← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.

стр. 3326

وعن السدّي والضحاك: هي منسوخة بقوله تعالى (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) [التوبة: ٥]. (ذلِكَ) أي: ذلك الأمر، يعنى الأمر بالإجارة في قوله (فَأَجِرْهُ) بسبب بِأَنَّهُمْ (قوم) جهلة (لا يَعْلَمُونَ) ما الإسلام؟ وما حقيقة ما تدعو إليه؟ فلا بُدّ من إعطائهم الأمان حتى يسمعوا ويفهموا الحق. [(كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ * كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَابى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ) ٧ - ٨] (كَيْفَ) استفهام في معنى الاستنكار والاستبعاد، لأن يكون للمشركين عهد عند رسول الله ﷺ ، وهم أضداد وغرة صدورهم، يعنى: مُحال أن يثبت لهؤلاء عهد، فلا تطمعوا في ذلك ولا تحدثوا به نفوسكم، ولا تفكروا في قتلهم. ثم استدرك ذلك بقوله (إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ)، أي: ولكن الذين عاهدتم منهم (عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ) ولم يظهر منهم نكث كبني كنانة وبني ضمرة، فتربصوا أمرهم، ولا تقاتلوهم، (فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ) على العهد، (فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ) على مثله، (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) يعنى: أن التربص بهم من أعمال المتقين. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. قوله: (وغرة صدورهم)، الجوهري: "الوغرة: شدة توقد الحر، ومنه قيل: في صدره عليَّ وغر، بالتسكين، أي: ضغن وعداوة وتوقد من الغيظ، والمصدر بالتحريك، تقول: وغر صدره على يوغر وغراً". قوله: (ولا تفكروا في قتلهم): الرواية بتخفيف الكاف المكسورة، الجوهري: "أفكر في الشيء وفكر فيه وتفكر، بمعنى".

стр. 3327

(كَيْفَ) تكرار لاستبعاد ثبات المشركين على العهد، وحذف الفعل لكونه معلوماً كما قال: وَخَبَّرْتُمَانِى أَنَّمَا الْمَوْتُ بِالْقُرَى … فَكَيْفَ وَهَاتَا هَضْبَة وَقَليبُ يُريد: فكيف مات؟ أي: كيف يكون لهم عهد، وَحالهم أنهم (وإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ) بعد ما سبق لهم من تأكيد الأيمان والمواثيق، لم ينظروا في حلف ولا عهد، ولم يبقوا عليكم (لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا) لا يراعوا حلفاً. وقيل: قرابة، وأنشد لحسان: لَعَمْرُكَ إنَّ إلَّكَ مِنْ قُرَيْش … كَإلِّ السَّقْبِ مِنْ رَأَلِ النَّعَامِ وقيل (إِلًّا) إلها. وقرئ: "إيلا"؛ بمعناه، وقيل: جبرئيل، وجبرئل، من ذلك. وقيل: منه اشتق "الآل" بمعنى القرابة، كما اشتقت "الرحم" من" الرحمن، والوجه أن اشتقاق "الإلّ" بمعنى "الحلف"، -لأنهم إذا تماسحوا وتحالفوا رفعوا به أصواتهم وشهروه- من "الإل"، وهو الجؤار، وله أليل: أي: أنين يرفع به صوته، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وخبرتُماني) البيت: قبله: لعمركما إن البعيد الذي مضى … وإن الذي يأتي غداً لقريب قائلهما كعب الغنوي يرثي أخاه. "الهضبة": الجبل المنبسط علىوجه الأرض، والجمع: هضب وهضاب. و"القليب": البئر؛ لقلب التراب منها. قوله: (لعمرك إن إلك) البيت: "السقب": الذكر من ولد الناقة، "الرأل": ولد النعام. قوله: (من الإل، وهو الجؤار): خبر "إن"، وقوله: "بمعنى الحلف": حال من "الإل"، والتعليل معترض بين الاسم والخبر، يعني: الوجه الصحيح أن يُقال: إن أصل "الإل" في

стр. 3328

ودعت ألليها: إذا ولولت، ثم قيل لكل عهد وميثاق: إلّ، وسميت به القرابة؛ لأن القرابة عقدت بين الرجلين مالا يعقده الميثاق. (يُرْضُونَكُمْ) كلام مبتدأ في وصف حالهم من مخالفة الظاهر الباطن، مقرّر لاستبعاد الثبات منهم على العهد. وإباء القلوب مخالفة ما فيها من الأضغان، لما يجرونه على ألسنتهم من الكلام الجميل. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. اللغة: الجؤار، وهو رفع الصوت، واشتق منه الحلف؛ لما فيه من رفع الصوت، ثم كثر استعماله في الحلف، حتى اشتهر في كل حلف، وإن لم يكن فيه رفع الصوت، ثم استعمل في كل عقد موثق، سواء كان فيه الحلف أم لم يكن، ولما وُجد هذا المعنى في القرابة أكثر كانت تسميتها به أولى، وإليه الإشارة بقوله: "لأن القرابة عقدت بين الرجلين ما لا يعقده الميثاق". وإنما كان هذا الوجه أوجه من كونه مشتقاً من "الإل" الذي هو بمعنى: الإله؛ لأن المأخوذ منه إذا كان عربياً كان أولى من كونه سريانياً، قال الزجاج: "وقيل: الإل: اسم من أسماء الله تعالى، وهذا ليس بالوجه؛ لأن أسماء الله معروفة معلومة في الكتاب والسنة، ولم يسمع يا إل". قوله: (ودعت ألليها): عطف على قوله: "وله أليل"، أي: يُقال كذا ويقال كذا. الجوهري: "يجوز أن يُريد الألل، ثم ثنى، كأنه يريد صوتاً بعد صوت، وأن يريد حكاية أصوات النساء بالنبطية إذا صرخن". قوله: (وإباء القلوب: مخالفة ما فيها من الأضغان، لما يجرونه): "إباء القلوب" مُبتدأ، و"مخالفة ما فيها" الخبر، و"لما يجرونه على ألسنتهم" متعلق بالمخالفة، والجملة تفسير لقوله: (وَتَابَى قُلُوبُهُمْ)، يعني: تأبى قلوبهم مخالفة الباطن الظاهر؛ أما الباطن فما في القلوب من الحقد، وأما الظاهر فهو إجراء كلمة الرضا على ألسنتهم.

стр. 3329

(وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ): متمرّدون خلعاء، لا مروءة تزعهم، ولا شمائل مرضية تردعهم، كما يوجد ذلك في بعض الكفرة، من التفادي عن الكذب والنكث، والتعفف عما يثلم العرض ويجرّ أحدوثة السوء. [(اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ * لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ) ٩ - ١٠] (اشْتَرَوْا) استبدلوا (بِآياتِ اللَّهِ): بالقرآن والإسلام (ثَمَناً قَلِيلًا)، وهو إتباع الأهواء والشهوات، (فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ): فعدلوا عنه أو صرفوا غيرهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال أبو البقاء: " (يُرْضُونَكُمْ) حال من فاعل (لا يَرْقُبُوا) عند قوم، وليس بشيء"، وقال القاضي: " (يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ) استئناف لبيان حالهم المنافية لثباتهم على العهد، المؤدية إلى عدم مراقبتهم عند الظفر، ولا يجوز جعله حالاً من فاعل (لا يَرْقُبُوا)، فإنهم بعد ظهورهم لا يرضون المؤمنين، ولأن المراد إثبات إرضائهم المؤمنين بوعد الإيمان والطاعة والوفاء بالعهد في الحال، واستبطان الكفر والمعاداة، بحيث إن ظفروا لم يبقوا عليهم، والحالية تنافيه". وكذا عن أبي البقاء. قوله: ((وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ) متمردون خلعاء): والكافر إذا وُصف بالفسق دل على نهاية ما هو فيه من الكفر، ودل بمفهومه أن بعضهم ليسوا كذلك، وهو المراد من قوله: "كما يوجد ذلك في بعض الكفرة من التفادي عن الكذب" يُقال: تفادي الرجل عن كذا: إذا تحاماه. و"مِن" مُتعلقُ بـ "تردعهم". قوله: (أو صرفوا غيرهم): يعني: قوله تعالى: (فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ): إما لازم من الصدود، أي: العدول، أو متعد من: صده إذا صرفه. الجوهري: "صد يصد صدوداً: أعرض، وصده عن الأمر صداً: منعه وصرفه عنه، وأصده: لغة".

