Полный текст (9 345 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.
стр. 3221
[(واذْكُرُوا إذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ ورَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) ٢٦]
(واذْكُرُوا إذْ أَنتُمْ) نصبه على انه مفعول به مذكور، لا ظرف،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ.
وفي قوله: "لا تصيبنكم" إشعار بالتعبير، أي: لا ينبغي أن تختصوا بالفتنة وأنتم أصحاب بدر وعظماء الصحابة ومن السابقين الأولين، تعلمون عظم شأن الفتنة، فأنتم أحرياء بأن لا تدنوها، فضلاً عن أن تورطوا فيها، لأن الظلم أقبح منكم من سائر الناس الذين لا يعلمون.
قال صاحب "التقريب": "وفي تخصيص "مِن" بالتبعيض في الأول، والتبيين في الثاني حرازة".
وقلت: إذا حقق النظر فيما أسلفناه من أن المخاطبين في الأول كل الأمة وراكب الفتنة بعضهم، فهم لا محالة أن "مِن" تبعيض، وأن المخاطبين في الثاني بعض الأمة الذين باشروا الفتنة خصوصاً، عُلم أن "مِن" بيان لا محيد عنه.
وفيه أيضاً: أن قوله: (الَّذِينَ ظَلَمُوا) مُظهر وضع موضع المضمر؛ تشنيعاً عليهم، كما قال ابن الحاجب.
قوله: (على أنه مفعول به مذكور): توكيد لقوله: "مفعول به"، لأنه إذا جُعل مفعولاً به، لـ "اذكر"، كان - لا محالة - مذكوراً.
стр. 3222
أي: اذكروا وقت كونكم أقلة أذلة مستضعفين (فِي الْأَرْضِ): أرض مكة قبل الهجرة تستضعفكم قريش، (تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ) لأن الناس كانوا جميعا لهم أعداء منافين مضادّين، (فَآواكُمْ) إلى المدينة، (وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ): بمظاهرة الأنصار، وبإمداد الملائكة يوم بدر، (وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبتِ): من الغنائم، (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ): إرادة أن تشكروا هذه النعم.
وعن قتادة: كان هذا الحي من العرب أذلّ الناس، وأشقاهم عيشا، وأعراهم جلداً، وأبينهم ضلالاً، يؤكلون ولا يأكلون، فمكن الله لهم في البلاد، ووسع لهم في الرزق والغنائم وجعلهم ملوكاً.
[(يأيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمنتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) ٢٧]
معنى الخون: النقص، كما أن معنى الوفاء: التمام، ومنه: تخوّنه: إذا تنقصه، ثم استعمل في ضدّ الأمانة والوفاء، ........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وأعراهم جلداً): كناية عن فقرهم، الجوهري: "عرى عن ثيابه يعرى عريا، فهو عار وعريان".
قوله: (يؤكلون ولا يأكلون)، الأساس: "مأكول حمير خير من آكلها، أي: رعيتها خير من واليها. وهو من ذوي الآكال، أي: من السادات الذين يأكلون المرباع، ولما قال الممزق:
فإن كنت مأكولاً فكن خير آكل … وإلا فأدركني ولما أمزق
قال له النعمان: لا آكلك ولا أوكلك غيري".
المرباع: الربع، كان الأمير في الجاهلية يأكل ربع الغنيمة، فخمستها الشريعة.
стр. 3223
لأنك إذا خنت الرجل في شيء فقد أدخلت عليه النقصان فيه، وقد استعير فقيل: خان الدلو الكرب، وخان المشتار السبب؛ لأنه إذا انقطع به فكأنه لم يف له. ومنه قوله: (وَتَخُونُوا أَمنتِكُمْ)، والمعنى: لا تخونوا الله بأن تعطلوا فرائضه، ورسوله بأن لا تستنوا به. وأَماناتِكُمْ فيما بينكم بأن لا تحفظوها، (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) تبعة ذلك ووباله، وقيل وأنتم تعلمون أنكم تخونون، يعنى: أن الخيانة توجد منكم عن تعمد لا عن سهو، وقيل: وأنتم علماء تعلمون قبح القبيح وحسن الحسن.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (خان الدلو الكرب): الكرب: حبل قصير يوصل بالرشاء ويلوى على العراقي سُمي كرباً لأنه يقرب من الدلو. الأساس: "خان الدلو الرشاء: إذا انقطع. قال ذو الرمة:
كأنها دلو بئر جد ماتحها … حتى إذا ما رآها خانها الكرب"
قوله: (وخان المشتار السبب): المشتار: الذي يجني العسل من الكوارة، والسبب: حبل يتوصل به إلى اجتناء العسل.
قولهم: (وأنتم علماء تعلمون قبح القبيح): يريد أن: (تَعْلَمُونَ) -في (أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) - إما مفعوله مقدر منوي بقرينة السياق، وهو أنكم تخونون وأنتم تعلمون تبعة ذلك، أو غير منوي بمنزلة اللازم، وهو المراد من قوله: "وأنتم علماء"، فقوله: "تعلمون قُبح القبيح وحسن الحسن": مقدر من جهة الالتزام، لا أنه مفعول منوي، يعني: إذا كنتم علماء من أهل المعرفة فلم تباشرونه؟ !
стр. 3224
وروي: أن نبي الله ﷺ حاصر يهود بني قريظة إحدى وعشرين ليلة، فسألوا الصلح كما صالح إخوانهم بني النضير، على أن يسيروا إلى أذرعات وأريحا من أرض الشام، فأبى رسول الله ﷺ ، إلا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ، فأبوا وقالوا: أرسل إلينا أبا لبابة مروان بن [عبد] المنذر، وكان مناصحاً لهم، لأنّ عياله وماله في أيديهم، فبعثه إليهم فقالوا له: ما ترى؟ هل ننزل على حكم سعد؟ فأشار إلى حلقه: إنه الذبح.
قال أبو لبابة فما زالت قدماي حتى علمت أنى قد خنت الله ورسوله، فنزلت، فشدّ نفسه على سارية من سواري المسجد، وقال: والله لا أذوق طعاماً ولا شراباً حتى أموت أو يتوب الله علىّ، فمكث سبعة أيام حتى خر مغشياً عليه، ثم تاب الله عليه، فقيل له: قد تيب عليك، فحل نفسك، فقال: لا والله لا أحلها حتى يكون رسول الله ﷺ هو الذي يحلني، فجاءه، فحله بيده، فقال: إنّ من تمام توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأن أنخلع من مالي. فقال ﷺ : " يجزيك الثلث أن تتصدّق به". وعن المغيرة: نزلت في قتل عثمان بن عفان ﵁.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أرسل إلينا أبا لُبابة مروان بن [عبد] المنذر): وفي "جامع الأصول": "هو رفاعة ابن عبد المنذر، صحابي معروف"، وكذا في "الاستيعاب"، وفيه: "اختلف في الحال التي أوجبت فعل أبي لبابة هذا بنفسه، وأحسن ما قيل: إنه ممن تخلف عن النبي ﷺ في غزوة تبوك، فربط نفسه بسارية"، وساق القصة إلى آخر ما في الكتاب، مع اختلاف في الألفاظ. وقال أبو عمر: "وقد قيل: إن الذنب هو الذي أشار به أبو لبابة إلى حلفائه: إنه الذبح إن نزلتم على حكم سعد، وأشار إلى حلقه، فنزلت الآية".
стр. 3225
وقيل: (أَمانتِكُمْ): ما ائتمنكم الله عليه من فرائضه وحدوده.
فإن قلت: (وَتَخُونُوا) جزم هو أم نصب؟ قلت: يحتمل أن يكون جزما داخلا في حكم النهى، وأن يكون نصباً بإضمار "أن"، كقوله: (وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ) [البقرة: ٤٢]، وقرأ مجاهد: "وتخونوا أمانتكم"، على التوحيد.
[(وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) ٢٨]
جعل الأموال والأولاد فتنة، لأنهم سبب الوقوع في الفتنة، وهي الإثم أو العذاب، أو محنة من الله تعالي ليبلوكم كيف تحافظون فيهم على حدوده؟ (وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ)
فعليكم أن تنوطوا بطلبه، وبما تؤدى إليه هممكم، وتزهدوا في الدنيا، ولا تحرصوا على جمع المال وحب الولد، حتى تورّطوا أنفسكم من أجلهما، كقوله: (الْمالُ وَالْبَنُونَ) الآية [الكهف: ٤٦].
وقيل: هي من جملة ما نزل في أبى لبابة، وما فرط منه لأجل ماله وولده.
[(يأيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) ٢٩]
(فُرْقاناً): نصراً، لأنه يفرق بين الحق والباطل، وبين الكفر بإذلال حزبه، والإسلام بإعزاز أهله. ومنه قوله تعالى: (يَوْمَ الْفُرْقانِ) [الأنفال: ٤١]، أو بياناً وظهورا يشهر أمركم ويبث صيتكم وآثاركم في أقطار الأرض، .......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أو محنة من الله): عطف على قوله: "سبب الوقوع"، كقوله: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ) [الكهف: ٤٦]، فقوله: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ): أي: محنة من الله ليبلوكم، كقوله: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) [الكهف: ٤٦]، وقوله: (وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) قوله: (وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً) [الكهف: ٤٦].
стр. 3226
من قولهم "بتّ أفعل كذا" حتى سطع الفرقان، أي: طلع الفجر، أو مخرجا من الشبهات وتوفيقاً وشرحاً للصدور، أو تفرقة بينكم وبين غيركم من أهل الأديان، وفضلا ومزية في الدنيا والآخرة.
