← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.

стр. 3396

أو خفافا لقلة عيالكم وأذيالكم، وثقالا لكثرتها، أو: خفافا من السلاح وثقالا منه، أو ركبانا ومشاة، أو: شبابا وشيوخا، أو مهازيل وسمانا، أو: صحاحا ومراضا. وعن ابن أم مكتوم أنه قال لرسول الله ﷺ : أعلىّ أن أنفر؟ قال: "نعم"، حتى نزل قوله: (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ) [الفتح: ١٧] وعن ابن عباس: نسخت بقوله: (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى) [التوبة: ٩١]، وعن صفوان بن عمرو: كنت والياً على حمص، فلقيت شيخاً كبيراً قد سقط حاجباه من أهل دمشق على راحلته يريد الغزو. فقلت: يا عمّ، لقد أعذر الله إليك، فرفع حاجبيه وقال: يا بن أخي، استنفرنا الله خفافا وثقالا، إلا أنه من يحبه الله يبتله. وعن الزهري: خرج سعيد بن المسيب إلى الغزو، وقد ذهبت إحدى عينيه، فقيل له: إنك عليل صاحب ضرر، فقال: استنفرنا الله الخفيف والثقيل، فإن لم يمكني الحرب كثرت السواد وحفظت المتاع. (وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ) إيجاب للجهاد بهما إن أمكن، أو بأحدهما على حسب الحال والحاجة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المضايفة بالوزن، وقياس أحد الشيئين إلى الآخر، نحو: درهم خفيف ودرهم ثقيل. وباعتبار مضايفة الزمان، نحو: فرس خفيف وفرس ثقيل: إذا عدا أحدهما أكثر في زمان واحد، ويُقال: خفيف؛ فيما يستحليه الناس، وثقيل؛ فيما يستوخمه، فيكون الخفيف مدحاً، والثقيل ذماً، وفي عكسه يُقال: خفيف؛ فيمن فيه طيش، وثقيل؛ فيما فيه وقار". قوله: (لقد أعذر الله إليك)، النهاية: "أعذر الله إليك: معناه: عذرك الله، وجعلك موضع العُذر، وأسقط عنك الجهاد، ورخص لك في تركه". قوله: (إيجاب للجهاد بهما إن أمكن، أو بأحدهما، على حسب الحال): هذا التخيير يعطيه عطف "جاهدوا" على (انفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً)، لأنه كالتفسير له.

стр. 3397

[(لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قاصِداً لاتَّبَعُوكَ وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ) ٤٢] العرض: ما عرض لك من منافع الدنيا، يقال: الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر، أى لو كان ما دعوا إليه غنما قريبا سهل المنال (وَسَفَراً قاصِداً) وسطا مقاربا (الشُّقَّةُ) المسافة الشاطة الشاقة، وقرأ عيسى بن عمر: "بعدت عليهم الشقة"، بكسر العين والشين، ومنه قوله: يَقُولُونَ: لَا تَبْعُدْ، وَهُمْ يَدْفِنُونَهُ … وَلَا بُعْدَ إلّا مَا تُوَارِى الصَّفَائِحُ (بِاللَّهِ) متعلق بـ (سيحلفون)، أو هو من جملة كلامهم، ......... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (يقولون: لا تَبعِد) البيت: بعِد وبعُد: لغتان، إلا أن "بعد" - بكسر العين - أخص ببعُد الموت. و"لا تبعُد": يُستعمل في المصائب، وليس فيها طلب ولا سؤال، وإنما هو تنبيه على شدة الحاجة إلى المفقود، وتناهي الجزع على المفجع به، وغلبة التحسر عليه، وقال الآخر: لا يبعد الله إخواناً لنا ذهبوا … أفناهم حدثان الدهر والأبد قوله: ((بِاللَّهِ) متعلق) إلى آخره: فيه لف ونشر من غير ترتيب، فإن قوله: "أي: سيحلفون؛ يقولون بالله" مبني على الوجه الثاني، وهو أن يكون (بِاللَّهِ) من جملة كلامهم، وقوله: "أو سيحلفون بالله يقولون" على الوجه الأول، وهو أن (بِاللَّهِ) متعلق بـ (وَسَيَحْلِفُونَ).

стр. 3398

والقول مراد في الوجهين، أى سيحلفون -يعنى: المتخلفين- عند رجوعك من غزوة تبوك معتذرين؛ يقولون: بالله لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ، أو: سيحلفون بالله يقولون: لو استطعنا. وقوله: (لَخَرَجْنا) سدّ مسدّ جوابي القسم و (لو) جميعا، والإخبار بما سوف يكون بعد القفول؛ من حلفهم واعتذارهم، وقد كان: من جملة المعجزات، ومعنى "الاستطاعة": استطاعة العدّة، أو استطاعة الأبدان، كأنهم تمارضوا. وقرئ: لو "استطعنا"، بضم الواو؛ تشبيها لها بواو الجمع في قوله (فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ) (البقرة: ٩٤). (يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ) إما أن يكون بدلا من (سيحلفون)، أو حالا بمعنى: مهلكين، والمعنى: أنهم يوقعونها في الهلاك بحلفهم الكاذب، وما يحلفون عليه من التخلف، ويحتمل أن يكون حالا من قوله: (لَخَرَجْنا) أي لخرجنا معكم وإن أهلكنا أنفسنا، وألقيناها في التهلكة بما نحملها من المسير في تلك الشقة، وجاء به على لفظ الغائب، لأنه مخبر عنهم. ألا ترى أنه لو قيل: سيحلفون بالله لو استطاعوا لخرجوا، لكان سديدا، يقال: حلف بالله ليفعلنّ ولأفعلنّ، فالغيبة على حكم الإخبار، والتكلم على الحكاية. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (سد مسد جوابي القسم و (لو) جميعاً): نحوه: لئن أكرمتني لأكرمتك. قوله: (وجاء به على لفظ الغائب، لأنه مخبر عنهم)، يعني: (يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ) حال من ضمير الجماعة في (لَخَرَجْنَا)، وإن اختلفا حكاية وغيبة، لأنه على سبيل الإخبار عنهم، لأنه قال: " (بِاللَّهِ) متعلق بـ (وَسَيَحْلِفُونَ)، أو هو من جملة كلامهم، والقول مراد في الوجهين"، وإذا كان هذا مقولاً لقولهم احتمل الوجهين، فلو حُكي لفظهم لقيل: وإن أهلكنا أنفسنا، ولكن جيء بمعناه، فقيل: (يُهْلِكُونَ)، كما يقال: حلف بالله لأفعلن وليفعلن، فالغيبة في الآية على حكم الإخبار، والتكلم في المثال على حكم الحكاية.

стр. 3399

[(عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ) ٤٣)] (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ) كناية عن الجناية، لأنّ العفو رادف لها، ومعناه: أخطأت وبئس ما فعلت، و (لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ) بيان لما كني عنه بالعفو، ....... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((عَفَا اللَّهُ عَنْكَ) كناية عن الجناية): وهو كذلك، ونحوه ما يُعزى إلى الشافعي ﵁ في قوله: "أول الوقت رضوان الله، وآخره عفو الله": "إن العفو مؤذن بسبق الذنب". لكن قوله: "أخطأت وبئس ما فعلت" خطأ فاحش، وبئس ما فعل، ولا أعلم كيف ذهب إلى هذا القول الشنيع، وإنه العلم في استخراج لطائف المعاني، وذهب عنه أن في أمثال هذه الإشارات- وهي تقديم العفو على الذنب- إشعاراً بتعظيم المخاطب وتوقيره وتوقير حرمتهن قال علي بن الجهم يخاطب المتوكل، وقد أمر بنفيه: عفا الله عنك ألا حرمة … تجود بفضلك أن أبعدا ألم تر عبداً عدا طوره … ومولى عفاه ورُشداً هدى وعن سفيان بن عيينة: "انظروا إلى هذا اللُّطف، بدأ بالعفو قبل أن يعيره بالذنب"، وأمثال هذا الذنب مما يُتمنى حصوله، ألا ترى على قول بعض الصحابة عند نزول قوله تعالى: (إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا) [آل عمران: ١٢٢]: "ما يسرنا أنا لم نهم بالذي هممنا به، وأخبرنا الله بأنه ولينا".

стр. 3400

ومعناه: مالك أذنت لهم في القعود عن الغزو حين استأذنوك، واعتلوا لك بعللهم، وهلا استأنيت بالإذن، (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ) من صدق في عذره ممن كذب فيه. وقيل: شيئان فعلهما رسول الله ﷺ ولم يؤمر بهما: إذنه للمنافقين، وأخذه من الأسارى، فعاتبه الله. [(لا يَسْتَئذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ) ٤٤] (لا يَسْتَاذِنُكَ) ليس من عادة المؤمنين أن يستأذنوك في أن يجاهدوا، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال السجاوندي: (عَفَا اللَّهُ): تعليم تعظيمه صلوات الله عليه، ولولا تصدير العفو في العتاب لما قام بصولة الخطاب، وربما يستعمل فيما لم يسبق به ذنب، ولا يتصورن كما تقول لمن تعظمه: عفا الله عنك ما صنعت في أمري؟ ورضي الله عنك ما جوابك عن كلامي؟ ومنه ما روى المصنف عن النبي ﷺ : "لقد عجبت من يوسف وكرمه وصبره، والله يغفر له، حين سُئل عن البقرات العجاف والسمان، ولو كنت مكانه ما أخبرتهم حتى اشترط أن يخرجون"، الحديث مذكور في سورة يوسف، وهو لا يشعر إلا بالتعظيم. قال الإمام: "يحمل قوله: (لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ) على ترك الأولى والأكمل، ولا سيما هذه الواقعة من جنس ما يتعلق بالاجتهاد"، وغايته: أنه صلوات الله عليه ما أصاب فيهن فدخل تحت قوله: "من اجتهد وأخط فله أجر". قوله: (وهلا استأنيت بالإذن)، النهاية: "استأنيت، أي: انتظرت وتربصت. ويقال: آنيت وأنيتُ وتأنيت واستأنيت". قوله: ((لا يَسْتَاذِنُكَ) ليس من عادة المؤمنين): نفي العادة مستفاد من نفي فعل المستقبل المراد به الاستمرار، على نحو: فلان يقري الضيف ويحمي الحريم.

