← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.

стр. 3361

فحملوا إلى مكة الطعام وما يعاش به، فكان ذلك أعود عليهم مما خافوا العيلة لفواته. وعن ابن عباس: ألقى الشيطان في قلوبهم الخوف، وقال: من أين تأكلون؟ فأمرهم الله بقتال أهل الكتاب، وأغناهم بالجزية، وقيل: بفتح البلاد والغنائم. وقرئ: عائلة، بمعنى المصدر كالعافية، أو: حالا عائلة. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ في العراق. وقال الميداني: "تبالة: بلدة صغيرة من بلاد اليمن، قيل: إن أول عمل وليه الحجاج عمل تبالة، فلما قرب منها، قال للدليل: أين هي؟ قال: سترها عنك هذه الأكمة، فقال: أهون بعمل بلدة تسترها عني أكمة، ورجع عن مكانه، فقالت العرب: أهون من تبالة على الحجاج. قوله: (أعود عليهم)، الجوهري: "العائدة: العطف والمنفعة، يقال: هذا الشيء أعود عليك من كذا، أي: أنفع". قوله: (أغناهم بالجزية، وقيل: بفتح البلاد): يشهد للأول قوله تعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) الآية، لأنها واردة لبيان قوله: (فَسَوْفَ يُغْنِيكُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ). قوله: (وقرئ: "عائلة"): قال ابن جني: "هذه من المصادر التي جاءت على "فاعلة"، كالعافية والعاقبة، ومنه قوله تعالى: (لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً) [الغاشية: ١١]، أي: لغواً، ومنه قولهم: مررت به خاصة، أي: خصوصاً. وأما قوله تعالى: (وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ) [المائدة: ١٣]: فيجوز فيه أن يكون مصدراً، أي: خيانة، وأن يكون على تقدير: نية خائنة، أو: عقيدة خائنة، وكذا هاهنا، يُقدر: إن خفتم حالاً عائلة، والمصدر أحسن".

стр. 3362

ومعنى قوله: (إِنْ شاءَ): إن أوجبت الحكمة إغناءكم، وكان مصلحة لكم في دينكم. (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ) بأحوالكم (حَكِيمٌ) لا يعطى ولا يمنع إلا عن حكمة وصواب. [(قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ) ٢٩] (مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ) بيان لـ (الَّذِينَ) مع ما في حيزه، نفى عنهم الإيمان بالله؛ لأنّ اليهود مثنية، والنصارى مثلثة، وإيمانهم باليوم الآخر؛ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (نفى عنهم الإيمان [بالله]؛ لأن اليهود مثنية والنصارى مثلثة): إنما علل قوله: "نفي عنهم الإيمان" بهذا، لأن قوله: (وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ) [التوبة: ٣٠] جملة مفسرة لقوله: (لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)؛ على طريقة: أعجبني زيد وكرمه، ولأن الأمر بمقاتلة أهل الكتاب وارد على سبيل الاستطراد لذكر المشركين، لجامع الاشتراك. ومن ثم لما فرغ من كلامهم عاد إلى نوع آخر من قبائح المشركين، وهو القول بالنسيء، وجعل قوله: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ) [التوبة: ٣٦] توطئة لذكره، والجامع بينه وبين ما قبله- وهو قوله: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ) [التوبة: ٢٨]- أن كل واحدٍ منهما حديث في الحرمة؛ تعظيم المكان والزمان، والمنع من هتك المشركين بتينك الحرمتين، وتوبيخهم بذلك. قوله: (وإيمانهم): نصبٌ؛ عطفاً على "الإيمان بالله"، وكذا "تحريم ما حرم الله"، وكذا "أن يدينوا". وقوله: "وأن يعتقدوا دين الإسلام": عطف تفسيري لقوله: "أن يدينوا".

стр. 3363

لأنهم فيه على خلاف ما يجب، وتحريم ما حرم الله ورسوله؛ لأنهم لا يحرمون ما حرم في الكتاب والسنة، وعن أبى روق: لا يعملون بما في التوراة والإنجيل، وأن يدينوا دين الحق، وأن يعتقدوا دين الإسلام الذي هو الحق، وما سواه الباطل. وقيل: دين الله، يقال: فلان يدين بكذا: إذا اتخذه دينه ومعتقده. سميت جزية؛ لأنها طائفة مما على أهل الذمة أن يجزوه؛ أي: يقضوه، أو: لأنهم يجزون بها من منّ عليهم بالإعفاء عن القتل، (عَنْ يَدٍ) إما أن يراد: يد المعطى أو الآخذ: فمعناه على إرادة يد المعطى: حتى يعطوها عن يد: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أن يجزوه): متعلق بقوله: "على أهل الذمة"، أي: طائفة من التي وجبت على أهل الذمة أن يقضوه، فالجزية من الجزء والتجزئة، وعلى الوجه الآتي من الجزاء، يُقال: جزيته بما صنع جزاء وجازيته. قوله: (إما أن يُراد: يد المعطي أو الآخذ) على آخره: خلاصته: أن (عَنْ يَدٍ): إما أن يُحمل على يد المعطي، فهو على وجهين: إما أن يعطوها عن يد قاهرة مستولية، أو عن إنعام من المسلمين عليهم. قال صاحب "التقريب": وفي الوجوه نظر، لأن الكلام في "أعطى عن يده"، ولا يفيده كون: أعطى يده أو بيده؛ بمعنى: انقاد، إذ لو ورد: "أعطى عن يده" بمعناه، كان كافياً، وأيضاً هذه المضمرات الثلاث لا دلالة عليها، اللهم إلا قرينة الجزية، وأيضاً على تقدير جعل اليد للآخذ كان حقه: "إلى يد"، فإما أن يكون على إقامة بعض الحروف مقام بعض، أو على أن التقدير: عن جهة يد قاهرة أو عن جهة إنعام، نحو: كساه عن العُري.

стр. 3364

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قلت: وفي كلامه تعقيد، وخلاصته: أن المضمرات لا دلالة عليها في الآية، فيُقال: لا شك أن "أعطي" لا يُعدى بـ"عن" إلا على جهة التضمين، نحو قوله: ينهون عن أكل وعن شرب أي: يتناهون في السمن بسبب الأكل والشرب، وأن "اليد" تستعمل بإعانة القرائن: تارة في معنى الانقياد، كما قال عثمان ﵁: "هذي يدي لعمار"، أي: أنا مستسلم له منقاد، فليحكم علي. وتنزيل الآية على هذا: حتى يصدر إعطاؤهم الجزية عن انقياد وطاعة منهم. وأما استشهاده بقوله: أعطي بيده وأعطى يده - وهما كنايتان عن الانقياد، وما نحن بصدده من قبيل المجاز - فلمجرد المعنى، ولبيان العلاقة المعتبرة في المجاز، والتنبيه على الاستعمال. وتارة في معنى الحلول والأداء، كما ورد في حديث أبي سعيد الخدري في الربا: "يداً بيد"، فتنزيلها عليه: حتى يعطوها إياكم صادرة عن يد إلى يد، أي: نقداً. وأخرى في معنى النعمة، أي: بسبب إنعام منكم عليهم، أو: يعطوها صادرة عن يد، أي: نعمة حاصلة لهم، هي إبقاء أرواحهم وأخذ شيء قليل منهم بدلها، وإطلاق اليد على النعمة باب واسع.

стр. 3365

أي: عن يد مؤاتية غير ممتنعة، لأنّ من أبى وامتنع لم يعط يده، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وأخرى بمعنى القدرة والغلبة، ومما ورد في حديث يأجوج ومأجوج: "وقد أخرجت عباداً لي لا يدان لحد بقتالهم"، فالتقدير: يعطوها إياكم بسبب قدرة لكم عليهم، كما يأخذ القاهر المستولي من المستولى منه. وأمثال هذه المعاني لا تخفى على من له اليد الطولي في المعاني والبيان. على أن الزجاج قد ذكر الوجوه فقال: " (عَنْ يَدٍ) أي: عن ذل عن اعتراف للمسلمين بأن أيديهم فوق أيديهم، وقيل: عن يد قهر، فهو كما تقول: اليد في هذا لفلان، أي: الأمر النافذ له، وقيل: عن نعام عليهم بذلك، لأن قبول الجزية منهم وترك أنفسهم عليهم نعمة عظيمة". وأما صاحب "الانتصاف" فقد أنصف وقبل الوجوه بأسرها، وقال في قوله: "حتى يعطوها عن يد إلى يد [نقداً] غير نسيئة": "هو كقوله ﷺ : (لا تبيعوا الذهب بالذهب - إلى قوله - يداً بيد) "، وفي قوله: "عن يد قاهرة مستولية، أو المراد باليد هاهنا الإنعام": "هذا الوجه أملأ بالفائدة". قوله: (عن يد مؤاتية): أي موافقة، الجوهري: "تقول: آتيته على ذلك الأمر مؤاتاة: إذا وافقته وطاوعته".