[(وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمكِرِينَ) ٣٠]
لما فتح الله عليه، ذكره مكر قريش به حين كان بمكة، ليشكر نعمة الله في نجاته من مكرهم واستيلائه عليهم، وما أتاح الله له من حسن العاقبة، والمعنى: واذكر إذ يمكرون بك، وذلك أن قريشا -لما أسلمت الأنصار وبايعوه- فرقوا أن يتفاقم أمره، فاجتمعوا في دار الندوة متشاورين في أمره، فدخل عليهم إبليس في صورة شيخ، .......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أو تفرقة بينكم): فإن قلت: ذكر لقوله: (فُرْقَاناً) وجوهاً، وهي أن يكون نصراً أو بياناً أو مخرجاً أو تفرقة، فأيها أحسن؟ قلت: الجمع بينها، لأن هذه الآية كالخاتمة لجميع ما سبقن بدليل عوده إلى بدء القصة، وهو قوله: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا) [الأنفال: ٣٠]، و"أو" في كلام المصنف للتخيير، كما في قولك: جالس الحسن أو ابن سيرين.
قوله: (لما فتح الله عليه ذكره مكر قريش به): يعني: بعد أن فرغ رسول الله ﷺ من أمر قريش بتمامه ذكره بدو حالهم معه ليعتبر فيشكر. وفيه بيان لتوفيق النظم، وتنبيه على ما أشرنا في فاتحة السورة وعند تفسير (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ) [الأنفال: ١٧].
قوله: (في دار الندوة)، الجوهري: "الندي: مجلس القوم ومتحدثهم، وكذلك الندوة والنادي والمنتدى، ومنه سميت دار الندوة التي بمكة، بناها قُصي، لأنهم كانوا يندون فيها، أي: يجتمعون للمشاورة".
والحديث مذكور في "مسند أحمد بن حنبل" عن ابن عباس، وليس فيه ذكر إبليس رأساً.
стр. 3227
وقال: أنا شيخ من نجد، ما أنا من تهامة دخلت مكة فسمعت باجتماعكم، فأردت أن أحضركم، ولن تعدموا منى رأيا ونصحاً.
فقال أبو البختري: رأيي أن تحبسوه في بيت، وتشدّوا وثاقه، وتسدوا بابه غير كوّة تلقون إليه طعامه وشرابه منها، وتتربصوا به ريب المنون. فقال إبليس: بئس الرأي، يأتيكم من يقاتلكم من قومه، ويخلصه من أيديكم.
فقال هشام بن عمرو: رأيي أن تحملوه على جمل وتخرجوه من بين أظهركم، فلا يضركم ما صنع، واسترحتم. فقال إبليس: بئس الرأي، يفسد قوماً غيركم ويقاتلكم بهم.
فقال أبو جهل: أنا أرى أن تأخذوا من كل بطن غلاماً، وتعطوه سيفاً صارماً، فيضربوه ضربة رجل واحد فيتفرق دمه في القبائل، فلا يقوى بنو هاشم على حرب قريش كلهم، فإذا طلبوا العقل عقلناه واسترحنا. فقال الشيخ: صدق هذا الفتى، هو أجودكم رأياً. فتفرقوا على رأي أبي جهل مجتمعين على قتله.
فأخبر جبريل ﵇ رسول الله ﷺ ، وأمره أن لا يبيت في مضجعه، وأذن الله له في الهجرة، فأمر علياً ﵁، فنام في مضجعه، وقال له: اتشح ببردتي، فإنه لن يخلص إليك أمر تكرهه، وباتوا مترصدين، فلما أصبحوا ثاروا إلى مضجعه، فأبصروا علياً فبهتوا، وخيب الله سعيهم، واقتصوا أثره، فأبطل مكرهم.
(لِيُثْبِتُوكَ) ليسجنوك، أو يوثقوك، أو يثخنوك بالضرب والجرح، من قولهم: ضربوه حتى أثبتوه لا حراك به، وفلان مثبت وجعاً.
وقرئ: " ليثبتوك"، بالتشديد. وقرأ النخعي: "ليبيتوك"، من البيات. وعن ابن عباس ﵄: "ليقيدوك"، وهو دليل لمن فسره بالإيثاق.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أو يثخنوك): من: أثخنته الجراحة، أي: أوهنته.
стр. 3228
(وَيَمْكُرُونَ): ويخفون المكايد له، (وَيَمْكُرُ اللَّهُ): ويخفى الله ما أعد لهم حتى يأتيهم بغتة، (وَاللَّهُ خَيْرُ الْمكِرِينَ) أي مكره أنفذ من مكر غيره وأبلغ تأثيراً، أو لأنه لا ينزل إلا ما هو حق وعدل، ولا يصيب إلا بما هو مستوجب.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أو لأنه لا يُنزل إلا ما هو حق): عطف على قوله: "مكره أنفذ من مكر غيره"، فعلى الأول: التركيب من باب قوله تعالى: (وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ مَرَدّاً) [مريم: ٧٦]، وقولهم: "الصيف أحر من الشتاء"، وذلك أنه فسر مكرهم بقوله: "ويخفون المكايد"، ومكر الله بقوله: "ويُخفي الله ما أعد لهم حتى يأتيهم بغتة"، ثم جمعهما بقوله: (خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)، وفسره بقوله: "إن مكره أبلغ تأثيراً"، ولا شك أن لا خير في مكرهم، ب بل هو شر بحت، لكن المراد بالـ"خير": أن مكر الله أبلغ تأثيراً في بابه من الخير، من مكرهم في بابه من الشر، فالخير على هذا بمعنى التفضيل. والتعريف في (الْمَاكِرِينَ) للعهد.
وأما الوجه الثاني فلا شركة فيه؛ لأنه من باب: "أعدلا بني مروان"، وذلك لأن ما يفعله الله لا يكون إلا حقاً وعدلاً، وتسميته بالمكر على سبيل الاستعارة بجامع الإخفاء والأخذ بغتة، فشبه صورة صنع الله ذلك معهم بصورة صنع المخادع المحتال، ثم سمي مكراً، فالتعريف للجنس، يؤيده قوله في "الأعراف": "ومكر الله استعارة لأخذه العبد من حيث لا يشعر ولاستدراجه".
стр. 3229
[(وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ ءايتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلاَّ أَسطِيرُ الْأَوَّلِينَ* وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ * وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَما لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) ٣١ - ٣٤]
(لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا) نفاجة منهم، وصلف تحت الراعدة، ......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وذهب القاضي إلى المشاكلة، قال: "وأمثال هذا لا يجوز إطلاقها ابتداء لما فيه من إيهام الذم، وإنما يحسن بالمزاوجة"، وهو وجه أيضاً.
الجوهري: "المكر: الاحتيال والخديعة، وقد مكر به يمكر فهو ماكر ومكار".
وقال الراغب: "المكر: صرف الغير عما يقصده بحيلة، وذلك ضربان: مكر محمود؛ وهو أن يُتحرى بذلك فعل جميل، وعلى ذلك قال: (وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)، ومذموم؛ وهو أن يُتحرى به فعل قبيح، قال: (وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ) [فاطر: ٤٣]. وقال بعضهم: من مكر الله تعالى إمهال العبد وتمكينه من أعراض الدنيا، ولذلك قال علي ﵁: من وسع عليه دنياه، ولمي علم أنه مكر به، فهو مخدوع في عقله".
قوله: (نفاجة منهم)، الأساس: "نفجت الريح: جاءت بقوة، وريح نافجة، ومن المجاز: فلان نفاج، وسمعت من يقول: فيه نفاجة".
الجوهري: "رجل نفاج: إذا كان صاحب فخر وكبر، عن ابن السكيت".
قوله: (وصلف تحت الراعدة)، الأساس: "ومن المجاز: صلفت السحابة: قل مطرها. وفي المثل: رب صلف تحت الراعدة".
стр. 3230
فإنهم لم يتوانوا في مشيئتهم لو ساعدتهم الاستطاعة، وإلا فما منعهم، إن كانوا مستطيعين، أن يشاؤوا غلبة من تحدّاهم وقرعهم بالعجز، حتى يفوزوا بالقدح المعلى دونه؟ مع فرط أنفتهم، واستنكافهم أن يغلبوا في باب البيان خاصة، وأن يماتنهم واحد، فيتعللوا بامتناع المشيئة، ........
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الميداني: "الصلف: قلة النزل والخير، والراعدة: السحابة ذات الرعد"، يُضرب في الرجل يتوعد، ثم لا يقوم به. وفي الحواشي: يضرب لمن يكثر الكلام ولا خير عنده.
قوله: (وإلا فما منعهم): أي: وإن لم يكن نفاجة فما منعهم عن أن يشاؤوا غلبة من تحداهم حتى يفوزوا بالقدح المعلى دون رسول الله ﷺ ؟ فقوله: "إن كانوا مستطيعين" شرط جزاؤه ما دل عليه "ما منعهم"، والجملة الشرطية معترضة، و"أن يشاؤوا" مفعول "منعهم"، و"قرعهم" عطف على "تحداهم"، و"حتى يفوزوا" غاية "أن يشاؤوا"، و"مع فرط أنفتهم" حال من مفعول "منعهم"، أي: فما منعهم مع أنفتهم ونخوتهم المفرطة، و"أن يماتنهم" عطف على "أن يغلبوا".
