← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.

стр. 3256

وضعف شأن المسلمين، والتياث أمرهم، وأنّ غلبتهم في مثل هذه الحال ليست إلا صنعاً من الله، ودليلاً على أنّ ذلك أمر لم يتيسر إلا بحوله وقوّته وباهر قدرته، وذلك أنّ العدوة القصوى التي أناخ بها المشركون كان فيها الماء، وكانت أرضاً لا بأس بها ولا ماء بالعدوة الدنيا، وهي خبار تسوخ فيها الأرجل، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أُنْثَى) [آل عمران: ٣٦]، أو الامتنان كقوله: (إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا)، أو إلى التهديد كقول للجاني: أنت الذي فعلت كذا، أو إظهار التحزن نحو قوله: أنت الذي كلفتني دُلج السرى … وجون القطا بالجلهتين جثوم قوله: (والتياث أمرهم)، الجوهري: "الالتياث: الاختلاط والالتفاف، يُقال: التاثت الخطوب، والتاث برأس القلم شعرة". قوله: (وهي خبار)، الجوهري: "هي الأرض الرخوة ذات الجحرة"، فقوله: "تسوخ فيها الرجل ولا يمشى فيها إلا بتعب ومشقة" تفسير للخبار.

стр. 3257

ولا يمشى فيها إلا بتعب ومشقة، وكانت العير وراء ظهور العدوّ مع كثرة عددهم، فكانت الحماية دونها تضاعف حميتهم، وتشحذ في المقاتلة عنها نياتهم. ولهذا كانت العرب تخرج إلى الحرب بظعنهم وأموالهم، ليبعثهم الذب عن الحريم، والغيرة على الحرم على بذل جهيداهم في القتال، وأن لا يتركوا وراءهم ما يحدّثون أنفسهم بالانحياز إليه، فيجمع ذلك قلوبهم ويضبط هممهم ويوطن نفوسهم على أن لا يبرحوا مواطنهم، ولا يخلوا مراكزهم، ويبذلوا منتهى نجدتهم وقصارى شدّتهم. وفيه تصوير ما دبر سبحانه من أمر وقعة بدر؛ ليقضى أمراً كان مفعولا؛ من إعزاز دينه وإعلاء كلمته، حين وعد المسلمين إحدى الطائفتين مبهمة غير مبينة، ......... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وتشحذ في المقاتلة)، الجوهري: "شحذت السكين أشحذه شحذاً، أي: حددته، والمشحذ: المسن"، وهو من الاستعارة المكنية أو التبعية. قوله: (على بذل جهيداهم)، الأساس: "بلغ جهده ومجهوده، أي: طاقته، ولا بلُغن جُهَيداي". قوله: (منتهى نجدتهم)، الأساس: "نجد الرجل، ورجل نجد ونجيد، أي: شجاع". قوله: (وفيه تصوير ما دبر الله): قيل: هو عطف على "فيه الإخبار عن الحال"، فيكون الجواب من وجهين. وقلت: بل هي واو الحال، أي: في التوقيت والإخبار عن الحال الدالة على قوة شأن العدو وضعف شأن المسلمين. وفي الإخبار على هذا النهج: إدماج تصوير ما

стр. 3258

حتى خرجوا ليأخذوا الغير راغبين في الخروج، وشخص بقريش مرعوبين مما بلغهم من تعرّض رسول الله ﷺ لأموالهم، حتى نفروا ليمنعوا عيرهم، وسبب الأسباب حتى أناخ هؤلاء بالعدوة الدنيا وهؤلاء بالعدوة القصوى ووراءهم العير يحامون عليها، حتى قامت الحرب على ساق، وكان ما كان. (وَلَوْ تَواعَدْتُمْ) أنتم وأهل مكة، وتواضعتم بينكم على موعد تلتقون فيه للقتال، لخالف بعضكم بعضاً، فثبطكم قلتكم وكثرتهم عن الوفاء بالموعد، وثبطهم ما في قلوبهم من تهيب رسول الله ﷺ والمسلمين، فلم يتفق لكم من التلاقي في ما وفقه الله وسبب له. (لِيَقْضِيَ) متعلق بمحذوف، أي ليقضى أمراً كان واجباً أن يفعل، وهو نصر أوليائه، وقهر أعدائه، دبر ذلك، ....... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ دبره الله تعالى، أي: صوروا في أنفسكم تلك الحالات العجيبة الدال على القدرة الباهرة من فاتحتها إلى خاتمتها، لتعرفوا حسن تدبير الله فيها، في إعلاء كلمته، ونصرة أوليائه، وقهر أعدائه، إلى غير ذلك، وإليه الإشارة بقوله: "وكان ما كان"، وإنما قُلنا: إن الواو للحال دون الإخبار؛ لأن المراد التنبيه والتصوير كما سبق. قوله: (وشخص بقريش)، الجوهري: "شخص من بلد إلى بلد شخوصاً، أي: ذهب، وأشخصه غيره". قوله: (أي: ليقضي أمراً كان واجباً أن يُفعل، وهو نصر أوليائه وقهر أعدائه): هذا إن كان بسبب الوعد - كقوله تعالى: (وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) [الروم: ٤٧]- فلا نزاع، وإن كان سببه الاستحقاق أو رعاية الأصلح فلا، قال في "مريم" في قوله تعالى: (وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً) [مريم: ٢١]: "أي: مقدراً مسطوراً في اللوح، لابد من جريه عليك، أو كان

стр. 3259

وقوله: (لِيَهْلِكَ) بدل منه، واستعير "الهلاك" و"الحياة" للكفر والإسلام، أي ليصدر كفر من كفر عن وضوح بينة، لا عن مخالجة شبهة، حتى لا تبقى له على الله حجة، ويصدر إسلام من أسلم أيضاً عن يقين وعلم بأنه دين الحق الذي يجب الدخول فيه والتمسك به، وذلك أن ما كان من وقعة بدر من الآيات الغرّ المحجلة التي من كفر بعدها كان مكابراً لنفسه مغالطاً لها. وقرئ: " ليهلك" بفتح اللام، ........ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أمراً حقيقاً بأن يكون ويُقضى"، إلى قوله: "وما كان سبباً في قوة الاعتقاد والتوصل إلى الطاعة والعمل الصالح، فهو جدير بالتكوين". قوله: ((لِيَهْلِكَ) بدل منه): قال أبو البقاء: " (لِيَهْلِكَ): يجوز أن يكون بدلا ًمن (لِيَقْضِيَ) بإعادة الحرف، وأن يكون متعلقاً بـ "يقضي"، أو بـ (مَفْعُولاً) ". وقلت: البدل أولى؛ لأن المراد بالحياة الإيمان، وبالهلاك الكفر، وبالبينة إظهار كمال القدرة الدالة على الحجة الدامغة، أي: فعلنا ذلك لتظهر حجة من أسلم، ويدحض باطل من كفر، ولا ارتياب في أن هذه المعاني في هذا التركيب أوضح منها في قوله تعالى: (لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً). قوله: ("لِيَهلَكَ"، بفتح اللام): قال ابن جني في "الأحقاف": "أما "يَهلَكُ" بفتح الياء واللام جميعاً فشاذة مرغوب عنها، لأن ماضيه "هلك" مفتوح العين، ولا يأتي: فعل يفعل، إلا إذا كان حرف الحلق في العين أو اللام، فهو من اللغة المتداخلة".

стр. 3260

و (حيي) بإظهار التضعيف. (لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ): يعلم كيف يدبر أموركم ويسوى مصالحكم، أو: (لسميع عليم) بكفر من كفر وعقابه، وبإيمان من آمن وثوابه. [(إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) ٤٣] (إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ) نصبه بإضمار: اذكر، أو: هو بدل ثان من (يوم الفرقان) [الأنفال: ٤١]، أو متعلق بقوله: (لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ) [الأنفال: ٤٢]، أي يعلم المصالح إذ يقللهم في عينك، (فِي مَنامِكَ): في رؤياك، وذلك أن الله أراه إياهم في رؤياه قليلا، فأخبر بذلك أصحابه، فكان تثبيتاً لهم وتشجيعاً على عدوهم. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (و"حيي") أي: وقُرئ: "حيي" بإظهار التضعيف؛ نافع والبزي وأبو بكر، قال أبو البقاء: " (حَيَ) يُقرأ بتشديد الياء، وهو الأصل، لأن الحرفين متماثلان متحركان، مثل: شد ومد، ويُقرأ بالإظهار؛ وفيه وجهان: أحدهما: أن الماضي حُمل على المستقبل، وهو يحيا، فكما لم يدغم في المستقبل، لم يدغم في الماضي، وليس كذلك: شد ومد، فإنه يدغم فيهما جميعاً. والثاني: أن حركة الحرفين مختلفة، فالأولى مكسورة، والثانية مفتوحة، واختلاف الحركتين كاختلاف الحرفين، ولذلك أجازوا في الاختيار: لححت عينه، وضبب البلد: إذا كثُر ضبه". الجوهري: "لححت عينه: إذا لصقت بالرمص، وهو أحد ما جاء على الأصل".

