← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.

стр. 3431

مراعاة لما رأى الله من المصلحة في الإبقاء عليكم، فهو أذن كما قلتم، إلا أنه أذن خير لكم، لا أذن سوء، فسلم لهم قولهم فيه، لا أنه فسر بما هو مدح له وثناء عليه، وإن كانوا قصدوا به المذمّة والتقصير بفطنته وشهامته، وأنه من أهل سلامة القلوب والغرّة. وقيل: إنّ جماعة منهم ذمّوه صلوات الله عليه وسلامه وبلغه ذلك، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (في الإبقاء عليكم)، الجوهري: "أبقيت على فُلان: إذا أرعيت عليه ورحمته". قوله: (فسلم لهم قولهم فيه، إلا أنه فُسر بما هو مدح له وثناء عليه): يعني أنه من باب القول بالموجب، قال صاحب "الانتصاف": "ولا شيء أبلغ في الرد من هذا الأسلوب، لأن فيه إطماعاً في الموافقة، وكذا على إجابتهم بالإبطال، هو كالقول بالموجب في استعمال الفقهاء". وقلت: مثاله قولهم: الخيل يسابق عليها، فتجب الزكاة فيها كالإبل، فيُقال: مسلم في زكاة التجارة، أي: نحن نقول بموجبه في مال التجارة، والخلاف في زكاة العين. قوله: (بفطنته): صلة "التقصير"، وقوله: "وأنه من أهل سلامة القلوب": عطف على "المذمة"، المعنى: أنهم قصدوا بقولهم: (هُوَ أُذُنٌ) قلة فطنته وشهامته، وقصدوا به أنه ﷺ سليم القلب غر غير مُجرب الأمور. قوله: (وشهامته): شهم الرجل - بالضم- شهامة فهو شهم، النهاية: "كان شهماً، أي: نافذاً في الأمور ماضياً، والشهم: الذكي الفؤاد". قوله: (وقيل: إن جماعة منهم ذموه) عطف على قوله: "الأذن: الرجل الذي يصدق كل ما سمع ويقبل"، والفرق: أن على الأول المقول المتأذي منه لفظ (هُوَ أُذُنٌ)، لقوله: "وإيذاؤهم له هو قولهم فيه: هُوَ أُذُنٌ"، (وَيَقُولُونَ) في التنزيل عطف تفسير لقوله: (يُؤْذُونَ النَّبِيَّ).

стр. 3432

فاشتغلت قلوبهم فقال بعضهم: لا عليكم، فإنما هو أذن سامعة قد سمع كلام المبلغ فأذن، ونحن نأتيه فنعتذر إليه، فيسمع عذرنا أيضاً، فيرضى، فقيل: هو أذن خير لكم. وقرئ: "أذن خير لكم"؛ على أن "أذن" خبر مبتدأ محذوف، و"خير" كذلك، أي: هو أذن هو خير لكم، يعنى: إن كان كما تقولون فهو خير لكم، لأنه يقبل معاذيركم، ولا يكافئكم على سوء دخلتكم. وقرأ نافع بتخفيف الذال. فإن قلت: لم عدّى فعل الإيمان بالباء إلى الله، وإلى المؤمنين باللام؟ قلت: لأنه قصد التصديق بالله الذي هو نقيض الكفر به، فعدّي بالباء، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وعلى الثاني: المقول المتأذي منه غير مذكور، و (يُؤْذُونَ) معبر عنه، (وَيَقُولُونَ) عطف عليه، لقوله: "ذموه وبلغة ذلك" إلى قوله: "لا عليكم، فإنما هو أذن سامعة". قال الزجاج: "من المنافقين من كان يعيب رسول الله ﷺ ، ويقول: إن بلغه عني حلفت له وقبل مني، لأنه أذن يسمع العذر، فأعلم الله تعالى أنه أذن خير، أي: مستمع خير لكم، ثم بين ممن يقبل، فقال: (وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا)، أي: هو أذن خير لكم، لا أذن شر؛ يسمع ما أنزله الله عليه، فيصدق به، ويصدق المؤمنين فيما يخبرونه به، ورحمة للمؤمنين منكم"، ويعلم منه: أنه لا يقبل منهم، ولا يسمع عذرهم ولا يرحمهم، لأنهم ليسوا بمؤمنين. قوله: (وقرئ: "أذن خير لمك"): قال أبو البقاء: " (خيرٌ) على هذا صفة "أذن"، أي: أذن ذو خير، ويجوز أن يكون "خير" بمعنى "أفعل"، أي: أذن أكثر خيراً لكم". قوله: (سوء دخلتكم)، الأساس: "إنه لخبيث الدخلة وعفيف الدخلة، وهو باطن أمره، وأنا عالم بدخلة أمرك". الجوهري: "داخلة الرجل: باطن أمره، وكذلك الدخلة بالضم".

стр. 3433

وقصد السماع من المؤمنين، وأن يسلم لهم ما يقولونه، ويصدّقه، لكونهم صادقين عنده، فعدّى باللام، ألا ترى إلى قوله: (وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ) [يوسف: ١٧] ما أنبأه عن الباء. ونحوه: (فَما آمَنَ لِمُوسى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ) [يونس: ٨٣]، (أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ) (الشعراء: ١١١)، (قال آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ) [طه: ٧١]. فإن قلت: ما وجه قراءة ابن أبى عبلة: "ورحمة" بالنصب؟ قلت: هي علة معللها محذوف تقديره: "ورحمة لكم يأذن لكم"، فحذف لأنّ قوله: (أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ) يدل عليه. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وأن يسلم لهم ما يقولونه): أي: (وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ) مضمن معنى التسليم، فالأحسن أن يُضمن (يُؤْمِنُ بِاللَّهِ) معنى الوثوق والاعتراف، فيكون المعنى: هو أذن خير يسمع آيات الله ودلائله، فيعترف بصدقها ويشق بها، ويستمع إلى المسلمين، فيسلم لهم ما يقولون، ويصدقهم. وفيه تعريض بأن المنافقين أذن شر يسمعون آيات الله، ولا يثقون بها، فيعرضون عنها، ويسمعون قول المسلمين فلا يسلمون لهم قولهم، ولا يقبلون نصيحتهم. أو أن رسول الله ﷺ لا يقبل قول المنافقين، ولا يسمع إلى خداعهم، وهذا أوجه في الرد، أي: يقبل قول المسلمين ولا يقبل قول المنافقين. قوله: (ما أنباه): أي: ما أشده نبوا عن استعمال الباء، أي: ألا ترى إلى قوله: (وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا) [يوسف: ١٧] كيف كان بعيداً عن استعمال الباء، لأن قوله: (بِمُؤْمِنٍ لَنَا): بمصدق لنا، لقوله بعده: (وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ) [يوسف: ١٧].

стр. 3434

[(يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ) ٦٢]. (لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ) الخطاب للمسلمين، وكان المنافقون يتكلمون بالمطاعن، أو يتخلفون عن الجهاد، ثم يأتونهم فيعتذرون إليهم، ويؤكدون معاذيرهم بالحلف، ليعذروهم ويرضوا عنهم، فقيل لهم: إن كنتم مؤمنين كما تزعمون فأحق من أرضيتم: الله ورسوله بالطاعة والوفاق. وإنما وحد الضمير؛ لأنه لا تفاوت بين رضا الله ورضا رسوله ﷺ ، فكانا في حكم مرضىّ واحد، كقولك: إحسان زيد وإجماله نعشنى وجبر منى. أو: والله أحق أن يرضوه، ورسوله كذلك. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (الخطاب للمسلمين، وكان المنافقون) إلى آخره: بيان لكيفية الخطاب معهم. قوله: (وإنما وحد الضمير): جواب عن سؤال مقدر، وتقريره أن يُقال: لما كان (أَحَقُّ) خبراً عنهما، بمعنى: الله ورسوله أحق من غيرهما بالرضا، فكان الظاهر أن يثنى الضمير، ويقال: أن يرضوهما؟ فأجاب بقوله: "وإنما إلى آخره. قوله: (فانا في حكم مرضي واحد): قال أبو البقاء: "فعلى هذا (أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ) خبر عن الاسمين، لأن الرسول ﷺ قائم مقام الله، كقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ) [الفتح: ١٠] ". قوله: (نعشني): أي: قواني ورفعني. قوله: (أو: والله أحق أن يرضوه، ورسوله كذلك): قال أبو البقاء: " (وَاللَّهُ) مبتدأ و (أَحَقُّ) خبره، و (رَسُولَهُ) مبتدأ ثان وخبره محذوف، دل عليه الأول، وقال سيبويه: (أَحَقُّ) خبر "الرسول"، وخبر الأول محذوف، وهو أقوى؛ إذ لا يلزم منه التفريق بين

стр. 3435

[(أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِداً فِيها ذلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ) ٦٣]. المحادّة: مفاعلة من الحدّ، كالمشاقة من الشقّ، (فَأَنَّ لَهُ) على حذف الخبر، أى: فحق أن له (نارَ جَهَنَّمَ)، وقيل: معناه: فله، و"أنّ": تكرير، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المبتدأ وخبره، وفيه أيضاً أنه خبر الأقرب إليه، قال الشاعر: نحن بما عندنا وأنت بما … عندك راضٍ والرأي مختلف" قوله: (مفاعلة من الحد): قال الزجاج: "معناه: من يجانب الله ورسوله، أي: من يكون في حد، والله ورسوله في حد". الراغب: "الحد: الحاجز بين الشيئين الذي يمنع اختلاط أحدهما بالآخر، يُقال: حددت كذا: جعلت له حداً يميز، وحد الدار: ما تتميز به عن غيرها، وحد الشيء: الوصف المحيط بمعناه المميز له عن غره، قال تعالى: (وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ) [الطلاق: ١]، وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) [المجادلة: ٥ و ٢٠]، أي: يمانعون، فذلك إما باعتبار الممانعة وإما باستعمال الحديد". قوله: (وقيل: معناه: فله، و"أن" تكرير): أي: كرر "أنَّ" للتوكيد، قال صاحب "التقريب": وفيه نظر؛ إذ يلزم الفصل بين المؤكد والمؤكد بجملة الشرط، وإيقاع أجنبي بين فاء الجزاء وما في حيزه، ويشكل أيضاً نصب (نَارَ جَهَنَّمَ).

