى: (وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ)، خص لأجل أنهم بها تقاتل وتدافع". قوله: (فأمرهم بأن يجمعوا عليهم النوعين معاً): وفائدته: الضرب المتواتر بلا تحاش. قوله: (هذا في عدوة): العدوة- بضم العين وكسرها-: جانب الوادي وحافته، والجمع: عداء، مثل: برمة وبرام، وما يوافق قول المصنف في منامه قول ابن جني: " (وَلا تُشْطِطْ) [ص: ٢٢]: أي: لا تُبعد، وهو من الشط، وهو الجانب، فمعناه: أخذ جانب الشيء وترك وسطه وأقربه، كما قيل: تجاوز، وهو من الجيزة، وهو جانب الوادي".

стр. 3192

كما قيل: المخاصمة والمشاقة؛ لأن هذا في خصم- أي في جانب- وذاك في خصم، وهذا في شق، وذاك في شق. والكاف في (ذلِكَ) لخطاب الرسول ﵇، أو لخطاب كل واحد، وفي (ذلِكُمْ) للكفرة، على طريقة الالتفات. ومحل (ذلِكُمْ) الرفع على: ذلكم العقاب، أو: العقاب ذلكم (فَذُوقُوهُ)، ويجوز أن يكون نصباً على: عليكم ذلكم فذوقوه، كقولك: زيداً فاضربه، (وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ) عطف على (ذلكم) في وجهيه، ........ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (على طريقة الالتفات): التفت من (شَاقُّوا اللَّهَ) وهو غيبة، إلى (ذَلِكُمْ) وهو خطاب. قوله: (ويجوز أن يكون نصباً على: عليكم): قال القاضي: " (ذَلِكُمْ) نصب بفعل دل عليه (فَذُوقُوهُ) أو غيره؛ مثل: باشروا، أو: عليكم، فتكون الفاء عاطفة"، وفيه أن الفاء على الأول شرطية. قلت: هو مثل قوله: خولان فانكح، أي: هؤلاء خولان، المعنى: ذلكم العذاب الذي تستحقونه، فإذا كان كذلك فذوقوه. قوله: (في وجهيه): أي: في أن يكون مبتدأ وخبره محذوف، أو عكسه، والمعنى: ذلكم الجزاء في الدنيا وكونكم في النار في الآخرة، فالعقاب بمعنى الجزاء. ووضع (لِلْكَافِرِينَ) موضع الضمير، واللام فيه للعهد. والجملة على قراءة الحسن تذييل، واللام للجنس، والواو للاستئناف.

стр. 3193

أو نصب على أن الواو بمعنى "مع"، والمعنى: ذوقوا هذا العذاب العاجل مع الآجل الذي لكم في الآخرة، فوضع الظاهر موضع الضمير، وقرأ الحسن: "وإن للكافرين"، بالكسر. [(يأُيّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ومأويه جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) ١٥ - ١٦] (زَحْفاً) حال من (الَّذِينَ كَفَرُوا)، والزحف: الجيش الدهم الذي يرى لكثرته كأنه يزحف، أي يدب دبيباً، من: زحف الصبي: إذا دبّ على استه قليلا، سمي بالمصدر، والجمع: زحوف، والمعنى: إذا لقيتموهم للقتال وهم كثير جم، وأنتم قليل، فلا تفرّوا، فضلاً أن تدانوهم في العدد أو تساووهم. أو حال من الفريقين، أإذا لقيتموهم متزاحفين هم وأنتم، أو حال من المؤمنين، كأنهم أشعروا بما كان سيكون ...... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أو نصب): عطف على قوله: "على ذلكم" من حيث المعنى، أي: (وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ) رفع عطف على (ذَلِكُمْ)، أو نصب على أن "الواو" بمعنى "مع". قوله: (فوضع الظاهر موضع المضمر): أي: فوضع (لِلْكَافِرِينَ) موضع (ذَلِكُمْ)، وفائدته: الإشعار بأن صفة الكفر هي الموجبة لإذاقة العذاب في الدارين، وفائدة التذييل أن يُقال: أيها الكفار، إن العذاب في الدنيا من ضرب الأعناق وقطع الأطراف لكم خاصة فذوقوه، ثم الأمر في الآخرة أن تدخلوا في زمرة الجاحدين المخلدين في عذاب النار. قوله: (الجيش الدهم): والدهم بفتح الدال، الجوهري: "العدد الكثير". قوله: (بما كان سيكون): "كان" زائدة للتأكيد، كقول الفرزدق: وجيران لنا كانوا كرام

стр. 3194

منهم يوم حنين حين تولوا مدبرين، وهم زحف من الزحوف اثني عشر ألفاً، وتقدمة نهى لهم عن الفرار يومئذ، وفي قوله: (وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ) أمارة عليه. (إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ) هو الكرّ بعد الفرّ، يخيل عدوّه أنه منهزم، ثم يعطف عليه، وهو باب من خدع الحرب ومكايدها، (أَوْ مُتَحَيِّزاً): أو منحازاً، (إِلى فِئَةٍ): إلى جماعة أخرى من المسلمين سوى الفئة التي هو فيها. وعن ابن عمر ﵁: "خرجت سرية وأنا فيهم، ففرّوا، فلما رجعوا إلى المدينة استحيوا، فدخلوا البيوت، فقلت: يا رسول الله، نحن الفرّارون؟ فقال: بل أنتم العكارون، وأنا فئتكم". ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وتقدمه نهي): عطف من حيث المعنى على قوله: "كأنهم أشعروا"، أي: كأنهم أشعروا وكأنه تقدمة نهي لهم، أي: قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) الآية- على أن يكون (زَحْفاً) حالاً من المؤمنين - إشعار بما سيكون منهم وتقدمة نهي. قوله: (وفي قوله: (وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ) الآية، أمارة عليه): أي: على أنه تقدمة نهي لهم عن الفرار، وذلك أن التحيز إلى فئة إنما يصح إذا كان للمسلمين فئة ينحازون إليها، ويوم بدر لم يكن لهم في الأرض فئة، وأما بعد ذلك فالمسلمون كثروا، يدل عليه قوله تعالى: (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ) [التوبة: ٢٥]. قوله: (وعن ابن عمر: خرجت سرية) الحديث: أخرجه أحمد بن حنبل والترمذي وأبو داود مع اختلاف فيه. قوله: (أنتم العكارون): أي: الكرارون إلى الحرب والعطافون نحوها، يُقال للرجل يولي عن الحرب ثم يكر راجعاً إليها: عكر واعتكر. قاله صاحب "النهاية".

стр. 3195

وانهزم رجل من القادسية، فأتى المدينة إلى عمر ﵁ فقال: "يا أمير المؤمنين هلكت، فررت من الزحف، فقال عمر ﵁: أنا فئتك". وعن ابن عباس ﵁: "إنّ الفرار من الزحف من أكبر الكبائر". فإن قلت: بم انتصب (إِلَّا مُتَحَرِّفاً)؟ قلت: على الحال، و (إلا) لغو، أو على الاستثناء من المولين، أي: ومن يولهم إلا رجلا منهم متحرّفاً أو متحيزاً. وقرأ الحسن: (دُبُرَهُ) بالسكون، ووزن "متحيز": متفيعل، لا: متفعل، لأنه من حاز يحوز، فبناء "متفعل" منه: متحوّز. [(فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) ١٧] لما كسروا أهل مكة، وقتلوا وأسروا، أقبلوا على التفاخر، فكان القائل يقول: قتلت وأسرت، ولما طلعت قريش قال رسول الله ﷺ : ...... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (رجل من القادسية)، المغرب: "هو موضع بينه وبين الكوفة خمسة عشر ميلاً". قوله: (و (إلا) لغو) أي: لفظة (إلا) لغو من حيث اللفظ، أي: مزيدة، لأن العامل يعمل في الحال استقلالاً، لكنها معطية في المعنى فائدتها، والكلام في سياق النفي، المعنى: فلا تولوهم الأدبار في حال من الأحوال إلا متحرفاً. قوله: (ولما طلعت قريش) إلى قوله: "خذ قبضة من تراب فارمهم بها" إلى آخره: يدل على أن هذه الرمية غير الرمية التي وُجدت يوم حنين، قال محي السنة: "قال أهل التفسير والمغازي: ندب رسول الله ﷺ أصحابه، فانطلقوا حتى نزلوا بدراً"، وساق القصة إلى قوله: "فلما التقى الجمعان تناول كفا من حصى عليها تراب، فرمى به في وجوه القوم، وقال: "شاهت الوجوه"، فلم يبق منهم مشرك مشرك إلا دخل في عينيه وفمه ومنخريه، فانهزموا".