стр. 3366

بخلاف المطيع المنقاد، ولذلك قالوا: أعطى بيده: إذا انقاد وأصحب، ألا ترى إلى قولهم: نزع يده عن الطاعة، كما يقال: خلع ربقة الطاعة عن عنقه، أو: حتى يعطوها عن يد إلى يد نقداً غير نسيئة، لا مبعوثا على يد أحد، ولكن عن يد المعطى إلى يد الآخذ. وأما على إرادة يد الآخذ: فمعناه: حتى يعطوها عن يد قاهرة مستولية، أو: عن إنعام عليهم، لأن قبول الجزية منهم، وترك أرواحهم لهم: نعمة عظيمة عليهم. (وَهُمْ صاغِرُونَ) أي: تؤخذ منهم على الصغار والذل، وهو أن يأتي بها بنفسه ماشياً غير راكب، ويسلمها وهو قائم، والمتسلم جالس، وأن يتلتل تلتلة، ويؤخذ بتلبيبه، ويقال له: أدّ الجزية، وإن كان يؤدّيها ويزخ في قفاه. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (إذا انقاد وأصحب)، الأساس: "أصحب له الرجل والدابة: إذا انقاد له، ومعناه: دخل في صحبته بعد أن كان نافراً عنه، أو صار ذا صاحب". قوله: (عن يد إلى يد نقداً غير نسيئة لا مبعوثاً): "غير نسيئة" و"لا مبعوثاً" صفتان لـ "نقد"؛ الأولى: صفة مؤكدة، والثانية: مميزة، وذلك أن "عن عَنْ يَدٍ إلى يد" صريحة أن يأخذ المستحق حقه من يد الغريم إلى يده، ثم صار كناية عن المنجز مطلقاً، سواء أعطاه من يده إلى يد، أو بعثه إلى يد غيره، فهاهنا لو اقتصر على قوله: "نقداً غير نسيئة" لاحتمل المعنى الآخر، فقال: "لا مبعوثاً على يد غيره"؛ ليشملهما معاً، ومقام التحقير والهوان يقتضيه، فوجب حمله عليهما، ونظيره قوله تعالى: (وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ) [الأعراف: ١٤٩] فإنه كناية عن الندم، ولا يمتنع من إرادة عض اليد معه أيضاً، لأن الكناية لا تنافي إرادة حقيقته. قوله: (يتلتل تلتلة)، الأساس: "تلتله: أزعجه. ولقوا منه التلاتل". قوله: (ويُزخ في قفاه)، الجوهري: "زخه: دفعه في وهدة، وفي الحديث: (ومن يتبعه القرآن يزخ في قفاه حتى يقذف به في نار جهنم) "، أخرجه الدارمي.

стр. 3367

وتسقط بالإسلام عند أبى حنيفة ﵁، ولا يسقط به خراج الأرض. واختلف فيمن تضرب عليه، فعند أبى حنيفة: تُضرب على كل كافر؛ من ذمي ومجوسي وصابئ وحربي، إلا على مشركي العرب وحدهم، روى الزهري: أن رسول الله ﷺ صالح عبدة الأوثان على الجزية، إلا من كان من العرب، وقال لأهل مكة: "هل لكم في كلمة إذا قلتموها دانت لكم بها العرب، وأدّت إليكم الجزية العجم"، وعند الشافعي لحمه الله: لا تؤخذ من مشركي العجم. والمأخوذ عند أبى حنيفة ﵁ في أوّل كل سنة: من الفقير الذي له كسب: اثنا عشر درهما، ومن المتوسط في الغنى: ضعفها، ومن المكثر: ضعف الضعف؛ ثمانية وأربعون، ولا تؤخذ من فقير لا كسب له، وعند الشافعي: يؤخذ في آخر السنة من كل واحد دينار، فقيراً كان أو غنيًا، كان له كسب أو لم يكن. [(وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) ٣٠] (عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ) مبتدأ وخبر، كقوله: (المسيح ابن الله)، وعزير: اسم أعجمى، كعازر وعيزار وعزرائيل، ولعجمته وتعريفه: امتنع صرفه، ومن نوّن فقد جعله عربياً. وأما قول من قال: سقوط التنوين لالتقاء الساكنين -كقراءة من قرأ: "أحد الله" [الإخلاص: ١ - ٢]، أو لأنّ "الابن" وقع وصفًا، والخبر محذوف، ......... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. قوله: (ومن نون فقد جعله عربياً): وهو عاصم والكسائي. قوله: (وأما قول من قال: سقوط التنوين لالتقاء الساكنين … فتمحُّل): قال الزجاج: "قرئت (عُزَيْرٌ) بالتنوين وبغير تنوين، والوجه إثبات التنوين، لأن (ابْنُ) خبر، وإنما يُحذف التنوين في الصفة، نحو: جاءني زيد بن عمرو؛ لالتقاء الساكنين، فإن النعت والمنعوت

стр. 3368

وهو معبودنا -فتمحل عنه مندوحة. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كالشيء الواحد، وإذا كان خبراً فالتنوين، وقد يجوز حذف التنوين لالتقاء الساكنين على ضعف، نحو: "قل هو الله أحد* الله الصمد" [الإخلاص: ١ - ٢]، وفيه وجه آخر، وهو أن يكون الخبر محذوفا، أي: عزير ابن الله معبودنا". قوله: (فتمحُّل): الجوهري: "تمحل: احتال، فهو متمحل". قوله: (عند مندوحة): "مندوحة" مبتدأ، و"عنه" خبره، والجملة صفة "تمحل". بيان التمحل ما نقله الإمام عن الشيخ عبد القاهر: أنه طعن في هذا الوجه في كتاب "دلائل الإعجاز"، وقال: "الاسم إذا وُصف بصفة، ثم أخبر عنه، فمن كذبه انصرف التكذيب إلى الخبر، وصار ذلك الوصف مسلماً، فلو كان المقصود بالإنكار قولهم: "عزير ابن الله معبودنا"، لتوجه الإنكار إلى كونه معبوداً لهم، وحصل تسليم كونه ابناً لله، وذلك كفر". ثم قال الإمام: "وهذا الطعن ضعيف، أما قوله: "إن من أخبر عن ذات موصوفة بأمر من الأمور، وأنكره منكر توجه الإنكار إلى الخبر": فهذا مسلم، وأما قوله: "ويكون ذلك تسليماً للوصف"، فهذا ممنوع، لأنه لا يلزم من كونه مكذباً لذلك الخبر كونه مصدقاً لذلك الوصف، إلا أن يُقال: تخصيص ذلك الخبر يدل على أن ما سواه لايكذبه، وهذا بناء على دليل الخطاب، وهو ضعيف". وقلت: هذا الكلام يحتمل أمراً آخر، وهو أن يُقال: إن المراد من إجراء تلك الصفة

стр. 3369

وهو قول ناس من اليهود ممن كان بالمدينة، وما هو بقول كلهم، عن ابن عباس: جاء رسول الله ﷺ سلام بن مشكم، ونعمان بن أوفى، وشاس بن قيس، ومالك بن الضيف، فقالوا ذلك. وقيل: قاله فنحاص. وسبب هذا القول: أنّ اليهود قتلوا الأنبياء بعد موسى ﵇، فرفع الله عنهم التوراة، ومحاها من قلوبهم، فخرج عزير وهو غلام يسيح في الأرض، فأتاه جبريل، فقال له: إلى أين تذهب؟ قال: أطلب العلم فحفظه التوراة، فأملاها عليهم عن ظهر لسانه، لا يخرم حرفا، فقالوا: ما جمع الله التوراة في صدره، وهو غلام، إلا أنه ابنه. والدليل على أن هذا القول كان فيهم: أن الآية تليت عليهم، فما أنكروا ولا كذبوا، مع تهالكهم على التكذيب. فإن قلت: كل قول يقال بالفم، فما معنى قوله" (ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ)؟ قلت: فيه وجهان: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. على الموصوف بناء الخبر عليه، فحينئذ يرجع التكذيب على جعل الوصف علة للخبر، فبطل ذلك التمحل. قوله: (وما هو بقول كلهم): اعتذار عن نسبة هذه الهيئة إلى اليهود، وهم يتبرؤون عنه. قال الإمام: "القائل بهذا المذهب بعض اليهود، إلا أنه نسب ذلك إلى الجميع بناء على عادة العرب في إيقاع اسم الجماعة على الواحد"، ثم قال: "ولعل هذا المذهب كان فاشياً فيهم، ثم انقطع، فحكى الله تعالى عنهم، ولا عبرة بإنكار اليهود لذلك، فإن حكاية الله عنهم أصدق". قوله: (فيه وجهان): فإن قلت: فهلا يعتبر التأكيد، نحو: رأيته بعيني، وقلته بفمي، وأخذته بيدي؟ قلت: يأباه المقام؛ لأن المقصود الإخبار عن ذلك القول الشنيع الذي يخرج من أفواههم، من غير تحاش ولا مبالاة، كقوله تعالى: (وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ

стр. 3370

أحدهما: أن يراد أنه قول لا يعضده برهان، فما هو إلا لفظ يفوهون به، فارغ من معنى تحته كالألفاظ المهملة التي هي أجراس ونغم لا تدل على معان، وذلك أن القول الدال على معنى: لفظه مقول بالفم، ومعناه مؤثر في القلب، ومالا معنى له: مقول بالفم لا غير. والثاني: أن يراد بالقول: المذهب، كقولهم: قول أبى حنيفة، يريدون مذهبه وما يقول به، كأنه قيل: ذلك مذهبهم ودينهم بأفواههم لا بقلوبهم، لأنه لا حجة معه، ولا شبهة، حتى يؤثر في القلوب، وذلك أنهم إذا اعترفوا أنه لا صاحبة له، لم تبق شبهة في انتفاء الولد. "يُضاهِؤُنَ" لا بدّ فيه من حذف مضاف تقديره: يضاهي قولهم قولهم، ثم حذف المضاف وأقيم الضمير المضاف إليه مقامه، فانقلب مرفوعًا. والمعنى: أن الذين كانوا في عهد رسول الله ﷺ من اليهود والنصارى يضاهي قولهم قول قدمائهم، يعنى: أنه كفر قديم فيهم غير مستحدث. أو: يضاهي قول المشركين: "الملائكة بنات الله". وقيل: الضمير للنصارى، أي: يضاهي قولهم: "المسيح ابن الله"، قول اليهود: "عزير ابن الله"، لأنهم أقدم منهم. وقرئ (يضاهؤن) بالهمز من قولهم: امرأة ضهيأ؛ على فعيل، وهي التي ضاهأت الرجال في أنها لا تحيض، وهمزتها مزيدة، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ) [النور: ١٥]، ولا يقال ذلك الأسلوب إلا في أمر يعظم مثاله، ويعز الوصول إليه، ليؤذن على نيله وحصوله. قوله: (وقرئ: (يُضَاهِئُونَ) بالهمزة، من قولهم: امرأة ضهيأ، على: فعيل) إلى قوله: (وهمزتها مزيدة): قيل: الصواب أن يُقال: أو همزتها مزيدة، وإلا ففي كلامه تناقض؛