стр. 3401

وكان الخلص من المهاجرين والأنصار يقولون: لا نستأذن النبي ﷺ أبدا، ولنجاهدنّ أبدا معه بأموالنا وأنفسنا. ومعنى أَنْ (يُجهِدُوا): في أن يجاهدوا، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((أَنْ يُجَاهِدُوا): في أن يجاهدوا): قال الزجاج: "موضع (أَن) نصب، المعنى: لا يستأذنك هؤلاء في أن يجاهدوا، فحذف الجار وأوصل"، والمعنى: ليس من شأن المؤمنين أن يستأذنوك في أمر الجهاد، لأن عادتهم أن يكونوا مترصدين مرابطين باذلين أرواحهم في سبيل الله. روينا عن مسلم عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "من خير معاش الناس لهم رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله يطير على متنه، كلما سمع هيعة - أو: فزعاً- طار على متنه، يبتغي القتل أو الموت مظانه". ومثله قول الحماسي: لا يسألون أخاهم حين يندبهم … في النائبات على ما قال برهانا وعلى هذا معنى قوله: "كراهة أن يجاهدوا": يعني: لا يستأذنوك لأجل كراهة المجاهدة، فإن من يستأذن إنما يستأذن لأنه يكره المجاهدة، فالنفي داخل على الفعل المعلل، ثم أكد الله المعنى بقوله: (إِنَّمَا يَسْتَاذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) [التوبة: ٤٥].

стр. 3402

أو كراهة أن يجاهدوا، و (َاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ) شهادة لهم بالانتظام في زمرة المتقين، وعدة لهم بأجزل الثواب. [(إِنَّما يَسْتَاذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ * وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ * لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلاَّ خَبالاً وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كارِهُونَ) ٤٥ - ٤٨] ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال صاحب "الانتصاف": "لا ينبغي لأحد أن يستأذن أخاه في فعل معروف، ولا للمضيف أن يستأذن ضيفه في تقديم الطعام إليه، وذلك أمارة على التكلف، ووصف الله الخليل ﵇ بقوله: (فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ) [الذاريات: ٢٦]، أي: ذهب خفية، فأتى بعجل سمين من أجود ما عنده، فهذا ما يجب أن يُتأدب به، وأشد من هذا التثاقل عن الخروج بعد الطلب". قوله: ((وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ) شهادة لهم بالانتقام في زمرة المتقين، وعدة لهم بأجزل الثواب): وأما الشهادة بالانتظام: فمن وضع المظهر موضع المضمر، وإرادة الجنس بالمتقين، فيدخلون فيه دخولاً أولياً. وأما العدة: فإن مقتضى العلم بعد ذكر أعمال العباد خيراً أو شراً، إما الوعد بالثواب أو الوعيد بالعقاب.

стр. 3403

(إِنَّما يَسْتَأئذِنُكَ) يعنى المنافقين، وكانوا تسعة وثلاثين رجلا ي (َتَرَدَّدُونَ) عبارة عن التحير، لأن التردّد ديدن المتحير، كما أنّ الثبات والاستقرار ديدن المستبصر، وقرئ: "عدّه"، بمعنى: عدّته، فعل بـ"العدّة" ما فعل بالعدة من قال: وَأَخْلَفُوكَ عِدَ الأَمْرِ الَّذِى وَعَدُوا من حذف تاء التأنيث، وتعويض المضاف إليه منها، وقرئ: "عدّة"، بكسر العين بغير إضافة، و"عدّه" بإضافة. فإن قلت: كيف موقع حرف الاستدراك؟ قلت: لما كان قوله (وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ) معطياً معنى نفى خروجهم واستعدادهم للغزو، قيل: (وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ)، ........ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (عده، بمعنى: عُدته)، قال ابن جني: "سُمع محمد بن عبد الملك يقرأ بها، وطريقه: أن يُراد: ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدته، أي: تأهبوا له، إلا أنه حذف تاء التأنيث، وجعل هاء الضمير كالعوض منها". قوله: (وأخلفوك عد الأمر الذي وعدوا): أوله: إن الخليط أجدوا البين فانجردوا "الخليط": كالنديم والمنادم، و"الانجراد": المُضي في الأمر.

стр. 3404

كأنه قيل: ما خرجوا ولكن تثبطوا عن الخروج لكراهة انبعاثهم، كما تقول: ما أحسن إلىّ زيد، ولكن أساء إلىّ (فَثَبَّطَهُمْ): فكسلهم وخذلهم وضعف رغبتهم في الانبعاث. (وَقِيلَ اقْعُدُوا) جعل إلقاء الله في قلوبهم كراهة الخروج أمراً بالقعود، وقيل: هو قول الشيطان بالوسوسة، وقيل: هو قولهم لأنفسهم، وقيل: هو إذن رسول الله ﷺ لهم في القعود. فإن قلت: كيف جاز أن يوقع الله تعالى في نفوسهم كراهة الخروج إلى الغزو، وهي قبيحة، وتعالى الله عن إلهام القبيح؟ قلت: خروجهم كان مفسدة؛ لقوله: (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا)، فكان إيقاع كراهة ذلك الخروج في نفوسهم حسناً ومصلحة. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كأنه قيل: ما خرجوا ولكن تثبطوا عن الخروج لكراهة انبعاثهم): جعل فعل العبد أصلاً في الاعتبار، وذلك أن "لكن" تقتضي مغايرة ما قبلها لما بعدها، وفي التنزيل: أحد المتغايرين من جانب العبد، والآخر من جانب الرب، والمصنف اعتبر المتغايرين من جانب العبد. وأما تقريره على رأينا: لو أراد الله خروجهم لعلهم مريدين للخروج، فيستعدون عدته، ولكن أراد تثبيطهم. وهذا التقدير أولى، لأنه قوله: (وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ)، إنما أُردف ليؤكد هذا المعنى، ويُوجب تأويل المستدرك، وإنما أسند عدم إرادة الخروج إليهم، الكراهة إلى الله تعالى، لأن المقام التوبيخي يقتضي النعي عليهم، ونحن إن قلنا بخلق الأفعال فلا نقول بنفي الاستطاعة الكسب، والذي يدل على التوبيخ قوله: (وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ)، أي: اقعدوا مع المرضى والزمنى والنساء، وجيء بلفظ ما لم يسم فاعله؛ طرداً لهم وبُعداً عن مظان الزلفى.

стр. 3405

فإن قلت: فلم خطأ رسول الله ﷺ في الإذن لهم فيما هو مصلحة؟ قلت: لأنّ إذن رسول الله ﷺ لهم لم يكن للنظر في هذه المصلحة، ولا علمها إلا بعد القفول بإعلام الله تعالى، ولكن لأنهم استأذنوه في ذلك واعتذروا إليه، فكان عليه أن يتفحص عن كنه معاذيرهم، ولا يتجوّز في قبولها، فمن ثم أتاه العتاب، ويجوز أن يكون في ترك رسول الله ﷺ الإذن لهم مع تثبيط الله إياهم مصلحة أخرى، فبإذنه لهم فقدت تلك المصلحة، وذلك أنهم إذا ثبطهم الله فلم ينبعثوا، وكان قعودهم بغير إذن من رسول الله ﷺ ، قامت عليهم الحجة ولم تبق لهم معذرة. ولقد تدارك الله ذلك حيث هتك أستارهم، وكشف أسرارهم، وشهد عليهم بالنفاق، وأنهم لا يؤمنون بالله واليوم الآخر. فإن قلت: ما معنى قوله (مَعَ الْقاعِدِينَ)؟ قلت: هو ذمّ لهم، وتعجيز، وإلحاق بالنساء والصبيان والزمني الذين شأنهم القعود والجثوم في البيوت، وهم القاعدون والخالفون والخوالف، ويبينه قوله تعالى (رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ) [التوبة: ٨٧ - ٩٣]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وأما بيان التمثيل في (وَقِيلَ اقْعُدُوا): فإنه تعالى جعل خلق داعية القعود فيهم بمنزلة الأمر والقول الطالب للفعل، ونحوه قوله تعالى: (فَقَالَ لَهُمْ اللَّهُ مُوتُوا) [البقرة: ٢٤٣]، أي: أماتهم، وقوله: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [يس: ٨٢]، وهو المراد من قوله: "جعل إلقاء الله في قلوبهم كراهة الخروج أمراً بالقعود". قوله: (فلم خطيء): جاء بالفاء منكراً، أي: إذا جاز إسناد كراهة الخروج إلى الله تعالى، فلم لا يجوز الإذن من الرسول ﷺ ؟ أجاب: أنه ﷺ ما أذن لهم بالقعود لتلك الحكمة، وهي أن خروجهم كان مفسدة، ولذلك أُنكر عليه، ومن ثم فسر (لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ) بقوله: "هلا استأنيت بالإذن حتى يتبين لك من صدق في عُذره ممن كذب فيه".