стр. 3196

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقلت: أما أئمة الحديث فلم يذكر أحد منهم أن هذه الرمية كانت يوم بدر، روينا في "صحيح مسلم" عن سلمة بن الأكوع قال: "غزونا مع رسول الله ﷺ حُنيناً، فلما واجهنا العدو"، وساق الحديث إلى قوله: "فولى أصحاب النبي ﷺ ، ومررت منهزماً على رسول الله ﷺ وهو على بغلته الشهباء، فقال: لقد رأى ابن الكوع فزعاً، فلما غشوا رسول الله ﷺ نزل عن بغلته، ثم قبض قبضة من تراب الأرض، ثم استقبل به وجوههم، وقال: "شاهت الوجوه"، فما خلق الله منهم إنساناً إلا ملأ عينيه تراباً بتلك القبضة، فهزمهم الله تعالى". وذكر صاحب "المعتمد" حديث الرومي بعد قوله تعالى: (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ): ورواه مسلم عن العباس، وفيه أنه في يوم حنين. وفي "مسند أحمد بن حنبل" عن أبي عبد الرحمن الفهري: أن الرمية كانت يوم حنين

стр. 3197

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وفيه: قال الراوي: "حدثني أبناؤهم عن آبائهم أنهم قالوا: لم يبق منا أحد إلا امتلأت عيناه وفمه تراباً". وللمفسرين أن يقولوا: إن هذه الرمية غير تلك الرمية، ثم إن لهم أن يبينوا صحة هذا النقل، وبهذا رمز محيي السنة: "وقال أهل التفسير والمغازي"، وفي إقحام "إذ" في هذه القرينة دون أختها - أي: (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ) - دلالة على اختلاف وقوعهما بحسب الزمان. وأما قضية النظم: فعلى ما سبق أن قوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَنْفَالِ) كالفاتحة التي يتخلص منها إلى تعداد أحوال المؤمنين مع رسول الله ﷺ ، وكراهة بعضهم رأيه صلوات الله عليه في كثير من الأمر، كما سبق في قوله تعالى: (كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ)، فبدأ بقصة بدر، وذكر نُبذاً منها، وختمها بقوله: (ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ)، ثم عم الخطاب بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمْ الأَدْبَارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ) الآية. وروى محيي السنة عن بعضهم: أن حكم الآية عام في حق كل من ولى منهزماً. ثم رتب النهي عن التولي على الوصف المناسب، وهو قوله: (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى)، يعني: أتحسبون أن النصرة تحصل بفعلكم أو بفعل الغير، فلم تقتلوهم حين قتلتموهم يوم بدر، ولا هزمتموهم حين هزمتموهم يوم حنين، وإذا كان الناصر والمتولي هو الله ، فكيف تولون الأدبار؟ ! كأنه قيل: لا تولوهم الأدبار، لأن الله تعالى ناصركم ومعينكم.

стр. 3198

"هذه قريش قد جاءت بخيلائها وفخرها، يكذبون رسولك، اللهم إني أسألك ما وعدتني "، فأتاه جبريل ﵇، فقال: خذ قبضة من تراب، فارمهم بها، فقال لما التقى الجمعان لعلى ﵁: أعطني قبضة من حصباء الوادي "، فرمى بها في وجوههم، وقال: "شاهت الوجوه"، فلم يبق مشرك إلا شغل بعينيه، فانهزموا، وردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم فقيل لهم: (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ)، ....... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والذي يؤيد أن تعداد القصص للاستذكار: إيرادها هكذا على غير ترتيب على منوال ما سبق في قصة البقرة، ألا ترى كيف عقبه بقوله: (إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمْ الْفَتْحُ) الآية [الأنفال: ١٩]، وأنه في شأن المشركين حين خرجوا من مكة لقتال المسلمين، وبقوله: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً) [الأنفال: ٢٥]، وأنه في أمر علي وعمار ﵄ يوم صفين، وفي أمره وأمر طلحة والزبير يوم الجمل، وبقوله: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ) [الأنفال: ٣٠] وأنه في أمر رسول الله ﷺ ونجاته من مكر قريش قبل الهجرة، وعلى هذا إلى آخر السورة. هذا هو النظم المعجز الفائت للقوى والقدر! ولهذا السر كان التحدي بالسورة وإن كانت قصيرة، دون الآيات وإن كانت ذوات عدد والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. قوله: (شاهت الوجوه)، النهاية: "شاهت، أي: قبحت، يُقال: شاه يشوه شوهاً، وشوه شوهاً، ورجل أشوه، وامرأة شوهاء، ويُقال للخطبة التي لا يصلي فيها على النبي ﷺ : شوهاء".

стр. 3199

والفاء جواب شرط محذوف تقديره: إن افتخرتم بقتلهم، فأنتم لم تقتلوهم (وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ)، لأنه هو الذي أنزل الملائكة، وألقى الرعب في قلوبهم، وشاء النصر والظفر، وقوّى قلوبكم، وأذهب عنها الفزع والجزع. (وَما رَمَيْتَ) أنت يا محمد (إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى)، يعنى: أنّ الرمية التي رميتها لم ترمها أنت على الحقيقة، لأنك لو رميتها، لما بلغ أثرها إلا ما يبلغه أثر رمى البشر، ولكنها كانت رمية الله، حيث أثرت ذلك الأثر العظيم، فأثبت الرمية لرسول الله ﷺ ؛ لأنّ صورتها وجدت منه، ونفاها عنه؛ لأنّ أثرها الذي لا يطيقها البشر فعل الله عزّ وعلا، فكأن الله هو فاعل الرمية على الحقيقة، وكأنها لم توجد من الرسول ﵊ أصلا. وقرئ: "ولكن الله قتلهم"، "ولكن الله رمى"، بتخفيف "لكن"، ورفع ما بعده. (وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ): وليعطيهم، (بَلاءً حَسَناً): عطاءً جميلاً، قال زهير: فَأبْلَاهُمَا خَيْرَ الْبَلَاءِ الَّذِي يَبْلُو ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فأثبت الرمية لرسول الله ﷺ ؛ لأن صورتها وجدت منه، ونفاها عنه) إلى قوله: (فكان الله هو فاعل الرمية على الحقيقة): صريح في مذهب أهل السنة، قال الإمام ﵀: "أثبت كونه ﷺ رامياً، ونفى كونه رامياً، فوجب حمله على أنه رماه كسباً، والله تعالى رماه خلقاً". قوله: (لأن أثرها الذي لايطيقها البشر فعل الله): نظر إلى لفظ "الأثر"، فذكر وصفه في "الذي"، وإلى اكتسائه التأنيث بالإضافة، فأنث الراجع في "لا يطيقها". قوله: (فأبلاهما خير البلاء الذي يبلو): أوله: جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم

стр. 3200

والمعنى: وللإحسان إلى المؤمنين فعل ما فعل، وما فعله إلا لذلك (إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ) لدعائهم (عَلِيمٌ) بأحوالهم. [(ذلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكفِرِينَ) ١٨] (ذلِكُمْ) إشارة إلى البلاء الحسن، ومحله الرفع، أي: الغرض ذلكم، (وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ) معطوف على (ذلِكُمْ)، يعنى: أن الغرض إبلاء المؤمنين وتوهين كيد الكافرين ........ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يقول: جزى الله الممدوحين بالإحسان جزاء ما فعلا بكم، وأعطاهما خير العطاء الذي يُعطى لأحد، فـ"ما" موصولة، حُذف منها المضاف، وأقيمت مقامه. قلت: الظاهر أن يفسر قوله: (بَلاءً حَسَناً) بالإبلاء في الحرب، النهاية: "في حديث سعد يوم بدر: "عسى أن يُعطى هذا من لا يبلى بلائي"، أي: لا يعمل مثل عملي في الحرب، كأنه يريد: أفعل فعلاً أختبر فيه، ويظهر به خيري وشري"، لما أنه في مقابل توهين كيد الكافرين كما قال، لأن الغرض إبلاء المؤمنين وتوهين كيد الكافرين، المعنى: ما فعل الله القتل والرمي إلا ليعطي المؤمنين منه - أي: بسبب ذلك- قوة ونجدة، وإلا ليوهن أمر الكافرين ويبطل كيدهم. ويمكن أن يوجه قول المصنف بحمل العطاء على ما ذكرنا، لأن العطاء الحسن في مقام الحرب النجدة والقوة، وأما توسيط (ذَلِكُمْ) بين الإعطاء والتوهين؛ فلبعدهما من العطاءين. قوله: ((وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ) معطوف على (ذَلِكُمْ): أي: عطف خبر على خبر، ويجوز أن يكون عطف جملة، أي: الغرض ذلكم والغرض أن الله موهن. وعليه كلام أبي البقاء، لكنه قدر "الأمر" بدل "الغرض"، وهو أبعد من مذهب الاعتزال.

стр. 3201

وقرئ: (موهن) بالتشديد، وقرئ على الإضافة، وعلى الأصل الذي هو التنوين والإعمال. [(إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ) ١٩] (إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ) خطاب لأهل مكة على سبيل التهكم، وذلك أنهم حين أرادوا أن ينفروا تعلقوا بأستار الكعبة، وقالوا: اللهمّ انصر أقرانا للضيف، وأوصلنا للرحم، وأفكنا للعاني، إن كان محمد على حق فانصره، وإن كنا على حق فانصرنا. وروي: أنهم قالوا: اللهمّ انصر أعلى الجندين، وأهدى الفئتين، وأكرم الحزبين. وروي: أنّ أبا جهل قال يوم بدر: اللهمّ أينا كان أهجر وأقطع للرحم فأحنه اليوم. أي: فأهلكه. وقيل: (إِنْ تَسْتَفْتِحُوا) خطاب للمؤمنين، (وَإِنْ تَنْتَهُوا) خطاب للكافرين، يعنى: وإن تنتهوا عن عداوة رسول الله ﷺ (فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) وأسلم، (وَإِنْ تَعُودُوا) لمحاربته (نَعُدْ) لنصرته عليكم. (وَأَنَّ اللَّهَ) قرئ بالفتح؛ على: ولأنّ الله معين المؤمنين كان ذلك، ....... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرئ: "موهن" بالتشديد): نافع وابن كثير وأبو عمرو، وبالإضافة: حفص. قوله: ((إِنْ تَسْتَفْتِحُوا) خطاب لأهل مكة على سبيل التهكم): وذلك أنه تعالى لما أجمل في قصة بدر، ووصى المؤمنين بالثبات في مقابلة الأعداء، عاد إلى التفصيل، وحكى خطابه لأهل مكة قبل اللقاء. قوله: ((وَإِنَّ اللَّهَ) قرئ بالفتح): نافع وابن عامر وحفص، والباقون: بالكسر.

стр. 3202

وقرئ بالكسر، وهذه أوجه. ويعضدها قراءة ابن مسعود: "والله مع المؤمنين"، وقرئ: "ولن يغنى عنكم"، بالياء للفصل. [(يأيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ * إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ) ٢٠ - ٢٣] (وَلا تَوَلَّوْا) قرئ بطرح إحدى التاءين وإدغامها، والضمير في (عَنْهُ) لرسول الله ﷺ ، لأنّ المعنى: وأطيعوا رسول الله، كقوله: (الله ورسوله أحق أن يرضوه) [التوبة: ٦٢]، ولأنّ طاعة الرسول وطاعة الله شيء واحد، (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ) [النساء: ٨]، فكأن رجوع الضمير إلى أحدهما كرجوعه إليهما، ...... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وهذه أوجه): أي: القراءة بكسر "إن" في قوله: (أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ) أوجه من القراءة بالفتح؛ لأن الجملة حينئذ تذييل، وكأنه قيل الغرض إعلاء أمر المؤمنين، وتوهين كيد الكافرين، وكيت وكيت، وأن سنة الله وعادته جارية في نصر المؤمنين وخذلان الكافرين، كقوله: (وَإِنَّ جُندَنَا لَهُم الْغَالِبُونَ) [الصافات: ١٧٣]. ويجوز على قراءة الفتح أيضاً هذا التقرير، كما قال أبو البقاء: " (ذَلِكُمْ) أي: الأمر ذلكم، والأمر أن الله موهن كيد الكافرين، والأمر أن الله مع المؤمنين"، ولكن الأول أحسن وأدل على إرادة التذييل، لأنه نص فيه. قوله: (وإدغامها): أي: بتشديد التاء.

стр. 3203

كقولك: الإحسان والإجمال لا ينفع في فلان، ويجوز أن يرجع إلى الأمر بالطاعة، أي: ولا تولَّوا عن هذا الأمر وامتثاله وأنتم تسمعونه، أو: ولا تتولوا عن رسول الله ﷺ ولا تخالفوه، (وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ) أي تصدقون، لأنكم مؤمنون لستم كالصمّ المكذبين من الكفرة، (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا) أي: ادّعوا السماع، (وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ) لأنهم ليسوا بمصدّقين، فكأنهم غير سامعين. والمعنى: أنكم تصدّقون بالقرآن والنبوّة، ........ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ولا تتولوا عن رسول الله ﷺ عطف على قوله: "ولا تتولوا عن هذا الأمر"، وكلاهما نشر لتقرير عود الضمير إما إلى الأمر بالطاعة أو إلى الرسول ﷺ ، ولكن على غير ترتيب، ومعنى السماع في (وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ) على أن يعود الضمير إلى الأمر بالطاعة: على الحقيقة، وعلى العود إلى الرسول ﷺ : مجاز عن التصديق. واعلم أنه قد سبق أن هذه السورة الكريمة مشتملة على تشديد أمر طاعة الرسول ﷺ ، وتحريض أصحابه رضوان الله عليهم على الانقياد لأمره والامتناع عن مخالفته، فلما ذكر في مفتتح السورة: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ) [الأنفال: ١]، وساق حديث قصة بدر، وأطال الكلام فيها، كر إلى ما بدأ به، وشدد فيه غاية التشديد، حيث جعل طاعة الرسول ﷺ طاعة الله ، وعقب المر بالطاعة النهي عن المخالفة بقوله: (وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ)، ثم أكده بالتذييل التشبيهي، وهو (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا)، ثم تمم المعنى على المبالغة بضرب المثل (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ). ويؤيد ما ذكرنا أن في الآية كراً إلى المعنى الأول.