стр. 3261

وعن الحسن: (في منامك): في عينك، لأنها مكان النوم، كما قيل للقطيفة؛ المنامة، لأنه ينام فيها. وهذا تفسير فيه تعسف، وما أحسب الرواية صحيحة فيه عن الحسن، وما يلائم علمه بكلام العرب وفصاحته. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وهذا تفسير فيه تعسف، وما أحسب الرواية صحيحة): ورواه محيي السنة عن الحسن أيضاً. وقال الزجاج: "رُوي عن الحسن: أن معناها: فيعينك التي تنام بها، وكثير من النحويين يذهبون إليه، يعني: (إِذْ يُرِيكَهُمْ) في موضع (مَنَامِكَ)، أي: في عينك، ثم حُذف الموضع، وأقيم المنام مقامه، وهذا حسن، ولكن قد جاء في التفسير: أن النبي ﷺ رآهم في النوم قليلاً، وقص الرؤيا على أصحابه. وهذا المذهب أسوغ في العربية، لأنه قد جاء (وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذْ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً)، فدل بهذا على أن هذه الرؤية رؤية الالتقاء، وأن تلك رؤية النوم". قلت: أراد الزجاج أن هذا الوجه حسن من حيث التأويل، لكن النظم يأباه؛ لأن الآية الثانية داعية إلى المخالفة بين الرؤيتين، فيُقال: إن المخالفة حاصلة، وهي أن الإراءة في الأول

стр. 3262

(لَفَشِلْتُمْ): لجبنتم وهبتم الإقدام (ولَتَنَازَعْتُمْ) في الرأي، وتفرقت فيما تصنعون كلمتكم، وترجحتم بين الثبات والفرار (وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ) أي: عصم وأنعم بالسلامة من الفشل والتنازع والاختلاف، (إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) يعلم ما سيكون فيها من الجرأة والجبن والصبر والجزع. [(وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) ٤٤] (وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ) الضميران مفعولان، يعنى: وإذ يبصركم إياهم، (وقَلِيلًا) نصب على الحال، وإنما قللهم في أعينهم تصديقاً لرؤية رسول الله ﷺ ، وليعاينوا ما أخبرهم به فيزداد يقينهم، ويجدّوا ويثبتوا. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. خُصت بالرسول ﷺ ، وفي الثاني عمتن كأنه صلوات الله عليه أُريَ في اليقظة أنهم قليلون ليشجع أصحابه، فأخبرهم بما رأى لئلا يجبنوا، كما قال: (وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ)، ثم لما التقوا حقق الله تلك الإراءة في أعين أصحابه رضوان الله عليهم أيضاً، حيث قال: (وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذْ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً) فتجاوبت الإراءتان. والله أعلم. وفائدة العدول عن العين إلى مكانها: الإشعار بحصول الأمن الوافر، وإنزال السكينة التامة، وعدم المبالاة بهم، وهو كقوله تعالى: (ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاساً) [آل عمران: ١٥٤]، قال: "أنزل الله الأمن على المؤمنين، وأزال عنهم الخوف الذي كان بهم، حتى نعسوا وغلبهم النوم". قوله: (وترجحتم بين الثبات والفرار)، الأساس: "رجحت الشيء: وزنته بيدي، ونظرت ما ثقله".

стр. 3263

قال ابن مسعود ﵁: " لقد قللوا في أعيننا حتى قلت لرجل إلى جنبي: أتراهم سبعين؟ قال: أراهم مئة، فأسرنا رجلاً منهم، فقلنا له: كم كنتم؟ قال. ألفاً، (وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ حتى قال قائل منهم: إنما هم أكلة جزور. فإن قلت: الغرض في تقليل الكفار في أعين المؤمنين ظاهر، فما الغرض في تقليل المؤمنين في أعينهم؟ قلت: قد قللهم في أعينهم قبل اللقاء، ثم كثرهم فيها بعده؛ ليجترئوا عليهم، قلة مبالاة بهم، ثم تفجأهم الكثرة فيبهتوا ويهابوا، وتفل شوكتهم حين يرون ما لم يكن في حسابهم وتقديرهم، وذلك قوله: (يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَايَ الْعَيْنِ) [آل عمران: ١٣]، ولئلا يستعدوا لهم، وليعظم الاحتجاج عليهم باستيضاح الآية البينة من قلتهم أوّلا وكثرتهم آخراً. فإن قلت: بأي طريق يبصرون الكثير قليلا؟ قلت: بأن يستر الله بعضه بساتر، أو يحدث في عيونهم ما يستقلون به الكثير، كما أحدث في أعين الحول ما يرون به الواحد اثنين. قيل لبعضهم: إن الأحول يرى الواحد اثنين، وكان بين يديه ديك واحد فقال: فمالي لا أرى هذين الديكين أربعة؟ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أكلة جزور): يُضرب في القلة والأمر الذي لا يُعبأ به. الجوهري: "قولهم: هم أكلة رأس، أي: قليل يشبعهم رأس واحد، وهو جمع آكل". قوله: (أو يُحدث في عيونهم ما يستقلون به الكثير): قال في "الانتصاف": "فيه دليل بين على أن الله هو الذي يخلق الإدراك في الحاسة، ويكون غير موقوف على سبب من مقابلة أو ارتفاع حُجب وغيرها، إذ لو كانت هذه الأسباب موجبة للرؤية عقلاً، لما أمكن أن يستتر عنهم البعض ويدركوا البعض، فيجوز خلق الإدراك مع انتفاء هذه الأسباب، وأن لا يخلقه مع اجتماعها، وهو رد على من أنكر رؤية الله تعالى". انتهى كلامه.

стр. 3264

[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ* وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) ٤٦] (إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً): إذا حاربتم جماعة من الكفار، وترك أن يصفها لأن المؤمنين ما كانوا يلقون إلا الكفار. واللقاء: اسم للقتال غالب، (فَاثْبُتُوا) لقتالهم ولا تفرّوا، (وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً) في مواطن الحرب مستظهرين بذكره، مستنصرين به، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. فإن قلت: "لكن" تقتضي أن يكون ما قبلها مخالف لما بعدها، وقوله: (وَلَوْ أَرَاكَهُمْ .. لَفَشِلْتُمْ) [الأنفال: ٤٣] معناه: ما أراكهم كثيراً وما فشلتم، فأين مقتضى ذلك؟ قلت: هو استدراك من كلام مقدر، أي: ما فشلتم فسلمتم فلا تحسبوا أن تلك السلامة الموجبة للنصرة كانت منكم، لكن الله سلمكم ونصركم، كقوله: (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى) [الأنفال: ١٧]؛ إن افتخرتم بقتلهم فإنكم ما قتلتموهم، ولكن الله قتلهم، وما رميت إذ رميت. وفي وضع اسم الله تعالى موضع المضمر إشعارٌ بأن الأمر عظيم الشأن، فلا يصدرن ذلك إلا عن باهر السلطان، وفيها رد للمعتزلة؛ لأنه نفي أن يكون سبب المسبب سبباً. ويجوز أن تُحمل "لو" على معنى: أي: إن فُرض إراءتكم كثيراً لفشلتم ووقعتم في العطب، ولكن لم يحصل المفروض، أي: الإراءة، فلم يحصل العطب، فوضع المسبب موضع السبب. قوله: (ترك أن يصفها): أي: ترك وصف قوله: (فِئَةً)، أي: أطلقها ولم يقيدها بالكفار؛ لقرينة قوله: (إِذَا لَقِيتُمْ)، لأن المؤمنين ما كانوا يلقون إلا الكفار، واللقاء أيضاً مبهم، ولكن أغلب استعماله في القتال، وعلى هذا (فَاثْبُتُوا).

стр. 3265

داعين له على عدوكم: اللهم اخذلهم، اللهم اقطع دابرهم (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ): لعلكم تظفرون بمرادكم من النصرة والمثوبة. وفيه إشعار بأنّ على العبد أن لا يفتر عن ذكر ربه أشغل ما يكون قلباً وأكثر ما يكون هما، وأن تكون نفسه مجتمعة لذلك، ...... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وفيه إشعار بأن [على] العبد): أي: أُدمج في الآية معنى وجوب ذكر الله في جميع المواطن، سيما في المواطن المهلكة، لأنه تعالى جعل الأمر بالذكر مسبباً عن لقاء العدو في الحرب، ولا مقام أشغل للقلب منه، وأدمج فيه أيضاً إيجاب التكلف لجمع النفس لأجل ذكر الله والتوكل عليه وتفويض الأمر إليه، وإن كانت أفكاره متوزعة، لأنه تعالى قرن الأمر بالذكر بقوله: (فَاثْبُتُوا)، ليُقبل إليه بشراشره فارغ البال واثقاً بأن لطفه لا ينفك عنه في شيء من الأحوال. قوله: (أشغل ما يكون قلباً): فيه غرابة؛ لأن "ما" مصدرية، والوقت مقدر، فيكون إسناد "أشغل" إلى الوقت من باب: "نهاره صائم"، ويلزم منه إثبات القلب للوقت. والأحسن أن يكون "أشغل ما يكون" استعارة مكنية؛ شبه أوقاته بالإنسان على التصوير، ثم أثبت له الشغل على التخييلية، ثم فرع عليه القلب على الترشيح. وقيل: "أشغل" حال من الضمير في "يفتر"، و"ما" بمعنى: شيء، ويكون صفته، و"قلباً" تمييز. والمعنى: يجب على العبد أن لا يفتر عن ذكر ربه في حال يكون أشغل قلباً من أفراد الناس إذا فصل الناس واحداً واحداً.