стр. 3330

وقيل: هم الأعراب الذين جمعهم أبو سفيان وأطعمهم. (هُمُ الْمُعْتَدُونَ): المجاوزون الغاية في الظلم والشرارة. [(فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) ١١] (فَإِنْ تابُوا) عن الكفر ونقض العهد (فَإِخْوانُكُمْ): فهم إخوانكم، على حذف المبتدأ، كقوله: (فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ) [الأحزاب: ٥]، (وَنُفَصِّلُ الْآياتِ): ونبينها، وهذا اعتراض، كأنه قيل: وإن من تأمّل تفصيلها فهو العالم؛ بعثاً وتحريضاً على تأمّل ما فصل من أحكام المشركين المعاهدين، وعلى المحافظة عليها. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. قوله: (وقيل: هم الأعراب): عطف على محذوف، يدل عليه قوله: "وهو اتباع الأهواء والشهوات"، لأن الثمن القليل - على الأول- مجاز عن استبدال متابعة الشهوات بالإيمان، والمشتري جميع الكفار أو المنافقون، وعلى الثاني: الثمن القليل ما أطعمهم أبو سفيان، والمشتري الأعراب. ثم المناسب على الأول أن يكون "صدوا" بمعنى: عدلوا، وعلى الثاني بمعنى: صرفوا، والتفسير الأول أقرب إلى النظم، لأن قوله: (اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً) جملة مستأنفة كالتعليل لقوله: (وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ) [التوبة: ٨]، وفيه: أن من فسق وتمرد كان سببه مجرد اتباع الشهوات والركون إلى الدنيا ولذاتها. قوله: ((وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ): وتبينها، وهذا اعتراض): أي: تأكيد لمضمون ما سبق من أول السورة، وعام في الإيراد، ومن ثم قال: "وإن من تأمل تفصيلها". وقوله: (يَعْلَمُونَ) مطلق، نحو: فلان يعطي ويمنع، ولهذا قال: "فهو العالِم". وفي كلامه -وهو"إن من تأمل تفصيلها فهو العالم" - إشعار أن (يَعْلَمُونَ) وُضع موضع "يتفكرون"

стр. 3331

[(وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ) ١٢] (وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ): وثلبوه وعابوه، (فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ): فقاتلوهم، فوضع (أئمة الكفر) موضع ضميرهم؛ إشعاراً بأنهم إذا نكثوا في حال الشرك تمرّداً وطغيانًا وطرحاً لعادات الكرام الأوفياء من العرب، ثم آمنوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وصاروا إخوانا للمسلمين في الدين، ثم رجعوا فارتدوا عن الإسلام ونكثوا ما بايعوا عليه من الإيمان والوفاء بالعهود، وقعدوا يطعنون في دين الله، ويقولون: ليس دين محمد بشيء، فهم أئمة الكفر، وذوو الرياسة والتقدّم فيه، لا يشق كافر غبارهم. وقالوا: إذا طعن الذمي في دين الإسلام طعنًا ظاهراً جاز قتله، لأن العهد معقود معه على أن لا يطعن، فإذا طعن فقد نكث عهده، وخرج من الذمّة. (إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ) جمع يمين، وقرئ: "لا إيمان لهم"، أي: لا إسلام لهم، أو: لا يعطون الأمان بعد الردّة والنكث، ولا سبيل إليه. فإن قلت: كيف أثبت لهم الأيمان في قوله: (وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ)، ثم نفاها عنهم؟ قلت: أراد: أيمانهم التي أظهروها، ثم قال: لا أيمان لهم على الحقيقة، وأيمانهم ليست بأيمان، وبه استشهد أبو حنيفة ﵁ على أن يمين الكافر لا تكون يمينًا، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ … و"يتأملون" وضعاً للمسبب موضع السبب بعثاً وتحريضاً، لأن العلم مطلوب لذاته، فالسامع إذا سمع ذلك اجتهد في التأمل والتدبر، لينخرط في سلك العالمين. قوله: (إذا طعن الذمي في دين الإسلام طعناً ظاهراً جاز قتله): كذا عن الزجاج ومحيي السنة.

стр. 3332

وعند الشافعي ﵀: يمينهم يمين، وقال: معناه أنهم لا يوفون بها، بدليل أنه وصفها بالنكث. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. قوله: (وعند الشافعي): قال الإمام: "وعند الشافعي أن يمينهم يمين، ومعنى الآية: أنهم لما لم يفوا بها صارت أيمانهم كأنها ليست بأيمان، والدليل على أن أيمانهم أيمان أنه تعالى وصفها بالنكث". وقلت: مثله قوله تعالى: (وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) [البقرة: ١٠٢]، قال صاحب "المفتاح": "وصف أهل الكتاب في صدره بالعلم على سبيل التوكيد القسمي، وآخره نفاه عنهم حيث لم يعملوا بعلمهم". ويُمكن أن يُقال: إن في وضع المظهر - وهو قوله: (أَئِمَّةَ الْكُفْرِ) - إشعاراً بأن أيمانهم تلك لم تكن إلا خديعة بالمؤمنين واستهزاء، ولم تكن من الأيمان الحقيقية في شيء، ولكن لما أجري عليها حكم الأيمان الحقيقية بأن قبلت، ورفع عنهم بسببها التعرض بالقتل والنهب، وأمنوا من سائر التبعات، سميت أيماناً، ووصفت بالنكث، نحوه مر في قوله تعالى: (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا) [البقرة: ٩]، قال المصنف: "كانت صورة صنعهم مع الله - حيث أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر - صورة صُنع المخادع، وصورة صنع الله -حيث أمر بإجراء أحكام المسلمين عليهم وهم عنده في عداد أخبث الكفرة - صورة صنع الخادع". فظهر أن اعتداد الأيمان منهم وإن لم يكن حقيقة، إنما هو لأجل فوائد دينية ومصالح منوطة بها، لا أنها أيمان حقيقة، فلما أظهروا النكث ارتفع الاعتداد بها ورجعت إلى ما كانت، فقيل: (إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ)، وهكذا مبني الأيمان، فإنها لقطع الخصومات والمطالبات في الحال، لا أنها مسقطة للحق، وتحصل بها براءة الذمة في المآل.

стр. 3333

(لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ) متعلق بقوله: (فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ)، أي: ليكن غرضكم في مقاتلتهم بعد ما وجد منهم ما وجد من العظائم: أن تكون المقاتلة سببًا في انتهائهم عما هم عليه. وهذا من غاية كرمه، وفضله، وعوده على المسيء بالرحمة كلما عاد. فإن قلت: كيف لفظ (أئمة)؟ قلت: همزة بعدها همزة بين بين، أي: بين مخرج الهمزة والياء، ........ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ روينا عن مُسلم وأبي داود والترمذي عن وائل بن حجر قال: جاء رجل من حضرموت ورجل من كندة إلى النبي ﷺ ، فقال الحضرمي: يا رسول الله، إن هذا قد غلبني على أرض كانت لأبي، فقال الكندي: هي أرضي في يدي أزرعها، ليس له فيها حق، فقال النبي ﷺ للحضرمي: "ألك بينة؟ " قال: لا، قال: "فلك يمينه"، قال: يا رسول الله، إن الرجل فاجر لا يبالي على ما حلف عليه، وليس بتورع عن شيء، فقال: "ليس لك منه إلا ذلك". فانطلق ليحلف … الحديث. وأما حديث القسامة، وقوله ﷺ : "فتبرئم اليهود بخمسين، فقالوا: كيف نأخذ بأيمان قوم كفار": فمشهور، أخرجه الشيخان وغيرهما. وقيل: ومن فائدة الخلاف أنه لو أسلم بعد انعقاد اليمين وحنث فيه: لا كفارة فيه ند أبي حنيفة، وعند الشافعي عليه الكفارة. قوله: (همزة بعدها همزة بين بيْن): قال أبو البقاء: "لا يجوز أن تُجعل بينَ بين، كما جُعلت همزة "أإذا"، لأن الكسرة هاهنا منقولة، وهناك أصلية، ولو خففت الهمزة الثانية هاهنا على القياس لكانت ألفاً؛ لانفتاح ما قبلها، ولكن تُرك ذلك لتتحرك بحركة الميم في الأصل"، وفيه نظر.

стр. 3334

وتحقيق الهمزتين قراءة مشهورة، وإن لم تكن بمقبولة عند البصريين. وأما التصريح بالياء فليس بقراءة، ولا يجوز أن تكون. ومن صرح بها فهو لاحن محرف. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. قوله: (قراءة مشهورة وإن لم تكن مقبولة): في "التيسير": "قرأ الكوفيون وابن عامر: (أَئِمَّةَ الْكُفْرِ)، بهمزتين حيث وقع، وأدخل هشام بينهما ألفاً، والباقون بهمزة وياء مختلسة الكسرة من غير مد". وفي "الكواشي": أصل "أئمة": أءممة؛ أفعلة، جمع إمام، كعماد وأعمدة، نُقلت كسرة الميم الأولى إلى الهمزة، ثم أدغمت في الثانية، فصارت: أئمة، ثم قلبت الهمزة ياء فصارت: أيمة، وزعم بعضهم أن النحاة لا يجيزون اجتماع همزتين للثقل، وفي زعمه نظر؛ لصحة نقلها عن النبي ﷺ ، بل لتواتره، فيجب لذلك أن تُجعل لغة للعرب استعملت على الأصل، وهو أقيس وإن ثقل! وزعم أيضاً أن التصريح بالياء ليس بقراءة، ولا يجوز أن يكون قراءة، ومن صرح بها فهو لاحن محرف! وفي زعمه نظر؛ لأن أكثر القراء يقرؤون بهمزة بعدها ياء مكسورة. وقلت: وفي النظر نظر، لأن قوله: "فليس بقراءة" معناه: أن أحداً من القراء السبعة لم يقرأ بها، وهو كذلك، كما نقلناه عن صاحب "التيسير"، ولكن النظر من وجه آخر، وهو أنه ذكر في "المفصل": "إذا اجتمعت همزتان في كلمة فالوجه قلب الثانية إلى حرف لين، كقولهم: آدم وأيمة". وقال ابن الحاجب في "شرحه": "يجب عند النحويين أن تُقلب الثانية حرف لين، وقلبها حرف لين على حسب حركتها إن أمكن ذلكن كقولك: أيمة، بياء محضة".