"فيتعللوا": قيل: هو جواب الاستفهام، والظاهر أنه عطف على "يماتنهم"، أي: استنكفوا أن يطلبوا بالمماتنة، فيتعللا فيها بامتناع المشيئة، لأنهم ما كانوا مستنكفين عن مجرد المماتنة، فكيف ودأبهم المفاخرة والمساجلة، ورثوها كابراً عن كابر؟ كما قال: "إن أتاهم أحد بمفخرة أتوه بمفاخر، وإن رماهم بمأثرة رموه بمآثر"، حتى نزل فيهم: (أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ *حَتَّى زُرْتُمْ الْمَقَابِرَ) [التكاثر: ١ - ٢].
قوله: (أن يماتنهم)، الأساس: "في رأيه متانة، وماتنه في الشعر: عارضه، وتماتناً، وتعال أماتنك أينا أمتن شعراً، وبينهما مماتنة: معارضة في كل أمر ومباراة".
стр. 3231
ومع ما علم وظهر ظهور الشمس من حرصهم على أن يقهروا رسول الله ﷺ ، وتهالكهم على أن يغمروه!
وقيل: قائله النضر بن الحرث المقتول صبراً، حين سمع اقتصاص الله أحاديث القرون: لو شئت لقلت مثل هذا. وهو الذي جاء من بلاد فارس بنسخة حديث رستم وإسفنديار، فزعم أن هذا مثل ذاك، وأنه من جملة تلك الأساطير، وهو القائل: (إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ) وهذا أسلوب من الجحود بليغ، .......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (على أن يغمروه)، الجوهري: "الغمر: الماء الكثير، وقد غمره الماء يغمره، أي: علاه، ومنه قيل للرجل: غمره القوم: إذا علوه شرفاً".
قوله: (المقتول صبراً)، الجوهري: "يقال: قُتل فلان صبراً، وحلف صبراً: إذا حُبس على القتل حتى يُقتل، أو على اليمين حتى يحلف". قتل النبي ﷺ النضر بن الحارث صبراً، وكان يتأذى منه، قال المرزوقي: [قالت] قتيلة ابنته لما جاءت إلى حضرة النبي ﷺ ، وأنشدته أبياتاً منها:
ظلت سيوف بني أبيه تنوشه … لله أرام هناك تشقق
أمحمد ولأنت نجل نجيبة … من قومها والفحل فحل معرق
ما كان ضرك لو مننت وربما … من الفتى وهو المغيظ المحنق
فالنضر أقرب من أصبت وسيلة … وأحقهم إن كان عتق يعتق
فرق لها النبي ﷺ وبكى، وقال: "لو جئتني من قبل لعفوت عنه"، ثم قال: "لا يُقتل قرشي بعد هذا صبراً".
قوله: (أسلوب من الجحود بليغ): وهو من أسلوب قوله تعالى: (وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا) [البقرة: ٢٣]، والكلام مع المرتابين، وهذا لا يُصار إليه إلا فيما ظهر خلافه ظهوراً
стр. 3232
يعني: إن كان القرآن هو الحق، فعاقبنا على إنكاره بالسجيل، كما فعلت بأصحاب الفيل، أو بعذاب آخر. ومراده: نفى كونه حقاً، وإذا انتفى كونه حقا لم يستوجب منكره عذاباً فكان تعليق العذاب بكونه حقا مع اعتقاد أنه ليس بحق، كتعليقه بالمحال في قولك: إن كان الباطل حقا فأمطر علينا حجارة.
وقوله: (هُوَ الْحَقَّ) تهكم بما يقول على سبيل التخصيص والتعيين: هذا هو الحق. وقرأ الأعمش: "هو الحق" بالرفع، على أن (هُوَ) مبتدأ غير فصل، و (هو) في القراءة الأولى فصل.
ويقال: أمطرت السماء؛ كقولك: أثجمت وأسبلت،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جلياً، فيفرض كما تفرض المحالات، وإليه الإشارة بقوله: "إن كان الباطل حقاً فأمطر علينا حجارة"، فهو من الكناية الإيمائية، ولهذا قال: "وإذا انتفى كونه حقاً لم يستوجب منكره عذاباً".
قوله: (على سبيل التخصيص والتعيين): أما التخصيص فمن تعريف الخبر وتوسيط ضمير الفصل، وأما التعيين فمن اسم الإشارة، كقوله:
هذا أبو الصقر فرداً في محاسنه
قوله: (أثجمت)، الجوهري: "أثجم المطر: إذا كثر ودام"، و"أسبل: إذا هطل"، و"هتن المطر
стр. 3233
ومطرت؛ كقولك: هتنت وهتلت، وقد كثر الأمطار في معنى العذاب.
فإن قلت: ما فائدة قوله: (مِنَ السَّماءِ)، والأمطار لا يكون إلا منها؟ قلت: كأنه أريد أن يقال: فأمطر علينا السجيل، وهي الحجارة المسوّمة للعذاب، فوضع (حِجارَةً مِنَ السَّماءِ) موضع السجيل، كما تقول: صب عليه مسرودة من حديد، تريد درعاً.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يهتن هتناً وهتوناً وتهتاناً: قطر، والتهتان: مطر ساعة يفتر ثم يعود"، وكذلك التهتال.
قوله: (موضع السجيل): أي: وُضع هذا اللفظ موضع ذلك اللفظ؛ زيادة للبيان وتصويراً للمسمى، كما يعبر عن الشيء بمعناه، فتقول في الكناية عن الإنسان: حي مستوى القامة عريض الأظفار. وأصل الكلام: فأمطر علينا السجيل، وهي الحجارة المسومة للعذاب المنزلة من السماء، فوضع قوله: (حِجَارَةً مِنْ السَّمَاءِ) موضعه. قال في قوله تعالى: (وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ) [القمر: ١٣]: "أراد السفينة، وهي من الصفات التي تقوم مقام الموصوفات فتنوب منابها، وتؤدي مؤداها، بحيث لا يفصل بينها وبينها"، فلا يكون هذا استعارة كما ظُن، فضلاً عن أن يكون تجريداً لها، ولكن لفظة (فَأَمْطِرْ) مستعارة لـ "أنزل"، سواء قلت: حجارة من السماء أو سجيلاً، لأنها لا تستعمل حقيقة إلا في الغيث.
قوله: (صب عليه مسرودة): سرد الدرع نسجها، وهو أن يداخل الحلق بعضها في بعض، والمسرودة: الدرع المثقوبة، وكذا لا فرق بين قولك: "مسرودة من حديد"، وبين قولك: "درعاً"، إلا ما سبق.
стр. 3234
(بِعَذابٍ أَلِيمٍ) أي: بنوع آخر من جنس العذاب الأليم، يعنى أن أمطار السجيل بعض العذاب الأليم، فعذبنا به أو بنوع آخر من أنواعه.
وعن معاوية: أنه قال لرجل من سََبأ: ما أجهل قومك حين ملكوا عليهم امرأة! قال: أجهل من قومي قومك، قالوا لرسول الله ﷺ حين دعاهم إلى الحق: إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً، ولم يقولوا: إن كان هذا هو الحق فأهدنا له.
اللام لتأكيد النفي، والدلالة على أنّ تعذيبهم وأنت بين أظهرهم غير مستقيم في الحكمة، لأن عادة الله وقضية حكمته أن لا يعذب قوما عذاب استئصال ......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال صاحب "التخمير": "اعلم أن الموصوف في مثل قوله: "وعليهما مسرودتان قضاهما داود"، وفي قوله تعالى: (وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ) [الصافات: ٤٨] مطروح، والجمع بينه وبين هذه الصفة قبيح؛ إذ لو قلت: عليهما درعان مسرودتان قضاهما داود، كان مستقبحاً، لأنه من المعلوم أن "مسرودتين قضاهما داود" لا يكونان إلا درعين، وأن "قاصرات الطرف عين" لم يكن إلا حوراً".
قوله: (أي: بنوع آخر من جنس العذاب الأليم): يعني: عطف (أَوْ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) على (فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنْ السَّمَاءِ) عطف الجنس على النوع، فخص بالعطف الجنس، فتناول بعضاً آخر عن ما سبق، أي: ائتنا بعذاب أليم سواه، فهذا من باب عطف العام الذي خُص بالعطف.
стр. 3235
ما دام نبيهم بين أظهرهم، وفيه إشعار بأنهم مرصدون بالعذاب إذا هاجر عنهم، والدليل على هذا الإشعار قوله: (وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ) وإنما يصح هذا بعد إثبات التعذيب، كأنه قال: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم، وهو معذبهم إذا فارقتهم، وما لهم أن لا يعذبهم.
(وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) في موضع الحال، ومعناه: نفى الاستغفار عنهم، أي: ولو كانوا ممن يؤمن ويستغفر من الكفر لما عذبهم، كقوله: (وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون) [هود: ١١٧]، ولكنهم لا يؤمنون ولا يستغفرون، ولا يتوقع ذلك منهم.
وقيل: معناه: وما كان الله معذبهم وفيهم من يستغفر، وهم المسلمون بين أظهرّهم ممن تخلف عن رسول الله ﷺ من المستضعفين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ومعناه: نفي الاستغفار عنهم): يعني: ليست هذه القرينة كالقرينة الأولى إلا في انتفاء العذاب لوجود الاستغفار، كانتفائه لوجود الرسول ﷺ فيهم، لاقترانها بها؛ إذ المعنى: استحقاق العذاب يدل على عدم الاستغفار، إذ لو استغفروه ما استحقوه، وهو نوع من الكناية. ونظيره: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) [هود: ١١٧]، يعني: إهلاكهم دليل على إفسادهم، إذ لو أصلحوا ما أهلكهم، لأن الله ليس بظلام للعبيد.
