Полный текст (9 345 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.
стр. 3501
روي: أنّ بني عمرو بن عوف لما بنوا مسجد قباء، بعثوا إلى رسول الله ﷺ أن يأتيهم، فأتاهم فصلى فيه، فحسدتهم إخوتهم بنو غنم بن عوف، وقالوا: نبنى مسجداً، ونبعث إلى رسول الله ﷺ يصلى فيه، ويصلى فيه أبو عامر الراهب إذا قدم من الشام، ليثبت لهم الفضل والزيادة على إخوتهم، وهو الذي سماه رسول الله ﷺ الفاسق، وقال لرسول الله ﷺ يوم أحد: لا أجد قوماً يقاتلونك إلا قاتلتك معهم، فلم يزل يقاتله إلى يوم حنين، فلما انهزمت هوازن خرج هارباً إلى الشام، وأرسل إلى المنافقين: أن استعدّوا بما استطعتم من قوة وسلاح، فإني ذاهب إلى قيصر، وآت بجنود، ومخرج محمداً وأصحابه من المدينة.
فبنوا مسجداً بجنب مسجد قباء، وقالوا للنبي ﷺ : بنينا مسجداً لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والشاتية، ونحن نحب أن تصلى لنا فيه، وتدعو لنا بالبركة، فقال: "إني على جناح سفر وحال شغل، وإذا قدمنا- إن شاء الله - صلينا فيه"، فلما قفل من غزوة تبوك، سألوه إتيان المسجد، فنزلت عليه.
فدعا بمالك بن الدخشم، ومعن بن عدى، وعامر بن السكن، ووحشي قاتل حمزة، فقال لهم: "انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وأحرقوه"، ففعلوا، وأمر أن يتخذ مكانه كناسة تلقى فيها الجيف والقمامة، ومات أبو عامر بالشام بقنسرين.
(ضِراراً): مضارّة لإخوانهم أصحاب مسجد قباء ومعازة، (وَكُفْراً): وتقوية للنفاق، (وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ) لأنهم كانوا يصلون مجتمعين في مسجد قباء، فيغتص بهم، فأرادوا أن يتفرقوا عنه وتختلف كلمتهم،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فيغتص بهم): أي: يمتلئ بهم. الأساس: "المسجد غاص بأهله، وأغص الأرض علينا، فغصت بنا".
стр. 3502
(وَإِرْصاداً): وإعداداً لأجل لمَنْ (حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)، وهو الراهب، أعدوه له ليصلى فيه، ويظهر على رسول الله ﷺ .
وقيل: كل مسجد بني مباهاة أو رياء وسمعة أو لغرض سوى ابتغاء وجه الله، أو بمال غير طيب: فهو لاحق بمسجد الضرار.
وعن شقيق: أنه لم يدرك الصلاة في مسجد بني عامر، فقيل له: مسجد بني فلان لم يصلوا فيه بعد، فقال: لا أحب أن أصلى فيه، فإنه بني على ضرار، وكل مسجد بني على ضرار أو رياء أو سمعة، فإنّ أصله ينتهي إلى المسجد الذي بني ضراراً.
وعن عطاء: لما فتح الله تعالى الأمصار على يد عمر ﵁، أمر المسلمين أن يبنوا المساجد، وأن لا يتخذوا في مدينة مسجدين، يضارّ أحدهما صاحبه.
فإن قلت: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا) ما محله من الإعراب؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((وَإِرْصَاداً): وإعداداً)، الراغب: "الرصد: الإعداد للترقب، يقال: رصد وترصد وأرصدته له، قال تعالى: (وَإِرْصَاداً لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)، وقوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) [الفجر: ١٤]، تنبيهاً أنه لا ملجأ ولا مهرب. المرصد: موضع الرصد، والمرصاد: نحوه، كن يقال للمكان الذي اختص بالترصد".
قوله: (أنه لم يُدرك الصلاة): يعني: كان من عادة شقيق أن يُصلي في مسجد بني عامر بالجماعة، وقد اتفق يوماً أنه لم يدرك الجماعة فيه، فقيل له: مسجد بني فُلان لم يصلوا فيه، أي: لم يقيموا فيه الجماعة، فهلا تصلي فيه بالجماعةن فأجاب بما أجاب.
قوله: ((وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا) ما محله من الإعراب؟ ): هذا السؤال مبني على ما ذكره أولاً: "أن قوله: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا) إذا رُوي بالواو: هو عطف قصة مسجد الضرار الذي
стр. 3503
قلت: محله النصب على الاختصاص، كقوله: (الْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ) [النساء: ١٦٢]، وقيل: هو مبتدأ خبره محذوف، معناه: وفيمن وصفنا الذين اتخذوا، كقوله (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ) [المائدة: ٣٨].
فإن قلت: بم يتصل قوله: (مِنْ قَبْلُ)؟ قلت: بـ (اتخذوا)، أي اتخذوا مسجداً من قبل أن ينافق هؤلاء بالتخلف.
(إِنْ أَرَدْنا): ما أردنا ببناء هذا المسجد (إِلَّا): إلا الخصلة (الْحُسْنى)، أو الإرادة الحسنى، وهي الصلاة وذكر الله والتوسعة على المصلين.
(لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى) قيل: هو مسجد قباء أسسه رسول الله ﷺ ، وصلى فيه أيام مقامه بقباء، وهي يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وخرج يوم الجمعة .......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أحدثه المنافقون على سائر قصصهم، وبغير الواو: على أنها قصة على حيالها". وعلى هذا ينبغي أن يكون جملة، وهو مفرد، فلابد من تقدر ما تتم به جملة، وما ذلك؟
وأجاب: إن أريد بإيرادها الذم - لأنها أفظع القصص -فتكون نصباً على الاختصاص، كما أن قوله: (وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ) [النساء: ١٦٢] أفضل الصفات، فقطع لذلك، وإن أُريد مجرد العطف فتكون رفعاً؛ على أنه مبتدأ خبره محذوف.
قوله: (أي: اتخذوا مسجداً من قبل أن ينافق هؤلاء بالتخلف): يريد: أن هذه الآية متصلة بقوله تعالى: (وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَاذَنَكَ أُوْلُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (٨٦) رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ) [التوبة: ٨٦ - ٨٧].
стр. 3504
وهو أولى، لأنّ الموازنة بين مسجدي قباء أوقع. وقيل: هو مسجد رسول الله ﷺ بالمدينة، وعن أبى سعيد الخدري: سألت رسول الله ﷺ عن المسجد الذي أسس على التقوى، فأخذ حصباء فضرب بها الأرض وقال: "هو مسجدكم هذا" لمسجد المدينة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يشهد له سبب النزول، وهو قوله: "فبنوا مسجداً بجنب مسجد قُباء، وقالوا للنبي ﷺ : نحن نحب أن تصلي لنا فيه، قال: "إني على جناح سفر، وإذا قدمنا، إن شاء الله تعالى، صلينا فيه"، فلما قفل من غزوة تبوك سألوه إتيان المسجد، فنزلت"، إلى آخره.
وعن محيي السنة: " (مِنْ قَبْلُ): يرجع إلى أبي عامر، يعني: قوله: (حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ) من قبل أن يُبنى مسجد الضرار، والمحارب هو أبو عامر الفاسق، لأنه لم يزل يُقاتل إلى يوم حنين".
قوله: (لأن الموازنة بين مسجدي قباء أوقع): يعني: إذا جعلنا المسجد مسجد قُباء، ولم نجعله مسجد المدينة، كان أنسب؛ لأن كلا المسجدين مبنيان في قُباء، وبانيهما إخوان؛ بنو عمرو بن عوف، وبنو غنم بن عوف.
стр. 3505
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقلت: بل الأنسب ما نص عليه صلوات الله عليه، على ما روينا عن مسلم والترمذي والنسائي عن أبي سعيد: قلت: يا رسول الله، أي المسجدين الذي أسس على التقوى؟ قال: فأخذ كفاً من حصباء، فضرب به الأرض، ثم قال: "هو مسجدكم هذا"، لمسجد المدينة.
وفي رواية الترمذي والنسائي: تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى، فقال رجل: هو مسجد قباء، وقال الآخر: هو مسجد رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "هو مسجدي هذا".
وأما بيان حقيقة الموازنة: فإن مسجد رسول الله ﷺ أحق بالوصف بالتقوى من أول يوم من مسجد قباء، لأن هذا الوصف وقع مقابلاً لقوله: (ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)، وكل ما يقابل هذه الأوصاف مفقود في مسجد قُباء، موجود في مسجد رسول الله ﷺ ، ولأن التعبير بالقيام عن الصلاة- في قوله:
стр. 3506
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ) - يستدعي المداومة، كما مر في أول البقرة، يعضده توكيده المنهي بقوله: (أَبَداً)، ومداومة رسول الله ﷺ لم تُوجد إلا في مسجده صلوات الله عليه.
وأما ما جاء عن الترمذي وأبي داود عن أبي هريرة قال: "نزلت هذه الآية في أهل قُباء: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا)، وكانوا يستنجون بالماء، فنزلت".
وعن ابن ماجه عن أبي أيوب وجابر وأنس: أن هذه الآية لما نزلت: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا)، قال رسول الله ﷺ : "يا معشر الأنصار، إن الله قد أثنى عليكم في الطهور، فما طهوركم؟ " قالوا: نتوضأ للصلاة، ونغتسل من الجنابة، ونستنتجي بالماء، قال: "هو ذاك، فعليكموه".
