← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.

стр. 3466

(ماتَ) صفة لـ (أحد)، وإنما قيل: (مات) (وماتوا) بلفظ الماضي، والمعنى على الاستقبال، على تقدير الكون والوجود، لأنه كائن موجود لا محالة، (إِنَّهُمْ كَفَرُوا) تعليل للنهى. وقد أعيد قوله: (وَلا تُعْجِبْكَ) لأنّ تجدد النزول له شأن في تقرير ما نزل له وتأكيده، وإرادة أن يكون على بال من المخاطب لا ينساه ولا يسهو عنه، وأن يعتقد أن العمل به مهمّ يفتقر إلى فضل عناية به، لاسيما إذا تراخى ما بين النزولين، فأشبه ذلك الشيء الذي أهم صاحبه، فهو يرجع إليه في أثناء حديثه ويتخلص إليه، وإنما أعيد هذا المعنى لقوته فيما يجب أن يحذر منه. [(وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَاذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ * رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ * لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) ٨٦ - ٨٩]. يجوز أن يراد السورة بتمامها، وأن يراد بعضها، في قوله: (وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ)، كما يقع القرآن والكتاب على كله، وعلى بعضه. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ على ابن أبي، وقد قال يوم كذا وكذا: [كذا وكذا]؟ أُعدد عليه، فتبسم رسول الله ﷺ ، وقال: "أخر عني يا عمر"، قال: فصلى رسول الله ﷺ ، ثم انصرف، فلم يمكث إلا يسيراً حتى نزلت الآيتان من براءة: (وَلا تُصَلِّ) إلى قوله: (وَهُمْ فَاسِقُونَ). قال: فتعجبت بعدُ من جُرأتي على رسول الله ﷺ يومئذ، والله ورسوله أعلم". قوله: (فهو يرجع إليه في أثناء حديثه ويتخلص إليه): ويسمى هذا الأسلوب في البديع: الترجيع.

стр. 3467

وقيل: هي (براءة)، لأنّ فيها الأمر بالإيمان والجهاد، (أَنْ آمِنُوا) هي" أن" المفسرة، (أُولُوا الطَّوْلِ): ذوو الفضل والسعة، من: طال عليه طولا، (مَعَ الْقاعِدِينَ): مع الذين لهم علة وعذر في التخلف، (فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ) ما في الجهاد من الفوز والسعادة، وما في التخلف من الشقاء والهلاك. (لكِنِ الرَّسُولُ) أي: إن تخلف هؤلاء فقد نهد إلى الغزو من هو خير منهم وأخلص نية ومعتقداً، كقوله (فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً) [الأنعام: ٨٩]، (فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ) [فصلت: ٣٨]. (الْخَيْراتُ) تتناول منافع الدارين؛ لإطلاق اللفظ، وقيل: الحور، لقوله: (فِيهِنَّ خَيْراتٌ) [الرحمن: ٧٠]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقيل: هي براءة): عطف على قوله: "أن يُراد السورة بتمامها"، أي: أي سورة كانت، ولا تخلو كل سورة من الاشتمال على أمر بالإيمان والجهاد إما حقيقة أو ضمناً، لأن المقصود الأولي من إنزالها الدعوة إلى الله تعالى وإلى طريق الحق. [قوله: ((إِنْ آمَنُوا) هي"أن" المفسرة)]: قال أبو البقاء: " (إِنْ آمَنُوا)، أي: آمنوا، والتقدير: يُقال فيها: آمنوا. وقيل: (أنْ) هاهنا مصدرية، تقديره: أنزلت بأن آمنوا، أي: بالإيمان. وإنما اختار المصنف أن تكون مفسرة، لأن قولهم في الجواب: (ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ) يستدعي الأمر بالجهاد، وفي جعلها مصدرية ثم تأويلها بالأمر- أي: ملتبسة بالإيمان، أي: بالأمر بالإيمان - توسيع الدائرة. قوله: (تهد إلى الغزو): ينهد- بالفتح-: ينهض محتشداً مستعداً متهيئاً.

стр. 3468

[(وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) ٩٠]. (الْمُعَذِّرُونَ) من: عذر في الأمر: إذا قصر فيه وتوانى ولم يجدّ: وحقيقته: أنه يوهم أن له عذراً فيما يفعل، ولا عذر له. أو المعتذرون -بإدغام التاء في الذال، ونقل حركتها إلى العين، ويجوز في العربية كسر العين لالتقاء الساكنين، وضمها لإتباع الميم، ولكن لم تثبت بهما قراءة-، وهم الذين يعتذرون بالباطل، كقوله: (يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم) [التوبة: ٩٤]. وقرئ: "المعذرون" بالتخفيف، وهو الذي يجتهد في العذر ويحتشد فيه، قيل: هم أسد وغطفان؛ قالوا: إن لنا عيالا، وإن بنا جهدا فائذن لنا في التخلف. وقيل: هم رهط عامر بن الطفيل؛ قالوا: إن غزونا معك أغارت أعراب طىّ على أهالينا ومواشينا، فقال ﷺ : "سيغنيني الله عنكم". وعن مجاهد: نفر من غفار، اعتذروا فلم يعذرهم الله. وعن قتادة: اعتذروا بالكذب. وقرئ: "المعذرون" بتشديد العين والذال، من: تعذر، بمعنى اعتذر، وهذا غير صحيح، لأنّ التاء لا تدغم في العين إدغامها في الطاء والزاي والصاد، في "المطوّعين"، و"أزكى" و"أصدق". وقيل: أريد المعتذرون بالصحة، وبه فسر (المعذرون) و"المعذرون" -على قراءة ابن عباس-: الذين لم يفرطوا في العذر. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. قوله: (وقيل: أريد المعتذرون بالصحة): أي: بالحق لا الباطل. قال صاحب "التقريب" قوله: : أريد المعتذرون بالصحة، وبه فُسر (الْمُعَذِّرُونَ) " مشدداً ومخففاً، من: أعذر: إذا لم يُفرط في العُذر. وفيه نظر؛ إذ "المُعذر" على زنة "المُفعِّل" هوا لممرض والمقصر يعتذر بغير عذر. ذكره في "الصحاح" تم كلامه.

стр. 3469

(وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ) هم منافقو الأعراب الذين لم يجيئوا ولم يعتذروا، وظهر بذلك أنهم كذبوا الله ورسوله في ادعائهم الإيمان، وقرأ أبىّ: "كذبوا" بالتشديد. (سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ): من الأعراب، (عَذابٌ أَلِيمٌ) في الدنيا: بالقتل، وفي الآخرة: بالنار. [(لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ) ٩١ - ٩٢]. (الضُّعَفاءِ): الهرمي والزمني، و (الَّذِينَ لا يَجِدُونَ): الفقراء، وقيل: هم مزينة وجهينة وبنو عذرة. و"النصح لله ورسوله": الإيمان بهما، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والمذكور في "الصحاح": " (الْمُعَذِّرُونَ مِنْ الأَعْرَابِ): يُقرأ بالتشديد التخفيف: أما "المُعذر" بالتشديد: فقد يكون محقاً وقد يكون غير محق؛ فأما المحق فهو في المعنى: المعتذر، لأن له عذراً، لكن التاء قلبت ذالاً، فأدغمت فيها، وجُعلت حركتها على العين، كما قرئ: "يخصمون" بفتح الخاء، ويجوز كسر العين لاجتماع الساكنين، ويجوز ضمها إتباعها للميم. وأما الذي ليس بمحق فهو المُعذر، على جهة المفعل، لأنه الممرض والمقصر يعتر بغير عذر. وكان ابن عباس يقرأ: "وجاء المعذرون" - مخففة، من: أعذر - ويقول: والله هذا أُنزلت، وكان يقول: لعن الله المعذرين! كأن الأمر عنده أن المعذر - بالتشديد - هو المظهر للعذر اعتلالاً من غير حقيقة له في العذر، وهذا لا عذر له. والمعذر: الذي له عُذر. وقد بينا الوجه الثاني في المُشدد".

