Полный текст (9 345 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.
стр. 3291
[(يأيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ* ألن خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) ٦٥ - ٦٦]
التحريض: المبالغة في الحث على الأمر، من الحرض، وهو أن ينهكه المرض ويتبالغ فيه، حتى يشفى على الموت، أو أن تسميه حرضاً، وتقول له: ما أراك إلا حرضاً في هذا الأمر وممرضاً فيه؛ ليهيجه ويحرّك منه. ويقال: حركه وحرضه وحرشه وحربه؛ بمعنى.
وقرئ: " حرص" بالصاد غير المعجمة، حكاها الأخفش؛ من الحرص. وهذه عدة من الله وبشارة بأن الجماعة من المؤمنين إن صبروا غلبوا عشرة أمثالهم من الكفار بعون الله تعالى وتأييده، ثم قال: (بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ) أي: بسبب أنَّ الكفار قوم جهلة يقاتلون على غير احتساب وطلب ثواب كالبهائم، فيقل ثباتهم ويعدمون- لجهلهم بالله- نصرته، ويستحقون خذلانه، .........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أو أن تسميه حرضاً): عطف على قوله: "المبالغة في الحث"، يريد: أن "حرضاً" له معنيان. الأساس: "نُهِكَ فلان مرضاً حتى أصبح حرضاً، أي: أشفى على الهلاك، وحرضه على الأمر، وفيه تحريض"، فإذا حُمل على المعنى الأول فمعناه: يا أيها النبي حث المؤمنين على القتال، أي: بالغ في الأمر بالقتال، وإذا حُمل على الثاني فمعناه: سمهم حرضاً، كما يُقال: فسقته، أي: سميته فاسقاً، وهذا من باب التهييج والإلهاب، ولهذا قال: "ليهيجه ويُحرك منه".
قوله: (ويستحقون خذلانه)، وقوله: "ومعه ما يستوجب به النصر": بناء على مذهبه، فإن عندهم الوجوب عقلي، وفعل العبد مؤثر، وعندنا: الوجوب بسبب الوعد؛ تفضلاً منه تعالى، لقوله: (وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) [الروم: ٤٧].
стр. 3292
خلاف من يقاتل على بصيرة، ومعه ما يستوجب به النصر والإظهار من الله.
وعن ابن جريج: كان عليهم أن لا يفروا ويثبت الواحد منهم للعشرة، وكان رسول الله ﷺ بعث حمزة ﵁ في ثلاثين راكباً، فلقي أبا جهل في ثلاثمائة راكب. قيل: ثم ثقل عليهم ذلك وضجوا منه، وذلك بعد مدّة طويلة، فنسخ وخفف عنهم بمقاومة الواحد الاثنين.
وقيل: كان فيهم قلة في الابتداء، ثم لما كثروا بعد نزل التخفيف.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقيل: كان فيهم قلة في الابتداء): فإن قلت: كيف يستقيم هذا مع قوله: (الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً)، فإن التحويل من القلة إلى الكثرة يزيد القوة لا الضعف؟
قلتُ: لما كان موجب القوة اعتمادهم على الله وتوكلهم عليه، لا على الكثرة، ما في بدر وغيره، أوجب أن يُقاوم واحد منهم عشرة، ولهذا يعلل الأمر بما يقابل قوله: (بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ)، وإليه الإشارة بقوله: "خلاف من يقاتل على بصيرة، ومعه ما يستوجب به النصر والإظهار من الله"، ثم لما كثروا واعتمدوا عليها بعض الاعتماد، كما في حُنين، خفف الله عنهم بعض ذلك. وقال الإمام: "الكفار إنما يعولون على قوتهم وشوكتهم، والمسلمون يستعينون بالدعاء والتضرع، ومن كان كذلك كان النصر والظفر به أليق".
فإن قلت: فما معنى عطف قوله: (وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً) على قوله: (خَفَّفَ اللَّهُ)؟ قلت: معناه: الآن خفف الله عنكم لما هر متعلق علمه تعالى، أي: كثرتكم التي هي موجب ضعفكم بعد ظهور قلتكم وقوتكم.
روى السلمي عن النصرابادي: هذا التخفيف كان للأمة دون الرسول ﷺ ، ومن لا
стр. 3293
وقرئ: (ضعفاً) بالفتح والضم؛ كالمكث والمكث، والفقر والفقر. و"ضعفا: ً؛ جمع ضعيف، وقرئ الفعل المسند إلى "المئة" بالتاء والياء في الموضعين.
والمراد بالضعف: الضعف في البدن، وقيل: في البصيرة والاستقامة في الدين، وكانوا متفاوتين في ذلك.
فإن قلت: لم كرّر المعنى الواحد- وهو مقاومة الجماعة لأكثر منها- مرّتين، قبل التخفيف وبعده؟ قلت: للدلالة على أن الحال مع القلة والكثرة واحدة لا تتفاوت، لأن الحال قد تتفاوت بين مقاومة العشرين المئتين، والمئة الألف، وكذلك بين مقاومة المئة المئتين والألف الألفين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يثقله حمل أمانة النبوة كيف يُخاطب بتخفيف اللقاء للأضداد؟ وكيف يُخاطب به الرسول ﷺ ، وهو الذي يقول: "بك أصول وبك أحول"، ومن كان به كيف يخفف عنه أو يُقل عليه؟
قوله: (وقرئ: (ضَعْفاً) بالفتح والضم): بالفتح: عاصم وحمزة، والباقون: بضمها.
قوله: (وقرئ الفعل المسند إلى المئة): أي: قوله: (وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ)، بالياء التحتانية: الثانية: أبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي، والثالثة: عاصم وحمزة والكسائي. والباقون: بالتاء بلا خلاف.
قوله: (لأن الحال قد تتفاوت): يعني: حالة المقاومة تتفاوت، ترى الواحد لا يقاوم العشرة، والعشرة المئة، فإذا بلغ العدد إلى مئة مع ألف من العدو لا يكون الحكم كذلك،
стр. 3294
[(ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ* لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ) ٦٧ - ٦٨]
وقرئ: "للنبيَّ"، على التعريف، و"أسارى"، و"يثخن"بالتشديد، ومعنى الإثخان: كثرة القتل والمبالغة فيه، من قولهم: أثخنته الجراحات: إذا أثبتته حتى تثقل عليه الحركة، وأثخنه المرض: إذا أثقله؛ من الثخانة التي هي الغلظ والكثافة، يعنى: حتى يذل الكفر ويضعفه بإشاعة القتل في أهله، ويعز الإسلام ويقويه بالاستيلاء والقهر، ثم الأسر بعد ذلك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فربما يُقاومونهم على هذه الزيادة، ومن ثم قيل: الجيش العرمرم أربعة آلاف، فلا يُغلب من أجل القلة وكثرة العدو، ورُوي في الحديث: "خير الجيوش أربعة آلاف"، لكن حال المسلمين بخلاف ذلك، كما أشار إليه بقوله: "للدلالة على أن الحال مع القلة والكثرة واحدة".
قوله: (قرئ: "للنبي" … ، و"أسارى"، و"يُثخن" بالتشديد): وهو في الشواذ. قال الزجاج: "قرئ: أسرى وأسارى، فمن قرأ: أسرى، فهو جمع أسير؛ وفعلى فعيل: جمع لكل من أصيب في بدنه وفي عقله، يقال: مريض ومرضى، وأحمق وحمقى، ومن قرأ: أسارى فهو جمع الجمع، يقال: أسير وأسرى وأسارى"، والفتح هو الأصل.
قوله: (ثم الأسر بعد ذلك): تفسير لمعنى الغاية في قوله تعالى: (حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ) يعني: لا يجوز الأسر إلا بعد إذلال الكفرة بالقتل، وإعزاز أهل الإسلام بالغلبة والقهر.
стр. 3295
ومعنى (ما كانَ): ما صح له وما استقام، وكان هذا يوم بدر، فلما كثر المسلمون نزل (فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً) [محمد: ٤].
وروى: أنّ رسول الله ﷺ ، أتى بسبعين أسيراً فيهم العباس عمه، وعقيل بن أبى طالب، فاستشار أبا بكر فيهم فقال: قومك وأهلك، استبقهم، لعلّ الله أن يتوب عليهم، وخذ منهم فدية تقوى بها أصحابك، وقال عمر: كذبوك وأخرجوك فقدّمهم واضرب أعناقهم، فإنّ هؤلاء أئمة الكفر، وإن الله أغناك عن الفداء: مكن علياً من عقيل، وحمزة من العباس، ومكني من فلان لنسيب له، فلنضرب أعناقهم.
فقال ﵇: " إنّ الله ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشدّد قلوب رجال حتى تكون أشدّ من الحجارة، وإنّ مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم؛ قال: (فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [إبراهيم: ٣٦]، ومثلك يا عمر مثل نوح؛ قال: (رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً) [نوح: ٢٦]، ثم قال لأصحابه: أنتم اليوم عالة فلا يفلتن أحد منكم إلا بفداء أو ضرب عنق".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أتي بسبعين أسيراً فيهم العباس) الحديث: مخرج في "مسند أحمد بن حنبل" عن ابن مسعود إلى قوله: "إلا بفداء أو ضرب عنق" مع اختلاف فيه. ومن قوله: "فإذا هو وأبو بكر يبكيان" إلى قوله: "لشجرة قريبة منه": رواه مسلم والترمذي عن ابن عباس.
قال القاضي: "الآية دليل على أن الأنبياء مجتهدون، وأنه قد يكون خطأ، ولكن لا يقرون عليه".
стр. 3296
وروي أنه قال لهم: إن شئتم قتلتموهم، وإن شئتم فاديتموهم، واستشهد منكم بعدّتهم، فقالوا: بل نأخذ الفداء، فاستشهدوا بأحد".
وكان فداء الأسارى عشرين أوقية، وفداء العباس أربعين أوقية. وعن محمد بن سيرين: كان فداؤهم مئة أوقية، والأوقية: أربعون درهما وستة دنانير.