стр. 3436

لأن في قوله: (أَنَّهُ) تأكيداً، ويجوز أن يكون (فَأَنَّ لَهُ) معطوفا على (أنه)، على أن جواب (مَنْ) محذوف، تقديره: ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله يهلك فأن له نار جهنم. وقرئ: "ألم تعلموا" بالتاء. [(يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ) ٦٤] كانوا يستهزئون بالإسلام وأهله وكانوا يحذرون أن يفضحهم الله بالوحي فيهم، حتى قال بعضهم: والله لا أرانا إلا شر خلق الله، لوددت أنى قدمت فجلدت مئة جلدة، وأن لا ينزل فينا شيء يفضحنا. والضمير في (عليهم) و (تنبئهم للمؤمنين)، وفي (قلوبهم): للمنافقين، وصحّ ذلك؛ لأن المعنى يقود إليه، ويجوز أن تكون الضمائر للمنافقين، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قلت: قد سبق مراراً أن مثل هذا التأكيد مقحم بن الكلام، فلا يكون أجنبياً، قال أبو البقاء: "إنما كررت توكيداً، كقوله تعالى: (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ)، ثم قال: (إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) [النحل: ١١٩]، والفاء جواب الشرط". ومثله قول الحماسي: وإن امرأ دامت مواثيق عهده … على مثل هذا إنه لكريم وأما نصب "النار" فليس بمشكل؛ لأنها ليست بزائدة حتى لا تعمل، وفيه بحث. قوله: (ويجوز أن يكون (فأنَ له) معطوفاً على (أنَّه)) أي: ألم يعلموا هذا وهذا عقيبه أيضاً.

стр. 3437

لأن السورة إذا نزلت في معناهم فهي نازلة عليهم، ومعنى (تنبئهم بما في قلوبهم): ، كأنها تقول لهم: في قلوبكم كيت وكيت، يعنى: أنها تذيع أسرارهم عليهم حتى يسمعوها مذاعة منتشرة، فكأنها تخبرهم بها. وقيل: معنى (يحذر): الأمر بالحذر، أى ليحذر المنافقون. فإن قلت: الحذر واقع على إنزال السورة في قوله: (يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ)، فما معنى قوله (إن الله مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ)؟ قلت: معناه: محصل مبرز إنزال السورة. أو أنّ الله مظهر ما كنتم تحذرونه، أي تحذرون إظهاره من نفاقكم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كأنها تقول لهم: في قلوبكم كيت وكيت): هذا على أن تقع الاستعارة في الضمير المرفوع في (تُنَبِّئُهُمْ) على المكنية. قوله: (الحذر واقع على إنزال السورة): هذا إذا كان (يَحْذَرُ) على الإخبار، لأنه فعلٌ مضارع محكي عن شأنهم وعادته، ومن ثم قال: "وكانوا يحذرون أن يفضحهم الله"، وحاصل السؤال: أن الطباق هو أن يُقال: والله منزل ما يحذرونه، فكيف وضع موضعه (مُخْرجٌ)؟ وحاصل الجواب: أن الزيادة للمبالغة. قوله: (مُحصل مبرز إنزال السورة): فالمحذر منه - على هذا- إنزال السورة، والمراد بقوله: (اسْتَهْزِئُوا): هو ما في قلوبهم من النفاق، لأن المنافق مستهزئ، كما سبق في البقرة في قوله: (يُخَادِعُونَ اللَّهَ) [البقرة: ٩]: أنه تفسير لقوله: (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ) [البقرة: ٨]. قوله: (أو أن الله مظهر ما كنتم تحذرونه): فالمحذر منه إظهار النفاق، لأن قوله: "من نفاقم" بيان "ما كنتم تحذرونه"، أي: يكشف نفاقكم كشفاً تاماً، وهو ما قال في القصة

стр. 3438

[(وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ) ٦٥ - ٦٦]. بينا رسول الله ﷺ يسير في غزوة تبوك، وركب من المنافقين يسيرون بين يديه، فقالوا: انظروا إلى هذا الرجل، يريد أن يفتح قصور الشام وحصونه، هيهات هيهات، فأطلع الله نبيه ﵇ على ذلك فقال: "احبسوا علىّ الركب"، فأتاهم، فقال: "قلتم كذا وكذا"، فقالوا: يا نبي الله، لا والله ما كنا في شيء من أمرك، ولا من أمر أصحابك، ولكن كنا في شيء مما يخوض الركب فيه؛ ليقصر بعضنا على بعض السفر. (أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ) لم يعبأ باعتذارهم؛ لأنهم كانوا كاذبين فيه، فجعلوا كأنهم معترفون باستهزائهم، وبأنه موجود منهم، حتى وبخوا بأخطائهم موقع الاستهزاء، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الآتية: "فقال لهم: قلتم كذا وكذا، والدال على الكشف التام معنى قوله: (إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ)، أي: لابد أن يخرجه إخراجاً لا مزيد عليه، ما ظنكم بمخرج هو الله تعالى؟ ! قوله: (لم يعبأ باعتذارهم)، الجوهري: "ما عبأت بفلان عبأ، أي: ما باليتُ به"، واعتذارهم: هو قولهم: (إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ)، نُزِّلَ هذا الاعتذار منزلة اعترافهم بالاستهزاء لكونهم كاذبين فيه، كأنهم قالوا: نحن مستهزؤون، وهو المراد من قوله: "فجعلوا كأنهم معترفون باستهزائهم"، ولهذا قُدم المعمول على العامل. قوله: (حتى وبخوا بأخطائهم موقع الاستهزاء): أي: ليس مكان الاستهزاء الحاصل

стр. 3439

حيث جعل المستهزأ به يلي حرف التقرير، وذلك إنما يستقيم بعد وقوع الاستهزاء وثبوته. (لا تَعْتَذِرُوا): لا تشتغلوا باعتذاراتكم الكاذبة، فإنها لا تنفعكم بعد ظهور سركم، (قَدْ كَفَرْتُمْ): قد أظهرتم كفركم باستهزائكم (بَعْدَ إِيمانِكُمْ): بعد إظهاركم الإيمان، "إِنْ يعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ" بإحداثهم التوبة وإخلاصهم الإيمان بعد النفاق، "نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ" مصرين على النفاق غير تائبين منه، أو: "إن يعف عن طائفة منكم" لم يؤذوا رسول الله ﷺ ، ولم يستهزءوا فلم نعذبهم في العاجل، تعذب في الآجل طائفة بأنهم كانوا مجرمين مؤذين لرسول الله ﷺ مستهزئين. وقرأ مجاهد: "إن تعف عن طائفة" على البناء للمفعول مع التأنيث، والوجه التذكير، لأن المسند إليه الظرف، كما تقول: سير بالدابة، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ هذه المذكورات، لأن همزة التقرير، على سبيل التوبيخ، المصدرة على الجار والمجرور، المقدم على عامله: مؤذنة بأن الاستهزاء واقع لا محالة، لكن الخطأ في المستهزأ به، يعني: مكان الاستهزاء غير المذكورات، فأخطأتم حيث جعلتموها مكانه، قال صاحب "المفتاح": "لا يجوز بعدما عرفت أن التقديم يستدعي العلم بحال نفس الفعل وقوعاً: أزيداً ضربت، سائلاً عن حال وقوع الضرب، وذلك أن تقديم المفعول يستدعي حصول الفعل، كما عرفت في باب التقديم، وأن السؤال عن وقوع الضرب يستدعي عدم حصوله". هذا معنى قول المصنف: "وذلك إنما يستقيم بعد وقوع الاستهزاء وثبوته". قوله: (والوجه التذكير؛ لأن المسند إليه الظرف) إلى آخره: حكاية كلام ابن جني.