стр. 3371

كما في "غرقئ". (قاتَلَهُمُ اللَّهُ) أي: هم أحقاء بأن يقال لهم هذا؛ تعجباً من شناعة قولهم، كما يقال لقوم ركبوا شنعاء: قاتلهم الله، ما أعجب فعلهم! (أَنَّى يُؤْفَكُونَ) كيف يصرفون عن الحق؟ [(اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) ٣١] اتخاذهم أربابًا: أنهم أطاعوهم في الأمر بالمعاصي، وتحليل ما حرم الله، وتحريم ما حلله، كما يُطاع الأرباب في أوامرهم، ونحوه تسمية أتباع الشيطان فيما يوسوس به: عباده، (بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ) [سبأ: ٤١]، (يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ) [مريم: ٤٤]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لأن "ضهيأ" همزتها أصلية، ويجوز أن تكون الواو بمعنى "أو"، وقيل: جاء بقوله: "فعيل" لمجرد الوزن لا لبيان الأصل. وقال الزجاج: "و"ضهيأ": فعلأ، الهمزة زائدة، ما زيدت في "شمأل" و"غرقئ"، ولا نعلم زيادة الهمزة غير أول إلا في هذه الأشياء، ويجوز أن تكون "فعيل"، وإن كانت بنية ليس لها في الكلام نظير، فإنا قد نعرف كثيراً مما لا يأتي له نظير، من ذلك قولهم: كنهبل، وهو الشجر العظام، وتقديره: فنعلل، وكذلك: قرنفل، وتقديره: فنعلل، ويجوز أن يكون (يُضَاهِئُونَ) من هذا بالهمز، وتكون همزة "ضهيأ" أصلاً". قوله: (كما في غرقئ): قال الفراء: همزته زائدة، لأنه من الغرق، وهو قشر البيض الذي تحت القيض، والقيض: ما يعلق من قشور البيض الأعلى.

стр. 3372

وعن عدي بن حاتم ﵁: انتهيت إلى رسول الله ﷺ ، وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: "أليسوا يحرّمون ما أحلّ الله، فتحرّمونه، ويحلون ما حرّمه الله، فتحلونه؟ " قلت: بلى. قال: "فتلك عبادتهم". وعن فضيل: ما أبالى أطعت مخلوقًا في معصية الخالق، أو صليت لغير القبلة. وأمّا المسيح: فحين جعلوه ابنا لله، فقد أهلوه للعبادة، ألا ترى إلى قوله: (قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ) [الزخرف: ٨١]، (وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً) أمرتهم بذلك أدلة العقل، والنصوص في الإنجيل، ........ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. قوله: (وعن عدي بن حاتم) الحديث: من رواية الترمذي قال: "أتيت النبي ﷺ ، وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: اطرح عنك هذا الوهن"، وسمعته صلوات الله عليه يقول: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ)، قال: "إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكن كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئا ًحرموه". النهاية: "في حديث عمران بن حصين: "أن فلاناً دخل عليه، وفي عضده حلقة من صفر، فقال: ما هذا؟ قال: هذا من الواهنة، قال: أما إنها اتزيدك إلا وهناً"؛ الواهنة: عرق يأخذ في المنكب وفي اليد كلها، فيرقى منها، وربما علق عليها جنس من الخرز، يقال لها: خرز الواهنة، وإنما نهاه عنها، لأنه إنما اتخذها على أنها تعصمه من الألم، فكان في معنى التمائم المنهي عنها". قوله: (ألا ترى إلى قوله: (قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ) [الزخرف: ٨١]: يعني: معنى الألوهية مقتض للعبودية، ومن جُعل ابناً للإله الحق فقد استحق أن يعبد لما وُجد فيه ذلك المعنى، فإن قُدر كذا فأنا أول من قام بما وجب عليه.

стр. 3373

والمسيح ﵇: (إنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ) [المائدة: ٧٢]، (سُبْحانَهُ): تنزيه له عن الإشراك به، واستبعاد له. ويجوز أن يكون الضمير في (وَما أُمِرُوا) للمتخذين أرباباً، أي: وما أمر هؤلاء الذين هم عندهم أرباب إلا ليعبدوا الله ويوحدوه، فكيف يصح أن يكونوا أربابًا، وهم مأمورون مستعبدون مثلهم. [(يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَابَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) ٣٢ - ٣٣] مثل حالهم في طلبهم أن يبطلوا نبوّة محمد ﷺ بالتكذيب، بحال من يريد أن ينفخ في نور عظيم منبث في الآفاق -يريد الله أن يزيده ويبلغه الغاية القصوى في الإشراق أو الإضاءة- ليطفئه بنفخه، ويطمسه. (لِيُظْهِرَهُ): ليظهر الرسول ﵇ (عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ): على أهل الأديان كلهم، أو ليظهر دين الحق على كل دين. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ … قوله: (ويجوز أن يكون الضمير في (وَمَا أُمِرُوا)): عطف من حيث المعنى على قوله: "أمرتهم بذل"، والضمير فيه للمتخذين، بكسر الخاء، وعلى هذا: للمتخذين، بفتحها. إنما خص المصنف ما يختص بالنصارى بالذكر، والظاهر العموم في اليهود والنصارى، لدلالة السياق عليه، أو لأن النصارى أو غلُ في إثبات هذا المعنى. قوله: (مثل حالهم) إلى آخره: وهو استعارة مصرحة تمثيلية، والمستعار جملة الكلام، لأن حالهم في محاولة إبطال نبوة محمد ﷺ بالتكذيب هو المشبه، وهو مطوي، والمشبه به حال من يريد أني نفخ في نور عظيم منبث في الآفاق، المعنى بقوله: (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ)، وهو الطرف المذكور.

стр. 3374

فإن قلت: كيف جاز: "أبى الله إلا كذا"، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقوله: (وَيَأبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ) ترشيح للاستعارة، لأن إتمام النور زيادة في استنارته وفشو ضوئه، فهو تفريع على الأصل، أي: المشبه به، وقوله: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) تجريد للاستعارة، وتفريعٌ على الأصل، ورُوعي في كل من الممثل والممثل به معنى الإفراط والتفريط، حيث شبه الإبطال بالإطفاء بالفم، ونسب النور إلى الله تعالى، وما شأن نور يُضاف إلى الله تعالى، وكيف السبيل إلى إطفائه، لا سيما بالفم! ومن ثم قال: "في نور عظيم منبث في الآفاق"، وتمم كلاً من الترشيح والتجريد بقوله: (وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)، (وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)، وأوهم التناسب بين الكفر والإطفاء، لأن الكفر التغطية والستر، وبين الشرك ودين الحق، لأن دين الحق التوحيد. ويجوز أن يُجعل (نُورَ اللَّهِ) استعارة تحقيقية، والقرينة الإضافة، والمراد بالنور رسول الله ﷺ ، لقوله تعالى: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً *وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً) [الأحزاب: ٤٥ - ٤٦]، شبهه صلوات الله عليه - لما جلى الله تعالى به ظلمات الشرك، وهدى به الضالين- بالنور وبالسراج المنير الذي يحرق ظلمات الليل البهيم، فيهتدى به، ثم أطلق اسم النور أو السراج على المشبه المتروك، ثم رشح الاستعارة بـ (يُطْفِئُوا)، لأنه صفة ملائمة للمشبه به، وهو السراج، ولذلك قال: (بِأَفْواهِهِمْ)، وأما قوله: (وَيَابَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ) وقوله: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ)، فكما سبق في الاستعارة الأولى، والله أعلم. قوله: (كيف جاز: أبي الله إلا كذا)، أي: كيف جاز أن يكون الاستثناء المفرغ في الكلام الموجب؟ قال الزجاج: "زعم بعض النحويين أن في "يأبى" طرفاً من الجحد، والجحد والتحقيق ليسا بذوي أطراف، وأداة الجحد "لا" و"ما" و"لم" و"لن" و"ليس"، ولا يكون الإيجاب جحداً، ولو جاز هذا لجاز: كرهت إلا أخاك، ولا دليل هاهنا على المكروه ما هو؟ لكن معناه: يأبى الله كل شيء إلا إتمام نوره".