وروى: أنهم لما أخذوا الفداء نزلت الآية، فدخل عمر على رسول الله ﷺ فإذا هو وأبو بكر يبكيان، فقال: يا رسول الله أخبرني، فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت، فقال: أبكى على أصحابك في أخذهم الفداء، ولقد عرض علىّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة - لشجرة قريبة منه.
وروى أنه قال: لو نزل عذاب من السماء لما نجا منه غير عمرو سعد بن معاذ"، لقوله: كان الإثخان في القتل أحب إلىّ.
(عَرَضَ الدُّنْيا): حطامها، سمى بذلك لأنه حدث قليل اللبث، يريد الفداء
(وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ) يعنى: ما هو سبب الجنة من إعزاز الإسلام بالإثخان في القتل، وقرئ: "يريدون" بالياء،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((عَرَضَ الدُّنْيَا): حُطامها)، الراغب: "العرض: ما لا ثبات له، ومنه استعار المتكلمون العرض لما لا ثبات له إلا بالجوهر، كاللون والطعم، وقيل: "الدنيا عرض حاضر"، تنبيهاً على أن لا ثبات لها".
стр. 3297
وقرأ بعضهم "والله يريد الآخرة" بجرّ "الآخرة" على حذف المضاف وإبقاء المضاف إليه على حاله، كقوله:
وَنَارٍ تَوَقَّدُ بِالَّليْلِ نَارَاً
ومعناه: والله يريد عرض الآخرة؛ على التقابل، يعنى ثوابها (وَاللَّهُ عَزِيزٌ) يغلب أولياءه على أعدائه، ويتمكنون منهم قتلا وأسراً، ويطلق لهم الفداء، ولكنه (حَكِيمٌ) يؤخر ذلك إلى أن يكثروا ويعزوا، وهم يعجلون.
(لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ) لولا حكم منه سبق إثباته في اللوح، وهو أنه لا يعاقب أحد بخطأ، وكان هذا خطأ في الاجتهاد،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ونار توقد بالليل ناراً): أوله:
أكل امرئ تحسين امرأ
يقول: أكل امرئ تظنين أنه رجل ذو سماحة وشجاعة، وكل نار تُرى بالليل تظنين أنها نار قرى. قال ابن جني: "هو بيت الكتاب"، وتقديره: "وكل نار"، فناب ذكره في أول الكلام عن إعادتها في آخره، كأنه قال: وكل نار، هرباً من العطف على عاملين، وهما (كل) و (تحسين) ".
وعلى هذا قراءة الجر في "الآخرة" بتقدير "عرض"، وإنما جاز للمشاكلة، لأن العرض - بالتحريك - متاع الدنيا وحطامها، والدار الآخرة هي الحيوان، وثوابه دائم لا ينقطع.
стр. 3298
لأنهم نظروا في أن استبقاءهم ربما كان سبباً في إسلامهم وتوبتهم، وأنّ فداءهم يتقوّى به على الجهاد في سبيل الله، وخفي عليهم أن قتلهم أعز للإسلام، وأهيب لمن وراءهم، وأفل لشوكتهم.
وقيل: كتابه: أنه سيحل لهم الفدية التي أخذوها. وقيل: إن أهل بدر مغفور لهم. وقيل: إنه لا يعذب قوماً إلا بعد تأكيد الحجة وتقديم النهى، ولم يتقدم نهى عن ذلك.
[(فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّبًا واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) ٦٩]
(فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ) روي أنهم أمسكوا عن الغنائم، ولم يمدّوا أيديهم إليها، فنزلت. وقيل: هو إباحة للفداء، لأنه من جملة الغنائم (وَاتَّقُوا اللَّهَ) فلا تقدموا على شيء لم يعهد إليكم فيه.
فإن قلت: ما معنى الفاء؟ قلت: التسبيب والسبب محذوف، معناه: قد أبحت لكم الغنائم فكلوا مما غنمتم، (وحللاً): نصب على الحال من المغنوم، أو صفة للمصدر، أي أكلاً حلالاً، وقوله: (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) معناه: أنكم إذا اتقيتموه بعد ما فرط منكم من استباحة الفداء قبل أن يؤذن لكم فيه، غفر لكم ورحمكم، وتاب عليكم.
[(يأيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ٧٠]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أن أهل بدر): بفتح "أن"، أي: كتابه أن أهل بدر مغفور لهم، وهو من قوله ﷺ لعمر ﵁ في حديث حاطب: "إنه قد شهد بدراً، وما يُدريك لعل الله اطلع على أهل بدر وقال: اعملوا ما شئتم، قد غفرت لكم" الحديث، أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما كما سبق.
стр. 3299
(فِي أَيْدِيكُمْ): في ملكتكم، كأن أيديكم قابضة عليهم. وقرئ: (من الأسرى)، (فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً): خلوص إيمان، وصحة نية، (يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ) من الفداء، إما أن يخلفكم في الدنيا أضعافه، أو يثيبكم في الآخرة. وفي قراءة الأعمش: (يثبكم خيراً).
وعن العباس أنه قال: كنت مسلماً، لكنهم استكرهوني، فقال رسول الله ﷺ : "إن يكن ما تذكره حقا فالله يجزيك، فأما ظاهر أمرك فقد كان علينا"، وكان أحد الذين ضمنوا إطعام أهل بدر، وخرج بالذهب لذلك.
وروى: أن رسول الله ﷺ قال للعباس: "افد ابني أخيك؛ عقيل بن أبى طالب، ونوفل بن الحارث "، فقال: يا محمد، تركتني أتكفف قريشاً ما بقيت. فقال له: " فأين الذهب الذي دفعته إلى أمّ الفضل وقت خروجك من مكة، وقلت لها: لا أدري ما يصيبني في وجهي هذا، فإن حدث بى حدث فهو لك ولعبد الله وعبيد الله والفضل؟ " فقال العباس: وما يدريك؟ قال "أخبرني به ربى"، قال العباس: فأنا أشهد أنك صادق، وأن لا إله إلا الله، وأنك عبده ورسوله، والله لم يطلع عليه أحد إلا الله، ولقد دفعته إليها في سواد الليل، ولقد كنت مرتاباً في أمرك، فأمّا إذ أخبرتني بذلك فلا ريب. قال العباس: فأبدلني الله خيراً من ذلك، لي الآن عشرون عبداً، إن أدناهم ليضرب في عشرين ألفاً، وأعطاني زمزم، ما أحب أن لي بها جميع أموال أهل مكة، وأنا أنتظر المغفرة من ربي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وعن العباس أنه قال): الحديث بتمامه مذكور في "مُسند أحمد بن حنبل" عن ابن عباس مع تغيير، لكن ليس فيه حديث "عشرون عبداً".
قوله: (ليضربُ): أي: ليضرب الأرض، ويسافر فيها، ويتجر في عشرين ألفاً.
стр. 3300
وروي: أنه قدم على رسول الله ﷺ مال البحرين ثمانون ألفاً، فتوضأ لصلاة الظهر، وما صلى حتى فرقه، وأمر العباس أن يأخذ منه ما قدر على حمله، وكان يقول: هذا خير مما أخذ منى، وأرجو المغفرة.
وقرأ الحسن وشيبة: "مما أخذ منكم"، على البناء للفاعل.
[(وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) ٧١]
(وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ): نكث ما بايعوك عليه من الإسلام والردّة واستحباب دين آبائهم (فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ) في كفرهم به ونقض ما أخذ على كل عاقل من ميثاقه (فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ) كما رأيتم يوم بدر، فسيمكن منهم إن أعادوا الخيانة. وقيل: المراد بالخيانة: منع ما ضمنوا من الفداء.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ)): يُقال: مكنه من الشيء وأمكنه منه: أقدره عليه. الأساس: "مكنته من الشيء وأمكنته منه، فتمكن منه واستمكن، ويقول المصارع لصاحبه: مكني من ظهرك".
وفي إيقاع قوله تعالى: (فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ) جزاء للشرط: معنى قولهم: إن تكرمني الآن فقد أكرمتك أمس، وهو متضمن للتوبيخ والإخبار بالوعيد، ومن ثم قال: "فسيمكن منهم"، وهذه الآية قرينة للسابقة، والمعنى: قل للأسارى إن أردتم الإخلاص في الإيمان، وصحت نياتكم لله فيه، فالله تعالى لا يضيع حقكم في الدنيا والآخرة، وإن أردتم الأخرى - وهي دأبكم وعادتكم - فالله تعالى قادر على أن يمكن منكم. فوضع الخيانة موضع عدم الإخلاص في الإيمان، ليؤذن بأن الإيمان هو الأمانة التي استودع الله في بني آدم (إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ) إلى قوله: (وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ) [الأحزاب: ٧٢]، ولذلك قال: "ونقض ما أُخذ على كل عاقل من ميثاقه" يعني: في قوله: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى) [الأعراف: ١٧٢].
стр. 3301
[(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) ٧٢]
الذين هاجروا: أي: فارقوا أوطانهم وقومهم حبا لله ورسوله: هم المهاجرون. والذين آووهم إلى ديارهم ونصروهم على أعدائهم: هم الأنصار.
(بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ) أي: يتولى بعضهم بعضاً في الميراث، وكان المهاجرون والأنصار يتوارثون بالهجرة والنصرة دون ذوى القرابات، حتى نسخ ذلك بقوله: (وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ) [الأحزاب: ٦].