انظر إلى مرتبة الاستغفار وعظم موقعه، كيف قُرن حصوله مع وجود سيد البشر في استدفاع البلاء؟
روينا عن أبي داود عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجاً، ومن كل هم فرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب".
قوله: (وقيل: معناه): هذا الوجه أبلغ من الأول؛ لما دل على أن استغفار الغير مما يدفع به العذاب عن أمثال أولئك الكفرة.
стр. 3236
(وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ): وأي شيء لهم في انتفاء العذاب عنهم؟ يعنى:
لاحظّ لهم في ذلك، وهم معذبون لا محالة، وكيف لا يعذبون وحالهم أنهم يصدّون عن المسجد الحرام، كما صدّوا رسول الله ﷺ عام الحديبية؟ ! وإخراجهم رسول الله ﷺ والمؤمنين من الصدّ، وكانوا يقولون: نحن ولاة البيت والحرم، فنصدّ من نشاء، وندخل من نشاء.
(وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ): وما استحقوا مع إشراكهم وعداوتهم للدين أن يكونوا ولاة أمره وأربابه، (إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ) من المسلمين، ليس كل مسلم أيضاً ممن يصلح لأن يلي أمره، إنما يستأهل ولايته من كان براً تقياً، فكيف بالكفرة عبدة الأصنام؟ ! (وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) كأنه استثنى من كان يعلم وهو يعاند ويطلب الرياسة، أو أراد بالأكثر: الجميع، كما يراد بالقلة: العدم.
[(وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ) ٣٥]
المكاء: فعال، بوزن الثغاء والرغاء، من: مكا يمكو: إذا صفر، ومنه المكاء، كأنه سمي بذلك لكثرة مكائه، .........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ.
قوله: (وإخراجُهم): مبتدأ، والخبر "من الصد"، قيل: هو عطف على "كما صدوا" من حيث المعنى، والظاهر أنه جملة مستطردة، يعني: أنهم كانوا يصدون صداً حقيقياً وغير حقيقي، لأن إخراجهم رسول الله ﷺ من مكة حين هاجر ملحق بالصد.
قوله: (ليس كل مسلم ممن يصلح): يعني: في تخصيص ذكر "المتقين"، والعدول إلى "المؤمنين": إشارة إلى الإيغال والمبالغة.
قوله: (ومنه المُكاء)، الجوهري: "المُكاء - بالمد والتشديد- طائر، والجمع: المكاكي، وبالتخفيف: الصفير".
стр. 3237
وأصله الصفة، نحو: الوضاء والفراء، وقرئ: "مكا" بالقصر، ونظيرهما: البكى والبكاء.
والتصدية: التصفيق؛ تفعلة من الصدى، أو من: صدَّ يصدّ، بمعنى: صاح (إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ) [الزخرف: ٥٧]،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والقراء): أي: المتنسكون. الأساس: "قارئ وقراء: ناسك، أي: عابد". الجوهري: "وقد تقرأ: تنسك، والجمع القراؤون".
قوله: (البُكى والبُكاء)، الجوهري: "إذا مددت أردت الصوت مع البكاء، وإذا قصرت أردت الدموع وخروجها".
قوله: (تفعلة من الصدى)، الراغب: "الصدى: صوت يرجع من كل مكان صقيل، والتصدية: كل صوت يجري مجرى الصدى في أن لا غناء فيه. وقوله تعالى: (وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً) أي غناء ما يوردونه غناء الصدى ومكاء الطير".
قوله: (أو من: صد يصد)، الجوهري: صد يصد- بالضم والكسر - ضج، فالتصدية على هذا من إبدال أحد حرفي التضعيف، كقولهم: تقضي البازي، ووجه ربط هذه الآية هو أنه تعالى لما علل التعذيب بقوله: (يَصُدُّونَ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) [الأنفال: ٣٤]، عطف
стр. 3238
وقرأ الأعمش: "وما كان صلاتهم"، بالنصب على تقديم خبر (كان) على اسمه. فإن قلت: ما وجه هذا الكلام؟ قلت: هو نحو من قوله:
وَمَا كُنْتُ أخْشَى أنْ يَكُونَ عَطَاؤُهُ … أدَاهِمَ سُوداً أوْ مُحَدْرَجَةً سُمْرَا
والمعنى: أنه وضع القيود والسياط موضع العطاء، ووضعوا المكاء والتصدية موضع الصلاة، وذلك أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة؛ .........
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً) على (وَهُمْ يَصُدُّونَ) لأنه نوع من الصد، وقوله: (إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ) معترضة، وقوله: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) يجوز أن يتعلق بالمعترضة وبما قبلها.
قوله: (على تقديم خبر (كان) على اسمه): فيلزم أن يكون الخبر معرفة والاسم نكرة، ذهب صاحب "المفتاح" إلى أنه من باب القلب، وقال ابن جني: "إن نكرة الجنس تفيد مفاد معرفته، فإنك لو قلت: خرجت فإذا أسد بالباب، أو: إذا الأسد بالباب، لم تجد الفرق بينهما، لأنك لا تريد بالصورتين أسداً معيناً، فكأنه تعالى قال: ما كان صلاتهم عند البيت إلا المُكاء والتصدية، أي: هذا الجنس نم الفعل، ولم يجر هذا مجرى: كان قائم أخاك، وكان جالس أباك، لأنه ليس في "قائم" و"جالس" معنى الجنسية التي تلاقي معيناً نكرتها ومعرفتها على ما قدمناه".
قوله: (وما كنت أخشى): "أخشى"، أي: أعلم، و"أداهم": جمع أدهم، وهو القيد، و"المحدرجة" بالحاء المهملة: السياط المفتولة من الجلود، "يُقال: حدرجه، أي: فتله وأحكمه". كذا ذكره الجوهري.
قوله: (وضعوا المكاء والتصدية موضع الصلاة): وهو من أسلوب قولهم في التهكم:
стр. 3239
الرجال والنساء، وهم مشبكون بين أصابعهم، يصفرون فيها ويصفقون، وكانوا يفعلون نحو ذلك إذا قرأ رسول الله ﷺ ؛ في صلاته يخلطون عليه.
(فَذُوقُوا) عذاب القتل والأسر يوم بدر، بسبب كفركم وأفعالكم التي لا يقدم عليها إلا الكفرة.
[(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ* لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ) ٣٦ - ٣٧]
قيل: نزلت في المطعمين يوم بدر، كان يطعم كل واحد منهم كلّ يوم عشر جزائر.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تحية بينهم ضرب وجيع
قوله: (وهم مشبكون بين أصابعهم): الأصمعي: قلت لمنتجع بن نبهان: ما يكون؟ فشبك بين أصابعه، ثم وضعها على فمه ونفخ.
قوله: (عشر جزائر)، النهاية: "الجزور: البعير ذكراً كان أو أنثى، إلا أن اللفظ مؤنثة، تقول: هذه الجزور، وإن أردت ذكراً. والجمع: جزر وجزائر".
стр. 3240
وقيل: قالوا لكل من كان له تجارة في العير: أعينوا بهذا المال على حرب محمد، لعلنا ندرك منه ثأرنا بما أصيب منا ببدر، وقيل: نزلت في أبى سفيان، وقد استأجر ليوم أحد ألفين من الأحابيش سوى من استجاش من العرب، وأنفق عليهم أربعين أوقية، والأوقية: اثنان وأربعون مثقالا.
(لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) أي كان غرضهم في الإنفاق الصدّ عن أتباع محمد، وهو سبيل الله، وإن لم يكن عندهم كذلك، (ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً) أي تكون عاقبة إنفاقها ندماً وحسرة، فكأنّ ذاتها تصير ندما وتنقلب حسرة، (ثُمَّ يُغْلَبُونَ) آخر الأمر، .........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ.
قوله: (الأحابيش)، الأساس: "هم فرق مختلفة من قبائل شتى حلفاء لقريش، تحالفوا عند جبل يسمى: حبيشاً، ويقال: عندي أحبوش منهم، أي: جماعة".
قوله: (وإن لم يكن عندهم كذلك): يعني: قيل: (لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ)، وإن لم يكونوا يعتقدون أن الذي يحاولونه صد عن سبيل الله، بل اعتقدوا أنه صد عن اتباع النبي ﷺ ، وفائدته التنبيه على غباوتهم وجهلهم، يعني: صدهم عن اتباع النبي ﷺ هو صد عن سبيل الله، وأنهم غافلون عنه، واللام في (ليَصُدُّوا) لام الصيرورة.
قوله: (فكأن ذاتها): يعني: الظاهر أن يُقال: ثم تكون عاقبة إنفاقها حسرة، فأنث الفعل ليعود الراجع إلى الأموال، فتصير نفس الأموال حسرة، مبالغة.
قوله: (وتنقلب حسرة): أي: الأموال أو النفقة، وتحقيق المعنى أن قوله: (فَسَيُنفِقُونَهَا) جواب عما تتضمنه الموصولة مع صلتها من معنى الشرط، كما في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ) [البروج: ١٠].
стр. 3241
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
و(يُنفِقُونَ) إما حال أو بدل من (كَفَرُوا) أو عطف بيان، وفي تضمن الجزاء من معنى الإعلام والإخبار: التوبيخ على الإنفاق والإنكار عليه، كما في قوله: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْ اللَّهِ) [النحل: ٥٣]، وفي تكرير الإنفاق في الشرط والجزاء: الدلالة على كمال سوء الإنفاق، كما في قوله تعالى: (إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلْ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ) [آل عمران: ١٩٢]، وقوله: من أدر الصمان فقد أدرك المرعى.