стр. 3375

ولا يقال: كرهت -أو: أبغضت- إلا زيداً؟ قلت: قد أجرى "أبى" مجرى "لم يرد"، ألا ترى كيف قوبل (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا) بقوله: (وَيَابَى اللَّهُ) وكيف أوقع موقع "ولا يريد الله": (إلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ). [(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَاكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ) ٣٤ - ٣٥] معنى أكل الأموال على وجهين: إما أن يستعار الأكل للأخذ، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وأجاب المصنف عنه: بأن الدليل الدال على إرادة الجحد إيقاع قوله: (وَيَابَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ) مقابلاً لقوله: (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ)، يعني: هم يريدون الإطفاء، والله تعالى لا يريد إلا الإتمام. وكأن صاحب "الانتصاف" رد هذا التأويل بقوله: "لا يقال: إن الإباء بمعنى نفي الإرادة، فكما صح الإيجاب بعد نفي الإرادة، فينبغي أن يصح بعد ما هو في معناه، لأنا نقول: لوجود حرف النفي أثر في تصحيح مجيء الإيجاب". وقلت: لعله نسي قول المصنف في قوله تعالى: (فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ) بالرفع: "هذا من ميلهم مع المعنى، والإعراض عن اللف جانباً، لأن المعنى: فلم يطيعوه إلا قليل منهم". قوله: (أن يُستعار الأكل للأخذ): وذلك بأن تشبه حالة أخذهم أموال الناس من غير تمييز بين الحق اولابطل، وتفرقة بين الحلال والحرام، للتهالك على الدنيا والحرص على جمع

стр. 3376

ألا ترى إلى قولهم: أخذ الطعام وتناوله. وإمّا على أن الأموال يؤكل بها، فهي سبب الأكل. ومنه قوله: يأكلن كل ليلة إكافا يريد: علفا يشتري بثمن إكاف. ومعني أكلهم بالباطل: أنهم كانوا يأخذون الرشا في الحكام والتخفيف والمسامحة في الشرائع. (والَّذِينَ يَكْنِزُونَ) يجوز أن يكون إشارة إلى الكثير من الأحبار والرهبان، للدلالة على اجتماع خصلتين مذمومتين فيهم: أخذ البراطيل، وكنز الأموال والضن بها عن الإنفاق في سبيل الخير. ويجوز أن يراد المسلمون الكانزون غير المنفقين، ويقرن بينهم وبين المرتشين من اليهود والنصارى؛ تغليظًا ودلالة على أن من يأخذ منهم السحت، ومن لا يعطي منكم طيب ماله؛ سواء في استحقاق البشارة بالعذاب الأليم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. حُطامها، بحالة منهمك جائع لا يميز بين طعام وطعام في التناول. ولا طائل تحت هذه الاستعارة، واستشهاده بقولهم: "أخذ الطعام وتناوله" أسمج، والوجه هو الثاني، وما قال القاضي: "سُمي أخذُ المال أكلاً لأنه الغرض الأعظم منه". قوله: (أخذ البراطيل)، الأساس: "البرطيل: هو الحجر المستطيل، ومنه: ألقمه البرطيل، وهو الرشوة، وبرطل فلان: أرشى، ومنه قولهم: إن البراطيل تنصر الأباطيل". قوله: (ويجوز أن يُراد المسلمون الكانزون): يريد أن التعريف في (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ) للعهد، والمعهود: إما الأحبار والرهبان، وإما المسلمون؛ لجري ذكر الفريقين، والأولى حمله على العموم.

стр. 3377

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال صاحب "المرشد": (عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) هو وقف حسن إذا جعلت (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ) في موضع رفع بالابتداء، وخبره: (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)، وإليه ذهب أبو حاتم، وإن ذهب به إلى النصب؛ بالعطف على قوله: (كَثِيراً)، أي: إن كثيراً منهم ليأكلون والذين يكنزون يأكلون أيضاً، فالوقف على قوله: (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)، ولكن ليس بحسن، لأن قوله: (يَوْمَ يُحْمَى) ينتصب بالظرف، والعامل فيه ما قبله. وقلت: لا يخفى على من له مسكة أن الثاني بعيد عن مقتضى البلاغة، والأول هو الوجه، ليكون كالتذييل للكلام السابق - ويؤيده إجراؤه على العموم، لأن قوله: (فَبَشِّرْهُمْ) أمر لكل من تتأتى منه البشارة بالعذاب بأن يبشر؛ على التهكمية، فالتعريف في (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ) إذن للجنس، فيدخل في هذا العموم الأحبار والرهبان دخولاً أولياً-، وليُعلم أن قصدهم في أخذ الرشا كان كنز المال والضن بها. وأما قضية النظم: فإنه تعالى لما أخبر المؤمنين أن أخذ الرشا لإبطال الحق دأب الأحبار والرهبان، لئلا يتصفوا به، بين أيضاً أن قصدهم فيه جمع الأموال والمنع من حقوق الله،

стр. 3378

وقيل: نسخت الزكاة آية الكنز، وقيل: هي ثابتة، وإنما عنى بترك الإنفاق في سبيل الله منع الزكاة. وعن النبي ﷺ : "ما أدّى زكاته فليس بكنز، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فيعلموا أن الجمع من الحلال مع منع الحقوق منه داخل في ذلك الحكم ومستوجب للبشارة بالعذاب الأليم. وفيه أن القصد في الجمع لا ينبغي أن يكون إلا للإنفاق في سبيل الله، ولا يصلح إلا لذلك، روينا في "مسند أحمد بن حنبل" عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "هلك المكثرون، إن المكثرين هم الأقلون يوم القيامة، إلا من قال بالمال هكذا وهكذا، وقليل ما هم يا أبا هريرة"، وفي جعلهم في الآخرة "الأقلين"، وفي الدنيا "قليلاً: لطيفة. وينصر دلالتها على العموم: ما روينا عن البخاري عن زيد بن وهب، عن أبي ذر قال: "اختلفت أنا ومعاوية في هذه الآية، فقال: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ)، فقال معاوية: نزلت في أهل الكتاب، فقلت: نزلت فينا وفيهم، فكان بيني وبينه كلام في ذلك"، الحديث. وما روينا عن البخاري ومسلم وأبي داود والنسائي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة، صفحت له صفائح من نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما ردت أعيدت عليه، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يُقضى بين العباد، فيرى سبيله؛ إما على الجنة، وإما إلى النار"، الحديث. قوله: (ما أدى زكاته فليس بكنز) الحديث عن البخاري ومالك وابن ماجه عن ابن عمر: "قال له أعرابي: أخبرني عن قول الله تعالى: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ) الآية، فقال ابن

стр. 3379

وإن كان باطناً، وما بلغ أن يزكى فلم يزك فهو كنز، وإن كان ظاهراً"، وعن عمر ﵁: أنّ رجلاً سأله عن أرض له باعها، فقال: أحرز مالك الذي أخذت، احفر له تحت فراش امرأتك. قال: أليس بكنز؟ قال: ما أدّى زكاته فليس بكنز، وعن ابن عمر ﵄: كل ما أدّيت زكاته فليس بكنز، وإن كان تحت سبع أرضين، وما لم يؤدّ زكاته فهو الذي ذكر الله، وإن كان على ظهر الأرض. فإن قلت: فما تصنع بما روى سالم بن الجعد: أنها لما نزلت، قال رسول الله ﷺ : "تباً للذهب، تبا للفضة"، قالها ثلاثاً، فقالوا له: أيّ مال نتخذ؟ قال" "لساناً ذاكراً، وقلباً خاشعاً، وزوجة تُعين أحدكم على دينه"، وبقوله ﵊: "من ترك صفراء أو بيضاء كوى بها"، وتوفى رجل فوجد في مئزره دينار، فقال رسول الله ﷺ : "كية"، وتوفى آخر فوجد في مئزره ديناران، فقال "كيتان"؟ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عمر: من كنزها فلم يؤد زكاتها ويلٌ له، هذا قبل أن تنزل الزكاة، فلما نزلت جعلها الله طهرة الأموال". قوله: (احفر له تحت فراش امرأتك): كناية عن المبالغة في الحفظ واختيار حرز حريز. قوله: (بما روى سالم بن [أبي] الجعد)، الحديث: من رواية أحمد بن حنبل والترمذي وابن ماجه عن ثوبان قال: لما نزلت الآية قال بعض أصحابه: فلو علمنا أي المال خير اتخذنا، فقال رسول الله ﷺ : "أفضله لسان ذاكر، وقلب شاكر، وزوجة صالحة تعين المؤمن على إيمانه". قوله: (وتوفي رجل فوُجد)، الحديث في "مسند أحمد بن حنبل" عن أبي أمامة: أن رجلاً من أهل الصفة توفي وترك ديناراً، فقال رسول الله ﷺ : "كية"، قال: ثم توفي آخر، فترك دينارين، فقال رسول الله ﷺ : "كيتان". وقلت: أمر أهل الصفة كان على التجريد وترك الادخار، فلما وُجد خلافه رُتب عليه الوعيد، لأن ذلك ظلم منهم.

стр. 3380

قلت: كان هذا قبل أن تفرض الزكاة، فأمّا بعد فرض الزكاة، فالله أعدل وأكرم من أن يجمع عبده مالا من حيث أذن له فيه، ويؤدّى عنه ما أوجب عليه فيه، ثم يعاقبه، ولقد كان كثير من الصحابة، كعبد الرحمن بن عوف، وطلحة بن عبيد الله، يقتنون الأموال ويتصرفون فيها، وما عابهم أحد ممن أعرض عن القنية، لأنّ الإعراض اختيار للأفضل والأدخل في الورع والزهد في الدنيا، والاقتناء مباح موسع لا يذمّ صاحبه، ولكل شيء حدّ، وما روى عن علىّ ﵁: "أربعة آلاف فما دونها نفقة، فما زاد فهو كنز" كلام في الأفضل. فإن قلت: لم قيل: (ولا ينفقونها)، وقد ذكر شيئان؟ قلت: ذهاباً بالضمير إلى المعنى دون اللفظ؛ لأن كل واحد منهما جملة وافية، وعدة كثيرة ودنانير ودراهم، ........ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. قوله: (لم قيل: (وَلا يُنفِقُونَهَا)، وقد ذُكر شيئان؟ ) الراغب: أعيد الضمير إلى الفضة دون الذهب؛ لأن حبس الفضة عن الناس أعظم ضرراً؛ إذ الحاجة إليها أمس، ومنعها للمضرة أجلب، وعلى ذلك أيضاً قوله تعالى: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا) [الجمعة: ١١]، أعيد الضمير إلى التجارة دون اللهو لما كانت سبب انفضاض الذين نزلت الآية فيهم. وقال الإمام: "إنما خُلق الأموال ليتوسل بها إلى دفع الحاجات، فإذا حصل للإنسان قدر ما يدفع به حاجته، ثم جمع الأموال الزائدة عليه، فهو لا ينتفع بها، لكونها زائدة على قدر حاجته، ومنعها من الغير ليدفع بها حاجته، كأنه منع من ظهور حكمة الله، ومن وصول إحسانه إلى عبيده".