стр. 3204

فإذا توليتم عن طاعة الرسول في بعض الأمور من قسمة الغنائم وغيرها، كان تصديقكم كلا تصديق، وأشبه سماعكم سماع من لا يؤمن. ثم قال: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ) أي: إنّ شر من يدب على وجه الأرض، أو إنّ شرّ البهائم الذين هم صمّ عن الحق لا يعقلونه، جعلهم من جنس البهائم، ثم جعلهم شرّها! . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فإن توليتم عن طاعة الرسول): من قسمة الغنائم وغيرها. قوله: (أو: إن شر البهائم): هذا محمول على العرف العام، وعلى الأول: على عرف اللغة. قوله: (هم صم عن الحق لا يعقلونه): تفسير لقوله: (الصُّمُّ الْبُكْمُ)، قال أبو البقاء: "إنما جمع الصم، وهو خبر (شَرَّ)؛ لأن "شراً" هنا يُراد به الكثرة، فجمع الخبر على المعنى، ولو قال: "الأصم"، لكان الإفراد على اللفظ". قوله: (جعلهم من جنس البهائم، ثم جعلهم شرها): آذن بهذا الجعل بأنه من باب التشبيه، وأن أصل التشبيه: الصم البكم كالبهائم، ثم: الصم البكم كشر البهائم، ثم: شر البهائم كالصم البكم، على التقديم والتأخير، نحو قول الشاعر: وبدا الصباح كأن غرته … وجه الخليفة حين يمتدح

стр. 3205

(وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ) في هؤلاء الصم البكم (خَيْراً) أي: انتفاعا باللطف، (لَأَسْمَعَهُمْ): للطف بهم، حتى يسمعوا سماع المصدقين، ثم قال: (وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا)، يعنى: ولو لطف بهم لما نفع فيهم اللطف، فلذلك منعهم ألطافه، أو: ولو لطف بهم فصدقوا لارتدوا بعد ذلك وكذبوا ولم يستقيموا. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وفي تعريف الخبر الدلالة على الحصر، وأن من لم يُطع الله ورسوله هو شر خلق الله تعالى، ولا دابة شر منه، وإن كان مطاعاً عند الناس. قوله: (ثم قال: (وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ) يعني: ثم الكلام عند قوله: (لأَسْمَعَهُمْ)، وعُلم منه أن علمه تعالى بعدم الانتفاع سبب لعدم الإسماع. ثم ابتدأ الكلام بناء على ما سبق، أي: لو قُدر أن الله تعالى يلطف بهم ويسمعهم على ذلك التقدير لكان عبثاً، لأن علم الله تعالى متعلق بأنه لا ينفعهم، فلذلك ما لطف بهم، وقوله: "أو: ولو لطف بهم لما نفع فيهمن أي: لو لطف بهم على ذلك التقدير وآمنوا لارتدوا"، ونفي العلم هاهنا لنفي المعلوم، كقوله: (أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ) [يونس: ١٨]. واعلم أن كلمة "لو" وضعت للدلالة على امتناع الشيء لامتناع غيره، فإذا دخلت على النفي يصير بمعنى الإثبات، ولو دخل على الإثبات صار بمعنى النفي، فيلزم من قوله تعالى: (وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ) أنه تعالى ما أسمعهم لأنه ما علم فيهم خيراً، ومن الثاني أنهم ما تولوا لأنه تعالى ما أسمعهم، وعدم التولي خير من الخيرات، فالابتداء يقتضي نفي الخيرن والانتهاء إثباته، ولهذا قدر الإمام: "لو حصل فيهم خير لأسمعهم الله الحجج سماع تفيهم

стр. 3206

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. وتعليم، ولو أسمعهم بعد أن علم الله أن لا خير فيهم لم ينتفعوا بها وتولوا وهم معرضون"، وحاصل الكلامين أن "لو" الثانية مجاز لمجرد الاستلزام، لا لامتناع الشيء لامتناع غيره. قال أبو البقاء: لو: في قوله تعالى: (لَوْ عَلِمَ) إلى آخره كـ"لو" في قول عمر ﵁: "نعم العبد صهيب، لو لم يخف الله لم يعصه": تفيد المبالغة، وهو أنه لو لم يكن عنده خوف لما عصى الله، فكيف يعصي وعنده خوفه؟ ولو لم يرد المبالغة لكان معناه: أنه يعصي الله لأنه يخافه. وقال صاحب "الانتصاف" على كلام المصنف: "إطلاق أن اللطف يحصل من الله للعبد ولا ينفعه: قبحي مردود، فاللطف عندنا: أن يخلق في قلبه قبولا لحق والإصغاء له، وهذه عقيدة أهل الحق، ولو بُحث معه على مذهبه لم يستقم قوله: "ولو علم الله فهيم خيراً للطف بهم، ولو لطف لتولوا"، فيلزم توليهم على تقدير علم الله الخير، فيجب أن يُجعل الإسماع الواقع جواباً لـ (لوْ) غير الإسماع الواقع شرطاً للثاني، أي: ولو علم الله فيهم خبراً لأسمعهم إسماعاً يحصل لهم به الهدى والقبول، ولو أسمعهم لا على ان يخلق لهم الهدى إسماعاً مجرداً لتولوا وهم معرضون".

стр. 3207

وقيل: هم بنو عبد الدار بن قصي، لم يسلم منهم إلا رجلان: مصعب بن عمير، وسويد بن حرملة، كانوا يقولون: نحن صم بُكم عُمي عما جاء به محمد، لا نسمعه ولا نجيبه، فقتلوا جميعاً بأحد، وكانوا أصحاب اللواء. وعن ابن جريج: هم المنافقون. وعن الحسن: أهل الكتاب. [(يأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) ٢٤] (إِذا دَعاكُمْ) وحد الضمير كما وحده فيما قبله، لأن استجابة رسول الله ﷺ كاستجابته، وإنما يذكر أحدهما مع الآخر للتوكيد، والمراد بالاستجابة. الطاعة والامتثال، وبالدعوة: البعث والتحريض. وروى أبو هريرة ﵁: أن النبي ﷺ مرّ على باب أبىّ ابن كعب، فناداه وهو في الصلاة، فعجل في صلاته، ثم جاء، فقال: " ما منعك عن إجابتي"؟ ......... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وروى أبو هريرة: أن النبي ﷺ مر على باب أبي بن كعب) الحديث: من رواية البخاري وأبي داود وابن ماجه والدارمي والنسائي عن أبي سعيد بن المعلي قال: كنت أصلي في المسجد، ودعاني رسول الله ﷺ ، فلم أجبه، ثم أتيته وقلت: يا رسول الله، ني كنت أصلي، فقال: "ألم يقل الله: (اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ)؟ ".

стр. 3208

قال: كنت أصلي، قال: "ألم تخبر فيما أوحي إلىّ: (اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ)؟ ! " قال: لا جرم لا تدعوني إلا أجبتك. وفيه قولان: أحدهما: إن هذا مما اختص به رسول الله ﷺ ، والثاني: أن دعاءه كان لأمر لم يحتمل التأخير، وإذا وقع مثله للمصلي فله أن يقطع صلاته. (لِما يُحْيِيكُمْ) من علوم الديانات والشرائع، لأن العلم حياة، كما أنّ الجهل موت. ولبعضهم: لَا تُعْجِبَنَّ الْجَهُولَ حُلَّتُهُ … فَذَاكَ مَيْتٌ وَثَوْبُهُ كَفَنُ وقبل: لمجاهدة الكفار، لأنهم لو رفضوها لغلبوهم وقتلوهم، كقوله: (وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَيوةٌ) [البقرة: ١٧٩]، وقيل: للشهادة، لقوله: (بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ) [عمران: ١٦٩]. (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) يعنى: أنه يميته، فتفوته الفرصة التي هو واجدها، وهي التمكن من إخلاص القلب، ومعالجة أدوائه وعلله، ورده سليماً كما يريده الله، فاغتنموا هذه الفرصة، وأخلصوا قلوبكم لطاعة الله ورسوله، (وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) فيثيبكم على حسب سلامة القلوب وإخلاص الطاعة. وقيل: معناه: إنّ الله قد يملك على العبد قلبه، فيفسخ عزائمه، ويغير نياته ومقاصده، ويبدله بالخوف أمناً وبالأمن خوفاً، وبالذكر نسياناً، وبالنسيان ذكراً، وما أشبه ذلك مما هو جائز على الله ، ...... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فعلى هذا الوجه: الدعاء والاستجابة جاريان على الحقيقة، كما كان في الوجه الأول الدعاء مجازاً عن البعث والتحريض، والاستجابة عن الطاعة والامتثال. قوله: (لا تعجبن الجهول) البيت: من قول أبي الطيب: لا يعجبن مضيما حسن بزته … وهل يروق دفيناً جودة الكفن