стр. 3470

وطاعتهما في السر والعلن، وتوليهما، والحب والبغض فيهما، كما يفعل الموالي الناصح بصاحبه، (عَلَى الْمُحْسِنِينَ): على الناصحين المعذورين، ومعنى: "لا سبيل عليهم": لا جناح عليهم، ولا طريق للعتاب عليهم. (قُلْتَ) حال من الكاف في (أَتَوْكَ)، "وقد" قبله مضمرة، كما قيل في قوله: (أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ) [النساء: ٩٠]، أي إذا ما أتوك قائلا: لا أجد (تَوَلَّوْا). وقد حصر الله المعذورين في التخلف: الذين ليس لهم في أبدانهم استطاعة، والذين عدموا آلة الخروج، والذين سألوا المعونة فلم يجدوها. وقيل: المستحملون أبو موسى الأشعري وأصحابه ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فعلى هذا قوله: "المعتذرون بالصحة" معطوف على قوله: "وهُم الذين يعتذرون بالباطل"، والوجهان مبنيان على قوله: "أو المعتذرون بإدغام التاء"، وهو عطف على قوله: "مِن: عذر في الأمر". فالحاصل: أن (الْمُعَذِّرُونَ) إما محمول على أنه من المُفعل، من: عذر في الأمر: إذا قصر فيه، أو على: معتذرون، بإدغام التاء، وهو أيضاً إما أن يُراد منه الذين يعتذرون بالباطل، كما ذهب إليه ابن عباس، أو أريد المعتذرون بالصحة، أي: بالحق لا الباطل، كما ذكره الجوهري. ومعنى قراءة ابن عباس من هذا الأخير. قوله: (كما يفعلُ الموالي الناصح بصاحبه): يريد: أن النصح لله ولرسوله مستعار للإيمان والطاعة والتولي والحب والبغض فيهما. قوله: (المستحملون أبو موسى [الأشعري] وأصحابه): عن أبي موسى قال: أتيت رسولا لله ﷺ في رهط من الأشعريين تستحمله، قال: "والله لا أحملكم، وما عندي ما أحلكم عليه". ثم لبثنا ما شاء الله، فأتي بإبل، فأمر لنا بثلاث ذود، فلما انطلقنا قال بعضنا لبعض: لا بارك الله لنا، أتينا رسول الله ﷺ نستحمله، فحلف أن لا يحملنا. قال أبو موسى:

стр. 3471

وقيل البكاؤون، وهم ستة نفر من الأنصار. (تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ): كقولك: تفيض دمعاً، وهو أبلغ من: يفيض دمعها، لأنّ العين جعلت كأن كلها دمع فائض، و (من) للبيان، كقولك: أفديك من رجل، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. فأتينا النبي ﷺ ، فذكرنا ذلك له، فقال: "ما أنا حملتكم، بل الله حملكم، إني والله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير". هذه رواية النسائي، وفي رواية البخاري ومسلم نحو هذه. قوله: (وقيل البكاؤون، وهم ستة نفر من الأنصار): قال محيي السنة: "هم سبعة نفر، سموا البائين: معقل بن يسار، وصخر بن خنساء، وعبد الله بن كعب الأنصاري، وعلبة ابن زيد الأنصاري، وسالم بن عمير، وثعلبة بن عنمة، وعبد الله بن مغفل المُزني، أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله، إن الله قد ندبنا إلى الخروج معك فاحملنا، فقال رسول الله ﷺ : "لا أجد ما أحملكم عليه، فولوا وهم يبكون"، والحديث". قوله: (و (مِنَ) للبيان، كقول: أفديك من رجُل): يعني: "مِن" تجريد، جُرد من الرجل شخص، فخوطب بقوله: أفديك، وهو هو، وهو من قولك: رأيتك من أسد، وهو أبلغ من قولك: رأيت منك أسداً، فكذلك جرد من الدمع أعيناً، وجُعلت كأنها دموع فائضة، وهو المراد من قوله: "لأن العين جُعلت كان كلها دمعٌ فائض".

стр. 3472

ومحل الجار والمجرور: النصب على التمييز، (أَلَّا يَجِدُوا): لئلا يجدوا، ومحله نصب على أنه مفعول له، وناصبه المفعول له الذي هو (حزناً). [(إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَاذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِياءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ * يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) ٩٣ - ٩٤]. فإن قلت: (رَضُوا) ما موقعه؟ قلت: هو استئناف، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فإن قلت: ذكر في المائدة هذا الوجه، وجعل (مِن) ابتدائية حيث قال: "فجُعلت أعينهم كأنها تفيض بأنفسها"، وقال: " (مِنَ) لابتداء الغاية، على أن فيض الدمع ابتدأ ونشأ من معرفة الحق، وكان من أجله وبسببه"، فهل من فرق؟ قلت: أما من حيث المعنى والمبالغة فلا، وأما من حيث الطريقة: فإن طريقة ذلك ما ذكرناه عن صاحب "الانتصاف": "أصله: فاض دمع عينه، ثم: فاضت عينه دمعاً، فحُوِّل الفاعل، وجُعِل تمييزاً للإبهام والتبيين، ثم: فاضت عينه من الدمع، فلم يبينه على الأصل، بل أبرزه في صورة التعليل"، وطريقة التجريد كما بيناها. قوله: (وناصبه المفعول له): أي: قوله: (حَزَناً)، فهو من التداخل في المفعول له.

стр. 3473

كأنه قيل: ما بالهم استأذنوا وهم أغنياء؟ فقيل: رضوا بالدناءة والضعة والانتظام في جملة الخوالف، (وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ) يعنى: أن السبب في استئذانهم: رضاهم بالدناءة وخذلان الله تعالى إياهم. فإن قلت: فهل يجوز أن يكون قوله: (قُلْتَ لا أَجِدُ) استئنافاً مثله، كأنه قيل: إذا ما أتوك لتحملهم تولوا، فقيل: ما لهم تولوا باكين؟ فقيل: (قلت لا أجد ما أحملكم عليه) [التوبة: ٩٢]، إلا أنه وسط بين الشرط والجزاء كالاعتراض؟ قلت: نعم، ويحسن. (لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ) علة للنهى عن الاعتذار، لأن غرض المعتذر أن يصدق فيما يعتذر به، فإذا علم أنه مكذب وجب عليه الإخلال به، وقوله: (قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ) علة لانتفاء تصديقهم، ...... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (إن السبب في استئذانهم: رضاهم بالدناءة وخذلان الله إياهم): جعل الرضا والطبع سبباً واحداً للاستئذان، والظاهر أن قوله: (وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) كالتذييل لما سبق، فيكون الطبع سبباً للجهل المؤدي إلى الرضا بالدناءة والدعة، ويؤيده الفاء في قوله: (فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ)، فالمجموع سبب لذلك المجموع، وهذا ظاهر على مذهب أهل السنة. وكذلك جعل القاضي كلاً من الرضا والطبع سبباً مستقلاً. قوله: (إذا ما أتوك لتحملهم تولوا): فإن قلت: كيف يكون إتيانهم للحملان سبباً للتولي إذا لم يقيد بقوله: (لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ)؟ قلت: دل الإتيان للحملان على رغبتهم في التجهيز معه ﷺ ، ودل التولي على حرمانهم ما يرومونه، فصحت السببية. قوله: ((قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ) علة لانتفاء تصديقهم): فهو علة للعلة، يعني: قوله: (لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ) استئناف لبيان موجب (لا تَعْتَذِرُوا)، وقوله: (قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ) استئناف آخر لبيان موجب (لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ)، كأنه لما قيل: لا تعتذروا،

стр. 3474

لأنّ الله تعالى إذا أوحى إلى رسوله الإعلام بأخبارهم وأحوالهم وما في ضمائرهم من الشر والفساد، لم يستقم مع ذلك تصديقهم في معاذيرهم. (وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ) أتنيبون أم تثبتون على كفركم، (ثُمَّ تُرَدُّونَ) إليه وهو عالم كل غيب وشهادة، وسر وعلانية، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقيل: لِمَ لا نعتذر؟ قيل: لأنا لن نؤمن لكم، أي: لا نصدقكم في عذركم، فقيل: لِمَ لم تؤمنا لنا؟ قيل: لأن الله قد نبأنا مما في ضمائركم من الشر. قوله: (الإعلام بأخبارهم وأحوالهم) ظاهره أن (مِنْ أَخْبَارِكُمْ) مفعول ثان لقوله: (نَبَّأَنَا اللَّهُ)، قال أبو البقاء: "هذا الفعل قد يتعدى إلى ثلاثة، أولها ضمير الجمع، والآخران محذوفان، تقديره: أخباراً من أخباركم مبينة، و (مِنْ أَخْبَارِكُمْ) تنبيه على المحذوف، وليس (مِنْ) زائدة؛ إذ لو كانت زائدة لكانت مفعولاً ثانياً والثالث محذوف، وهو خطأ، لأن المفعول الثاني إذا ذُكر في هذا الباب لزم ذكر الثالث". قوله: (أتنيبون أم تثبتون): إشارة إلى أن قوله: (وَسَيَرَى اللَّهُ) بمعنى العلم، وقد أخذ أحد مفعوليه، ويقتضي الثاني، فيكون بمعنى قوله: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) [هود: ٧، والملك: ٢]، وقد ذكر في سورة المُلك: أنه ليس بتعليق، والتقدير: سيرى الله عملكم أتنيبون عنه- أي: ترجعون - أم تثبتون عليه. والمعنى: سيعلم الله عملكم من الإنابة عن الكفر أو الثبات عليه علماً يتعلق به الجزاء.

стр. 3475

فيجازيكم على حسب ذلك. [(سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَاواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ) ٩٥]. (لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ) فلا توبخوهم ولا تعاتبوهم، (فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ): فأعطوهم طلبتهم، (إِنَّهُمْ رِجْسٌ) تعليل لترك معاتبتهم، يعنى: أنّ المعاتبة لا تنفع فيهم ولا تصلحهم، إنما يعاتب الأديم ذو البشرة، والمؤمن يوبخ على زلة تفرط منه، ليطهره التوبيخ بالحمل على التوبة والاستغفار، وأما هؤلاء فأرجاس لا سبيل إلى تطهيرهم، (وَمَاواهُمْ جَهَنَّمُ) يعنى: وكفتهم النار عتاباً وتوبيخاً، فلا تتكلفوا عتابهم. [(يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ) ٩٦]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فيجازيكم على حسب ذلك): يعني: وضع (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) موضع ضمير الله ليدل على التهديد والوعيد، وأنه تعالى مطلعٌ على سركم علنكم لا يفوت عن علمه شيء من ضمائركم وأعمالكم، فيجازيكم على حسب ذلك. قله: (فلا توبخوهم): نصب؛ عطف على قوله: لتعرضوا عنهم" على ووجه التسبب، أي: لتعرضوا فلا توبخوا: ذكر نحوه في قوله تعالى: (فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنْ الظَّالِمِينَ) [الأنعام: ٥٢]. قوله: (إنما يُعاتب الأديم ذو البشرة): قال الميداني: "المعاتبة: المعاودة، وبشرة الأديم: ظاهره الذي عليه الشعر، أي: إنما يُعاد إلى الدباغ من الأديم ما سلمت بشرته، يُضرب لمن فيه مراجعة ومستعتب، قال الأصمعي: كل ما كان في الأديم متحمل ما سلمت البشرة، فإذا نغلت البشرة بطل الأديم".