وتلخيص المعنى: أن الذين ينفقون أموالهم لإطفاء نور الله، والصد عن متابعة رسول الله ﷺ ، فسيعلمون عن قريب سوء مغبة تلك الإنفاق وانقلابها إلى حسرة ما أبعدها من الحسرات، ثم المآل إلى القتل والأسر في الدنيا، والخزي والنكال في العقبى ما أفصحها من آية!
قال القاضي: "الأول: إخبار عن إنفاقهم في تلك الحال وهو إنفاق بدر، والثاني: إخبار عن إنفاقهم فيما يستقبل وهو إنفاق أحد، ويحتمل أن يراد بالإنفاقين واحد، على أن مساق الإنفاق الأول لبيان غرض الإنفاق، ومساق الثاني لبيان عاقبته". وقال الإمام في معنى قوله تعالى: (فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً): "سيقع هذا الإنفاق وتكون عاقبته الخسران والحسرة، لأنه يُذهب المال، ولا يحصل المقصود، بل يصيرون مغلوبين في آخر الأمر".
стр. 3242
وإن كانت الحرب بينهم وبين المؤمنين سجالاً قبل ذلك، فيرجعون طلقاء، (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي) [المجادلة: ٢١]، (وَالَّذِينَ كَفَرُوا): والكافرون منهم (إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ) لأنّ منهم من أسلم وحسن إسلامه.
(لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ) الفريق الخبيث من الكفار (مِنَ) الفريق (الطَّيِّبِ) من المؤمنين، فيجعل الفريق (الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً) عبارة عن الجمع والضم، حتى يتراكبوا، كقوله: (كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً) [الجن: ١٩]، يعنى: لفرط ازدحامهم (أُولئِكَ) إشارة إلى الفريق الخبيث.
وقيل: ليميز المال الخبيث الذي أنفقه المشركون في عداوة رسول الله ﷺ من المال الطيب الذي أنفقه المسلمون، كأبي بكر وعثمان ﵄ في نصرته، (فَيَرْكُمَهُ) فيجعله (في جهنم): في جملة ما يعذّبون به، كقوله: (فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ) الآية [التوبة: ٣٥]، واللام على هذا متعلقة بقوله: (ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً)، وعلى الأوّل بـ (يحشرون)، و (أولئك) إشارة إلى (والذين كفروا).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (سجالاً)، النهاية: "هو من قول أبي سفيان: "والحرب بيننا سجال"، أي: مرة لنا ومرة علينا".
قوله: (فيرجعون طلقاء)، النهاية: "واحده: طليقن فعيل بمعنى: مفعول، وهو الأسير إذا أطلق سبيله"، والطلقاء: هم الذين خُلي عنهم يوم فتح مكة.
قوله: (واللام على هذا متعلقة بقوله: (ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً)، وعلى الأول بـ (يُحْشَرُونَ)): وذلك أن الخبيث والطيب على الأول وصف الأشخاص، فالمناسب أن يكون المعلل ما يُعلم من قوله: (إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ)، والمشار إليه بقوله:
стр. 3243
وقرئ: (ليميز) على التخفيف.
[(قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ) ٣٨]
(قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا) من أبى سفيان وأصحابه، أي: قل لأجلهم هذا القول، وهو (إِنْ يَنْتَهُوا)، ولو كان بمعنى: خاطبهم به، لقيل: إن تنتهوا يغفر لكم، وهي قراءة ابن مسعود، ونحوه:
(وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ ءامَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ) [الأحقاب: ١١]، خاطبوا به غيرهم لأجلهم ليسمعوه، أي إن ينتهوا عمَّاهم عليه من عداوة رسول الله ﷺ وقتاله؛ بالدخول في الإسلام (يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ) لهم من العداوة، (وَإِنْ يَعُودُوا) لقتاله، (فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ) .........
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(أُوْلَئِكَ): الفريق الخبيث، ولذلك قال: "ليميز الله الفريق الخبيث"، والفريق الخبيث: هم الخاسرون. وعلى الثاني: المراد من الخبيث والطيب: المال، فالمناسب أن يكون المعلل قوله: (ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً)، لأن الضمير فيه للأموال، وليس إذن المشار إليه القريب سوى قوله: (َالَّذِينَ كَفَرُوا)، والظاهر أن يكون تعليلاً لـ (يُحْشَرُونَ) فيدخل فيه أيضاً معنى الحسرة، وذلك أنه تعالى لما بين أن إنفاقهم في الصد، أثمر لهم الحسرة والمغلوبية في الدنيا، ضم إليهما حُكم ما يلحقهم في الآخرة، فعطف جملة قوله: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ) على جملة قوله: (يُغْلَبُونَ) يعني: في العاقبة يغلبون جميعاً، ثم بعضهم يسلمون وبعضهم يموتون على الكفر، أي: بعض الذين أنفقوا ليصدوا عن سبيل الله، ويحشرون ليميز الله الخبيث من الطيب مطلقاً.
ومعنى (أُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ): أولئك هم المخصوصون بالخسران الكامل، حيث خسروا الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين.
قوله: (وقرئ: (ليميز) على التخفيف): كلهم إلا حمزة والكسائي.
стр. 3244
منهم الذين حاق بهم مكرهم يوم بدر، أو: فقد مضت سنة الذين تحزّبوا على أنبيائهم من الأمم فدمّروا، فليتوقعوا مثل ذلك إن لم ينتهوا.
وقيل: معناه: أنّ الكفار إذا انتهوا عن الكفر وأسلموا غفر لهم ما قد سلف لهم من الكفر والمعاصي، وخرجوا منها، كما تنسلّ الشعرة من العجين، ومنه قوله عليه والسلام: "الإسلام يجب ما قبله"، وقالوا: الحربي إذا أسلم لم يبق عليه تبعة قط، وأما الذمي فلا يلزمه قضاء حقوق الله تعالى، وتبقى عليه حقوق الآدميين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقيل: معناه: أن الكفار إذا انتهوا): عطف على قوله: " (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا) من أبي سفيان وأصحابه"، والقول الأول تهديد لكفار قريش المرادين بقوله: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ) وهو نفقتهم يوم أحد، والموصولة مع صلتها مُظهر وُضع موضع المضمر، وهو على وجهين:
أحدهما: أن يحمل التعريف في الأولين على العهد، وهو المراد من قوله: "الذين حاق بهم مكرهم يوم بدر"، أو على الجنس ليدخلوا فيه دخولاً أولياً، وهو الذي أراده بقوله: "أو الذين تحزبوا على أنبيائهم".
والقول الثاني- أي: قوله: "وقيل: معناه الكفار"- ترغيب في الدخول في الإيمان وحث عليه، وهي عامة. ومعناه ما قاله الإمام: إذا انتهوا عن الكفر لهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين، وإن عادوا إلى الكفر فقد رجع التسلط والقهر.
وقلت: على هذا لا يحسن التقابل بين قوله: (إِنْ يَنتَهُوا) وبين قوله: (وَإِنْ يَعُودُوا) حسنه في الوجه الأول؛ لأن التقابل الظاهر: إن ينتهوا عن الكفر يكون كذا، وإن لم ينتهوا - أي: داموا عليه - يكون كذا، لأن العود الرجوع إلى ما كان.
قوله: (الإسلام يجب ما قبله): روينا عن مسلم عن عمرو بن العاص: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 3245
وبه احتجّ أبو حنيفة ﵁ في أنّ المرتدَّ إذا أسلم لم يلزمه قضاء العبادات المتروكة في حال الردّة وقبلها، وفسر (وَإِنْ يَعُودُوا) بالارتداد.
وقرئ: "يُغْفَرْ لَهُمْ"، على أن الضمير لله .
[(وَقتِلُوهُم حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلكُمْ نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ) ٣٩ - ٤٠]
(وَقتِلوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ): إلى أن لا يوجد فيهم شرك قط، (وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ): ويضمحل عنهم كل دين باطل، ويبقى فيهم دين الإسلام وحده، (فَإِنِ انْتَهَوْا) عن الكفر وأسلموا (فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) يثيبهم على توبتهم وإسلامهم.
وقرئ: "تعملون" بالتاء، فيكون المعنى: فإن الله بما تعملون من الجهاد في سبيله، والدعوة إلى دينه، والإخراج من ظلمة الكفر إلى نور الإسلام .........
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فقلت: ابسُط يمينك لأبايعك، فبسط يمينه، قال: فقبضت يدي، فقال: "ما لك يا عمرو؟ ! " قلت: أردت أن أشترط، قال: "تشترط ماذا؟ " قال: قلتُ: أن يُغفر لي، قال: "أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله"، الحديث.
قوله: "يجب" أي: يقطع. الجوهري: "المجبوب: المقطوع".
قوله: (وقُرئ: تعملون) بالتاء الفوقانية في الشذوذ، والمعنى على هذه القراءة: قاتلوهم حتى لا تكون فتنة، فإن انتهوا عن الشرك، فإن الله يجازيكم بما تعملون من الجهاد في سبيله، فإن لم ينتهوا وتولوا فلا تتوانوا في الجهاد، لأن الله ناصركم ومعينكم.
وعلى المشهورة: فإن انتهوا فإن الله يثيبهم على توبتهم وإسلامهم، وإن لم ينتهوا فإن الله ينصر أعداءهم عليهم، وهم أولياء الدين، حتى يقهروهم.
стр. 3246
(بَصِيرٌ) يجازيكم عليه أحسن الجزاء.