стр. 3440

ولا تقول: سيرت بالدابة، ولكنه ذهب إلى المعنى، كأنه قيل: إن ترحم طائفة، فأنث لذلك، وهو غريب، والجيد قراءة العامّة: "إن يعف عن طائفة"، بالتذكير، و"تعذب طائفة"، بالتأنيث. وقرئ: "إن يعف عن طائفة يعذب طائفة"، على البناء للفاعل، وهو الله . [(الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ * وَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ) ٦٧ - ٦٨]. (بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ) أريد به نفى أن يكونوا من المؤمنين، وتكذيبهم في قولهم: (وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ) [التوبة: ٥٦]، وتقرير قوله: (وَما هُمْ مِنْكُمْ) [التوبة: ٥٦]، ثم وصفهم بما يدل على مضادّة حالهم لحال المؤمنين: (يَامُرُونَ بِالْمُنْكَرِ): بالكفر والمعاصي، (وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ): عن الإيمان والطاعات، (وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ) شحا بالمبارّ والصدفات والإنفاق في سبيل الله. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وتكذيبهم في قولهم: (وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ) [التوبة: ٥٦]، وتقرير قوله: (وَمَا هُمْ مِنْكُمْ) [التوبة: ٥٦]): بيان لاتصال هذه الآية بما قبلها، وذلك أنه لما عد فضائح المنافين وحكى قبائحهم - من قوله: (وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوْ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ) [التوبة: ٤٢]، وقوله: (إِنَّمَا يَسْتَاذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) [التوبة: ٤٥]، وقوله: (ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي) [التوبة: ٤٩]، وقوله: (إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ) [التوبة: ٥٠]، وقوله: (قُلْ أَنفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً) [التوبة: ٥٣]، وقوله: (وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ) [التوبة: ٥٦]، وقوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ) [التوبة: ٥٨]، وقوله: (وَمِنْهُمْ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ) [التوبة: ٦١]، وقوله: (يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ) [التوبة: ٦٤]، خص من بين المذكورات ما هو أقبحها وأشنعها من الكذب المحض والزور البحت - وهو

стр. 3441

(نَسُوا اللَّهَ): أغفلوا ذكره، (فَنَسِيَهُمْ) فتركهم من رحمته وفضله، (هُمُ الْفاسِقُونَ): هم الكاملون في الفسق الذي هو التمرُّد في الكفر، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ) - بالرد بقوله: (وَمَا هُمْ مِنْكُمْ) [التوبة: ٥٦]، لأنه على منوال قوله: (آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ) [البقرة: ٨]، وأكد الرد بقوله: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ)، وعلله بقوله: (يَامُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمَعْرُوفِ). وفي تعليله بهذا الوصف، وتعليل قوله: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ) [التوبة: ٧١]: اعتناء عظيم واهتمام شديد بشأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي العود إلى تقرير الرد بعد الطول الدلالة على أن الكذب مناف للإيمان الذي هو التصديق، وهذا أقبح القبائح. قوله: ((الْفَاسِقُونَ) هم الكاملون في الفسق): يريد أن اللام في (الْفَاسِقُونَ) للجنس، فدل على كمال هذا المعنى فيهم، نظيره قوله تعالى: (وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ) [البقرة: ٥]، والكافر إذا وُصف بالفسق دل على المبالغة، ومن ثم قال: "هو التمرد في الكفر والانسلاخ عن كل خير"، ثم في وصف المنافقين بالفسق دل على المبالغة، ومن ثم قال: "هو التمرد في الكفر الانسلاخ عن كل خير"، ثم في وصف المنافقين بالفسق - والنفاق أوغل منه في الكفر - تعريض بالمؤمنين، وردع لهم عن الاتصاف بما يشاركون من تبوأ مقعده في الدرك الأسفل من النار، وإليه الإشارة بقوله: "وكفى المسلم زاجراً أن يُلم بما يكسبه هذا الاسم" وهو من باب قوله تعالى: (وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ) [فصلت: ٦ - ٧].

стр. 3442

والانسلاخ عن كل خير، وكفى المسلم زاجراً أن يلم بما يكسبه هذا الاسم الفاحش الذي وصف الله به المنافقين حين بالغ في ذمهم، وإذا كره رسول الله ﷺ للمسلم أن يقول: كسلت؛ لأن المنافقين وصفوا بالكسل في قوله: (كُسالى) [النساء: ١٤٢]، فما ظنك بالفسق! (خالِدِينَ فِيها): مقدّرين الخلود، (هِيَ حَسْبُهُمْ) دلالة على عظم عذابها، وأنه لا شيء أبلغ منه، وأنه بحيث لا يزاد عليه، نعوذ بالله من سخطه وعذابه، و (َلَعَنَهُمُ اللَّهُ): وأهانهم مع التعذيب، وجعلهم مذمومين ملحقين بالشياطين الملاعين، كما عظم أهل الجنة، وألحقهم بالملائكة المكرمين، (وَلَهُمْ عَذابٌ): ولهم نوع من العذاب سوى الصلي بالنار، ........ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. قوله: (وكفى المسلم زاجراً أن يلم بما يُكسبه هذا الاسم): "كفى": يتعدى إلى مفعولين. الجوهري: "كفاه مؤونته، وكفاك الشيء"، قال الله تعالى: (وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ) [الأحزاب: ٢٥]. الأساس: "ما فعل ذلك وما ألم وما كاد، وهذه ناقة قد ألمت للكبر، وألم بالأمر: لم يتعمق فيه، وألم بالطعام: لم يُسرف في أكله". قيل: يجوز أن يكون فاعل "كفى": "أن يُلم بما يكسبه"، و"زاجراً" تمييز مقدم على الفاعل، ونحوه قوله تعالى: (كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ) [الصف: ٣]، أي: كفى المسلم إلمامه بشيء يكسبه وصف المنافين زاجراً. والأولى أن فاعل "كفى" قوله تعالى: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمْ الْفَاسِقُونَ)، و"زاجراً" تمييز، و"أن يُلم" ثاني مفعولي "كفى"، ويجوز أن يُجعل "زاجراً" حالاً من الفاعل، وأن يُجعل ثاني مفعولي "كفى" وأن يتعلق "أن يُلم" بـ "زاجراً"، المعنى: كفى قوله تعالى: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمْ الْفَاسِقُونَ) المسلم زاجراً أن يقرب إلى ما يكسبه اسم الفسق. قوله: (ولهم نوع من العذاب) إلى آخره: يريد أنه تعالى لما وعد المنافقين والكفار بأن

стр. 3443

(مقيم): دائم كعذاب النار. ويجوز أن يريد: (ولهم عذاب مقيم) معهم في العاجل لا ينفكون عنه، وهو ما يقاسونه من تعب النفاق، والظاهر المخالف للباطن، خوفا من المسلمين، وما يحذرونه أبدا من الفضيحة ونزول العذاب إن اطلع على أسرارهم. [(كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوالاً وَأَوْلاداً فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ) ٦٩]. الكاف محلها رفع؛ على: أنتم مثل الذين من قبلكم، أو نصب؛ على: فعلتم مثل ما فعل الذين من قبلكم، وهو أنكم استمتعتم وخضتم كما استمتعوا وخاضوا، ونحوه قول النمر: كَالْيَوْمِ مَطْلُوباً وَلَا طَلبَا بإضمار: "لم أر". ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لهم نار جهنم خالدين، خص من الفريقين بالذكر المنافقين، وقدم الخبر على المبتدأ ونكره ووصفه بالمقيم؛ ليدل على أنهم اختصوا بعذاب لا يكتنه كنهه، ومع ذلك أنه مقيم خالد كالعذاب المذكور قبل. قوله: (كاليوم مطلوباً ولا طلبا): أوله: حتى إذا الكلابُ قال لها

стр. 3444

وقوله: (كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً) تفسير لتشبيههم بهم، وتمثيل فعلهم بفعلهم، و"الخلاق": النصيب، وهو ما خلق للإنسان، أي: قدّر من خير، كما قيل له: "قسم"؛ لأنه قسم، و"نصيب"، لأنه نصب، أي: أثبت، و"الخوض": الدخول في الباطل واللهو، (كَالَّذِي خاضُوا): كالفوج الذي خاضوا، وكالخوض الذي خاضوا ....... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يصف ثور وحش وكلاباً، أي: قال الكلاب لها، أي: لأجل الكلاب، يريد بالمطلوب: الثور، وبالطلب: الكلاب، وهو جمع طالب، كخدم وخادم، أي: الثور يجد في الفرار، والكلاب لا تجد في الطلب، الكاف في "كاليوم" في موضع الحال، وصاحبها المفعول به، وهو "مطلوباً"، فصارت حالاً، ثم حذف المضاف إليه مع صفته الذي هو "أراه"، وأقيم الظرف مقامه، فصار الكلام ما ترى. قوله: (تفسير لتشبيههم بهم، وتمثيل فعلهم بفعلهم): يعني: قوله تعالى: (كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) تشبيه مبهم، لم يُعلم أنهم فيم شُبهوا بمن قبلهم؟ فبين بقوله: (كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً) إلى آخر الآية وجه الشبه، وهو القوة والمال، والتشبيه تمثيلي؛ لِمَا فيه من تشبيه حال المخاطبين بحالهم، وكان أصل الكلام: أنتم كالذين من قبلكم ذوي قوة وشدة وأصحاب أموال، أبطرتهم قوتهم وأموالهم حتى اشتغلوا بما أوتوا من حظوظ الدنيا وشهواتها، عن طلبا لفوز برضوان الله، فبطل ما كانوا فيه، وخسروا خسراناً مبيناً. قوله: ((كَالَّذِي خَاضُوا): الفوج الذين خاضوا): قدر "الفوج" ليطابق المشبه به، قال أبو البقاء: " (الذي) فيه وجهان: أحدهما: أنه جنس، أي: خوضاً كخوض الذين خاضوا، والثاني: أن "الذي" هاهنا مصدرية، أي كخوضهم، وهو نادر".