стр. 3381

فهو كقوله: (وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا) [الحجرات: ٩]، وقيل: ذهب به إلى الكنوز، وقيل: إلى الأموال، وقيل: معناه ولا ينفقونها والذهب، كما أن معنى قوله: فَإنِّى وَقَيَّارٌ بِهَا لَغَرِيبُ وقيار كذلك. فإن قلت: لم خصا بالذكر من بين سائر الأموال؟ قلت: لأنهما قانون التمول وأثمان الأشياء، ولا يكنزهما إلا من فضلا عن حاجته، ومن كثرا عنده حتى يكنزهما لم يعدم سائر أجناس المال، فكان ذكر كنزهما دليلاً على ما سواهما. فإن قلت: ما معنى قوله (يُحْمى عَلَيْها)؟ وهلا قيل: "تحمى"، من قولك: حمى الميسم وأحميته، ولا تقول: أحميت على الحديد؟ قلت: معناه: أن النار تحمى عليها، أي: توقد ذات حمى وحرّ شديد، من قوله: (نارٌ حامِيَةٌ) [القارعة: ١١] ولو قيل: "يوم تحمى"، لم يعط هذا المعنى. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. قوله: (قانون التمول)، الجوهري: "القوانين: الأصول الواحد قانون، وليس بعربي"., قوله: (معناه: أن النار تُحمى عليها): قال الواحدي: "يُقال: أحميت الحديدة ف النار إحماء حتى حميت حمياً: إذا أوقدت عليها النار"، وهو كقوله تعالى: (فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ) [القصص: ٣٨]. قوله: (ولو قيل: "يوم تُحمى"، لم يعط هذا المعنى): لأنك إذا قلت: يوم تحمى الكنوز في نار جهنم، أفاد أنها حميت، وهي كائنة في النار، كما يحمى الميسم فيها، فلا تُعلم شدة وقود النار فيها. وأما لو قيل: "تحمى عليها"، وأسند "تحمى" إلى النار، أفاد أن النار بنفسها تحمى، فتكو كما قال: "توقد ذات حمى وحر شديد"، ثم إذا قيل: "على الكنوز" دل على الاستعلاء،

стр. 3382

فإن قلت: فإذا كان الإحماء للنار، فلم ذكر الفعل؟ قلت: لأنه مسند إلى الجار والمجرور، أصله: يوم تحمى النار عليها، فلما حذفت "النار" قيل: يحمى عليها، لانتقال الإسناد عن "النار" إلى (عليها)، كما تقول: رفعت القصة إلى الأمير، فإن لم تذكر "القصة" قلت: رفع إلى الأمير. وعن ابن عامر أنه قرأ: "تحمى"، بالتاء، وقرأ أبو حيوة: "فيكوى بالياء. فإن قلت: لم خصت هذه الأعضاء؟ قلت: لأنهم لم يطلبوا بأموالهم -حيث لم ينفقوها في سبيل الله- إلا الأغراضَ الدنيوية؛ من وجاهة عند الناس وتقدّم، وأن يكون ماء وجوههم مصوناً عندهم، يتلقون بالجميل، ويحيون بالإكرام، ويبجلون ويحتشمون، ومن أكل طيبات يتضلعون منها، وينفخون جنوبهم، ومن لبس ناعمة من الثياب، يطرحونها على ظهورهم، كما ترى أغنياء زمانك: هذه أغراضهم وطلباتهم من أموالهم، لا يخطرون ببالهم قول رسول الله ﷺ : "ذهب أهل الدثور بالأجور". ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فكان أبلغ. ولهذا أكد الواحدي في قوله: : أحميد الحديدة في النار إحماء حتى حميت حميا: إذا أوقدت عليها النار". قوله: (ومن أكل طيبات يتضلعون منها): أي: يأكلون حتى تمتلئ أضلاعهم منها، وهو عطف على قوله "من وجاهة عند الناس". قوله: (ذهب أهل الدثور بالأجور)، الحديث: من رواية البخاري ومسلم وأبي داود عن أبي هريرة: أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: ذهب أهل الدثور بالدرجات العظيم والنعيم المقيم، فقال ﷺ : "وما ذاك؟ " قالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نُعتق … الحديث."الدثور": المال الكثير.

стр. 3383

وقيل: لأنهم كانوا إذا أبصروا الفقير عبسوا، وإذا ضمهم وإياه مجلس ازوروا عنه، وتولوا بأركانهم، وولوه ظهورهم. وقيل: معناه: يكون على الجهات الأربع مقاديمهم ومآخيرهم وجنوبهم. (هَذَا مَا كَنَزْتُمْ) على إرادة القول، وقوله: (لِأَنْفُسِكُمْ) أي: كنزتموه لننتفع به نفوسكم، وتلتذ وتحصل لها الأغراض التي حامت حولها، وما علمتم أنكم كنزتموه لتستضر به أنفسكم، وتتعذب، وهو توبيخ لهم، (فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ)، وقرئ: "تكنزون"، بضم النون، أي: وبال المال الذي كنتم تكنزونه، أو وبال كونكم كانزين. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ازوروا عنه)، الجوهري: "الازورار عن الشيء: العدول عنه، وقد ازور عنه ازوراراً. قوله: (وتولوا بأركانهم): أي بالجباه والجنوب، لأنها أركان من يستقبل الشيء، كقوله تعالى: (فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ) [الذاريات: ٣٩]، وراعى الجناس بين "تولوا" و"ولوا". قوله: (وقيل: معناه: يكوون على الجهات الأربع)، يعني: ليس هاهنا اختصاص، بل فيه إشارة إلى الجهات الأربع للاستيعاب. قوله: (أي: كنزتموه لتنتفع به نفوسكم) إلى قوله: (وما علمتم أنكم كنزتموه لتستضر به أنفسكم): إشارة إلى أن اللام في (لأَنْفُسِكُمْ) مثلها في قوله تعالى: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً) [القصص: ٨]، وفيه تتميم لمعنى التوبيخ وتربية عليه. قوله: (أي: وبال المال): هذا على أن تكون (مَا) موصولة. قوله: (أو: وبال كونكم): على أن تكون مصدرية.

стр. 3384

[(إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) ٣٦] (فِي كِتابِ اللَّهِ): فيما أثبته وأوجبه من حكمه، ورآه حكمة وصوابا، وقيل: في اللوح، (أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ): ثلاثة سرد: ذو القعدة وذو الحجة والمحرّم، وواحد فرد، وهو رجب. ومنه قوله ﵇ في خطبته في حجة الوداع: "ألا إنّ الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السموات والأرض، والسنة اثنا عشر شهراً، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرّم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان". والمعنى: رجعت الأشهر إلى ما كانت عليه، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (في اللوح): هذا أقرب من الأول وأتم فائدة؛ لذكر (شَهْراً)، لأنه تعالى أخبر أن عدد شهور السنة عند الله اثنا عشر شهراً، وكان يكفي أن يُقال: اثنا عشر، أي: عدة الشهور اثنا عشر، فعلى هذا (عِنْدَ اللَّهِ) خبرُ (إنَّ)، و (اثْنَا عَشَرَ شَهْراً) مُبتدأ على تأويل هذا اللفظ، و (فِي كِتَابِ اللَّهِ) خبره. ويجوز أن يكون (فِي كِتَابِ اللَّهِ) صفة (اثْنَا عَشَرَ شَهْراً)، ويكون خبر مبتدأ محذوف، والجملة مستأنفة، أي: ليس حكم عدة شهور السنة عندكم، وإنما حكمها عند الله، فكأنه قيل: كيف حكمها عنده؟ فأجيب: حكمها اثنا عشر شهراً مثبت في اللوح المحفوظ. قال أبو البقاء: " (عِدَّةَ) مصدر مثل "العدد"، و (عِنْدَ) معمول له، و (فِي كِتَابِ اللَّهِ) صفة لـ (اثْنَا عَشَرَ)، وليس بمعمول لـ (عِدَّةَ)، لأن المصدر إذا أُخبر عنه لا يعمل فيما بعد الخبر". قوله: (ورجب مُضر الذي بين جمادي وشعبان)، الحديث: من رواية البخاري ومسلم عن أبي بكرة، عن النبي ﷺ قال: "الزمان قد استدرا كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض،

стр. 3385

وعاد الحج في ذي الحجة، وبطل النسيء الذي كان في الجاهلية، وقد وافقت حجة الوداع ذا الحجة، وكانت حجة أبى بكر قبلها في ذي القعدة. (ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) يعنى: أنّ تحريم الأشهر الأربعة هو الدين المستقيم، دين إبراهيم وإسماعيل، وكانت العرب قد تمسكت به وراثة منهما، وكانوا يعظمون الأشهر الحرم، ويحرمون القتال فيها، حتى لو لقي الرجل قاتل أبيه أو أخيه لم يهجه، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. السنة اثنا عشر شهراً، منها أربعة حُرم؛ ثلاث متواليات: ذو القعدة وذو الحجة ومحرم، ورجب مُضر الذي بني جمادي وشعبان". النهاية: "أضاف رجباً إلى مُضر؛ لأنهم كانوا يُعظمونه بخلاف غيرهم، فكأنهم اختصوا به، وقوله: "بين جُمادي وشعبان" تأكيدٌ للبيان وإيضاح؛ لأنهم كانوا ينسئونه ويؤخرونه من شهر إلى شهر، فيتحول عن موضعه المختص به، فبين لهم أن الشهر المختص الذي هو بين جمادي وشعبان، لا ما كانوا يسمونه على حساب النسيء". الحديث مخرج في "الصحيحين" وفي "سنن أبي داود" عن أبي بكرة. هذه الآية متصلة بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ) [التوبة: ٢٨]، وما بينهما مستطرد لذكر آية السيف، وإباحة القتال مع أهل سائر الأديان المختلفة لمخالفتهم دين الحق. قوله: (لم يهجه): لم يثوره، الأساس: "هاج به الدم والمرة، وهاج الشر بين القوم، وهيجه فلان".