وكلام أبي هريرة لا يعارض نص رسول الله ﷺ ، وحديث جابر وأنس وأبي أيوب محتمل، بل هو إلى مسجد رسول الله ﷺ أقرب.
стр. 3507
(مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ): من أول يوم من أيام وجوده.
(فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا) قيل: لما نزلت مشى رسول الله ﷺ ومعه المهاجرون حتى وقف على باب مسجد قباء، فإذا الأنصار جلوس، فقال: "أمؤمنون أنتم؟ " فسكت القوم، ثم أعادها، فقال عمر: يا رسول الله، إنهم لمؤمنون وأنا معهم. فقال ﷺ : "أترضون بالقضاء؟ " قالوا: نعم، قال: "أتصرون على البلاء؟ " قالوا: نعم .........
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
على أنه لا يبعد أن يحمل التطهر على الطهارتين الظاهرة والباطنة، كما قال القاضي: "الطهارة من المعاصي والخصال المذمومة [طلبا] لمرضاة الله تعالى". هذا أوفق للنظم والتعريض بأن أصحاب الضرار على خلاف ذلك، والله أعلم.
قوله: (من أول يوم من أيام وجوده): أي: حين وُجد وأسس كان مبنياً على التقوى، قال الزجاج: (مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ): دخلت "مِن" في الزمان، والأصل "منذ" و"مُذ"، وهو أكثر الاستعمال في الزمان، و"مِن" جائزٌ دخولها أيضاً، لأنها الأصل في ابتداء الغاية والتبعيض، قال زُهير:
لِمَنِ الديار بقنة الحجر … أقوين من حجج ومن شهر
стр. 3508
قال: "أتشكرون في الرخاء؟ " قالوا: نعم. قال: ﷺ : "مؤمنون ورب الكعبة"، فجلس، ثم قال: "يا معشر الأنصار، إن الله قد أثنى عليكم، فما الذي تصنعون عند الوضوء وعند الغائط"، فقالوا يا رسول الله، نتبع الغائط الأحجار الثلاثة، ثم نتبع الأحجار الماء، فتلا النبي ﷺ (فيه رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا).
وقرئ: "أن يطهروا"، بالإدغام، وقيل: هو عام في التطهر من النجاسات كلها. وقيل:
كانوا لا ينامون الليل على الجنابة، ويتبعون الماء أثر البول. وعن الحسن: هو التطهر من الذنوب بالتوبة. وقيل: يحبون أن يتطهروا بالحمى المكفرة لذنوبهم، فحموا عن آخرهم.
فإن قلت: ما معنى المحبتين؟ قلت: محبتهم للتطهر: أنهم يؤثرونه، ويحرصون عليه حرص المحب للشيء المشتهى له على إيثاره، ومحبة الله تعالى إياهم: أنه يرضى عنهم ويحسن إليهم، كما يفعل المحب بمحبوبه.
[(أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) ١٠٩].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال أبو البقاء: " (أَوَّلِ) يتعلق بـ (أُسِّسَ)، والتقدير عند البصريين: من تأسيس أول يوم، لأنهم يرون أن "مِن" لا تدخل على ابتداء الزمان، وأن ذلك لـ"مُنذ"، وهو ضعيف، لأن التأسيس المقدر ليس بمكان حتى تكون "مِن" لابتداء الغاية، ويدل على جواز دخول "مِن" على الزمان ما جاء في القرآن من دخولها على (قبل) و (بعد) ".
قوله: (المشتهى): بالفتح، فالضمير المستتر يعود إلى اللام، والمجرور في (لَهُ) إلى "المحب"، وجاز "المشتهي" بالكسر، فالمجرور يعود إلى "الشيء"، والمستتر يعود إلى اللام.
стр. 3509
قرئ: (أَسس بنيانه)، و (أُسس بنيانه)، على البناء للفاعل والمفعول، و (أسس بنيانه)، جمع "أساس" على الإضافة، و"أساس بنيانه، بالفتح والكسر؛ جمع "أس"، و"أساس بنيانه"؛ على "أفعال"، جمع "أس" أيضا، و"أس بنيانه".
والمعنى: أفمن أسس بنيان دينه على قاعدة قوية محكمة، وهي الحق الذي هو تقوى الله ورضوانه، (خَيْرٌ أَمْ مَنْ) أسسه على قاعدة هي أضعف القواعد وأرخاها وأقلها بقاء، وهو الباطل والنفاق الذي مثله مثل (شَفا جُرُفٍ هارٍ) في قلة الثبات والاستمساك، وضع "شفا الجرف" في مقابلة "التقوى"، لأنه جعل مجازا عما ينافي التقوى.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (قرئ: (أَسَّسَ بُنْيَانَهُ) و"أسس بنيانه"): قرأ نافع وابن عامر "أسس بنيانه"؛ بضم الهمزة وكسر السين ورفع النون، والباقون: بفتح الهمزة واسين ونصب النون من (بُنْيَانَهُ).
قوله: (والمعنى: أفمن أسس بنيان دينه): قال الواحدي: "البنيان: مصدر يراد به المبني هاهنا، والتأسيس: إحكام أُسِّ البناء، وهو أصله، المعنى: المؤسس بنيانه متقياً يخاف الله ويرجو ثوابه ورضوانه". تم كلامه.
اعلم أن أصل المعنى أن يُقال: أفمن أسس بنيان دينه على قاعدة قوية محكمة خير أم من أسس النبيان على قاعدة ضعيفة رخوة، ثم: أفمن أسس بنيان دينه على الحق خير أم من أسس بنيان دينه على الباطل، لأن الحق هو الثابت الذي لا يزول، والباطل بخلافه. فوضع موضع الحق "التقوى"، لأن التقوى تستلزم الحق، وموضع الباطل: (شَفَا جُرُفٍ هَارٍ)، على إرادة ما يُضاد التقوى، يصح التقابل، لأن ما يُضاد التقوى مستلزم للباطل.
стр. 3510
فإن قلت: فما معنى قوله: (فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ)؟ قلت: لما جعل الجرف الهائر مجازا عن الباطل، قيل: (فانهار به في نار جهنم)، على معنى: فطاح به الباطل في نار جهنم، إلا أنه رشح المجاز، فجيء بلفظ "الانهيار" الذي هو للجرف،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فما معنى قوله: (فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ)؟ ) يعني: حين جعلت (شَفَا جُرُفٍ هَارٍ) مجازاً عما يُنافي التقوى، فأي مناسبة بينه وبين قوله: (فَانْهَارَ)؟
وأجاب: أنه متفرع على التشبيه، لأنه صفة ملائمة للمستعار منه ترشيحاً للاستعارة، ولما كان مبني الترشيح على تناسي التشبيه رأساً، وعلى صرف النفس عن توهمه أصلاً، قال: "وليُصور أن المبطل كأنه أسس بنياناً على شفا جُرفٍ من أودية جهنم، فانهار به ذلك الجرف، فهوى في قعرها".
قال القاضي: " (شَفَا جُرُفٍ هَارٍ) في مقابلة التقوى، وترشيحه بانهياره في النار في مقابلة الرضوان؛ تنبيهاً على أن تأسيس ذاك على أمر يحفظه عن النار، ويوصله إلى رضوان الله ومقتضياته التي الجنة أدناها، وتأسيس هذا على ما هم بسببه على صدد الوقوع في النار ساعة فساعة، ثم إن مصيرهم إلى النار لا محالة".
وقلت: تمام تقريره: أنه قوبل (عَلَى تَقْوَى مِنْ اللَّهِ) - المراد من قصد المؤمنين في تأسيسهم مسجد النبي ﷺ ، المنجح لمقاصدهم؛ من الظفر والنصرة في الدنيا، والفلاح بالعقبى، وهو الحق الثابت الواجب، المشبه بالقاعدة المحكمة القوية على الاستعارة المكنية- بقوله: (شَفَا جُرُفٍ هَارٍ)، وهو عزم المنافقين فيما أضمروا في تأسيسهم من الكيد بالمؤمنين، ثم خيبتهم فيما عزموا عليه، وهوا لباطل الزائل، المشبه بالقاعدة الرخوة الواهية.
стр. 3511
وليصور أنّ المبطل كأنه أسس بنيانا على شفا جرف من أودية جهنم، فانهار به ذلك الجرف، فهوى في قعرها.
والشفا: الحرف والشفير، وجرف الوادي: جانبه الذي يتحفر أصله بالماء، وتجرفه السيول فيبقى واهيا، والهار: الهائر، وهو المنصدع الذي أشفى على التهدم والسقوط، ووزنه "فعل"؛ قصر عن "فاعل"، كخلف، من: خالف، ونظيره: شاك وصات، في: شائك وصائت، وألفه ليست بألف "فاعل"، إنما هي عينه، وأصله هور وشوك وصوت. ولا ترى أبلغ من هذا الكلام، ولا أدلّ على حقيقة الباطل وكنه أمره.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ثم فرع على المستعار له "الرضوان" تجريداً، كما فرع على المستعار منه "الانهيار" ترشيحاً، وكلا التفريعين منبئان عن أقصى الدرجات وأبعد الدركات، وقوبل الواو في (وَرِضْوَانٍ) بالفاء في (فَانْهَارَ)، وكلا التفريعين منبئان عن استعارتين، للدلالة على أن التقوى تقتضي مسببات خارجة عن الحد والعد، وهو على منوال: (حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا) [الزمر: ٧١]، و (إِذَا جَاءُوهَا وفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا) [الزمر: ٧٣].