стр. 3406

(إِلَّا خَبالًا) ليس من الاستثناء المنقطع في شيء، كما يقولون، لأن الاستثناء المنقطع هو أن يكون المستثنى من غير جنس المستثنى منه، كقولك: ما زادوكم خيراً إلا خبالا، والمستثنى منه في هذا الكلام غير مذكور، وإذا لم يذكر وقع الاستثناء من أعم العام الذي هو "الشيء"، فكان استثناء متصلا، لأنّ الخبال بعض أعمّ العام، كأن قيل: ما زادوكم شيئاً إلا خبالا، والخبال: الفساد والشرّ. (وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ) ولسعوا بينكم بالتضريب والنمائم وإفساد ذات البين، يقال: وضع البعير وضعاً: إذا أسرع وأوضعته أنا. والمعنى: ولأوضعوا ركائبهم بينكم، والمراد الإسراع بالنمائم، لأنّ الراكب أسرع من الماشي. وقرأ ابن الزبير ﵁: (ولأرقصوا)، من رقصت الناقة رقصاً: إذا أسرعت، وأرقصتها، قال: وَالرَّاقِصَات إلَى مِنْى فَالغَبْغَبِ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ولأوضعوا ركائبهم بينكم، والمراد: الإسراع بالنمائم): يعني: أنه من الاستعارة التبعية، شبه سرعة إفسادهم لذات البين بالنمائم بسرعة سير الركائب، ثم استعير لها الإيضاع، وهو للبعير، وأصل الاستعارة: ولأوضعوا ركائب نمائمهم خلالكم، ثم حذف النمائم، وأقيم المضاف إليه مقامها، ما قال: "ولأوضعوا ركائبهم"، لدلالة سياق الكلام على أن المراد النميمة، ثم حذف الركائب. قوله: (والراقصات إلى منى فالغبغب): أوله: يا عام لو قدرت عليك رماحُنا

стр. 3407

وقرئ: "ولأوفضوا". فإن قلت: كيف خطّ في المصحف: "ولا أوضعوا"، بزيادة ألف؟ قلت: كانت الفتحة تكتب ألفاً قبل الخط العربي، والخط العربي اخترع قريباً من نزول القرآن، وقد بقي من ذلك الألف أثر في الطباع، فكتبوا صورة الهمزة ألفاً، وفتحتها ألفاً أخرى، ونحوه: (أو لا أذبحنه) [النمل: ٢١]. (يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ): يحاولون أن يفتنوكم بأن يوقعوا الخلاف فيما بينكم، ويفسدوا نياتكم في مغزاكم، (وَفِيكُمْ سَمَّعُونَ لَهُمْ) أي: نمامون يسمعون حديثكم فينقلونه إليهم، أو فيكم قوم يسمعون للمنافقين ويطيعونهم. (لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ) أي: العنت ونصب الغوائل والسعي في تشتيت شملك، ....... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ "الغبغب": المنحر بمنى، وهو جُبيل. قوله: (ولأوفضوا): الوفض: العجلة، وأوفض واستوفض: استعجل. قوله: (كانت الفتحة تكتب ألفاً) إلى آخره: كلام الزجاج. قوله: (في مغزاكم): أي: مقصدكم، الأساس: "أغزى الأمير الجيش، ومن المجاز: غزوت بقولي كذا، أي: قصدته، وما أغزو إلا السداد فيما أقول". قوله: (العنت): هو الوقوع في أمر شاق. قوله: (الغوائل)، النهاية: "الغائلة": صفة لخصلة مهلة"، وجمعها: غوائل.

стр. 3408

وتفريق أصحابك عنك، كما فعل عبد الله بن أبىّ يوم أحد حين انصرف بمن معه، وعن ابن جريج: وقفوا لرسول الله ﷺ على الثنية ليلة العقبة، وهم اثنا عشر رجلا ليفتكوا به. (مِنْ قَبْلُ) من قبل غزوة تبوك، و (قَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ): ودبروا لك الحيل والمكايد، ودوّروا الآراء في إبطال أمرك. وقرئ: "وقلبوا" بالتخفيف، (حَتَّى جاءَ الْحَقُّ) وهو تأييدك ونصرك، (وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ): وغلب دينه، وعلا شرعه. [(وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ) ٤٩]. (ائْذَنْ لِي) في القعود، (وَلا تَفْتِنِّي): ولا توقعني في الفتنة - وهي الإثم-؛ بأن لا تأذن لي فإني إن تخلفت بغير إذنك أثمت. وقيل: ولا تلقني في الهلكة، فإني إذا خرجت معك هلك مالي وعيالي، وقيل: قال الجدّ بن قيس: قد علمت الأنصار أنى مستهتر بالنساء، فلا تفتني ببنات الأصفر، يعنى نساء الروم، ولكنى أعينك بمال فاتركني، وقرئ: "ولا تفتني"، من أفتنه. (أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا) أي: إنّ الفتنة هي التي سقطوا فيها، وهي فتنة التخلف، وفي مصحف أبىّ: "سقط"، لأنّ "من" موحد اللفظ مجموع المعنى (لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ) يعنى: أنها تحيط بهم يوم القيامة، أو هي محيطة بهم الآن، لأنّ أسباب الإحاطة معهم، فكأنهم في وسطها. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (مستهتر بالنساء)، الجوهري: "مستهتر بالشراب، أي: مولع به، ولا يبالي ما قيل فيه". قوله: (أي: إن الفتنة هي التي سقطوا فيها): التخصيص يفيده معنى تقديم الظرف على عامله، والتحقيق من تصدير الجملة بأداة التنبيه، فنها تدل على تحقق ما بعدها.

стр. 3409

[(إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ) ٥٠]. (إِنْ تُصِبْكَ) في بعض الغزوات (حَسَنَة): ٌ ظفر وغنيمة (تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ): نكبة وشدّة في بعضها، نحو ما جرى في يوم أحد، يفرحوا بحالهم في الانحراف عنك، و (يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا) أي: أمرنا الذي نحن متسمون به، من الحذر والتيقظ والعمل بالحزم، (مِنْ قَبْلُ): من قبل ما وقع، وتولوا عن مقام التحدّث بذلك والاجتماع له، إلى أهاليهم، (وَهُمْ فَرِحُونَ): مسرورون، وقيل: تولوا: أعرضوا عن رسول الله ﷺ . [(قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلاَّ ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هُوَ مَوْلانا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) ٥١]. قرأ ابن مسعود: "قل هل يصيبنا"، وقرأ طلحة: "هل يصيبنا"، بتشديد الياء، ...... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أي: أمرنا الذي نحن متسمون به): يعني: المراد بالأمر: الشأن، أي: شأننا وعادتنا الحزم والتيقظ في الأمور، وقد أخذنا شأننا، نحوه قوله تعالى: (وَخُذُوا حِذْرَكُمْ) [النساء: ١٠٢]. قوله: (وقرأ طلحة: "قل هل يصيبنا" بتشديد الياء): قال ابن جني: "ظاهر أمر عين "أصاب يصيب" أنها واو، ولذل قالوا في جمع "مصيبة": "مصاوب" بالواو، وهي القوية الفاشية، فأما "مصائب" - بالهمز- فغلط من العرب، كهمزهم: رثأت زوجي وحلأت السويق.

стр. 3410

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وأنا أرى أن تكون "مصائب" جمع "مُصاب"، لأن الألف - وإن كان بدلاً من العين هنا - تشبه بألف "رسالة"، التي يُقال في تكسيرها: "رسائل"، وذلك أن الألف لا تكون أصلاً في الأسماء المتمكنة، ولا في الأفعال، وإنما تكون زائدة أو بدلاً، وليست كذلك الواو والياء، لأنهما قد تكونان أصلين في القبيلين جميعاً، كما قد تكونان بدلين وزائدتين، فألف "مصاب" و"مصابة" أشبه بالزائدة من ياء "مصيبة" وواو "مصوبة"، فافهم ذلك، فإن أحداً لم يذكره. وبعدُ، فقد مر بنا تركيب (ص ي ب) في هذا المعنى، فإنهم قالوا: أصاب السهم الهدف يصيبه، كباعه يبيعه، ومنه قول الكميت: أسهمي الصائبات والصيب ومن هذا الأصل قراءة طلحة: "يصيبنا" بالياء؛ "يُفعلنا" منه، فـ"يصيب" على هذا كـ "يسير" و"يبيع". وقد يجوز أيضاً أن يكون "يصيبنا" من لفظ (ص وب)، إلا أنه بناه على: فيعل يُفيعل، وأصله: يصوبنا، فاجتمعت الواو والياء، وسُبقت الياء بالسكون، فقلبت الواو ياء وأدغمت، فصارت: يصيبنا".