стр. 3386

وسموا رجبا: الأصم ومنصل الأسنة، حتى أحدثت النسيء فغيروا. (فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ): في الحرم، (أَنْفُسَكُمْ) أي: لا تجعلوا حرامها حلالًا، وعن عطاء: بالله، ما يحل للناس أن يغزوا في الحرم، ولا في الأشهر الحرم، إلا أن يقاتلوا، وما نسخت. وعن عطاء الخراساني: أحلت القتال في الأشهر الحرم (بَرَاءَةٌ مِّنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ) وقيل: معناه: لا تأثموا فيهن، بيانًا لعظم حرمتهن، كما عظم أشهر الحج بقوله: (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ) الآية [البقرة: ١٩٧]، وإن كان ذلك محرمًا في سائر الشهور. (كَافَّةً) حال من الفاعل أو المفعول، (مَعَ الْمُتَّقِينَ) ناصر لهم، حثهم على التقوى بضمان النصر لأهلها. [(إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ) ٣٧] ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (سموا رجباً: الأصم): قيل: لأنه لا يُسمع فيه صوت مستغيث، ولا حركة قتال، ولا قعقعة سلاح. قوله: (ومنصل الأسنة)، الجوهري: "نصلت السهم: نزعت نصله، كقولهم: قردت البعير: إذا نزعت منه القُراد، وكذلك إذا ركبت عليه النصل، وهو من الأضداد، وأنصلت الرمح: إذا نزعت نصله، وكان يقال لرجل في الجاهلية: منصل الأسنة ومنصل الأل، لأنهم كانوا ينزعون الأسنة ولا يغزون، ولا يغير بعضهم على بعض". "الأل" بالتفح: جمة ألة، وهي الحرية. قوله: (وقيل: معناه: لا تأثموا فيهن): معطوف على قوله: "لا تجعلوا حرامها حلالاً"، فالظلم على الأول بمعنى الكفر والشرك، وعلى الثاني بمعنى الإثم، سُمي الإثم ظلماً ليؤذن أن افثم في هذه الأشهر بمنزلة الظلم على النفس، وإليه الإشارة بقوله: "بياناً لعظم حرمتهن"، وعليه قوله تعالى: (فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) [البقرة: ١٩٧].

стр. 3387

(النَّسِيءُ): تأخير حرمة الشهر إلى شهر آخر، وذلك أنهم كانوا أصحاب حروب وغارات، فإذا جاء الشهر الحرام وهم محاربون، شق عليهم ترك المحاربة، فيحلونه ويحرمون مكانه شهراً آخر، حتى رفضوا تخصيص الأشهر الحرم بالتحريم، فكانوا يحرمون من شق شهور العام أربعة أشهر، وذلك قوله: (لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ) أي: ليوافقوا العدّة التي هي الأربعة ولا يخالفوها، وقد خالفوا التخصيص الذي هو أحد الواجبين، وربما زادوا في عدد الشهور، فيجعلونها ثلاثة عشر أو أربعة عشر، ليتسع لهم الوقت. ولذلك قال عز وعلا: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً)، يعنى: من غير زيادة زادوها. والضمير في: (يُحِلُّونَهُ) (وَيُحَرِّمُونَهُ) للنسيء، أي إذا أحلوا شهراً من الأشهر الحرم عامًا، رجعوا فحرموه في العام القابل. يُروى أنه حدث ذلك في كنانة؛ لأنهم كانوا فقراء محاويج إلى الغارة، وكان جنادة بن عوف الكناني مطاعاً في الجاهلية، وكان يقوم على جمل في الموسم، فيقول بأعلى صوته: إنّ آلهتكم قد أحلت لكم المحرم، فأحلوه، ثم يقوم في القابل، فيقول: إن آلهتكم قد حرمت عليكم المحرم، فحرموه. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. قوله: (من شق شهور)، الأساس: "قعد في شق من الدار، أي: في ناحية منها، وخُذ من شق الثياب: من عرضها". قوله: (أحد الواجبين): قيل: أحدهما: تخصيص الأشهر، والآخر: حرمة القتال: وقيل: أحدهما: العدد وهو أربعة أشهر، والآخر: تخصيصها بالأشهر المذكورة. قوله (والضمير في (يُحِلُّونَهُ) (يُحَرِّمُونَهُ)، للنسيء): قال الواحدي: "أي: يحلون التأخير عاماً، وهو العام الذي يريدون أن يقاتلوا في المحرم، ويحرمون التأخير عاماً، وهو العام الذي يدعون المحرم على تحريمه".

стр. 3388

جعل النسيء زيادة في الكفر، لأن الكافر كلما أحدث معصية ازداد كفراً، (فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إلَى رِجْسِهِمْ) [التوبة: ١٢٥]، كما أن المؤمن إذا أحدث الطاعة ازداد إيماناً، (فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) [التوبة: ١٢٤]. وقرئ (يُضِلُّ) على البناء للمفعول، و (يُضِلُّ) بفتح الياء والضاد، و"يُضَلُّ" على أن الفعل لله . وقرأ الزهري: "ليوطئوا" بالتشديد. والنسيء: مصدر نسأه: إذا أخره. يقال: نسأه نسأ ونساء ونسيئاً، كقولك: سه مساً ومساساً مسيساً، وقرئ بهنّ جميعا. وقرئ: (النسى)، بوزن: الندى، و"النسى" بوزن: النهى، وهما تخفيف النسيء والنسء. فإن قلت: ما معنى قوله: (فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ)؟ قلت: معناه: فيحلوا -بمواطأة العدّة وحدها من غير تخصيص- ما حرّم الله من القتال ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال الإمام: "هذا إنما يصح لو حملنا (النَّسِيءُ) على المفعول، وهو مُشكل، لأنه يقتضي أن يكون الشهر المؤخر كفراً، اللهم إلا أن يقال: إن المراد: العمل الذي به يصير الشهر نسيئاً زيادة في الكفر، والمعنى: يحلون ذلك الإنساء عاماً، ويحرمونه عاماً". قوله: (وقرئ: (يُضَلُ) على البناء للمفعول): حفص وحمزة والكسائي، والباقون: بفتح الياء وكسر الضاد. وأما بفتح الياء والضاد، وضم الياء وكسر الضاد: فشاذ. قوله: (وقرئ: "النسي" بوزن الندي)، ورش: "إنما النسيُّ" بتشديد الياء بغير همز، والباقون: بالهمز وإسكان الياء مع المد.

стр. 3389

أو من ترك الاختصاص للأشهر بعينها. (زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ): خذلهم الله، فحسبوا أعمالهم القبيحة حسنة، (وَاللَّهُ لا يَهْدِي) أي: لا يلطف بهم، بل يخذلهم. وقرئ: "زين لهم سوء أعمالهم"، على البناء للفاعل، وهو الله . [(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ * إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) ٣٨ - ٤١] ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أو من ترك الاختصاص الأشهر): "الأشهر": منصوب بنزع الخافض، ويُروى: "للأشهر"، و"الاختصاص": مفعول "ترك"، "أو من ترك" عطف على "من القتال". أي: يلزمهم بمواطأة العدة وحدها من غير تخصيص تحليل ما حرم الله من القتال، أو تحليل ما حرم الله من ترك الاختصاص للأشهر بعينها، وهما الواجبان المذكوران في قوله: "وقد خالفوا التخصيص الذي هو أحد الواجبين"ز وتحريره: أنه تعالى أمرهم بشيء، ونهاهم عن شيء؛ أمرهم أن يعظموا الأشهر الحرم بعينها، وحرم عليهم القتال فيها، كما سبق في قوله: "وكانت العرب قد تمسكت به وراثة

стр. 3390

(اثَّاقَلْتُمْ): تثاقلتم، وبه قرأ الأعمش، أي: تباطأتم وتقاعستم، وضمن معنى الميل والإخلاد فعدى بـ (إِلَى)، والمعنى: ملتم إلى الدنيا وشهواتها، وكرهتم مشاق السفر ومتاعبه، ونحوه: (أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ) [الأعراف: ١٧٦]، وقيل: ملتم إلى الإقامة بأرضكم ودياركم. وقرئ: "اثَّاقَلْتُمْ؟ " على الاستفهام الذي معناه الإنكار والتوبيخ. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ منهما- أي: من إبراهيم وإسماعيل ﵉ فكانوا يعظمون الأشهر الحرم، ويحرمون القتال فيها"، وإن استحفظوا الحرمة بمواطأة العدة، فقد أحلوا ما حرم الله من القتال فيها، أو هتكوا بسبب ترك الاختصاص بالأشهر بعينها حرمتها وتعظيمها، حيث أوقعوا القتال فيها. ولو حُمل "أو" في قوله: "أو من ترك الاختصاص" على معنى الواو، كقوله تعالى: (عُذْراً أَوْ نُذْراً) [المرسلات: ٦]، كان أوجه لما لزمهم الأمران معاً. ويمكن أن يُقال: إن معنى الآية: أنه تعالى أخبر عنهم أنهم إنما أحلوا النسيء عاماً وحرموه عاماً ليواطئوا العدة، فيتسلقوا بذلك على تحليل ما حرمه الله تعالى. قوله: (اثَّاقَلْتُمْ): تثاقلتم): قال الزجاج: "إن التاء أدغمت في التاء، فصارت ثاء ساكنة، فابتدئت بألف الوصل". قوله: (وتقاعستم): تقاعس عن الأمر: تأخر ولم يقدم عليه. قوله: (ملتم إلى الإقامة بأرضكم): هذا تصريح، والوجه الأول كناية، لقوله: "ملتم إلى الدنيا وشهواتها"، واستشهاده بقوله: (أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ) [الأعراف: ١٧٦]، وهو الوجه لمطابقة قوله: (أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا).