стр. 3335

[(أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) ١٣] (أَلا تُقاتِلُونَ) دخلت الهمزة على "لا تُقاتِلُونَ"؛ تقريراً بانتفاء المقاتلة، ومعناه: الحض عليها على سبيل المبالغة، (نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ) التي حلفوها في المعاهدة، (وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ) من مكة حين تشاوروا في أمره بدار الندوة، حتى أذن الله تعالى له في الهجرة، فخرج بنفسه، (وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ) أي: وهم الذين كانت منهم البداءة بالمقاتلة، لأن رسول الله ﷺ جاءهم أولًا بالكتاب المنير، وتحداهم به، فعدلوا عن المعارضة؛ لعجزهم عنها، إلى القتال، فهم البادءون بالقتال، والبادئ أظلم، فما يمنعكم من أن تقاتلوهم بمثله؟ ، وأن تصدموهم بالشر كما صدموكم؟ ! ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال أبو شامة في شرح قوله: "وفي النحو أبدلا": أي: رأى أهل النحو إبدال الهمزة ياء في "أيمة"، نص عليه أبو علي في "الحجة"، ووجهه: النظر إلى أصل الهمزة، وهو السكون، وذلك يقتضي الإبدال مطلقاً، وتعينت الياء للكسرة، ولم يوافق أبو القاسم الزمخشري أهل النحو، واختار مذهب القراء في "الكشاف". وأما في "المفصل" فهو حكاية قول النحويين. قوله: (تقريراً بانتفاء المقاتلة): قيل: "تقريراً" من الإقرار لا من القرار، أي: يجعلهم مقرين باتنفاء القتال: وقلت: العكس أولى؛ لأن حرف الاستفهام دخل على نفي المقاتلة، والكلام

стр. 3336

وبخهم بترك مقاتلتهم وحضهم عليها، ثم وصفهم بما يوجب الحض عليها، ويقرر أن من كان في مثل صفاتهم من نكث العهد، وإخراج الرسول والبدء بالقتال من غير موجب: حقيق بأن لا تترك مصادمته، وأن يوبخ من فرط فيها. (أَتَخْشَوْنَهُمْ) تقرير بالخشية منهم وتوبيخ عليها (فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ) فتقاتلوا أعداءه (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) يعنى: أن قضية الإيمان الصحيح أن لا يخشى المؤمن إلا ربه، ولا يبالى بمن سواه، كقوله تعالى: (وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ) [الأحزاب: ٣٩] ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. مع الذين قعدوا عن المقاتلة، فمعنى قوله: (أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْماً): أنتم بعد مستقرون على ما كنتم عليه من عدم المقاتلة! يوبخهم على التمريض عن القتال، ويحرضهم عليه على المبالغة، والاستفهام إذا كان للتقرير قرر الفعل الذي دخل عليه، فظنوا أن تقريراً لا يُعدى بالباء، فقالوا: هو بمعنى الاعتراف، وقد جاء تعديته بها، قال الجوهري: "القرار في المكان: الاستقرار فيه، وقررت بالمكان"، وعليه قوله بعد هذا: " (أَتَخْشَوْنَهُمْ) تقرير بالخشية منهم وتوبيخ عليها". قوله: (وبخهم بترك مقاتلهم وحضهم عليها، ثم وصفهم بما يوجب الحض): يعني: وَلَّدَ ذلك التوبيخ معنى الحض على المقاتلة، فرتب ذلك الحكم على الوصف المناسب، وهو نكث العهد وإخراج الرسول ﷺ والبدء بالقتال. قوله: (أن قضية الإيمان الصحيح أن لا يخشى المؤمن إلا ربه): وذلك أن المؤمن إذا اعتقد أن لا ضار ولا نافع إلا الله، وأن أحداً لا يقدر أن يضره أو ينفعه إلا بإذنه ومشيئته، فلا يخاف إلا ربه. روينا في "مُسند أحمد بن حنبل" وفي "سنن الترمذي" عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، فإن العباد لو اجتمعوا على أن

стр. 3337

[(قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) ١٤ - ١٥] لما وبخهم الله على ترك القتال، جرّد لهم الأمر به فقال (قاتِلُوهُمْ)، ووعدهم -ليثبت قلوبهم ويصحح نياتهم- أنه يعذبهم بأيديهم قتلًا، ويخزيهم أسراً، ويوليهم النصر والغلبة عليهم، (وَيَشْفِ صُدُورَ) طائفة من المؤمنين، وهم خزاعة، قال ابن عباس ﵁: هم بطون من اليمن وسبأ، قدموا مكة فأسلموا، فلقوا من أهلها أذى شديداً، فبعثوا إلى رسول الله ﷺ يشكون إليه، فقال: "أبشروا فإن الفرج قريب"، (وَيُذْهِبْ غَيْظَ) قلوبكم لما لقيتم منهم من المكروه، وقد حصل الله لهم هذه المواعيد كلها، فكان ذلك دليلا على صدق رسول الله ﷺ ، وصحة نبوّته (وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ) ابتداء كلام، وإخبار بأن بعض أهل مكة يتوب عن كفره، وكان ذلك أيضًا، فقد أسلم ناس منهم وحسن إسلامهم. وقرئ: "ويتوب" بالنصب بإضمار "أن" ودخول التوبة في جملة ما أجيب به الأمر من طريق المعنى، (وَاللَّهُ عَلِيمٌ): يعلم ما سيكون، كما يعلم ما قد كان (حَكِيمٌ): لا يفعل إلا ما اقتضته الحكمة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ينفعوك بشيء لم يكتبه الله لك لم يقدروا على ذلك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا على ذلك". قوله: (جرد لهم الأمر به): يعني: لما أمرهم بالقتال في ضمن الاستفهام التوبيخي في قوله: (أَلا تُقَاتِلُونَ) صرح الأمر به في قولهم: (قَاتِلُوهُمْ) تقريراً أو تأكيداً. قوله: (وقرئ: "ويتوب"، بالنصب؛ بإضمار "أن"، ودخول التوبة في جملة ما أجيب به الأمر من طريق المعنى): قال ابن جني: "هي قراءة الأعرج وابن أبي إسحاق وعيسى وعمرو بن عبيد، ورويت عن أبي عمرو، فالتوبة داخلة في جواب الشرط معنى، لأن التقدير: إن يُقاتلوكم

стр. 3338

[(أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ) ١٦] (أَمْ) منقطعة، ومعنى الهمزة فيها التوبيخ على وجود الحسبان، والمعنى: أنكم لا تتركون على ما أنتم عليه، حتى نتبين الخلص منكم، وهم الذين جاهدوا في سبيل الله لوجه الله، ولم يتخذوا وليجة -أي: بطانة- من الذين يصادّون رسول الله ﷺ والمؤمنين، (وَلَمَّا) معناها التوقع، وقد دلت على أن تبين ذلك، وإيضاحه متوقع كائن، وأن الذين لم يخلصوا دينهم لله يميز بينهم وبين المخلصين. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. تكن هذه الأشياء، أي: يُعذبهم الله بأيديكم، ويخزهم، وينصركم عليهم، ويشف صدور قوم مؤمنين، ويُذهب غيظ قلوبهم، ويتوب الله على من يشاء. وفيه ضرب من التعسف، لأن هذه الحال موجودة من الله تعالى، قاتلوهم أو لم يقاتلوهم، فلا وجه لتعليقها بقتالهم، إلا أن يُقال: هو كقولك: إن تزرني أحسن إليك وأعطي زيداً درهماً، فتنصبه على إضمار "أن"، أي: إن تزرني أجمع بين الإحسان إليك والإعطاء لزيد. والوجه قراءة الجماعة على الاستئناف". تم كلامه. ويمكن أن توجه قراءة النصب بوجه آخر، وهو أن يُقال: لا شك أن مقاتلتهم سبب لتوهين أمرهم وفل شوكتهم، فتقل بذلك نخوتهم وحميتهم، ويكون ذلك سبباً لاستكانتهم وخضوعهم، فيتدبروا ويتأملوا أمر رسول الله ﷺ ، وأنه على الحق المبين، وأنهم على الباطل والزيغ، فيرجعوا عن كفرهم إلى الإسلام، كما شُوهد من أبي سفيان وعمرو بن العاص وخالد ابن الوليد وعكرمة وغيرهم، عليه قوله تعالى: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ) [النصر: ١ - ٣]، هذا هو المراد من كلام المصنف: "ودخول التوبة في جملة ما أجيب به الأمر من طريق المعنى". قوله: (وليجة - أي: بطانة - من الذين يصادون رسول الله صلى الله لعيه وسلم): عن بعضهم: الوليجة: ما

стр. 3339

وقوله (وَلَمْ يَتَّخِذُوا) معطوف على (جاهدوا)، داخل في حيز الصلة، كأنه قيل: ولما يعلم الله المجاهدين منكم والمخلصين غير المتخذين وليجة من دون الله. والوليجة: فعيلة؛ من: ولج، كالدخيلة؛ من دخل، والمراد بنفي العلم نفى المعلوم، كقول القائل. ما علم الله منى ما قيل في، يريد: ما وجد ذلك منى. [(ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ) ١٧] (ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ): ما صح لهم وما استقام "أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ"، يعنى: المسجد الحرام، لقوله: (وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ) [التوبة: ١٩] وأما القراءة بالجمع: ففيها وجهان: أحدهما: أن يراد المسجد الحرام، وإنما قيل: (مساجد) لأنه قبلة المساجد كلها وإمامها، فعامره كعامر جميع المساجد، ولأن كل بقعة منه مسجد. والثاني: أن يراد جنس المساجد، وإذا لم يصلحوا لأن يعمروا جنسها، دخل تحت ذلك أن لا يعمروا المسجد الحرام الذي هو صدر الجنس ومقدمته، وهو آكد؛ لأنّ طريقته طريقة الكناية، كما لو قلت: فلان لا يقرأ كتب الله، كنت أنفى لقراءته القرآن من تصريحك بذلك. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يتخذه الإنسان معتمداً عليه، وليس من أهله، من قولهم: فلان وليجة في القوم: إذا لحق بهم وليس منهم، إنساناً كان أو غيره. قوله: (وأما القراءة بالجمع): أي: (مَسَاجِدَ اللَّهِ)، كلهم إلا ابن كثير وأبا عمرو. قوله: (كما لو قلت: فلان لا يقرأ كتب الله، كنت أنفي لقراءته القرآن): فإن قلت: أليس هذا مخالفاً لما سبق في آخر البقرة: أن "الكتاب" أكثر من "الكتب"؟ قلت: بلى، لأن الكلام هاهنا في كتاب واحد- وهو القرآن- لا الجنس، كما أن ظاهر الآية في مسجد واحد،