وقرئ: (من ولايتهم) بالفتح والكسر، أي من توليهم في الميراث. ووجه الكسر أن تولى بعضهم بعضا شبه بالعمل والصناعة، كأنه بتوليه صاحبه يزاول أمراً ويباشر عملا، (فَعَلَيْكُمُ النَّصْر): ُ فواجب عليكم أن تنصروهم على المشركين (إِلَّا عَلى قَوْمٍ) منهم (بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ): عهد فإنه لا يجوز لكم نصرهم عليهم لأنهم لا يبتدؤون بالقتال، إذ الميثاق مانع من ذلك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: (مِنْ وَلايَتِهِمْ) بالفتح): مصدر، "وبالكسر": حمزة وحده، الجوهري: "الولاية بالكسر: السلطان، وبالفتح: النصرة، ويُقال: هم على ولاية، أي: مجتمعون في النصرة، وقال سيبويه: الولاية بالفتح: المصدر، وبالكسر: السلطان، والولاية مثل الإمارة والنقابة".
قوله: (أن تولي بعضهم بعضاً شبه بالعمل): قيل: الظاهر أنه أراد أن المصدر في الصنائع وما يزاول فيه ويعالج: يجيء على"فعالة" بالكسر، مثل: الكتابة والتجارة والصناعة، فشبه تولي بعضهم بعضاً بالعمل والصناعة، ثم استعير.
وقال الزجاج: وكل ما كان من جنس الصناعة فمكسور، مثل: الخياطة.
стр. 3302
[(وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ) ٧٣]
[(وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ) ظاهره إثبات الموالاة بينهم كقوله تعالى في المسلمين: (أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ) [الأنفال: ٧٢]، ومعناه: نهى المسلمين عن موالاة الذين كفروا وموارثتهم، وإيجاب مباعدتهم ومصارمتهم، وإن كانوا أقارب، وأن يتركوا يتوارثون بعضهم بعضا.
ثم قال: (إِلَّا تَفْعَلُوهُ) أي: إلا تفعلوا ما أمرتكم به من تواصل المسلمين وتولى بعضهم بعضاً، حتى في التوارث، تفضيلا لنسبة الإسلام على نسبة القرابة، ولم تقطعوا العلائق بينكم وبين الكفار، ولم تجعلوا قرابتهم كلا قرابة تحصل فتنة في الأرض ومفسدة عظيمة، لأنّ المسلمين ما لم يصيروا يداً واحدة على الشرك، كان الشرك ظاهراً والفساد زائداً.
وقرئ "كثير" بالثاء.
[(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ * وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) ٧٤ - ٧٥].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أي: إن لا تفعلوا ما أمرتكم به): يريد أن الضمير في (تَفْعَلُوهُ) بمنزلة اسم الإشارة الذي يُشار به إلى جميع ما ذُكر، والمذكور: قيل: ما دل على الأمر والنهي، لأن معنى (أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) الأمر بتواصل المسلمين، وقوله: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) نهيٌ عن تواصل الكافرين، ومن ثم قال: "ومعناه نهيُ المسمين"، ولذلك صح أن يجمعهما قوله: (إِلاَّ تَفْعَلُوهُ) أي: إن لم تمتثلوا ما أمرتم به، ولم تنتهوا عما نُهيتم عنه.
قوله: (بدا واحدة): عبارة عن الاتفاق والتعاضد. النهاية: "في الحديث: "اجعل الفُساق يداً يداً": أي: فرق بينهم، ومنه قولهم: تفرقوا أيادي سبأ، أي: تفرقوا في البلاد أشتاتاً".
стр. 3303
(أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا) لأنهم صدقوا إيمانهم وحققوه، بتحصيل مقتضياته من هجرة الوطن ومفارقة الأهل والانسلاخ من المال لأجل الدين، وليس بتكرار لأن هذه الآية واردة للثناء عليهم، والشهادة لهم مع الموعد الكريم، والأولى للأمر بالتواصل.
(وَالَّذِينَ ءامَنُوا مِنْ بَعْدُ) يريد اللاحقين بعد السابقين إلى الهجرة، كقوله: (وَالَّذِينَ جآءُو مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ) [الحشر: ١٠]، ألحقهم بهم، وجعلهم منهم، تفضلا منه وترغيباً
(وَأُولُوا الْأَرْحامِ): أولو القرابات أو أولى بالتوارث، وهو نسخ للتوارث بالهجرة والنصرة (فِي كِتاب اللَّهِ) تعالى: في حكمه وقسمته. وقيل في اللوح. وقيل في القرآن، وهو آية المواريث، وقد استدل به أصحاب أبى حنيفة على توريث ذوى الأرحام.
عن رسول الله ﷺ : "من قرأ سورة الأنفال وبراءة، فأنا شفيع له يوم القيامة، وشاهد أنه بريء من النفاق وأعطى عشر حسنات بعدد كل منافق ومنافقة، وكان العرش وحملته يستغفرون له أيام حياته في الدنيا".
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وليس بتكرار): يعني: قوله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا) إلى قوله: (وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا) إنما جيء به أولاً وعُقب بقوله: (أُوْلَئِكَ)، ليؤذن بأنهم السابقون في الدين الفائزون بالقدح المعلى فيه، فلا يُشق غبارهم، فهم لذلك أجرياء بأن يكونوا إخواناً، وأن لا يؤثر بعضهم نفسه بالمزايا الدنيوية على أخيه، وأعيد ثانياً ليعلق به ما لهم عند الله من المراتب السنية، والفوز بالرضوان والمقامات العلية، فجمع خير الدارين بتينك الخلتين.
وأنت إذا تأملت هذه الخاتمة، حققت النظر في الفاتحة، عند قوله: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ) [الأنفال: ١]، عرفت إيجاب رعاية النظم في المبدأ والوسط والمنتهى. والله أعلم بالصواب.
* * *
تمت السورة
стр. 3304
سورةُ التوبة
مدنية، وهي مئة وثلاثون -وقيل: تسع وعشرون- آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
لها عدة أسماء: براءة، التوبة، المقشقشة، المبعثرة، المشردة، المخزية، الفاضحة، المثيرة، الحافرة، المنكلة، المدمدمة، سورة العذاب؛ لأنّ فيها التوبة على المؤمنين، وهي تقشقش من النفاق، أي تبرئ منه، وتبعثر عن أسرار المنافقين تبحث عنها، وتثيرها، وتحفرها وتفضحهم، وتنكلهم، وتشرد بهم، وتخزيهم، وتدمدم عليهم.
وعن حذيفة: "إنكم تسمونها سورة التوبة، وإنما هي سُورةُ العذاب، والله ما تركت أحداً إلا نالت منه".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ..
سورة التوبة
مدنية، وهي مئة وثلاثون أو تسع وعشرون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (تسمونها سورة التوبة، وإنما هي سورة العذاب، والله ما تركت أحداً إلا نالت منه)، النهاية: "وفي الحديث: "أن رجلاً كان ينال من الصحابة"، يعني: الوقيعة فيهم"، يعني: ما ذُكر
стр. 3305
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فيها أحد من فرق الناس؛ كالمشركين والمنافقين وأهل الكتاب والمؤمنين، إلا بُولغ في شأنهم أقصى الغاية، لا ترى أبلغ منها.
أما المشركون والمنافقون وأحوالهم فلا حاجة إلى البيان. وأما المؤمنون الخُلص فورود قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ)، إلى قوله: (أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَاتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) [التوبة: ٢٤]، وهو من أشد ما يُخاطب به المخالف، فكيف الموافق؟ ولهذا قال الحسن: عقوبة آجلة وعاجلة، وهذه آية شديدة لا ترى أشد منها.
وأما أهل الكتاب فإن قوله تعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) [التوبة: ٢٩] إلى منتهى قوله: (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ) [التوبة: ٣٤ - ٣٥] جامع لخزي الدنيا والصغار والذلة وخزي الآخرة على أبلغ ما يكون.
ويقرب مما رُوي عن حذيفة: ما روى البخاري ومسلم عن سعيد بن جبير قال: "قلت لابن عباس: سورة التوبة، قال: بل هي الفاضحة، ما زالت تقول: (وَمِنْهُمْ)، (وَمِنْهُمْ)، حتى ظنوا أن لا يبقى أحدٌ إلا ذُكر فيها".
وأما تسميتها بالتوبة: فلقوله تعالى: (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ) [التوبة: ١١٧]، إلى قوله: (وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا) [التوبة: ١١٨]، فغُلبت على العذاب، فسميت بالتوبة.
وأما ما رواه المصنف عن حذيفة، فمعناه: أنه غلب الأغلب الأقوى على الأقل الأضعف، غير لازم، فغن سورة البقرة سميت: بقرة، على أن حديث البقرة نزر قليل بالنسبة إلى غيره.
стр. 3306
فإن قلت: هلا صدرت بآية التسمية، كما في سائر السور؟ قلت: سأل عن ذلك ابن عباس عثمان ﵄، فقال: إنّ رسول الله ﷺ كان إذا نزلت عليه السورة أو الآية قال: "اجعلوها في الموضع الذي يذكر فيه كذا وكذا "، وتوفى رسول الله ﷺ ولم يبين لنا أين نضعها، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، فلذلك قرنت بينهما، وكانتا تدعيان القرينتين، ........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (سأل عن ذلك ابن عباس عثمان ﵄، الحديث: اعلم أن جوابه غير مطابق للسؤال؛ سأل عن بيان عدم تصدير السورة بالبسملة، وأجاب عن موقع السورة مع أختها، ويمكن أن يُقال: إن السؤال كان عن شيئين، فاختصر في السؤال على أحدهما، وفي الجواب على الآخر، يدل عليه ما روى أحمد بن حنبل في "مسنده"، والترمذي وأبو داود في "سننهما"، عن ابن عباس قال: قلت لعُثمان ﵁: ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني، وإلى براءة وهي من المثين، فقرنتم بينهما، ولم تكتبوا سطر (بسم الله الرحمن الرحيم)؟ ووضعتموها في السبع الطوال؟ قال عثمان ﵁: كان رسول الله ﷺ مما يأتي عليه الزمان وهو ينزل عليه السور ذوات العدد، وكان إذا نزل عليه شيء دعا بعض من كان يكتب، يقول: "ضعوا هذه الآيات في السورة التي يُذكر فيها كذا وكذا"، وكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة، وكانت براءة من آخر القرآن نزولاً، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، فقبض رسول الله ﷺ ولم يُبين لنا أنها منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما، ولم أكتب سطر (بسم الله الرحمن الرحيم)، ووضعتها في السبع الطوال.