стр. 3476

(لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ) أي: غرضهم في الحلف بالله طلب رضاكم لينفعهم ذلك في دنياهم، (فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ) فإن رضاكم وحدكم لا ينفعهم إذا كان الله ساخطاً عليهم، وكانوا عرضة لعاجل عقوبته وآجلها، وقيل إنما قيل ذلك لئلا يتوهم متوهم أن رضا المؤمنين يقتضى رضا الله عنهم. وقيل: هم جد بن قيس، ومعتب بن قشير، وأصحابهما، وكانوا ثمانين رجلا منافقين، فقال النبي ﷺ حين قدم المدينة: "لا تجالسوهم ولا تكلموهم". وقيل: جاء عبد الله ابن أبىّ يحلف أن لا يتخلف عنه أبداً. [(الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) ٩٧]. (الْأَعْرابُ): أهل البدو (أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً) من أهل الحضر، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((الأَعْرَابِ) أهل البدو): روينا في "مسند أحمد بن حنبل" عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ نهى أن يؤكل من طعام الأعراب، فأهدت أم سنبلة لبناً، فناولت رسول الله ﷺ ، فشرب، فقالت عائشة ﵂: قد كنت نهيت عن طعام الأعراب؟ فقال: "إنهم ليسوا بالأعراب، إنهم أهل باديتنا، ونحن أهل حاضرتهم، وإذا دعوا أجابوا، فليسوا بالأعراب". ومنه قوله ﷺ : "لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم"، للعشاء. النهاية: "في الحديث: "ثلاث من الكبائر"، منها: "التعرب بعد الهجرة": هو أن يعود إلى البادية ويقيم مع الأعراب بعد أن كان مهاجراً"، جعل المهاجر ضد الأعرابي.

стр. 3477

لجفائهم وقسوتهم وتوحشهم، ونشئهم في بعد من مشاهدة العلماء، ومعرفة الكتاب والسنة، (وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا) وأحق بجهل حدود الدين وما أنزل الله من الشرائع والأحكام، ومنه قوله ﵇: "إن الجفاء والقسوة في الفدّادين". (وَاللَّهُ عَلِيمٌ): يعلم حال كل أحد من أهل الوبر والمدر، (حَكِيمٌ) فيما يصيب به مسيئهم ومحسنهم، ومخطئهم ومصيبهم، من عقابه وثوابه. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والأعراب: ساكنو البادية من العرب الذين لا يُقيمون في الأمصار، ولا يدخلونها إلا لحاجة. والعرب: اسم لهذا الجيل المعروف من الناس، ولا واحد له من لفظه، وسواء أقام البادية أو المدن، والنسبة إليه: أعرابي وعربي. وقال صاحب "المغرب": "العربي: واحد العرب، وهم الذين استوطنوا المدن والقرى، والأعراب: أهل البدو". قوله: (لجفائهم وقسوتهم وتوحشهم)، الأساس: "جفاني فُلان: فعل بي ما ساءني، وثوب جاف: غليظ، وهو من جفاة العرب". قال الإمام: "إنما حكم عليهم بشدة الكفر والنفاق، لأنهم ما كانوا تحت سياسة سائس، ولا تأديب مؤدب، ولا ضبط ضابط، فنشؤوا كما شاؤوا، ومن أصبح وأمسى [مشاهداً] لوعظ رسول الله ﷺ ، وبياناته الشافية، وتأديباته الكاملة، كيف يكون مساوياً لمن لم يؤاثر هذا الخير؟ ! فقابل الفواكه الجبلية بالبستانية لتعرف الفرق، ولشبههم بالوحوش، واستيلاء الهواء الحار اليابس الموجب لمزيد التكبر والنخوة". روينا عن أحمد بن حنبل وأبي داود والترمذي النسائي عن ابن عباس: "من سكن البادية جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى السلطان افتتن". قوله: (في الفدادين)، النهاية: "الفدادون - بالتشديد-: الذين تعلو أصواتهم في حروثهم ومواشيهم، وقيل هم المكثرون من الإبل، وقيل: هم الجمالون والبقارون والحمارون والرعيان".

стр. 3478

[(وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ٩٨ - ٩٩]. (مَغْرَماً): غرامة وخسراناً، والغرامة: ما ينفقه الرجل وليس يلزمه، لأنه لا ينفق إلا تقية من المسلمين ورياء، لا لوجه الله ، وابتغاء المثوبة عنده، (وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ) دوائر الزمان: دوله وعقبه؛ لتذهب غلبتكم عليه، ليتخلص من إعطاء الصدقة. (عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ) دعاء معترض، دعا عليهم بنحو ما دعوا به، كقوله : (وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ) [المائدة: ٦٤]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (دوله وعقبه): جمع عقبة؛ النوبة. الأساس: "الدهر دول، والله يداول الأيام بين الناس؛ مرة لهم ومرة عليهم، والدهر دول وعقب ونوب، وتداولوا الشيء بينهم". قوله: (دعا عليهم بنحو ما دعوا به، كقوله تعالى: (وَقَالَتْ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ) [المائدة: ٦٤]: "الانتصاف": "ما في هذه الآية زيادة مناسبة بآية المائدة، لأن الذي نُسب إليهم - انتظار الدوائر- مُطلق، ودعاؤه عليهم بدائرة السوء مقيد". قلت: يكفي في تشبيهه به أن تكون المشاكلة من حيث اللفظ لا من حيث المعنى، كما قال هناك: "والطباق من حيث اللفظ"، على أن استعمال هذا اللفظ في الشر أكثر، لا سيما من أعداء الله، فإذن لا يكون مطلقاً، لكن في قول المصنف: "دعا عليهم بنحو ما دعوا به" بحث؛ لأن قوله: (وَيَتَرَبَّصُ بِكُمْ الدَّوَائِرَ) لا دعاء فيه، بل هو إخبار، اللهم إلا أن يُقال: إن من تربص بغيره السوء لا يخلو من الدعاء عليه.

стр. 3479

وقرئ: (السوء) بالضم، وهو العذاب، كما قيل له: سيئة، (والسوء) بالفتح، وهو ذمّ للدائرة، كقولك: رجل سوء، في نقيض قولك: رجل صدق، لأنَّ من دارت عليه ذامّ لها، (وَاللَّهُ سَمِيعٌ) لما يقولون إذا توجهت عليهم الصدقة، (عَلِيمٌ) بما يضمرون. وقيل: هم أعراب أسد وغطفان وتميم. (قُرُباتٍ) مفعول ثان لـ (يتخذ)، والمعنى: أنّ ما ينفقه سبب لحصول القربات عند الله، (وَصَلَواتِ الرَّسُولِ)، لأن الرسول كان يدعو للمتصدقين بالخير والبركة، ويستغفر لهم، كقوله: "اللهم صل على آل أبى أوفي"، وقال تعالى: (وَصَلِّ عَلَيْهِمْ) [التوبة: ١٠٣]، فلما كان ما ينفق سبباً لذلك، قيل: (ويتخذ ما ينفق قربات .... وصلوات). ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرئ: "السوء" بالضم): ابن كثير وأبو عمرو هنا وفي الفتح، والباقون: بفتحها. قوله: (لأن من دارت عليه ذام لها): تعليل لتصحيح وصف الدائرة بالسوء، أي: الذم، لأنه من إضافة الموصوف إلى الصفة، كرجل صدقٍ وسوءٍ؛ للمبالغة والبيان، فإذن الدائرة مُطلقة، وإنما تتبين بالإضافة، فيصح أن يُقال أيضاً: دائرة صدق، قال في سورة الفتح: "فهي عندهم دائرة سوء، وعند المؤمنين دائرة صدق". قوله: (اللهم صل على آل أبي أوفى): عن البخاري ومسلم وأبي داود عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان أبي من أصحاب الشجرة، وكان النبي ﷺ إذا أتاه قومٌ بصدقتهم قال: اللهم صل على آل فلان، فأتاه أبي بصدقته، فقال: "اللهم صل على آل أبي أوفى".