стр. 3266

وإن كانت متوزعة عن غيره، وناهيك بما في خطب أمير المؤمنين في أيام صفين وفي مشاهده مع البغاة والخوارج؛ من البلاغة والبيان، ولطائف المعاني وبليغات المواعظ والنصائح، دليلا على أنهم كانوا لا يشغلهم عن ذكر الله شاغل وإن تفاقم الأمر. (وَلا تَنازَعُوا) قرئ بتشديد التاء، (فَتَفْشَلُوا) منصوب بإضمار "أن"، أو مجزوم لدخوله في حكم النهى، وتدل على التقديرين قراءة من قرأ "وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ" بالتاء والنصب، وقراءة من قرأ: "ويذهب ريحكم بالياء والجزم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (متوزعة)، الجوهري: "وزع المال والخراج توزيعاً: قسمه، وبها أوزاع من الناس: ضروب متفرقون". الأساس: "ومن المجاز: توزعته الأفكار، وهو متوزع القلب". قوله: (وناهيك بما في خُطب): "ما" فاعل أو مبتدأ، والباء زائدة، و"ناهيك" خبرٌ مقدم، أي: ما في خطب أمير المؤمنين من البلاغة كافيك في الدلالة على ما ذكرنا، يعني: أنه في قوة دلالته ينهاك عن تطلب غيره. قوله: (في أيام صفين وفي مشاهده): عطف العام على الخاص، نحو: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنْ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ) [الحجر: ٨٧]، وحينئذ يلزم المصنف تعميم ما خصص في قوله: (إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً): "إذا حاربتم جماعة الكفار"، بأن يقال: جماعة الكفار والبغاة: ويمكن أن يقال: إنه غلب الكفار على البغاة تغليظاً. قوله: ("وتذهب ريحكم" بالتاء والنصب): الأئمة السبعة بالاتفاق، وبالتاء الفوقانية والجزم: شاذة.

стр. 3267

والريح: الدولة؛ شبهت في نفوذ أمرها وتمشيه بالريح وهبوبها، فقيل: هبت رياح فلان: إذا دالت له الدولة ونفذ أمره. ومنه قوله: أتُنْظِرَانِ قَلِيلًا رَيْثَ غَفْلَتِهِمْ … أمْ تَعْدُوَانِ فَإنَّ الرِّيحَ لِلْعَادِي ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (والريح: الدولة): يعني: استعار للدولة الريح بعدما شُبهت الدولة في نفوذ أمرها وتمشيته بالريح، ثم أدخل المشبه في جنس المشبه به ادعاء، وأطلق اسم المشبه به على المشبه المتروك، فقيل: هبت رياح فلان: إذا دالت له الدولة. قال: إذا هبت رياحك فاغتنمها … فإن لكل خافقة سكون فلا تغفل عن الإحسان فيها … فما تدري السكون متى يكون قوله: (أتنظران قليلا)، البيت: قبله: يا صاحبي ألا لا حي بالوادي … إلا عبيد وآم بين أذواد الذود من الإبل: ما بين ثلاثة إلى عشرة. "أتنظُران": من: انتظرته، "ريث": قدر، "أم تعدوان": تفتكان، "للعادي": للفاتك؛ يخاطب صاحبيه حين اطلع على الحي: أتنظران قليلاً قدر ما يغفلون، فتسرقان أو تقتلان من غير انتظار الغفلة، وذلك أن سُليكاً مع صاحبين له أتوا جوف مراد من اليمن، فإذا نعم كثيرة،

стр. 3268

وقيل: لم يكن قط نصر إلا بريح يبعثها الله، وفي الحديث: "نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور". [(وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) ٤٧] حذرهم بالنهى عن التنازع واختلاف الرأي، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فخافوا أن يغيروا، فقال سُليك: كونا قريباً حتى آتى الرعاء، فأعلم لكما أن الحي قريب أم بعيد، فإن كان قريباً رجعت إليكما، وإن كان بعيداً قلت لكما قولاً، فأغيرا، فانطلق حتى استعلم أن الحي بعيد، فقال للرعاء: ألا أغنيكم؟ قالوا: بلى، فغنى بأعلى صوته: يا صاحبي ألا لا حي .. البيتين. فأتيا، فذهبوا بالإبل، ولم يدركوا. قوله: (وقيل: لم يكن قط نصر إلا بريح): فعلى هذا يكون ذهاب الريح حقيقة، ويجوز أن يكون كناية. قال محيي السنة: "والريح هنا: كناية عن نفاذ الأمر وجريانه على المراد، قال قتادة وابن زيد: هو ريح النصر، لم يكن نصر قط إلا بريح يبعثها الله تعالى تضرب وجوه العدو، ومنه الحديث: "نصرت بالصبا وأهلك عاد بالدبور"، وعن النعمان بن مقرن قال: "شهدت مع رسول الله ﷺ ، فكان إذا لم يقاتل أول النهار انتظر حتى تزول الشمس، وتهب الرياح، وينزل النصر". روى البخاري عن عبد الله بن أبي أوفى: "أن رسول الله ﷺ في بعض أيامه التي لقي فيها العدو انتظر حتى مالت الشمس"، الحديث.

стр. 3269

نحو ما وقع لهم بأحد لمخالفتهم رسول الله ﷺ من فشلهم وذهاب ريحهم. (كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ): هم أهل مكة حين نفروا الحماية العير، فأتاهم رسول أبي سفيان، وهم بالجحفة: أن ارجعوا، فقد سلمت عيركم، فأبى أبو جهل، وقال: حتى نقدم بدراً نشرب بها الخمور، وتعزف علينا القيان، ونطعم بها من حضرنا من العرب. فذلك بطرهم ورئاؤهم الناس بإطعامهم، فوافوها، فسقوا كؤوس المنايا مكان الخمر، وناحت عليهم النوائح مكان القيان، فنهاهم أن يكونوا مثلهم بطرين طربين مرائين بأعمالهم، وأن يكونوا من أهل التقوى والكآبة والحزن من خشية الله، مخلصين أعمالهم لله. [(وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ) ٤٨]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. قوله: (نحو ما وقع لهم بأُحد): منصوب على أنه مفعول به لـ "حذرهم"، وفيه أن قوله: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا) الآية [الأنفال: ٤٦]، وإن وقعت في أثناء قصة بدر، لكنها معترضة، والأمر عام في جميع المواطن، لأن حرب أد وقعت بعد حرب بدر بزمان. وهذا يقوى أن هذه السورة نازلة في بيان تعداد أحوال أصحاب النبي ﷺ حالاً فحالاً، من غير ترتيب، ليكثر الحالات، وأن حمل قوله: (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ) [الأنفال: ١٧] على قصة بدر، وقوله: (وَمَا رَمَيْتَ) [الأنفال: ١٧] على قصة حنين، صحيح. قوله: (وتعزف علينا)، النهاية: "العزف: اللعب بالمعازف، وهي الدفوف وغيرها مما يُضرب، وقيل: إن كل لعب عزف". قوله: (وأن يكونوا من أهل التقوى): أي: نهى المسلمين أن يكونوا بطرين، وأمرهم أن يكونوا متقين، وهو من باب: علفتها تبناً وماء بارداً

стр. 3270

(وَ) اذكر (إِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ) التي عملوها في معاداة رسول الله ﷺ ، ووسوس إليهم أنهم لا يغلبون ولا يطاقون، وأوهمهم أن إتباع خطوات الشيطان وطاعته مما يجيرهم، فلما تلاقى الفريقان نكص الشيطان وتبرأ منهم، أي: بطل كيده حين نزلت جنود الله، وكذا عن الحسن ﵀: كان ذلك على سبيل الوسوسة، ولم يتمثل لهم. وقيل: لما اجتمعت قريش على السير ذكرت الذي بينها وبين بني كنانة من الحرب، فكان ذلك يثنيهم، فتمثل لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم؛ الشاعر الكناني، وكان من أشرافهم في جند من الشياطين معه راية، وقال: لا غالب لكم اليوم، وإنى مجيركم من بني كنانة، فلما رأى الملائكة تنزل، نكص، وقيل: كانت يده في يد الحارث بن هشام، فلما نكص قال له الحارث: إلى أين؟ أتخذ لنا في هذه الحال؟ فقال: إني أرى مالا ترون، ودفع في صدر الحارث وانطلق، وانهزموا، فلما بلغوا مكة قالوا: هزم الناس سراقة، فبلغ ذلك سراقة، فقال: والله ما شعرت بمسيركم حتى بلغتني هزيمتكم، فلما أسلموا علموا أنه الشيطان. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (نكص الشيطان)، الجوهري: "النكوص: الإحجام عن الشيء، يُقال: نكص على عقبيه ينكص وينكص، أي: رجع". قوله: (وقيل: ولما اجتمعت قريش): عطف من حيث المعنى على قوله: "وسوس إليه"، فالقول في قوله تعالى: (وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمْ الْيَوْمَ مِنْ النَّاسِ) مجاز عن الوسوسة، والنكوص استعارة تمثيلية ما تقول: أراك أيها المفتي، تقدم رجلاً وتؤخر أخرى، ولذلك قال في تفسير (نَكَصَ): "بطل كيده، يدل عليه قول الحسن: كان ذلك على سبيل الوسوسة، ولم يتمثل لهم"، وعلى الثاني: الكل مجراة على الحقيقة.

стр. 3271

وفي الحديث: "وما رئي إبليس يوما أصغر ولا أدحر ولا أغيظ من يوم عرفة؛ لما يرى من نزول الرحمة، إلا ما رئي يوم بدر". ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. قوله: (وفي الحديث "ما رُئي إبليس يوماً أصغر ولا أدحر") الحديث: من "الجامع" عن مالك في "الموطأ" عن طلحة بن عبيد الله بن كريز: أن رسول الله ﷺ قال: "ما رُئي الشيطان في يوم هو فيه أصغر ولا أحقر ولا أدحر ولا أغيظ منه في يوم عرفة؛ وما ذاك إلا لما يرى من تنزل الرحمة، وتجاوز الله عن الذنوب العظام، إلا ما رئي يوم بدر، فإنه قد رأى جبريل يزع الملائكة". النهاية: "الدحر: الدفع بعنف على سبيل الإهانة والإذلال، وأفعل التفضيل فيه كأشهر وأجن، من: شُهر وجُن"، "يزع الملائكة": أي: يرتبهم ويسويهم ويصفهم للحرب، فكأنه يكفهم عن التفرق والانتشار. قوله: "في يوم عرفة": في رواية "الموطأ": متعلق بـ"أفعل"، فهو يعمل في المستتر والظرف ونحوهما، لأن فيه رائحة الفعل. وأما رواية الكتاب: "ولا أغيظ من يوم عرفة": فقال صاحب "النهاية": "نُزل وصف الشيطان بأنه أدحر منزلة وصف اليوم به، لوقوع ذلك فيه، كأن اليوم نفسه هو الأدحر". قلت: فعلى هذا "أصغر" صفة "يوماً"، و"من يوم عرفة": متعلق بهن وهو مطابق لرواية "الموطأ"، لأن الأصل: ما رُئي إبليس في يوم من الأيام هو أصغر من نفسه إلا ما رُئي في يوم عرفة"، ثم علق الظرف بـ "أفعل من" على التوسع، كما في قولهم: زيد نهاره صائم"، أي: هو في نهاره صائم، وما قيل: إن "أصغر" مفعول ثان لـ"رُئي"، أو حال من "إبليس": فمُتعسف.