قلت: في الحديث دليل ظاهر على بيان ترتيب الآي والسور.
стр. 3307
وعن أبي بن كعب: "إنما توهموا ذلك، لأنّ في الأنفال: ذكر العهود، وفي براءة: نبذ العهود".
وسئل ابن عيينة فقال: اسم الله سلام وأمان، فلا يكتب في النبذ والمحاربة، قال تعالى (وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً) [النساء: ٩٤]، .........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وعن أُبي بن كعب إنما توهموا [ذلك]؛ لأن في الأنفال: ذكر العهود، وفي براءة: نبذ العهود): الأول إشارة إلى قوله تعالى: (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا) [الأنفال: ٦١]، والثاني: ما ذكر في آية السيف.
قوله: (قال الله تعالى: (وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً) [النساء: ٩٤]: روينا عن البخاري ومسلم والترمذي عن ابن عباس: "لقي ناس من المسلمين رجلاً في غنيمة له، فقال: السلام عليكم، فأخذوه، فقتلوه، وأخذوا تلك الغنيمات، فنزلت: (وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً) [النساء: ٩٤]، وقرأ ابن عباس: (السَّلامَ) ".
ووجه الاستدلال أن الكفار لما نبذوا العهد وأظهروا المحاربة، فالمناسب أن لا يُكتب إليهم في صدر الكتاب البسملة، لأنها أمارة أمان وسلامة؛ لما اشتملت على الاسم الجامع والوصف بما ينبئ عن جلائل النعم ودقائقها، وهو المراد من قوله" "اسم الله سلام وأمان"، كما أن المحارب حين طلب الأمان بالتسليم كان الواجب أن لا يقال له: لست مؤمناً؛ لأن السلام طلب سلامة وأمان.
قال المصنف في قوله: (فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً) [النور: ٦١]: "إن التسليم والتحية طلب سلامة وحياة للمسلم عليه".
стр. 3308
قيل: فإنّ النبي ﵇ قد كتب إلى أهل الحرب: "بسم الله الرحمن الرحيم"؟ قال: إنما ذلك ابتداء، يدعُوهُم ولم ينبذُ إليهم، ألا تراه يقول" "سَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى"، فمن دعي إلى الله فأجاب، ودعي إلى الجزية فأجاب: فقد اتبع الهدى، وأمّا النبذ: فإنما هو البراءة واللعنة، وأهل الحرب لا يسلم عليهم، ولا يقال: لا تفرق ولا تخف، ومترس ولا بأس: هذا أمان كله.
وقيل: سورة الأنفال والتوبة سورة واحدة، كلتاهما نزلت في القتال، تعدّان السابعة من الطول، وهي سبع، وما بعدها المئون، وهذا قول ظاهر، لأنهما معاً مئتان وست، فهما بمنزلة إحدى الطول. وقد اختلف أصحاب رسول الله ﷺ فقال؛ بعضهم: الأنفال وبراءة سورة واحدة. وقال بعضهم: هما سورتان، فتركت بينهما فرجة لقول من قال: هما سُورتان، وتركت (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) لقول من قال: هما سورة واحدة.
[(بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ* فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكفِرِينَ) ١ - ٢]
(بَراءَةٌ) خبر مبتدأ محذوف، أي: هذه براءة، (ومِنَ) لابتداء الغاية، مُتعلق بمحذوف وليس بصلة، كما في قولك: برئت من الدين، والمعنى: هذه براءة واصلة من الله ورسوله (إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ)، كما يقول: كتاب من فلان إلى فلان.
ويجوز أن يكون (بَراءَةٌ) مبتدأ لتخصيصها بصفتها، والخبر: (إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ)، كما تقول: رجل من بني تميم في الدار.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ.
قوله: (قيل: فإن النبي ﷺ : يعني: اعترضوا على ابن عيينة بفعل النبي ﷺ .
قوله: (متعلق بمحذوف وليس بصلة): أي: ظرف مستقر، وليس لغواً، كما في قولهم: برئت من الدين، فإنه صلة.
стр. 3309
وقرئ: "براءة" بالنصب؛ على: اسمعوا براءة. وقرأ أهل نجران: "من الله" بكسر النون، والوجه الفتح مع لام التعريف لكثرته. والمعنى أن الله ورسوله قد برئا من العهد الذي عاهدتم به المشركين، وأنه منبوذ إليهم.
فإن قلت: لم علقت البراءة بالله ورسوله، والمعاهدة بالمسلمين؟ قلت: قد أذن الله في معاهدة المشركين أوّلاً، فاتفق المسلمون مع رسول الله ﷺ وعاهدوهم، فلما نقضوا العهد أوجب الله تعالى النبذ إليهم، فخوطب المسلمون بما نجدّد من ذلك، فقيل لهم: اعلموا أنّ الله ورسوله قد برئا مما عاهدتم به المشركين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ("من الله"، بكسر النون): قال ابن جني: "حكاها سيبويه، وهو أولى القياس، تكسرها لالتقاء الساكنين، غير أنه كثر استعمال "مِنْ" مع "لام" المعرفة، فهربوا من توالي الكسرتين إلى الفتح، وإذا كانوا قد قالوا: "قُم الليل" و"قل الحق"، ففتحوا، ولم يلق هناك كسرتان، فالفتح في (مِنْ اللَّهِ) لتوالي الكسرتين أولى".
قوله: (لم عُلقت البراءة بالله ورسوله، والمعاهدة بالمسلمين؟ ): يعني: كان المناسب أن تُنسب المعاهدة والبراءة كلاهما: إما إلى المؤمنين معاً، أو إلى ذاته معاً، كما قال صاحب "التقريب"، وإنما علق البراءة بالله والرسول مع أن المعاهدة من المسلمين، وحق البراءة أن تُنسب إلى المعاهد؛ لأن الله تعالى أذن في المعاهدة، فكأنه عاهد وبرئ.
أجاب المصنف بأن ذلك إعلام بحسب الوقوع وترتيب الوجود، أذن الله رسوله ﷺ والمؤمنين أولاً بالمعاهدة، فعاهدوا، ثم لما نقض المشركون العهد جدد الله إعلاماً آخر، وقال لهم: اعلموا أن الله ورسوله برئ منهم، فتبرؤوا أنتم أيضاً.
ويمكن أن يُقال: إن المعاهدة لم تكن إلا بإذن الله تعالى وإباحته، فلما نبذ المشركون العهد نسب الله تعالى البراءة إلى نفسه، وضم معه ذكر الرسول ﷺ غضباً عليهم وتهديداً شديداً فينطبق عليه قول المصنف أولاً: "أذن الله"، وثانياً: "أوجب الله النبذ".
стр. 3310
رُوي: أنهم عاهدوا المشركين من أهل مكة وغيرهم من العرب، فنكثوا إلا ناساً منهم، وهم بنو ضمرة وبنو كنانة، فنبذ العهد إلى الناكثين، وأمروا أن يسيحوا في الأرض أربعة أشهر آمنين أين شاؤوا، وألا يتعرّض لهم، وهي الأشهر الحرم في قوله: (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ) [التوبة: ٥]، وذلك لصيانة الأشهر الحرم من القتل والقتال فيها، وكان نزولها سنة تسع من الهجرة، وفتح مكة سنة ثمان، وكان الأمير فيها عتاب بن أسيد، فأمّر رسول الله ﷺ أبا بكر على موسم سنة تسع، ثم أتبعه علياً ﵁ راكب العضباء ليقرأها على أهل الموسم، فقيل له: لو بعثت بها إلى أبى بكر؟ فقال: "لا يؤدى عنى إلا رجل منى"، فلما دنا علىّ سمع أبو بكر ﵁ الرغاء، فوقف، وقال: هذا رغاء ناقة رسول الله ﷺ ، فلما لحقه قال: أمير أو مأمور؟ قال: مأمور.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ.
قال صاحب "الانتصاف": "فيه سر، وذلك أنه لا يُسند العهد إلى الله تعالى في مقام يوهم شائبة النقض إجلالاً وتعظيماً لكبريائه، ألا ترى وصية رسول الله ﷺ لأمراء السرايا: "وإذا نزلت بحصن، فطلبوا النزول على حكم الله تعالى فأنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أصادفت حكم الله تعالى أم لا؟ وإن طلبوا ذمة الله فأنزلهم على ذمتك، فلأن تخفر ذمتك خير من أن تخفر ذمة الله"، فتوقير عهد الله واجب، وقد تحقق من المشركين النكث، وتبرأ الله ورسوله منه، فأحرى بأن لا ينسب العهد المنبوذ إلى الله تعالى".
قوله: (العضباء): وهي مشقوقة الأذن، وقيل: العضباء لقب لناقة رسول الله ﷺ ، ولم تكن مشقوقة الأذن.
قوله: (لا يؤدي عني إلا رجل مني): روى أحمد بن حنبل عن أبي جُنادة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "علي مني وأنا منه، ولا يؤدي عني إلا أنا أو علي".
стр. 3311
وروي: أنّ أبا بكر ﵁ لما كان ببعض الطريق هبط جبريل ﵇، فقال: يا محمد، لا يبلغنّ رسالتك إلا رجل منك، فأرسل علياً، فرجع أبو بكر إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، أشيء نزل من السماء؟ قال: "نعم، فسر وأنت على الموسم، وعلىّ ينادى بالآي"، فلما كان قبل التروية خطب أبو بكر وحدثهم عن مناسكهم، وقام على يوم النحر عند جمرة العقبة، فقال: يا أيها الناس، إني رسول رسول الله إليكم. فقالوا: بماذا؟ فقرأ عليهم ثلاثين أو أربعين آية، وعن مجاهد: ثلاث عشرة.