стр. 3209

فأما ما يثاب عليه العبد ويعاقب من أفعال القلوب فلا، والمجبرة على أنه يحول بين المرء والإيمان إذا كفر، وبينه وبين الكفر إذا آمن، تعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (والمجبرة على أنه يحول بين المرء والإيمان إذا كفر، وبينه وبين الكفر إذا آمن): روى هذه العبارة محيي السنة عن سعيد بن جبير وعطاء، وروى عن السدي قريباً منه: وقال الإمام: "إن الأحوال القلبية: إما العقائد وإما الإرادات والدواعي، فالعقائد: إما العلم وإما الجهل، أما العلم فهو من الله، وأما الجهل فكذلك، لأن الإنسان لا يختار الجهل لنفسه، وأما الدواعي والإرادات فحصولها إن لم يكن بفاعل لزم الحدوث لا عن محدث، ولا يجوز أن يكون محدثه العبد، وإلا لزم توقف ذلك القصد على قصد آخر، إلى ما لا نهاية له، فتعين أن يكون الفاعل الله". وقلت: قضية النظم وسياق الآيات راجع إلى إثبات مسألة العلم وخلق الداعية، كما عليه مذهب أهل السنة والجماعة، وبيانه: أنه تعالى لما نص بقوله: (وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ) الآية [الأنفال: ٢٣]، على أن الإسماع لا ينفع فيهم؛ تسجيلاً على أولئك الصم البكم؛ من على المؤمنين بما منحهم من الإيمان، ويسر لهم من الطاعات، كما قال ﷺ : "كل مُيسر لما خلق له"، يعني: أنكم لستم مثل أولئك المطبوعين على قلوبهم، فإنهم إنما امتنعوا عن الطاعة لأنهم ما خلقوا إلا للكفر، فما تتيسر لهم الاستجابة، وأنتم لما منحتكم الإيمان ووفقتكم الطاعة فاستجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما فيه حياتكم من مجاهدة الكفار وطلب الحياة الأبدية واغتنموا تلك الفرصة، واعلموا أن الله يحول بني المرء وقلبه؛ بأن يحول بينه وبين الإيمان، وبينه وبين الطاعة، ثم يجازيه في الآخرة بالنار.

стр. 3210

وقيل: معناه: أنه يطلع على كل ما يخطره المرء بباله، لا يخفى عليه شيء من ضمائره، فكأنه بينه وبين قلبه. وقرئ: "بين المر" بتشديد الراء، ووجهه: أنه قد حذف الهمزة، وألقى حركتها على الراء، كالخب، ثم نوى الوقف على لغة من يقول: مررت بعمرّ. [(وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ) ٢٥] (فِتْنَةً): ذنباً؛ قيل: هو إقرار المنكر بين أظهرهم ....... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ تلخيصه: أوليتكم النعمة فاشكروها ولا تكفروها لئلا أزيلها عنكم. ويؤيد هذا التأويل ما روينا عن الترمذي عن شهر بن حوشب قال: قلت لأم سلمة يا أم المؤمنين، ما كان أكثر دعاء رسول الله ﷺ ؟ قالت: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك. قالت: فقلت له: يا رسول الله، ما أكثر دعائك بهذا؟ ! قال: "يا أم سلمة، إنه ليس آدمي إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الله، فمن شاء أقام، ومن شاء أزاغ". قلت: وتصديقه قوله تعالى: (رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا) [آل عمران: ٨]، والله أعلم. قوله: (أنه تعالى يطلع على كل ما يخطره المرء بباله): فكأنه يحول بينه وبين قلبه، قال القاضي: "هذا تمثيل لغاية قربه من العبد، كقوله تعالى: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) [ق: ١٦]، وتنبيه على أنه تعالى مطلع على مكنونات القلوب مما عسى يغفل عنه صاحبها، فيكون حثاً على المبادرة إلى إخلاص القلوب وتصفيتها" في طاعة الله تعالى وطاعة رسوله، (وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) فيحاسبكم بما في قلوبكم من الإخلاص والرياء. قوله: (هو إقرار المنكر): أي: تمكين الفعل المنكر بين المسلمين، من: أقره في مكانه فاستقر.

стр. 3211

وقيل: افتراق الكلمة. وقيل (فِتْنَةً): عذاباً. وقوله: (لا تُصِيبَنَّ) لا يخلو من أن يكون جواباً للأمر، أو نهياً بعد أمر، أو صفة لـ (فتنة): فإذا كانت جواباً: فالمعنى: إن إصابتكم لا تصيب الظالمين منكم خاصة، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (افتراق الكلمة): وهي أمر الله بالإنفاق، وأن يكونوا يداً واحدة على غيرهم، من قوله تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا) [آل عمران: ١٠٣]، أي: تمسكوا بعهده ولا تنكثوا. وفي الحديث: "المسلمون تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم". قوله: (فإذا كانت جواباً فالمعنى: إن أصابتكم لا تصب الظالمين): قال صاحب "التقريب": هذا ليس بجواب للأمر، بل هو جواب لشرط مقدر؛ إذ لا يستقيم: إن تتقوا لا تُصب، وهو ما يقتضيه جواب الأمر. أراد أن ما في كلام الله المجيد ليس من باب جواب الأمر، إذ لو قُدر ذلك لرجع إلى أن يُقال: عن تتقوا لا تصب، فيفسد، بل هو من باب آخر، وهو أن يقدر الشرط بقرينة الجزاء واقتضاء المقام، كما قال: إن أصابتكم لا تصب الظالمين. وقال ابن الحاجب: "الظاهر أنه نهي، والمعنى: واتقوا فتنة مقولاً فيها: لا تصيبن، والنهي في الظاهر للفتنة، والمعنى للمتعرضين لها، فكأنه قيل: لا تتعرضوا للفتنة التي يصيب المتعرضين بلاؤها، فعدل من التعرض الذي هو سبب، إلى الإصابة التي هو المسبب. فعلى هذا يكون "الظالمون" مخصوصين بالإصابة، لأن المعنى: لا يتعرض متعرض للفتنة، فتصيبه خاصة، فعدل إلى ما ذكرنا، فصار لا تصيب الفتنة متعرضاً لها خاصة، ثم ذكر "المتعرض" بلفظ "الظالم"؛ تشنيعاً عليه للصفة التي يكون عليها عند التعرض.

стр. 3212

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ويجوز أن تكون (لا) نافية، ودخول النون فيها على وجه ليس بقوي، أي: اتقوا فتنة غير مصيبة للظالمين خاصة، ولكنها تعم الظالم وغيره. فعلى هذا تكون الإصابة عامة. وقد ذكر الزمخشري هذا الوجه، وجعل الإصابة أيضاً فيه خاصة، وليس بجيد؛ إذ المعنى: وصفها بأنها لا تصيب الظالمين خاصة، وإذا لم تصبهم خاصة فكيف يصح وصفها بكونها خاصة؟ ! وقد قيل: إنه يجوز أن يكون جواباً للأمر، ويُقدر: واتقوا فتنة إن أصبتموها لا تصب الظالمين خاصة، ولكن تعم فتأخذ الظالم وغيره. وهو غير مستقيم؛ إذ جواب الأمر إنما يُقدر فعله من جنس الأمر المظهر لا من جنس الجواب، وأن يُقال: فإنكم إن تتقوا لا تُصب الظالمين، فيفسد المعنى؛ لأنه يصير الاتقاء سبباً لانتفاء الإصابة عن الظالم المرتكب، وهو بالعكس أشبه". وقلت: قوله: "وقد ذكر الزمخشري هذا الوجه، وجعل الإصابة أيضاً فيه خاصة": منظور فيه؛ لأنه ليس في كلامه أن (لا تُصِيبَنَّ) صفة لـ (فِتْنَةٌ) و"لا" نافية، بل الظاهر في جعله صفة أن "لا" ناهية، ولذلك قدر "مقولا"، وشبهه بالبيت لأنه إنشائي مثله وقع صفة.