قوله: (وليُصوِّر): عطف على محذوف، يعني: لما أراد أن يُقال: فطاح به، رشح المجاز وقال: (فَانْهَارَ)، ليكون أبلغ، وليصور أن المبطل.
قوله: (والشفا: الحرف)، الراغب: "شفا البئر والنهر: طرفه، ويُضرب به المثل في القرب من الهلكة، قال تعالى: (وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا) [آل عمران: ١٠٣]، وأشفى على الهلاك، أي: حصل على شفاه، وتثنيته: شفوان، والفاء من المرض: موافاة شفا السلامة، وصار اسماً للبرء".
قوله: (وأصله: هورٌ): قال الزجاج: "ومعنى (هَارٍ): هائر، وهذا من المقلوب، كما قالوا: شاك السلاح، يريدون: شائك".
стр. 3512
وقرئ: (جرف). بسكون الراء.
فإن قلت: فما وجه ما روى سيبويه عن عيسى بن عمر: "على تقوى من الله"، بالتنوين؟ قلت: قد جعل الألف للإلحاق لا للتأنيث، كتترى؛ فيمن نوّن، ألحقها بـ"جعفر". وفي مصحف أبىّ:
"فانهارت به قواعده".
وقيل: حفرت بقعة من مسجد الضرار، فرئي الدخان يخرج منه. وروى: أن مجمع ابن حارثة كان إمامهم في مسجد الضرار،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الراغب: "هار البناء وتهور: سقط، وقرئ: (شفا جرف هائر)، يُقال: بئر هارٍ وهائر ومنهار، ويُقال: انهار فلان: إذا سقط من مكان عال، ورجل هار وهائر: ضعيف في أمره؛ تشبيهاً بالبئر الهائر".
قوله: (وقرئ "جُرف" بسكون الراء): ابن عامر وحمزة وأبو بكر، والباقون: بضمها.
قوله: (قد جعل الألف للإلحاق، لا للتأنيث): قال ابن جني: "حكى ابن سلام: قال سيبويه: كان عيسى بن عمر يقرأ (على تقوى من الله)، قلت: على أي شيء نون؟ قال: لا أدري ولا أعرفه، قلت: فهل نون أحد غيره؟ قال: "لا". قال ابن جني: "أما التنوين فإنه وإن كان غير مسموع إلا في هذه القراءة، فإن قياسه أن تكون الألف للإلحاق لا للتأنيث، كتترى، فيمن نون، وجعلها ملحقة بجعفر". ثم قال: "أما قول سيبويه: "لم يقرأ بها أحد"، فجائز يعني: ما سمعه، لكن لا عُذر له في أن يقول: لا أدري، لأن قياس ذلك أخف وأسهل على ما قلنا من أن تكون ألفه للإلحاق".
قوله: (رُوي أن مُجمع بن حارثة): "مُجمع": بفتح الميم الثاني مُشدداً، "حارثة": بالحاء المهملة
стр. 3513
فكلم بنو عمرو بن عوف - أصحاب مسجد قباء - عمر بن الخطاب ﵁ في خلافته: أن يأذن لمجمع يؤمّهم في مسجدهم، فقال: لا، ولا نعمة عين، أليس بإمام مسجد الضرار؟ فقال: يا أمير المؤمنين، لا تعجل علىّ، فوالله لقد صليت بهم، والله يعلم أنى لا أعلم ما أضمروا فيه، ولو علمت ما صليت معهم فيه، كنت غلاما قارئاً للقرآن، وكانوا شيوخا لا يقرؤون من القرآن شيئا، فعذره وصدّقه، وأمره بالصلاة بقومه.
[(لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) ١١٠].
(رِيبَةً): شكا فى الدين ونفاقا، وكان القوم منافقين، وإنما حملهم على بناء ذلك المسجد كفرهم ونفاقهم، كما قال : (ضِراراً وَكُفْراً) [التوبة: ١٠٧]، فلما هدمه رسول الله ﷺ ازدادوا - لما غاظهم من ذلك وعظم عليهم - تصميما على النفاق، ومقتاً للإسلام، فمعنى قوله: (لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ):
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والثاء المثلثة في نُسخ "الكشاف"، والرواية في "جامع الأصول": "مُجمع بن حارثة- ويُقال: ابن جارية- بن عامر الأنصاري، وكان أبوه منافقاً من أهل مسجد الضرار، وكان مُجمع مستقيماً، وكان قارئاً".
"مُجمع": بضم الميم وفتح الجيم وتشديد الميم الثانية وسرها وبالعين المهملة، و"جارية": بالجيم والياء تحتها نقطتان والراء: نحوه في "الاستيعاب".
قوله: (ولا نعمة عين): النعمة مصدر سماعي بمعنى الإنعام، الجوهري: "نُعمة العين - بالضم-: قرتها، ويُقال: نُعمَ عين، [ونعام عين]، ونعامة عين، ونعمة عين، ونعمى عين، كله بمعنى، أي: أفعل ذلك كرامة لك وإنعاماً لعينك وما أشبهه".
стр. 3514
لا يزال هدمه سبب شكّ ونفاق زائد على شكهم ونفاقهم، لا يزول وسمه عن قلوبهم، ولا يضمحلّ أثره "إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ" قطعاً، وتفرّق أجزاء، فحينئذ يسلون عنه، وأمّا ما دامت سالمة مجتمعة، فالريبة باقية فيها متمكنة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لا يزال هدمه سبب شك ونفاق زائد على شكهم): قال الإمام: "لما صار بناء ذلك البنيان سبباً لحصول الريبة في قلوبهم، جعل نفس ذلك البنيان ريبة، وفيه وجوه: أحدها: أن المنافقين عظم فرحهم ببناء المسجد، فلما أمرهم بتخريبه ثقل ذلك عليهم، وازداد بغضهم له، وارتيابهم في نبوته. وثانيها: أنه لما أمر بتخريبه ظنوا أن ذلك للحسد، فارتفع أمانهم عنه، وعظم خوفهم، فارتابوا في أنه هل يتركوا على ما هم فيه، أو يؤمر بقتلهم ونهب أموالهم؟ وثالثها: اعتقدوا أنهم كانوا محسنين في البناء، فلما أمر بتخريبه بقوا شاكين مرتابين في أنه لأي سبب أمر بتخريبه. والصحيح هو الأول".
وقلت: يمكن أن يرجح المعنى الثاني على أن الريبة محمولة على موضوعها الأصلي، قال الراغب: "الريبة: اسم من الريب"، وقال المصنف في قوله تعالى: (لا رَيْبَ فِيهِ) [البقرة: ٢]: "الريب مصدر: رابني، إذا حصل فيك الريبة، وحقيقة الريبة: قلق النفس واضطرابها، ومنه: ريب الزمان، وهو ما يُقلق النفوس ويشخص بالقلوب من نوائبه".
المعنى: لا يزال هدم بنيانهم الذي بنوا سبباً للقلق والاضطراب والوجل في الصدور، والشخوص في القلوب، إلى أن تقطع قلوبهم ما قال، فارتفع أمانهم عنه، وعم خوفهم على أنفسهم وأموالهم وذراريهم، والله تعالى أعلم.
стр. 3515
فيجوز أن يكون ذكر التقطيع تصويراً لحال زوال الريبة عنها، ويجوز أن يراد حقيقة تقطيعها، وما هو كائن منه بقتلهم، أو في القبور، أو في النار.
وقرئ: "يقطع"، بالياء، و"تقطع"، بالتخفيف، و (تقطع)، بفتح التاء؛ بمعنى تتقطع،
و"تقطع قلوبهم"، على أن الخطاب للرسول، أي: إلا أن تقطع أنت قلوبهم بقتلهم. وقرأ الحسن:
"إلى أن"، وفي قراءة عبد الله: "ولو قطعت قلوبهم"، وعن طلحة: "ولو قطعت قلوبهم"؛ على خطاب الرسول أو كل مخاطب.
وقيل: معناه: إلا أن يتوبوا توبة تتقطع بها قلوبهم ندما وأسفاً على تفريطهم.
[(إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) ١١١].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ذكرُ التقطيع تصويراً لحال زوال الريبة عنها): أي: كناية عن أن الريبة باقية متمكنة فيها غير زائلة، فلو صور أن قلوبهم تقطع وتفرق قطعاً حتى تخرج الريبة منها لزالت، وأما ما دامت سالمة متجمعة فالريبة باقية متمكنة فيها، ولما كانت الكناية غير منافية لإرادة غير ما وُضع له اللفظ ولإرادة ما وُضع له، قال: "فيجوز" بالفاء، وعطف عليه: "ويجوز أن يُراد حقيقته".
قال القاضي: " (إِلاَّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ) قطعاً بحيث لا يبقى لها قابلية الإدراك والإضمار، وهو في غاية المبالغة، والاستثناء من أعم الأزمنة".
قوله: (و (تَقَطَّعَ) بفتح الفاء): ابن عامر وحفص وحمزة، والباقون: بضمها.