стр. 3340

(وشاهِدِينَ) حال من الواو في (يَعْمُرُوا)، والمعنى: ما استقام لهم أن يجمعوا بين أمرين متنافيين: عمارة متعبدات الله، مع الكفر بالله وبعبادته، ومعنى شهادتهم على أنفسهم بالكفر: ظهور كفرهم، وأنهم نصبوا أصنامهم حول البيت، وكانوا يطوفون عراة ويقولون: لا نطوف عليها بثياب قد أصبنا فيها المعاصي، وكلما طافوا بها شوطاً سجدوا لها. وقيل: هو قولهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك. وقيل: قد أقبل المهاجرون والأنصار على أسارى بدر، فعيروهم بالشرك، فطفق علىّ ابن أبى طالب يوبخ العباس بقتال رسول الله ﷺ وقطيعة الرحم، وأغلظ له في القول، فقال العباس: تذكرون مساوئنا، وتكتمون محاسننا! فقال: أولكم محاسن؟ قالوا: نعم، ونحن أفضل منكم أجراً، إنا لنعمر المسجد الحرام، ونحجب الكعبة، ونسقي الحجيج، ونفك العاني، فنزلت. (حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ) التي هي العمارة والحجابة والسقاية وفك العناة، وإذا هدم الكفر أو الكبيرة الأعمال الثابتة الصحيحة إذا تعقبها، فما ظنك بالمقارن، وإلى ذلك أشار في قوله شاهِدِينَ حيث جعله حالا عنهم، ودل على أنهم قارنون بين العمارة والشهادة بالكفر على أنفسهم في حال واحدة، وذلك محال غير مستقيم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. وهو المسجد الحرام، فإذا قيل: أن يعمروا مسجد الله، لم يكن من الكناية في شيء، فلا يدل على المبالغة، بخلافه لو قيل: مساجد الله. وأما في آخر البقرة فكان المقتضى الجمع ليناسب (وَمَلائِكَتِهِ) (وَرُسُلِهِ) [البقرة: ٢٨٥]، فعدل إلى الإفراد للمبالغة أيضاً. قوله: (أو الكبيرة الأعمال الثابتة الصحيحة): مذهبه، والآية لا دلالة لها عليه، قال في "الانتصاف": "أصاب في حديث الكفر، وأخطأ في الكبيرة، فهو على قاعدته"، أي: مُعتَقَدِه.

стр. 3341

[(إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ) ١٨] (إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ) -وقرئ بالتوحيد-، أي: إنما تستقيم عمارة هؤلاء، وتكون معتدا بها، والعمارة تتناول رمّ ما استرمّ منها، وقمها، وتنظيفها، وتنويرها بالمصابيح، وتعظيمها، واعتيادها للعبادة والذكر -ومن الذكر درس العلم، بل هو أجله وأعظمه-، وصيانتها مما لم تبن له المساجد من أحاديث الدنيا فضلًا عن فضول الحديث. وعن النبي ﷺ : "يأتي في آخر الزمان ناس من أمتي، يأتون المساجد، فيقعدون فيها حلقاً، ذكرهم الدنيا وحب الدنيا، لا تجالسوهم، فليس لله بهم حاجة"، وفي الحديث: "الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش"، وقال ﵇: "قال الله تعالى: إن بيوتي في أرضى المساجد، وإنّ زوّاري فيها عمارها، فطوبى لعبد تطهر في بيته، ثم زارني في بيتي، فحق على المزور أن يكرم زائره"، وعنه ﵇ "من ألف المسجد ألفه الله"، وقال ﷺ : "إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان"، وعن أنس ﵁: "من أسرج في مسجد سراجًا لم تزل الملائكة وحملة العرش تستغفر له ما دام في ذلك المسجد ضوؤه". ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ … قلت: وكذلك ما أصاب في الكفر الطارئ، لأنه سبق في البقرة عند قوله تعالى: (وَبَشِّرْ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) [البقرة: ٢٥] بيانه. قوله: (ما استرم منها)، الجوهري: "استرم الحائط: إذا حان له أن يرم، وذلك إذا بَعُدَ عهده بالتطيين". و"قمها": كنسها، والمقمة: المكنسة، وقممت البيت: كنسته، والقمامة: الكناسة، والجمع: قمام.

стр. 3342

فإن قلت: هلا ذكر الإيمان برسول الله ﷺ ؟ قلت: لما علم وشهر أن الإيمان بالله تعالى قرينته الإيمان بالرسول ﵇ لاشتمال كلمة الشهادة والأذان والإقامة وغيرها عليهما مقترنين مزدوجين، كأنهما شيء واحد غير منفك أحدهما عن صاحبه، انطوى تحت ذكر الإيمان بالله تعالى الإيمان بالرسول ﵇. وقيل: دلّ عليه بذكر إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة. فإن قلت: كيف قيل (وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ)، والمؤمن يخشى المحاذير، ولا يتمالك أن لا يخشاها؟ قلت: هي الخشية والتقوى في أبواب الدين، وأن لا يختار على رضا الله رضا غيره لتوقع مخوف، وإذا اعترضه أمران: أحدهما حق الله، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ .. قوله: (لما عُلم وشهر أن الإيمان بالله قرينته الإيمان بالرسول ﷺ ، إلى قوله: (انطوى تحت ذكر الإيمان بالله الإيمان بالرسول): وخلاصة الجواب: أن في الكلام دلالة على ذكره، وليس فيه بيان الفائدة في طي ذكره، ويمكن أن يُقال: إن الكلام لما وقع في عدم استقامة الجمع بين عمارة بيت الله والإشراك بالله، وفي استقامة العمارة من رسول الله ﷺ ، لأنه يدعو الناس إلى توحيده وعبادته، لم يذكره، ولكن ذكر لفظاً جامعاً يجمعه ﷺ وغيره، كأنه قيل ما ينبغي لهم أن يعمروا مساجد الله، والحال أنهم شاهدون على أنفسهم بالكفر، وإنما يستقيم ممن يؤمن بالله ويأمر الناس بالإيمان بالله بالعبادة كائناً من كان. والمراد الرسول ﷺ وأصحابه، وهو آكد، لأن طريقه الكناية. ولما كان الرسول ﷺ داخلاً في لفظة "مَنْ"، لم يحسن أن يُقال: "ورسوله"، ونحوه قوله تعالى: (إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً) إلى قوله: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ) [الأعراف: ١٥٨]، كائناً من كان، فإذن الكلام ليس في إثبات نبوته والإيمان به، بل فيه نفسه وعمارته المسجد الحرام واستحقاقه لها.

стр. 3343

والآخر حق نفسه أن يخاف الله، فيؤثر حق الله على حق نفسه. وقيل: كانوا يخشون الأصنام ويرجونها، فأريد نفى تلك الخشية عنهم. (فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ) تبعيد للمشركين عن مواقف الاهتداء، وحسم لأطماعهم في الانتفاع بأعمالهم التي استعظموها، وافتخروا بها، وأملوا عاقبتها، بأن الذين آمنوا وضموا إلى إيمانهم العمل بالشرائع مع استشعار الخشية والتقوى، اهتداؤهم دائر بين "عسى" و"لعل"، فما بال المشركين يقطعون أنهم مهتدون ونائلون عند الله الحسنى؟ ! وفي هذا الكلام ونحوه لطف للمؤمنين في ترجيح الخشية على الرجاء ورفض الاغترار بالله. [(أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) ١٩] ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ .. قوله: (أن يخاف الله) أي: وأن يخاف الله إذا اعترضه أمران، والجملة معطوفة على قوله: "وأن لا يختار- على تقدير: وهي أن لا يختار - على رضا الله رضا غيره"، لأنه تفسير للتقوى في أبواب الدين. قوله: (بأن الذين آمنوا): الباء متعلق بقوله: "تبعيد"، و"اهتداؤهم" خبر "أن". قوله: (اهتداؤهم دائر بين "عسى" و"لعل")، إلى قوله: (ورفض الاعترار بالله): مؤذن بأن "عسى" على ظاهره، وقد تقرر أن اسم الإشارة في مثل هذا المقام مؤذن بالتعظيم، وأن من قبله جدير بما بعده؛ لما عدد له من الخصال الفاضلة، ثم في مزيد التعميم في قوله: (مِنْ

стр. 3344

السقاية والعمارة: مصدران؛ من سقى وعمر، كالصيانة والوقاية، ولا بُد من مضاف محذوف، تقديره: (أَجَعَلْتُمْ) أهل سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ (الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ)، وتصدقه قراءة ابن الزبير وأبى وجزة السعدي -وكان من القراء-: "سقاة الحاج وعمرة المسجد الحرام"، والمعنى إنكار أن يشبه المشركون بالمؤمنين، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. الْمُهْتَدِينَ): الدلالة على الكناية والمبالغة في التعظيم، على أن الآية في الرسول ﷺ وأصحابه كما سبق، وكل ذلك لا يليق بما قال. والقول ما قاله محيي السنة: "و"عسى" من الله واجب، أي: أولئك هم المهتدون المتمسكون بطاعته التي تؤدي إلى جنته". يؤيده ما روينا عن الترمذي وابن ماجه والدارمي عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا رأيتم الرجل يتعاهد المسجد فاشهدوا له بالإيمان، قال الله تعالى: (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) "، ولهذا استدل محيي السنة بهذا الحديث على الوجوب، فعلى هذا ليس الحق مع المصنف وصاحب "الانتصاف"، فإنه قال: "أكثرهم قالوا: إن "عسى" من الله واجب، ظناً أن استعمالها غير مصروف للمخاطبين. والحق مع الزمخشري، أي: حال هؤلاء المؤمنين حال من يطمع في الاهتداء، وإلا فالعاقبة عند الله معلومة". قوله: (وكان من القراء): قيل: كان أبو وجزة مشهوراً بالشعر، فلذلك قال: كان من القراء.