стр. 3445

فإن قلت: أي فائدة في قوله: (فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ) وقوله: (كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ) مغن عنه، كما أغنى قوله: (كَالَّذِي خاضُوا) عن أن يقال: وخاضوا فخضتم كالذي خاضوا؟ قلت: فائدته أن يذم الأوّلين بالاستمتاع بما أوتوا من حظوظ الدنيا، ورضاهم بها، والتهائهم بشهواتهم الفانية، عن النظر في العاقبة، وطلب الفلاح في الآخرة، وأن يخسس أمر الاستمتاع ويهجن أمر الرضا به، ثم يشبه بعد ذلك حال المخاطبين بحالهم، كما تريد أن تنبه بعض الظلمة على سماجة فعله، فتقول: أنت مثل فرعون، كان يقتل بغير جرم، ويعذب، ويعسف، وأنت تفعل مثل فعله. وأما (وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا) فمعطوف على ما قبله، مستند إليه، مستغن باستناده إليه عن تلك التقدمة. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أي فائدة في قوله: (فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ): تلخيص السؤال: أن هاهنا تشبيهين؛ أحدهما يجري على ظاهره، وهو قوله: (وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا)، وثانيهما فيه إطناب، لأن أصله فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم، فأي فائدة في زيادة (فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ)؟ وأجاب: أن هذه الزيادة كالتوطئة والتمهيد للتمثيل؛ لمزيد تقبيح الاستمتاع بشهوات الدنيا ولذاتها، وتوطين ذلك في قلب السامع إجمالاً وتفصيلاً، فيقدر مثله للتمثيل الثالث؛ لونه معطوفاً عليه، ويمكن أن يقال: التمثيل الثاني كالمفرع على الأول بشهادة الفاءين للإيذان بأن "حب الدنيا رأس كل خطيئة". قوله: (والتهائهم بشهواتهم)، الجوهري: "لهوت بالشيء ألهو لهواً: إذا لعبت به، ولهيت عنه - بالكسر- ألهى لهياً ولهياناً: إذا سلوت عنه وتركت ذكره".

стр. 3446

(حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ) نقيض قوله: (وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) [العنكبوت: ٢٧]. [(أَلَمْ يَاتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ وَأَصْحابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) ٧٠]. (وَأَصْحابِ مَدْيَنَ): وأهل مدين، وهم قوم شعيب، (وَالْمُؤْتَفِكاتِ): مدائن قوم لوط، وقيل: قريات قوم لوط وهود وصالح، وائتفاكهنّ: انقلاب أحوالهنّ عن الخير إلى الشر، (فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ): فما صحّ منه أن يظلمهم، وهو حكيم، لا يجوز عليه القبيح وأن يعاقبهم بغير جرم، ولكن ظلموا أنفسهم حيث كفروا به فاستحقوا عقابه. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وائتفاكهن انقلاب أحوالهن عن الخير إلى الشر): الائتفاك في الأصل: "الانقلاب، وحقيقته: أن يُجعل الشيء عاليه سافله، ثم يُستعار لانقلاب الأحوال عن الخير على الشر، فإذا حُمل "المؤتفكات" على مدائن قوم لوط فالانقلاب على حقيقته، وإذا حُمل على العموم فالانقلاب مجاز، لأن كل القريات ما انقلبت عاليها سافلها. قوله: (فما صح منه أن يظلمهم، وهو حكيم لا يجوز عليه القبيح): مذهبه، قال القاضي: "معناه: لم يكن من عادته تعالى ما يُشابه ظُلم الناس، كالعقوبة بلا جُرم".

стр. 3447

[(وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) ٧١ - ٧٢]. (بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ) في مقابلة قوله في المنافقين: (بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ) [التوبة: ٦٧]. (سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ) السين مفيدة وجود الرحمة لا محالة، فهي تؤكد الوعد، كما تؤكد الوعيد في قولك: سأنتقم منك يوماً، تعنى: أنك لا تفوتني وإن تباطأ ذلك، ونحوه (سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا) (مريم: ٩٦)، (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى) [الضحى: ٥]، (سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ) [النساء: ١٥٢]. (عَزِيزٌ): غالب على كل شيء قادر عليه، فهو يقدر على الثواب والعقاب، (حَكِيمٌ): واضع كلا موضعه على حسب الاستحقاق. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. قوله: ((بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) في مقابلة قوله في المنافقين): فيكون "يقبضون أيديهم" [التوبة: ٦٧] المعبرُ عن البُخل في مقابلة (وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ)، و (نَسُوا اللَّهَ) [التوبة: ٦٧] في مقابلة (وَيُطِيعُونَ اللَّهَ)، والوعيد في مقابلة الوعد. قوله: (فهي تؤكد الوعد كما تؤكد الوعيد): قال صاحب "التقريب": "وفيه نظر". والجواب: أن المقصود بالتأكيد أن السين في الإثبات مقابلة "لن" في النفي، فتكون بهذا الاعتبار تأكيداً.

стр. 3448

(وَمَساكِنَ طَيِّبَةً): عن الحسن: قصوراً من اللؤلؤ والياقوت الأحمر والزبرجد، و (عَدْنٍ) علم، بدليل قوله: (جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ) [مريم: ٦١]، ويدل عليه ما روى أبو الدرداء، عن رسول الله ﷺ "عدن: دار الله التي لم ترها عين، ولم تخطر على قلب بشر، لا يسكنها غير ثلاثة: النبيون، والصدّيقون، والشهداء، يقول الله تعالى: طوبى لمن دخلك"، وقيل: هي مدينة في الجنة، وقيل: نهر جناته على حافاته. (وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ): وشيء من رضوان الله أكبر من ذلك كله، لأنّ رضاه هو سبب كل فوز وسعادة، ولأنهم ينالون برضاه عنهم تعظيمه وكرامته، والكرامة أكبر أصناف الثواب، ولأن العبد إذا علم أن مولاه راض عنه فهو أكبر في نفسه مما وراءه من النعم، وإنما تتهنأ له برضاه، كما إذا علم بسخطته تنغصت عليه، ولم يجد لها لذة وإن عظمت. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (بدليل قوله: (جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ) [مريم: ٦١]: أي: بدليل وصفها بالمعرفة. قوله: (وشيء من رضوان الله أكبر): قال صاحب "المفتاح": "قال: (وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ) دون أن يقول: ورضوان الله أكبر، قصداً إلى إفادة: قدر يسير من رضوانه خير من ذلك كله". الراغب: "رضي يرضى رضاً فهو مرضى ومرضو، رضا العبد عن الله: أن لا يكره ما يجري به قضاؤه، ورضا الله عن العبد: هو أن يراه مؤتمراً لأمره، ومنتهياً عن نهيه. والرضوان: الرضا الكثير، ولما كان أعظم الرضا رضا الله خُص لفظ "الرضوان" في القرآن بما كان من الله تعالى". قوله: (تتهنأ له): الضمير الفاعل راجع إلى "النعم"، أي: إنما يمرى النعيم والتطيب للعبد بواسطة رضاه وعلمه أنه تعالى راض عنه.

стр. 3449

وسمعت بعض أولى الهمة البعيدة، والنفس المرّة من مشايخنا، يقول: لا تطمح عيني، ولا تنازع نفسي إلى شيء مما وعد الله في دار الكرامة، كما تطمح وتنازع إلى رضاه عنى، وأن أحشر في زمرة المهديين المرضيين عنده. (ذلِكَ) إشارة إلى ما وعد الله، أو إلى الرضوان، أي (هو الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) وحده دون ما يعدّه الناس فوزاً. وروى: "أن الله يقول لأهل الجنة: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك، فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك، قالوا: وأي شيء أفضل من ذلك؟ قال: أُحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبدا". [(يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَاواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) ٧٣]. (جهِدِ الْكُفَّارَ) بالسيف، (وَالْمُنافِقِينَ) بالحجة، (وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) في الجهادين جميعاً، ولا تحابهم، وكل من وقف منه على فساد في العقيدة: فهذا الحكم ثابت فيه، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. قوله: (بعض أولي الهمة البعيدة): قيل: عني به عبد السيد الخطيبي أخا صاعد. قوله: (والنفس المرة)، الجوهري: "المرة: القوة وشدة العقل أيضا". قوله: (هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى)، الحديث: مخرج في "الصحيحين" عن أبي سعيد. "أُحل عليكم رضواني"، أي: أوجب. الجوهري: "حل العذاب يحل - بالكسر -: وجب، ويحل - بالضم-: نزل، وقرئ بهما قوله تعالى: (فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي) [طه: ٨١] ". قوله: (وكل من وقف منه على فساد في العقيدة: فهذا الحكم ثابت فيه): اعتبر في قوله:

стр. 3450

يجاهد بالحجة، وتستعمل معه الغلظة ما أمكن منها، عن ابن مسعود: إن لم يستطع بيده فبلسانه، فإن لم يستطع فليكفهرّ في وجهه، فإن لم يستطع فبقلبه"، يريد الكراهة والبغضاء والتبرأ منه. وقد حمل الحسن جهاد المنافقين على إقامة الحدود عليهم إذا تعاطوا أسبابها. [(يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وَما نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) ٧٤]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (جَاهِدِ) اشتراكا معنوياً، وحمله على المعاني المختلفة للقدر المشترك، وهو التغليب على المخالف لإظهار الحق، وفيما ورد عليه الأمر من الكفر والنفاق اعتبر معنى فساد العقيدة لكون العلة الباعثة على الجهاد مشتركة أيضاً. قوله: (فليكفر في وجهه)، الجوهري: "اكفهر الرجل: إذا عبس، ونمه قول ابن مسعود: "إذا لقيت الكافر فالقه بوجه مكفهر"، أي: لا تلقه بوجه منبسط". ويشبه كلام ابن مسعود: ما روينا عن مسلم والترمذي وأبي داود والنسائي عن أبي سعيد، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبهن وذلك أضعف الإيمان".