стр. 3272

فإن قلت: هلا قيل: لا غالباً لكم، كما يقال: لا ضاربا زيداً عندنا؟ قلت: لو كان (لَكُمُ) مفعولا لـ (غالب)، بمعنى: لا غالباً إياكم، لكان الأمر كما قلت: لكنه خبر تقديره: لا غالب كائن لكم. [(إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) ٤٩] (إِذْ يَقُولُ الْمُنفِقُونَ) بالمدينة (والَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) يجوز أن يكون من صفة (المنافقين)، وأن يراد: الذين هم على حرف؛ ليسوا بثابتي الأقدام في الإسلام. وعن الحسن: هم المشركون، ...... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لو كان (لَّكُمْ) مفعولاً لـ (غَالِبَ)) إلى آخره: قال أبو البقاء: " (غَالِبَ) هاهنا: مبنية، و (لَّكُمْ) في موضع رفع خبر (لا)، و (اَلْيَوْمَ) منصوباً بـ (غَالِبَ)، ولا (مِنْ النَّاسِ) حالاً منا لضمير في ((غَالِبَ)؛ لأن اسم "لا" إذا عمل فيما بعده لا يجوز بناؤه"، لأنه مشابه للمضاف، فكان منصوباً. قوله: ((وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) يجوز أن يكون من صفة "المنافقين")، ويجوز أن تكون الواو في (وَالَّذِينَ) من التي تتوسط بين الصفة والموصوف؛ لتأكيد لصوق الصفة، لأن هذه الصفة في المنافقين لاصقة لا تنفك، قال الله تعالى: (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ)، أو تكون من التي تدخل بين المُفسِّر والمُفسَّر، نحو: أعجبني زيدٌ وكرمه، قال القاضي: "والعطف لتغاير الوصفين". قوله: (ليسوا بثابتي الأقدام في الإسلام): قال في قوله تعالى: (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ) [الحج: ١١]: "أي: على طرف من الدين، لا في وسطه وقلبه".

стр. 3273

(غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ) يعنون: أنّ المسلمين اغتروا، بدينهم وأنهم يتقوّون به وينصرون من أجله، فخرجوا وهم ثلاث مئة وبضعة عشر، إلى زهاء ألف، ثم قال جوابا لهم (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ) غالب يسلط القليل الضعيف على الكثير القوى. [(وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الملكة يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبرَهُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ* ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ) ٥٠ - ٥١] (وَلَوْ تَرى): ولو عاينت وشاهدت، لأن "لو" تردّ المضارع إلى معنى الماضي، كما تردّ "إن" الماضي إلى معنى الاستقبال، (وإِذْ) نصب على الظرف، وقرئ: (يتوفى). بالياء والتاء، و(الملكة) رفعها بالفعل، و (يَضْرِبُونَ) حال منهم. ويجوز أن يكون في (يَتَوَفَّى) ضمير الله ، و (الملكة) مرفوعة بالابتداء، (ويَضْرِبُونَ) خبر. وعن مجاهد: (وأدبارهم): أستاههم، ولكن الله كريم يكنى، وإنما خصوهما بالضرب؛ لأنّ الخزي والنكال في ضربهما أشدّه. وبلغني عن أهل الصين: أن عقوبة الزاني عندهم أن يصبرَّ، ثم يعطى الرجل القوي البطش شيئاً عمل من حديد، كهيئة الطبق، فيه رزانة، وله مقبض، فيضربه على دبره ضربة واحدة بقوّته فيجمد في مكانه. وقيل: يضربون ما أقبل منهم وما أدبر. (وَذُوقُوا) معطوف على (يَضْرِبُونَ) على إرادة القول، أي: ويقولون: ذوقوا (عَذابَ الْحَرِيقِ)، أي: مقدمة عذاب النار، أو: وذوقوا عذاب الآخرة، بشارة لهم به، وقيل: كانت معهم مقامع من حديد، كلما ضربوا بها التهبت النار، أو: ويقال لهم يوم القيامة: ذوقوا. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرئ (يَتَوَفَى) بالياء والتاء): ابن عامر: بالتاء الفوقانية، والباقون: بالياء. قوله: (و (الْمَلائِكَةِ) مرفوعة بالابتداء، و (يَضْرِبُونَ) خبر): فالجملة على هذا استئنافية. قوله: (أو: ويُقال لهم يوم القيامة: ذوقوا): يعني: قوله تعالى: (وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ)

стр. 3274

وجواب" لَوْ" محذوف: أي: لرأيت أمراً فظيعاً منكراً (ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ) يحتمل أن يكون من كلام الله ومن كلام الملائكة، (وذلِكَ) رفع بالابتداء، و (بِما قَدَّمَتْ) خبره، (وَأَنَّ اللَّهَ) عطف عليه، أي: ذلك العذاب بسببين: بسبب كفركم ومعاصيكم، وبأن الله (لَيْسَ بِظَلّم لِلْعَبِيدِ) لأن تعذيب الكفار من العدل، ........ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. إما أنه محمول على إصابة العذاب في الدنيا وأنه متصل بعذاب النار، بأن يُسلط بعد السكرات عذاب القبر، وينتهي ذلك إلى دخول النار، أو يضربون وجوههم ويبشرونهم بعذاب القيامة ليجتمع لهم العذاب في الدنيا والخوف من النكال في الآخرة، أو يقع الضرب في الدنيا والقول في الآخرة. وعن بعضهم أنه قال: الذوق: وجود الطعم بالفم، وأصله فيما يقل تناوله دون ما يكثر، فإنه يقال له: الأكل، وقد يعبر به عن الاختيار، وعن مطلق الإدراك. قوله: (لأن تعذيب الكفار من العدل): كأنه قيل: ذلك العذاب بسبب كفركم، وبسبب أن الله عادل، إذ لابد من جزاء المسيء، كما لابد من ثواب المحسن، فوضع موضعه (لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ)، بناء على مذهبه. قلت: والذي يقتضيه النظم هو: أن قوله تعالى: (وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ) كالتقرير لمعنى قوله: (ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ)، وفائدته: الدلالة على أن التعذيب إنما بلغ غايته لاستِئهالهم ذلك بسبب عظيم جرمهم، وأنه في قوم مخصوصين، وذلك أن قوله: (وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا) في المشركين الذين ناصبوا الحرب يوم بدر، لأن المنافقين لما طعنوا في المسلمين بقولهم: (غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ) بمعنى: أن المسلمين اغتروا بدينهم، وأنهم يتقوون به وينصرون من أجله، فخرجوا وهم قليل مستضعفون على الكثير القوي، أجاب الله تعالى بقوله: (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) أي: ومن يتوكل على الله فهو يقويه وينصره، لأنه عزيز قوي يُقوي اولياءه، حكيم ينصرهم ويخذل أعداءهم.

стр. 3275

كإثابة المؤمنين، وقيل: ظلام، للتكثير لأجل العبيد، أو لأن العذاب من العظم بحيث لولا الاستحقاق لكان المعذب بمثله ظلاماً بليغ الظلم متفاقمه. [(كَدَابِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا ْبآياتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ * ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ* كَدَابِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِايتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ) ٥٢ - ٥٤] ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ثم حقق ذلك بقوله: (وَلَوْ تَرَى)، والخطاب مع هذا القائل، أي: لو رأيت، أيها القائل، إذ يتوفى الملائكة المشركين الذين تعدهم كثيرين قويين، يضربون منهم فوق الأعناق وكل بنان قائلين: ذوقوا عذاب الخزي في الدنيا وعذاب الحريق في الآخرة، وأن ذلك العذاب بسبب مناصبتكم رسول الله ﷺ ، وأن الله ليس بلام للعبيد، لرأيت قوة أوليائه ونصرهم على أعدائه. مثاله: إذا نكل المنتصر من عدوه ويعذبه بأنواع البلاء ويقول: هذا بسبب ما ارتكبت من الظلم وأني فيما أفعله بك من النكال العظيم ما تجاوزت حد الإنصاف؛ لأنك تستحقه. وهذا لا يفيد أنه إن ترك التعذيب كان ظالما، كذا [ما] نحن بصدده. ودل على تعظيم الذنب اسم الإشارة، وهو عين ما قاله بعد ذلك: "أو لأن العذاب من العظم بحيث لولا الاستحقاق لكان المعذب بمثله ظلاماً". قوله: (وقيل: ظلام، للتكثير لأجل العبيد): يعني: أن ظلاماً بناء مبالغة يدل على أنه تعالى ليس بظلام للعبيد، أي: بكثير الظلم، ويُفهم من دليل الخطاب جواز إثبات الظلم القليل.