ثم قال: أمرت بأربع: أن لا يقرب البيت بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا كل نفس مؤمنة، وأن يتم إلى كل ذي عهد عهده: فقالوا عند ذلك: يا على، أبلغ ابن عمك أنا قد نبذنا العهد وراء ظهورنا، وأنه ليس بيننا وبينه عهد؛ إلا طعن بالرماح وضرب بالسيوف.
وقيل: إنما أمر أن لا يبلغ عنه إلا رجل منه؛ لأنّ العرب عادتها في نقض عهودها أن يتولى ذلك على القبيلة رجل منها، فلو تولاه أبو بكر لجاز أن يقولوا: هذا خلاف ما يعرف فينا من نقض العهود، فأزيحت علتهم بتولية ذلك علياً ﵁.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وروى الترمذي عن أنس قال: بعث النبي ﷺ ببراءة مع أبي بكر ﵁، ثم دعاه، فقال: "لا ينبغي لحد أن يبلغ هذا إلا رجل من أهلي"، فدعا علياً ﵁ وأعطاه إياه.
قوله: (أمُرت بأربع): أي: أن أنادي بأربع. فإن قلت: ما فائدة النداء بقوله: "ولا يدخلن الجنة إلا كل نفس مؤمنة"؟ قلت: الإعلام بأن المشرك لا يقبل منه بعد هذا غير الإيمان، كقوله تعالى: (فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) إلى قوله: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ) [التوبة: ٥]، وهو من باب: لا رأينك هاهنا، يعني: أمرت بأن أنادي بأن يتصفوا بما يستعدون به أن يكونوا أهلاً للجنة، إذ لا يقبل منهم سوى هذا.
стр. 3312
فإن قلت: الأشهر الأربعة ما هي؟ قلت: عن الزهري: أنّ براءة نزلت في شوال، فهي أربعة أشهر: شوّال، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرّم، وقيل: هي عشرون من ذي الحجة، والمحرّم، وصفر، وشهر ربيع الأوّل، وعشر من شهر ربيع الآخر، وكانت حرماً؛ لأنهم أُومنوا فيها وحرّم قتلهم وقتالهم، أو على التغليب؛ لأنّ ذا الحجة والمحرّم منها.
وقيل: لعشر من ذي القعدة إلى عشر من ربيع الأول؛ لأنّ الحج في تلك السنة كان في ذلك الوقت للنسيء الذي كان فيهم، ثم صار في السنة الثانية من ذي الحجة.
فإن قلت: ما وجه إطباق أكثر العلماء على جواز مقاتلة المشركين في الأشهر الحرم، وقد صانها الله تعالى عن ذلك؟ قلت: قالوا: نسخ وجوب الصيانة، وأبيح قتال المشركين فيها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ.
قوله: (أو على التغليب): عطف على "لأنهم أومنوا"، أي: أطلق على عشرين من ذي الحجة إلى عشر من ربيع الآخر اسم الأشهر الحرم، لأنهم أومنوا فيها وحرم قتلهم وقتالهم، أو أطلق هذا الاسم على التغليب، يعني: غُلب ذو الحجة والمحرم، لأنهما من الأشهر الحرم بالاتفاق، على صفر وربيع الأول وبعض ربيع الآخر، لأنها ليست من الأشهر الحرم، فسموا بالأشهر الحرم.
قوله: (وقيل: لعشر من ذي القعدة إلى عشر من ربيع الأول): وهذا أقرب الأقوال، لأن نداء علي بالآيات كان يوم النحر عند جمرة العقبة، كما سبق.
قوله: (للنسيء الذي كان فيهم): رُوي أنهم كانوا ينسئون الحج كل عامين من شهر إلى شهر آخر، ويجعلون الشهر الذي أنسؤوا فيه ملغي، فتكون تلك السنة ثلاثة عشر شهراً،
стр. 3313
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ويتركون العام الثاني على ما كان عليه الأول، فلا يزالون كذلك إلى خمس وعشرين سنة، ثم يستدير حينئذ الشهر الذي بُديء منه، وكانت السنة التي حج فيها رسول الله ﷺ حجة الوداع التي وصل ذو الحجة إلى موضعه، فقال ﷺ في خطبته: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهراً"، يعني: أن الله تعالى أدحض أمر النسيء، فإن حساب السنة قد استقام ورجع إلى الأصل الموضوع يوم خلق السماوات والأرض. قوله: "السنة اثنا عشر شهرا"تأكيد في إبطال أمر النسيء.
وروى محيي السنة في "شرح السنة": "أن العرب كانت في الجاهلية قد بدلت أشهر الحج، وذلك أنهم كانوا يعتقدون تعظيم هذه الأشهر الحرم، ويتحرجون فيها عن القتال، فاستحل بعضهم القتال فيها من أجل أن عامة معايشهم كانت من الصيد والغارة، وكان يشق عليهم الكف عن ذلك ثلاثة أشهر على التوالي، وكانوا إذا استحلوا شهراً منها، حرموا مكانه شهراً آخر، وهو النسيء الذي ذكر الله تعالى في كتابه: (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ) [التوبة: ٣٧]، ومعنى النسيء: تأخير تحريم رجب إلى شعبان، والمحرم إلى صفر، مأخوذ من: نسأت الشيء: إذا أخرته، وكان ذلك في كنانة، وإذا أخروا تحرمي المحرم إلى صفر، ومكثوا ذلك زماناً، ثم احتاجوا إلى تأخير تحريم صفر إلى الربيع، فعلوا هكذا شهراً بعد شهر، حتى استدار التحريم على السنة كلها، فقام الإسلام، وقد رجع المحرم إلى موضعه الذي وضعه الله".
وقد سبق في سورة البقرة عند قوله تعالى: (فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) [البقرة: ١٩٧] رواية عن بعضهم على غير هذه الطريقة.
стр. 3314
(غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ): لا تفوتونه وإن أمهلكم، وهو مخزيكم، أي: مذلكم في الدنيا بالقتل، وفي الآخرة بالعذاب.
[(وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ) ٣]
(وَأَذانٌ) ارتفاعه كارتفاع (براءة) على الوجهين، ثم الجملة معطوفة على مثلها، ولا وجه لقول من قال: إنه معطوف على (براءة)، كما لا يقال: "عمرو" معطوف على "زيد"، في قولك: زيد قائم، وعمرو قاعد، والأذان: بمعنى الإيذان، وهو الإعلام، كما أنّ الأمان والعطاء بمعنى الإيمان والإعطاء.
فإن قلت: أي فرق بين معنى الجملة الأولى والثانية؟ قلت: تلك إخبار بثبوت البراءة، وهذه إخبار بوجوب الإعلام بما ثبت.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كما لا يُقال: "عمرو" معطوف على "زيد" في قولك: زيد قائم وعمرو قاعد): ولقاتل أن يقول: لِمَ لا يجوز أن يُعطف على (بَرَاءَةٌ)، على أن يكون من عطف الخبر على الخبر، كأنه قيل: هذه السورة براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم خاصة، وأذان من الله ورسوله إلى الناس عامة. نعم، الأحسن الأوجه أن يكون عطف جملة على جملة، لئلا تتخلل بين الخبرين جمل كثيرة أجنبية، ولئلا يفوت التطابق بين المبتدأ والخبر تأنيساً وتذكيراً.
قوله: (تلك إخبار بثبوت البراءة): يعني: قوله: (بَرَاءَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) يعني: هذه براءة ثابتة من الله ورسوله (إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ) إخبار من الله تعالى لمن خاطبهم بقوله: (عَاهَدتُّمْ)، بثبوت هذا الحكم في علم الله تعالى، وقوله: (وَأَذَانٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى
стр. 3315
فإن قلت: لم علقت البراءة بالذين عوهدوا من المشركين، وعلق الأذان بالناس؟ قلت: لأنّ البراءة مختصة بالمعاهدين والناكثين منهم، وأمّا الأذان فعام لجميع الناس؛ من عاهد ومن لم يعاهد، ومن نكث من المعاهدين ومن لم ينكث.
(يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ) يوم عرفة، وقيل: يوم النحر؛ لأنّ فيه تمام الحج ومعظم أفعاله؛ من الطواف، والنحر، والحلق، والرمي. وعن على ﵁: أن رجلا أخذ بلجام دابته، فقال: ما الحج الأكبر؟ قال: يومك هذا، خل عن دابتي!
وعن ابن عمر ﵁: أنّ رسول الله ﷺ وقف يوم النحر عند الجمرات في حجة الوداع، فقال: "هذا يوم الحج الأكبر".
ووصف الحج بالأكبر؛ لأنّ العمرة تسمى الحج الأصغر، أو جعل الوقوف بعرفة هو الحج الأكبر؛ لأنه معظم واجباته؛ لأنه إذا فات فات الحج، وكذلك إن أريد به يوم النحر؛ لأن ما يفعل فيه معظم أفعال الحج فهو الحج الأكبر.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ …
النَّاسِ) إخبارٌ منه تعالى لأولئك المخاطبين واجب التبليغ إلى كافة الناس في ذلك اليوم المخصوص، بما ثبت في حكم الله تعالى من تلك لبراءة.
فقوله: (أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ) إجمال لتفصيل ما أخبر أولاً من قوله: (بَرَاءَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ)، إلى قوله: (فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ)، المشتمل على التهديد والوعيد، بقوله: (وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ) [التوبة ١ - ٢]، ومن ثم رتب عليه قوله: (فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ)، فالكلام مُدمج بعضه في بعض، الثاني مقرر للأول متضمن لمعنى زائد عليه.
قوله: (أو جُعل الوقوف بعرفة هو الحج الأكبر): عطف معنوي على قوله: "لأن العمرة"، كأنه قال: إنما سُمي مجموع الأركان بالحج الأكبر، لأن العمرة حج أصغر، أو سُمي بعض
стр. 3316
وعن الحسن: سُمى يوم الحج الأكبر؛ لاجتماع المسلمين والمشركين فيه، وموافقته لأعياد أهل الكتاب، ولم يتفق ذلك قبله ولا بعده، فعظم على قلب كل مؤمن وكافر. حذفت الباء التي هي صلة "الأذان" تخفيفاً، وقرئ "إن الله" بالكسر؛ لأنّ "الأذان" في معنى "القول".