стр. 3391

فإن قلت: فما العامل في (إذا)، وحرف الاستفهام مانعة أن يعمل فيه؟ قلت: ما دلّ عليه قوله: (اثَّاقَلْتُمْ)، أو ما في (مالَكُمْ) من معنى الفعل، كأنه قيل: ما تصنعون إذا قيل لكم؟ كما تعمله في الحال إذا قلت: مالك قائماً؟ وكان ذلك في غزوة تبوك في سنة عشر، بعد رجوعهم من الطائف، استنفروا في وقت عسرة وقيظ وقحط مع بعد الشقة وكثرة العدو، فشق عليهم. وقيل: ما خرج رسول الله ﷺ في غزوة إلا ورّى عنها بغيرها، إلا في غزوة تبوك؛ ليستعدّ الناس تمام العدة. (مِنَ الْآخِرَةِ) أي: بدل الآخرة، كقوله: (لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً) [الزخرف: ٦٠]، (فِي الْآخِرَةِ): في جنب الآخرة. (إِلَّا تَنْفِرُوا) سخط عظيم على المتثاقلين حيث أوعدهم بعذاب أليم مطلق يتناول عذاب الدارين، وأنه يهلكهم، ويستبدل بهم قومًا آخرين خيراً منهم وأطوع، وأنه غنى عنهم في نصرة دينه، لا يقدح تثاقلهم فيها شيئاً. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ … قوله: (وحرف الاستفهام مانعة): أي: منع أن يعمل (اثَّاقَلْتُمْ) في الظرف؟ وأجاب: أن العامل معنى (اثَّاقَلْتُمْ)، وهو: ملتم، مثاله: (أَئِذَا كُنَّا تُرَاباً أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ) [الرعد: ٥]، أي: أنعاد إذا كنا تراباً؟ قوله: (الشقة): وهي السفر البعيد. قوله: (ورى عنها): هو من: وريث الخبر تورية: إذا سترته وأظهرت غيره. قوله: (وأنه يهلكهم): عطف على قوله: "عذاب أليم" على سبيل التفسير، ليصح عطف "ويستبدل" عليه، وكذلك قوله: "وأنه غني عنهم"، يعني: دل جواب الشرط- وهو (يُعَذِّبْكُمْ) - وما عُطف عليه، على الإخبار بأنهم إن لا ينفروا يستحقوا سخطاً عظيماً من الله تعالى، بأن يجمع لهم عذاب الدارين، وانه يهلكهم ويستبدل بهم قوماً آخرين، وأن ذلك لا يضر الله شيئاً، لأنه غني عنهم في نُصرة دينه.

стр. 3392

وقيل: الضمير للرسول، أي: ولا تضروه، لأنّ الله تعالي وعده أن يعصمه من الناس، وأن ينصره، ووعد الله كائن لا محالة، وقيل يريد بقوله (قَوْماً غَيْرَكُمْ) أهل اليمن، وقيل: أبناء فارس، والظاهر مستغن عن للتخصيص. فإن قلت: كيف يكون قوله: (فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ) جواباً للشرط؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما: إلا تنصروه فسينصره من نصره حين لم يكن معه إلا رجل واحد، ولا أقل من الواحد، فدلّ بقوله: (فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ) على أنه ينصره في المستقبل، كما نصره في ذلك الوقت. والثاني: أنه أوجب له النصرة، وجعله منصوراً في ذلك الوقت، فلن يخذل من بعده. وأسند الإخراج إلى الكفار، كما أسند إليهم في قوله: (مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ) [محمد: ١٣]، لأنهم حين هموا بإخراجه أذن الله له في الخروج، فكأنهم أخرجوه. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقيل: الضمير للرسول ﷺ : أي: لا تضروا رسول الله ﷺ ، قال صاحب "الانتصاف": "يؤيد هذا الوجه قوله: ٠ إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ) ". وقلت: المعنى: إلا تنفروا مع من يستنفركم بقوله: "انفروا في سبيل الله"، لاتضروه شيئاً، والله ناصره، والله على كل شيء قدير، ألا ترون كيف نصره الله تعالى حين لم يكن معه إلا رجل واحد؟ ! قوله: (فيه وجهان)، الانتصاف: "الفرق بين الوجهين عسر، وغايته: أنه في الأول وعده بنصرة مستقبلة أكد الله تحقيقه بوجود نُصرة من قبل، وفي الثاني إخبار باستمرار نصر ماض، والأمر فيهما مُتقارب".

стр. 3393

(ثانِيَ اثْنَيْنِ): أحد اثنين، كقوله (ثالِثُ ثَلاثَةٍ) [المائدة: ٧٣]، وهما رسول الله ﷺ وأبو بكر الصديق ﵁، يروى: أنّ جبريل صلوات الله عليه لما أمره بالخروج، قال: من يخرج معي؟ قال أبو بكر"، وانتصابه على الحال: وقرئ "ثاني اثنين"، بالسكون. و(إِذْ هُما) بدل من (إذ أخرجه)، والغار: ثقب في أعلى "ثور"، وهو جبل في يمني مكة على مسيرة ساعة، مكثا فيه ثلاثًا، (إِذْ يَقُولُ) بدل ثان. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقلت: قوله: (إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ) من باب قولك: إن تُكرمني الآن فقد أكرمتك أمس. فقوله: "فسينصره من نصره": إخبار على سبيل التوبيخ، والمقصود أن الله ناصره الآن كما كان ناصره فيما مضى، فهو مستغن عنكم، ولا يضره خذلانكم. وقوله: "أوجب له النصرة" إخبار بأن الله تعالى حكم بأنه منصور، فالنصرة على الأول واقعة تحقيقاً، وهي أمارة للنصرة المستقبلة، وعلى الثاني: النصرة محتوم عليها مقدرة، وما قدره الله تعالى واجب الوقوع. قوله: (وانتصابه على الحال): قال الزجاج: "المعنى: فقد نصره الله تعالى أحد اثنين، أي: منفرداً إلا من أبي بكر ﵁"، وقال أبو البقاء: "فهو حال من الهاء، أي: احد اثنين". قوله: (وقرئ: "ثاني اثنين" بالسكون)، قيل: هو على حذف الحركة، قال أبو البقاء: "حقها التحريك، وهو من أحسن الضرورة في الشعر، وقال قوم: ليس بضرورة، وذلك أجازوه في القرآن". قوله: (و (إِذْ هُمَا) بدل من (إِذْ أَخْرَجَهُ): قال أبو البقاء " (إِذْ هُمَا) ظرف لـ (نصُرَهُ)، لأنه بدل من (إذْ) الأولى، ومن قال: العامل في البدل غير العامل في المُبدل

стр. 3394

قيل: طلع المشركون فوق الغار، فأشفق أبو بكر على رسول الله ﷺ ، فقال: إن تصب اليوم ذهب دين الله، فقال ﵊: "ما ظنك باثنين الله ثالثهما"، وقيل: لما دخلا الغار بعث الله حمامتين فباضتا في أسفله، والعنكبوت فنسجت عليه، وقال رسول الله ﷺ : "اللهم أعم أبصارهم"، فجعلوا يتردّدون حول الغار ولا يفطنون، قد أخذ الله بأبصارهم عنه. وقالوا: من أنكر صحبة أبى بكر ﵁ فقد كفر؛ لإنكاره كلام الله، وليس ذلك لسائر الصحابة. (سَكِينَتَهُ): ما ألقى في قلبه من الأمنة التي سكن عندها، وعلم أنهم لا يصلون إليه، و"الجنود" الملائكة يوم بدر والأحزاب وحنين، و (كلمة الذين كفروا): دعوتهم إلى الكفر، (وَكَلِمَةُ اللَّهِ): دعوته إلى الإسلام، وقرئ: "كلمة الله" بالنصب، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. قدر لها فعلاً آخر، أي: نصره إذ هما: (إِذْ يَقُولُ) [بدل أيضاً]، وقيل: (إِذْ هُمَا) ظرف لـ (ثَانِيَ) ". قوله: (وقالوا: من أنكر صحبة أبي بكر ﵁ فقد كفر): عن الترمذي عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال لأبي بكر ﵁: "أنت صاحبي في الحوض، وصاحبي في الغار". قوله: (وقرئ: "وكلمة الله" بالنصب": قال القاضي: "قرأها يعقوب، عطفاً على (كَلِمَةَ الَّذِينَ) ".