(وَإِنْ تَوَلَّوْا) ولم ينتهوا، (فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلكُمْ) أي: ناصركم ومعينكم، فثقوا بولايته ونصرته.
[(وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى والْيَتَامَى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ٤١]
(أَنَّما غَنِمْتُمْ): "ما" موصولة، (ومِنْ شَيْءٍ) بيانه، قيل: من شيء حتى الخيط والمخيط، (فَأَنَّ لِلَّهِ) مبتدأ خبره محذوف، تقديره: فحق-، أو: فواجب- أن الله خمسه، وروى الجعفي عن أبى عمرو: "فإن الله" بالكسر، .......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
واعلم أن هذه خاتمة شريفة في أمر الجهاد، ولذلك كانت تخلصاً إلى ذكر ما بُدئت السورة به من حديث الغنائم وقسمتها.
قوله: (ما: موصولة، و (مِنْ شَيْءٍ) بيانه): قال أبو البقاء: "ما" بمعنى "الذي"، والعائد محذوف، و (مِنْ شَيْءٍ) حال من المحذوف، أي: ما غنمتموه قليلاً وكثيراً".
قوله ((فَإِنَّ لِلَّهِ) مبتدأ، خبره محذوف): قال أبو البقاء: "الفاء دخلت في خبر "ما" بمعنى: الذي، لما فيها من معنى المجازاة، و"أن" وما عملت فيه في موضع رفع خبر مبتدأ محذوف، أي: فالحكم أن لله خمسه، وقيل: ويجوز أن تكون "ما" مصدرية، والمصدر بمعنى المفعول، أي: واعلموا أن غنيمتكم، أي: مغنومكم".
قوله: ("فإن لله" بالكسر): في "فإن"، قال أبو البقاء: "فعلى هذا تكون "إنَّ" وما عملت فيه مبتدأ وخبراً، في موضع خبر المبتدأ".
стр. 3247
ويقويه قراءة النخعي: "فلله خمسه". والمشهورة آكد وأثبت للإيجاب، كأنه قيل: فلا بد من ثبات الخمس فيه، لا سبيل إلى الإخلال به والتفريط فيه، من حيث إنه إذا حذف الخبر واحتمل غير واحد من المقدرات، كقولك: ثابت، واجب، حق لازم، وما أشبه ذلك، كان أقوى لإيجابه من النص على واحد. وقرئ: "خمسه بالسكون.
فإن قلت: كيف قسمة الخمس؟ قلت: عند أبي حنيفة ﵁: أنها كانت في عهد رسول الله ﷺ على خمسة أسهم: سهم لرسول الله ﷺ ، وسهم لذوي قرباء من بني هاشم وبني المطلب، دون بني عبد شمس وبني نوفل، استحقوه حينئذ بالنصرة والمظاهرة، لما روى عن عثمان وجبير بن مطعم: أنهما قالا لرسول الله ﷺ :
"هؤلاء إخوتك بنو هاشم، لا ننكر فضلهم لمكانك الذي جعلك الله منهم، أرأيت إخواننا بني المطلب أعطيتهم وحرمتنا، وإنما نحن وهم بمنزلة واحدة! "، .........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (إذا حُذف الخبر واحتمل غير واحد) إلى قوله: (كان أقوى لإيجابه من النص على واحد): قال صاحب "التقريب": هذا مُعارض بلزوم الإجمال. والجواب: إن أريد بالإجمال ما يحتمل الواجب والندب والإباحة فالمقام يأبى إلا الوجوب، وإن أريد به ما ذكره من قوله: "واجبن حق، لازم، ثابت"، فالتعميم يوجب التفخيم والتهويل من شدتها.
قوله: (لما رُوي عن عثمان ﵁ وجبير) الحديث: أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه مع اختلاف فيه.
قوله: (وإنما نحن وهُم بمنزلة واحدة): وذلك أن هاشماً والمطلب وعبد شمس ونوفلاً
стр. 3248
فقال ﵇: "إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام، إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد"، وشبك بين أصابعه. وثلاثة أسهم: لليتامى والمساكين وابن السبيل.
وأمّا بعد رسول الله ﷺ : فسهمه ساقط بموته، وكذلك سهم ذوى القربى، وإنما يعطون لفقرهم، فهم أسوة سائر الفقراء، ولا يعطى أغنياؤهم فيقسم على اليتامى والمساكين وابن السبيل.
وأمّا عند الشافعي ﵀: فيقسم على خمسة أسهم: سهم لرسول الله ﷺ ، يصرف إلى ما كان يصرفه إليه من مصالح المسلمين، كعدّة الغزاة من السلاح ونحو ذلك، وسهم لذوي القربى من أغنيائهم وفقرائهم، يقسم بينهم الذكر مثل حظ الأنثيين، والباقي للفرق الثلاث.
وعند مالك ابن أنس ﵀: الأمر فيه مفوّض إلى اجتهاد الإمام إن رأى قسمه بين هؤلاء، وإن رأى أعطاه بعضهم دون بعض، وإن رأى غيرهم أولى وأهم فغيرهم. فإن قلت: ما معنى ذكر الله وعطف الرسول وغيره عليه؟ قلت: يحتمل أن يكون معنى (لله … وللرسول):
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ.
أولادُ عبد مناف، ونسبة رسول الله ﷺ مع هؤلاء تنتهي إلى عبد مناف؛ هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، صلوات الله وسلامه عليه، وأما عثمان ﵁: فهو ابن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وأما جُبير: فهو ابن مطعم ابن عدي بن نوفل بن عبد مناف.
قوله: (من الكُراع): أي: الخيل. الأساس: "ومن المجاز: احبس في سبيل الله الكراع، أي: الخيل".
стр. 3249
لرسول الله ﷺ ، كقوله (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ) [التوبة: ٦٢]، وأن يراد بذكره: إيجاب سهم سادس يصرف إلى وجه من وجوه القرب، وأن يراد بقوله: (فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ): أن من حق الخمس أن يكون متقرّبا به إليه لا غير. ثم خص من وجوه القرب هذه الخمسة؛ تفضيلاً لها على غيرها، كقوله تعالى (وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ) [البقرة: ٩٨].
فعلى الاحتمال الأول: مذهب الإمامين، وعلى الثاني: ما قال أبو العالية: أنه يقسم على ستة أسهم: سهم لله تعالى ........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (إن من حق الخمس أن يكون متقرباً به إليه لا غير): الفرق بين هذا الوجه والثاني: أن على الثاني الأصل إيجاب التسوية بين هؤلاء المذكورين وبين حق الله، وعلى هذا لا تجب المساواة؛ لأن الخمس ثابت لله، وهؤلاء اختصوا بالذكر لمزيد الشرف، فالمصالح هي التي أوجب لهم ذلك، فيقسم عليهم وعلى غيرهم بالاجتهاد.
قال الزجاج: "مذهب مالك في هذا الخُمس أنه إنما ذكر هؤلاء لأنه من أهم من هو يدفع إليهم، فيجيز أن يُقسم بينهم، ويجيز أن يعطي بعضاً دون بعض، ويُجيز أن يخرجهم من القسم إن كان أمر غيرهم أهم من أمرهم. وحجته أن ذكر هؤلاء إنما وقع للخصوص، كقوله تعالى: (وَمَلائِكَتُهُ … وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ) [البقرة: ٩٨]، فذكرهما لخصوصهما، ومنه قوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) [البقرة: ٢١٥]، فللرجل أن ينفق في البر على هذه الأصناف كيف شاء".
قال في "الانتصاف": "الأمر فيه موكول عند مالك إلى رأي الإمام يصرفه في مصالح المسلمين، والآية مطابقة له، والمراد منها بيان أن الخمس مصروف في وجوه القربات لله تعالىن وتخصيص ما ذُكر تنبيه على فضله".
стр. 3250
يُصرف إلى رتاج الكعبة، وعنه: " كان رسول الله ﷺ يأخذ الخمس، فيضرب بيده فيه، فيأخذ منه قبضة، فيجعلها للكعبة وهو سهم الله، ثم يقسم ما بقي على خمسة". وقيل: إن سهم الله تعالى لبيت المال، وعلى الثالث: مذهب مالك بن أنس.
وعن ابن عباس ﵁: أنه كان على ستة: لله وللرسول سهمان، وسهم لأقاربه حتى قبض، فأجرى أبو بكر الخمس على ثلاثة، وكذلك روى عن عمر ومن بعده من الخلفاء.
وروى: أنّ أبا بكر ﵁ منع بني هاشم الخمس، وقال: إنما لكم أن يعطى فقيركم، ويزوّج أيمكم، ويخدم من لا خادم له منكم، فأما الغني منكم فهو بمنزلة ابن سبيل غنىّ، لا يعطى من الصدقة شيئا، ولا يتيم موسر ........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (إلى رتاج الكعبة)، الجوهري: "الرتج - بالتحريك - الباب العظيم، وكذلك الرتاج، ومنه: رتاج الكعبة". النهاية: "جعل ماله في رتاج الكعبة، أي: لها، فكُني عنها بالباب، لأن منه يُدخل إليها"، وقيل: يُصرف إلى مصالح الكعبة من السدنة وغيرهم.
قوله: (فأما الغني منكم فهو بمنزلة ابن سبيل): يريد: أن "ذا القربى" في الآية، وإن كان مطلقاً ظاهراً، لكنه مقيد بقيد الفقر والاحتياج، لأنه مقترن بما يشترط فيه ذلك، لأن ابن السبيل إنما يُعطى لانقطاعه عن ماله، و"اليتامى" و"المساكين" على هذا عطف.