(وَرَسُولِهِ) عطف على المنوي في (بَرِيءٌ)، أو على محل "إن" المكسورة واسمها، ........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أركان الحج - وهو الوقوف بعرفة- بالحج الأكبر، لأنه مُعظم أركان الحج، وبقية الأركان دونه أو أصغر منه؛ تسمية لمعظم الشيء باسم كله.
قوله: (حُذفت الباء التي هي صلة "الأذان" تخفيفاً): قال أبو البقاء: " (أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ) بفتح الهمزة، وفيه وجهان: أحدهما: هو خبر الأذان، أي: الإعلام من الله براءته من المشركين، والثاني: هو صفة، أي: وأذان كائن بالبراءة، وقيل: التقدير: وإعلام من الله بالبراءة، فالباء متعلقة بنفس المصدر".
قوله: (أو على محل "عن" المكسورة): أي: (وَرَسُولُهُ) عطف على محل "إنَّ" المكسورة واسمها، على تقدير عدمها، وذلك لأن المكسورة لما لم تُغير المعنى جاز أن تقدم كالعدم، فتعطف على محل ما عملت فيه. هذا معنى قولهم: يُعطف على محلها مع اسمها.
هذا على ما قرئ في الشاذة بكسر "إن" ظاهر، وأما على المشهورة بفتح "أن"؛ فلأنها في تأويل المكسورة، قال أبو البقاء: "هذا عند المحققين غير جائز، لأن المفتوحة لها موضع غير الابتداء، بخلاف المكسورة".
قال ابن الحاجب: " (وَرَسُولُهُ) بالرفع معطوف على "إن" باعتبار المحل، وإن كانت مفتوحة لأنها في حكم المكسورة، وهذا موضع لم ينبه عليه النحويون، فإنهم إذا قالوا: يُعطف
стр. 3317
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
على اسم "إن" المكسورة دون غيرها، توهموا أنه لا يجوز العطف على المفتوحة، والمفتوحة تنقسم إلى قسمين: قسم يجوز العطف على اسمها بالرفع، وقسم لا يجوز.
فالذي يجوز: هو أن تكون في حكم المكسورة، كقولك: علمت أن زيداً قائم وعمرو، لأنه في معنى: إن زيداً قائم وعمرو، فكما جاز العطف ثم جاز هاهنا، ألا ترى أن "عَلِمَ" لا يدخل إلا على المبتدأ والخبر، يدل على ذلك وجوب الكسر في قولك: علمت إن زيداً لقائم، وإنما انتصب بعدها توفيراً لما يقتضيه "علمتُ" من معنى المفعولية، وإذا تحقق أنها في حكم المكسورة جاز العطف على موضعها.
وإن كانت المفتوحة على غير هذه الصفة لم يجز العطف على اسمها بالرفع، مثل قولك: أعجبني أن زيداً قائم وعمراً، فلا يجوز غلا النصب، لأنها ليست مكسورة ولا في حكمها",
وقال في غير هذا الموضع: "إنما لم يعطف على المفتوحة لفظاً ومعنى؛ لأنها واسمها وخبرها بتأويل خبر واحد، فلو قدرت أنها في حكم العدم لأخلت بموضوعها، بخلاف "إن" المكسورة، لأنها لا تُغير المعنى، فجاز تقدير عدمها لكونها للتأكيد المحض، كما جاز تقدير عدم الباء المؤكدة في قوله:
فلسنا بالجبال ولا الحديدا"
стр. 3318
وقرئ بالنصب؛ عطفًا على اسم "أن"، أو لأن الواو بمعني "مع"، أي: برئ معه منهم، وبالجر على الجوار، وقيل: على القسم؛ كقوله: (لَعَمْرُكَ) [الحجر: ٧٢].
ويحكى أن أعرابيًا سمع رجلا يقرؤها، فقال: إن كان الله بريئًا من رسوله فأنا منه برئ، فلبيه الرجل إلى عمر، فحكى الأعرابي قراءته، فعندها أمر عمر ﵁ بتعليم العربية.
(فَإن تُبْتُمْ) من الكفر والغدر (فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وإن تَوَلَّيْتُمْ) عن التوبة، أو ثبتم على التولي والإعراض عن الإسلام والوفاء، فأعلموا أنكم غير سابقين الله، ولا فائتين أخذه وعقابه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وبالجر على الجوار): يعني: هو منصوب معطوف على اسم "أنَّ"، لكن مجرور لجوار قوله: (الْمُشْرِكِينَ)، نحو قولهم: جُحر ضب خرب. وهذا ليس بشيء؛ لأنه قد عُلم من قوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ) [المائدة: ٦] ومن مواضع في "كتابه" أن فائدة العطف على الجوار اكتساب المعطوف بعض معناه من المعطوف عليه، ولا يجوز ذلك هاهنا، وقال أبو البقاء: "ولا يكون عطفا ًعلى (الْمُشْرِكِينَ)؛ لأنه يؤدي إلى الكفر".
قوله: (كقوله: (لَعَمْرُكَ): قال ابن قتيبة: لعمرك ولعمر الله: هو العمر، يقال: أطال الله عمرك وعمرك، وهو قسم بالبقاء، يريد المصنف أنه تعالى أقسم به ﷺ هاهنا، كما أقسم به في قوله تعالى: (لَعَمْرُكَ)، ويجوز من الله أن يقسم بأشياء غيره، كما لا يجوز منا أن نقسم بغير الله.
قوله: (فلببه)، الجوهري: "لبيت الرجل تلبيباً: إذا جمعت ثيابه عند صدره ونحره، ثم جررته في الخصومة".
стр. 3319
[(إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) ٤]
فإن قلت: مم استثنى قوله: (إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ)؟ قلت: وجهه أن يكون مستثنى من قوله: (فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ) [التوبة: ٢]، لأن الكلام خطاب للمسلمين،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ.
قوله: (وجهه أن يكون مستثنى من قوله: (فَسِيحُوا)): يوهم أن هاهنا وجهاً آخر، قال أبو البقاء: " (إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ) في موضع نصب على الاستثناء من (الْمُشْرِكِينَ)، ويجوز أن يكون مبتدأ، والخبر (فَأَتِمُّوا) ".
واختار الأول صاحب "الكواشي" والقاضي، كأن التقدير: براءة من الله ورسوله إلى المشركين الناكثين للعهد والذين لم ينقضوا العهد، سواء كانت مدة عهدهم أقل من أربعة أشهر أو أكثر أو غير محدودة، ثم استثنى من الجمع الذين ضُرب لهم أجل محدود فوق أربعة أشهر، ولم ينقضوا العهد، فأمروا أن يتموا عهدهم. وقوله: (فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ) جزاء شرط محذوف.
وروى محيي السنة عن جماعة من المفسرين ما يقرب من هذا الوجه.
واختار الزجاج والمصنف الوجه الثاني، لأن (إلاَّ) إذا جُعل استدراكاً كان قوله: (الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ) مبتدأ، وهو متضمن لمعنى الشرط، فلذلك جيء في الخبر بالفاء، ورجح المصنف هذا الوجه بأن قوله: (عَاهَدتُّمْ) وقوله: (فَأَتِمُّوا) خطاب للمسلمين، وقوله: (فَسِيحُوا) أيضاً خطاب لهم على إضمار القول، فالمناسب أن يكون مستثنى منه، ليتطابقا،
стр. 3320
ومعناه: براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين، فقولوا لهم سيحوا، إلا الذين عاهدتم منهم، ثم لم ينقضوا فأتموا إليهم عهدهم والاستثناء بمعنى الاستدراك، وكأنه قيل بعد أن أمروا في الناكثين، ولكن الذين لم ينكثوا فأتموا إليهم عهدهم، ولا تجروهم مجراهم، ولا تجعلوا الوفي كالغادر.
(إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) يعنى: أنّ قضية التقوى أن لا يسوّى بين القبيلين، فاتقوا الله في ذلك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بخلافه إذا جُعل مستثنى من (الْمُشْرِكِينَ)، اللهم إلا أن يُذهب إلى التأويل المذكور، وفيه تعسف كما قررناه، ولهذا قال: "وجهه أن يكون مستثنى من قوله: (فَسِيحُوا) ".
وأيضاً على هذا يحسن عطف قوله: (وَأَذَانٌ مِنْ اللَّهِ) الآية، على جملة (بَرَاءَةٌ مِنْ اللَّهِ)؛ ليؤذن بالتبري الكلي من المشركين، وأن هؤلاء المعاهدين قد استدرك منهم ضرورة، وغلا فالحق أن لا يستدرك أحد منهم، ولا يحسن هذا على المتصل.
قال في "الانتصاف": "ويجوز أن يكون (فَسِيحُوا) خطاباً من الله، ولا يُضمر قبله: "قولوا"، ويكون الاستثناء من قوله: (إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ)، أي: براءة من الله ورسوله إلى المعاهدين، إلا الباقين على العهد، ويكون فيه خروج عن خطاب المسلمين في (عَاهَدْتُمْ) إلى خطاب المشركين في (فَسِيحُوا)، والتفات بقوله: (وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ)، وقياسه: غير معجزي وأني مخزي الكافرين. وفيه افتنان وتفخيم للشأن، ثم يعود إلى الخطاب للمؤمنين في قوله: (إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً) ".