стр. 3516
مثل الله إثابتهم بالجنة على بذلهم أنفسهم وأموالهم في سبيله بالشروي، وروى: تاجرهم فأغلى لهم الثمن، وعن عمر ﵁: فجعل لهم الصفقتين جميعاً، وعن الحسن: أنفسا هو خلقها، وأموالا هو رزقها. وروى: أن الأنصار حين بايعوه على العقبة، قال عبد الله بن رواحة: اشترط لربك ولنفسك ما شئت، قال: " أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم". قال: فإذا فعلنا ذلك فما لنا؟ قال: "لكم الجنة". قالوا: ربح البيع، لا نقيل ولا نستقيل.
ومرّ برسول الله ﷺ أعرابىّ وهو يقرؤها، فقال: كلام من؟ قال "كلام الله"، قال: بيع -والله- مربح، لا نقيله ولا نستقيله، فخرج إلى الغزو، فاستشهد فيه.
(يُقاتِلُونَ) فيه معنى الأمر، كقوله (وتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ) [الصف: ١١]، وقرئ: (فيقتلون ويقتلون) على بناء الأوّل للفاعل، والثاني للمفعول،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فجعل لهم الصفقتين): أي: المعقود عليه، وهو الثمن والمُثمن، أي: لا يعود الربح من البيع والشراء إلا إليهم. النهاية: "الصفقة: المرة من الصفق باليدين عند المبايعة، ومنه قول أبي هريرة: "ألهاهم الصفق بالأسواق"، أي: التبايع".
قوله: (فيه معنى الأمر)، وذلك أنه تعالى أتى بالمضارع كأنه قيل: اشتريت منكم أنفسكم في الأزل، وأعطيت ثمنها الجنة، فسلموا المبيع واستمروا على القتال، ومن ثم عقبه بقوله: (فَاسْتَبْشِرُوا).
قوله: (وقرئ: (فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ) على بناء الأول للفاعل، والثاني للمفعول): حمزة والكسائي: يبدآن بالمفعول قبل الفاعل، والباقون: يبدؤون بالفاعل قبل المفعول.
стр. 3517
وعلى العكس، (وَعْداً) مصدر مؤكد، وأخبر بأن هذا الوعد الذي وعده للمجاهدين في سبيله وعد ثابت، قد أثبته (فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ) كما أثبته في القرآن، ثم قال: (وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ) لأنّ إخلاف الميعاد قبيح، لا يقدم عليه الكرام من الخلق، مع جوازه عليهم لحاجتهم إليه، فكيف بالغنى الذي لا يجوز عليه قبيح قط؟ ولا ترى ترغيباً في الجهاد أحسن منه وأبلغ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وعد ثابت قد أثبته (فِي التَّوْرَاةِ): يعني: (حَقّاً) بمعنى: ثابتاً، وكان من المعلوم ثبوت هذا الحكم في القرآن، فقرن التوراة والإنجيل معه في سلك واحد، ليؤذن بالاشتراك، ولذلك أتى بحرف التشبيه وقال: "كما أثبته في القرآن"، إلحاقاً لما لا يُعرف بما يُعرف.
قوله: (لأن خلاف الميعاد قبيح) إلى آخره: تعليل لما يُعطيه الاستفهام وبناء "أفعل" في قوله: (وَمَنْ أَوْفَى) من معنى المبالغة.
قوله: (ولا ترى ترغيباً في الجهاد أحسن منه وأبلغ): وذلك أنه تعالى لما مثل صورة بذل المؤمنين أنفسهم وأموالهم، وصورة إثابته إياهم به بالجنة، بالبيع والشراء، أتى بقوله: (يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ) بياناً، لأن مكان التسليم المعركة، لأن البيع سلم، ومن ثم قيل: (بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ)، ولم يقل: بالجنة، وأبرز الأمر في صورة الخبر، ثم ألزم البيع من جانبه، وضمن إيصال الثمن إليهم، بقوله: (وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً)، أي: لا إقالة ولا استقالة من حضرة رب العزة ، ثم ما اكتفى بذلكن بلعين الصوك المثبت فيها هذه المبايعة، وهي التوراة والإنجيل والفرقان، وأذن بالسجل أيضاً، وهو قوله: (وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ)، وخصه باسمه الجامع،
стр. 3518
[(التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) ١١٢].
(التَّائِبُونَ) رفع على المدح، أي: هم التائبون، يعنى المؤمنين المذكورين، ويدل عليه قراءة عبد الله وأبىّ ﵄: "التائبين"، بالياء، إلى قوله: "والحافظين"، نصباً على المدح، ويجوز أن يكون جراً؛ صفة لـ (لمؤمنين)، وجوّز الزجاج أن يكون مبتدأ خبره محذوف، أي: التائبون العابدون من أهل الجنة أيضاً وإن لم يجاهدوا، كقوله (وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى) [النساء: ٩٥]، وقيل: هو رفع على البدل من الضمير في (يقاتلون)، ويجوز أن يكون مبتدأ، وخبره: (العابدون)، وما بعده؛ خبر بعد خبر، أي: التائبون من الكفر على الحقيقة الجامعون لهذه الخصال.
وعن الحسن: هم الذين تابوا من الشرك، وتبرؤا من النفاق.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ووضعه موضع المضمر، وأبرز التركيب في صيغة الإنشائية- وقد سبقت خواصه في قوله: (وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ) [آل عمران: ١٣٥]-، ثم ختمها بفذلكة حسنة على سبيل التذييل، وهو قوله: (وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ).
قوله: (كقوله: (وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) أي: في قوله تعالى: (لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ) إلى قوله: (وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) [النساء: ٩٥]، أي: كلاً من القاعدين والمجاهدين وعد الله المثوبة، وهو الجنة.
قوله: (أي: التائبون من الكفر على الحقيقة: الجامعون لهذه الخصال)، كقولك: المتقي: هو
стр. 3519
و (الْعابِدُونَ): الذين عبدوا الله وحده، وأخلصوا له العبادة، وحرصوا عليها.
و(السَّائِحُونَ): الصائمون؛ شبهوا بذوي السياحة في الأرض في امتناعهم من شهواتهم، وقيل: هم طلبة العلم يسيحون في الأرض، يطلبونه في مظانه.
[(ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ) ١١٣].
قيل قال ﷺ لعمه أبى طالب: "أنت أعظم الناس علىَّ حقاً، وأحسنهم عندي يداً، فقل كلمة تجب لك بها شفاعتي"، فأبى، فقال: "لا أزال أستغفر لك ما لم أنه عنه"، فنزلت.
وقيل: لما افتتح مكة سأل: أي أبويه أحدث به عهداً؟ فقيل: أمك آمنة، فزار قبرها بالأبواء، ثم قام مستعبراً فقال: "إني استأذنت ربى في زيارة قبر أمي، فأذن لي، واستأذنته في الاستغفار لها، فلم يأذن لي"، فنزلت.
وهذا أصح؛ لأنّ موت أبى طالب كان قبل الهجرة، وهذا آخر ما نزل بالمدينة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الذي يؤمن ويصلي ويزكي، وإنما قال: "على الحقيقة"، وفسر (الْعَابِدُونَ) بقوله: "الذين عبدوا الله وحده وأخلصوا له العبادة"؛ لأن الأخبار معرفة باللام، وقد عُطفت بعضها على بعض، للتنبيه على استقلال كل بالكمال، فلا يحمل مثلها على المبتدأ على الحصر إلا ليؤذن ببلوغ الغاية، عليه كلام الحسن.
قوله: (مستعبراً): يُقال: استعبر بالبكاء: بالغ فيه. و"الأبواء": موضع بين مكة والمدينة، وعنده بلد ينسب إليه. النهاية: "الأبواء- بفتح الهمزة وسكون الباء والمد-: جبل بين مكة والمدنية، وعنده بلد ينسب إليه".
قوله: (وهذا أصح؛ لأن موت أبي طاب كان قبل الهجرة، وهذا آخر ما نزل بالمدينة):
стр. 3520
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال صاحب "التقريب": وفيه نظر، إذ يجوز أن النبي ﷺ كان مستغفراً لأبي طالب إلى نزولها، والتشديد مع الكفار إنما ظهر في هذه السورة.
وقلت: هذا هو الحق، والرواية الأولى- وهي أن تكون نازلة في أبي طالب - هي الصحيحة، لما روينا عن البخاري ومسلم والنسائي عن المسيب بن حزن: لما حضرت أبا طالب الوفاة، جاءه رسول الله ﷺ ، قال: "أي عم، قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله" إلى قوله: قال أبو طالب آخر ما كلمهم: أنا على ملة عبد المطلب، وأبي أن يقول: لا إله إلا الله، فقال رسول الله ﷺ : "لأستغفرن لك ما لم أنه عنك"، فنزلت: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى) الآية.
وأما حديث أمه: فرويناه عن مسلم وأحمد بن حنبل وأبي داود وابن ماجه والنسائي عن أبي هريرة: أتى رسول الله ﷺ قبر أمه، فبكى، وأبكى من حوله، فقال رسول الله ﷺ : "استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يأذن لي، واستأذنت أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور، فإنها تُذكر الموت".
وأما قول المصنف: "سأل أي أبويه أحدث به عهداً" لا وجه له، ولا جاءت الرواية به؛
стр. 3521
وقيل: استغفر لأبيه. وقيل: قال المسلمون: ما يمنعنا أن نستغفر لآبائنا وذوى قرابتنا، وقد استغفر إبراهيم لأبيه، وهذا محمد يستغفر لعمه.