стр. 3213

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ولعل المصنف إنما ترك هذا الوجه، لأن نون التأكيد قد تجتمع مع "لا" النافية في جواب الأمر، كما سييجيء، وأما إذا كان وصفاً فلا، ولئن سُلم فليس تقدير الوصف ما ذكره أخيراً، بل ما ذكره أولاً كما سنقرره. وأما قوله: "إنما يقدر فعله من جنس المظهر لا من جنس الجواب" فجوابه: هذا إذا أجرى الكلام على ظاهره، وأما إذا جُعل الظاهر مهجوراً فيذهب إلى قوة المعنى فلا. ألا ترى إلى قوله في "شرح المفصل": وقد أجاز الكسائي مسألة: "لا تدن" وشبهه، وحجته أن يُقدر الإثبات نظراً إلى قوة المعنى، فجعل القرينة المعنوية حاكمة على اللفظية، كذا هاهنا. ويجوز أن يُحمل على مسألة "لا تدن"، وأن يُقال: واتقوا فتنة فإنكم إن لم تتقوها أصابتكم، فإن أصابتكم لا تصب الظالمين منكم خاصة، بل تعمكم فاكتفى بالمسبب عن السبب. وقال نور الدين الحكيم: تقرير كلام الزمخشري أنه مثل قول القائل: اتق غضب الله لا يحلل عليك، فإن من شأن غضبه إن حل لا يحل بالمجرم خاصة، واتق الزنبور لا ينزل، فإنه إن نزل لا ينزل بالجاني خاصة، بل يعم. وأقرب منه: اتق غضباً لا يحلل على المجرم خاصة، واتق الزنبور لا ينزل بالجاني خاصة. والمنهج الذي سلكه المصنف أوضح، والبلاغة له أدعى، وذلك أنه حين ذهب إلى أن (لا تُصِيبَنَّ) جواب للأمر؛ جعل (لا) نافية، دل عليه قوله في الجواب عن السؤال الآتي: "لأن فهي معنى النهي".

стр. 3214

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ولما أن الجواب مسبب عن الأمر، فإذا نُفيت الإصابة على الخصوص دل بالمفهوم على العموم، إذ لابد من إصابة العقاب لانتفاء ما ترتب النفي عليه من الاتقاء قال: "إن أصابتكم لا تصب الظالمين منكم خاصة، لكنها تعمكم". ولما جعل النهي قريناً للأمر مؤكداً لمعناه على طريقة الطرد والعكس - لقوله: "ثم قيل: لا تتعرضوا"، بعد قوله: "واحذروا ذنباً" - جعل الإصابة خاصة، لأنه لما سلط "لا" الناهية على "تتعرضوا"، بقي "لا تصيب" مثبتاًن والأسلوب من باب النكاية، كقوله تعالى: (فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ) [الأعراف: ٢]، فالأمر في الظاهر للفتنة وفي الحقيقة للمخاطبين، يعني: أن الفتنة لو كانت مما ينهى لنهيناها عنكم، فانتهوا أنتم عنها بترك التعرض لها، وإليه الإشارة بقوله: "لا تتعرضوا للظلم فيصيب العقاب من ظلم منكم خاصة". فعلى هذا لا يفتقر إلى تقدير "مقولاً فيه"، كما فعله ابن الحاجب، وكذلك التقدير على أن يكون صفة، أي: واتقوا فتنة يقول من رآها: لا تتعرضوا للفتنة التي يصيب المتعرضين خاصة بلاؤها. ويجوز أن تقدر - على الوصف - الاستعارة فيها على سبيل المكنية، فالمنهي حينئذ الفتنة لا المخاطبون، شبهت الفتنة بإنسان مطيع إذا ورد عليه أمر آمر مطاع أو نهي ناه قاهر، امتثل وانتهى،

стр. 3215

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فعلى هذا قوله: (لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً) عبارة عن شدتها وهولها من غير نظر إلى مفردات التركيب، كأنه قيل: واتقوا فتنة هائلة طامة "لا تصيبنكم خاصة على ظلمكم، لأن الظلم أقبح منكم من سائر الناس"، كما قال، لأن المخاطبين أجلاء الصحابة، إذ القصد حينئذ الإغراق في الوصف، ولذلك عدل إلى الإنشاء، على طريقة قوله تعالى: (وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ الْعَذَابِ الْمُهِينِ * مِنْ فِرْعَوْنَ) [الدخان: ٣٠ - ٣١] على الاستفهام. وإنما جاء الفرق بين الوجه الأول والثاني؛ لأن الفتنة على الأول إقرار المنكر، والمخاطبون كل الأمة، وقد أمر بعضهم برفعها بالإقلاع عنها، فقيل لهم: إن لم ترفعوا المنكر من بين أظهركم بنهي فاعله، لا تختص الفتنة بالفاعل، بل تسري إلى الغير أيضاً، لأنه كما يجب على راكبه الانتهاء عنه، يجب على الباقين رفعه، فإذن كلهم مستوون، ومن ثم أوجب أن يجعل "مِن" في (منكم) للتبعيض. ويؤيد هذا التأويل ما روى محيي السنة عن ابن عباس ﵁: "أمر الله المؤمنين أن لا يُقروا المنكر بين أظهرهم، فيعمهم الله بعذاب يصيب الظالم وغير الظالم"، ويعضده ما

стр. 3216

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ روينا عن الترمذي وأبي داود عن قيس بن أبي حازم عن أبي بكر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يده، أوشك أن يعمهم الله بعقاب". وروى الترمذي أيضاً عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهاهم علماؤهم، فمل ينتهوا، فجالسوهم في مجالسهم، وآكلوهم وشاربوهم، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون". والفتنة على القول الثاني: افتراق الكلمة، هو ما حدث بين أصحاب بدر يوم الجمل، والمخاطبون هم حينئذ خاصة، نهوا عن القربان منها، ولذلك كان "من" بياناً. فإذا قيل لك: اتق فتنة شأنها كيت وكيت، أريد: أنك إذا تعرضت لها أصابتك ألبتة، وإن اتقيت عنها سلمت. وليس معناه: أن تعرضك لها سبب لإصابة الغير، ولا تعرض الغير سبب لإصابتها إياك، كما في الوجه الأول. والواقع هذا؛ لما روينا عن البخاري ومسلم وأبي داود عن الأحنف قال: خرجت وأنا أريد هذا الرجل، فلقيني أبو بكرة، فقال: أين تريد؟ قلت: أريد نصر ابن عمر رسول الله ﷺ ، قال: يا أحنف، ارجع، فغني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار". قال: فقلت- أو: قيل-: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: "إنه كان حريصاً على قتل صاحبه".

стр. 3217

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وعن الإمام أحمد بن حنبل عن ابن صيفي وكان له صحبة: أن علياً ﵁ لما قدم البصرة بعث إليه: ما يمنعك أن تتبعني؟ ! قال: أوصاني خليلي وابن عمك قال: "إنه ستكون فرقة واختلاف، فاكسر سيفك، واقعد في بيتك، حتى تأتيك يد خاطئة، أو ميتة قاضية، ففعلت ما أمرني، فإن استطعت أن لا تكون اليد الخاطئة فافعل". والمقام يقتضي هذا القول؛ لأن قوله: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً) عطف على قوله: (اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ) أي: لمجاهدة أعداء الدين واتفاق الكلمة فيما بينكم، واتقوا المخالفة لتتمكنوا على المجاهدة. والمصنف راعي هذا الترتيب، وذلك أنه فسر الفتنة أولاً بإقرار المنكر بينهم وبافتراق الكلمة، ذكر القول الأول، واستشهد له بقوله: "يحكي أن علماء بني إسرائيل" إلى آخره، ثم ذكر القول الثاني وقرره بالوجهين، ثم عقبهما بذكر حديث الجمل وأصحاب بدر وما يتصل به. فإن قلت: لم خص الوجه الأول بإقرار المنكر الذي يقتضي عموم الإصابة، والثاني بافتراق الكلمة التي تقتضي خصوص الإصابة؟ قلت: التنكير في الفتنة أولاً لنوع ما منها، وهو إقرار المنكر، وفي الثاني لنوع يوجب التفخيم والتهويل فيه، من افتراق الكلمة الموجب للهرج والمرج وثلم الدين، فتختص بمن باشرها، ولذلك أكد بالنهي الأمر بعد