стр. 3345

وأعمالهم المحبطة بأعمالهم المثبتة، وأن يسوى بينهم. وجعل تسويتهم ظلماً بعد ظلمهم بالكفر. وروى: "أن المشركين قالوا لليهود: نحن سقاة الحجيج وعمار المسجد الحرام، أفنحن أفضل أم محمد وأصحابه؟ فقالت لهم اليهود: أنتم أفضل". وقيل: إن عليا قال للعباس: يا عمّ، ألا تهاجرون؟ ألا تلحقون برسول الله ﷺ ؟ ! فقال: ألست في أفضل من الهجرة؟ أسقى حاجّ بيت الله، وأعمر المسجد الحرام! فلما نزلت قال العباس: ما أراني إلا تارك سقايتنا، فقال ﵇: "أقيموا على سقايتكم، فإن لكم فيها خيراً". [(الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ * يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ * خالِدِينَ فِيها أَبَداً إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) ٢٠ - ٢٢] هم أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ من أهل السقاية والعمارة عندكم، (وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ) لا أنتم، والمختصون بالفوز دونكم. قرئ: (يُبَشِّرُهُمْ) بالتخفيف والتثقيل، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وجعل تسويتهم ظلماً): عطف من حيث المعنى على قوله: "إنكار أن يشبه"، أي: أنكر أن يشبه، وجعل تسويتهم ظلماً، حيث وضع المظهر موضع المضمر في قوله: (وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ). قوله: (وقيل: إن علياً قال للعباس ﵄: يا عم، ألا تهاجرون! ألا تلحقون برسول الله ﷺ إلى آخره: يؤذن أن العباس كان مسلماً، والآية نزلت وهو مسلم، وقوله قبل هذا: "نحن أفضل منكم أجراً، إنا لنعمر المسجد الحرام ونسقي الحجيج" يشعر بأنه لم يكن مسلماً. قوله: (قرئ: (يُبَشِّرُهُمْ) بالتخفيف): أي: بفتح الياء، مِنَ: بشر؛ حمزة. والباقون: بالتثقيل.

стр. 3346

وتنكير المبشر به لوقوعه وراء صفة الواصف وتعريف المعرّف، وعن ابن عباس ﵁: هي في المهاجرين خاصة. [(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَاتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ) ٢٣ - ٢٤] وكان قبل فتح مكة من آمن لم يتمّ إيمانه إلا بأن يهاجر ويُصارم أقاربه الكفرة، ويقطع موالاتهم، فقالوا: يا رسول الله: إن نحن اعتزلنا من خالفنا في الدين، قطعنا آباءنا وأبناءنا وعشائرنا، وذهبت تجارتنا، وهلكت أموالنا، وخرجت ديارنا، وبقينا ضائعين، فنزلت، فهاجروا، فجعل الرجل يأتيه ابنه أو أبوه أو أخوه أو بعض أقاربه، فلا يلتفت إليه، ولا ينزله، ولا ينفق عليه، ثم رخص لهم بعد ذلك. وقيل: نزلت في التسعة الذين ارتدّوا ولحقوا بمكة، فنهى الله تعالى عن موالاتهم. وعن النبي ﷺ : "لا يطعم أحدكم طعم الإيمان، حتى يحبّ في الله، ويبغض في الله؛ حتى يحب في الله أبعد الناس، ويبغض في الله أقرب الناس إليه". وقرئ: "عشيرتكم: ، و"عشيراتكم"، وقرأ الحسن: "وعشائركم". (فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَاتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ) وعيد، عن ابن عباس: هو فتح مكة، وعن الحسن: هم عقوبة عاجلة أو آجلة. وهذه آية شديدة لا ترى أشدّ منها، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. قوله: (حتى يحب في الله، ويبغض في الله): عن أبي داود عن أبي ذر: "أفضل الأعمال الحب في الله والبُغض في الله".

стр. 3347

كأنها تنعى على الناس ما هم عليه من رخاوة عقد الدين، واضطراب حبل اليقين، فلينصف أورع الناس وأتقاهم من نفسه، هل يجد عنده من التصلب في ذات الله والثبات على دين الله ما يستحب له دينه على الآباء والأبناء والإخوان والعشائر والمال والمساكن وجميع حظوظ الدنيا، ويتجرّد منها لأجله؟ أم يزوى الله عنه أحقر شيء منها لمصلحته، فلا يدرى أي طرفيه أطول؟ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. قوله: (ما يستحب له دينه): "ما" في "ما يستحب" مفعول "يجد"، وفاعل "يستحب" ضمير "أورع" مستتر فيه، و"دينه" مفعوله، و"يتجرد" يجوز أن يكون معطوفاً على "يجد" أو على "يستحب". قوله: (أم يزوي الله عنه): الجوهري: "زوي فلان المال عن وارثه زياً"، ومنه قوله: فيا لَقُصيٍّ ما زوى الله عنكم أي: ما نحي الله وقبضه. قوله: (لمصلحته): أي: للابتلاء، كقوله تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ) [البقرة: ١٥٥]، إلى قوله: (وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ) [البقرة: ١٥٧]. قوله: (أي طرفيه أطول؟ ): قيل: لا تُدرى نسبته من قبل أبيه أطول - أي: أفضل - أم نسبته من قبل أمه، يُضرب عند التحير، هذا قول الأصمعي، وقال غيره: المراد به الذكر واللسان، وقيل: وسط الإنسان: سُرته، أي: طرفه الأسفل أطول أم أعلاه.

стр. 3348

ويغويه الشيطان عن أجلّ حظ من حظوظ الدين، فلا يبالى، كأنما وقع على أنفه ذباب فطيره! [(لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ* ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ٢٥ - ٢٧] مواطن الحرب: مقاماتها ومواقفها، قال: وَكَمْ مَوْطِنٍ لَوْلَاىَ طُحْتَ كَمَا هَوَي … بِأَجْرَامِهِ مِنْ قُلَّةِ النِّيقِ مُنْهَوِي ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. قوله: (كأنما وقع الذباب في أنفه): قيل: هو عبارة عن الدهش والتحير، كما ترى بعض المجانين، والظاهر أنه كناية عن قلة الالتفات وعدم المبالاة. قوله: (وكم موطن لولاي) البيت: الجوهري: "الوطن: مكان الإنسان ومحله، والموطن: المشهد من مشاهد الحرب، قال طرفة: على موطن يخشى الفتى عنده الردى"

стр. 3349

وامتناعه من الصرف؛ لأنه جمع وعلى صيغة لم يأت عليها واحد، والمواطن الكثيرة: وقعات بدر، وقريظة، والنضير، والحديبية، وخيبر، وفتح مكة. فإن قلت: كيف عطف الزمان والمكان -وهو يَوْمَ "حُنَيْنٍ"- على "المواطن"؟ قلت: معناه: وموطن يوم حنين، أو: في أيام مواطن كثيرة ويوم حنين، ويجوز أن يراد بالموطن الوقت، كمقتل الحسين، على أنّ الواجب أن يكون "يوم حنين" منصوباً بفعل مضمر لا بهذا الظاهر، وموجب ذلك أنّ قوله: (إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ) بدل من "يوم حنين"، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ "طحت": أي: هلكت، هوى من جبل عالٍ يهوى هوياً: سقط، "بأجرامه": بثقله، و"قلة النيق": رأس الجبل، والجمع: نياق. يقول: رُب موطنٍ لولاي هلكت فيه كما يهلك الذي يسقط من رأس الجبل. قوله: (كيف عُطف الزمان والمكان - وهو "يوم حنين" - على "المواطن"؟ ): قيل: يعني: أن الفعل كما يقتضي ظرف المكان يقتضي ظرف الزمان، فلا يجوز أن يُجعل أحدهما تابعاً للآخر، كما لا يُعطف المفعول به على المفعول فيه، ولا الفاعل على المفعول، ولا المصدر على شيء من ذلك، ولا بالعكس. قال صاحب "الانتصاف": "لا مانع من عطف ظرف الزمان على المكان، كعطف أحد المفعولين على الآخر، تقول: ضرب زيدٌ عمراً يوم الجمعة وفي المسجد، كما تقول: ضربت زيداً وعمراً، مع أنه لابد من تغاير الفعلين الواقعين بالمفعولين، فإنك إذا قلت: اضرب زيداً اليوم وعمراً غداً، لم يشك في أن الضربين متغايران بتغاير الظرفين، والفعلُ واحدٌ في الصياغة، فيجوز في الآية أن يكون كل واحد من الظرفين على حاله.