(ما كانَ لِلنَّبِيِّ): ما صح له الاستغفار في حكم الله وحكمته، (مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ) لأنهم ماتوا على الشرك.
[(وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) ١١٤].
قرأ طلحة: " وما استغفر إبراهيم لأبيه"، وعنه: "وما يستغفر إبراهيم"، على حكاية الحال الماضية، (إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاه) ُ أي: وعدها إبراهيم أباه، وهو قوله (لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ) (الممتحنة: ٤)، ويدل عليه قراءة الحسن وحماد الرواية: "وعدها أباه".
فإن قلت: كيف خفي على إبراهيم أن الاستغفار للكافر غير جائز حتى وعده؟ قلت: يجوز أن يظن أنه ما دام يرجى منه الإيمان، جاز الاستغفار له، على أن امتناع جواز الاستغفار للكافر إنما علم بالوحي، لأن العقل يجوّز أن يغفر الله للكافر، ألا ترى إلى قوله ﵇ لعمه: "لأستغفرنّ لك ما لم أنه"، وعن الحسن: قيل لرسول الله ﷺ : إن فلاناً يستغفر لآبائه المشركين، فقال: "ونحن نستغفر لهم"، فنزلت. وعن على ﵁: رأيت رجلا يستغفر لأبويه وهما مشركان، فقلت له، فقال: أليس قد استغفر إبراهيم؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
للعلم بأنه صلوات الله عليه وُلد وأبوه لم يكن حياً، قال ابن الجوزي في كتاب "الوفا": "وُلد عبد الله لأربع وعشرين سنة مضت من مُلك كسرى، ثم تزوجت به آمنة، فلما حملت برسول الله ﷺ تُوفي، وقد قيل: إن عبد الله توفي بعد ولادة رسول الله ﷺ ، ولا يصح ذلك. وكان رسول الله ﷺ مع أمه آمنة، فلما بلغ ست سنين خرجت إلى أخوالها بني عدي بن النجار بالمدينة تزورهم، ثم رجعت به إلى مكة، فلما كانوا بالأبواء توفيت أمه، فقرها هناك".
قوله: (وعن علي ﵁: رأيت رجلاً يستغفر لأبويه) الحديث: رواه الترمذي والنسائي، وفي آخره: "فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فنزلت الآية".
стр. 3522
فإن قلت: فما معنى قوله: (فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ)؟ قلت: معناه: فلما تبين له من جهة الوحي أنه لن يؤمن، وأنه يموت كافراً وانقطع رجاؤه عنه، قطع استغفاره، فهو كقوله: (مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ) [التوبة: ١١٣].
(أَوَّاهٌ) فعال، من أوه كـ"لال" من اللؤلؤ، وهو الذي يكثر التأوه، ومعناه: أنه لفرط ترحمه ورقته وحلمه كان يتعطف على أبيه الكافر ويستغفر له، مع شكاسته عليه، وقوله (لأرجمنك) [مريم: ٤٦].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فما معنى قوله: (فَلَمَّا تَبَيَّنَ)؟ ): وجه السؤال: لم يزل أبو إبراهيم كافراً، والكافر عدو الله، فكيف قيل: (فَلَمَّا تَبَيَّنَ)، كأنه كان خفياً كفره؟ وأجاب: أنه ما كان كفره خفياً، بل كان يُرجى منه الإيمان، فلما تبين له من جهة الوحي أنه يموت كافراً انقطع رجاؤه.
قوله ((اوَاهُ) فعال؛ مِن: أوَّهَ): قال الحريري في "درة الغواص": "يقولون في التأوه: أوه، والأفصح أن يُقال: أوه، بكسر الهاء وضمها وفتحها، والكسر أغلب، وعليه قول الشاعر:
فأوه لذكراها إذا ما ذكرتها … ومن [بُعدِ] أرضٍ بيننا وسماء
وقد شدد بعضهم الواو، فقال: أوه، ومنهم من حذف الهاء وكسر الواو، فقال: أو، وتصريف الفعل منها: أوه وتأوه، المصدر: الآهة، ومنه قولُ مثقب العبدي:
إذا ما قمت أرحلها بليلٍ … تأوه آهة الرجل الحزين
стр. 3523
[(وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) ١١٥ - ١١٦].
يعنى: ما أمر الله باتقائه واجتنابه -كالاستغفار للمشركين وغيره مما نهى عنه، وتبين أنه محظور- لا يؤاخذ به عباده الذين هداهم للإسلام، ولا يسميهم ضلالاً،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وفسر بعضهم "الأواه" بأنه: الذي يتأوه من الذنوب، وقيل: المتضرع في الدعاء".
وقيل: لآل: فعال، كضراب، ولؤلؤ: رُباعي مثل: برثن، والرباعي لا يؤخذ منه فعال، لأنه يعود إلى الحذف، فتصير هادماً، وأنت تقصد البناء، فـ "لآل" وُضع من تركيب "لأل"، لمن يُلابس اللؤلؤ ويبيعه، كالسمان والعواج، قال الفراء: سمعت العرب تقول لصاحب اللؤلؤة: لآل، مثل: لعال، والقياس: لآء، مثل: لعاع. نقله الجوهري.
قوله: (ما أمر الله باتقائه): تفسير لقوله: (يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ)، و (مَّا) موصولة، وكذا في "ما أمر الله" موصولة، و"مِن" في "مما نهى عنه" بيان لـ "غيره"، والخبرُ "لا يؤاخذ به"، وفي هذا التقرير بيان لاتصال هذه الآية بما قبلها.
قوله: (ولا يسميهم ضُلالاً): قيل: فيه إيماء إلى مذهبه، وقال الواحدي: "وما كان الله ليوقع الضلالة في قلوبهم".
стр. 3524
ولا يخذلهم، إلا إذا أقدموا عليه بعد بيان حظره عليهم، وعلمهم أنه واجب الاتقاء والاجتناب، وأما قبل العلم والبيان فلا سبيل عليهم، كما لا يؤاخذون بشرب الخمر، ولا ببيع الصاع بالصاعين قبل التحريم.
وهذا بيان لعذر من خاف المؤاخذة بالاستغفار للمشركين قبل ورود النهى عنه.
وفي هذه الآية شديدة ما ينبغي أن يغفل عنها، وهي أنّ المهديَّ للإسلام إذا أقدم على بعض محظورات الله داخل في حكم الإضلال،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقلت: بل الحق ما ذكره المصنف؛ لأن الآيات الثلاث المصدرة بقوله: (مَا كَانَ) في نظام واحد، وهو في الآية الأولى والثانية بمعنى: لا ينبغي، المعنى: لا يصح ولا يستقيم مِنَ المؤمنينَ أن يستغفروا للمشركين مِنْ بعدِ ما بين الله تعالى لهم أنهم من أصحاب النار، وكذلك لا يستقيم من لُطف الباري وأفضاله أن يَذُم المؤمنين ويؤاخذهم ويسميهم ضُلالاً حتى يبين لهم ما يتقون، وهو أن الاستغفار على من مات مشركاً غير جائز، فإذا بين لهم ذلك فلم يتركوا الاستغفار فحينئذ يسميهم ضُلالاً ويذمهم، ثم أوقع حال الخليل ﵇ بين الآيتين مستطرداً مؤكداً كالاعتراض، ويؤديه كلام القاضي: " (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً) أي: ليسميهم ضُلالاً ويؤاخذهم".
قوله: (كما لايؤاخذون بشُرب الخمر، ولا ببيع الصاع بالصاعين): يعني: الاستغفار لآباء المشركين من قبيل هاتين المعصيتين؛ في أن العقل يجوز ذلك قبل ورود الشرع.
قوله: (وفي هذه الآية شديدة): أي: خصلة أو بلية أو قارعة أو داهية، حذف الموصوف، كما حُذف الصلة في قولهم: "جاء بعد اللتيا والتي"؛ لشدة الأمر وفظاعته.
стр. 3525
والمراد بـ (ما يتقون): ما يجب اتقاؤه للنهى، فأما ما يعلم بالعقل - كالصدق في الخبر، وردّ الوديعة: فغير موقوف على التوقيف.
[(لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءوفٌ رَحِيمٌ) ١١٧].
(لقد تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ) كقوله: (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ) [الفتح: ٢]، وقوله: (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ) [غافر: ٥٥، محمد: ١٩]،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يعني: في الآية تهديد عظيم للعلماء الذين يقدمون على المناكير؛ على سبيل الإدماج، وتسميتهم ضُلالاً من باب التغليظ، ثم أكد الوعيد على سبيل الاستئناف بإثبات العلم المحيط، والقدرة الكامل الدالة على الإعادة للجزاء، حين لا ناصر سواه، من قوله: (إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يُحْيِ وَيُمِيتُ) الآية.
قوله (وأما ما يُعلم بالعقل): ففيه الخلاف المشهور، الانتصاف: "قاعدة الحسن والقبح تقتضي أن العقل حاكم، والشرع كاشفٌ لما غمض، وقد تقدم بطلانها".
قوله: ((تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ) كقوله: (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ): وبان وجه تشبيه الآيتين ما
стр. 3526
وهو بعث للمؤمنين على التوبة، وأنه ما من مؤمن إلا وهو محتاج إلى التوبة والاستغفار، حتى النبي والمهاجرون والأنصار، وإبانة لفضل التوبة ومقدارها عند الله، وأن صفة التوابين الأوّابين صفة الأنبياء، كما وصفهم بالصالحين ليظهر فضيلة الصلاح.
