Полный текст (9 345 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.
стр. 3536
فلن أنساها لطلحة، وقال رسول الله ﷺ ، وهو يستنير استنارة القمر: "أبشر يا كعب بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمّك"، ثم تلا علينا الآية.
وعن أبى بكر الورّاق: أنه سئل عن التوبة النصوح؟ فقال: أن تضيق على التائب الأرض بما رحبت، وتضيق عليه نفسه، كتوبة كعب بن مالك وصاحبيه.
[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ * ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) ١١٩ - ١٢١].
(مَعَ الصَّادِقِينَ): وقرئ: "من الصادقين"، وهم الذين صدقوا في دين الله نية وقولا وعملا، أو الذين صدقوا في إيمانهم ومعاهدتهم الله ورسوله على الطاعة، من قوله: (رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ) [الأحزاب: ٢٣]، وقيل: هم الثلاثة، أي كونوا مع المهاجرين والأنصار ووافقوهم، وانتظموا في جملتهم، واصدقوا مثل صدقهم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فلن أنساها لطلحة) أي: هذه الخصلة، وهي بشارته إياي بالتوبة، أي: لا أزال أذكر إحسانه إليَّ بذلك، وكنت رهين منته به.
قوله: (وعن ابن عباس: الخطاب لمن آمن من أهل الكتاب): عطفٌ على قوله: "وهم الذين صدقوا" من حيثُ المعنى.
стр. 3537
وقيل: لمن تخلف من الطلقاء عن غزوة تبوك. وعن ابن مسعود ﵁: "ولا يصلح الكذب في جدّ ولا هزل، ولا أن يعد أحدكم صبيه، ثم لا ينجزه، اقرؤوا إن شئتم: (وكونوا مع الصادقين)، فهل فيها من رخصة؟ ! ".
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اعلم أن الخطاب في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ): إن كان المراد عاماً فالمناسب أن يُراد بـ (الصَّادِقِينَ): ما قال أولاً: "وهم الذين صدقوا في دين الله نية وقولاً وعملاً"، وإن كان الخطاب لأهل الكتاب فالظاهر أن يُراد بـ (الصَّادِقِينَ): "الذين صدقوا في إيمانهم ومعاهدتهم الله ورسوله على الطاعة"، وهذا ما عليه الصحابة رضوان الله عليهم، ولذلك قال: (رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ) [الأحزاب: ٢٣]، وإن كان الخطاب لمن تخلف من الطلقاء، فالمناسب أن يُراد بـ (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ) الآية: [التوبة: ١١٧]، وعلى الثالث: قوله: (وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا) الآية [التوبة: ١١٨].
والأولى أولى الوجوه؛ لأنه كالخاتمة للآيات تشتمل على الفريقين وغيرهما، فيدخلوا فيه دخولاً أولياً من غير ترجيح، وليكون كالتخلص إلى العود إلى ما بُدئ به الكلام، وهو قوله: (مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ).
قوله: (من الطلقاء): قيل: هم السبعة الذين أوثقوا أنفسهم على سواري المسجد، فأطلقهم رسول الله ﷺ بعد نزول الآية.
قوله: (فهل فيها من رخصة؟ ): يعني: لما أمر المكلف بأن يدخل نفسه في زمرة الصادقين من الأنبياء والمرسلين، وأن تكون له مساهمة فيمن صدقه نية وقولاً وعملاً، فيكون قد كلفه فيالصدق بما لا يحتمل أدنى ما يصدق عليه الكذب.
стр. 3538
(وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ) أمروا بأن يصحبوه على البأساء والضراء، وأن يكابدوا معه الأهوال برغبة ونشاط واغتباط، وأن يلقوا أنفسهم من الشدائد ما تلقاه نفسه، علما بأنها أعزُ نفس عند الله وأكرمها عليه، فإذا تعرضت مع كرامتها وعزتها للخوض في شدّة وهول، وجب على سائر الأنفس أن تتهافت فيما تعرضت له، ولا يكترث لها أصحابها، ولا يقيموا لها وزنا، وتكون أخف شيء عليهم وأهونه،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أمروا أن يصحبوه على البأساء والضراء)، ثم قوله: "وهذا نهيٌ بليغ": يدل على أن الآية متضمنة للأمر أو النهي؛ أما النهي فمن قوله: (مَا كَانُ)، فإن معناها: لا ينبغي ولا يستقيم ولا يصح، وهو أبلغ من صريح النهي، فإذا نهوا عن أن يتخلفوا عنه، وعن أن يرغبوا بأنفسهم عن نفسه، وجب عليهم أن يصحبوه في البأساء والضراء، وأن يُلقوا أنفسهم ما تلقاه نفسه من الشدائد، فيكونوا مأمورين بذلك، بناء على أن النهي أمر بضده.