стр. 3395

والرفع أوجه، و (هِيَ) فصل أو مبتدأ، وفيها تأكيد فضل كلمة الله في العلوّ، وأنها المختصة به دون سائر الكلم. (خِفافاً وَثِقالًا): خفافا في النفور لنشاطكم له، وثقالا عنه لمشقته عليكم، ..... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (والرفع أوجه): لأنه يدل على الثبوت والدوام، وأن الجعل لم يتطرق على كلمة الله، وأنها في نفسها عالية، وفيه إشارة إلى قدم كلمات الله. قال أبو البقاء: "النصب ضعيف؛ لأن فيه دلالة على أن كلمة الله كانت سُفلى، فصارت عُليا، وليس كذلك، وأن التوكيد بالضمير المرفوع للمنصوب بعيد، إذ القياس يأباها". قوله: (خفافاً في النفور لنشاطكم)، الراغب: "الخفيف: بإزاء الثقيل، ويُقال ذلك باعتبار

стр. 3396

أو خفافا لقلة عيالكم وأذيالكم، وثقالا لكثرتها، أو: خفافا من السلاح وثقالا منه، أو ركبانا ومشاة، أو: شبابا وشيوخا، أو مهازيل وسمانا، أو: صحاحا ومراضا. وعن ابن أم مكتوم أنه قال لرسول الله ﷺ : أعلىّ أن أنفر؟ قال: "نعم"، حتى نزل قوله: (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ) [الفتح: ١٧] وعن ابن عباس: نسخت بقوله: (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى) [التوبة: ٩١]، وعن صفوان بن عمرو: كنت والياً على حمص، فلقيت شيخاً كبيراً قد سقط حاجباه من أهل دمشق على راحلته يريد الغزو. فقلت: يا عمّ، لقد أعذر الله إليك، فرفع حاجبيه وقال: يا بن أخي، استنفرنا الله خفافا وثقالا، إلا أنه من يحبه الله يبتله. وعن الزهري: خرج سعيد بن المسيب إلى الغزو، وقد ذهبت إحدى عينيه، فقيل له: إنك عليل صاحب ضرر، فقال: استنفرنا الله الخفيف والثقيل، فإن لم يمكني الحرب كثرت السواد وحفظت المتاع. (وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ) إيجاب للجهاد بهما إن أمكن، أو بأحدهما على حسب الحال والحاجة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المضايفة بالوزن، وقياس أحد الشيئين إلى الآخر، نحو: درهم خفيف ودرهم ثقيل. وباعتبار مضايفة الزمان، نحو: فرس خفيف وفرس ثقيل: إذا عدا أحدهما أكثر في زمان واحد، ويُقال: خفيف؛ فيما يستحليه الناس، وثقيل؛ فيما يستوخمه، فيكون الخفيف مدحاً، والثقيل ذماً، وفي عكسه يُقال: خفيف؛ فيمن فيه طيش، وثقيل؛ فيما فيه وقار". قوله: (لقد أعذر الله إليك)، النهاية: "أعذر الله إليك: معناه: عذرك الله، وجعلك موضع العُذر، وأسقط عنك الجهاد، ورخص لك في تركه". قوله: (إيجاب للجهاد بهما إن أمكن، أو بأحدهما، على حسب الحال): هذا التخيير يعطيه عطف "جاهدوا" على (انفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً)، لأنه كالتفسير له.

стр. 3397

[(لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قاصِداً لاتَّبَعُوكَ وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ) ٤٢] العرض: ما عرض لك من منافع الدنيا، يقال: الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر، أى لو كان ما دعوا إليه غنما قريبا سهل المنال (وَسَفَراً قاصِداً) وسطا مقاربا (الشُّقَّةُ) المسافة الشاطة الشاقة، وقرأ عيسى بن عمر: "بعدت عليهم الشقة"، بكسر العين والشين، ومنه قوله: يَقُولُونَ: لَا تَبْعُدْ، وَهُمْ يَدْفِنُونَهُ … وَلَا بُعْدَ إلّا مَا تُوَارِى الصَّفَائِحُ (بِاللَّهِ) متعلق بـ (سيحلفون)، أو هو من جملة كلامهم، ......... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (يقولون: لا تَبعِد) البيت: بعِد وبعُد: لغتان، إلا أن "بعد" - بكسر العين - أخص ببعُد الموت. و"لا تبعُد": يُستعمل في المصائب، وليس فيها طلب ولا سؤال، وإنما هو تنبيه على شدة الحاجة إلى المفقود، وتناهي الجزع على المفجع به، وغلبة التحسر عليه، وقال الآخر: لا يبعد الله إخواناً لنا ذهبوا … أفناهم حدثان الدهر والأبد قوله: ((بِاللَّهِ) متعلق) إلى آخره: فيه لف ونشر من غير ترتيب، فإن قوله: "أي: سيحلفون؛ يقولون بالله" مبني على الوجه الثاني، وهو أن يكون (بِاللَّهِ) من جملة كلامهم، وقوله: "أو سيحلفون بالله يقولون" على الوجه الأول، وهو أن (بِاللَّهِ) متعلق بـ (وَسَيَحْلِفُونَ).

стр. 3398

والقول مراد في الوجهين، أى سيحلفون -يعنى: المتخلفين- عند رجوعك من غزوة تبوك معتذرين؛ يقولون: بالله لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ، أو: سيحلفون بالله يقولون: لو استطعنا. وقوله: (لَخَرَجْنا) سدّ مسدّ جوابي القسم و (لو) جميعا، والإخبار بما سوف يكون بعد القفول؛ من حلفهم واعتذارهم، وقد كان: من جملة المعجزات، ومعنى "الاستطاعة": استطاعة العدّة، أو استطاعة الأبدان، كأنهم تمارضوا. وقرئ: لو "استطعنا"، بضم الواو؛ تشبيها لها بواو الجمع في قوله (فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ) (البقرة: ٩٤). (يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ) إما أن يكون بدلا من (سيحلفون)، أو حالا بمعنى: مهلكين، والمعنى: أنهم يوقعونها في الهلاك بحلفهم الكاذب، وما يحلفون عليه من التخلف، ويحتمل أن يكون حالا من قوله: (لَخَرَجْنا) أي لخرجنا معكم وإن أهلكنا أنفسنا، وألقيناها في التهلكة بما نحملها من المسير في تلك الشقة، وجاء به على لفظ الغائب، لأنه مخبر عنهم. ألا ترى أنه لو قيل: سيحلفون بالله لو استطاعوا لخرجوا، لكان سديدا، يقال: حلف بالله ليفعلنّ ولأفعلنّ، فالغيبة على حكم الإخبار، والتكلم على الحكاية. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (سد مسد جوابي القسم و (لو) جميعاً): نحوه: لئن أكرمتني لأكرمتك. قوله: (وجاء به على لفظ الغائب، لأنه مخبر عنهم)، يعني: (يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ) حال من ضمير الجماعة في (لَخَرَجْنَا)، وإن اختلفا حكاية وغيبة، لأنه على سبيل الإخبار عنهم، لأنه قال: " (بِاللَّهِ) متعلق بـ (وَسَيَحْلِفُونَ)، أو هو من جملة كلامهم، والقول مراد في الوجهين"، وإذا كان هذا مقولاً لقولهم احتمل الوجهين، فلو حُكي لفظهم لقيل: وإن أهلكنا أنفسنا، ولكن جيء بمعناه، فقيل: (يُهْلِكُونَ)، كما يقال: حلف بالله لأفعلن وليفعلن، فالغيبة في الآية على حكم الإخبار، والتكلم في المثال على حكم الحكاية.

стр. 3399

[(عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ) ٤٣)] (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ) كناية عن الجناية، لأنّ العفو رادف لها، ومعناه: أخطأت وبئس ما فعلت، و (لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ) بيان لما كني عنه بالعفو، ....... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((عَفَا اللَّهُ عَنْكَ) كناية عن الجناية): وهو كذلك، ونحوه ما يُعزى إلى الشافعي ﵁ في قوله: "أول الوقت رضوان الله، وآخره عفو الله": "إن العفو مؤذن بسبق الذنب". لكن قوله: "أخطأت وبئس ما فعلت" خطأ فاحش، وبئس ما فعل، ولا أعلم كيف ذهب إلى هذا القول الشنيع، وإنه العلم في استخراج لطائف المعاني، وذهب عنه أن في أمثال هذه الإشارات- وهي تقديم العفو على الذنب- إشعاراً بتعظيم المخاطب وتوقيره وتوقير حرمتهن قال علي بن الجهم يخاطب المتوكل، وقد أمر بنفيه: عفا الله عنك ألا حرمة … تجود بفضلك أن أبعدا ألم تر عبداً عدا طوره … ومولى عفاه ورُشداً هدى وعن سفيان بن عيينة: "انظروا إلى هذا اللُّطف، بدأ بالعفو قبل أن يعيره بالذنب"، وأمثال هذا الذنب مما يُتمنى حصوله، ألا ترى على قول بعض الصحابة عند نزول قوله تعالى: (إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا) [آل عمران: ١٢٢]: "ما يسرنا أنا لم نهم بالذي هممنا به، وأخبرنا الله بأنه ولينا".

стр. 3400

ومعناه: مالك أذنت لهم في القعود عن الغزو حين استأذنوك، واعتلوا لك بعللهم، وهلا استأنيت بالإذن، (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ) من صدق في عذره ممن كذب فيه. وقيل: شيئان فعلهما رسول الله ﷺ ولم يؤمر بهما: إذنه للمنافقين، وأخذه من الأسارى، فعاتبه الله. [(لا يَسْتَئذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ) ٤٤] (لا يَسْتَاذِنُكَ) ليس من عادة المؤمنين أن يستأذنوك في أن يجاهدوا، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال السجاوندي: (عَفَا اللَّهُ): تعليم تعظيمه صلوات الله عليه، ولولا تصدير العفو في العتاب لما قام بصولة الخطاب، وربما يستعمل فيما لم يسبق به ذنب، ولا يتصورن كما تقول لمن تعظمه: عفا الله عنك ما صنعت في أمري؟ ورضي الله عنك ما جوابك عن كلامي؟ ومنه ما روى المصنف عن النبي ﷺ : "لقد عجبت من يوسف وكرمه وصبره، والله يغفر له، حين سُئل عن البقرات العجاف والسمان، ولو كنت مكانه ما أخبرتهم حتى اشترط أن يخرجون"، الحديث مذكور في سورة يوسف، وهو لا يشعر إلا بالتعظيم. قال الإمام: "يحمل قوله: (لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ) على ترك الأولى والأكمل، ولا سيما هذه الواقعة من جنس ما يتعلق بالاجتهاد"، وغايته: أنه صلوات الله عليه ما أصاب فيهن فدخل تحت قوله: "من اجتهد وأخط فله أجر". قوله: (وهلا استأنيت بالإذن)، النهاية: "استأنيت، أي: انتظرت وتربصت. ويقال: آنيت وأنيتُ وتأنيت واستأنيت". قوله: ((لا يَسْتَاذِنُكَ) ليس من عادة المؤمنين): نفي العادة مستفاد من نفي فعل المستقبل المراد به الاستمرار، على نحو: فلان يقري الضيف ويحمي الحريم.
следующие страницы →