وقيل: معناه تاب الله عليه من إذنه للمنافقين في التخلف عنه، كقوله: (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ. فِي ساعَةِ) [التوبة: ٤٣].
(في ساعة الْعُسْرَةِ): في وقتها، والساعة مستعملة في معنى الزمان المطلق، كما استعملت الغداة والعشية واليوم:
غَدَاةَ طَفَتْ عَلْمَاءِ بَكْرُ بْنُ وَائِلِ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال: "وهو بعث للمؤمنين على التوبة" على سبيل التعريض، وذلك أنه صلوات الله عليه ممن يستغني عن التوبة، فوُصف بها ليكون بعثاً للمؤمنين على التوبة، "وإبانةً لفضل التوبة" على طريقة قوله تعالى: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ) [غافر: ٧]، وحملة العرش ليسوا ممن لا يؤمنون، لكن ذُكر الإيمانُ لشرفه والترغيب فيه، وإليه الإشارة بقوله: "وأن صفة الأوابين صفة الأنبياء"، والذي يدل على أن (تَابَ اللَّهُ) لمجرد الوصف عطف قوله: "وقيل: معناه: تاب الله [عليه] من إذنه للمنافقين" على هذا الوجه، لأنه بإزاء ما الأولى عدمه.
قوله: (وأنه ما من مؤمن إلا وهو محتاج): عطف تفسيري على قوله: "وهو بعث"، كما أن قوله: "وأن صفة التوابين" عطف على قوله: "وإبانة لفضل التوبة" كذلك.
قوله: (غداة طفت علماء بكر بن وائل): تمامه:
وعاجت صدور الخيل شطر تميم
стр. 3527
عَشِيَّةَ قَارَعْنَا جُذَامَ وَحِمْيَرَا
إذَا جَاءَ يَوْماً وَارِثِى يَبْتَغِى الْغِنَى
والعسرة: حالهم في غزوة تبوك،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يقول: إنهم علوا في المنزلة والغلبة على العدو. "عاج": أي: مال، والعوج: عطف رأس البعير بالزمام، "شطر تميم": نحوهم، طفا العود على الماء؛ أي: جرى، "علماء": أصله: على الماء، القياس الإدغام لاجتماع المتجانسين، فلما سُكن الثاني سكونا لازماً لم يتأت فيه الإدغام، لأنه عكس ما يُوجبه، وهو سكون الأول وتحرك الثاني، والتخفيف مطلوب، فعدلوا إلى الحذف، كما في: مست وظلت.
قوله: (عشية قارعنا جُذام وحميرا): وصدره:
وكنا حسبنا كل بيضاء شحمة
قال الأصمعي: في الأمثال: "ما كل بيضاء شحمة، ولا سوداء تمرة"، أي: ليس كل ما يشبه شيئاً ذلك الشيء، و"جُذام": أبو القبيلة. يقول: لما التقينا جُذام وحمير ظننا أن سبيلهم سبيل سائر الناس، وأنا سنغلبهم، فوجدناهم بخلاف ذلك. قوله: (إذا جاء يوماً وارثي يبتغي الغني): عجزه:
يجد جمع كف غير ملء ولا صفر
стр. 3528
كانوا في عسرة من الظهر؛ يعتقب العشرة على بعير واحد. وفي عسرة من الزاد؛ تزودوا التمر المدود، والشعير المسوّس، والإهالة الزنخة، وبلغت بهم الشدّة أن اقتسم التمرة اثنان، وربما مصها الجماعة، ليشربوا عليها الماء، وفي عسرة من الماء، حتى نحروا الإبل واعتصروا فروثها، وفي شدّة زمان، من حمارّة القيظ، ومن الجدب والقحط والضيقة الشديدة.
(كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ) عن الثبات على الإيمان، أو عن إتباع الرسول في تلك الغزوة والخروج معه، وفي (كاد) ضمير الشأن، وشبهه سيبويه بقولهم: ليس خلق الله مثله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يقال: أعطيت فلاناً جمع كف، أي: ملء كف، وضربته بجمع كفي، والصفر: الخالي، يقول: إذا جاء وارثي يبتغي الميراث يجد من ترتي ما هو غير كثير ولا قليل؛ فرسٌ ضامر، وسيف صارم، ورمحٌ خطي.
قوله: (في عُسرة من الظهر)، النهاية: "الظهر: الإبل يُحمل عليها ويُركب".
قوله: (التمر المدود): قال الحريري: "يقولون: باقلاء مدود، وطعام مسوس، ومتاع مقارب، ورجل موسوس، فيفتحون ما قبل الحرف الأخير من كل كلمة، والصواب كسره، ويُقال في الفعل من "المُدود": قد دود وأداد ودود وديد".
قوله: (والإهالة الزنخة)، النهاية: "الإهالة: كل شيء من الأدهان يؤتدم به، وقيل: هي ما أُذيب من الألية والشحم"، و"الزنخة: المتغيرة الرائحة، ويقال: سنخة، بالسين".
قوله: (من حمارة القيظ)، الجوهري: "حمارة القيظ- بتشديد الراء-: حره".
قوله: (ليس خلق الله مثله) أي: ليس الشأن خلق الله مثله.
стр. 3529
وقرئ: (يزيغ) بالياء، وفي قراءة عبد الله: "من بعد ما زاغت قلوب فريق منهم" يريد المتخلفين من المؤمنين، كأبى لبابة وأمثاله، (ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ) تكرير للتوكيد، ويجوز أن يكون الضمير للفريق، تاب عليهم لكيدودتهم.
[(وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) ١١٨].
(الثَّلاثَةِ): كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، ومعنى (خُلِّفُوا) خلفوا عن الغزو، وقيل: عن أبى لبابة وأصحابه حيث تيب عليهم بعدهم، وقرئ: "خُلِّفُوا" أي: خلفوا الغازين بالمدينة، أو فسدوا؛ من الخالفة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: (يَزِيغُ) بالياء): حمزة وحفص، والباقون: بالتاء الفوقانية.
قوله: (ويجوز أن يكون الضمير للفريق): عطف على قوله: (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ) تكرير للتوكيد" من حيث المعنى، يعني: إذا كان قوله: (تَابَ عَلَيْهِمْ) تكريراً كان الضمير للنبي ﷺ والمهاجرين والأنصار رضوان الله عليهم كما سبق، وإذا لم يكن تكريراً كان ذلك الضمير للفريق المذكور في قوله: (كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ)، لصدور الكيدودة منهم.
قوله: (أو فسدوا، من الخالفة)، النهاية: "وفي حديث أبي بكر ﵁: "جاءه أعرابي فقال له: أنت خليفة رسول الله ﷺ ؟ فقال: لا، فقال: فما أنت؟ فقال: أنا الخالفة بعده"، الخليفة: من يقوم مقام الذاهب ويسد مسده، والهاء فيه للمبالغة، وجمعه الخلفاء على معنى التذكير، لا على اللفظ، مثل: ظريف وظرفاء، ويُجمع على اللفظ: خلائف، كظريفة وظرائف. وأما الخالفة: فهو الذي لا غناء عنده ولا خير فيه. وإنما قال ذلك تواضعاً وهضماً من نفسه حين قال له: أنت خليفة رسول الله ﷺ ".
стр. 3530
وخلوف الفم. وقرأ جعفر الصادق ﵁: "خالفوا"، وقرأ الأعمش: "وعلى الثلاثة المخلفين".
(بِما رَحُبَتْ) برحبها، أي: مع سعتها، وهو مثل للحيرة في أمرهم، كأنهم لا يجدون فيها مكاناً يقرّون فيه قلقاً وجزعا مما هم فيه، (وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ) أي: قلوبهم، لا يسعها أنس ولا سرور، لأنها حرجت من فرط الوحشة والغمّ، (وَظَنُّوا): وعلموا (أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ) سخط (اللَّهِ إِلَّا) إلى استغفاره، (ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا): ثم رجع عليهم بالقبول والرحمة كرّة بعد أخرى، ليستقيموا على توبتهم ويثبتوا، أو: ليتوبوا أيضاً فيما يستقبل إن فرطت منهم خطيئة، علماً منهم أن الله تواب على من تاب، ولو عاد في اليوم مئة مرة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وخلوف الفم)، النهاية: "الخلفة -بالكسر- تغير ريح الفم، وأصلها في النبات: أن ينبت الشيء بعد الشيء، لأنها رائحة حديثة بعد الراحة الأولى، يُقال: خلف فمه خلفة وخلوفاً".
قوله: ((أَنْفُسَهُمْ): أي: قلوبهم): أي: لا يجوز أن تُجرى الأنفس- وهي الذوات- على معناها الحقيقي، لأن الضيق والسعة لا يستعملان فيها، فتكون مجازاً عن القلوب، لأن النفوس بها، كقوله: "المرء بأصغريه"، كما سبق في البقرة.
قوله: (ثم رجع عليهم بالقبول): يعني: قوله: (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ) تكرير لقوله: (وَعَلَى الثَّلاثَةِ)، لأنه معطوف على قوله: (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ) [التوبة: ١١٧]، وليس التكرير للتوكيد فقط، بل مع الاستيعاب، ولذلك قال: "كرة بعد أخرى"، وهذا يدل على أن (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ) - في تلك الآية- إذا كان للتكرير هو الوجه.