قوله: (ولا يتيم موسر): عطفٌ على الضمير المرفوع في قوله: "لا يُعطى من الصدقة شيئاً"، وإنما عُطف من غير تأكيد للفصل.
стр. 3251
وعن زيد بن علي ﵁ كذلك، قال: " ليس لنا أن نبنى منه قصوراً، ولا أن نركب منه البراذين".
وقيل: الخمس كله للقرابة، وعن على ﵁ أنه قيل له: إنّ الله تعالى قال: (وَالْيَتمى وَالْمَسكِينِ)؟ فقال: أيتامنا ومساكيننا.
وعن الحسن في سهم رسول الله ﷺ : أنه لولي الأمر من بعده.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال محيي السنة: "الكتاب ثم السنة يدلان على ثبوته للأغنياء منهم، والخلفاء بعد رسول الله ﷺ كانوا يعطونه، ولا يُفضل فقير على غني، والنبي ﷺ أعطى العباس بن عبد المطلب مع كثرة ماله، والشافعي ألحقه بالميراث الذي يُستحق باسم القرابة، فيعطى الرجل سهمين، والأنثى سهماً واحداً".
وقلت: وأما دلالة الكتاب: فلأنه تعالى عطف "ذا القربى" على الرسول ﷺ مُطلقاً من غير تقييد بالفقر، وأما "ابن السبيل واليتامى والمساكين" فمخصوص بالدليل، ولا يبعد أن يُجعل الاستحقاق بحسب مفهوم الألفاظ الخمسة.
وفي التنزيل من الأعلى إلى الأدنى: التنبيه على الاستحقاق بحسب الأولوية، وعلى أن المقصود من ذكر الله تعظيم رسول الله ﷺ ، كما ذهب إليه الإمامان الشافعي وأبو حنيفة ﵄، وأن العلة في الاستحقاق كونه ذا القربى، لا الاحتياج والفقر.
قوله: (البراذين): البرذون من الدابة: خلاف الجواد، الأساس: "وبرذن الجواد: صار برذوناً، قال القلاخ:
لله در جياد أنت سائسها … برذنتها وبها التحجيل والغرر
стр. 3252
وعن الكلبي: أنّ الآية نزلت ببدر. وقال الواقدي: كان الخمس في غزوة بني قينقاع بعد بدر بشهر وثلاثة أيام؛ للنصف من شوال، على رأس عشرين شهراً من الهجرة.
فإن قلت: بم تعلق قوله: (إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ)؟ قلت: بمحذوف يدل عليه (وَاعْلَمُوا)، المعنى: إن كنتم آمنتم بالله فاعلموا أنّ الخمس من الغنيمة يجب التقرب به، فاقطعوا عنه أطماعكم، واقتنعوا بالأخماس الأربعة، وليس المراد بالعلم: المجرّد، ولكنه العلم المضمن بالعمل، والطاعة لأمر الله؛ لأنّ العلم المجرّد يستوي فيه المؤمن والكافر.
(وَما أَنْزَلْنا) معطوف على (بِاللَّهِ) أي: إن كنتم آمنتم بالله وبالمنزل (عَلى عَبْدِنا)، وقرئ "عبدنا" كقوله: "وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ" [المائدة: ٦٠] بضمتين.
(يَوْمَ الْفُرْقانِ): يوم بدر، و (الْجَمْعانِ): الفريقان من المسلمين والكافرين، والمراد: ما أنزل عليه من الآيات والملائكة والفتح يومئذ، (وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ): يقدر على أن ينصر القليل على الكثير، والذليل على العزيز، كما فعل بكم ذلك اليوم ........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (بم تعلق قوله: (إِنْ كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ)؟ ) يعني: ما جزاؤه.
ولما كان في هذا الشرط - المُذيل به الكلام السابق - التأكيد؛ لما فيه من التكرير، وضُم معه قيد الإيمان: كان المراد من العلم العمل، وهو قطع الطمع بالكلية عن الخمس، والاقتناع بالأخماس الباقية.
قوله: (وقرئ: "عُبدنا") بالضم، أي: الرسول ﷺ وأصحابه.
قوله: (من الآيات والملائكة والفتح): يعني: لم يذكر مفعول "ما أنزل" ليشمل جميع ما يُناسب أن ينزل في ذلك المقام، ثم "الآيات" في قول المصنف أيضاً مطلقة، فيجوز أن يُراد بها ما ذهب إليه محيي السنة، قال: "وما أنزلنا على عبدنا؛ يعني قوله: (يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَنْفَالِ)، ويجوز أن يُراد بها الآيات الدالة على القدرة الباهرة، ويكون عطف "الملائكة
стр. 3253
[(إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ) ٤٢]
(إِذْ) بدل من (يوم الفرقان)، والعدوة: شط الوادي، بالكسر والضم والفتح، وقرئ بهنّ وبـ" العدية"، على قلب الواو ياء، لأنّ بينها وبين الكسرة حاجزاً غير حصين كما في الصبية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والفتح" من باب عطف (وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ) على (وَمَلائِكَتِهِ) [البقرة: ٩٨]، والذي يُشعر بالثاني قوله: (وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، وقراءة من قرأ: "عبدنا"، بالجمع.
وفي إبدال (يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ) من (يَوْمَ الْفُرْقَانِ) معنى التتميم، وأن المراد بالآيات القدرة، وفيه تصوير تلك الحالة الدالة على ضعف أحد الفريقين وقوة الآخر، وغلبة الضعيف على القوي بما أنزل الله من أسباب الفتح والنصرة، ولو قيل يوم بدر، لم يفد هذا المعنى، والذي يدل على التصوير إبدال قوله: (إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا) [الأنفال: ٤٢] ثم إبدال (وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذْ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ) [الأنفال: ٤٤].
قوله: (وقرئ بهن): ابن كثير وأبو عمرو: بالكسر، والباقون: بالضم، والفتح: شاذ، وكذلك "العدية" بالياء.
قوله: (غير حصين): يعني: بين الواو وبين الكسر وقع الدال، وهو ساكن، مانع غير قوي، نحو الباء الساكنة في "الصبية"، لأنها حاجزة غير حصين بين الكسرة والواو.
стр. 3254
و (الدنيا) و (القصوى): تأنيث "الأدنى" والأقصى". فإن قلت: كلتاهما "فعلى" من بنات الواو، فلم جاءت إحداهما بالياء، والثانية بالواو؟ قلت: القياس هو قلب الواو ياء كـ "العليا"، وأما (القصوى) فكـ "القود" في مجيئه على الأصل، وقد جاء "القصيا"، إلا أنّ استعمال "القصوى "أكثر، كما كثر استعمال "استصوب" مع مجيء "استصاب"، و"أغيلت" مع "أغالت"، والعدوة الدنيا: مما يلي المدينة، والقصوى: مما يلي مكة.
(وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ) يعنى الركب الأربعين الذين كانوا يقودون العير أسفل منكم بالساحل. و (أسفل) نصب على الظرف، معناه: مكانا أسفل من مكانكم، وهو مرفوع المحل، لأنه خبر المبتدأ ......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (القياس هو قلب الواو ياء كـ"العُليا"). فإن قلت: لا شك في وقوع (الدُّنْيَا) و (الْقُصْوَى) في الآية صفتين، لـ "العُدْوة"، فكيف الجمعُ بين هذا القول وبين ما في "المُفصَّل": "وفُعْلى: تُقلب واوها ياء [في الاسم] دون الصفة، فالاسم نحو: الدنيا والعليا والقضيا، وقد شذ: القصوى وحُزوى، والصفة قولك - إذا بنيت "فُعلى" من غزوت غُزوى"، صفة من (أفعلُ -فُعلى) لا يكاد يستعمل اسماً.
قلت: ذكر ابن جني: وإنما ذكر هذه- يعني: "الدنيا" و"القُضيا" - في موضع الأسماء، وأنَّ أصلها الصفة، فإن معنى "الدنيا" الدانية القريبة، و"القضيا" القاصية البعيدة، و"العُليا" بمعنى العالية، لأنها الآن قد ذُهبت بها مذهب السماء بتركهم إجراءها وصفاً في أكثر الأمر، واستعمالهم إياها استعمال الأسماء.
قوله: (كـ"القود"): يعني: القياس أن تُقلب واوها ألفاً كأشباهه، فتركوه على ما كان، كذلك "القصوى".
стр. 3255
فإن قلت: ما فائدة هذا التوقيت، وذكر مراكز الفريقين، وأن العير كانت أسفل منهم؟ قلت: الفائدة فيه الإخبار عن الحال الدالة على قوة شأن العدوّ وشوكته، وتكامل عدّته، وتمهد أسباب الغلبة له،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ما فائدة هذا التوقيت؟ ): أي: التعيين، يعني: حق الإخبار عن الشيء ألا يكون عند المخاطب، وكل هذه الأمور المذكورة كانت معلومة معينة، فما الفائدة في الذكر؟
وخلاصة الجواب: أن بعض الأخبار المُراد منه لازم الفائدة، وتخصيصه باقتضاء المقام، والمقام هاهنا بيان قدرة الله وتصوير صنعه العجيب الشأن، وهو نصرة الضعيف القليل مع فقدان الأسباب على القوى الكثير مع تهيؤ الأسباب، ولا يحصل هذا غلا بأن يحكي صورة الواقعة ما هي، لينتقل إلى لازمها.