стр. 3451

أقام رسول الله ﷺ في غزوة تبوك شهرين ينزل عليه القرآن، ويعيب المنافقين المتخلفين فيسمع من معه منهم، منهم الجلاس بن سويد، فقال الجلاس: إن كان ما يقول محمد حقاً لإخواننا الذين خلفناهم، وهم ساداتنا وأشرافنا، فنحن شر من الحمير، فقال عامر بن قيس الأنصاري للجلاس: أجل، والله إنّ محمداً صادق، وأنت شرّ من الحمار! وبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فاستحضر فحلف بالله ما قال، فرفع عامر يده، فقال: اللهم أنزل على عبدك ونبيك تصديق الكاذب وتكذيب الصادق، فنزل: (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا) فقال الجلاس: يا رسول الله، عرض الله علىّ التوبة، والله لقد قلته، وصدق عامر، فتاب الجلاس وحسنت توبته. (وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ) وأظهروا كفرهم بعد إظهارهم الإسلام، (وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا) وهو الفتك برسول الله ﷺ ، وذلك عند مرجعه من تبوك، توافق خمسة عشر منهم على أن يدفعوه عن راحلته إلى الوادي، إذا تسنم العقبة بالليل، فأخذ عمار بن ياسر بزمام راحلته يقودها، وحذيفة خلفها يسوقها، فبينما هما كذلك إذ سمع حذيفة بوقع أخفاف الإبل وبقعقعة السلاح، فالتفت فإذا قوم متلثمون، فقال: إليكم إليكم يا أعداء الله! فهربوا. وقيل: همّ المنافقون بقتل عامر لردّه على الجلاس. وقيل: أرادوا أن يتوّجوا عبد الله بن أبىّ وإن لم يرض رسول الله ﷺ . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (تصديق الكاذب وتكذيب الصادق): يُريد: أنزل تصديقي في حقيقة الأمر، وإن كنت كاذباً عند الناس لحلف الجلاس، وأنزل تكذيبه في حقيقة الأمر، وإن كان صادقاً عند الناس لحلفه، فسمي نفسه الكاذب لظاهر حاله، وخصمه الصادق لذلك، تحريره: أنزل في شأن من كذب وهو مصدق، ومن صدق وهو مكذب.

стр. 3452

(وَما نَقَمُوا): وما أنكروا وما عابوا، (إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ) وذلك أنهم كانوا حين قدم رسول الله ﷺ المدينة في ضنك من العيش، لا يركبون الخيل، ولا يحوزون الغنيمة، فأثروا بالغنائم، وقتل للجلاس مولى، فأمر رسول الله ﷺ بديته اثنى عشر ألفاً فاستغنى. (فَإِنْ يَتُوبُوا) هي الآية التي تاب عندها الجلاس، (فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ) بالقتل والنار. [(وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ) ٧٥ - ٧٧]. روى: أنّ ثعلبة بن حاطب قال: يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني مالا، فقال عليه والسلام: "يا ثعلبة"، قليل تؤدّى شكره خير من كثير لا تطيقه". فراجعه وقال: والذي بعثك بالحق، لئن رزقني الله مالا لأعطينّ كل ذى حق حقه، فدعا له، فاتخذ غنما، فنمت كما ينمى الدود، حتى ضاقت بها المدينة، فنزل واديا، وانقطع عن الجماعة والجمعة، فسأل عنه رسول الله ﷺ فقيل: كثر ماله حتى لا يسعه واد! فقال: "يا ويح ثعلبة! ". ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فأثروا بالغنائم): أي: صاروا أغنياء، الجوهري: ""أثرى الرجل: إذا كثر ماله". قوله: (اثني عشر ألفاً): قيل: يجوز أن تكون زيادة الألفين شنقاً، كانوا يعطون الدية ويتكرمون بزيادة عليها ويسمونها شنقاً. الجوهري: "الشنق: ما دون الدية، وذلك أن يسوق ذو الحمالة الدية كاملة، فإذا كانت معهاديات جراحات، فتلك تُسمى الأشناق، كأنها متعلقة بالدية العظمى". قوله: (يا ويح ثعلبة! ): مختصر من قصته مذكور في "الاستيعاب". النهاية: "ويح:

стр. 3453

فبعث رسول الله ﷺ مصدّقين لأخذ الصدقات، فاستقبلهما الناس بصدقاتهم، ومرّا بثعلبة فسألاه الصدقة، وأقرآه كتاب رسول الله ﷺ الذي فيه الفرائض، فقال: ما هذه إلا جزية! ما هذه إلا أخت الجزية! وقال: ارجعا حتى أرى رأيى، فلما رجعا قال لهما رسول الله ﷺ : "يا ويح ثعلبة! " مرّتين، فنزلت، فجاءه ثعلبة بالصدقة، فقال: إنّ الله منعني أن أقبل منك"، فجعل التراب على رأسه، فقال: "هذا عملك، قد أمرتك فلم تطعني". فقبض رسول الله ﷺ ، فجاء بها إلى أبى بكر ﵁ فلم يقبلها، وجاء إلى عمر رضى الله عنه في خلافته فلم يقبلها، وهلك في زمان عثمان ﵁. وقرئ: "لنصدقن ولنكونن" بالنون الخفيفة فيهما، (مِنَ الصَّالِحِينَ) قال ابن عباس ﵁: يريد الحج. (فَأَعْقَبَهُمْ): عن الحسن وقتادة: أنّ الضمير للبخل، يعنى: فأورثهم البخل، (نِفاقاً) متمكنا (فِي قُلُوبِهِمْ) لأنه كان سببا فيه وداعياً إليه، والظاهر أن الضمير لله ، والمعنى: فخذلهم حتى نافقوا وتمكن في قلوبهم نفاقهم، فلا ينفك عنها إلى أن يموتوا بسبب إخلافهم ما وعدوا الله من التصدّق والصلاح، ......... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كلمة ترحم وتوجع، تقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها، وهي منصوبة على المصدر". قوله: (هذا عملك): أي منع الله إياي قبول صدقتك جزاء عملك. قوله: (يريد الحج): يعني: عطف (وَلَنَكُونَنَّ مِنْ الصَّالِحِينَ) على (لَنَصَّدَّقَنَّ) - بعد قوله: (لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ) -: يُفيد الصلاح في المال، والصلاح في المال بعد الصدقة هو النفقة في الحج والغزو.

стр. 3454

وكونهم كاذبين، ومنه: جعل خلف الوعد ثلث النفاق. وقرئ: "يكذبون" بالتشديد، و"ألم تعلموا" بالتاء، عن علىّ ﵁. [(أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ) ٧٨]. (سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ): ما أسرّوه من النفاق والعزم على إخلاف ما وعدوه، وما يتناجون به فيما بينهم؛ من المطاعن في الدين، وتسمية الصدقة جزية، وتدبير منعها. [(الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) ٧٩]. (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ) محله النصب أو الرفع على الذمّ، ويجوز أن يكون في محل الجرّ بدلا من الضمير في (سرهم ونجواهم) [التوبة: ٨٧]، وقرئ: "يلمزون"، بالضم (الْمُطَّوِّعِينَ): المتطوّعين المتبرعين. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ومنه جُعل خُلفُ الوعدِ ثلث النفاق): أي: من أجل أن خُلفَ الوعد سببٌ لإعقاب النفاق قبل: خُلفُ الوعد ثلث النفاق، لمح إلى قوله ﷺ : "آية المنافق ثلاثة: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر"، وفي رواية: "وإذا اؤتمن خان"، أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة. ويمكن أن تستنبط الخلال كلها من الآية، فالعهد من قوله: (عَاهَدَ اللَّهَ)، والوعد من قوله: (وَلَنَكُونَنَّ مِنْ الصَّالِحِينَ)، والكذب من قوله: (وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ).

стр. 3455

روي: أنّ رسول الله ﷺ حثّ على الصدقة، فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعين أوقية من ذهب، وقيل: بأربعة آلاف درهم، وقال: كان لي ثمانية آلاف، فأقرضت ربى أربعة، وأمسكت أربعة لعيالي، فقال له رسول الله ﷺ : "بارك الله لك فيما أعطيت وفيما أمسكت"، فبارك الله له حتى صولحت تماضر امرأته عن ربع الثمن على ثمانين ألفاً، وتصدّق عاصم بن عدىّ بمئة وسق من تمر، وجاء أبو عقيل الأنصاري ﵁ بصاع من تمر، فقال: بت ليلتي أجرّ بالجرير على صاعين، فتركت صاعا لعيالي، وجئت بصاع، فأمره رسول الله ﷺ أن ينثره على الصدقات، فلمزهم المنافقون، فقالوا: ما أعطى عبد الرحمن وعاصم إلا رياء، وإن كان الله ورسوله لغنيين عن صاع أبى عقيل، ولكنه أحب أن يذكر بنفسه ليعطى من الصدقات، فنزلت. (إِلَّا جُهْدَهُمْ): إلا طاقتهم، قرئ بالفتح والضم، (سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ) كقوله: (الله يستهزئ بهم) [البقرة: ١٥] في أنه خبر غير دعاء، ألا ترى إلى قوله: (وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (صولحت تماضر امرأته عن ربع الثمن على ثمانين ألفاً): القصة مذكورة في "الاستيعاب"، وعلى تقدير أن تكون ثمانين ألفاً تمام حصتها، يكون مجموع المال ألفا ألفٍ وخمسُ مئة ألف وستون ألفاً. قوله: (أجر بالجرير): الجرير: حبل يجر البعير به، بمنزلة العذار للدابة غير الزمام. النهاية: " (أن رجلاً يجر الجرير، فأصاب صاعين من تمر، فتصدق بأحدهما)؛ يريد أنه كان يستقي الماء بحبل". قوله: (ألا ترى إلى قوله: (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)): أي: عطف قوله: (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)