قوله: (أو ليتوبوا أيضاً فيما يُستقبل): يعني: أنه تعالى عاملهم بقبول التوبة والرحمة مرة
стр. 3531
روي أن ناساً من المؤمنين تخلفوا عن رسول الله ﷺ ، منهم من بدا له وكره مكانه فلحق به، عن الحسن: بلغني أنه كان لأحدهم حائط كان خيراً من مئة ألف درهم فقال: يا حائطاه، ما خلفني إلا ظلك وانتظار ثمرك، اذهب فأنت في سبيل الله، ولم يكن لآخر إلا أهله فقال: يا أهلاه ما بطأنى ولا خلفني إلا الضنّ بك، لا جرم والله لأكابدنّ المفاوز حتى ألحق برسول الله صلي الله عليه وسلم، فركب ولحق به. ولم يكن لآخر إلا نفسه، لا أهل ولا مال، فقال: يا نفس، ما خلفني إلا حب الحياة لك،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد أخرى؛ ليستقيموا على التوبة، أو ليستجدوها كلما فرطت منهم زلة، لأنهم علموا بالنصوص الصحيحة أن طريان الخطيئة يستدعي تجدد التوبة، وإليه الإشارة بقوله: "علماً منهم أن الله تواب على من تاب، ولو عاد في اليوم مئة مرة، واقتبسه من قوله ﷺ : "ما أصر من استغفر، ولو عاد في اليوم سبعين مرة"، رُوي عن أبي بكرن وألحقه الصغاني إلى الحسان في "كشف الحجاب".
قوله: (بدا له): أي: ندم، البداء- بالتفح والمد-: الندامة.
قوله: (إلا الضن بك): إنما أنث "بك"؛ لأن المراد من الأهل المرأة، وإلا فالأهل يُذكر ويؤنث.
стр. 3532
والله لأكابدنّ الشدائد حتى ألحق برسول الله صلي الله عليه وسلم، فتأبط زاده ولحق به، قال الحسن: كذلك -والله- المؤمن يتوب من ذنوبه ولا يصر عليها.
وعن أبى ذرّ الغفاري: أن بعيره أبطأ به، فحمل متاعه على ظهره، واتبع أثر رسول الله ﷺ ماشياً، فقال رسول الله ﷺ لما رأى سواده: "كن أبا ذرّ"، فقال الناس: هو ذاك، فقال: "رحم الله أبا ذرّ، يمشى وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (رحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده): أما مشيه وحده: فهذه المشية. وأما موته وحده: فإنه مات بالربذة وحده، وسببه: أنه خرج بعد وفاة أبي بكر ﵁ إلى الشام، فلم يزل بها حتى ولي عثمان ﵁، ثم استقدمه عثمان لشكوى معاوية، وأسكنه الربذة، فمات بها.
وعن أم ذر زوجته قالت لما حضرت أبا ذر الوفاة بيت، فقال لي: ما يبكيك؟ فقلت: ما لي لا أبكي، وأنت بفلاة من الأرض، وليس عندي ثوب يسعك كفناً، ولابد للقيام بجهازك! قال: فأبشري ولا تبكي، فإني سمعت رسول الله صلىلله عليه وسلم يقول لنفر أنا فيهم: "ليموتن منكم رجلٌ بفلاة من الأرض يشهده عصابة من المؤمنين"، وليس من أولئك النفر أحدٌ إلا قد مات في قومه وجماعته، فأنا ذلك الرجل، والله ما كذبت، فأبصري الطريق، فبينا نحن كذلك إذا برجال على رواحلهم، قالوا: يا أمة الله، مالك؟ قلت: امرؤ من المسلمين يموت فكفنوه، فكفنوه وقاموا عليه ودفنوه في نفر كلهم يمان. هذا مختصر من رواية ابن عبد البر في "الاستيعاب"، وليس فيه: "كن أبا ذر".
стр. 3533
وعن أبي خيثمة، أنه بلغ بستانه، وكانت له امرأة حسناء، فرشت له في الظل، وبسطت له الحصير، وقربت إليه الرطب والماء البارد، فنظر، فقال: ظل ظليل، ورطب يانع، وماء بارد، وامرأة حسناء، ورسول الله ﷺ في الضحّ والريح، ما هذا بخير، فقام فرحل ناقته، وأخذ سيفه ورمحه، ومرّ كالريح، فمدّ رسول الله ﷺ طرفه إلى الطريق، فإذا براكب يزهاه السراب، فقال: "كن أبا خثيمة"، فكأنه، ففرح به رسول الله ﷺ ، واستغفر له.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (في الضح)، النهاية: "في حديث أبي خيثمة ﵁: "يكون رسول الله ﷺ في الضح والريح، وأنا في الظل والتنعم"، الضح: ضوء الشمس إذا استمكن من الأرض، وهو كالقمراء للقمر".
قوله: (يزهاه السراب)، الجوهري: "زها السراب الشيء يزهاه: إذا رفعه".
قوله: (فكانه): أي: كان هو إياه، ومنه قوله:
ومُعذرٍ قال الجمال لوجهه … كن مجمعاً للطيبات فكانه
الجوهري: "كنتك وكنت إياك، كما تقول: ظننتك زيداً، وظننت زيداً إياك، تضع المنفصل في موضع المتصل في الكناية عن الاسم والخبر، لأنهما منفصلان في الأصل، لأنهما مبتدأ وخبر، قال أبو الأسود الدؤلي:
دع الخمر يشربها الغواة فإنني … رأيت أخاها كافياً بمكانها
فإلا يكنها أو تكنه فإنه … أخوها غذته أمه بلبانها
стр. 3534
ومنهم من بقي لم يلحق به، منهم الثلاثة، قال كعب: لما قفل رسول الله ﷺ سلمت عليه، فردّ علىّ كالمغضب بعدما ذكرني وقال: "ليت شعري ما خلف كعباً"؟ فقيل له: ما خلفه إلا حسن برديه، والنظر في عطفيه. فقال: معاذ "و" الله ما أعلم إلا فضلا وإسلاماً،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يعني: الزبيب".
وأما الرواية الصحيحة عن البخاري ومسلم والترمذي وأبي داود والنسائي عن ابن شهاب: فقال رسول الله ﷺ : "كن أبا خيثمة"، فإذا هو أبو خيثمة. وتمام حديث كعب بن مالك بطوله مروي بهذه الرواية الصحيحة، وليس فيه: "كن أبا ذر".
قوله: (إلا حُسن برديه، والنظر في عطفيه): كناية عن كونه معجباً بنفسه ذا زهو وتكبر.
وأما قوله ﷺ : "ما أعلم إلا فضلاً وإسلاماً": فإشارة إلى الرد فيما يتصور من ذلك
стр. 3535
ونهى عن كلامنا أيها الثلاثة، فتنكر لنا الناس، ولم يكلمنا أحد من قريب ولا بعيد.
فلما مضت أربعون ليلة أمرنا أن نعتزل نساءنا، ولا نقربهنّ، فلما تمت خمسون ليلة، إذا أنا بنداء من ذروة سلع: أبشر يا كعب بن مالك، فخررت ساجداً، وكنت كما وصفني ربى (ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ) وتتابعت البشارة، فلبست ثوبي، وانطلقت إلى رسول الله ﷺ ، فإذا هو جالس في المسجد وحوله المسلمون، فقام إلىّ طلحة بن عبيد الله يهرول إلي، حتى صافحني وقال: لتهنك توبة الله عليك،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الكلام، وهو النقصان في الإنسانية والنقصان في الدين، يعني: هو كامل خلقاً ودينا، وذكر ابن عبد البر في "الاستيعاب" قصته، وليس فيها هذه الزيادة، وقال: "هو أبو خيثمة الأنصاري احد بني سالم بن الخزرج، شهد أُحداً مع النبي ﷺ ، وبقي إلى أيام يزيد بن معاوية".
قوله: (ونهى عن كلامنا أيها الثلاثة): أي: خصوصاً الثلاثة، كقولهم: "اللهم اغفر لنا أيتها العصابة"، قال أبو سعيد السيرافي: إنه معول فعل محذوف، أي: أريد الثلاثة، وأخص الثلاثة. وخالفه الجمهور، وقالوا: "أي": مُنادى، و"الثلاثة": صفة له، وإنما أوجبوا ذلك لأنه في الأصل كان كذلك، فنُقل إلى الاختصاص، وكُلما نُقل من باب إلى باب، فإعرابه بحسب أصله، كأفعال التعجب.
قوله: (يُهرول إليّ)، النهاية: "الهرولة: ضرب من السير، بين المشي والعدو".
стр. 3536
فلن أنساها لطلحة، وقال رسول الله ﷺ ، وهو يستنير استنارة القمر: "أبشر يا كعب بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمّك"، ثم تلا علينا الآية.
وعن أبى بكر الورّاق: أنه سئل عن التوبة النصوح؟ فقال: أن تضيق على التائب الأرض بما رحبت، وتضيق عليه نفسه، كتوبة كعب بن مالك وصاحبيه.
[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ * ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) ١١٩ - ١٢١].