قوله: (أن قضية التقوى أن لا يسوى بين القبيلين): يريد أن قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
стр. 3321
(لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً): لم يقتلوا منكم أحداً، ولم يضروكم قط (وَلَمْ يُظاهِرُوا): ولم يعاونوا (عَلَيْكُمْ) عدوّا، كما عدت بنو بكر على خزاعة عيبة رسول الله ﷺ ، وظاهرتهم قريش بالسلاح، ........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الْمُتَّقِينَ) وارد على سبيل التعليل، لأن التقوى وصف مرتب على الحكمين، أعني قوله: "فقولوا لهم: سيحوا"، وقوله: (فَأَتِمُّوا)، ومضمونها عدم التسوية بين الغادر والوافي.
قوله: (كما عدت بنو بكر على خُزاعة): مُتعلق بقوله: "أن لا يُسوى بين القبيلين، فاتقوا الله في ذلك"، أي: فاتقوا الله في عدم التسوية، كما اتقى رسول الله ﷺ ، فلم يسو بين بني بكر وبني خزاعة، وقال: "لا نُصرت إن لم أنصركم".
روي محيي السنة: "دخلت خزاعة في عهد النبي ﷺ عام الحديبية، ودخل بنو بكر في عهد قريش، ثم عدت بنو بكر على خزاعة، فنالت منها، وأعانتهم قريش بالسلاح".
قوله: (عيبة رسول الله ﷺ ، الجوهري: "العيبة: ما تُجعل فيه الثياب، والجمع: عيب وعياب"، النهاية: "في الحديث: "الأنصار كرشي وعيبتي": أي: خاصتي وموضع سري، والعربُ تكنى عن الصدور بالعياب؛ لأنها مستودع السرائر، كما أن العياب مستودع الثياب". في "الفائق": "استعار الكرش والعيبة لموضع السر والأمانة، لأن المجتر يجمع علفه في رشه، والرجل يحمل ثيابه في عيبته".
стр. 3322
حتى وفد عمرو بن سالم الخزاعي على رسول الله ﷺ ، فأنشده:
لَاهُمَّ إنِّي نَاشِدٌ مُحَمَّدَا … حِلْفَ أَبِينَا وَأبِيكَ الأَتْلَدَا
إن قُرَيْشاً أَخْلَفُوكَ الْمَوْعِدَا … وَنَقَضُوا ذِمَامَكَ الْمُؤَكَّدَا
هُمْ بَيَّتُونَا بِالْحَطِيمِ هُجَّدَا … وَقَتَلُونَا رُكَّعاً وَسُجَّدَا
فقال ﵊: "لا نصرت إن لم أنصركم".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ.
قوله: (لاهم إني ناشد محمداً) الأبيات: "لا هم": أصله: اللهم، والميمان عوضان عن حرف النداء عند البصريين، وجوز سيبويه أن يكون "لاه" أصله اسم "الله"، ثم أدخلت عليه اللام، فجرى مجرى العلم كالعباس، وأصله: يا لاه، فأبدل الميم من حرف النداء، فصار: لاهم.
"ناشد": من قولهم في الاستعطاف: نشدتك بالله، أي: سألتك بالله، وطلبت إليك بحقه، ومعنى: إني سائل محمداً، أي: سائل ربي النصرة بمحمد ﷺ .
"الحلفُ" بالكسر: العهد بين القوم، والأحلاف: الذين يحالفون القوم على النصرة والوفاء. "الأتلد": أفعل التفضيل؛ من التالد: القديم.
"حلف أبينا": منصوب بمضمر، أي: اذكر وراع الذمام القديم الذي جرى بين آبائنا، وكان بين عبد المطلب وخُزاعة حلف قديم.
و"الحطيم": الذي فيه الميزاب، وهي الحجر، وسُمي به لأنهم كانوا في الجاهلية يحلفون فيهن فيحطم الكاذب.
قيل: فغضب لهم رسول الله ﷺ ، وخرج إلى مكة، ونصر الله رسوله، وشفى الله صدور خزاعة من بني بكر بالنبي ﷺ وبالمؤمنين، كما قال تعالى: (وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ) [التوبة: ١٥].
стр. 3323
وقرئ: (لم ينقضوكم) بالضاد معجمة، أي: لم ينقضوا عهدكم.
ومعنى (فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ): فأدّوه إليهم تامّاً كاملًا. قال ابن عباس: بقي لحىّ من كنانة من عهدهم تسعة أشهر، فأتمّ إليهم عهدهم.
[(فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ٥]
انسلخ الشهر: كقولهم انجرد الشهر، وسنة جرداء. (والْأَشْهُرُ الْحُرُمُ): التي أبيح فيها للناكثين أن يسيحوا. (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) يعنى: الذين نقضوكم وظاهروا عليكم، (حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) من حلّ أو حرم، (وَخُذُوهُمْ) وأسروهم. والأخيذ: الأسير (وَاحْصُرُوهُمْ): وقيدوهم وامنعوهم من التصرف في البلاد. وعن ابن عباس ﵄: حصرهم: أن يحال بينهم وبين المسجد الحرام.
(كُلَّ مَرْصَدٍ): كلّ ممرّ ومجتاز ترصدونهم به، وانتصابه على الظرف، كقوله (لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ) [الأعراف: ١٦]،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (انجرد الشهر)، النهاية: "في الحديث: "لأجردنك كما يجرد الضب"، أي: لأسلخنك كما يُسلخ الضب، لأنه إذا شُوي جُرد من جلده". الأساس: "ومن المجاز: وجردهم الجارود والجارودة، أي: العام والسنة. وسنة جرداء: كاملة منجردة عن انلقصان، وما رأيته منذ أجردان وجريدان، أي: نهاران.
قوله: (وانتصابه على الظرف، كقوله: (لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ) [الأعراف: ١٦]): أي: على صراطك، وهو من الشواذ.
стр. 3324
(فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ): فأطلقوا عنهم بعد الأسر والحصر، أو: فكفوا عنهم ولا تتعرّضوا لهم كقوله:
خَلِّ السَّبِيلَ لِمَنْ يَبْنِى الْمَنَارَ بِهِ
وعن ابن عباس ﵁: دعوهم وإتيان المسجد الحرام (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) يغفر لهم ما سلف من الكفر والغدر.
[(وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَامَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ) ٦]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ..
الانتصاف: "ويحتمل أن يكون "المرصد" مصدراً؛ لأن اسم الزمان والمكان والمصدر من فعله واحد، واقعدوا: في معنى: ارصدوا، ويقرب الظرفية قوله: (حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ)، فيطابق الظرفية في المكانين".
قوله: (فأطلقوا عنهم بعد الأسر): هذا على أن يكون (وَاحْصُرُوهُمْ) مفسراً بالقيد والمنع من التصرف.
قوله: (أو: فكفوا عنهم ولا تتعرضوا لهم): هذا على أن يكون معنى (وَاحْصُرُوهُمْ): أن يُحال بينهم وبين المسجد الحرام، وعلى التقديرين فمعنى: (فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ) كناية، إما عن افطلاق أو عدم التعرض.
قوله: (خل السبيل لمن يبني المنار به): تمامه:
وابرز ببرزة حيث اضطرك القدر
برزة: اسم أم عمر بن لجأ التيمي، قال الجوهري: "البيت لجرير"، يهجو يقول: دع
стр. 3325
(أَحَدٌ) مرتفع بفعل الشرط مضمرًا يفسره الظاهر، تقديرُه: وإن استجارك أحد استجارك، ولا يرتفع بالابتداء؛ لأنّ "إن" من عوامل الفعل لا تدخل على غيره.
والمعنى: وإن جاءك أحد من المشركين بعد انقضاء الأشهر، لا عهد بينك وبينه ولا ميثاق، فاستأمنك؛ ليسمع ما تدعو إليه من التوحيد والقرآن، ويتبين ما بعثت له فأمّنه (حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ) ويتدبره ويطلع على حقيقة الأمر، (ثُمَّ أَبْلِغْهُ) بعد ذلك داره التي يأمن فيها إن لم يسلم. ثم قاتله إن شئت من غير غدر ولا خيانة، وهذا الحكم ثابت في كل وقت.
وعن الحسن: هي محكمة إلى يوم القيامة، وعن سعيد بن جُبير: جاء رجل من المشركين إلى علىّ ﵁ فقال: إن أراد الرجل منا أن يأتي محمداً بعد انقضاء هذا الأجل يسمع كلام الله، أو يأتيه لحاجة قتل؟ ! قال: لا، لأنّ الله تعالى يقول: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ) الآية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سبيل الرشاد لمن يطلبه ويتعاناه، وابرز منه على الطريق الغي والضلال إذا اضطرك قضاء الله وقدره، فإن من يضله الله فلا هادي له، ولا ينفع الحذر عما قضى وقدر.
قوله: (وإن جاءك أحد من المشركين بعد انقضاء الأشهر لا عهد بينك وبينه): هذا يوجب تفسير قوله: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) بالناقضين كما قال، وتقدير غير المعاهدين عند قوله: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ)؛ لأن قوله: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ) عطف على قوله: (فَإِنْ تَابُوا)، فالفاء تفصيلية، المعنى: اقتلوا المشركين الناقضين وغير الناقضين، أما حكم الناقضين: فإنهم إن تابوا وأقاموا الصلاة فخلوا سبيلهم، وغير المعاهدين: إن جاءك أحد منهم فاستأمنك لسماع ما تدعو إليه فأمنه، فالآية من باب قوله تعالى: (لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ) [النساء: ٩٥] في أحد وجهيه.
стр. 3326
وعن السدّي والضحاك: هي منسوخة بقوله تعالى (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) [التوبة: ٥].
(ذلِكَ) أي: ذلك الأمر، يعنى الأمر بالإجارة في قوله (فَأَجِرْهُ) بسبب بِأَنَّهُمْ (قوم) جهلة (لا يَعْلَمُونَ) ما الإسلام؟ وما حقيقة ما تدعو إليه؟ فلا بُدّ من إعطائهم الأمان حتى يسمعوا ويفهموا الحق.