стр. 3350

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. واستدلال الزمخشري على وجوب إضمار فعل؛ بأن (إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ) بدل، وكثرتهم لم تكن ثابتة في جميع المواطن: غير لازم، تقول: اضرب زيداً حين يقوم وحين يقعد، فالناصب للظرفين واحد، وهما متغيران، وإنما يمتنع أن ينصب الفعل الواحد ظرفي زمان مختلفين عند عدم العطف". وعليه قول القاضي: "ولا يمتنع إبدال قوله: (إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ) منه، وأن يُعطف على موضع (فِي مَوَاطِنَ)، فإنه لا يقتضي تشاركهما فيما أضيف إليه المعطوف، حتى يقتضي كثرتهم وإعجابها إياهم في جميع المواطن". وقال صاحب "التقريب" - تقريباً لقول المصنف -: الواجب أن يُنصب "يوم حنين" بـ "نصر" مضمراً؛ لئلا يعطف زمان على مكان، بل يكون عطف جملة، لا بهذا الظاهر، عن جُعل (إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ) بدلاً من "يوم حنين"، لا منتصباً بـ "اذكر"؛ إذ التقدير على البدلية نصركم في مواطن كثيرة زمان أعجبتكم كثرتكم. ولا يصح؛ لأن الإعجاب والكثرة لم يكونا في جميع تلك المواطن, وقد يقال: يمكن أن ينتصب بهذا الظاهر مطلقاً لا مقيداً بالظرف.

стр. 3351

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. وغاية الجواب: أنه إذا تقدم فعل مقيد بحال على ظرف، نحو: صليت قائماً في المسجد، فالمعنى: أن الصلاة المقيدة بالقيام وقعت في المسجد، والحال في المعنى ظرف، فيعتبر في الثاني ذلك الظرف، كما يُعتبر في الحال. وللبحث فيه مجال. وقلت: تمام التقرير أن المصنف سأل: كيف يعطف ظرف الزمان على ظرف المكان، ومراعاة المناسبة واجبة عند علماء البيان دون النحويين! على أن الأصوليين ذكروا أن الأصل اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في المتعلقات، كالحال والشرط وغيرهما. هذا هو المراد من كلام المصنف وصاحب "التقريب": لا يعطف زمان على مكان، وأن لابد من تقدير عامل آخر؛ إما "عند يوم حنين"، لأن (إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ) بدل من "يوم حنين"، وإما "عند (إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ) "، لأنه لو لم يقدر لزم أن يكون (إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ) قيد النصر المذكور، فيلزم الإعجاب في جميع تلك المواطن، والواقع بخلافه. وأما تنزيل جواب المصنف على هذا التقرير: فهو أن المناسب أن يُقدر في الظرف الأول ما يناسب الثاني، أو في الثاني ما يناسب الأول، على أن الواجب أن يضرب عن هذا صفحاً، لأن هذا ليس من باب عطف المفرد على المفرد، حتى تراعى فيه المناسبة المعتبرة، أو جواز مثل: ضرب زيدٌ عمراً يوم الجمعة وفي المسجد، كما ذكره صاحب "الانتصاف"، بل هو من عطف الجملة على الجملة؛ إما على تقدير ناصب من جنس المذكور، أو تقدير "اذكر" من غير إبدال، لئلا يلزم المحذور.

стр. 3352

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. وبيانه: أن "نصر" مطلق، وتقييده بحسب كل واحد من الظرفين، فإن الأحوال والظروف كلها تقييدات للفعل المطلق، فإذا قُيد احد بقيد لزم تقييد الفعل به، لأن القيد بيان المراد من المطلق، فيسري منه إلى الآخر. لعل هذا هو المعنى من قول صاحب "التقريب": إذا تقدم فعل مقيد بحال على ظرف، نحو: صليت قائماً في المسجد، فيعتبر في الثاني ذلك القيد. هذا البحث قريب من قولهم المتعقب: الجمع للحمل. وقيل: عُطف قوله: (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ) على (مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ)، على منوال: (وَمَلائِكَتُهُ … وَجِبْرِيل) [البقرة: ٩٨]، كأنه قيل: نصركم الله في أوقات كثيرة، وهي أوقات وقعة بدر وقريظة والنضير وفتح مكة وغيرها، وفي وقت أعجبتكم، فلا يلزم المحذور. فيُقال: المقام لا يساعد عليه، لأن الكلام غير وارد لبيان أفضلية بعض الوقعات على بعض، ولأنه لم يذكر (مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ) توطئة لذكر "يوم حنين"، كما ذكر (وَمَلائِكَتُهُ) توطئة لذكرهما، إذ ليس حنين بأفضل من يوم بدر، وهو فتح الفتوح وسيد الوقعات، وبه نال السابقون الأولون القدح المعلى، وفازوا بالدرجات الأسنى، ولأن المقصود من إفراد الذكر بعد الاشتراك الإيذان بأن هذا الفرد قد خرج من ذلك الجنس بسبب اكتسابه الفضائل والمزايا، وكأنه جنس آخر لتغايره في الوصف. نعم، يمكن أن يُقال: إن الكلام وارد للامتنان على الصحابة بنصرته إياهم في المواطن الكثيرة، وكانت النصرة في هذا اليوم المخصوص أجل امتناناً، كما شُوهد منهم ما يُنافي النصرة

стр. 3353

فلو جعلت ناصبه هذا الظاهر لم يصح؛ لأنّ كثرتهم لم تعجبهم في جميع تلك المواطن، ولم يكونوا كثيراً في جميعها، فبقى أن يكون ناصبُه فعلًا خاصاً به، إلا إذا نصبت "إذ" بإضمار" اذكر. و"حنين": واد بين مكة والطائف، كانت فيه الوقعة بين المسلمين -وهم اثنا عشر ألفاً الذين حضروا فتح مكة، منضمًا إليهم ألفان من الطلقاء-، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ من الإعجاب بالكثرة، ولولا فضل الله وكرامته لرسوله ﷺ وللمؤمنين، لتمت الدائرة عليهم، والنصرة للأعداء. ألا ترى كيف أقيم المهر مقام المضمر في قوله: (ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ)، ليؤذن بأن وصف الرسالة والإيمان أهلا الانتصار بعد الفرار، والعفو عن الاغترار، ومن ثم عدل إلى اليوم من المواطن، لأنهم إنما يستعملونه فيما يستكرهونه من الوقعات، نحو: يوم ذي قار ويوم بُعاث، وقالوا: أيام العرب، وقال تعالى: (أَيَّامِ اللَّهِ) [الجاثية: ١٤]، وينصره قوله تعالى: (وَضَاقَتْ عَلَيْكُمْ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ). قوله: (إلا إذا نصبت): استثناء من قوله: "الواجب أن يكون" إلى آخره؛ أي: الواجب أن يكون "يوم حنين" منصوباً بفعل مضمر، لأن قوله: (إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ) بدل منه، إلا إذا نصبت (إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ) بإضمار "اذكر"، فإنه على هذا لا يكون بدلاً منه، فإذن لا يجب "يوم حنين" أن ينتصب بفعل مضمر، بل يكون منصوباً بهذا الظاهر، ولا يلزم الإعجاب والكثرة في جميع المواطن، ويجوز أن يكون مستثنى من قوله: "فينبغي أن يكون ناصبه فعلاً خاصاً"، والمعنى عائد إلى الأول. قوله: (منضماً إليهم): قيل: هو حال من "الذين"، لا من فاعل "حضروا"، لأنه يلزم منه أن يزيدوا على اثني عشر ألفاً.

стр. 3354

وبين هوازن وثقيف -وهم أربعة آلاف فيمن ضامّهم من إمداد سائر العرب، فكان الجمّ الغفير-، فلما التقوا قال رجل من المسلمين: "لن نغلب اليوم من قلة"، فساءت رسول الله ﷺ . وقيل: قائلها رسول الله ﷺ . وقيل: أبو بكر، وذلك قوله: (إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ) - فاقتتلوا قتالًا شديداً، وأدركت المسلمين كلمة الإعجاب بالكثرة، وزلّ عنهم أن الله هو الناصر، لا كثرة الجنود، فانهزموا، حتى بلغ فلهم مكة، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. وقلت: الصحيح أنه حال منه، وقوله: "الذين" مع صلته: بدل من "اثنا عشر ألفاً" والمعنى: وهم الذين حضروا مكة، وكانوا عشرة آلاف، وانضم إليهم ألفان من الطلقاء، فصاروا اثني عشر ألفاً. قال ابن الجوزي في كتاب "الوفا": "حُنين: وادٍ بينه وبين مكة ثلاث ليال، وإن رسول الله ﷺ لما فتح مكة حشدت هوازن وثقيف، فجاؤوا بأموالهم وأهليهم، وخرج رسول الله ﷺ من مكة في اثني عشر ألفاً"، القصة إلى آخرها. قوله: (لن نُغلب اليوم من قلة): هو مثل قوله تعالى: (لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً) [الفرقان: ٧٣]، قال: (لَمْ يَخِرُّوا) ليس نفياً للخرور، وإنما هو إثبات له ونفي للصمم والعمى". كذا "لن نُغلب" ليس نفياً للمغلوبية، وإنما هو إثبات له ونفي للقلة، يعني: متى غُلبنا كان سببه غير القلة، هذا - من حيث الظاهر - ليس كلمة إعجاب، لكنها كناية عنها، فكأنه قال: ما أكثر عددنا، مثله قول الشاعر: . غلتْ نابٌ كليبٌ بواؤها

стр. 3355

وبقي رسول الله ﷺ وحده، وهو ثابت في مركزه لا يتحلحل، ليس معه إلا عمه العباس آخذ بلجام دابته، وأبو سفيان بن الحرث ابن عمه، وناهيك بهذه الواحدة شهادة صدق على تناهى شجاعته ورباطة جأشه ﷺ ، وما هي إلا من آيات النبوّة، وقال: يا رب ائتني بما وعدتني. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لا يتحلحل): أي: لا يزول، الأساس: وتحلحل عن المكان: تحرك". قوله: (ليس معه غلا عمه العباس آخذاً بلجام دابته، وأبو سفيان بن الحارث ابن عمه): عن البخاري ومسلم والترمذي عن أبي إسحاق قال: جاء رجل إلى البراء فقال: أكنتم وليتم مدبرين يوم حنين يا أبا عمارة؟ فقال: أشهد على نبي الله ﷺ ما ولى، ولكنه انطلق أخفاء من الناس وحُسر إلى هذا الحي من هوازن، وهم قوم رماة، فرموهم برشق من نبل، كأنها رجلٌ من جراد، فانكشفوا، فأقبل القوم إلى رسول الله ﷺ ، وأبو سفيان بن الحارث يقود به بغلته، فنزل ودعا واستنصر، وهو يقول: "أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب، اللهم أنزل نصرك"، ثم صفهم، قال البراء: كنا - والله إذا احمر البأس نتقي به، وإن الشجاع منا للذي يحاذي به، يعني: النبي ﷺ .