стр. 3480

(أَلا إِنَّها) شهادة من الله للمتصدقين بصحة ما اعتقدوا، من كون نفقاتهم قربات، وتصديق لرجائهم، على طريق الاستئناف، مع حرفي التنبيه والتحقيق المؤذنين بثبات الأمر وتمكنه، وكذلك (سَيُدْخِلُهُمُ) وما في "السين" من تحقيق الوعد. وما أدل هذا الكلام على رضا الله عن المتصدقين، وأن الصدقة منه بمكان، إذا خلصت النية من صاحبها. وقرئ: "قُرْبَةٌ"، بضم الراء. وقيل: هم عبد الله وذو البجادين ورهطه. [(وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) ١٠٠]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (مع حرفي التنبيه والتحقيق)، أي: "ألا" و"إن". قوله: (عبد الله ذو البجادين ورهطه): روى ابن عبد البر في "الاستيعاب": هو عبد الله بن عبد نهم المُزني، سُمي به لأنه حين أراد المسير إلى رسول الله ﷺ قطعت أمه بجاداً لها نصفين، فاتزر بواحدٍ منهما، وارتدى بالآخر. قال ابن هشام: إنما سُمي ذا البجادين لأنه كان يُنازع إلى الإسلام، فمنعه قومه، وكانوا يضيقون عليه، حتى تُرك في بجادٍ له ليس عليه غيرهن والبجاد: الكساء الغليظ الجافي، فهرب منهم إلى رسول الله ﷺ وشق بجاده نصفين، فاتزر بواحد، واشتمل بالآخر، وأتى رسول الله ﷺ ، فقيل له: ذو البجادين، فلما مات دفنه رسول الله ﷺ ، وقال: " [اللهم إني قد] أمسيت راضياً عنه، فارض عنه"، وكان عبد الله بن مسعود يقول: يا ليتني كنت صاحب الحفيرة".

стр. 3481

(والسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ) هم الذين صلوا إلى القبلتين، وقيل: الذين شهدوا بدراً، وعن الشعبي: من بايع بالحديبية، وهي بيعة الرضوان ما بين الهجرتين، (و) َمن (الْأَنْصارِ) أهل بيعة العقبة الأولى، وكانوا سبعة نفر، وأهل العقبة الثانية وكانوا سبعين، والذين آمنوا حين قدم عليهم أبو زرارة مصعب بن عمير، فعلمهم القرآن. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((و) من (الأَنصَارِ): أهل بيعة العقبة): معطوف على قوله: "من المهاجرين"، وقوله: "والذين آمنوا حين قدم" معطوف على قوله: "أهل بيعة العقبة"، وهذا موضع يفتقر إلى فضل بسط لاشتماله على طبقات الصحابة رضوان الله عليهم، وقد اضطرب فيه كلام المصنف، فنقول- والله أعلم-. لا يخلو من أن يفسر (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ) بالذين أدركوا رسول الله ﷺ ، وحصل لهم السبق بإدراكه وصحبته، فتكون (مِنَ) بيانية، أو بالذين سبقوا على بعضهم بما نالوا من الكرامة التي لم تحصل لغيرهم، وتكون (مِنَ) تبعيضية. يؤيده ما روى محيي السنة والواحدي عن سعيد بن المسيب وقتادة وابن سيرين وجماعة: هُم الذين صلوا إلى القبلتين. وعن عطاء بن أبي رباح: هم أهل بدر. وعن الشعبي: من شهد بيعة الرضوان، وكانت بيعة الرضوان بالحديبية. وروى عن أبي صخر قال: أتيت محمد بن كعب القرظي فقلت له: ما قولك في أصحاب رسول الله ﷺ ؟ فقال: جميعُ أصحاب رسول الله ﷺ في الجنة، محسنهم ومسيئهم. فقلت: من أين تقول؟ قال: اقرأ (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ) إلى أن قال: (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ)، (وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ) شرط في التابعين شريطة، وهو أن يتبعوهم في أفعالهم الحسنة دون السيئة. قال أبو صخر: فكأني لم أقرأ هذه الآية قط.

стр. 3482

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فعلى الأول: يُحمل (وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ) على التابعين الذين لم يلحقوا النبي صلوات الله عليه، كما روى محيي السنة عن بعضهم: هم الذين سلكوا سبيل الصحابة في الإيمان والهجرة والنصرة إلى يوم القيامة. وعلى الثاني: يحمل على الصحابة الذين لم تحصل لهم تلك المزايا والفضائل، روى محيي السنة أيضاً: هم بقية المهاجرين والأنصار سوى السابقين الأولين. وروى ابن عبد البر في "الاستيعاب" عن الحسن قال: "حضر الناس باب عمر بن الخطاب ﵁، وفيهم سهيل بن عمرو وأبو سفيان بن حرب وأولئك الشيوخ من قريش، فخرج آذنه، فجعل يأذن لأهل بدر، كصهيب وبلال، فقال أبو سفيان: ما رأيت كاليوم قط، إنه ليؤذن لهؤلاء العبيد، ونحن جلوس لا يلتفت إلينا! فقال سهيل: أيها القوم، إني - والله -قد أرى الذي في وجوهكم، فإن كنتم غضاباً فاغضبوا على أنفسكم، دُعي القوم ودعيتم، فأسرعوا وأبطأتم، أما والله لما سبقوكم به من الفضل اشد عليكم فوتاً من بابكم هذا الذي تنافستم فيه، ثم قال: أيها القوم، إن هؤلاء القوم قد سبقوكم بما ترون، ولا سبيل لكم إلى ما سبقوكم إليه، فانظروا هذا الجهاد فالزموه، عسى الله أن يرزقكم شهادة، ثم نفض ثوبه، فقام ولحق بالشام". فقال الحسن: "ويا له من رجل ما كان أعقله! وصدق والله، لا يجعل الله عبداً أسرع إليه كعبد أبطأ عنه". ولأن عمر ﵁ كان يقدمهم في العطاء. وهذا القول أظهر من الأول، وأجرى على تأليف النظم. قال أبو البقاء: " (َالسَّابِقُونَ) يجوز أن يكون معطوفاً على قوله: (مَنْ يُؤْمِنُ) [التوبة: ٩٩]، أي: ومنهم السابقون، ويجوز أن يكون مبتدأ، وفي الخبر ثلاثة أوجه: أحدها: (الأَوَّلُونَ)،

стр. 3483

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والمعنى: والسابقون إلى الهجرة الأولون من أهل الملة، [أو]: والسابقون إلى الجنة الأولون إلى الهجرة. والثاني: الخبر (مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ)، وفيه الإعلام بأن السابقين من هذه الأمة هم المهاجرون والأنصار. والثالث: أن الخبر ﵃ ". وقلت: على الوجه الأول: ﵃ جملة مستأنفة على تقدير: ما السؤال عما يترتب على السبق، ويدخل على هذا تحت حكم الأعراب جميع من أدرك النبي ﷺ ، ويشملهم رضوان الله. وعلى الوجه الثاني: يكون (وَالسَّابِقُونَ) عطف جملة على جملة، ويختص الرضوان بالسابقين والتابعين. وعلى الجملة يحصل من النظم مراتب الصحابة على خمس طبقات؛ لأن السابقين: إما من المهاجرين وإما من الأنصار، والتابعين: إما منهما وإما من غيرهما. وبناء لام المصنف على القول الثاني، لكن في لامه بحث، وكان من الواجب أن يجعل السابقين من المهاجرين: من هاجر الهجرتين ومن شهد بدراً والحديبية ومن صلى القبلتين، ومن الأنصار: من شهد العقبتين ومن شهد بدراً والحديبية ومن صلى القبلتين؛ لاشتراك الثلاثة الأخيرة فيهما. وأما حديث من بايع بالحديبية: فقد رويناه عن مسلم والترمذي والدارمي والنسائي

стр. 3484

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عن جابر في قوله تعالى: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ) [الفتح: ١٨]، قال: "بايعنا رسول الله ﷺ على أن لانفر، ولم نبايعه على الموت". وعن مسلم: "سئل جابر: كم كانوا يوم الحديبية؟ قال: كنا أربعة عشر مئة، فبايعناه وعمر ﵁ آخذ بيده تحت الشجرة، هي سمرة، فبايعناه، غير جد بن قيس الأنصاري اختفى تحت بطن بعيره". ورواية الدارمي نحو رواية مُسلم. وأما حديث أهل بيعة العقبة الأولى: فعلى ما رواه ابن الجوزي ﵀ في كتاب "الوفا": أنها كانت في سنة إحدى عشرة من النبوة، لقي ستة نفر من الخزرج، والعقبة الثانية في السنة المقبلة منها، لقي اثني عشر رجلاً من الأنصار فيها، فبايعوه. وقد أثبتنا نُبذاً من القصة في أول البقرة، عند قوله: (الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ) [البقرة: ٢٧]. وأما حديث مصعب بن عمير: فقد رواه ابن الجوزي: أن أهل البيعة الثانية لما انصرفوا بعث معهم رسول الله ﷺ مُصعب بن عمير إلى المدينة يُفقه أهلها، ويقرئهم القرآن، فأسلم خلقٌ كثير. قال صاحب "الجامع": هو مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد امناف، بعثه رسول الله ﷺ إلى المدينة يُقرئهم القرآن ويفقههم في الدين، وهو أول من جمع الجمعة بالمدينة قبل الهجرة.