стр. 3276

الكاف في محل الرفع، أي: دأب هؤلاء مثل دأب آل فرعون. ودأبهم: عادتهم وعملهم الذي دأبوا فيه، : أي داوموا عليه وواظبوا، و (كَفَرُوا) تفسير لدأب آل فرعون. (وذلِكَ) إشارة إلى ما حل بهم. يعنى: ذلك العذاب -أو: الانتقام- بسبب أن الله لم ينبغ له، ولم يصحّ في حكمته، أن يغير نعمته عند قوم (حَتَّى يُغَيِّرُوا) ما بهم من الحال. فإن قلت: فما كان من تغيير آل فرعون ومشركي مكة، حتى غير الله نعمته عليهم، ولم تكن لهم حال مرضية، فيغيروها إلى حال مسخوطة؟ قلت: كما تغير الحال المرضية إلى المسخوطة، تغير الحال المسخوطة إلى أسخط منها، وأولئك كانوا قبل بعثة الرسول ﷺ إليهم كفرة عبدة أصنام، ......... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أجاب عنه بوجهين: أحدهما: أن نفي الظلم الكثير عند وجود العقاب العظيم من العادل: عبارة عن حصول الذنب العظيم من المعذب. مثاله: أنا إذا نظرنا إلى من يُعذب شخصاً بأنواع العقاب، ويبالغ في التشديد، وقطعنا النظر عن الموجب، حكمنا بأن المعذب ظالم كثير الظلم، أما لو علمنا أنه عادل لا يضع الشيء إلا في موضعه قطعنا بأن المعذب مستوجب لذلك، لأنه متمرد متجاوز في الذنب حده. وثانيهما: أن قوله: "ظلام" مقترن بقوله: (لِلْعَبِيدِ)، وهو جمع محلي بلام الاستغراق، فإذا وُزع نفي الظلم عن كل فرد فرد من أفراد هذا العام، فصح أن يُقال: (لَيْسَ بِظَلاَّمٍ)، كما قال في سورة (ق): "هو ظالم لعبده، وظلام لعبيده"، يعني: المناسب أن يُقال: ظالم لعبده وظلام لعبيده، إذ لو عكس وقال: ظلامٌ لعبده وظالم لعبيده، لم يتطابق، اللهم إلا أن يعتبر كثرة ذنبه أو عظمه. قوله: (وأولئك كانوا قبل بعثة الرسول ﷺ إليهم كفرة عبدة أصنام) إلى آخره: قيل: إنهم

стр. 3277

فلما بعث إليهم بالآيات البينات، فكذبوه، وعادوه، وتحزبوا عليه، ساعين في إراقة دمه، غيروا حالهم إلى أسوأ مما كانت، فغيرَّ الله ما أنعم به عليهم من الإمهال، وعاجلهم بالعذاب. (وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ) لما يقول مكذبو الرسل (عَلِيمٌ) بما يفعلون. (كَدَابِ آلِ فِرْعَوْنَ) تكرير للتأكيد، وفي قوله: (بِايتِ رَبِّهِمْ) زيادة دلالة على كفران النعم وجحود الحق، وفي ذكر الإغراق بيان للأخذ بالذنوب، (وَكُلٌّ كانُوا ظلِمِينَ): وكلهم من غرقى القبط وقتلى قريش كانوا ظالمين أنفسهم بالكفر والمعاصي. [(إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* الَّذِينَ عهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ* فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) ٥٥ - ٥٧] ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. لما كانوا متمكنين من الإيمان، ثم تركوا ذلك ولم يؤمنوا، كأن ذلك كان حاصلاً لهم فغيروه، كقوله تعالى: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى) [البقرة: ١٦ و ١٧٥]. وقلت: تحريره: أن بعثة الرسول ﷺ في نفسها نعمة دونها كل نعم، فلما نسي المشركون هذه النعمة الأسنى وتلك الآيات العظمى، وكانوا متمكنين من قبولها والاهتداء بهديها، فلما امتنعوا منه واضطروه إلى المهاجرة، ثم استأصل شأفتهم يوم بدر، قيل ذلك لهم. وعلى هذا أمر فرعون مع موسى ﵇، ويؤيده قوله هاهنا: (كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمْ). قوله: ((كَدَابِ آلِ فِرْعَوْنَ) تكرير للتوكيد، وفي قوله: (بِآيَاتِ اللَّهِ) زيادة دلالة على كفران النعم وجحود الحق): قال القاضي: "يعني: كرر (كَدَابِ آلِ فِرْعَوْنَ) للتأكيد، ولما نيط به من الدلالة على كفران النعم بقوله: (بِآيَاتِ اللَّهِ)، وبيان ما أخذ به آل فرعون".

стр. 3278

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ … وقلت: وازن المصنف بين الآيتين، وقابل بين كل من القرينتين، فقوله: " (بِآيَاتِ رَبِّهِمْ) زيادة دلالة على كفران النعم وجحود الحق": معناه: أن قوله (كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ) في الآية السابقة مبهم لم يفهم منه أن تلك النعمة المكفورة من أي نوع من أنواع النعم؟ أهي نعمة الآيات المنصوبة أو الآيات المنزلة؟ وأن الكُفران من أي قبيل كان؟ أهو من قبيل الإعراض عن الآيات المنصوبة، أو هو من قبيل التكذيب بالآيات النازلة؟ فعُلم من هذه الآية: أن تلك النعمة هي نعمة الآيات المنزلة، وأن ذلك الكفران تكذيبها وجحود الحق، وقوله: (فَأَخَذَهُمْ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ) مشتمل لجميع أنواع التعذيب، وقوله: (وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ) نص على تعيين العذاب. قال صاحب "الفرائد": هذا ليس بتكرير؛ لأن معنى الأول: حالُ هؤلاء كحال آل فرعون في الكفر والتكذيب، فأخذهم بالعذاب، ومعنى الثاني: حال هؤلاء كحال آل فرعون في تغييرهم النعم، وتغيير الله حالهم بسبب ذلك التغيير، وهو أنه أغرقهم، بدليل ما تقدم عليه، وهو قوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً) الآية. ولخص المعنى القاضي وقال: "الأول: تشبيه الكفر والأخذ، والثاني: تشبيه التغيير في النعمة بسبب تغييرهم ما بأنفسهم". وقلت: النظم يأبى هذا القول؛ لأن وجه التشبيه في التشبيه الأول هو قوله: (كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمْ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ)، فشبه حال كفار قريش بحال فرعون ومن قبله، والوجه للتشبيه: الكفر المرتب عليه العقاب، فكذلك ينبغي أن يكون الوجه في التشبيه الثاني هو قوله: (كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ)، لأنه مثله.

стр. 3279

(الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ أي: أصروا على الكفر ولجوا فيه، فلا يتوقع منهم إيمان، وهم بنو قريظة، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. بيانه: أن قوله: (كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمْ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ) جملة مبتدأة بعد ذكر المشبه والمشبه به، صالحة لأن تكون بياناً لوجه التشبيه، فوجب حملها عليه، كقوله تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ) [آل عمران: ٥٩]، قوله: (خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ) جملة مفسرة لما له شبه عيسى بآدم، ولا فرق بينه وبين قوله: (كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ) في هذا المعنى. وأما قوله: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) كالتعليل لحلول النكال للكفران، لما تقرر مراراً: أن اسم الإشارة في مثل هذا المقام مؤذن بأن ما بعده جدير بمن قبله لأجل اكتسابه موجبه. وقد اعترض بين التشبيهين، وهو غير مختص بقوم فرعون وقريش، بلهو متناولٌ لجميع من يغير نعمة الله من الأمم السالفة واللاحقة، من الكفران وتكذيب الآيات. فاختصاصه بالوجه الثاني دون الأول، وإيقاعه وجهاً للتشبيه، مع وجوده صريحاً كما بينا: بعيد عمن ذاق معرفة الفصاحتين، ووقف على ترتيب النظم بين الآيتين. قوله: (فلا يتوقع منهم الإيمان): يعني: دل قوله: (فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) - لما فيه من بناء (لا يُؤْمِنُونَ) على "هم" المفيد لتقوي الحكم - على عدم توقع الإيمان منهم، وذلك لترتب هذه الجملة على قوله: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا) حيث أوقع (الَّذِينَ كَفَرُوا) - وهو معرفة - خبراً لـ (إنَّ)، وجعل اسمه (شَرَّ الدَّوَابِّ). قال القاضي: "والفاء للعطف والتنبيه على أن تحقق المعطوف عليه يستدعي تحقق المعطوف".

стр. 3280

عاهدهم رسول الله ﷺ أن لا يمالئوا عليه، فنكثوا بأن أعانوا مشركي مكة بالسلاح، وقالوا: نسينا وأخطأنا، ثم عاهدهم فنكثوا ومالوا معهم يوم الخندق، وانطلق كعب بن الأشرف إلى مكة فحالفهم. (الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ) بدل من (الذين كفروا)، أي: الذين عاهدتهم من الذين كفروا، جعلهم شر الدواب؛ لأن شر الناس الكفار، وشر الكفار المصرون منهم، وشر المصرين الناكثون للعهود. (وَهُمْ لا يَتَّقُونَ): لا يخافون عاقبة الغدر، ولا يبالون ما فيه من العار والنار. (فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ): فإما تصادفنهم وتظفرنّ بهم (فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ): ففرق عن محاربتك ومناصبتك؛ بقتلهم شر قتلة والنكاية فيهم، من وراءهم من الكفرة، حتى لا يجسر عليك بعدهم أحد، اعتباراً بهم واتعاظاً بحالهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لا يمالئوا): لا يساعدوا. النهاية: "الممالأة: المساعدة والمعاونة". قوله: (لأن شر الناس الكفار): يعني: أبدل (الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ) من (الَّذِينَ كَفَرُوا)، وهم الذين أصروا على الكفر، ولجوا فيه، بعد أن جعلهم شر الدواب؛ ليدل على أن شر الناس الكفار إلى آخره، لما عرفت في إبدال (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) [الفاتحة: ٧]، من (الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) [الفاتحة: ٦]، معنى البدل. ثم في عطف (يَنقُضُونَ) وهو مضارع، على (عَاهَدْتَ) وهو ماضٍ: الدلالة على استمرار النقض، ولذلك قال: "فنكثوا، ثم عاهدهم فنكثوا". قوله: ((فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ): فإما تصادفنهم وتظفرن بهم)، الأساس: "طلبناه فثقفناه في مكان كذا، أي: أدركناه". الجوهري: "ثقفة ثقفاً، أي: صادفته".