стр. 3456

[(اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ) ٨٠] سأل عبد الله بن عبد الله بن أبىّ رسول الله ﷺ ، وكان رجلا صالحا: أن يستغفر لأبيه في مرضه، ففعل، فنزلت، فقال رسول الله ﷺ "إنّ الله قد رخص لي، فسأزيد على السبعين"، فنزلت: (سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ) [المنافقون: ٦]. وقد ذكرنا أن هذا الأمر في معنى الخبر، كأنه قيل: لن يغفر الله لهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم، وإن فيه معنى الشرط، وذكرنا النكتة في المجيء به على لفظ الأمر، والسبعون جار مجرى المثل في كلامهم للتكثير، قال علىّ بن أبى طالب ﵁: لَأَصْبَحَنَّ الْعَاصِ وَابْنَ الْعَاصِي … سَبْعِينَ ألْفاً عَاقِدِي النَّوَاصِي ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ على قوله: (سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ)، ولو كان (سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ) دعاء، لزم عطف الخبري على الطلبين وإنما خولف بين المعطوف والمعطوف عليه بالجملة الاسمية والفعلية، ليؤذن أن العذاب الأليم وعيد دائم، وأما استهزاء الله إياهم فعلى التجدد، كما قال: (أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ) [التوبة: ١٢٦]، أو أن السخرية قد حصلت لهم في الدنيا، والعذاب الأليم كائن في الآخرة على الدوام. قوله: (وقد ذكرنا أن هذا الأمر في معنى الخبر): يعني: في قوله تعالى: (قُلْ أَنفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ) [التوبة: ٥٣]، لنكتة فيه، وهي أن المعنى: استغفر لهم أو لا تستغفر لهم، وانظر هل ترى اختلافاً بين حال الاستغفار وتركه. قوله: (لأصبحن العاص) البيت: "لأصبحن": من الصبح، أي: لأعطين الصبوح، يُقال في الحرب: صبحناهم، أي: عاديناهم بالخيل، ويوم الصباح: يوم الغارة، يريد بـ"العاص":

стр. 3457

فإن قلت: كيف خفي على رسول الله ﷺ ، وهو أفصح العرب وأخبرهم بأساليب الكلام وتمثيلاته، والذي يفهم من ذكر هذا العدد كثرة الاستغفار، كيف وقد تلاه بقوله: (ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا) الآية، فبين الصارف عن المغفرة لهم، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الذي عصاه، و"ابن العاص": بيان له، وهو عمرو بن العاص، "سبعين ألفاً": أي: من الجيش، "عاقدي النواصي": أي: نواصي خيلهم، والعاقد بمعنى المعقود. رُوي عن علي بن عيسى أنه قال: العرب تبالغ بالسبع وبالسبعين، لأن التعديل في نصف العقد، وهو خمسة، وإذا زيد عليها واحدٌ كان لأدنى المبالغة، وإذا زيد اثنان كان لأقصى المبالغة، ولذلك قالوا للأسد: سبع، لأنه قد ضُوعف قوته سبع مرات. وقال القاضي: "قد شاع استعمال السبعة والسبعين والسبع مئة ونحوها في التكثير، لاشتمال السبعة على جملة أقسام العدد، فكأنه العدد بأسره". وقال صاحب "الإيجاز": "السبعة أكمل الأعداد بجمعها معاني الأعداد، لأن الستة أو لعدد تام، لأنها تُعادل أجزاءها، إذ نصفها ثلاثة، وثلثها اثنان، وسدسها واحد، وجُملتها ست، وهي مع الواحدة سبع، فكانت كاملة، إذ ليس بعد التمام سوى الكمال، ولعل واضع اللغة سمي الأسد سبعاً لكمال قوتهن كما أنه أسد لإساده في السير، ثم "سبعون" غاية الغاية، إذ الآحاد غايتها العشرات، فكان المعنى: أنه لا يُغفر لهم، وإن استغفرت أبداً". قوله: (كيف خفي): أي: هذا المعنى، وهو أن السبعين مثل في التكثير.

стр. 3458

حتى قال: "قد رخص لي ربى، فسأزيد على السبعين"؟ قلت: لم يخف عليه ذلك، ولكنه خيل بما قال إظهاراً لغاية رحمته ورأفته على من بعث إليه، كقول إبراهيم ﵇: (وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [إبراهيم: ٣٦]، وفي إظهار النبي ﷺ الرأفة والرحمة: لطف لأمّته ودعاء لهم إلى ترحم بعضهم على بعض. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. قوله: (قد رخص لي ربي، فسأزيد على السبعين): قال في "الانتصاف": "أنكر القاضي حديث الاستغفار ولم يصححه، وقبله قوم، وجعلوه عمدة مفهوم المخالفة". وقلت: إنما ينكره من لا يد له في علم الحديث، والحديث رواه البخاري ومسلم وابن ماجه والنسائي عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ لعمر ﵁: "إنما خيرني الله تعالى، فقال: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ) الآية، وسأزيد على السبعين". قوله: (ولكنه خيل بما قال): أي: صور في خياله أو في خيال السامع ظاهر اللفظ -وهو العدد المخصوص-، دون المعنى الخفي المراد- وهو التكثير-، كما أن إبراهيم ﵇ ما

стр. 3459

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عد عصيانه- في قوله: (وَمَنْ عَصَانِي) - عصيان الله المراد منه عبادة الأصنام لدلالة السياق، كما سيجيء، فعقبه بقوله: (فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [إبراهيم: ٣٦]، لغاية رحمته ورأفته على أمته، وهو من أسلوب التورية، وهو أن يطلق لفظ له معنيان: قريب وبعيد، فيراد البعيد منهما، كقول القبعثري - في جواب الحجاج: "لأحملنك على الأدهم"-: "مثل الأمير حمل على الأدهم والأشهب"، أبرز الوعيد في معرض الوعد. قال القاضي: "فهم رسول الله ﷺ من "السبعين" العدد المخصوص؛ لأنه الأصل، فجوز أن يكون ذلك حداً يخالفه حكم ما وراءه، وقوله: (وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) كالتنبيه على عذر الرسول ﷺ في استغفاره، وهو عدم يأسه من إيمانهم ما لم يعلم أنهم مطبوعون على الضلالة، والممنوع هو الاستغفار بعد العلم، لقوله تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) [التوبة: ١١٣] ".

стр. 3460

[(فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ) ٨١]. (الْمُخَلَّفُونَ): الذين استأذنوا رسول الله ﷺ من المنافقين، فأذن لهم وخلفهم في المدينة في غزوة تبوك، أو الذين خلفهم كسلهم ونفاقهم والشيطان، ب (ِمَقْعَدِهِمْ): بقعودهم عن الغزو، (خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ): خلفه، يقال: أقام خلاف الحي، بمعنى: بعدهم، ظعنوا ولم يظعن معهم، وتشهد له قراءة أبى حيوة: "خلف رسول الله"، وقيل: هو بمعنى المخالفة لأنهم خالفوه حيث قعدوا ونهض، وانتصابه على أنه مفعول له أو حال، أى قعدوا لمخالفته أو مخالفين له. (أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ) تعريض بالمؤمنين، وبتحملهم المشاق العظام لوجه الله تعالى، وبما فعلوا من بذل أموالهم وأرواحهم في سبيل الله تعالى، وإيثارهم ذلك على الدعة والخفض، وكره ذلك المنافقون، وكيف لا يكرهونه وما فيهم ما في المؤمنين من باعث الإيمان وداعي الإيقان؟ ! ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وانتصابه على أنه مفعول له): قال أبو البقاء: "و (خِلافَ) ظرف بمعنى: خلف، أي: بعد، والعامل فيه "مقعد" أو (فَرِحَ)، وقيل: هو مفعول من أجله، فعلى هذا هو مصدر، أي: لمخالفته، وقيل: هو مصدر دل عليه الكلام، لأن مقعدهم عنه تخلف". قوله: ((أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ) تعريض بالمؤمنين): يعني: في ذكر المجاهدة بالأموال والأنفس تعريض بالمؤمنين ومدح لهم، وذم للمنافقين. قوله: (وبما فعلوا من بذل أموالهم وأرواحهم) إلى آخره: عطف تفسيري على قوله: "وبتحملهم المشاق العظام لوجه الله"، وهو على هذا تفسير لقوله: "بالمؤمنين أيضاً". قوله: (وكره ذلك): المشار إليه هو المذكور من بذل الأموال والإيثار. و"كرِهَ": إما حال من فاعل "فعلوا"، و"قد" مُقدرة، أو من الراجع المنصوب إلى "ما".

стр. 3461

(قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا) استجهال لهم، لأن من تصوّن من مشقة ساعة، فوقع بسبب ذلك التصوّن في مشقة الأبد، كان أجهل من كل جاهل، ولبعضهم: مَسَرَّةُ أحْقَابٍ تَلَقَّيْتُ بَعْدَهَا … مَسَاءَةَ يَوْمٍ أرْيُهَا شِبْهُ الصَّابِ فَكَيْفَ بِأَنْ تَلْقَى مَسرَّةَ سَاعَةٍ … وَرَاءَ تَقَضِّيهَا مَسَاءَةُ أحْقَابِ [(فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ) ٨٢]. معناه: فسيضحكون قليلا، ويبكون كثيرا (جَزاءً)، إلا أنه أخرج على لفظ الأمر، للدلالة على أنه حتم واجب لا يكون غيره، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (استجهال لهم): يعني نظروا إلى هذا الحر النزر، غفلوا عن تلك النار التي لا تقاس حرارتها بشيء من النيران، بله حر القيظ، ومن تصون من مشقة ساعة، فوقع به في مشقة الأبد: كان أجهل من كل جاهل. ويمكن أن يقال: إن قوله: (لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ) تتميم للتجهيل، أي: قل لهم هذا وجهلهم به، وليتهم يفقهون ما تعنيه بقولك. قال القاضي: " (لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ) أنها كيف هي، ما اختاروها بإيثار الدعة على الطاعة". قوله: (مسرة أحقاب) البيتين: "الأحقاب": الأزمان الكثيرة، و"الأري": العسل، و"الصاب": نبتٌ مُر، وقيل: هو الحنظل، "مساءة أحقاب": مُبتدأ، والخبرُ "وراء تقضيها"، والجملة ثاني مفعولي "تلقى". قوله: (حتمٌ واجب): لأن الأمر لا يحتمل الصدق والكذب، كما يحتمله الخبر، ولذلك قال: "لا يكون غيره"، أو أن أمر الله للأشياء حتمٌ لوجودها وقطعٌ في كونها لقوله تعالى: (أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [يس: ٨٢]، و (فَقَالَ لَهُمْ اللَّهُ مُوتُوا) [البقرة: ٢٤٣].