стр. 3485

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وأما حديث الهجرة الأولى: فعلى ما رواه ابن الجوزي: أنه أمر رسول الله ﷺ بالخروج إلى أرض الحبشة، فقال: إن بها ملاً لا يظلم الناس، فتحرزوا عنده حتى يأتيكم الله بفرج منه، فخرج جماعة، وكان خروجهم في رجب من السنة الخامسة من النبوة، وخرجت قريش في آثارهم، ففاتوهم. وعن عبد الله بن عُتبة، عن ابن مسعود قال: بعثنا رسول الله ﷺ إلى النجاشي، ونحن نحو من ثمانين رجلاً، وبعث قريش عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد بهدية، فلما دخلا على النجاشي سجدا له، وقالا: إن نفراً من بني عمنا نزلوا بأرضك، ورغبوا عنا وعن ملتنا، فبعث إليهم، فقال جعفر بن أبي طالب ﵁: أنا خطيبكم اليوم، فلما دخلوا قيل له: لِمَ لا تسجد؟ فقال: إنا لا نسجد لغير الله. وروينا في "مُسند أحمد بن حنبل" ﵁: "قال: فدعانا، قال جعفر: أيها الملك، كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، حتى بعث الله إلينا رسولاً منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله تعالى وتوحيده وعبادته، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وقذف المحصنات، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام - وعدد عليه أمور الإسلام-، فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به، فعدا علينا قومنا، فعذبونا وفتنونا، ليردونا إلى عبادة الأوثان، وأن نستحل الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا خرجنا إلى بلدك، اخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك. فقال له النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله ؟ فقال جعفر: نعم، فقرأ عليه صدر من (كهيعص) [سورة مريم]، فبكى- والله - النجاشي حتى أخضل لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم، فقال النجاشي: إن هذا والذي جاء به عيسى ﵇ من مشكاة واحدة".

стр. 3486

وقرأ عمر ﵁: "والأنصار" بالرفع؛ عطفا على (السابقون)، وعن عمر: أنه كان يرى أنّ قوله: (والأنصار وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ) بغير واو، صفة للأنصار، حتى قال له زيد: إنه بالواو، فقال: ائتوني بأبي، فقال: تصديق ذلك في أول الجمعة: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال ابن الجوزي: "قال عمرو بن العاص: فإنهم يخالفونك في عيسى ابن مريم. قال: فما تقولون في عيسى ابن مريم ﵇؟ قال: نقول كما قال الله تعالى: هو كلمة الله وروحه ألقاها إلى العذراء البتول التي لم يمسها بشر. قال: فرفع عُوداً من الأرض، وقال: يا معشر الحبشة والقسيسين والرهبان، والله ما يزيدون على ما نقول فيه، مرحباً بكم وبمن جئتم من عنده، أشهد أنه رسول الله، فإنه الذي نجده في الإنجيل، وإنه الذي بشر به عيسى ابن مريم، انزلوا حيث شئتم، لولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أكون أنا أحملُ نعليه، وأمر بهدايا الآخرين فردت إليهما". وأما الهجرة الثانية: فهي ما رويناه في "صحيح البخاري" عن ابن عباس: أنزل على النبي ﷺ وهو ابن أربعين، فمكث ثلاث عشرة سنة، ثم أمر بالهجرة، فهاجر إلى المدينة، فمكث بها عشر سنين، ثم توفي ﷺ ". وأما تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة: فقد روى صاحب "الكامل": أنه في يوم الثلاثاء النصف من شعبان على رأس ثمانية عشر شهراً من مقامه بالمدينة، وقيل: على رأس ستة عشر. وفي هذه السنة وقعت غزوة بدر الكبرى في شهر رمضان، في سابع عشرة، وقيل: في تاسع عشرة، وكانت يوم الجمعة. وفي سن ست من الهجرة كانت عمرة الحديبية، وفيها بيعة الرضوان. فعُلم أن بيعة الرضوان لم تكن بين الهجرتين، كما نقله المصنف. قوله: (تصديق ذلك في أول الجمعة): يعني: يشهد لما ذكرت من أن الواو لازم:

стр. 3487

(وَآخَرِينَ مِنْهُمْ) [الجمعة: ٣]، وأوسط الحشر: (وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ) [الحشر: ١٠]، وآخر الأنفال: (وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ) [الأنفال: ٧٥]. وروى: أنه سمع رجلا يقرؤه بالواو، فقال: من أقرأك؟ قال: أبىّ، فدعاه، فقال: أقرأنيه رسول الله ﷺ ، وإنك لتبيع القرظ بالبقيع، قال: صدقت، وإن شئت قلت: شهدنا وغبتم، ونصرنا وخذلتم، وآوينا وطردتم. ومن ثم قال عمر: لقد كنت أرانا رفعنا رفعة لا يبلغها أحد بعدنا. وارتفع "السابقون" بالابتداء، وخبره ﵃، ومعناه: رضي عنهم لأعمالهم، (وَرَضُوا عَنْهُ) لما أفاض عليهم من نعمته الدينية والدنيوية. وفي مصاحف أهل مكة: "تجرى من تحتها"، وهي قراءة ابن كثير، وفي سائر المصاحف: (تحتها)، بغير (من). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ) [الجمعة: ٢] إلى قوله: (وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ) [الجمعة: ٣]، كما في قوله: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ) [الحشر: ١٠]، كذلك ينبغي أن يجري قوله: (وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ). قوله: (لتبيع القرظ): القرظ: ورق السلم يدبغ به، ومنه: أديم مقروظ. قوله: (كنت أرانا رُفعنا)، النهاية: "أُرى: فعلٌ لم يسم فاعله، من: رأيت، بمعنى: ظننت، وهو يتعدى إلى مفعولين، فإذا بنيته إلى ما لم يسم فاعله تعدى إلى مفعول واحد، فقلت: أرى زيداً". ومعنى كلامه ﵁: إني كنت أظن أن المهاجرين هم السابقون فقط، حيث جعل "الذين اتبعوهم بإحسان" صفة للأنصار، فإذا الأنصار مثلنا في الرفعة ومنخرطون في سلك السابقين الأولين، والآيات التي جاء بها أبي مستشهداً دالة على أن المراد بـ "التابعين" غير "الأنصار".

стр. 3488

[(وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ) ١٠١]. (وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ) يعنى: حول بلدتكم، وهي المدينة، (مُنافِقُونَ) وهم جهينة وأسلم وأشجع وغفار، كانوا نازلين حولها، (وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ) عطف على خبر المبتدأ الذي هو"ممن حولكم"، ويجوز أن تكون جملة معطوفة على المبتدأ والخبر إذا قدّرت: ومن أهل المدينة قوم مردوا على النفاق، على أنّ (مَرَدُوا) صفة موصوف محذوف، كقوله: أنَا ابْنُ جَلَا ..... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أنا ابن جلا): تمامه: أنا ابن جلا وطلاع الثنايا … متى أضع العمامة تعرفوني القائل سحيم بن وثيل الرياي، أي: أنا ابن رجل كشف الأمور وأوضحها، وقيل: "جلا" مصدر مقصور، وهو انحسار الشعر من الرأس، أي: أنا ابن من باشر الحروب، لان من أكثر وضع البيضة على رأسه انحسر شعره. "طلاع الثنايا": أي: ثنايا الجبال، ويُقال: رجلٌ طلاع الثنايا وطلاع أنجد، أي: يقصد عظائم الأمور.

стр. 3489

وعلى الوجه الأوّل: لا يخلو من أن يكون كلاما مبتدأ، أو صفة لـ (منافقون)، فصل بينها وبينه بمعطوف على خبره. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ "متى أضع العمامة تعرفوني": أي: بالصفة المذكورة التي هي انحسار الشعر، التقدير: أنا ابن رجل يقال له: جلا. قال ابن الحاجب في "الأمالي": "معنى البيت هو: أنني أرتكب الأهوال ولا أجبن عنها، وقوله: "متى أضع العمامة تعرفوني": إما أن يُريد به كثرة المباشرة للحرب، فلا يراه الأكثر إلا بغير عمامة، فقال: متى أضع العمامة يعرفني الذي ما رآني إلا غير متعمم، أو يريد: إني مُكثر لمباشرة الحرب ولباس عدة الحرب، فمتى أضع العمامة وألبس آلة الحرب تعرفوني، يعني: إني إذا حاربت عُرفت بإقدامي وشجاعتي. وأما قوله: "جلا" ففيه غير قول، تقديره: أنا ابن رجل جلا، فحذف الموصوف وأقيم الصفة مقامهن وقيل: إن "جلا" علمٌ غلب على أبيه، وقيل: إنما أراد أنا ابن ذي جلا، والجلا: انحسار الشعر عن مقدم الرأس". قوله: (وعلى الوجه الأول: لا يخلو من أن يكون كلاماً مبتدأ): فيكون قوله: "من أهل المدينة" مع ما عُطف عليه خبرين لقوله: (مُنَافِقُونَ)، و (مَرَدُوا): إما استئناف على تقدير: ما حالهم وما ديدنهم، وأجب: (مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ)، أو صفة. قال أبو البقاء: " (مَرَدُوا) صفة للمنافقين، وقد فصل بينهما بقوله: (وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ) خبر مبتدأ محذوف،