стр. 3281

وقرأ ابن مسعود: "فشرذ"، بالذال المعجمة، بمعنى: ففرق، وكأنه مقلوب "شذر"، من قولهم: "ذهبوا شذر مذر، ومنه: الشذر: المتلقط من المعدن؛ لتفرّقه. وقرأ أبو حيوة: من "خلفهم"، ومعناه: فافعل التشريد من ورائهم، لأنه إذا شرد الذين وراءهم فقد فعل التشريد في الوراء، وأوقعه فيه؛ لأنًّ الوراء جهة المشردين، فإذا جعل الوراء ظرفاً للتشريد فقد دلّ على تشريد من فيه، فلم يبق فرق بين القراءتين. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قلت: والظاهر أن الفاء في قوله: (فَشَرِّدْ بِهِمْ) فاء فصيحة تقتضي محذوفاً هو سبب التشريد، كما قدر "فإما تُصادفنهم وتظفرن بهم فشَرِّد بهم"، فالتشريد مسبب عن الظفر بهم لا الإدراك فقط. ولا يبعد أن تُجعل الفاء في قوله: (الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) منها، ويجوز أن يكون قوله: "وتظفرن بهم" عطفاً تفسيرياً على "تُصادفن"، كما في قوله: "فإما تثقفوني فاقتلوني"، فيكون قوله: (فَشَرِّدْ بِهِمْ) جزاء للشرط فقط. قوله: (ذهبوا شذر مذر)، الجوهري: "تفرقوا شذر مذر: إذا ذهبوا في كل وجه"، قال ابن جني: "قرأ الأعمش: "شرذ" بالذال المعجمة، ولم يمر بنا في اللغة تركيب (ش ر ذ)، والأوجه أن تكون الذال بدلاً من الدال، والجامع بينهما أنهما مجهوران ومتقاربان". وقال أبو البقاء: "نحو: خراديل وخراذيل، وقيل: هو مقلوب من "شذر" بمعنى: فرق، وكل ذلك تعسف بعيد". قوله: (فافعل التشريد من ورائهم): يعني: أُجري المتعدي مجرى اللازم، ثم عُدي تعديته، كقوله: . يجرح في عراقيبها نصلي

стр. 3282

(لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ): لعلّ المشردين من ورائهم يتعظون. [(وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ) ٥٨] (وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ) معاهدين (خِيانَةً) ونكثا بأمارات تلوح لك (فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ): فاطرح إليهم العهد (عَلى سَواءٍ): على طريق مستو قصد -وذلك أن تظهر لهم نبذ العهد، وتخبرهم إخباراً مكشوفاً بينا أنك قطعت ما بينك وبينهم- ولا تناجزهم الحرب وهم على توهم بقاء العهد، فيكون ذلك خيانة منك، (إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ) فلا يكن منك إخفاء نكث العهد والخداع. وقيل: على استواء في العلم بنقض العهد، وقيل: على استواء في العداوة، والجار والمجرور في موضع الحال، كأنه قيل: فانبذ إليهم ثابتاً على طريق قصد سوي، ........ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. وفي إيقاع التشريد في المكان وإرادة التشريد فيمن يشغل المكان كناية، كقول الشنفري: تبيت بمنجاة من اللوم بيتها فإذن صح قوله: "فلم يبق فرق بين القراءتين"، اللهم إلا في المبالغة. قال محيي السنة في معنى المشهورة: "فرق بهم جمع كل ناقض، أي: افعل بهؤلاء الذين نقضوا عهدك وحاربوك فعلاً من القتل والتنكيل، ليخافك من خلفهم من أهل مكة". قوله: (فانبذ إليهم ثابتاً): هذا على أن يكون (سَوَاءٍ) صفة موصوف محذوف، كما قال:

стр. 3283

أو حاصلين على استواء في العلم أو العداوة، على أنها حال من النابذ والمنبوذ إليهم معاً. [(وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ) ٥٩] (سَبَقُوا): فاتوا وأفلتوا من أن يظفر بهم (إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ): إنهم لا يفوتون ولا يجدون طالبهم عاجزاً عن إدراكهم، وقرئ: "أنهم" بالفتح؛ بمعنى: لأنهم، كل واحدة من المكسورة والمفتوحة تعليل، إلا أن المكسورة على طريقة الاستئناف، والمفتوحة تعليل صريح وقرى: "يعجزون"، بالتشديد، وقرأ ابن محيصن: "يعجزون" بكسر النون. وقرأ الأعمش: "ولا تحسب الذين كفروا" بكسر الباء وبفتحها؛ على حذف النون الخفيفة. وقرأ حمزة: (ولا يحسبن) بالياء؛ على أن الفعل لـ (الَّذِينَ كَفَرُوا)، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ "على طريق مُستوٍ"، فالجار والمجرور حال من فاعل (فَانْبِذْ). وقوله: "أو حاصلين" على أن يكون حالاً من المجرور في (إِلَيْهِمْ) أو المرفوع في (فَانْبِذْ) كما في الوجهين، أي: على استواء في العلم أو على استواء في العداوة. قوله: (ولا يجدون طالبهم عاجزاً)، الراغب: "أعجزت فلاناً وعجزته وعاجزته: جعلته عاجزاً. قال : (وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ) [الحج: ٥١]، وقرئ: "معجزين"، فـ (مُعَاجِزِينَ) معناه: ظانين ومقدرين أنهم يعجزوننا؛ لأنهم حسبوا أن لا حشر ولا نشر، فيكون ثواب وعقاب، و"معجزين" ينسبون من تبع النبي ﷺ إلى العجز، نحو: جهلته وفسقته". قوله: (وقرئ: "أنهم" بالفتح): ابن عامر، والباقون: بكسرها. قوله: (وقرأ حمزة: (وَلا يَحْسَبَنَّ) بالياء، على أن الفعل لـ (الَّذِينَ كَفَرُوا)، وقوله: (واستدل)، كأنه أشار إلى ضعف هذا الوجه؛ إذ لا حاجة إلى تقدير "إن" المخففة، قال أبو

стр. 3284

وقيل فيه: أصله: أن سبقوا، فحذفت "أن"، كقوله: (وَمِنْ ءاياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ) [الروم: ٢٤]، واستدل عليه بقراءة ابن مسعود ﵁: "أنهم سبقوا"، وقيل: وقع الفعل على "أنهم لا يعجزون"؛ على أن "لا" صلة، و (سبقوا) في محل الحال، بمعنى: سابقين، أي: مفلتين هاربين، وقيل: معناه: ولا يحسبنهم الذين كفروا سبقوا، فحذف الضمير لكونه مفهوما، وقيل: ولا يحسبن قبيل المؤمنين الذين كفروا سبقوا. وهذه الأقاويل كلها متمحلة، وليست هذه القراءة التي تفرد بها حمزة بنيرة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ البقاء: "في الفاعل وجهان: أحدهما: هو مضمر، أي: لا يحسبن من خلفهم، أو: يحسبن أحد، والمفعول الثاني (سَبَقُوا). وثانيهما: أن الفاعل (الَّذِينَ كَفَرُوا) ن والمفعول الأول محذوف، أي: أنفسهم، وقيل: التقدير: أن سبقوا، و"أن" مصدرية، حُكي عن الفراء، وهو بعيد؛ لأن المصدرية موصولة، وحذف الموصول ضعيف في القياس شاذ في الاستعمال". قوله: (وقع الفعل على "أنهم لا يُعجزون"، على أن (لا) صلة): قال الزجاج: "ويجوز أن تكون (لا) لغواً، أي: ولا يحسبن الذين كفروا أنهم يعجزون، وأن يكون بدلاً من (سبقوا)، وهو ضعيف؛ لأن "لا" لا تكون لغواً في موضع يجوز أن تقع فيه غير لغو". قوله: (قبيل المؤمنين)، الجوهري: "القبيل: الجماعة تكون من ثلاثة فصاعداً من قوم شتى، والجمع: قُبل". قوله: (وليست هذه القراءة التي تفرد بها حمزة بنيرة): يقال: زعمه ليس بنير، وإن حمزة ما تفرد بها، وفي "التيسير": قرأ حفص وابن عامر وحمزة: (وَلا يَحْسَبَنَّ) بالياء، والباقون بالتاء"، ووجهها مستقيم على وجوه كما صححه أبو البقاء، ولأنها متواترة، وما تواتر فهو نير. على أنه أجاز حذف المفعول الأول من باب "حسب" في غير موضع من هذا الكتاب؛