[(كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ * كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَابى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ) ٧ - ٨]
(كَيْفَ) استفهام في معنى الاستنكار والاستبعاد، لأن يكون للمشركين عهد عند رسول الله ﷺ ، وهم أضداد وغرة صدورهم، يعنى: مُحال أن يثبت لهؤلاء عهد، فلا تطمعوا في ذلك ولا تحدثوا به نفوسكم، ولا تفكروا في قتلهم.
ثم استدرك ذلك بقوله (إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ)، أي: ولكن الذين عاهدتم منهم (عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ) ولم يظهر منهم نكث كبني كنانة وبني ضمرة، فتربصوا أمرهم، ولا تقاتلوهم، (فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ) على العهد، (فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ) على مثله، (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) يعنى: أن التربص بهم من أعمال المتقين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ.
قوله: (وغرة صدورهم)، الجوهري: "الوغرة: شدة توقد الحر، ومنه قيل: في صدره عليَّ وغر، بالتسكين، أي: ضغن وعداوة وتوقد من الغيظ، والمصدر بالتحريك، تقول: وغر صدره على يوغر وغراً".
قوله: (ولا تفكروا في قتلهم): الرواية بتخفيف الكاف المكسورة، الجوهري: "أفكر في الشيء وفكر فيه وتفكر، بمعنى".
стр. 3327
(كَيْفَ) تكرار لاستبعاد ثبات المشركين على العهد، وحذف الفعل لكونه معلوماً كما قال:
وَخَبَّرْتُمَانِى أَنَّمَا الْمَوْتُ بِالْقُرَى … فَكَيْفَ وَهَاتَا هَضْبَة وَقَليبُ
يُريد: فكيف مات؟ أي: كيف يكون لهم عهد، وَحالهم أنهم (وإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ) بعد
ما سبق لهم من تأكيد الأيمان والمواثيق، لم ينظروا في حلف ولا عهد، ولم يبقوا عليكم (لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا) لا يراعوا حلفاً. وقيل: قرابة، وأنشد لحسان:
لَعَمْرُكَ إنَّ إلَّكَ مِنْ قُرَيْش … كَإلِّ السَّقْبِ مِنْ رَأَلِ النَّعَامِ
وقيل (إِلًّا) إلها. وقرئ: "إيلا"؛ بمعناه، وقيل: جبرئيل، وجبرئل، من ذلك.
وقيل: منه اشتق "الآل" بمعنى القرابة، كما اشتقت "الرحم" من" الرحمن، والوجه أن اشتقاق "الإلّ" بمعنى "الحلف"، -لأنهم إذا تماسحوا وتحالفوا رفعوا به أصواتهم وشهروه- من "الإل"، وهو الجؤار، وله أليل: أي: أنين يرفع به صوته،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وخبرتُماني) البيت: قبله:
لعمركما إن البعيد الذي مضى … وإن الذي يأتي غداً لقريب
قائلهما كعب الغنوي يرثي أخاه.
"الهضبة": الجبل المنبسط علىوجه الأرض، والجمع: هضب وهضاب. و"القليب": البئر؛ لقلب التراب منها.
قوله: (لعمرك إن إلك) البيت: "السقب": الذكر من ولد الناقة، "الرأل": ولد النعام.
قوله: (من الإل، وهو الجؤار): خبر "إن"، وقوله: "بمعنى الحلف": حال من "الإل"، والتعليل معترض بين الاسم والخبر، يعني: الوجه الصحيح أن يُقال: إن أصل "الإل" في
стр. 3328
ودعت ألليها: إذا ولولت، ثم قيل لكل عهد وميثاق: إلّ، وسميت به القرابة؛ لأن القرابة عقدت بين الرجلين مالا يعقده الميثاق.
(يُرْضُونَكُمْ) كلام مبتدأ في وصف حالهم من مخالفة الظاهر الباطن، مقرّر لاستبعاد الثبات منهم على العهد. وإباء القلوب مخالفة ما فيها من الأضغان، لما يجرونه على ألسنتهم من الكلام الجميل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ.
اللغة: الجؤار، وهو رفع الصوت، واشتق منه الحلف؛ لما فيه من رفع الصوت، ثم كثر استعماله في الحلف، حتى اشتهر في كل حلف، وإن لم يكن فيه رفع الصوت، ثم استعمل في كل عقد موثق، سواء كان فيه الحلف أم لم يكن، ولما وُجد هذا المعنى في القرابة أكثر كانت تسميتها به أولى، وإليه الإشارة بقوله: "لأن القرابة عقدت بين الرجلين ما لا يعقده الميثاق".
وإنما كان هذا الوجه أوجه من كونه مشتقاً من "الإل" الذي هو بمعنى: الإله؛ لأن المأخوذ منه إذا كان عربياً كان أولى من كونه سريانياً، قال الزجاج: "وقيل: الإل: اسم من أسماء الله تعالى، وهذا ليس بالوجه؛ لأن أسماء الله معروفة معلومة في الكتاب والسنة، ولم يسمع يا إل".
قوله: (ودعت ألليها): عطف على قوله: "وله أليل"، أي: يُقال كذا ويقال كذا.
الجوهري: "يجوز أن يُريد الألل، ثم ثنى، كأنه يريد صوتاً بعد صوت، وأن يريد حكاية أصوات النساء بالنبطية إذا صرخن".
قوله: (وإباء القلوب: مخالفة ما فيها من الأضغان، لما يجرونه): "إباء القلوب" مُبتدأ، و"مخالفة ما فيها" الخبر، و"لما يجرونه على ألسنتهم" متعلق بالمخالفة، والجملة تفسير لقوله: (وَتَابَى قُلُوبُهُمْ)، يعني: تأبى قلوبهم مخالفة الباطن الظاهر؛ أما الباطن فما في القلوب من الحقد، وأما الظاهر فهو إجراء كلمة الرضا على ألسنتهم.
стр. 3329
(وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ): متمرّدون خلعاء، لا مروءة تزعهم، ولا شمائل مرضية تردعهم، كما يوجد ذلك في بعض الكفرة، من التفادي عن الكذب والنكث، والتعفف عما يثلم العرض ويجرّ أحدوثة السوء.
[(اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ * لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ) ٩ - ١٠]
(اشْتَرَوْا) استبدلوا (بِآياتِ اللَّهِ): بالقرآن والإسلام (ثَمَناً قَلِيلًا)، وهو إتباع الأهواء والشهوات، (فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ): فعدلوا عنه أو صرفوا غيرهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال أبو البقاء: " (يُرْضُونَكُمْ) حال من فاعل (لا يَرْقُبُوا) عند قوم، وليس بشيء"، وقال القاضي: " (يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ) استئناف لبيان حالهم المنافية لثباتهم على العهد، المؤدية إلى عدم مراقبتهم عند الظفر، ولا يجوز جعله حالاً من فاعل (لا يَرْقُبُوا)، فإنهم بعد ظهورهم لا يرضون المؤمنين، ولأن المراد إثبات إرضائهم المؤمنين بوعد الإيمان والطاعة والوفاء بالعهد في الحال، واستبطان الكفر والمعاداة، بحيث إن ظفروا لم يبقوا عليهم، والحالية تنافيه". وكذا عن أبي البقاء.
قوله: ((وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ) متمردون خلعاء): والكافر إذا وُصف بالفسق دل على نهاية ما هو فيه من الكفر، ودل بمفهومه أن بعضهم ليسوا كذلك، وهو المراد من قوله: "كما يوجد ذلك في بعض الكفرة من التفادي عن الكذب" يُقال: تفادي الرجل عن كذا: إذا تحاماه. و"مِن" مُتعلقُ بـ "تردعهم".
قوله: (أو صرفوا غيرهم): يعني: قوله تعالى: (فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ): إما لازم من الصدود، أي: العدول، أو متعد من: صده إذا صرفه. الجوهري: "صد يصد صدوداً: أعرض، وصده عن الأمر صداً: منعه وصرفه عنه، وأصده: لغة".
стр. 3330
وقيل: هم الأعراب الذين جمعهم أبو سفيان وأطعمهم. (هُمُ الْمُعْتَدُونَ): المجاوزون الغاية في الظلم والشرارة.
[(فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) ١١]
(فَإِنْ تابُوا) عن الكفر ونقض العهد (فَإِخْوانُكُمْ): فهم إخوانكم، على حذف المبتدأ، كقوله: (فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ) [الأحزاب: ٥]، (وَنُفَصِّلُ الْآياتِ): ونبينها، وهذا اعتراض، كأنه قيل: وإن من تأمّل تفصيلها فهو العالم؛ بعثاً وتحريضاً على تأمّل ما فصل من أحكام المشركين المعاهدين، وعلى المحافظة عليها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ.
قوله: (وقيل: هم الأعراب): عطف على محذوف، يدل عليه قوله: "وهو اتباع الأهواء والشهوات"، لأن الثمن القليل - على الأول- مجاز عن استبدال متابعة الشهوات بالإيمان، والمشتري جميع الكفار أو المنافقون، وعلى الثاني: الثمن القليل ما أطعمهم أبو سفيان، والمشتري الأعراب.
ثم المناسب على الأول أن يكون "صدوا" بمعنى: عدلوا، وعلى الثاني بمعنى: صرفوا، والتفسير الأول أقرب إلى النظم، لأن قوله: (اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً) جملة مستأنفة كالتعليل لقوله: (وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ) [التوبة: ٨]، وفيه: أن من فسق وتمرد كان سببه مجرد اتباع الشهوات والركون إلى الدنيا ولذاتها.
قوله: ((وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ): وتبينها، وهذا اعتراض): أي: تأكيد لمضمون ما سبق من أول السورة، وعام في الإيراد، ومن ثم قال: "وإن من تأمل تفصيلها".
وقوله: (يَعْلَمُونَ) مطلق، نحو: فلان يعطي ويمنع، ولهذا قال: "فهو العالِم". وفي كلامه -وهو"إن من تأمل تفصيلها فهو العالم" - إشعار أن (يَعْلَمُونَ) وُضع موضع "يتفكرون"
следующие страницы →