стр. 3356

وقال ﷺ للعباس، وكان صيتا: "صيح بالناس"، فنادى الأنصار فخذاً فخذاً، ثم نادى: يا أصحاب الشجرة، يا أصحاب البقرة، فكرّوا عنقاً واحداً، وهم يقولون: لبيك لبيك، ونزلت الملائكة، عليهم البياض، على خيول بلق، فنظر رسول الله ﷺ إلى قتال المسلمين، فقال: "هذا حين حمى الوطيس"، ثم أخذ كفا من تراب فرماهم به، ....... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. وقوله: "رجلٌ من جراد"، النهاية: "الرجل- بالكسر-: الجرادُ الكثير". قوله: (فخذاً فخذاً)، النهاية: "وهم أقرب العشيرة إليه، وأول العشيرة: الشعب، ثم القبيلة، ثم الفصيلة، ثم العمارة، ثم البطن، ثم الفخذ". قوله: (يا أصحاب الشجرة): وهي الشجرة التي هي في قوله تعالى: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ) [الفتح: ١٨]. قوله: (يا أصحاب البقرة): قيل: أريد المذكورون في قوله تعالى: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ) [البقرة: ٢٨٥]، وقيل: الذين نزل عليهم سورة البقرة. قوله: (فكروا عنقاً): قال المصنف: أي: جماعة، من قوله: (فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ) [الشعراء: ٤]، أي: رؤساؤهم أو الجماعات. قوله: (هذا حين حمى الوطيس)، النهاية: "الوطيس: التنور"، وهو كناية عن شدة الأمر واضطرام الحرب، ويُقال: أول من قاله النبي ﷺ لما اشتد البأس يومئذ، ولم يُسمع قبله، وهو من أحسن الاستعارات. قوله: (ثم أخذ كفاً من تراب، فرماهم به): عن مُسلم: عن سلمة بن الأكوع قال: غزونا مع رسول الله ﷺ حنيناً، فلما غشوا رسول الله ﷺ نزل عن البغلة، ثم أخذ كفاً من

стр. 3357

ثم قال: "انهزموا ورب الكعبة" فانهزموا، ، قال العباس: لكأني أنظر إلى رسول الله ﷺ يركض خلفهم على بغلته. (بِما رَحُبَتْ): "ما" مصدرية، والباء بمعنى "مع"، أي: مع رحبها، وحقيقته: ملتبسة برحبها، على أنّ الجارّ والمجرور في موضع الحال، كقولك: دخلت عليه بثياب السفر، أي ملتبسا بها لم أحلها، تعنى: مع ثياب السفر، والمعنى: لا تجدون موضعًا تستصلحونه لهربكم إليه ونجاتكم لفرط الرعب، فكأنها ضاقت عليكم، (ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ): ثم انهزمتم. (سَكِينَتَهُ): رحمته التي سكنوا بها وآمنوا، (وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ) الذين انهزموا، وقيل: هم الذين ثبتوا مع رسول الله ﷺ حين وقع الهرب، (وَأَنْزَلَ جُنُوداً) يعنى: الملائكة، وكانوا ثمانية آلاف، وقيل: خمسة آلاف، وقيل: ستة عشر ألفا، (وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا) بالقتل والأسر، وسبى النساء والذراري. (ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ) أي: يسلم بعد ذلك ناس منهم. وروى: أنّ ناسا منهم جاءوا فبايعوا رسول الله ﷺ على الإسلام، وقالوا: يا رسول الله، أنت خير الناس، وأبرّ الناس، وقد سبى أهلونا وأولادنا، وأخذت أموالنا -قيل: سبى يومئذ ستة آلاف نفس، وأخذ من الإبل والغنم مالا يحصى-، فقال: إنّ عندي ما ترون، إنّ خير القول أصدقه، اختاروا: إما ذراريكم ونساءكم، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. تراب من الأرض، ثم استقبل به وجوههم، فقال: "شاهت الوجوه"، فما خلق الله منهم إنساناً إلا ملأ عينيه تراباً بتلك القبضة، فولوا مدبرين، فهزمهم الله. قوله: (ملتبساً بها لم أحلها): بيان لهيئة عند الدخول، وتصوير لتلك الحالة، كذلك، قوله: (بِمَا رَحُبَتْ)، أي: برحبها، بيان لهيئة الأرض، وهي مع سعتها ضاقت بهم.

стр. 3358

وإما أموالكم"، قالوا: ما كنا نعدل بالأحساب شيئًا، فقام رسول الله ﷺ فقال: "إن هؤلاء جاءوا مسلمين، وإنا خيرناهم بين الذراري والأموال، فلم يعدلوا بالأحساب شيئًا، فمن كان بيده شيء وطابت نفسه أن يردّه فشأنه، ومن لا فليعطنا وليكن قرضا علينا، حتى نصيب شيئا، فنعطيه مكانه"، قالوا: رضينا وسلمنا، فقال: "إني لا أدرى، لعل فيكم من لا يرضى، فمروا عرفاءكم فليرفعوا ذلك إلينا"، فرفعت إليه العرفاء أن قد رضوا. [(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) ٢٨] ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ما كنا نعدل بالأحساب شيئاً): الأساس: "فلان لا حسب له ولا نسب، وهو ما يحسبه ويعده من مفاخر آبائه". روينا عن البخاري وأبي داود والنسائي: أن رسول الله ﷺ قال: "اختاروا من أموالكم أو من نسائكم"، فقالوا: بل نختار نساءنا. وفي "النهاية": "قال لهم: "اختاروا إحدى الطائفتين؛ إما الأموال وإما السبي"، فقالوا: أما إذا خيرتنا بين الأموال والحسب.، فإنا نختار الحسب، فاختاروا أبناءهم ونساءهم: أرادوا أن فكاك الأسرى وإيثاره على استرجاع المال حسب وفعال حسن، فهو بالاختيار أجدر".

стр. 3359

النجس: مصدر، يقال: نجس نجساً، وقذر قذراً، ومعناه: ذو ونجس؛ لأنّ معهم الشرك الذي هو بمنزلة النجس، ولأنهم لا يتطهرون ولا يغتسلون ولا يجتنبون النجاسات، فهي ملابسة لهم، أو: جعلوا كأنهم النجاسة بعينها؛ مبالغة في وصفهم بها. وعن ابن عباس ﵄: أعيانهم نجسة كالكلاب والخنازير، وعن الحسن: من صافح مشركًا توضأ، وأهل المذاهب على خلاف هذين القولين. وقرئ: نجس، بكسر النون وسكون الجيم، على تقدير حذف الموصوف، كأنه قيل، إنما المشركون جنس نجس، أو: ضرب نجس، وأكثر ما جاء تابعًا لـ"رجس"، وهو تخفيف "نجس"، نحو: كبد، في كبد. (فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ): فلا يحجوا ولا يعتمروا، كما كانوا يفعلون في الجاهلية (بَعْدَ عامِهِمْ هذا): بعد حج عامهم هذا، وهو عام تسع من الهجرة، حين أمّر أبو بكر ﵁ على الموسم، وهو مذهب أبى حنيفة وأصحابه ﵃، ويدل عليه قول علىّ ﵁ حين نادى بـ (براءة): "ألا لا يحج بعد عامنا هذا مشرك"، ولا يمنعون من دخول الحرم والمسجد الحرام وسائر المساجد عندهم. وعند الشافعي: يمنعون من المسجد الحرام خاصة. وعند مالك: يمنعون منه ومن غيره من المساجد. وعن عطاء: أن المراد بـ (المَسْجِدِ الحَرَامِ): الحرم، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وأكثر ما جاء تابعاً لـ "رجس"): أي: أكثر ما جاء "نجس" بكسر النون. الجوهري: "قال الفراء: إذا قالوه مع "الرجس" أتبعوه إياه، قالوا: رجس نجس، بالكسر". قوله: (ذهب أبي حنيفة): أي: يحمل قوله: (فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا) على: أن لا يحجوا بعد حج عامهم هذا، فلا يدل حينئذ على أنهم يمنعون من دخول المسجد الحرام، قال القاضي: "إنما نهى عن الاقتراب للمبالغة أو المنع عن دخول الحرم".