стр. 3490

(مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ): تمهروا فيه، من: مرن فلان عمله، ومرد عليه: إذا درب به وضرى عليه، حتى لان عليه ومهر فيه، ودلّ على مرانتهم عليه ومهارتهم فيه بقوله: (لا تَعْلَمُهُمْ)، أي: يخفون عليك مع فطنتك وشهامتك وصدق فراستك، لفرط تنوقهم في تحامى ما يشكك في أمرهم، ثم قال (نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ)، أي لا يعلمهم إلا الله، ولا يطلع على سرهم غيره، لأنهم يبطنون الكفر في سويداوات قلوبهم إبطانا، ويبرزون لك ظاهرا كظاهر المخلصين من المؤمنين، لا تشك معه في إيمانهم، وذلك أنهم مردوا على النفاق، وضروا به، فلهم فيه اليد الطولي. (سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ) قيل: هما القتل وعذاب القبر، وقيل: الفضيحة وعذاب القبر، وعن ابن عباس: أنهم اختلفوا في هاتين المرّتين، فقال: "قام رسول الله ﷺ خطيبا يوم الجمعة فقال: "اخرج يا فلان فإنك منافق، اخرج يا فلان فإنك منافق"، فأخرج ناسا وفضحهم"، فهذا العذاب الأوّل، والثاني عذاب القبر. وعن الحسن: أخذ الزكاة من أموالهم، ونهك أبدانهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أي: من أهل المدينة قوم كذلك، (لا تَعْلَمُهُمْ) صفة أخرى، والعلم بمعنى المعرفة، يتعدى إلى مفعول واحد". قوله: (إذا درب به وضري)، أي: مهر واعتاد. قوله: (تنوقهم): تنوق: أي: تأنق، الأساس: "تنوق في الأمر، وفلان له نيقة. وفي المثل: خرقاء ذات نيقة، يُضرب لجاهل يدعي المعرفة". قوله: (فقال: قام رسول الله ﷺ : الفاء فصيحة، والتقدير: رُوي عن ابن عباس أنه قال: إن الصحابة اختلفوا فيهاتين المرتين على أقوال، وأنكر هذا الاختلاف، فقال: قام …

стр. 3491

(إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ): إلى عذاب النار. [(وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ١٠٢]. (اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ) أي: لم يعتذروا من تخلفهم بالمعاذير الكاذبة كغيرهم، ولكن اعترفوا على أنفسهم بأنهم بئس ما فعلوا متذممين نادمين، وكانوا ثلاثة: أبو لبابة مروان ابن عبد المنذر، وأوس بن ثعلبة، ووديعة بن حرام. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وروينا في "مسند أحمد بن حنبل" عن ابن مسعود قال: "خطبنا رسول الله ﷺ ، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: "إن منكم منافقين، فمن سميت فليقم"، ثم قال "قم يا فلان"، حتى سمي ستة وثلاثين". قوله: ((اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ) - إلى قوله-: وكانوا ثلاثة: أبو لبابة مروان بن عبد المنذر، وأوس بن ثعلبة، ووديعة بن حرام): وفي هذا المقام اختلاف كثير بين المحدثين والمفسرين لا يكاد ينضبط. أما أبو لبابة: فعلى ما ذكره صاحب "الاستيعاب" و"جامع الأصول": "هو أبو لبابة رفاعة بن عبد المنذر"، وأما أوس بن ثعلبة ووديعة بن حرام: فليس لهما ذكر في هذين الكتابين.

стр. 3492

وقيل: كانوا عشرة، فسبعة منهم أوثقوا أنفسهم لما بلغهم ما نزل في المتخلفين، فأيقنوا بالهلاك، فأوثقوا أنفسهم على سواري المسجد، فقدم رسول الله ﷺ ، فدخل المسجد فصلى ركعتين، وكانت عادته ﷺ كلما قدم من سفر، فرآهم موثقين، فسأل عنهم، فذكر له أنهم أقسموا أن لا يحلوا أنفسهم حتى يكون رسول الله ﷺ هو الذي يحلهم، فقال: "وأنا أقسم أن لا أحلهم حتى أؤمر فيهم"، فنزلت، فأطلقهم وعذرهم، فقالوا: يا رسول الله، هذه أموالنا التي خلفتنا عنك، فتصدق بها وطهرنا، فقال: "ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئاً"، فنزلت: (خذ من أموالهم صدقة) [التوبة: ١٠٣]. (عَمَلًا صالِحاً): خروجا إلى الجهاد، (وَآخَرَ سَيِّئاً): تخلفا عنه. عن الحسن وعن الكلبي: التوبة والإثم. فإن قلت: قد جعل كل واحد منهما مخلوطا، فما المخلوط به؟ قلت: كل واحد منهما مخلوط ومخلوط به، لأنّ المعنى: خلط كل واحد منهما بالآخر، كقولك: "خلطت الماء واللبن"، تريد: خلطت كل واحد منهما بصاحبه، وفيه ما ليس في قولك: "خلطت الماء باللبن"، لأنك جعلت الماء مخلوطاً واللبن مخلوطاً به، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وذكر محيي السنة في "المعالم" عن ابن عباس أنه قال: كانوا عشرة منهم أبو لبابة. وروى عطية [عنه]: أنهم كانوا خمسة أحدهم أبو لبابة، وقال سعيد بن جبير وزيد بن أسلم: كانوا ثمانية، وقال قتادة والضحاك: كانوا سبعة، وقالوا جميعاً: أحدهم أبو لبابة. قوله: (وكانت عادته): أي: كانت دخول المسجد للصلاة بعد القدوم عادته صلوات الله عليه، فأنث اسم "كان" باعتبار الخبر، كقوله: من كانت أمك؟ قوله: (وفيه ما ليس في قولك: خلطت الماء باللبن): أي: من أن كل واحد منهما مخلوط

стр. 3493

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ صريحاً ومخلوط به، بخلاف ما إذا جيء بالباء، قال صاحب "الانتصاف": "فإذا ذكرت الباء صرحت باختلاط أحد القسمين بالآخر، واختلاط الآخر به من جهة اللزوم، وبالواو صرحت بأن كل احد مخلوط، وكون كل واحد منهما مخلوطاً به مأخوذ من اللزوم، فقول الزمخشري: "هو بالواو يُفيد ما تفيده الباء وزيادة" بعيد، بل الوجه أنه ضمن (خَلَطُوا) معنى: عملوا". وقال صاحب "التقريب": وفيه بحث؛ لأن كل واحد منهما إما أن يدل على الآخر أو لا؛ فإن لم يدل فلا نسلم كونهما مخلوطاً بهما في الأول، وإن دل لزم كونهما مخلوطين ومخلوطاً بهما في الثاني، ويمكن أن يقال: مقتضى الخلط ذكر الباء، ففي الأول لابد من تقدير المخلوط به، وهو إما أحد المذكورين أو غيرهما، والثاني منتفٍ بالأصل وبالقرينة، وكذا بالعكس، فتعين الآخر، فكل واحد مخلوط به لتوفر مقتضى الخلط ومخلوط صريحاً، وأما الثاني- وهو ما ذُكر الباء معه- فقد وفد على الخلط ما يقتضيه، ولا ضرورة تُلجيء إلى جعل الآخر مخلوطاً به، ولا يلزم أن يكون مخلوطين لوجود الباء، ولا مخلوطاً بهما لعدم شمول الباء لهما، بل أحدهما مخلوط والآخر مخلوط به، كما هو صريح اللفظ، فالأول أبلغ، وهو المطلوب.

стр. 3494

وإذا قلته بالواو جعلت الماء واللبن مخلوطين ومخلوطاً بهما، كأنك قلت: خلطت الماء باللبن واللبن بالماء، ويجوز أن يكون من قولهم: بعت الشاة شاة ودرهما، بمعنى: شاة بدرهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقلت: يلزم من الأول خلطان صريحاً، ومن الثاني خلط واحد، على ما قال صاحب "المفتاح": " (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً) بسيء (وَآخَرَ سَيِّئاً) بصالح، لأن الخلط يستدعي مخلوطاً ومخلوطاً به، أي: تارة أطاعوا وأحبطوا الطاعة بكبيرة، وأخرى عصوا وتداركوا المعصية بالتوبة". وقلت: الحبوط مذهبه، مع أنه دفع لا خلط. قوله: (شاة ودرهماً): عن سيبويه: الواو في "ودرهماً" بمعنى الباء، أي: بدرهم، لأن الواو للجمع، والباء للإلصاق، والجمع والإلصاق من باب واحد. قاله شارح "الكتاب". وقال ابن الحاجب: "بعت الشاة شاة ودرهماً: أصله: شاة بدرهم، أي: شاة مع درهم، ثم كثر ذلك فنصبوا "شاة" نصب "يداً"، ثم أبدلوا من باء المصاحبة واواً، وإذا أُبدلت باء المصاحبة واواً وجب أن يُعرب ما بعدها بإعراب ما قبلها، كقولهم: كل رجلٍ وضيعته، وقلهم: امرأ ونفسه".