стр. 3411

ووجهه أن يكون "يفيعل" لا: "يفعل" لأنه من بنات الواو، كقولهم: الصواب، وصاب السهم يصوب، ومصاوب؛ في جمع "مصيبة"، فحق "يفعل" منه "يصوّب"، ألا ترى إلى قولهم: صوّب رأيه؟ إلا أن يكون من لغة من يقول: صاب السهم يصيب، ومن قوله: أسهمي الصائبات والصيب واللام في قوله: (إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا) مفيدة معنى الاختصاص، كأنه قيل: لن يصيبنا إلا ما اختصنا الله به، بإثباته وإيجابه من النصرة عليكم أو الشهادة، ألا ترى إلى قوله: (هُوَ مَوْلانا) أي: الذي يتولانا ونتولاه، (ذلك بأنّ الله مولى الذين آمنوا وأنّ الكافرين لا مولى لهم) [محمد: ١١] (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ): وحق المؤمنين أن لا يتوكلوا على غير الله، فليفعلوا ما هو حقهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والوجه أن "فَعَلَ" في الكلام أكثر من "فيعل"، والمصنف اختار الأول. قوله: (ألا ترى إلى قوله: (هُوَ مَوْلانَا)؟ ): يعني: (هُوَ مَوْلانَا) يبين أن معنى اللام في (كَتَبَ اللَّهُ لَنَا) الاختصاص، وتخصيص قولنا: (لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا) بالنصرة والشهادة دون الخذلان والشقاوة الأبدية، كما هو مصير حالكم؛ لأنا مؤمنون وأن (اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ) [محمد: ١١]. قوله: (وحق المؤمنين أن لا يتوكلوا على غير الله : يعني: قدم صلة (فَلْيَتَوَكَّلْ) عليه ليُفيد التخصيص، ووضع المؤمنين على إرادة الجنس موضع ضمير المتكلم؛ ليؤذن بأن شأن المؤمن اختصاص التوكل بالله، وجيء بالفاء الجزائية ليشعر بالترتب، أي: إذا كان لن يصيبنا إلا ما اختصنا الله تعالى به من النصرة أو الشهادة، وأنه يتولى أمرنا، فلنفعل ما هو حقنا من اختصاصه بالتوكل، وإليه الإشارة بقوله: "فليفعلوا ما هو حقهم"، كأنه قوبل قول المنافقين: (قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا)، "أي: أخذنا أمرنا الذي نحن متسمون به من الحذر والتيقظ والعمل بالحزم" بهذه الفاصلة، والمعنى: دأب المؤمنين أن لا يتوكلوا على حزمهم وتيقظ أنفسهم كما هو دأب المنافقين ذلك، بل أن يتوكلوا على الله وحده، ويفوضوا أمورهم إليه.

стр. 3412

[(قلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ) ٥٢] (إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ): إلا إحدى العاقبتين اللتين كل واحدة منهما هي حسني العواقب، وهما النصرة والشهادة، (وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ) إحدى السوأتين من العواقب، إمّا (أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ) وهو قارعة من السماء، كما نزلت على عاد وثمود، (أَوْ) بعذاب (بِأَيْدِينا) وهو القتل على الكفر، (فَتَرَبَّصُوا) بنا ما ذكرنا من عواقبنا، (إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ) ما هو عاقبتكم، فلا بدّ أن يلقى كلنا ما يتربصه لا يتجاوزه. [(قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فاسِقِينَ) ٥٣] (أَنْفِقُوا) يعنى: في سبيل الله ووجوه البر، (طَوْعاً أَوْ كَرْهاً) نصب على الحال، أي: طائعين أو مكرهين، فإن قلت: كيف أمرهم بالإنفاق، ثم قال: (لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ)؟ قلت: هو أمر في معنى الخبر، كقوله (قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا) [مريم: ٧٥] ومعناه: لن يتقبل منكم أنفقتم طوعاً أو كرهاً ....... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (إحدى السوأتين): قيل: القياس: السوأيين، فإن السوأى نقيض الحسنى، فالمناسب في مقابلة الحسنيين: هو السوأيين، نحو: حبليين، في تثنية: حبلى. قوله: (ما ذكرنا من عواقبنا): أي: النصرة والشهادة، و"ما هو عاقبتكم"، أي: القارعة أو القتل. قوله: (وهو أمر في معنى الخبر) كأنه قيل: "لن يُتقبل منكم أنفقتم طوعاً أو كرهاً"، ففعل بالأمر ما فعل بالاستهام في قوله: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) [البقرة: ٦]، أي مستو عليهم إنذارك أو عدم إنذارك. قوله: ((فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدّاً) [مريم: ٧٥]: قال: "أي: مد له الرحمن مداً وأمهله،

стр. 3413

ونحوه قوله تعالى: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ) [التوبة: ٨٠]، وقوله الشاعر: أسِيئِى بِنَا أوْ أحْسِنِى لَا مَلُومَةً أي: لن يغفر الله لهم، استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم، ولا نلومك أسأت إلينا أم أحسنت. فإن قلت: متى يجوز نحو هذا؟ قلت: إذا دلّ الكلام عليه، كما جاز عكسه في قولك: رحم الله زيداً وغفر له. فإن قلت: لم فعل ذلك؟ قلت: لنكتة فيه، ........ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ على لفظ الأمر؛ إيذاناً بوجوب ذلك، وأنه مفعول لا محالة". قوله: (أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة): تمامه: لدينا ولا مقلية إن تقلت تقل: أي: تُبغض. قال الزجاج: "معنى الآية معنى الشرط والجزاء، أي: إن أنفقتم طائعين أو مكرهين لن يتقبل منكم، ومعنى البيت: أنه أعلمها أنها إن أساءت أو إن أحسنت فهو على عهدها".

стр. 3414

وهي أنّ كثيرا كأنه يقول لعزة: امتحنى لطف محلك عندي وقوّة محبتي لك، وعاملينى بالإساءة والإحسان، وانظري: هل تتفاوت حالي معك، مسيئة كنت أو محسنة؟ وفي معناه قول القائل: أخُوكَ الَّذِي إنْ قُمْتَ بِالسَّيْفِ عَامِدا … لِتَضْرِبَهُ لَمْ يَسْتَفِثَّكَ فِي الْوَدِّ وكذلك المعنى: أنفقوا وانظروا: هل يتقبل منكم؟ واستغفر لهم أو لا تستغفر لهم وانظر: هل ترى اختلافا بين حال الاستغفار وتركه؟ فإن قلت: ما الغرض في نفى التقبل؟ أهو ترك رسول الله ﷺ تقبله منهم، وردّه عليهم ما يبذلون منه؟ أم هو كونه غير مقبول عند الله تعالى ذاهباً هباء لا ثواب له؟ قلت: يحتمل الأمرين جميعاً. وقوله: (طَوْعاً أَوْ كَرْهاً): معناه طائعين من غير إلزام من الله ورسوله، أو ملزمين، وسمى الإلزام إكراها، لأنهم منافقون، فكان إلزامهم الإنفاق شاقا عليهم كالإكراه، أو: طائعين من غير إكراه من رؤسائكم، ....... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وهي أن كثيراً كأنه يقول): وخلاصته: أن النكتة هي توخي إظهار نفي أن تتفاوت الحال في أمر ثابت يزاول المخاطب خلافه. قوله: (أخوك الذي) البيت: يقول: أخوك هو الذي إن أسأت إليه أحسن إليك، حتى لو قمت تضربه بالسيف لا يغشك في المودة. قوله: (يحتمل الأمرين جميعاً): قال القاضي: "نفيُ التقبل يحتمل أمرين: أن لا يؤخذ منهم، وأن لا يثابوا عليه"، يعني: يؤخذ منهم ولكن يصير هباء منثوراً. قوله: (معناه: طائعين من غير إلزام): يريد أن قوله: (طَوْعاً أَوْ كَرْهاً) يحتمل أن يكونا من جهة الله أو من جهة الرؤساء؛ فعلى الأول: معنى (طَوْعاً) طائعين من غير إلزام

стр. 3415

لأنّ رؤساء أهل النفاق كانوا يحملون على الإنفاق؛ لما يرون من المصلحة فيه، أو مكرهين من جهتهم. وروى: أنها نزلت في الجدّ بن قيس حين تخلف عن غزوة تبوك، وقال لرسول الله ﷺ : هذا مالي أعينك به فاتركني. (إِنَّكُمْ) تعليل لردّ إنفاقهم، والمراد "بالفسق": التمرّد والعتو. [(وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَاتُونَ الصَّلاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسالى وَلا يُنْفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كارِهُونَ) ٥٤]. (أَنَّهُمْ) فاعل "منع"، وهم، و (أن تقبل): مفعولاه. وقرئ: (أن تقبل) ...... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ من الله، ومعنى (كَرْهاً) مُلزمين، وإنما سُمي الإلزام كُرهاً لأنهم ليسوا كالمؤمنين في أن ينفقوا عن طوع ورغبة ونشاط قلب، بل هم كالمكرهين فيه. وعلى الثاني: معنى (طَوْعاً أَوْ كَرْهاً) على حقيقتهما، ولهذا قال: "أو طائعين من غير إكراه"، وقال: "أو مُكرهين من جهتهم". قوله: ((أنَّهُمْ) فاعل "منع"، و"هم" و (أَنْ تُقْبَلَ): مفعولاه)، الأساس: "منعه الشيء ومنعه [منه] وعنه"، والزجاج أخذ بالثاني حيث قال: "موضع (أن) الأولى نصب، والثانية رفع، أي: ما منعهم من قبول نفقاتهم إلا كفرهم، والنفقات في معنى الإنفاق". وقال أبو البقاء: " (أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ) في موضع نصب بدلاً من المفعول في (مَنَعَهُمْ)، ويجوز أن يكون فاعل "منع": الله، و (أَنَّهُمْ كَفَرُوا) مفعول له"، وفيه بحث. ومعنى قول الزجاج والمصنف واحد، وهو أنهم قصدوا في الإنفاق أن يكون مقبولاً، وما منعهم شيء من الأشياء عما قصدوه إلا الكفر. قوله: (قرئ: (أَنْ تُقْبَلَ): بالياء: حمزة والكسائي، والباقون: بالتاء الفوقانية.