стр. 3360

وأن على المسلمين أن لا يمكنوهم من دخوله، ونهى المشركين أن يقربوه راجع إلى نهى المسلمين عن تمكينهم منه. وقيل المراد أن يمنعوا من تولى المسجد الحرام والقيام بمصالحه، ويعزلوا عن ذلك. (وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً) أي: فقرًا بسبب منع المشركين من الحج، وما كان لكم في قدومهم عليكم من الإرفاق والمكاسب، (فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ): من عطائه أو من تفضله بوجه آخر، فأرسل السماء عليهم مدرارا، فأغزر بها خيرهم، وأكثر ميرهم، وأسلم أهل تبالة وجرش، ......... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. قوله: (ونهي المشركين أن يقربوه راجع إلى نهي المسلمين عن تمكينهم منه): وهو على منوال: لا أرينك هاهنا. وأجراه القاضي على ظاهره، وقال: "فيه دليل على أن الكفار مخاطبون بالفروع". وقال صاحب "الانتصاف": "وقد يستدلون بها على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع، لا سيما المناهي، وهو بعيد؛ لأن الظاهر من المشركين أنهم لا ينزجرون بهذا النهي، والمراد خطاب المؤمنين، لأن الآية مصدرة بخطابهم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)، وآخرهم خطابهم: (وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ)، وهو من باب: لا أرينك هاهنا". هذا كلام متين. قوله: (أهل تبالة)، النهاية: "تبالة - بفتح التاء وتخفيف الباء-: بلدة صغيرة من بلاد اليمن معروفة، وفي المثل: أهون من تبالة على الحجاج". و"جُرش": بضم الجيم وفتح الراء: مخلافٌ من مخاليف اليمن، وبفتحهما: بلد في الشام، والمخلاف في اليمن: كالرستاق

стр. 3361

فحملوا إلى مكة الطعام وما يعاش به، فكان ذلك أعود عليهم مما خافوا العيلة لفواته. وعن ابن عباس: ألقى الشيطان في قلوبهم الخوف، وقال: من أين تأكلون؟ فأمرهم الله بقتال أهل الكتاب، وأغناهم بالجزية، وقيل: بفتح البلاد والغنائم. وقرئ: عائلة، بمعنى المصدر كالعافية، أو: حالا عائلة. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ في العراق. وقال الميداني: "تبالة: بلدة صغيرة من بلاد اليمن، قيل: إن أول عمل وليه الحجاج عمل تبالة، فلما قرب منها، قال للدليل: أين هي؟ قال: سترها عنك هذه الأكمة، فقال: أهون بعمل بلدة تسترها عني أكمة، ورجع عن مكانه، فقالت العرب: أهون من تبالة على الحجاج. قوله: (أعود عليهم)، الجوهري: "العائدة: العطف والمنفعة، يقال: هذا الشيء أعود عليك من كذا، أي: أنفع". قوله: (أغناهم بالجزية، وقيل: بفتح البلاد): يشهد للأول قوله تعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) الآية، لأنها واردة لبيان قوله: (فَسَوْفَ يُغْنِيكُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ). قوله: (وقرئ: "عائلة"): قال ابن جني: "هذه من المصادر التي جاءت على "فاعلة"، كالعافية والعاقبة، ومنه قوله تعالى: (لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً) [الغاشية: ١١]، أي: لغواً، ومنه قولهم: مررت به خاصة، أي: خصوصاً. وأما قوله تعالى: (وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ) [المائدة: ١٣]: فيجوز فيه أن يكون مصدراً، أي: خيانة، وأن يكون على تقدير: نية خائنة، أو: عقيدة خائنة، وكذا هاهنا، يُقدر: إن خفتم حالاً عائلة، والمصدر أحسن".

стр. 3362

ومعنى قوله: (إِنْ شاءَ): إن أوجبت الحكمة إغناءكم، وكان مصلحة لكم في دينكم. (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ) بأحوالكم (حَكِيمٌ) لا يعطى ولا يمنع إلا عن حكمة وصواب. [(قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ) ٢٩] (مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ) بيان لـ (الَّذِينَ) مع ما في حيزه، نفى عنهم الإيمان بالله؛ لأنّ اليهود مثنية، والنصارى مثلثة، وإيمانهم باليوم الآخر؛ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (نفى عنهم الإيمان [بالله]؛ لأن اليهود مثنية والنصارى مثلثة): إنما علل قوله: "نفي عنهم الإيمان" بهذا، لأن قوله: (وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ) [التوبة: ٣٠] جملة مفسرة لقوله: (لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)؛ على طريقة: أعجبني زيد وكرمه، ولأن الأمر بمقاتلة أهل الكتاب وارد على سبيل الاستطراد لذكر المشركين، لجامع الاشتراك. ومن ثم لما فرغ من كلامهم عاد إلى نوع آخر من قبائح المشركين، وهو القول بالنسيء، وجعل قوله: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ) [التوبة: ٣٦] توطئة لذكره، والجامع بينه وبين ما قبله- وهو قوله: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ) [التوبة: ٢٨]- أن كل واحدٍ منهما حديث في الحرمة؛ تعظيم المكان والزمان، والمنع من هتك المشركين بتينك الحرمتين، وتوبيخهم بذلك. قوله: (وإيمانهم): نصبٌ؛ عطفاً على "الإيمان بالله"، وكذا "تحريم ما حرم الله"، وكذا "أن يدينوا". وقوله: "وأن يعتقدوا دين الإسلام": عطف تفسيري لقوله: "أن يدينوا".

стр. 3363

لأنهم فيه على خلاف ما يجب، وتحريم ما حرم الله ورسوله؛ لأنهم لا يحرمون ما حرم في الكتاب والسنة، وعن أبى روق: لا يعملون بما في التوراة والإنجيل، وأن يدينوا دين الحق، وأن يعتقدوا دين الإسلام الذي هو الحق، وما سواه الباطل. وقيل: دين الله، يقال: فلان يدين بكذا: إذا اتخذه دينه ومعتقده. سميت جزية؛ لأنها طائفة مما على أهل الذمة أن يجزوه؛ أي: يقضوه، أو: لأنهم يجزون بها من منّ عليهم بالإعفاء عن القتل، (عَنْ يَدٍ) إما أن يراد: يد المعطى أو الآخذ: فمعناه على إرادة يد المعطى: حتى يعطوها عن يد: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أن يجزوه): متعلق بقوله: "على أهل الذمة"، أي: طائفة من التي وجبت على أهل الذمة أن يقضوه، فالجزية من الجزء والتجزئة، وعلى الوجه الآتي من الجزاء، يُقال: جزيته بما صنع جزاء وجازيته. قوله: (إما أن يُراد: يد المعطي أو الآخذ) على آخره: خلاصته: أن (عَنْ يَدٍ): إما أن يُحمل على يد المعطي، فهو على وجهين: إما أن يعطوها عن يد قاهرة مستولية، أو عن إنعام من المسلمين عليهم. قال صاحب "التقريب": وفي الوجوه نظر، لأن الكلام في "أعطى عن يده"، ولا يفيده كون: أعطى يده أو بيده؛ بمعنى: انقاد، إذ لو ورد: "أعطى عن يده" بمعناه، كان كافياً، وأيضاً هذه المضمرات الثلاث لا دلالة عليها، اللهم إلا قرينة الجزية، وأيضاً على تقدير جعل اليد للآخذ كان حقه: "إلى يد"، فإما أن يكون على إقامة بعض الحروف مقام بعض، أو على أن التقدير: عن جهة يد قاهرة أو عن جهة إنعام، نحو: كساه عن العُري.

стр. 3364

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قلت: وفي كلامه تعقيد، وخلاصته: أن المضمرات لا دلالة عليها في الآية، فيُقال: لا شك أن "أعطي" لا يُعدى بـ"عن" إلا على جهة التضمين، نحو قوله: ينهون عن أكل وعن شرب أي: يتناهون في السمن بسبب الأكل والشرب، وأن "اليد" تستعمل بإعانة القرائن: تارة في معنى الانقياد، كما قال عثمان ﵁: "هذي يدي لعمار"، أي: أنا مستسلم له منقاد، فليحكم علي. وتنزيل الآية على هذا: حتى يصدر إعطاؤهم الجزية عن انقياد وطاعة منهم. وأما استشهاده بقوله: أعطي بيده وأعطى يده - وهما كنايتان عن الانقياد، وما نحن بصدده من قبيل المجاز - فلمجرد المعنى، ولبيان العلاقة المعتبرة في المجاز، والتنبيه على الاستعمال. وتارة في معنى الحلول والأداء، كما ورد في حديث أبي سعيد الخدري في الربا: "يداً بيد"، فتنزيلها عليه: حتى يعطوها إياكم صادرة عن يد إلى يد، أي: نقداً. وأخرى في معنى النعمة، أي: بسبب إنعام منكم عليهم، أو: يعطوها صادرة عن يد، أي: نعمة حاصلة لهم، هي إبقاء أرواحهم وأخذ شيء قليل منهم بدلها، وإطلاق اليد على النعمة باب واسع.

стр. 3365

أي: عن يد مؤاتية غير ممتنعة، لأنّ من أبى وامتنع لم يعط يده، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وأخرى بمعنى القدرة والغلبة، ومما ورد في حديث يأجوج ومأجوج: "وقد أخرجت عباداً لي لا يدان لحد بقتالهم"، فالتقدير: يعطوها إياكم بسبب قدرة لكم عليهم، كما يأخذ القاهر المستولي من المستولى منه. وأمثال هذه المعاني لا تخفى على من له اليد الطولي في المعاني والبيان. على أن الزجاج قد ذكر الوجوه فقال: " (عَنْ يَدٍ) أي: عن ذل عن اعتراف للمسلمين بأن أيديهم فوق أيديهم، وقيل: عن يد قهر، فهو كما تقول: اليد في هذا لفلان، أي: الأمر النافذ له، وقيل: عن نعام عليهم بذلك، لأن قبول الجزية منهم وترك أنفسهم عليهم نعمة عظيمة". وأما صاحب "الانتصاف" فقد أنصف وقبل الوجوه بأسرها، وقال في قوله: "حتى يعطوها عن يد إلى يد [نقداً] غير نسيئة": "هو كقوله ﷺ : (لا تبيعوا الذهب بالذهب - إلى قوله - يداً بيد) "، وفي قوله: "عن يد قاهرة مستولية، أو المراد باليد هاهنا الإنعام": "هذا الوجه أملأ بالفائدة". قوله: (عن يد مؤاتية): أي موافقة، الجوهري: "تقول: آتيته على ذلك الأمر مؤاتاة: إذا وافقته وطاوعته".
следующие страницы →