(مَعَ الصَّادِقِينَ): وقرئ: "من الصادقين"، وهم الذين صدقوا في دين الله نية وقولا وعملا، أو الذين صدقوا في إيمانهم ومعاهدتهم الله ورسوله على الطاعة، من قوله: (رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ) [الأحزاب: ٢٣]، وقيل: هم الثلاثة، أي كونوا مع المهاجرين والأنصار ووافقوهم، وانتظموا في جملتهم، واصدقوا مثل صدقهم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فلن أنساها لطلحة) أي: هذه الخصلة، وهي بشارته إياي بالتوبة، أي: لا أزال أذكر إحسانه إليَّ بذلك، وكنت رهين منته به.
قوله: (وعن ابن عباس: الخطاب لمن آمن من أهل الكتاب): عطفٌ على قوله: "وهم الذين صدقوا" من حيثُ المعنى.
стр. 3537
وقيل: لمن تخلف من الطلقاء عن غزوة تبوك. وعن ابن مسعود ﵁: "ولا يصلح الكذب في جدّ ولا هزل، ولا أن يعد أحدكم صبيه، ثم لا ينجزه، اقرؤوا إن شئتم: (وكونوا مع الصادقين)، فهل فيها من رخصة؟ ! ".
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اعلم أن الخطاب في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ): إن كان المراد عاماً فالمناسب أن يُراد بـ (الصَّادِقِينَ): ما قال أولاً: "وهم الذين صدقوا في دين الله نية وقولاً وعملاً"، وإن كان الخطاب لأهل الكتاب فالظاهر أن يُراد بـ (الصَّادِقِينَ): "الذين صدقوا في إيمانهم ومعاهدتهم الله ورسوله على الطاعة"، وهذا ما عليه الصحابة رضوان الله عليهم، ولذلك قال: (رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ) [الأحزاب: ٢٣]، وإن كان الخطاب لمن تخلف من الطلقاء، فالمناسب أن يُراد بـ (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ) الآية: [التوبة: ١١٧]، وعلى الثالث: قوله: (وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا) الآية [التوبة: ١١٨].
والأولى أولى الوجوه؛ لأنه كالخاتمة للآيات تشتمل على الفريقين وغيرهما، فيدخلوا فيه دخولاً أولياً من غير ترجيح، وليكون كالتخلص إلى العود إلى ما بُدئ به الكلام، وهو قوله: (مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ).
قوله: (من الطلقاء): قيل: هم السبعة الذين أوثقوا أنفسهم على سواري المسجد، فأطلقهم رسول الله ﷺ بعد نزول الآية.
قوله: (فهل فيها من رخصة؟ ): يعني: لما أمر المكلف بأن يدخل نفسه في زمرة الصادقين من الأنبياء والمرسلين، وأن تكون له مساهمة فيمن صدقه نية وقولاً وعملاً، فيكون قد كلفه فيالصدق بما لا يحتمل أدنى ما يصدق عليه الكذب.
стр. 3538
(وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ) أمروا بأن يصحبوه على البأساء والضراء، وأن يكابدوا معه الأهوال برغبة ونشاط واغتباط، وأن يلقوا أنفسهم من الشدائد ما تلقاه نفسه، علما بأنها أعزُ نفس عند الله وأكرمها عليه، فإذا تعرضت مع كرامتها وعزتها للخوض في شدّة وهول، وجب على سائر الأنفس أن تتهافت فيما تعرضت له، ولا يكترث لها أصحابها، ولا يقيموا لها وزنا، وتكون أخف شيء عليهم وأهونه،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أمروا أن يصحبوه على البأساء والضراء)، ثم قوله: "وهذا نهيٌ بليغ": يدل على أن الآية متضمنة للأمر أو النهي؛ أما النهي فمن قوله: (مَا كَانُ)، فإن معناها: لا ينبغي ولا يستقيم ولا يصح، وهو أبلغ من صريح النهي، فإذا نهوا عن أن يتخلفوا عنه، وعن أن يرغبوا بأنفسهم عن نفسه، وجب عليهم أن يصحبوه في البأساء والضراء، وأن يُلقوا أنفسهم ما تلقاه نفسه من الشدائد، فيكونوا مأمورين بذلك، بناء على أن النهي أمر بضده.
وإنما أفاد قوله تعالى: (وَلا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ) ما ذُكر من المبالغات، لأنه تعالى عداه بالباء وبـ "عن"، قال الواحدي: "يُقال: رغبتُ بنفسي عن هذا الأمر، أي: ترفعت عنه". النهاية: "يُقال: رغبت بفلان عن هذا الأمر: إذا كرهته له وزهدت له فيه، ومنه الحديث: إني لأرغب بك عن الأذان".
وقلت: معناه أن هذا الأمر مما لا يليق بمنزلتك، لأنك أرفع قدراً من أن تُزاوله، المعنى: ما صح لهم ولا استقام أن يترفعوا بأنفسهم عن نفسه، أي: بأن يكرهوا الشدائد لأنفسهم، ولا يكرهوها له، فإنه مستهجن جداً، بل عليهم أن يعكسوا القضية، وإليه الإشارة بقوله: "ولا يقيموا لها وزناً … فضلاً عن أن يربؤوا بأنفسهم عن متابعتها".
стр. 3539
فضلا عن أن يربؤوا بأنفسهم عن متابعتها ومصاحبتها، ويضنوا بها على ما سمح بنفسه عليه، وهذا نهى بليغ مع تقبيح لأمرهم، وتوبيخ لهم عليه، وتهييج لمتابعته بأنفة وحمية.
(ذلِكَ) إشارة إلى ما دل عليه قوله: "ما كان لهم أن يتخلفوا"، من وجوب مشايعته، كأنه قيل: ذلك الوجوب بسبب بِأَنَّهُمْ (لا يُصِيبُهُمْ) شيء من عطش، ولا تعب ولا مجاعة في طريق الجهاد، ولا يدوسون مكانا من أمكنة الكفار بحوافر خيولهم وأخفاف رواحلهم وأرجلهم، ولا يتصرفون في أرضهم تصرفا يغيظهم ويضيق صدورهم، (وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا): ولا يرزؤونهم شيئا بقتل أو أسر أو غنيمة أو هزيمة أو غير ذلك،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (يربؤوا بأنفسهم عن متابعتها)، الأساس: "وإني لأربأ بك عن الأمر: أرفعك عنه ولا أرضاه لك، وربأت بنفسي عن عمل كذا، وما عبأت بكذا ولا ربأت به".
قوله: ((ذَلِكَ) إشارة إلى ما دل عليه قوله: "ما كان لهم أن يتخلفوا"): وهو تلخيص للتلاوة ودلالتها على وجوب مشايعته؛ لما مر في قوله: (مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ) أنه متضمن للأمر بالنفير معه، صلوات الله عليه.
والمعنى: أن ذلك الأمر والتهييج بسبب ترتب هذه الفوائد المتكاثرة عليه ديناً ودُنيا، ومن حق العاقل أن لا يتقاعد عنها.
فقوله: (وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً) القرينتان واردتان لبيان ما لهم من الغنيمة والنصرة بعد بيان ما كان عليهم من التعب والنصب في قوله: (لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)، ثم جُمعا في قوله: (إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ).
قوله: (ولا يرزؤونهم شيئاً): أي: لا ينقصوهم، ومنه: الرزية: المصيبة.
стр. 3540
(إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ)، وفازوا واستوجبوا الثواب ونيل الزلفى عند الله، وذلك مما يوجب المشايعة.
ويجوز أن يراد بالوطء: الإيقاع والإبادة، لا الوطء بالأقدام والحوافر، كقوله ﵇: "آخر وطأة وطئها الله بوج"، و"الموطئ" إمّا مصدر كالمورد، وإمّا مكان، فإن كان مكانا: فمعنى (يغيظ الكفار): يغيظهم وطؤه، و"النيل" أيضاً: يجوز أن يكون مصدراً مؤكداً، وأن يكون بمعنى المنيل، ويقال: نال منه: إذا رزأه ونقصه، وهو عام في كل ما يسوؤهم وينكبهم ويلحق بهم ضرراً.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (آخر وطأة وطئها الله بوج): النهاية: "زعمت المرأة الصالحة خولة بنت حكيم: أن رسول الله ﷺ خرج وهو محتضن أحد ابني ابنته، وهو يقول: "إنكم لتبخلون وتجبنون، وإنكم لمن ريحان الله، وإن آخر وطأة وطئها [الله] بوج"، يعني: تحملون على البخل والجبن، فإن الأب يبخل بإنفاق ماله ليخلفه لهم، ويجبن عن القتال ليعيش لهم ويربيهم. و"ريحان الله": رزقه وعطاؤه. و"وج": من الطائف.
والوطء في الأصل: الدوس بالقدم، فسُمي به الغزو والقتل، لأن من يطأ الشيء برجله فقد استقصى في هلاكه وإهانته. والمعنى: إن آخر أخذة ووقعة أوقعها الله تعالى بالكفار كانت بوج، وكانت غزوة الطائف آخر غزوات رسول الله ﷺ ، ولم يغز بعدها إلا غزوة تبوك، ولم يكن فيها قتال.
ووجه تعلق هذا القول بالأولاد: أنه إشارة إلى تقليل ما بقي من عمره، صلوات الله عليه، فكنى به عن ذلك".
قوله: (وينكبهم): وروي: "وينكيهم"، النهاية: "يُقال: نكيتُ في العدو أنكي نكاية، فأنا
следующие страницы →