стр. 3285

وعن الزهري: أنها نزلت فيمن أفلت من فل المشركين. [(وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ) ٦٠] (مِنْ قُوَّةٍ): من كل ما يتقوّى به في الحرب من عددها. وعن عقبة بن عامر: سمعت رسول الله ﷺ يقول على المنبر: "ألا إن القوة الرمي " قالها ثلاثا. ومات عقبة عن سبعين قوساً في سبيل الله. وعن عكرمة: هي الحصون. والرباط: اسم للخيل التي تربط في سبيل الله، ويجوز أن يسمى بالرباط الذي هو بمعنى المرابطة، ويجوز أن يكون جمع ربيط؛ كفصيل وفصال، وقرأ الحسن: "ومن ربط الخيل"، بضم الباء وسكونها، جمع رباط. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ منها: قال في قوله: (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً) [آل عمران: ١٦٩]: "هو في الأصل مبتدأ، فحذف كما حذف المبتدأ"، إلى غير ذلك كما سيجيء. قوله: (من فل المشركين)، النهاية: "الفَلُّ: القوم المنهزمون، من الفل: الكسر، وهو مصدر سُمي به، ويقع على الواحد والاثنين والجمع". قوله: (ومن عقبة بن عامر) الحديث: رواه مسلم والترمذي وأبو داود وابن ماجه والدارمي، وليس فيه: "مات عقبة عن سبعين قوساً". قوله: (والرباط: اسم للخيل التي تربط في سبيل الله): قيل: فإذن يلزم من إضافته إلى الخيل إضافة الشيء إلى نفسه، يُقال: الرباط: اسم عام يطلق على معان؛ منها ما ذكره، ومنها

стр. 3286

ويجوز أن يكون قوله: (وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ) تخصيصاً للخيل من بين ما يتقوى به، كقوله: (وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ) [البقرة: ٩٨]، وعن ابن سيرين: أنه سئل عمن أوصى بثلث ماله في الحصون؟ فقال: يشترى به الخيل، فترابط في سبيل الله ويغزى عليها، فقيل له: إنما أوصى في الحصون؟ فقال: ألم تسمع قول الشاعر: أنّ الحصون الخيل لا مدر القرى (تُرْهِبُونَ) قرئ بالتخفيف والتشديد، ....... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ انتظار الصلاة بعد الصلاة. في "النهاية": "الرباط في الأصل: الإقامة على جهاد العدو بالحرب، وارتباط الخيل: إعدادها، وقيل: الرباط: مصدر رابطت، أي لازمت. وقيل: الرباط: اسم لما يُربط به الشيء، أي: يُشد"، فأضيف إلى الخيل للبيان، كقولك: خاتم حديد، فعلى هذا اللام في قول المصنف: "الرباط" للعهد، أي: الرباط المذكور في الآية، قال في "الانتصاف": "المطابق للرمي أن يكون "الرباط" على بابه مصدراً". قوله: (إن الحصون الخيل لا مدر القرى): أوله: ولقد علمت على توقي الردى يعني: علمت أن الحصون التي يتوقى بها: الخيل، لا قصور القرى والمدائن التي يلجأ إليها. قوله: (تُرهبون): بالتخفيف: الجماعة، وبالتشديد: شاذة. الراغب: "الرهبة والرهب مخافة مع تحزن واضطراب، قال : (لأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ) [الحشر: ١٣]، (وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ)، والترهب: التعبد، وهو استعمال الرهبة،

стр. 3287

وقرأ ابن عباس ومجاهد: "تخزون"، والضمير في (بِهِ) راجع إلى (ما استطعتم)، (عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ): هم أهل مكة، (وَءاخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ): هم اليهود وقيل: المنافقون وعن السدي هم أهل فارس. وقيل: كفرة الجن، وجاء في الحديث: "إن الشيطان لا يقرب صاحب فرس، ولا داراً فيها فرس عتيق"، وروى: "أنّ صهيل الخيل يرهب الجن". [(وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) ٦١] جنح له، وإليه: إذا مال، والسلم: تؤنث تأنيث نقيضها، وهي الحرب، قال: السِّلْمُ تَاخُذُ مِنْهَا مَا رَضِيتَ بِهِ … وَالْحَرْبُ يَكْفِيكَ مِنْ أَنْفَاسِهَا جُرَعُ وقرئ بفتح السين وكسرها وعن ابن عباس ﵁: أن الآية منسوخة بقوله تعالى: (قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) [التوبة: ٢٩]، وعن مجاهد: بقوله (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) [التوبة: ٥]، والصحيح أن الأمر موقوف على ما يرى فيه الإمام صلاح الإسلام وأهله؛ من حرب أو سلم، وليس بحتم: أن يقاتلوا أبدا، أو يجابوا إلى الهدنة أبداً. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والرهبانية: غلو في تحمل الرهبة من فرط الرهبة، والرهبان يكون واحداً وجمعاً، وقالوا: رهبوت خير من رحموت"., قوله: (قال: السلم تأخذ) البيت: مضى شرحه في البقرة. قوله: (إلى الهدنة): هادنة: صالحه، والاسم: الهدنة.

стр. 3288

وقرأ الأشهب العقيلي. "فاجنح" بضم النون. (وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ): ولا تخف من إبطانهم المكر في جنوحهم إلى السلم، فإنّ الله كافيك وعاصمك من مكرهم وخديعتهم. قال مجاهد: يريد قريظة. [(وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ* وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) ٦٢ - ٦٣] (فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ) فإن محسبك الله: قال جرير: إنِّي وَجَدْتُ مِنَ الْمَكارِمِ حَسْبَكُمْ … أَنْ تَلْبَسُوا خَزَّ الثِّيَابِ وَتَشْبَعُوا (وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ) التأليف بين قلوب من بعث إليهم رسول الله ﷺ من الآيات الباهرة؛ لأنّ العرب لما فيهم من الحمية، والعصبية، والانطواء على الضغينة في أدنى شيء وإلقائه بين أعينهم إلى أن ينتقموا، لا يكاد يأتلف فيهم قلبان، ...... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. قوله: (إني وجدت من المكارم) البيت، بعده: إذا تُذوكرت المكارم مرة … في مجلس أنتم به فتقنعوا "حسبكم": أي: محسبكم، و"الحر" من كل شيء: أعتقه، ويروي: "خز الثياب"، والخز: "اسم دابة، سمي الثوب المتخذ من وبرها خزاً". في "المغرب". وفي "النهاية": الخز: ثياب تنسج من إبريسم وصوف، وقيل الخز: الثياب المعمول من الإبريسم، وهذا هو المعروف الآن". يهجوهم بأنهم لئام أراذل هممهم مقصورة على المآكل والملابس. "تقنعوا": أي: غطوا وجوهكم من الحياء، "أن تلبسوا" فاعل: "حسبكم"، وقيل: وقوع "حسبُك" صفة للنكرة في قولهم: عندي رجل حسبك رجلاً، دليل على أنه في معنى اسم الفاعل.

стр. 3289

ثم ائتلفت قلوبهم على إتباع رسول الله ﷺ ، واتحدوا، وأنشؤوا يرمون عن قوس واحدة، وذلك لما نظم الله من ألفتهم، وجمع من كلمتهم، وأحدث بينهم من التحاب والتوادّ، وأماط عنهم من التباغض والتماقت، وكلفهم من الحب في الله والبغض في الله، ولا يقدر على ذلك إلا من يملك القلوب، فهو يقلبها كما شاء، ويصنع فيها ما أراد. وقيل: هم الأوس والخزرج، كان بينهم من الحروب والوقائع ما أهلك سادتهم ورؤساءهم، ودق جماجمهم، ولم يكن لبغضائهم أمد ومنتهى، وبينهما التجاور الذي يهيج الضغائن، ويديم التحاسد والتنافس، وعادة كل طائفتين كانتا بهذه المثابة أن تتجنب هذه ما آثرته أختها، وتكرهه وتنفر عنه، فأنساهم الله تعالى ذلك كله حتى اتفقوا على الطاعة، وتصافوا، وصاروا أنصاراً، وعادوا أعواناً، وما ذاك إلا بلطيف صنعه وبليغ قدرته. [(يأيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) ٦٤] ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وبينهما التجاور)، الأساس: "وهم جيرتي، وتجاوروا". قوله: (وعادة كل طائفتين: مبتدأ، والخبر "أن تنجب"، و"كانتا بهذه المثابة" صفة "طائفتين". قوله: (وما ذاك إلا بلطيف صنعه وبليغ قدرته): ويمكن أن يستنبط هذا المعنى من قوله: (عَزِيزٌ حَكِيمٌ)، فإن العزيز دل على بليغ قدرته، ومن عزته: أن بعث النبي ﷺ إليهم، وجعل بعثته من الآيات الباهرة والمعجزات القاهرة، حيث ألف به قلوبهم، وأذل صعبهم؛ بأن أوقع بنهم الرحمة والتواضع، ورفع الأنفة الكبر، ولا يقدر على ذلك إلا من يكون قاهراً على الأشياء كلها، مالكاً للقلوب الأبية المجبولة على الحمية الجاهلية، كما قال ﷺ : "إن

стр. 3290

(وَمَنِ اتَّبَعَكَ) الواو بمعنى "مع" وما بعده: منصوب، تقول: حسبك وزيداً درهم، ولا تجرّ؛ لأنّ عطف الظاهر المجرور على المكني ممتنع، قال: فَحَسْبُكَ وَالضَّحَّاكَ عَضْبٌ مُهَنَّدُ والمعنى: كفاك وكفى أتباعك من المؤمنين الله ناصراً، أو يكون في محل الرفع: أي: كفاك الله وكفاك المؤمنون. وهذه الآية نزلت بالبيداء في غزوة بدر قبل القتال، وعن ابن عباس ﵁ نزلت في إسلام عمر، وعن سعيد بن جبير: أنه أسلم مع النبي ﷺ ثلاثة وثلاثون رجلا وست نسوة، ثم أسلم عمر ﵁، فنزلت. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد، يصرفها كيف يشاء". رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو، وأحمد بن حنبل عن أم سلمة. ومن حكمته: أن دبر أمورهم هذا التدبير العجيب، وأحدث فيهم من التواد والتحاب، ونظم ألفتهم وجمع كلمتهم، لأن الفاصلة كالتعليل للتأليف، ولابد من مناسبة لتخصيص الصفتين. قوله: (فحسبك والضحاك عضب مهند): أوله: إذا كانت الهيجاء وانشقت العصا وانشقاق العصا: عبارة عن التفرق، ونصب "الضحاك" بقوله: "فحسبك"، لأنه في معنى: يكفيك، يقول: إذا كان يوم الحرب ووقع الخلاف بينكم فحسبكم مع الضحاك سيف هندي.