стр. 3495

فإن قلت: كيف قيل: (أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ) وما ذكرت توبتهم؟ قلت: إذا ذكر اعترافهم بذنوبهم، وهو دليل على التوبة، فقد ذكرت توبتهم. [(خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) ١٠٣]. (تُطَهِّرُهُمْ) صفة لـ (صدقة)، وقرئ: "تطهرهم"، من أطهره، بمعنى: طهره. و"تطهرهم"، بالجزم جوابا للأمر. ولم يقرأ "وَتُزَكِّيهِمْ" إلا بإثبات الياء. والتاء في "تُطَهِّرُهُمْ" للخطاب أو لغيبة المؤنث، والتزكية: مبالغة في التطهير وزيادة فيه، أو بمعنى الإنماء والبركة في المال، (وَصَلِّ عَلَيْهِمْ) واعطف عليم بالدعاء لهم وترحم، والسنة أن يدعو المصدّق لصاحب الصدقة إذا أخذها، وعن الشافعي ﵀: أحب أن يقول الوالي عند أخذ الصدقة: "أجرك الله فيما أعطيت، وجعله لك طهوراً، وبارك لك فيما أبقيت". ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ولم يُقرأ (وَتُزَكِّيهِمْ) إلا بإثبات الياء): أي: ولم يقرأ أحد من الأئمة السبعة إلا بإثبات الياء، وقرأ مسلمة بن محارب في الشواذ بدون الياء، ووجه إثبات الياء أنه استئناف، كما في قوله تعالى: (لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ) [الحج: ٥]، أي: نحنُ نقر، فكذا هاهنا، أي: هي تزكيهم. قاله السجاوندي. قوله: (والتاء في (تُطَهِّرُهُمْ) للخطاب أو لغيبة المؤنث): قال أبو البقاء: " (تُطَهِّرُهُمْ) نصب صفة لـ (صَدَقَةً)، ويجوز أن يكون مستأنفا، والتاء للخطاب، أي: تطهرهم أنت، (وَتُزَكِّيهِمْ) التاء للخطاب لا غير، لقوله: (بها)، ويجوز أن يكون قوله: (تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) في موضع نصب صفة لـ (صَدَقَةً)، مع قولنا: إن التاء فيهما للخطاب، لأن قوله: (تُطَهِّرُهُمْ) تقديره: بها، ودل عليه (بها) الثانية، على أن يكون من باب التنازع، وإذا كان

стр. 3496

وقرئ: (إنّ صلاتك)، على التوحيد. (سكن لهم) يسكنون إليه، وتطمئنّ قلوبهم بأن الله قد تاب عليهم، (وَاللَّهُ سَمِيعٌ) يسمع اعترافهم بذنوبهم ودعاءهم، (عَلِيمٌ) بما في ضمائرهم من الغم من الندم لما فرط منهم. [(أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَاخُذُ الصَّدَقاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) ١٠٤]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فيها ضمير الصدقة جاز أن يكون صفة لها، ويجوز أن تكون الجملتان حالاً من ضمير الفاعل في (خُذُ) "، وذكر الزجاج نحوه. قوله: (وقرئ: (إِنَّ صَلاتَكَ) على التوحيد): حفص وحمزة والكسائي. قوله: ((سَكَنٌ لَهُمْ): يسكنون إليه)، الراغب: "السكون" ثبوت الشيء بعد تحرك، ويستعمل في الاستطيان، نحو: سكن مكان كذا، أي: استوطنه، واسم المكان: مسن، قال تعالى: (فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ) [الأحقاف: ٢٥]، وقال: (وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) [الأنعام: ١٣]، وقال: (جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ) [القصص: ٧٣]، فيُقال من الأول: سكنته، ومن الثاني: أسكنته، والسن: السكون وما يسكن إليه، قال: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً) [النحل: ٨٠]، وقال: (إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ) [التوبة: ١٠٣]، والسكنى: أن يُجعل له السكون في دار بغير أجرة".

стр. 3497

قرئ: (أَلَمْ يَعْلَمُوا) بالياء والتاء، وفيه وجهان: أحدهما: أن يراد المتوب عليهم، يعنى: ألم يعلموا قبل أن يتاب عليهم وتقبل صدقاتهم (أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ) إذا صحت، ويقبل الصدقات إذا صدرت عن خلوص النية، (وهو) للتخصيص والتأكيد، وأن الله تعالى من شأنه قبول توبة التائبين. وقيل: معنى التخصيص في (هو): أن ذلك ليس إلى رسول الله ﷺ ، إنما الله هو الذي يقبل التوبة ويردّها، فاقصدوه بها، ووجهوها إليه. [(وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) ١٠٥]. (وَقُلِ) لهؤلاء التائبين: (اعْمَلُوا) فإن عملكم لا يخفى، خيراً كان أو شراً، على الله وعباده، كما رأيتم وتبين لكم. والثاني: أن يراد غير التائبين؛ ترغيباً لهم في التوبة، فقد روى أنهم لما تيب عليهم ........ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (قرئ: (أَلَمْ يَعْلَمُوا) بالياء والتاء): بالياء التحتانية: السبعة، وبالتاء شاذة. قوله: (و (هو) للتخصيص): أي: لفظة (هُوَ) مفيدة للتخصيص والتأكيد، وأن الله من شأنه قبول توبة التائبين، مثال للتخصيص والتأكيد معاً، يعني: لابد أن يقبل التوبة، ولا يكون خلافه ألبتة، لأن من شأنه وعادته أن يفعله ولا يتركه، وذلك أن الضمير المرفوع للفصل أو للتأكيد، ثم في قوله: (يَقْبَلُ) ضمير يرجع إلى المسند إليه، فيزيد الحكم به تأكيداً. قوله: (والثاني أن يُراد غير التائبين ترغيباً لهم في التوبة): فعلى الأول: الكلام مع

стр. 3498

قال الذين لم يتوبوا: هؤلاء الذين تابوا كانوا بالأمس معنا، لا يكلمون ولا يجالسون، فما لهم، فنزلت. فإن قلت: فما معنى قوله: (وَيَاخُذُ الصَّدَقاتِ)؟ قلت: هو مجاز عن قبوله لها، وعن ابن مسعود "إن الصدقة تقع في يد الله تعالى قبل أن تقع في يد السائل"، والمعنى: أنه يتقبلها ويضاعف عليها، وقوله (فَسَيَرَى اللَّهُ) وعيد لهم وتحذير من عاقبة الإصرار والذهول عن التوبة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ التائبين، والاستفهام في (أَلَمْ يَعْلَمُوا) لاستبطاء توبتهم، ولذلك قدر: "ألم يعلموا قبل أن يُتاب عليهم"، ولم يُقدر في الثاني، لأن المراد ترغيب من استمر علمه، فالاستفهام للتقرير والتوبيخ. قوله: (قال الذين لم يتوبوا: هؤلاء الذين كانوا [بالأمس] معنا): يعني: (أَلَمْ يَعْلَمُوا) استفهام على سبيل التقرير، والجملة مفصولة على الاستئناف، فإنه تعالى لما قسم الأعراب المتخلفين أقساماً؛ منهم المنافقون ومنهم التائبون ومنهم المرجون، وذكر توبة التائبين بقوله: (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ) [التوبة: ١٠٢]، وأمر النبي ﷺ بأخذ الصدقات منهم أمارة لقبول التوبة، قرر لهم ذلك المعنى بقوله: (أَلَمْ يَعْلَمُوا) [التوبة: ١٠٤]، يعني: أما تقرر عندهم قبل أن يتوب الله عليهم أن الأمر على هذا، أقرر المعنى لغير التائبين منهم، ترغيباً لهم في التوبة، ثم أتبعه بقوله: (وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ)؛ ترهيباً لهم ووعيداً من عاقبة الإصرار والذهول عن التوبة. وهذا الوجه أوفق من الأول، لأن الوعيد بقوله: (فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ) لا يليق بالتائبين المأمور بقبول صدقاتهم النبي ﷺ . قوله: (إن الصدقة تقع في يد الله): روينا عن مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 3499

[(وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) ١٠٦]. قرئ: (مرجون) و (مرجؤن)؛ من أرجيته. وأرجأته: إذا أخرته، ومنه المرجئة، يعنى: وآخرون من المتخلفين موقوف أمرهم، (إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ) إن بقوا على الإصرار ولم يتوبوا، (وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ) إن تابوا، وهم ثلاثة: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، أمر رسول الله ﷺ أصحابه أن لا يسلموا عليهم ولا يكلموهم، ولم يفعلوا كما فعل أبو لبابة وأصحابه من شدّ أنفسهم على السواري، وإظهار الجزع والغم، فلما علموا أنّ أحداً لا ينظر إليهم فوّضوا أمرهم إلى الله، وأخلصوا نياتهم، ونصحت توبتهم، فرحمهم الله. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ "ما تصدق أحدٌ بصدقة من طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، إلا أخذها الرحمن بيمينه، وإن كانت تمرة، فتربو في كف الرحمن، حتى تكون أعظم من الجبل، كما يُربي أحدكم فلوه وفصيله"، ورواه البخاري مع تغيير فيه. قوله: (وقرئ: (مُرْجَوْنَ) و"مُرجَؤون"): ابن كثير وأبو بكر وابن عامر وأبو عمرو: (مُرجَؤون)، والباقون: بغير همز. قوله: (ومنه المُرجِئة): وهم الذين لا يقطعون على أهل الكبائر بشيء من عقوبة أو عفو، بل يؤخرون الحكم في ذلك إلى يوم القيامة، يُقال: أرجأت الأمر وأرجيته - بالهمز أو الياء-: إذا أخرته.

стр. 3500

(وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) وفي قراءة عبد الله: "غفور رحيم"، (وإمّا) للعباد، أي: خافوا عليهم العذاب، وارجوا لهم الرحمة. [(وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ الْحُسْنى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ * لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) ١٠٧ - ١٠٨]. في مصاحف أهل المدينة والشام: (الذين اتخذوا) بغير واو؛ لأنها قصة على حيالها؛ وفي سائرها بالواو؛ على عطف قصة مسجد الضرار الذي أحدثه المنافقون على سائر قصصهم. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (و (إمَّا) للعباد): أي لفظةُ (إمَّا) لشك العباد، قال الزجاج: " (إمَّا) لوقوع أحد الشيئين، والله عالم بما يصير إليه أمرهم، إلا أن هذا للعباد، خُوطبوا بما يعلمون، فالمعنى: ليكن أمرهم عندكم على هذا في الخوف والرجاء"، وهو المراد بقوله: "خافوا عليهم العذاب وارجوا لهم الرحمة" على الأمرين. وقال الإمام: "فجعل أناس يقولون: هلكوا إن لم يُنزل الله لهم عُذراً، وآخرون يقولون: عسى الله أن يغفر لهم"، وقال القاضي: "وفيه دليل على أن كلا الأمرين بإرادة الله تعالى". فعلى هذا: (إمَّا) لترديد الأمر بحسب المشيئة، لا بشك العباد، وهو مثلُ "أو" التنويعية. قوله: (في مصاحف أهل المدينة والشام: "الذين اتخذوا" بغير واو): وكذا قرأ نافع وابن عامر.