стр. 3416

بالتاء والياء على البناء للمفعول، و (نفقاتهم)، و"نفقتهم"، على الجمع والتوحيد، وقرأ السلمي: "أن يقبل منهم نفقاتهم"، على أن الفعل لله (كُسالى) بالضم والفتح، جمع كسلان، نحو: سكارى وغيارى، في جمع سكران وغيران، وكسلهم لأنهم لا يرجون بصلاتهم ثوابا، ولا يخشون بتركها عقابا فهي ثقيلة عليهم كقوله تعالى (وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ) [البقرة: ٤٥]. وقرأت في بعض الأخبار: "أنّ رسول الله ﷺ كره للمؤمن أن يقول: كسلت"، كأنه ذهب إلى هذه الآية، فإنّ الكسل من صفات المنافقين، فما ينبغي أن يسنده المؤمن إلى نفسه. فإن قلت: الكراهية خلاف الطواعية، وقد جعلهم الله تعالى طائعين في قوله: (طَوْعاً)، ثم وصفهم بأنهم لا ينفقون إلا وهم كارهون! قلت: المراد بطوعهم: أنهم يبذلونه من غير إلزام من رسول الله ﷺ أو من رؤسائهم، وما طوعهم ذاك إلا عن كراهية واضطرار، لا عن رغبة واختيار. [(فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ) ٥٥]. الإعجاب بالشيء: أن يسرّ به سرور راض به متعجب من حسنه، ....... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقد جعلهم الله طائعين في قوله: (طَوْعاً)): وجه السؤال: أنه تعالى أثبت لهم طوعاً، ثم نفاه عنهم على سبيل المبالغة في قوله: (وَلا يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ)، والجواب: أن المراد بالطوع البذل من غير إلزام، كأنه قيل: أنفقوا غير ملزمين أو مُلزمين. قوله: (الإعجاب بالشيء أن يُسر به سرور راضٍ به)، الراغب: "التعجب: حالة تعرض

стр. 3417

والمعنى: فلا تستحسن ولا تفتنن بما أوتوا من زينة الدنيا، كقوله تعالى (وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ الي ما متعنا به) [طه: ١٣١]، فإن الله إنما أعطاهم ما أعطاهم للعذاب، بأن عرّضه للتغنم والسبي، وبلاهم فيه بالآفات والمصائب، وكلفهم الإنفاق منه في أبواب الخير، وهم كارهون له على رغم أنوفهم، وأذاقهم أنواع الكلف والمجاشم في جمعه واكتسابه وفي تربية أولادهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ للإنسان عند الجهل بسبب الشيء، ولهذا قالوا: العجب: ما لا يُعرف سببه، ومن ثم لا يصح على الله التعجب؛ إذ هو علام الغيوب، ويقال للشيء الذي يتعجب منه: عجب، ويقال لما لم يعهد مثله: عجب، قال تعالى: (أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَا) [يونس: ٢]، ويُستعار تارة للمونق، فيقال: أعجبني كذا، أي: راقني، قال تعالى: (وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ) [التوبة: ٨٥]، ويقال لمن تروقه نفسه: فلانٌ معجب بنفسه". قوله: (عرضه للتغنم والسبي): أي: جعل أموالهم عرضة لغنيمتكم، وأولادهم عرضة لسبيكم. قوله: (والمجاشم)، الأساس: "جشمت الأمر وتجشمته: تكلفته على مشقة. وألقى عليه جشمه، أي: كلفته وثقله، ويرى بضم الجيم … قال المرقش: الم تر أن المرء يجذم كفه … ويجشم من أجل الصديق المجاشما"

стр. 3418

فإن قلت: إن صح تعليق التعذيب بإرادة الله تعالى، فما بال زهوق أنفسهم و (َهُمْ كافرون)؟ قلت: المراد الاستدراج بالنعم، كقوله تعالى: (إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً) [آل عمران: ١٧٨]، كأنه قيل: ويريد أن يديم عليهم نعمته إلى أن يموتوا وهم كافرون، ملتهون بالتمتع عن النظر للعاقبة. [(وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ * لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ) ٥٦ - ٥٧]. (لَمِنْكُمْ): لمن جملة المسلمين، (يَفْرَقُونَ): يخافون القتل وما يفعل بالمشركين، فيتظاهرون بالإسلام تقية. (مَلْجَأً): مكاناً يلتجئون إليه متحصنين به من رأس جبل أو قلعة أو جزيرة، (أَوْ مَغاراتٍ): أو غيرانا، وقرئ بضم الميم، من أغار الرجل وغار إذا دخل الغور. وقيل: هو تعدية: غار الشيء وأغرته أنا، يعنى: أمكنة يغيرون فيها أنفسهم. ويجوز أن يكون من: أغار الثعلب: إذا أسرع، بمعنى مهارب ومفارّ. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (إن صح): أي: إن صح تعليق التعذيب بإرادة الله، فكيف يصح إرادة موتهم على الكفر؟ السؤال مبني على مذهبه أن كفر الكافر لا يجوز أن يكون مسبباً عن إرادة الله. وحاصل الجواب: أن المراد بتعليق الكفر بإرادة الله: إبلاء الله إياهم ما به يشتغلون عن النظر في العاقبة استدراجاً، فيؤديهم ذلك إلى الكفر. وهذا لا يُجديه شيئاً؛ لأن سبب السبب سبب في الحقيقة. قوله: (أو قلعة): سُميت الحصون بالقلعة - وهي السحابة العظيمة - لارتفاعها وانقطاعها عن الجبال: نحوه في "الأساس".

стр. 3419

(أَوْ مُدَّخَلًا): أو نفقا يندسون فيه وينحجرون، وهو "مفتعل" من الدخول، وقرئ: "مدخلا"؛ من: دخل، و"مدخلا" من أدخل: مكانا يدخلون فيه أنفسهم، وقرأ أبى بن كعب: "متدخلا" وقرئ: "لو ألوا إليه": لالتجوؤا إليه، (يَجْمَحُونَ): يسرعون إسراعا لا يردّهم شيء، من الفرس الجموح، وهو الذي إذا حمل لم يردّه اللجام، وقرأ أنس: "يجمزون"، فسئل فقال: يجمحون ويجمزون ويشتدّون: واحد". [(وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ) ٥٨] ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (يندسون)، الأساس: "كل شيء أخفيته تحت شيء، فقد دسسته". قوله: (لو ألوا إليه: لالتجؤوا): الموئل: الملجأ، وقد وأل إليه يئل. قوله: (وقرأ أنس: يجمزون): قال ابن جني: "قال الأعمش: سمعت أنساً يقرأ: (لولوا إليه وهم يجمزون)، قيل: إنما هي (يَجْمَحُونَ)، فقال: يجمحون ويجمزون ويشتدون واحد. ظاهر هذا أن السلف كانوا يقرؤون الحرف مكان نظيره، من غير أن تتقدم القراءة بذلك، وهو موضع يجد الطاعن به مجالاً، ويقول: ليست هذه الحروف كلها عن النبي ﷺ ،

стр. 3420

(يَلْمِزُكَ): يعيبك في قسمة الصدقات ويطعن عليك، قيل: هم المؤلفة قلوبهم، وقيل: هو ابن ذي الخويصرة رأس الخوارج، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إذ لو كانت عنه ﷺ لما ساغ إبدال لفظ، إذ لم يثبت التخيير عنه في ذلك، ولما أنكر عليه أيضاً "يجمزون"، إلا أن حُسن الظن بأنس يدعو إلى اعتقاد تقدم القراءة بهذه الأحرف الثلاثة، أي: يجمحون ويجمزون ويشتدون، وقال ﷺ : "أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها كاف شاف". فعلى هذا: معنى قول أنس: أنها كلها مروية. قوله: (هو ذو الخويصرة)، وفي نسخة: "هو ابن ذي الخويصرة": اسمه حرقوص. روينا عن البخاري ومسلم ومالك وأبي داود والنسائي وابن ماجه عن أبي سعيد قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ ، هو يقسم قسماً، أتاه ذو الخويصرة، وهو رجل من بني تميم، فقال: يا رسول الله اعدل، فقال رسول الله ﷺ : "ويلك! من يعدل إذا لم أعدل، قد خبت وخسرت إن لم أعدل"، فقال عمر ﵁: ائذن لي فيه أضرب عنقه، فقال رسول الله ﷺ : "دعه، فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرؤون

стр. 3421

كان رسول الله ﷺ يقسم غنائم حنين، فقال: اعدل يا رسول الله، فقال صلوات الله عليه وسلامه "ويلك إن لم أعدل فمن يعدل؟ "، وقيل: هو أبو الجواظ، من المنافقين، قال: ألا ترون إلى صاحبكم، إنما يقسم صدقاتكم في رعاة الغنم، وهو يزعم أنه يعدل! ، فقال رسول الله ﷺ : "لا أبالك، أما كان موسى راعياً؟ أما كان داود راعياً؟ ! "، فلما ذهب قال ﵊ "احذروا هذا وأصحابه، فإنهم منافقون". وقرئ: "يلمزك" بالضم، و"يلمزك"، و"يلامزك"؛ التثقيل والبناء على "المفاعلة" مبالغة في اللمز. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، ينظر إلى نصله فلا يُوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نضيه فلا يُوجد فيه شيء، وهو القدح، ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شيء، سبق الفرث والدم، آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة"- وفي رواية: "إحدى يديه مثل البضعة تدردر"- "يخرجون على حين فرقة من الناس". قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا من رسول الله ﷺ ، وأشهد أن علياً ﵁ قاتلهم وأنا معه، فأمر بذلك الرجل، فالتمس فوجد، فأتي به، حتى نظرت إليه على نعت رسول الله ﷺ الذي نعت، فنزلت فيهم: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ). قوله: (هو أبو الجواظ)، النهاية: "الجواظ: الجموع المنوع، وقيل: كثير اللحم المختال في مشيته، وقيل: القصير البطين".