стр. 3291

[(يأيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ* ألن خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) ٦٥ - ٦٦] التحريض: المبالغة في الحث على الأمر، من الحرض، وهو أن ينهكه المرض ويتبالغ فيه، حتى يشفى على الموت، أو أن تسميه حرضاً، وتقول له: ما أراك إلا حرضاً في هذا الأمر وممرضاً فيه؛ ليهيجه ويحرّك منه. ويقال: حركه وحرضه وحرشه وحربه؛ بمعنى. وقرئ: " حرص" بالصاد غير المعجمة، حكاها الأخفش؛ من الحرص. وهذه عدة من الله وبشارة بأن الجماعة من المؤمنين إن صبروا غلبوا عشرة أمثالهم من الكفار بعون الله تعالى وتأييده، ثم قال: (بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ) أي: بسبب أنَّ الكفار قوم جهلة يقاتلون على غير احتساب وطلب ثواب كالبهائم، فيقل ثباتهم ويعدمون- لجهلهم بالله- نصرته، ويستحقون خذلانه، ......... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أو أن تسميه حرضاً): عطف على قوله: "المبالغة في الحث"، يريد: أن "حرضاً" له معنيان. الأساس: "نُهِكَ فلان مرضاً حتى أصبح حرضاً، أي: أشفى على الهلاك، وحرضه على الأمر، وفيه تحريض"، فإذا حُمل على المعنى الأول فمعناه: يا أيها النبي حث المؤمنين على القتال، أي: بالغ في الأمر بالقتال، وإذا حُمل على الثاني فمعناه: سمهم حرضاً، كما يُقال: فسقته، أي: سميته فاسقاً، وهذا من باب التهييج والإلهاب، ولهذا قال: "ليهيجه ويُحرك منه". قوله: (ويستحقون خذلانه)، وقوله: "ومعه ما يستوجب به النصر": بناء على مذهبه، فإن عندهم الوجوب عقلي، وفعل العبد مؤثر، وعندنا: الوجوب بسبب الوعد؛ تفضلاً منه تعالى، لقوله: (وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) [الروم: ٤٧].

стр. 3292

خلاف من يقاتل على بصيرة، ومعه ما يستوجب به النصر والإظهار من الله. وعن ابن جريج: كان عليهم أن لا يفروا ويثبت الواحد منهم للعشرة، وكان رسول الله ﷺ بعث حمزة ﵁ في ثلاثين راكباً، فلقي أبا جهل في ثلاثمائة راكب. قيل: ثم ثقل عليهم ذلك وضجوا منه، وذلك بعد مدّة طويلة، فنسخ وخفف عنهم بمقاومة الواحد الاثنين. وقيل: كان فيهم قلة في الابتداء، ثم لما كثروا بعد نزل التخفيف. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقيل: كان فيهم قلة في الابتداء): فإن قلت: كيف يستقيم هذا مع قوله: (الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً)، فإن التحويل من القلة إلى الكثرة يزيد القوة لا الضعف؟ قلتُ: لما كان موجب القوة اعتمادهم على الله وتوكلهم عليه، لا على الكثرة، ما في بدر وغيره، أوجب أن يُقاوم واحد منهم عشرة، ولهذا يعلل الأمر بما يقابل قوله: (بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ)، وإليه الإشارة بقوله: "خلاف من يقاتل على بصيرة، ومعه ما يستوجب به النصر والإظهار من الله"، ثم لما كثروا واعتمدوا عليها بعض الاعتماد، كما في حُنين، خفف الله عنهم بعض ذلك. وقال الإمام: "الكفار إنما يعولون على قوتهم وشوكتهم، والمسلمون يستعينون بالدعاء والتضرع، ومن كان كذلك كان النصر والظفر به أليق". فإن قلت: فما معنى عطف قوله: (وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً) على قوله: (خَفَّفَ اللَّهُ)؟ قلت: معناه: الآن خفف الله عنكم لما هر متعلق علمه تعالى، أي: كثرتكم التي هي موجب ضعفكم بعد ظهور قلتكم وقوتكم. روى السلمي عن النصرابادي: هذا التخفيف كان للأمة دون الرسول ﷺ ، ومن لا

стр. 3293

وقرئ: (ضعفاً) بالفتح والضم؛ كالمكث والمكث، والفقر والفقر. و"ضعفا: ً؛ جمع ضعيف، وقرئ الفعل المسند إلى "المئة" بالتاء والياء في الموضعين. والمراد بالضعف: الضعف في البدن، وقيل: في البصيرة والاستقامة في الدين، وكانوا متفاوتين في ذلك. فإن قلت: لم كرّر المعنى الواحد- وهو مقاومة الجماعة لأكثر منها- مرّتين، قبل التخفيف وبعده؟ قلت: للدلالة على أن الحال مع القلة والكثرة واحدة لا تتفاوت، لأن الحال قد تتفاوت بين مقاومة العشرين المئتين، والمئة الألف، وكذلك بين مقاومة المئة المئتين والألف الألفين. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يثقله حمل أمانة النبوة كيف يُخاطب بتخفيف اللقاء للأضداد؟ وكيف يُخاطب به الرسول ﷺ ، وهو الذي يقول: "بك أصول وبك أحول"، ومن كان به كيف يخفف عنه أو يُقل عليه؟ قوله: (وقرئ: (ضَعْفاً) بالفتح والضم): بالفتح: عاصم وحمزة، والباقون: بضمها. قوله: (وقرئ الفعل المسند إلى المئة): أي: قوله: (وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ)، بالياء التحتانية: الثانية: أبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي، والثالثة: عاصم وحمزة والكسائي. والباقون: بالتاء بلا خلاف. قوله: (لأن الحال قد تتفاوت): يعني: حالة المقاومة تتفاوت، ترى الواحد لا يقاوم العشرة، والعشرة المئة، فإذا بلغ العدد إلى مئة مع ألف من العدو لا يكون الحكم كذلك،

стр. 3294

[(ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ* لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ) ٦٧ - ٦٨] وقرئ: "للنبيَّ"، على التعريف، و"أسارى"، و"يثخن"بالتشديد، ومعنى الإثخان: كثرة القتل والمبالغة فيه، من قولهم: أثخنته الجراحات: إذا أثبتته حتى تثقل عليه الحركة، وأثخنه المرض: إذا أثقله؛ من الثخانة التي هي الغلظ والكثافة، يعنى: حتى يذل الكفر ويضعفه بإشاعة القتل في أهله، ويعز الإسلام ويقويه بالاستيلاء والقهر، ثم الأسر بعد ذلك. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فربما يُقاومونهم على هذه الزيادة، ومن ثم قيل: الجيش العرمرم أربعة آلاف، فلا يُغلب من أجل القلة وكثرة العدو، ورُوي في الحديث: "خير الجيوش أربعة آلاف"، لكن حال المسلمين بخلاف ذلك، كما أشار إليه بقوله: "للدلالة على أن الحال مع القلة والكثرة واحدة". قوله: (قرئ: "للنبي" … ، و"أسارى"، و"يُثخن" بالتشديد): وهو في الشواذ. قال الزجاج: "قرئ: أسرى وأسارى، فمن قرأ: أسرى، فهو جمع أسير؛ وفعلى فعيل: جمع لكل من أصيب في بدنه وفي عقله، يقال: مريض ومرضى، وأحمق وحمقى، ومن قرأ: أسارى فهو جمع الجمع، يقال: أسير وأسرى وأسارى"، والفتح هو الأصل. قوله: (ثم الأسر بعد ذلك): تفسير لمعنى الغاية في قوله تعالى: (حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ) يعني: لا يجوز الأسر إلا بعد إذلال الكفرة بالقتل، وإعزاز أهل الإسلام بالغلبة والقهر.

стр. 3295

ومعنى (ما كانَ): ما صح له وما استقام، وكان هذا يوم بدر، فلما كثر المسلمون نزل (فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً) [محمد: ٤]. وروى: أنّ رسول الله ﷺ ، أتى بسبعين أسيراً فيهم العباس عمه، وعقيل بن أبى طالب، فاستشار أبا بكر فيهم فقال: قومك وأهلك، استبقهم، لعلّ الله أن يتوب عليهم، وخذ منهم فدية تقوى بها أصحابك، وقال عمر: كذبوك وأخرجوك فقدّمهم واضرب أعناقهم، فإنّ هؤلاء أئمة الكفر، وإن الله أغناك عن الفداء: مكن علياً من عقيل، وحمزة من العباس، ومكني من فلان لنسيب له، فلنضرب أعناقهم. فقال ﵇: " إنّ الله ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشدّد قلوب رجال حتى تكون أشدّ من الحجارة، وإنّ مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم؛ قال: (فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [إبراهيم: ٣٦]، ومثلك يا عمر مثل نوح؛ قال: (رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً) [نوح: ٢٦]، ثم قال لأصحابه: أنتم اليوم عالة فلا يفلتن أحد منكم إلا بفداء أو ضرب عنق". ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أتي بسبعين أسيراً فيهم العباس) الحديث: مخرج في "مسند أحمد بن حنبل" عن ابن مسعود إلى قوله: "إلا بفداء أو ضرب عنق" مع اختلاف فيه. ومن قوله: "فإذا هو وأبو بكر يبكيان" إلى قوله: "لشجرة قريبة منه": رواه مسلم والترمذي عن ابن عباس. قال القاضي: "الآية دليل على أن الأنبياء مجتهدون، وأنه قد يكون خطأ، ولكن لا يقرون عليه".
следующие страницы →