стр. 3462

يروى: أن أهل النفاق يبكون في النار عمر الدنيا، لا يرقأ لهم دمع ولا يكتحلون بنوم. (فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَاذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ) ٨٣]. وإنما قال: (إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ)؛ لأنّ منهم من تاب عن النفاق وندم على التخلف، أو اعتذر بعذر صحيح، وقيل: لم يكن المتخلفون كلهم منافقين، فأراد بالطائفة: المنافقين منهم (فَاسْتَاذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ) يعنى إلى غزوة بعد غزوة تبوك، (وأَوَّلَ مَرَّو) هي الخرجة إلى غزوة تبوك، وكان إسقاطهم عن ديوان الغزاة عقوبة لهم على تخلفهم الذي علم الله أنه لم يدعهم إليه إلا النفاق، بخلاف غيرهم من المتخلفين (مَعَ الْخالِفِينَ) قد مرّ تفسيره، قرأ مالك بن دينار: "مع الخلفين"؛ على قصر الخالفين. فإن قلت: (مَرَّو) نكرة وضعت موضع "المرات" للتفصيل، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لا يرقأ لهم دمع)، النهاية: "رقأ الدمع يرقأ [رقوءا] بالضم: إذا سكن وانقطعن والاسم الرقوء بالفتح". قوله: (موضع المرات للتفصيل): صح بالصاد المهملة، يعني: أن "أفعل" التفضيل: إذا أُريد به بيان زيادته في المعنى، يقتضي أن يكون المفضل داخلاً فيما أضيف إليه، فالأصل الجمع، فوُضع المفرد موضعه، لإرادة التفصيل، أي: فضل المذكور على الجنس المذكور إذا فصل الجنس واحداً بعد واحد، فعلى هذا (أَوَّلَ) بعضُ ما أضيف إليه، وهي (مَرَّةٍ)، فحقه التأنيث، فلِمَ ذُكِّر؟

стр. 3463

فلم ذكر اسم التفضيل المضاف إليها، وهو دال على واحدة من المرات؟ قلت: أكثر اللغتين: هند أكبر النساء، وهي أكبرهنّ، ثم إنّ قولك: هي كبرى امرأة، لا تكاد تعثر عليه، ولكن هي أكبر امرأة، وأول مرة، وآخر مرة. وعن قتادة: ذكر لنا أنهم كانوا اثنى عشر رجلا، قيل فيهم ما قيل. (وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ * وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ) ٨٤ - ٨٥]. روى: أنّ رسول الله ﷺ كان يقوم على قبور المنافقين، ويدعو لهم، فلما مرض رأس المنافقين عبد الله بن أبىّ، بعث إليه ليأتيه، فلما دخل عليه، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (إن قولك: هي كبرى امرأة، لا تكاد تعثر عليه): قال صاحب "الفرائد": يمكن أن يُقال: تقديره: هند إنسان أكبر النساء، وزماناً أول مرة، واختير التذكير لأن التأنيث ظاهر هاهنا، واستغني عنه كما استغنوا بـ "تركتُ" عن "وذرتُ"، مثله قول الذبياني: نبئت نعماً على الهجران عاتبة … سقياً ورعياً لذاك العاتب الزاري أي: لذلك الشخص، قال أبو البقاء: "المرة في الأصل: مصدر: مر يمر، ثم استعمل ظرفاً اتساعاً، وهذا يدل على قوة شبه الزمان بالفعل".

стр. 3464

قال: أهلكك حب اليهود، فقال: يا رسول الله، بعثت إليك لتستغفر لي، لا لتؤنبنى، وسأله أن يكفنه في شعاره الذي يلي جلده، ويصلى عليه، فلما مات دعاه ابنه حباب إلى جنازته، فسأله عن اسمه، فقال: أنت عبد الله ابن عبد الله، الحباب: اسم شيطان، فلما همّ بالصلاة عليه قال له عمر: أتصلي على عدوّ الله؟ فنزلت. وقيل: أراد أن يصلى عليه، فجذبه جبريل. فإن قلت: كيف جازت له تكرمة المنافق وتكفينه في ثوبه؟ قلت: كان ذلك مكافأة له على صنيع سبق له. وذلك أن العباس عم رسول الله ﷺ ، لما أخذ ببدر أسيرا، لم يجدوا له قميصاً، وكان رجلا طوالا، فكساه عبد الله قميصه. وقال له المشركون يوم الحديبية: إنا لا نأذن لمحمد، ولكنا نأذن لك، فقال: لا، إن لي في رسول الله أسوة حسنة، فشكر رسول الله ﷺ له ذلك. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لا لتؤنبني)، الجوهري: "أنبه تأنيباً: عنفه ولامه". قوله: (وسأله أن يكفنه في شعاره): عن البخاري ومسلم عن جابر قال: "أتى رسول الله ﷺ عبد الله بن أُبيٍّ بعدما أُدخل حفرته، فأمر به فأخرج، فوضعه على ركبتيه، ونفث فيه من ريقه، وألبسه قميصه، قال: وان كسا عباساً قميصاً". وفي رواية: "قال له ابن عبد الله: ألبس عبد الله قميصك الذي يلي جلدك". وفي أخرى: "لما كان يومُ بدر أتى بأسارى، وأتى بالعباس، ولم يكن عليه ثوب، فنظر النبي ﷺ له قميصاً، فوجدوا قميص عبد الله بن أبي، يقدر عليه، فكساه إياه، فذلك نزع النبي ﷺ قميصه الذي ألبسه". قال ابن عيينة: "كانت له عند النبي ﷺ يد، فأحب أن يكافئه".

стр. 3465

وإجابة له إلى مسألته إياه، فقد كان ﵊ لا يرد سائلا، وكان يتوفر على دواعي المروءة، فعمل بعادات الكرام، وإكراماً لابنه الرجل الصالح، فقد روى أنه قال له: "أسألك أن تكفينه في بعض قمصانك، وأن تقوم على قبره، لا يشمت به الأعداء"، وعلماً بأن تكفينه في قميصه لا ينفعه مع كفره، فلا فرق بينه وبين غيره من الأكفان، وليكون إلباسه إياه لطفاً لغيره، فقد روى أنه قيل له: لم وجهت إليه بقميصك وهو كافر؟ فقال: "إنّ قميصي لن يغنى عنه من الله شيئاً، وإن أؤمل في الله أن يدخل في الإسلام كثير بهذا السبب"، فيروى أنه أسلم ألف من الخزرج، لما رأوه طلب الاستشفاء بثوب رسول الله ﷺ . وكذلك ترحمه واستغفاره كان للدعاء إلى التراحم والتعاطف، لأنهم إذا رأوه يترحم على من يظهر الإيمان وباطنه على خلاف ذلك، دعا المسلم إلى أن يتعطف على من واطأ قلبه لسانه ورآه حتما عليه. فإن قلت: فكيف جازت الصلاة عليه؟ قلت: لم يتقدم نهى عن الصلاة عليهم، وكانوا يجرون مجرى المسلمين لظاهر إيمانهم، لما في ذلك من المصلحة، وعن ابن عباس: "ما أدرى ما هذه الصلاة، إلا أنى أعلم أن رسول الله ﷺ لا يخادع". ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وإجابة له إلى مسألته): صح بالنصب عطفاً على "مكافأة له"، وكذا "وإكراماً" و"عِلماً"، وكذا قوله: "وليكون إلباسه إياه لُطفاً لغيره"، وإنما أدخل اللام في الأخير لأن الكون ليس فعلاً لفاعل الفعل المعلل. قوله: (وعن ابن عباس: ما أدري ما هذه الصلاة): روينا عن البخاري الترمذي والنسائي عن عمر ﵁ قال: "لما مات عبد الله بن أبي ابن سلول، دُعي له رسول الله ﷺ ليصلي عليه، فلما قام رسول الله ﷺ وثبت إليه، وقلت: يا رسول الله، أتُصلي

стр. 3466

(ماتَ) صفة لـ (أحد)، وإنما قيل: (مات) (وماتوا) بلفظ الماضي، والمعنى على الاستقبال، على تقدير الكون والوجود، لأنه كائن موجود لا محالة، (إِنَّهُمْ كَفَرُوا) تعليل للنهى. وقد أعيد قوله: (وَلا تُعْجِبْكَ) لأنّ تجدد النزول له شأن في تقرير ما نزل له وتأكيده، وإرادة أن يكون على بال من المخاطب لا ينساه ولا يسهو عنه، وأن يعتقد أن العمل به مهمّ يفتقر إلى فضل عناية به، لاسيما إذا تراخى ما بين النزولين، فأشبه ذلك الشيء الذي أهم صاحبه، فهو يرجع إليه في أثناء حديثه ويتخلص إليه، وإنما أعيد هذا المعنى لقوته فيما يجب أن يحذر منه. [(وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَاذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ * رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ * لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) ٨٦ - ٨٩]. يجوز أن يراد السورة بتمامها، وأن يراد بعضها، في قوله: (وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ)، كما يقع القرآن والكتاب على كله، وعلى بعضه. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ على ابن أبي، وقد قال يوم كذا وكذا: [كذا وكذا]؟ أُعدد عليه، فتبسم رسول الله ﷺ ، وقال: "أخر عني يا عمر"، قال: فصلى رسول الله ﷺ ، ثم انصرف، فلم يمكث إلا يسيراً حتى نزلت الآيتان من براءة: (وَلا تُصَلِّ) إلى قوله: (وَهُمْ فَاسِقُونَ). قال: فتعجبت بعدُ من جُرأتي على رسول الله ﷺ يومئذ، والله ورسوله أعلم". قوله: (فهو يرجع إليه في أثناء حديثه ويتخلص إليه): ويسمى هذا الأسلوب في البديع: الترجيع.