стр. 3218

ولكنها تعمكم، وهذا كما يحكى: "أن علماء بني إسرائيل نهوا عن المنكر تعذيراً، فعمهم الله بالعذاب". وإذا كانت نهياً بعد أمر: فكأنه قيل: واحذروا ذنباً أو عقاباً، ثم قيل: لا تتعرضوا للظلم فيصيب العقاب -أو أثر الذنب ووباله- من ظلم منكم خاصة، وكذلك إذا جعلته صفة على إرادة القول، كأنه قيل: واتقوا فتنة مقولا فيها لا تصيبنّ، ونظيره قوله: حتى إذَا جَنَّ الظَّلَامُ وَاخْتَلَطْ … جَاؤُوا بِمَذْقٍ هَلْ رَأَيْتَ الذِّئْبَ قَطْ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إخراجه مخرج الكناية لشدة الاهتمام، على هذا تقدير الوصف و"لا" ناهية. وأما إذا جُعل صفة و"لا" نافية: فلا يون فيه مبالغة، فينخرط في الوجه الأول في إفادة العموم. هذا ما يمكن أن يقال في هذا المقام الصعب، وهو من حيات وعقارب هذا الكتاب. قوله: (تعذيراً): أي: وهو نصبٌ على الحال، أي: مقصرين. الجوهري: "التعذير: التقصير"، وقيل: تعذيراً: من عذر: إذا أزال العذر، كقرد البعير: إذا أزال القُراد. قوله: (وكذلك إذا جعلته صفة): أي: كذلك إذا جعلته صفة تختص إصابة الفتنة بهم، وقيل: كذلك إذا جعلته صفة فهو نهي، والوجه هو الأول؛ لقوله: "ويعضد المعنى الأخير قراءة ابن مسعود: "لتصيبن"، على جواب القسم"، والنهي لا يفارقه. قوله: (جاؤوا بمذق هل رأيت الذئب قط): أنشده ابن جني في "المحتسب"، قبله: ما زلت أسعى معهم وأختبط … حتى إذا جاء الظلام المختلط جاؤوا بضيح هل رأيت الذئب قط الضيح: هو اللبن المخلوط بالماء، وهو يضرب إلى الخضرة، أي: جاؤوا بضيح يشبه

стр. 3219

أي: بمذق مقول فيه هذا القول، لأنه سمار فيه لون الورقة التي هي لون الذئب. ويعضد المعنى الأخير قراءة ابن مسعود: "لتصيبنّ"، على جواب القسم المحذوف. وعن الحسن: نزلت في علىّ وعمار وطلحة والزبير، وهو يوم الجمل خاصة، قال الزبير: نزلت فينا وقرأناها زماناً، وما أرانا من أهلها، فإذا نحن المعنيون بها. وعن السدي: نزلت في أهل بدر، فاقتتلوا يوم الجمل. وروى: أن الزبير كان يساير النبي ﷺ يوماً، إذ أقبل علىّ ﵁، فضحك إليه الزبير، فقال رسول الله ﷺ : "كيف حبك لعلّى؟ " فقال: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، إني أحبه كحبي لوالدي أو أشدّ حبا، قال: "فكيف أنت إذا سرت إليه تقاتله؟ ! ". ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لونه لون الذئب، و"هل رأيت" جملة استفهامية وصف بها "الضيح" حملاً على معناها دون لفظها، لأن الصفة ضرب من الخبر، والاستفهام والخبر متدافعان. قوله: (ويعضد المعنى الأخير): أي: إذا كان نهياً أو وصفاً، لأنهم يشتركان في تخصيص العذاب بالمتعرضين. قوله: (عن الحسن: نزلت في علي وعمار وطلحة والزبير): كذا في "العالم". قوله: (قال الزبير: نزلت فينا وقرأناها): روينا في "مسند أحمد بن حنبل" عن مطرف، قلنا للزبير: يا أبا عبد الله، ما جاء بكم، ضيعتم الخليفة حتى قتل، ثم جئتم تطلبون بدمه، فقال الزبير: إنا قرأناها على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً)، ولم نحسب أنا أهلها حتى وقعت منا حيث وقعت".

стр. 3220

فإن قلت: كيف جاز أن يدخل النون المؤكدة في جواب الأمر؟ قلت: لأنّ فيه معنى النهى، إذا قلت: انزل عن الدابة لا تطرحك، فلذلك جاز: لا تطرحنك، (ولا تصيبنّ)، ولا (يحطمنكم). [النمل: ١٨]. فإن قلت: فما معنى "من" في قوله: (الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ)؟ قلت: التبعيض على الوجه الأوّل، والتبيين على الثاني، لأنّ المعنى: لا تُصيبنكم خاصة على ظلمكم، لأن الظلم أقبح منكم من سائر الناس. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. قوله: (كيف جاز أن تدخل النون المؤكدة): قال أبو البقاء: "يضعف ذلك؛ لأن جواب الأمر للشرط، وجواب الشرط متردد، فلا يليق به التوكيد. وأجاب بقوله: لأن فيه معنى النهي". وهو من قول الزجاج، قال: "هذا الكلام جزاء، فيه طرف من النهي، إذا قلت: انزل عن الدابة لا تطرحك، يكون جواباً للأمر بلف النهي، فإذا أتيت بالنون الثقيلة أو الخفيفة كان أوكد للكلام". يعني: لما عدل من الإخباري إلى الإنشائي لضرب من المبالغة بالتأول ناسب لذلك إضافة التأكيد. وهذا لا يقال إلا في أمر يتردد فيه القائل لفظاعته، كما في الفتنة والدابة الجموح. قوله: (التبعيض على الوجه الأول): أي: على أن يكون جواباً للأمر، ومحله نصب على أنه بدل من (الَّذِينَ ظَلَمُوا)، وعلى أن يكون صفة أو نهياً: "مِن" بيانية، وهو المراد من قوله: "التبيين على الثاني"، وإلى هذا ذهب القاضي أيضاً. قوله: (لأن المعنى): تعليل لكون "مِن" بيانية، أي: إذا كان المراد من التركيب: لا يصيبنكم العقاب خاصة على ظلمكم، كان (منكم) تفسيراً لـ (الَّذِينَ ظَلَمُوا)، أي: لا يصيبن الظالم الذي هو أنتم.

стр. 3221

[(واذْكُرُوا إذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ ورَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) ٢٦] (واذْكُرُوا إذْ أَنتُمْ) نصبه على انه مفعول به مذكور، لا ظرف، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. وفي قوله: "لا تصيبنكم" إشعار بالتعبير، أي: لا ينبغي أن تختصوا بالفتنة وأنتم أصحاب بدر وعظماء الصحابة ومن السابقين الأولين، تعلمون عظم شأن الفتنة، فأنتم أحرياء بأن لا تدنوها، فضلاً عن أن تورطوا فيها، لأن الظلم أقبح منكم من سائر الناس الذين لا يعلمون. قال صاحب "التقريب": "وفي تخصيص "مِن" بالتبعيض في الأول، والتبيين في الثاني حرازة". وقلت: إذا حقق النظر فيما أسلفناه من أن المخاطبين في الأول كل الأمة وراكب الفتنة بعضهم، فهم لا محالة أن "مِن" تبعيض، وأن المخاطبين في الثاني بعض الأمة الذين باشروا الفتنة خصوصاً، عُلم أن "مِن" بيان لا محيد عنه. وفيه أيضاً: أن قوله: (الَّذِينَ ظَلَمُوا) مُظهر وضع موضع المضمر؛ تشنيعاً عليهم، كما قال ابن الحاجب. قوله: (على أنه مفعول به مذكور): توكيد لقوله: "مفعول به"، لأنه إذا جُعل مفعولاً به، لـ "اذكر"، كان - لا محالة - مذكوراً.