стр. 3422

ثم وصفهم بأن رضاهم وسخطهم لأنفسهم، لا للدين وما فيه صلاح أهله، لأن رسول الله ﷺ استعطف قلوب أهل مكة يومئذ بتوفير الغنائم عليهم، فضج المنافقون منه، (وإذا) للمفاجأة، أي: وإن لم يعطوا منها فاجؤوا السخط. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ثم وصفهم بأن رضاهم): يريد أنه تعالى لما ذكر أن بعضاً من المنافقين عاب رسول الله ﷺ في قسمة الصدقات، بين بعد ذلك بقوله: (فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ): أن النبي ﷺ كان يقسمها للدين وصلاح أهله، لا للأغراض النفسانية، وهؤلاء لما كانت أغراضهم نفسانية، ورضاهم وسخطهم لمجرد الإعطاء والمنع، منعهم إياها، فطعنوا فيه وعابوه. وينطبق على هذا قوله تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ) الآية [التوبة: ٦٠]، فإنه تعالى صدر الجملة بأداة الحصر المستدعية لإثبات الحكم للمذكور ونفيه عما عداه، يعني: أن الذي ينبغي أن تُقسم الصدقات عليه هو الموصوف بإحدى الصفات المذكورة دون غيره، لأن سبب الاستحقاق صلاح الدين وصلاح أهله، لا الفساد، وأن المنافقين لا يستحقونها، لأنه ليس منهم سوى الفساد، ويؤيد هذا الترتيب قول المصنف: "دل بكون هذه الأوصاف مصارف الصدقات، على أنهم ليسوا منهم، حسماً لأطماعهم في جواب قوله: "كيف وقعت هذه الآية في تضاعيف ذكر المنافقين". قوله: (و (إذَا) للمفاجأة): قال أبو البقاء: " (إذَا) هاهنا ظرف مكان، وجُعلت في جواب الشرط كالفاء، لما فيها من المفاجأة، ما بعدها ابتداء وخبر، والعامل فيها (يَسْخَطُونَ) ".

стр. 3423

[(وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ راغِبُونَ) ٥٩]. جواب "لو" محذوف، تقديره: لو أنهم رضوا لكان خيراً لهم، والمعنى: ولو أنهم رضوا ما أصابهم به الرسول من الغنيمة، وطابت به نفوسهم وإن قلّ نصيبهم وقالوا: كفانا فضل الله وصنعه، وحسبنا ما قسم لنا سيرزقنا الله غنيمة أخرى، فيؤتينا رسول الله ﷺ أكثر مما آتانا اليوم، (إِنَّا إِلَى اللَّهِ) في أن يغنمنا ويخولنا فضله لراغبون. [(إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) ٦٠]. (إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ) قصر لجنس الصدقات على الأصناف المعدودة، وأنها مختصة بها، لا تتجاوزها إلى غيرها، كأنه قيل: إنما هي لهم لا لغيرهم. ونحوه قولك: إنما الخلافة لقريش، تريد: لا تتعداهم ولا تكون لغيرهم، فيحتمل أن تصرف إلى الأصناف كلها، وأن تصرف إلى بعضها، وعليه مذهب أبى حنيفة ﵀. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فيحتمل أن تُصرف إلى الأصناف - ويُروى: إلى الأوصاف- كلها، وأن تُصرف إلى بعضها): الفاء سببية، أي: يلزم من معنى التركيب هذان الاحتمالان، وذلك أن (إِنَّمَا) وُضعت لقصر ما يليها في الجزء الأخير من الكلام، وهاهنا المذكور أولاً جنس الصدقات، لأن الجمع المحلى يفيد العموم، وأجزاء الأصناف الثمانية تدل على أن جميع الصدقات لا تتجاوز المذكورين إلى غيرهم البتة. وأما وجوب صرف بعضها إلى الأصناف كلها فليس فيها ذلك، ولذلك احتمل الأمرين، وينصره ما قال الإمام: "الآية لا دلالة فيها على قول الشافعي ﵁ في أنه لابد من

стр. 3424

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ صرفها إلى الأصناف، لأنه تعالى جعل جملة الصدقات لهؤلاء الوصاف، فأما أن صدقة زيد بعينها يوجب توزيعها على الأصناف كلها فلا؛ كما أن قوله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ) الآية [الأنفال: ٤١]، توجب تقسيم الخمس على الطوائف من غير توزيع بالاتفاق، يعني: لم يقل أحد أن كل شيء يغنم بعينه يجب تفريق ذلك الشيء على الطوائف كلها، وأيضاً أن الحكم الثابت في مجموع لا يوجب ثبوته في كل جزء من أجزاء". وقال صاحب "الانتصاف": "القول بوجوب صرفها إلى جميعهم أخذاً من لام التمليك وواو التشريك لا تساعد عليه الآية، لأنها مصدرة بـ (إنَّمَا) الدالة على أن غيرهم لايستحق فيها نصيباً". وقال صاحب "الإنصاف": الآية إن لم تدل من جهة (إنَّمَا)، فقد دلت من جهة اللام والواو، وإنما تفيد حصر الأول في الثاني، ولا تمنع من حصر الثاني في الأول لدليل خارج. قال محيي السنة في "معالم التنزيل": "واختلف الفقهاء في كيفية قسم الصدقات: فذهب جماعة إلى أنه لا يجوز صرف كلها إلى بعضهم مع وجود سائر الأصناف، وهو قول عكرمة، وبه قال الشافعي ﵄، وقال: يجب أن تُقسم زكاة كل صنف من ماله على الموجودين من الأصناف قسمة على السواء، ثم حصة كل صنف لا يجوز أن تصرف إلى أقل من ثلاثة منهم إن وُجد. وذهب جماعة إلى أنه لو صُرف الكل إلى صنفٍ واحدٍ من هذه الأصناف، أو إلى شخص

стр. 3425

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ واحد منهم جاز، وإنما سمي الله تعالى هذه الأصناف الثمانية إعلاماً منه أن الصدقة لا تخرج عن هذه الأصناف، لا إيجاباً لقسمتها بينهم جميعاً، وهو قول عمر وابن عباس ﵃، وبه قال سعيد بن جبير وعطاء، وإليه ذهب سفيان الثوري وأصحاب الرأي. وقال أحمد: يجوز أن يضعها في صنف واحد، وتفريقها أولى. وقال مالك: يتحرى موضع الحاجة منهم، ويُقدم الأولى فالأولى، فإن رأى الحاجة في الفقراء في عام أكثر قدمهم، وإن رآه في عام في صنف آخر حولها إليهم. وكل من دفع إليه صدقته لا يزيد على قدر الاستحقاق". وقال القاضي: "قول الأئمة الثلاثة جواز الصرف إلى صنف واحد، واختاره بعض أصحابنا، وبه كان يفتي شيخي ووالدي، على أن الآية بيان أن الصدقة لا تخرج منهم، لا إيجاب قسمتها عليهم". وقلت: ويمكن أن يُقال: إن قول مالك أوفق لتأليف النظم، على ما سبق أن الصرف معلل بمصالح الدين وإصلاح أهله، وأن البعض أولى من البعض، ولإفادة التغيير في عبارة الآية أيضاً، كما أشار إليه المصنف بقوله: "إنما عدل عن اللام إلى "في" في الأربعة الأخيرة؛ ليؤذن بأنهم أرسخ في استحقاق التصدق عليهم ممن سبق ذكره"، وذلك لمكان الكناية. ويُعلم من أقوال الأئمة على ظاهر الآية: أن القاسم إذا كان الإمام يجب الصرف إلى الكل، وإذا كان المالك فلا، وأن الصرف إلى الأصناف والتسوية في القسم وعدمها منوطة بالمصالح.

стр. 3426

وعن حذيفة وابن عباس وغيرهما من الصحابة والتابعين أنهم قالوا: في أي صنف منها وضعتها أجزأك، وعن سعيد بن جبير: لو نظرت إلي أهل بيت من المسلمين فقراء متعففين، فجبرتهم بها كان أحب إلى. وعند الشافعي ﵀: لا بد من صرفها إلي الأصناف، وعن عكرمة: أنها تفرّق في الأصناف الثمانية، وعن الزهري: أنه كتب لعمر ابن عبد العزيز تفريق الصدقات على الأصناف الثمانية. (وَالْعامِلِينَ عَلَيْها): السعاة الذين يقبضونها، (وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ): أشراف من العرب، كان رسول الله ﷺ يستألفهم على أن يسلموا، فيرضخ لهم شيئاً منها، حين كان في المسلمين قلة، و (الرقاب): المكاتبون، يعانون منها، وقيل: الأسارى، وقيل: تبتاع الرقاب فتعتق. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وأما استدلال الإمام بقوله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ) [الأنفال: ٤١]: فمؤيد بما رويناه في "صحيح البخاري" عن أنس: "لما كان يوم هوازن" فانهزم المشركون، فأصاب يومئذ غنائم كثيرة، فقسم في المهاجرين والطلقاء، ولم يعط الأنصار شيئاً"، الحديث. والله أعلم. قوله: (فيرضخ لهم): الرضخ: العطاء القليل. قوله: (و (الرِّقَابِ): المكاتبون): قال محيي السنة: "هذا قول أكثر الفقهاء، وبه قال سعيد بن جبير والنخعي والزهري والليث بن سعد والشافعي ﵃. وقال جماعة: تُشترى بسهم الرقاب عبيد فيعتقون، وهو قول الحسن، وبه قال مالك وأحمد وإسحاق".