стр. 3467

وقيل: هي (براءة)، لأنّ فيها الأمر بالإيمان والجهاد، (أَنْ آمِنُوا) هي" أن" المفسرة، (أُولُوا الطَّوْلِ): ذوو الفضل والسعة، من: طال عليه طولا، (مَعَ الْقاعِدِينَ): مع الذين لهم علة وعذر في التخلف، (فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ) ما في الجهاد من الفوز والسعادة، وما في التخلف من الشقاء والهلاك. (لكِنِ الرَّسُولُ) أي: إن تخلف هؤلاء فقد نهد إلى الغزو من هو خير منهم وأخلص نية ومعتقداً، كقوله (فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً) [الأنعام: ٨٩]، (فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ) [فصلت: ٣٨]. (الْخَيْراتُ) تتناول منافع الدارين؛ لإطلاق اللفظ، وقيل: الحور، لقوله: (فِيهِنَّ خَيْراتٌ) [الرحمن: ٧٠]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقيل: هي براءة): عطف على قوله: "أن يُراد السورة بتمامها"، أي: أي سورة كانت، ولا تخلو كل سورة من الاشتمال على أمر بالإيمان والجهاد إما حقيقة أو ضمناً، لأن المقصود الأولي من إنزالها الدعوة إلى الله تعالى وإلى طريق الحق. [قوله: ((إِنْ آمَنُوا) هي"أن" المفسرة)]: قال أبو البقاء: " (إِنْ آمَنُوا)، أي: آمنوا، والتقدير: يُقال فيها: آمنوا. وقيل: (أنْ) هاهنا مصدرية، تقديره: أنزلت بأن آمنوا، أي: بالإيمان. وإنما اختار المصنف أن تكون مفسرة، لأن قولهم في الجواب: (ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ) يستدعي الأمر بالجهاد، وفي جعلها مصدرية ثم تأويلها بالأمر- أي: ملتبسة بالإيمان، أي: بالأمر بالإيمان - توسيع الدائرة. قوله: (تهد إلى الغزو): ينهد- بالفتح-: ينهض محتشداً مستعداً متهيئاً.

стр. 3468

[(وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) ٩٠]. (الْمُعَذِّرُونَ) من: عذر في الأمر: إذا قصر فيه وتوانى ولم يجدّ: وحقيقته: أنه يوهم أن له عذراً فيما يفعل، ولا عذر له. أو المعتذرون -بإدغام التاء في الذال، ونقل حركتها إلى العين، ويجوز في العربية كسر العين لالتقاء الساكنين، وضمها لإتباع الميم، ولكن لم تثبت بهما قراءة-، وهم الذين يعتذرون بالباطل، كقوله: (يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم) [التوبة: ٩٤]. وقرئ: "المعذرون" بالتخفيف، وهو الذي يجتهد في العذر ويحتشد فيه، قيل: هم أسد وغطفان؛ قالوا: إن لنا عيالا، وإن بنا جهدا فائذن لنا في التخلف. وقيل: هم رهط عامر بن الطفيل؛ قالوا: إن غزونا معك أغارت أعراب طىّ على أهالينا ومواشينا، فقال ﷺ : "سيغنيني الله عنكم". وعن مجاهد: نفر من غفار، اعتذروا فلم يعذرهم الله. وعن قتادة: اعتذروا بالكذب. وقرئ: "المعذرون" بتشديد العين والذال، من: تعذر، بمعنى اعتذر، وهذا غير صحيح، لأنّ التاء لا تدغم في العين إدغامها في الطاء والزاي والصاد، في "المطوّعين"، و"أزكى" و"أصدق". وقيل: أريد المعتذرون بالصحة، وبه فسر (المعذرون) و"المعذرون" -على قراءة ابن عباس-: الذين لم يفرطوا في العذر. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. قوله: (وقيل: أريد المعتذرون بالصحة): أي: بالحق لا الباطل. قال صاحب "التقريب" قوله: : أريد المعتذرون بالصحة، وبه فُسر (الْمُعَذِّرُونَ) " مشدداً ومخففاً، من: أعذر: إذا لم يُفرط في العُذر. وفيه نظر؛ إذ "المُعذر" على زنة "المُفعِّل" هوا لممرض والمقصر يعتذر بغير عذر. ذكره في "الصحاح" تم كلامه.

стр. 3469

(وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ) هم منافقو الأعراب الذين لم يجيئوا ولم يعتذروا، وظهر بذلك أنهم كذبوا الله ورسوله في ادعائهم الإيمان، وقرأ أبىّ: "كذبوا" بالتشديد. (سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ): من الأعراب، (عَذابٌ أَلِيمٌ) في الدنيا: بالقتل، وفي الآخرة: بالنار. [(لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ) ٩١ - ٩٢]. (الضُّعَفاءِ): الهرمي والزمني، و (الَّذِينَ لا يَجِدُونَ): الفقراء، وقيل: هم مزينة وجهينة وبنو عذرة. و"النصح لله ورسوله": الإيمان بهما، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والمذكور في "الصحاح": " (الْمُعَذِّرُونَ مِنْ الأَعْرَابِ): يُقرأ بالتشديد التخفيف: أما "المُعذر" بالتشديد: فقد يكون محقاً وقد يكون غير محق؛ فأما المحق فهو في المعنى: المعتذر، لأن له عذراً، لكن التاء قلبت ذالاً، فأدغمت فيها، وجُعلت حركتها على العين، كما قرئ: "يخصمون" بفتح الخاء، ويجوز كسر العين لاجتماع الساكنين، ويجوز ضمها إتباعها للميم. وأما الذي ليس بمحق فهو المُعذر، على جهة المفعل، لأنه الممرض والمقصر يعتر بغير عذر. وكان ابن عباس يقرأ: "وجاء المعذرون" - مخففة، من: أعذر - ويقول: والله هذا أُنزلت، وكان يقول: لعن الله المعذرين! كأن الأمر عنده أن المعذر - بالتشديد - هو المظهر للعذر اعتلالاً من غير حقيقة له في العذر، وهذا لا عذر له. والمعذر: الذي له عُذر. وقد بينا الوجه الثاني في المُشدد".

стр. 3470

وطاعتهما في السر والعلن، وتوليهما، والحب والبغض فيهما، كما يفعل الموالي الناصح بصاحبه، (عَلَى الْمُحْسِنِينَ): على الناصحين المعذورين، ومعنى: "لا سبيل عليهم": لا جناح عليهم، ولا طريق للعتاب عليهم. (قُلْتَ) حال من الكاف في (أَتَوْكَ)، "وقد" قبله مضمرة، كما قيل في قوله: (أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ) [النساء: ٩٠]، أي إذا ما أتوك قائلا: لا أجد (تَوَلَّوْا). وقد حصر الله المعذورين في التخلف: الذين ليس لهم في أبدانهم استطاعة، والذين عدموا آلة الخروج، والذين سألوا المعونة فلم يجدوها. وقيل: المستحملون أبو موسى الأشعري وأصحابه ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فعلى هذا قوله: "المعتذرون بالصحة" معطوف على قوله: "وهُم الذين يعتذرون بالباطل"، والوجهان مبنيان على قوله: "أو المعتذرون بإدغام التاء"، وهو عطف على قوله: "مِن: عذر في الأمر". فالحاصل: أن (الْمُعَذِّرُونَ) إما محمول على أنه من المُفعل، من: عذر في الأمر: إذا قصر فيه، أو على: معتذرون، بإدغام التاء، وهو أيضاً إما أن يُراد منه الذين يعتذرون بالباطل، كما ذهب إليه ابن عباس، أو أريد المعتذرون بالصحة، أي: بالحق لا الباطل، كما ذكره الجوهري. ومعنى قراءة ابن عباس من هذا الأخير. قوله: (كما يفعلُ الموالي الناصح بصاحبه): يريد: أن النصح لله ولرسوله مستعار للإيمان والطاعة والتولي والحب والبغض فيهما. قوله: (المستحملون أبو موسى [الأشعري] وأصحابه): عن أبي موسى قال: أتيت رسولا لله ﷺ في رهط من الأشعريين تستحمله، قال: "والله لا أحملكم، وما عندي ما أحلكم عليه". ثم لبثنا ما شاء الله، فأتي بإبل، فأمر لنا بثلاث ذود، فلما انطلقنا قال بعضنا لبعض: لا بارك الله لنا، أتينا رسول الله ﷺ نستحمله، فحلف أن لا يحملنا. قال أبو موسى:
следующие страницы →