стр. 3501

روي: أنّ بني عمرو بن عوف لما بنوا مسجد قباء، بعثوا إلى رسول الله ﷺ أن يأتيهم، فأتاهم فصلى فيه، فحسدتهم إخوتهم بنو غنم بن عوف، وقالوا: نبنى مسجداً، ونبعث إلى رسول الله ﷺ يصلى فيه، ويصلى فيه أبو عامر الراهب إذا قدم من الشام، ليثبت لهم الفضل والزيادة على إخوتهم، وهو الذي سماه رسول الله ﷺ الفاسق، وقال لرسول الله ﷺ يوم أحد: لا أجد قوماً يقاتلونك إلا قاتلتك معهم، فلم يزل يقاتله إلى يوم حنين، فلما انهزمت هوازن خرج هارباً إلى الشام، وأرسل إلى المنافقين: أن استعدّوا بما استطعتم من قوة وسلاح، فإني ذاهب إلى قيصر، وآت بجنود، ومخرج محمداً وأصحابه من المدينة. فبنوا مسجداً بجنب مسجد قباء، وقالوا للنبي ﷺ : بنينا مسجداً لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والشاتية، ونحن نحب أن تصلى لنا فيه، وتدعو لنا بالبركة، فقال: "إني على جناح سفر وحال شغل، وإذا قدمنا- إن شاء الله - صلينا فيه"، فلما قفل من غزوة تبوك، سألوه إتيان المسجد، فنزلت عليه. فدعا بمالك بن الدخشم، ومعن بن عدى، وعامر بن السكن، ووحشي قاتل حمزة، فقال لهم: "انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وأحرقوه"، ففعلوا، وأمر أن يتخذ مكانه كناسة تلقى فيها الجيف والقمامة، ومات أبو عامر بالشام بقنسرين. (ضِراراً): مضارّة لإخوانهم أصحاب مسجد قباء ومعازة، (وَكُفْراً): وتقوية للنفاق، (وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ) لأنهم كانوا يصلون مجتمعين في مسجد قباء، فيغتص بهم، فأرادوا أن يتفرقوا عنه وتختلف كلمتهم، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فيغتص بهم): أي: يمتلئ بهم. الأساس: "المسجد غاص بأهله، وأغص الأرض علينا، فغصت بنا".

стр. 3502

(وَإِرْصاداً): وإعداداً لأجل لمَنْ (حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)، وهو الراهب، أعدوه له ليصلى فيه، ويظهر على رسول الله ﷺ . وقيل: كل مسجد بني مباهاة أو رياء وسمعة أو لغرض سوى ابتغاء وجه الله، أو بمال غير طيب: فهو لاحق بمسجد الضرار. وعن شقيق: أنه لم يدرك الصلاة في مسجد بني عامر، فقيل له: مسجد بني فلان لم يصلوا فيه بعد، فقال: لا أحب أن أصلى فيه، فإنه بني على ضرار، وكل مسجد بني على ضرار أو رياء أو سمعة، فإنّ أصله ينتهي إلى المسجد الذي بني ضراراً. وعن عطاء: لما فتح الله تعالى الأمصار على يد عمر ﵁، أمر المسلمين أن يبنوا المساجد، وأن لا يتخذوا في مدينة مسجدين، يضارّ أحدهما صاحبه. فإن قلت: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا) ما محله من الإعراب؟ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((وَإِرْصَاداً): وإعداداً)، الراغب: "الرصد: الإعداد للترقب، يقال: رصد وترصد وأرصدته له، قال تعالى: (وَإِرْصَاداً لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)، وقوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) [الفجر: ١٤]، تنبيهاً أنه لا ملجأ ولا مهرب. المرصد: موضع الرصد، والمرصاد: نحوه، كن يقال للمكان الذي اختص بالترصد". قوله: (أنه لم يُدرك الصلاة): يعني: كان من عادة شقيق أن يُصلي في مسجد بني عامر بالجماعة، وقد اتفق يوماً أنه لم يدرك الجماعة فيه، فقيل له: مسجد بني فُلان لم يصلوا فيه، أي: لم يقيموا فيه الجماعة، فهلا تصلي فيه بالجماعةن فأجاب بما أجاب. قوله: ((وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا) ما محله من الإعراب؟ ): هذا السؤال مبني على ما ذكره أولاً: "أن قوله: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا) إذا رُوي بالواو: هو عطف قصة مسجد الضرار الذي

стр. 3503

قلت: محله النصب على الاختصاص، كقوله: (الْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ) [النساء: ١٦٢]، وقيل: هو مبتدأ خبره محذوف، معناه: وفيمن وصفنا الذين اتخذوا، كقوله (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ) [المائدة: ٣٨]. فإن قلت: بم يتصل قوله: (مِنْ قَبْلُ)؟ قلت: بـ (اتخذوا)، أي اتخذوا مسجداً من قبل أن ينافق هؤلاء بالتخلف. (إِنْ أَرَدْنا): ما أردنا ببناء هذا المسجد (إِلَّا): إلا الخصلة (الْحُسْنى)، أو الإرادة الحسنى، وهي الصلاة وذكر الله والتوسعة على المصلين. (لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى) قيل: هو مسجد قباء أسسه رسول الله ﷺ ، وصلى فيه أيام مقامه بقباء، وهي يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وخرج يوم الجمعة ....... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أحدثه المنافقون على سائر قصصهم، وبغير الواو: على أنها قصة على حيالها". وعلى هذا ينبغي أن يكون جملة، وهو مفرد، فلابد من تقدر ما تتم به جملة، وما ذلك؟ وأجاب: إن أريد بإيرادها الذم - لأنها أفظع القصص -فتكون نصباً على الاختصاص، كما أن قوله: (وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ) [النساء: ١٦٢] أفضل الصفات، فقطع لذلك، وإن أُريد مجرد العطف فتكون رفعاً؛ على أنه مبتدأ خبره محذوف. قوله: (أي: اتخذوا مسجداً من قبل أن ينافق هؤلاء بالتخلف): يريد: أن هذه الآية متصلة بقوله تعالى: (وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَاذَنَكَ أُوْلُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (٨٦) رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ) [التوبة: ٨٦ - ٨٧].

стр. 3504

وهو أولى، لأنّ الموازنة بين مسجدي قباء أوقع. وقيل: هو مسجد رسول الله ﷺ بالمدينة، وعن أبى سعيد الخدري: سألت رسول الله ﷺ عن المسجد الذي أسس على التقوى، فأخذ حصباء فضرب بها الأرض وقال: "هو مسجدكم هذا" لمسجد المدينة. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يشهد له سبب النزول، وهو قوله: "فبنوا مسجداً بجنب مسجد قُباء، وقالوا للنبي ﷺ : نحن نحب أن تصلي لنا فيه، قال: "إني على جناح سفر، وإذا قدمنا، إن شاء الله تعالى، صلينا فيه"، فلما قفل من غزوة تبوك سألوه إتيان المسجد، فنزلت"، إلى آخره. وعن محيي السنة: " (مِنْ قَبْلُ): يرجع إلى أبي عامر، يعني: قوله: (حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ) من قبل أن يُبنى مسجد الضرار، والمحارب هو أبو عامر الفاسق، لأنه لم يزل يُقاتل إلى يوم حنين". قوله: (لأن الموازنة بين مسجدي قباء أوقع): يعني: إذا جعلنا المسجد مسجد قُباء، ولم نجعله مسجد المدينة، كان أنسب؛ لأن كلا المسجدين مبنيان في قُباء، وبانيهما إخوان؛ بنو عمرو بن عوف، وبنو غنم بن عوف.

стр. 3505

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقلت: بل الأنسب ما نص عليه صلوات الله عليه، على ما روينا عن مسلم والترمذي والنسائي عن أبي سعيد: قلت: يا رسول الله، أي المسجدين الذي أسس على التقوى؟ قال: فأخذ كفاً من حصباء، فضرب به الأرض، ثم قال: "هو مسجدكم هذا"، لمسجد المدينة. وفي رواية الترمذي والنسائي: تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى، فقال رجل: هو مسجد قباء، وقال الآخر: هو مسجد رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "هو مسجدي هذا". وأما بيان حقيقة الموازنة: فإن مسجد رسول الله ﷺ أحق بالوصف بالتقوى من أول يوم من مسجد قباء، لأن هذا الوصف وقع مقابلاً لقوله: (ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)، وكل ما يقابل هذه الأوصاف مفقود في مسجد قُباء، موجود في مسجد رسول الله ﷺ ، ولأن التعبير بالقيام عن الصلاة- في قوله:
следующие страницы →