стр. 3427

(وَالْغارِمِينَ): الذين ركبتهم الديون، ولا يملكون بعدها ما يبلغ النصاب، وقيل: الذين تحملوا الحمالات، فتداينوا فيها، وغرموا، (وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ): فقراء الغزاة والحجيج المنقطع بهم، (وَابْنِ السَّبِيلِ): المسافر المنقطع عن ماله، فهو فقير حيث هو، غنىّ حيث ماله. (فَرِيضَةً) في معنى المصدر المؤكد، لأنّ قوله: (إنما الصدقات للفقراء): معناه: فرض الله الصدقات لهم، وقرئ: "فريضة" بالرفع؛ على: تلك فريضة. فإن قلت: لم عدل عن اللام إلى "في" في الأربعة الأخيرة؟ قلت: للإيذان بأنهم أرسخ في استحقاق التصدق عليهم ممن سبق ذكره، لأنّ "في" للوعاء، فنبه على أنهم أحقاء بأن توضع فيهم الصدقات، ويجعلوا مظنة لها ومصباً، ...... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (الحمالات)، النهاية: "الحمالة- بالفتح-: ما يتحمله الإنسان عن غيره من دية أو غرامة، مثل أن تقع حرب بين فريقين تسفك فيه الدماء، يدخل بينهم رجل يتحمل ديات القتلى ليصلح ذات البين، والتحمل أن يتحملها عنهم على نفسه". قوله: (المنقطع بهم): أي: عطبت دابته أو نفد زاده، فانقطع به السفر دون وطنه، فهو منقطع به، ويُقال: حاج بمنقطع - بالكسر-، والباء للتعدية؛ لأن الانقطاع لازم، فإذا حذف الجار قيل: المنقطع، كما قال بعيد هذا: "الفقير أو المنقطع". قوله: (فهو فقير): مبتدأ وخبر، و"حيثُ" ظرف الفقير مضاف إلى ما بعده، أي: حيث هو حاصل فيه، وكذلك قوله: "هو غني حيث ماله"، أي: حيث ماله حاصل فيه.

стр. 3428

وذلك لما في فك الرقاب من الكتابة أو الرق أو الأسر، وفي فك الغارمين من الغرم؛ من التخليص والإنقاذ، ولجمع الغازي الفقير أو المنقطع في الحج بين الفقر والعبادة، وكذلك ابن السبيل جامع بين الفقر والغربة عن الأهل والمال. وتكرير (في) في قوله: (وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ) فيه فضل ترجيح لهذين على (الرقاب والغارمين). فإن قلت: فكيف وقعت هذه الآية في تضاعف ذكر المنافقين ومكايدهم؟ قلت: دل بكون هذه الأصناف مصارف الصدقات خاصة دون غيرهم، على أنهم ليسوا منهم، حسما لأطماعهم، وإشعاراً باستيجابهم الحرمان، ......... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. قوله: (لما في فك الرقاب من الكتابة) إلى آخره: "مِن": في قوله: "من الكتابة": صلة "فك"، وفي "مِنَ التخليص": بيان "ما" في "لِمَا" و"في فك الغارمين" عطف على "في فك الرقاب". المعنى: ذلا لرسوخ في الاستحقاق مستقر لجل ما في فك الرقاب والغارمين من الإنقاذ والتخليص. و"لجمع الغازي" عطف على "لما في فك الرقاب". قال صاحب "الانتصاف": "إنما عدل من اللام إلى "في" في الأربعة الأخيرة؛ لأن الأربعة الأول ملاك لما عسى أن يُدفع إليهم، والأربعة الأخيرة لا يملكون ما يُدفع إليهم، إنما يُصرف إليهم في مصالح تتعلق بهم، لأن التعدية بـ "في" مقدرة بالصرف، فمال الرقاب يملكه السادة، والمكاتبون لا يحصل في أيديهم شيء، والغارمون يُصرف نصيبهم لأرباب الديون، وكذلك في سبيل الله، وابن السبيل مُندرج في سبيل الله، وأفرد بالذكر تنبيهاً على خصوصيته، وهو مرد عن الحرفين جميعاً، أي: اللام و"في"، وعطفه على اللام ممكن، و"في" أقرب".

стр. 3429

وأنهم بعداء عنها وعن مصارفها، فما لهم وما لها؟ وما سلطهم على التكلم فيها، ولمز قاسمها، صلوات الله عليه وسلامه! [(وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) ٦١] الأذن: الرجل الذي يصدق كل ما يسمع، ويقبل قول كل أحد، سمى بالجارحة التي هي آلة السماع، كأنّ جملته أذنٌ سامعة، ونظيره قولهم للربيئة: عين، وإيذاؤهم له: هو قولهم فيه (هُوَ أُذُنٌ). (وأذن خير): كقولك: رجل صدق، تريد الجودة والصلاح. كأنه قيل: نعم، هو أذن سامعة، ولكن نعم الأذن. ويجوز أن يريد: هو أذن في الخير والحق ......... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فما لهم وما لها! ): قيل: هما جملتان، أي: فما لهم ولها، وما لها ولهم؟ . قوله: (وما سلطهم على التكلم فيها): أي: أي شيء جسرهم على أن يتكلموا فيها؟ قوله: (و (أُذُنُ خَيْرٍ): قولك: رجل صدق): أي: أنه من إضافة الموصوف إلى الصفة للمبالغة، فهو خبر مبتدأ محذوف، أي: هو أذُن، والجملة جواب عن قولهم: (هُوَ أُذُنٌ)، وقوله: (يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ) تفسير وبيان لقوله: (أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ). قوله: (ويجوز أن يُريد: هو أذن في الخير) عطف على قوله: "كقول: رجل صدق"، قال القاضي: "قوله: (هُوَ أُذُنٌ): أي: يسمع كل ما يُقال له، سُمي بالجارحة للمبالغة، كأنه من فرط استماعه صار أذنا"، أو اشتق له فعل من: أذن أذناً: إذا استمع، كأنف، وأنشد الجوهري لقعنب: صُم إذا سمعوا خيراً ذُكرت به … وإن ذُكرت بشر عندهم أذنوا

стр. 3430

وفيما يجب سماعه وقبوله، وليس بأذن في غير ذلك، ودلّ عليه قراءة حمزة: (وَرَحْمَةٌ) بالجرّ عطفاً عليه، أي: هو أذن خير ورحمة لا يسمع غيرهما ولا يقبله. ثم فسر كونه أذن خير؛ بأنه يصدق بالله، لما قام عنده من الأدلة ويقبل من المؤمنين الخلص من المهاجرين والأنصار، وهو رحمة لمن آمن منكم - أي: أظهر الإيمان - أيها المنافقون؛ حيث يسمع منكم، ويقبل إيمانكم الظاهر، ولا يكشف أسراركم، ولا يفضحكم، ولا يفعل بكم ما يفعل بالمشركين، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الراغب: "الأذن: الجارحة، ويُستعار لمن كثر استماعه وقبوله ما يسمع، قال الله تعالى: (وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ)، أي: استماعه لما يعود بخيركم. وأذن: استمع، نحو قوله: (وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ) [الانشقاق: ٢]، ويُستعمل ذلك في العلم المتوصل إليه بالسماع، نحو قوله: (فَاذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) [البقرة: ٢٧٩]، والإذن والأذان لما يُسمع، ويعبر بذلك عن العلم، إذ هو مبدأ كثير من العلم، والإذن في الشيء: إعلام بإجازته والرخصة فيه". قوله: (ودل عليه قراءة حمزة: "ورحمة" بالجر): لأنه حينئذ معطوف على (خَيْرٍ)، ولا يحسن أن تكون (رحمة) صفة (أُذُنٌ) على نحو: رجل صدق وحاتم الجود، حُسنه إذا قيل: أذن في الخير وأذن في الرحمة، لا يسمع غيرهما ولا يقبله.