стр. 3222

أي: اذكروا وقت كونكم أقلة أذلة مستضعفين (فِي الْأَرْضِ): أرض مكة قبل الهجرة تستضعفكم قريش، (تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ) لأن الناس كانوا جميعا لهم أعداء منافين مضادّين، (فَآواكُمْ) إلى المدينة، (وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ): بمظاهرة الأنصار، وبإمداد الملائكة يوم بدر، (وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبتِ): من الغنائم، (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ): إرادة أن تشكروا هذه النعم. وعن قتادة: كان هذا الحي من العرب أذلّ الناس، وأشقاهم عيشا، وأعراهم جلداً، وأبينهم ضلالاً، يؤكلون ولا يأكلون، فمكن الله لهم في البلاد، ووسع لهم في الرزق والغنائم وجعلهم ملوكاً. [(يأيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمنتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) ٢٧] معنى الخون: النقص، كما أن معنى الوفاء: التمام، ومنه: تخوّنه: إذا تنقصه، ثم استعمل في ضدّ الأمانة والوفاء، ........ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وأعراهم جلداً): كناية عن فقرهم، الجوهري: "عرى عن ثيابه يعرى عريا، فهو عار وعريان". قوله: (يؤكلون ولا يأكلون)، الأساس: "مأكول حمير خير من آكلها، أي: رعيتها خير من واليها. وهو من ذوي الآكال، أي: من السادات الذين يأكلون المرباع، ولما قال الممزق: فإن كنت مأكولاً فكن خير آكل … وإلا فأدركني ولما أمزق قال له النعمان: لا آكلك ولا أوكلك غيري". المرباع: الربع، كان الأمير في الجاهلية يأكل ربع الغنيمة، فخمستها الشريعة.

стр. 3223

لأنك إذا خنت الرجل في شيء فقد أدخلت عليه النقصان فيه، وقد استعير فقيل: خان الدلو الكرب، وخان المشتار السبب؛ لأنه إذا انقطع به فكأنه لم يف له. ومنه قوله: (وَتَخُونُوا أَمنتِكُمْ)، والمعنى: لا تخونوا الله بأن تعطلوا فرائضه، ورسوله بأن لا تستنوا به. وأَماناتِكُمْ فيما بينكم بأن لا تحفظوها، (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) تبعة ذلك ووباله، وقيل وأنتم تعلمون أنكم تخونون، يعنى: أن الخيانة توجد منكم عن تعمد لا عن سهو، وقيل: وأنتم علماء تعلمون قبح القبيح وحسن الحسن. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (خان الدلو الكرب): الكرب: حبل قصير يوصل بالرشاء ويلوى على العراقي سُمي كرباً لأنه يقرب من الدلو. الأساس: "خان الدلو الرشاء: إذا انقطع. قال ذو الرمة: كأنها دلو بئر جد ماتحها … حتى إذا ما رآها خانها الكرب" قوله: (وخان المشتار السبب): المشتار: الذي يجني العسل من الكوارة، والسبب: حبل يتوصل به إلى اجتناء العسل. قولهم: (وأنتم علماء تعلمون قبح القبيح): يريد أن: (تَعْلَمُونَ) -في (أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) - إما مفعوله مقدر منوي بقرينة السياق، وهو أنكم تخونون وأنتم تعلمون تبعة ذلك، أو غير منوي بمنزلة اللازم، وهو المراد من قوله: "وأنتم علماء"، فقوله: "تعلمون قُبح القبيح وحسن الحسن": مقدر من جهة الالتزام، لا أنه مفعول منوي، يعني: إذا كنتم علماء من أهل المعرفة فلم تباشرونه؟ !

стр. 3224

وروي: أن نبي الله ﷺ حاصر يهود بني قريظة إحدى وعشرين ليلة، فسألوا الصلح كما صالح إخوانهم بني النضير، على أن يسيروا إلى أذرعات وأريحا من أرض الشام، فأبى رسول الله ﷺ ، إلا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ، فأبوا وقالوا: أرسل إلينا أبا لبابة مروان بن [عبد] المنذر، وكان مناصحاً لهم، لأنّ عياله وماله في أيديهم، فبعثه إليهم فقالوا له: ما ترى؟ هل ننزل على حكم سعد؟ فأشار إلى حلقه: إنه الذبح. قال أبو لبابة فما زالت قدماي حتى علمت أنى قد خنت الله ورسوله، فنزلت، فشدّ نفسه على سارية من سواري المسجد، وقال: والله لا أذوق طعاماً ولا شراباً حتى أموت أو يتوب الله علىّ، فمكث سبعة أيام حتى خر مغشياً عليه، ثم تاب الله عليه، فقيل له: قد تيب عليك، فحل نفسك، فقال: لا والله لا أحلها حتى يكون رسول الله ﷺ هو الذي يحلني، فجاءه، فحله بيده، فقال: إنّ من تمام توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأن أنخلع من مالي. فقال ﷺ : " يجزيك الثلث أن تتصدّق به". وعن المغيرة: نزلت في قتل عثمان بن عفان ﵁. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أرسل إلينا أبا لُبابة مروان بن [عبد] المنذر): وفي "جامع الأصول": "هو رفاعة ابن عبد المنذر، صحابي معروف"، وكذا في "الاستيعاب"، وفيه: "اختلف في الحال التي أوجبت فعل أبي لبابة هذا بنفسه، وأحسن ما قيل: إنه ممن تخلف عن النبي ﷺ في غزوة تبوك، فربط نفسه بسارية"، وساق القصة إلى آخر ما في الكتاب، مع اختلاف في الألفاظ. وقال أبو عمر: "وقد قيل: إن الذنب هو الذي أشار به أبو لبابة إلى حلفائه: إنه الذبح إن نزلتم على حكم سعد، وأشار إلى حلقه، فنزلت الآية".

стр. 3225

وقيل: (أَمانتِكُمْ): ما ائتمنكم الله عليه من فرائضه وحدوده. فإن قلت: (وَتَخُونُوا) جزم هو أم نصب؟ قلت: يحتمل أن يكون جزما داخلا في حكم النهى، وأن يكون نصباً بإضمار "أن"، كقوله: (وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ) [البقرة: ٤٢]، وقرأ مجاهد: "وتخونوا أمانتكم"، على التوحيد. [(وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) ٢٨] جعل الأموال والأولاد فتنة، لأنهم سبب الوقوع في الفتنة، وهي الإثم أو العذاب، أو محنة من الله تعالي ليبلوكم كيف تحافظون فيهم على حدوده؟ (وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) فعليكم أن تنوطوا بطلبه، وبما تؤدى إليه هممكم، وتزهدوا في الدنيا، ولا تحرصوا على جمع المال وحب الولد، حتى تورّطوا أنفسكم من أجلهما، كقوله: (الْمالُ وَالْبَنُونَ) الآية [الكهف: ٤٦]. وقيل: هي من جملة ما نزل في أبى لبابة، وما فرط منه لأجل ماله وولده. [(يأيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) ٢٩] (فُرْقاناً): نصراً، لأنه يفرق بين الحق والباطل، وبين الكفر بإذلال حزبه، والإسلام بإعزاز أهله. ومنه قوله تعالى: (يَوْمَ الْفُرْقانِ) [الأنفال: ٤١]، أو بياناً وظهورا يشهر أمركم ويبث صيتكم وآثاركم في أقطار الأرض، ....... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أو محنة من الله): عطف على قوله: "سبب الوقوع"، كقوله: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ) [الكهف: ٤٦]، فقوله: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ): أي: محنة من الله ليبلوكم، كقوله: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) [الكهف: ٤٦]، وقوله: (وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) قوله: (وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً) [الكهف: ٤٦].
следующие страницы →