فإن قلت: فأي فرق بين هذا اللازم وبين ما وقع في كلام صاحب "المفتاح": "وفائدة الخبر لما كانت هي الحكم أو لازم الحكم، وهو أنك تعلم الحكم أيضاً"؟ قلتُ: هذا على مقتضى الظاهر، فإن كلا من الأخبار أيا كان لا ينفك عن الفائدة ولازمها، كما قال: "والأولى بدون هذه تمتنع"، لكن رُبما جُعل ذلك ذريعة إلى التحسر والحرمان كقولها: (إِنِّي وَضَعْتُهَا
стр. 3256
وضعف شأن المسلمين، والتياث أمرهم، وأنّ غلبتهم في مثل هذه الحال ليست إلا صنعاً من الله، ودليلاً على أنّ ذلك أمر لم يتيسر إلا بحوله وقوّته وباهر قدرته،
وذلك أنّ العدوة القصوى التي أناخ بها المشركون كان فيها الماء، وكانت أرضاً لا بأس بها ولا ماء بالعدوة الدنيا، وهي خبار تسوخ فيها الأرجل،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أُنْثَى) [آل عمران: ٣٦]، أو الامتنان كقوله: (إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا)، أو إلى التهديد كقول للجاني: أنت الذي فعلت كذا، أو إظهار التحزن نحو قوله:
أنت الذي كلفتني دُلج السرى … وجون القطا بالجلهتين جثوم
قوله: (والتياث أمرهم)، الجوهري: "الالتياث: الاختلاط والالتفاف، يُقال: التاثت الخطوب، والتاث برأس القلم شعرة".
قوله: (وهي خبار)، الجوهري: "هي الأرض الرخوة ذات الجحرة"، فقوله: "تسوخ فيها الرجل ولا يمشى فيها إلا بتعب ومشقة" تفسير للخبار.
стр. 3257
ولا يمشى فيها إلا بتعب ومشقة، وكانت العير وراء ظهور العدوّ مع كثرة عددهم، فكانت الحماية دونها تضاعف حميتهم، وتشحذ في المقاتلة عنها نياتهم. ولهذا كانت العرب تخرج إلى الحرب بظعنهم وأموالهم، ليبعثهم الذب عن الحريم، والغيرة على الحرم على بذل جهيداهم في القتال، وأن لا يتركوا وراءهم ما يحدّثون أنفسهم بالانحياز إليه، فيجمع ذلك قلوبهم ويضبط هممهم ويوطن نفوسهم على أن لا يبرحوا مواطنهم، ولا يخلوا مراكزهم، ويبذلوا منتهى نجدتهم وقصارى شدّتهم.
وفيه تصوير ما دبر سبحانه من أمر وقعة بدر؛ ليقضى أمراً كان مفعولا؛ من إعزاز دينه وإعلاء كلمته، حين وعد المسلمين إحدى الطائفتين مبهمة غير مبينة، .........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وتشحذ في المقاتلة)، الجوهري: "شحذت السكين أشحذه شحذاً، أي: حددته، والمشحذ: المسن"، وهو من الاستعارة المكنية أو التبعية.
قوله: (على بذل جهيداهم)، الأساس: "بلغ جهده ومجهوده، أي: طاقته، ولا بلُغن جُهَيداي".
قوله: (منتهى نجدتهم)، الأساس: "نجد الرجل، ورجل نجد ونجيد، أي: شجاع".
قوله: (وفيه تصوير ما دبر الله): قيل: هو عطف على "فيه الإخبار عن الحال"، فيكون الجواب من وجهين. وقلت: بل هي واو الحال، أي: في التوقيت والإخبار عن الحال الدالة على قوة شأن العدو وضعف شأن المسلمين. وفي الإخبار على هذا النهج: إدماج تصوير ما
стр. 3258
حتى خرجوا ليأخذوا الغير راغبين في الخروج، وشخص بقريش مرعوبين مما بلغهم من تعرّض رسول الله ﷺ لأموالهم، حتى نفروا ليمنعوا عيرهم، وسبب الأسباب حتى أناخ هؤلاء بالعدوة الدنيا وهؤلاء بالعدوة القصوى ووراءهم العير يحامون عليها، حتى قامت الحرب على ساق، وكان ما كان.
(وَلَوْ تَواعَدْتُمْ) أنتم وأهل مكة، وتواضعتم بينكم على موعد تلتقون فيه للقتال، لخالف بعضكم بعضاً، فثبطكم قلتكم وكثرتهم عن الوفاء بالموعد، وثبطهم ما في قلوبهم من تهيب رسول الله ﷺ والمسلمين، فلم يتفق لكم من التلاقي في ما وفقه الله وسبب له.
(لِيَقْضِيَ) متعلق بمحذوف، أي ليقضى أمراً كان واجباً أن يفعل، وهو نصر أوليائه، وقهر أعدائه، دبر ذلك، .......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
دبره الله تعالى، أي: صوروا في أنفسكم تلك الحالات العجيبة الدال على القدرة الباهرة من فاتحتها إلى خاتمتها، لتعرفوا حسن تدبير الله فيها، في إعلاء كلمته، ونصرة أوليائه، وقهر أعدائه، إلى غير ذلك، وإليه الإشارة بقوله: "وكان ما كان"، وإنما قُلنا: إن الواو للحال دون الإخبار؛ لأن المراد التنبيه والتصوير كما سبق.
قوله: (وشخص بقريش)، الجوهري: "شخص من بلد إلى بلد شخوصاً، أي: ذهب، وأشخصه غيره".
قوله: (أي: ليقضي أمراً كان واجباً أن يُفعل، وهو نصر أوليائه وقهر أعدائه): هذا إن كان بسبب الوعد - كقوله تعالى: (وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) [الروم: ٤٧]- فلا نزاع، وإن كان سببه الاستحقاق أو رعاية الأصلح فلا، قال في "مريم" في قوله تعالى: (وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً) [مريم: ٢١]: "أي: مقدراً مسطوراً في اللوح، لابد من جريه عليك، أو كان
стр. 3259
وقوله: (لِيَهْلِكَ) بدل منه، واستعير "الهلاك" و"الحياة" للكفر والإسلام، أي ليصدر كفر من كفر عن وضوح بينة، لا عن مخالجة شبهة، حتى لا تبقى له على الله حجة، ويصدر إسلام من أسلم أيضاً عن يقين وعلم بأنه دين الحق الذي يجب الدخول فيه والتمسك به، وذلك أن ما كان من وقعة بدر من الآيات الغرّ المحجلة التي من كفر بعدها كان مكابراً لنفسه مغالطاً لها.
وقرئ: " ليهلك" بفتح اللام، ........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أمراً حقيقاً بأن يكون ويُقضى"، إلى قوله: "وما كان سبباً في قوة الاعتقاد والتوصل إلى الطاعة والعمل الصالح، فهو جدير بالتكوين".
قوله: ((لِيَهْلِكَ) بدل منه): قال أبو البقاء: " (لِيَهْلِكَ): يجوز أن يكون بدلا ًمن (لِيَقْضِيَ) بإعادة الحرف، وأن يكون متعلقاً بـ "يقضي"، أو بـ (مَفْعُولاً) ".
وقلت: البدل أولى؛ لأن المراد بالحياة الإيمان، وبالهلاك الكفر، وبالبينة إظهار كمال القدرة الدالة على الحجة الدامغة، أي: فعلنا ذلك لتظهر حجة من أسلم، ويدحض باطل من كفر، ولا ارتياب في أن هذه المعاني في هذا التركيب أوضح منها في قوله تعالى: (لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً).
قوله: ("لِيَهلَكَ"، بفتح اللام): قال ابن جني في "الأحقاف": "أما "يَهلَكُ" بفتح الياء واللام جميعاً فشاذة مرغوب عنها، لأن ماضيه "هلك" مفتوح العين، ولا يأتي: فعل يفعل، إلا إذا كان حرف الحلق في العين أو اللام، فهو من اللغة المتداخلة".
стр. 3260
و (حيي) بإظهار التضعيف.
(لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ): يعلم كيف يدبر أموركم ويسوى مصالحكم، أو: (لسميع عليم) بكفر من كفر وعقابه، وبإيمان من آمن وثوابه.
[(إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) ٤٣]
(إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ) نصبه بإضمار: اذكر، أو: هو بدل ثان من (يوم الفرقان) [الأنفال: ٤١]، أو متعلق بقوله: (لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ) [الأنفال: ٤٢]، أي يعلم المصالح إذ يقللهم في عينك، (فِي مَنامِكَ): في رؤياك، وذلك أن الله أراه إياهم في رؤياه قليلا، فأخبر بذلك أصحابه، فكان تثبيتاً لهم وتشجيعاً على عدوهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (و"حيي") أي: وقُرئ: "حيي" بإظهار التضعيف؛ نافع والبزي وأبو بكر، قال أبو البقاء: " (حَيَ) يُقرأ بتشديد الياء، وهو الأصل، لأن الحرفين متماثلان متحركان، مثل: شد ومد، ويُقرأ بالإظهار؛ وفيه وجهان:
أحدهما: أن الماضي حُمل على المستقبل، وهو يحيا، فكما لم يدغم في المستقبل، لم يدغم في الماضي، وليس كذلك: شد ومد، فإنه يدغم فيهما جميعاً.
والثاني: أن حركة الحرفين مختلفة، فالأولى مكسورة، والثانية مفتوحة، واختلاف الحركتين كاختلاف الحرفين، ولذلك أجازوا في الاختيار: لححت عينه، وضبب البلد: إذا كثُر ضبه".
الجوهري: "لححت عينه: إذا لصقت بالرمص، وهو أحد ما جاء على الأصل".
следующие страницы →