стр. 3431

مراعاة لما رأى الله من المصلحة في الإبقاء عليكم، فهو أذن كما قلتم، إلا أنه أذن خير لكم، لا أذن سوء، فسلم لهم قولهم فيه، لا أنه فسر بما هو مدح له وثناء عليه، وإن كانوا قصدوا به المذمّة والتقصير بفطنته وشهامته، وأنه من أهل سلامة القلوب والغرّة. وقيل: إنّ جماعة منهم ذمّوه صلوات الله عليه وسلامه وبلغه ذلك، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (في الإبقاء عليكم)، الجوهري: "أبقيت على فُلان: إذا أرعيت عليه ورحمته". قوله: (فسلم لهم قولهم فيه، إلا أنه فُسر بما هو مدح له وثناء عليه): يعني أنه من باب القول بالموجب، قال صاحب "الانتصاف": "ولا شيء أبلغ في الرد من هذا الأسلوب، لأن فيه إطماعاً في الموافقة، وكذا على إجابتهم بالإبطال، هو كالقول بالموجب في استعمال الفقهاء". وقلت: مثاله قولهم: الخيل يسابق عليها، فتجب الزكاة فيها كالإبل، فيُقال: مسلم في زكاة التجارة، أي: نحن نقول بموجبه في مال التجارة، والخلاف في زكاة العين. قوله: (بفطنته): صلة "التقصير"، وقوله: "وأنه من أهل سلامة القلوب": عطف على "المذمة"، المعنى: أنهم قصدوا بقولهم: (هُوَ أُذُنٌ) قلة فطنته وشهامته، وقصدوا به أنه ﷺ سليم القلب غر غير مُجرب الأمور. قوله: (وشهامته): شهم الرجل - بالضم- شهامة فهو شهم، النهاية: "كان شهماً، أي: نافذاً في الأمور ماضياً، والشهم: الذكي الفؤاد". قوله: (وقيل: إن جماعة منهم ذموه) عطف على قوله: "الأذن: الرجل الذي يصدق كل ما سمع ويقبل"، والفرق: أن على الأول المقول المتأذي منه لفظ (هُوَ أُذُنٌ)، لقوله: "وإيذاؤهم له هو قولهم فيه: هُوَ أُذُنٌ"، (وَيَقُولُونَ) في التنزيل عطف تفسير لقوله: (يُؤْذُونَ النَّبِيَّ).

стр. 3432

فاشتغلت قلوبهم فقال بعضهم: لا عليكم، فإنما هو أذن سامعة قد سمع كلام المبلغ فأذن، ونحن نأتيه فنعتذر إليه، فيسمع عذرنا أيضاً، فيرضى، فقيل: هو أذن خير لكم. وقرئ: "أذن خير لكم"؛ على أن "أذن" خبر مبتدأ محذوف، و"خير" كذلك، أي: هو أذن هو خير لكم، يعنى: إن كان كما تقولون فهو خير لكم، لأنه يقبل معاذيركم، ولا يكافئكم على سوء دخلتكم. وقرأ نافع بتخفيف الذال. فإن قلت: لم عدّى فعل الإيمان بالباء إلى الله، وإلى المؤمنين باللام؟ قلت: لأنه قصد التصديق بالله الذي هو نقيض الكفر به، فعدّي بالباء، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وعلى الثاني: المقول المتأذي منه غير مذكور، و (يُؤْذُونَ) معبر عنه، (وَيَقُولُونَ) عطف عليه، لقوله: "ذموه وبلغة ذلك" إلى قوله: "لا عليكم، فإنما هو أذن سامعة". قال الزجاج: "من المنافقين من كان يعيب رسول الله ﷺ ، ويقول: إن بلغه عني حلفت له وقبل مني، لأنه أذن يسمع العذر، فأعلم الله تعالى أنه أذن خير، أي: مستمع خير لكم، ثم بين ممن يقبل، فقال: (وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا)، أي: هو أذن خير لكم، لا أذن شر؛ يسمع ما أنزله الله عليه، فيصدق به، ويصدق المؤمنين فيما يخبرونه به، ورحمة للمؤمنين منكم"، ويعلم منه: أنه لا يقبل منهم، ولا يسمع عذرهم ولا يرحمهم، لأنهم ليسوا بمؤمنين. قوله: (وقرئ: "أذن خير لمك"): قال أبو البقاء: " (خيرٌ) على هذا صفة "أذن"، أي: أذن ذو خير، ويجوز أن يكون "خير" بمعنى "أفعل"، أي: أذن أكثر خيراً لكم". قوله: (سوء دخلتكم)، الأساس: "إنه لخبيث الدخلة وعفيف الدخلة، وهو باطن أمره، وأنا عالم بدخلة أمرك". الجوهري: "داخلة الرجل: باطن أمره، وكذلك الدخلة بالضم".

стр. 3433

وقصد السماع من المؤمنين، وأن يسلم لهم ما يقولونه، ويصدّقه، لكونهم صادقين عنده، فعدّى باللام، ألا ترى إلى قوله: (وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ) [يوسف: ١٧] ما أنبأه عن الباء. ونحوه: (فَما آمَنَ لِمُوسى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ) [يونس: ٨٣]، (أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ) (الشعراء: ١١١)، (قال آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ) [طه: ٧١]. فإن قلت: ما وجه قراءة ابن أبى عبلة: "ورحمة" بالنصب؟ قلت: هي علة معللها محذوف تقديره: "ورحمة لكم يأذن لكم"، فحذف لأنّ قوله: (أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ) يدل عليه. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وأن يسلم لهم ما يقولونه): أي: (وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ) مضمن معنى التسليم، فالأحسن أن يُضمن (يُؤْمِنُ بِاللَّهِ) معنى الوثوق والاعتراف، فيكون المعنى: هو أذن خير يسمع آيات الله ودلائله، فيعترف بصدقها ويشق بها، ويستمع إلى المسلمين، فيسلم لهم ما يقولون، ويصدقهم. وفيه تعريض بأن المنافقين أذن شر يسمعون آيات الله، ولا يثقون بها، فيعرضون عنها، ويسمعون قول المسلمين فلا يسلمون لهم قولهم، ولا يقبلون نصيحتهم. أو أن رسول الله ﷺ لا يقبل قول المنافقين، ولا يسمع إلى خداعهم، وهذا أوجه في الرد، أي: يقبل قول المسلمين ولا يقبل قول المنافقين. قوله: (ما أنباه): أي: ما أشده نبوا عن استعمال الباء، أي: ألا ترى إلى قوله: (وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا) [يوسف: ١٧] كيف كان بعيداً عن استعمال الباء، لأن قوله: (بِمُؤْمِنٍ لَنَا): بمصدق لنا، لقوله بعده: (وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ) [يوسف: ١٧].

стр. 3434

[(يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ) ٦٢]. (لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ) الخطاب للمسلمين، وكان المنافقون يتكلمون بالمطاعن، أو يتخلفون عن الجهاد، ثم يأتونهم فيعتذرون إليهم، ويؤكدون معاذيرهم بالحلف، ليعذروهم ويرضوا عنهم، فقيل لهم: إن كنتم مؤمنين كما تزعمون فأحق من أرضيتم: الله ورسوله بالطاعة والوفاق. وإنما وحد الضمير؛ لأنه لا تفاوت بين رضا الله ورضا رسوله ﷺ ، فكانا في حكم مرضىّ واحد، كقولك: إحسان زيد وإجماله نعشنى وجبر منى. أو: والله أحق أن يرضوه، ورسوله كذلك. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (الخطاب للمسلمين، وكان المنافقون) إلى آخره: بيان لكيفية الخطاب معهم. قوله: (وإنما وحد الضمير): جواب عن سؤال مقدر، وتقريره أن يُقال: لما كان (أَحَقُّ) خبراً عنهما، بمعنى: الله ورسوله أحق من غيرهما بالرضا، فكان الظاهر أن يثنى الضمير، ويقال: أن يرضوهما؟ فأجاب بقوله: "وإنما إلى آخره. قوله: (فانا في حكم مرضي واحد): قال أبو البقاء: "فعلى هذا (أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ) خبر عن الاسمين، لأن الرسول ﷺ قائم مقام الله، كقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ) [الفتح: ١٠] ". قوله: (نعشني): أي: قواني ورفعني. قوله: (أو: والله أحق أن يرضوه، ورسوله كذلك): قال أبو البقاء: " (وَاللَّهُ) مبتدأ و (أَحَقُّ) خبره، و (رَسُولَهُ) مبتدأ ثان وخبره محذوف، دل عليه الأول، وقال سيبويه: (أَحَقُّ) خبر "الرسول"، وخبر الأول محذوف، وهو أقوى؛ إذ لا يلزم منه التفريق بين

стр. 3435

[(أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِداً فِيها ذلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ) ٦٣]. المحادّة: مفاعلة من الحدّ، كالمشاقة من الشقّ، (فَأَنَّ لَهُ) على حذف الخبر، أى: فحق أن له (نارَ جَهَنَّمَ)، وقيل: معناه: فله، و"أنّ": تكرير، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المبتدأ وخبره، وفيه أيضاً أنه خبر الأقرب إليه، قال الشاعر: نحن بما عندنا وأنت بما … عندك راضٍ والرأي مختلف" قوله: (مفاعلة من الحد): قال الزجاج: "معناه: من يجانب الله ورسوله، أي: من يكون في حد، والله ورسوله في حد". الراغب: "الحد: الحاجز بين الشيئين الذي يمنع اختلاط أحدهما بالآخر، يُقال: حددت كذا: جعلت له حداً يميز، وحد الدار: ما تتميز به عن غيرها، وحد الشيء: الوصف المحيط بمعناه المميز له عن غره، قال تعالى: (وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ) [الطلاق: ١]، وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) [المجادلة: ٥ و ٢٠]، أي: يمانعون، فذلك إما باعتبار الممانعة وإما باستعمال الحديد". قوله: (وقيل: معناه: فله، و"أن" تكرير): أي: كرر "أنَّ" للتوكيد، قال صاحب "التقريب": وفيه نظر؛ إذ يلزم الفصل بين المؤكد والمؤكد بجملة الشرط، وإيقاع أجنبي بين فاء الجزاء وما في حيزه، ويشكل أيضاً نصب (نَارَ جَهَنَّمَ).
следующие страницы →