وإنما أفاد قوله تعالى: (وَلا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ) ما ذُكر من المبالغات، لأنه تعالى عداه بالباء وبـ "عن"، قال الواحدي: "يُقال: رغبتُ بنفسي عن هذا الأمر، أي: ترفعت عنه". النهاية: "يُقال: رغبت بفلان عن هذا الأمر: إذا كرهته له وزهدت له فيه، ومنه الحديث: إني لأرغب بك عن الأذان".
وقلت: معناه أن هذا الأمر مما لا يليق بمنزلتك، لأنك أرفع قدراً من أن تُزاوله، المعنى: ما صح لهم ولا استقام أن يترفعوا بأنفسهم عن نفسه، أي: بأن يكرهوا الشدائد لأنفسهم، ولا يكرهوها له، فإنه مستهجن جداً، بل عليهم أن يعكسوا القضية، وإليه الإشارة بقوله: "ولا يقيموا لها وزناً … فضلاً عن أن يربؤوا بأنفسهم عن متابعتها".
стр. 3539
فضلا عن أن يربؤوا بأنفسهم عن متابعتها ومصاحبتها، ويضنوا بها على ما سمح بنفسه عليه، وهذا نهى بليغ مع تقبيح لأمرهم، وتوبيخ لهم عليه، وتهييج لمتابعته بأنفة وحمية.
(ذلِكَ) إشارة إلى ما دل عليه قوله: "ما كان لهم أن يتخلفوا"، من وجوب مشايعته، كأنه قيل: ذلك الوجوب بسبب بِأَنَّهُمْ (لا يُصِيبُهُمْ) شيء من عطش، ولا تعب ولا مجاعة في طريق الجهاد، ولا يدوسون مكانا من أمكنة الكفار بحوافر خيولهم وأخفاف رواحلهم وأرجلهم، ولا يتصرفون في أرضهم تصرفا يغيظهم ويضيق صدورهم، (وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا): ولا يرزؤونهم شيئا بقتل أو أسر أو غنيمة أو هزيمة أو غير ذلك،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (يربؤوا بأنفسهم عن متابعتها)، الأساس: "وإني لأربأ بك عن الأمر: أرفعك عنه ولا أرضاه لك، وربأت بنفسي عن عمل كذا، وما عبأت بكذا ولا ربأت به".
قوله: ((ذَلِكَ) إشارة إلى ما دل عليه قوله: "ما كان لهم أن يتخلفوا"): وهو تلخيص للتلاوة ودلالتها على وجوب مشايعته؛ لما مر في قوله: (مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ) أنه متضمن للأمر بالنفير معه، صلوات الله عليه.
والمعنى: أن ذلك الأمر والتهييج بسبب ترتب هذه الفوائد المتكاثرة عليه ديناً ودُنيا، ومن حق العاقل أن لا يتقاعد عنها.
فقوله: (وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً) القرينتان واردتان لبيان ما لهم من الغنيمة والنصرة بعد بيان ما كان عليهم من التعب والنصب في قوله: (لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)، ثم جُمعا في قوله: (إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ).
قوله: (ولا يرزؤونهم شيئاً): أي: لا ينقصوهم، ومنه: الرزية: المصيبة.
стр. 3540
(إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ)، وفازوا واستوجبوا الثواب ونيل الزلفى عند الله، وذلك مما يوجب المشايعة.
ويجوز أن يراد بالوطء: الإيقاع والإبادة، لا الوطء بالأقدام والحوافر، كقوله ﵇: "آخر وطأة وطئها الله بوج"، و"الموطئ" إمّا مصدر كالمورد، وإمّا مكان، فإن كان مكانا: فمعنى (يغيظ الكفار): يغيظهم وطؤه، و"النيل" أيضاً: يجوز أن يكون مصدراً مؤكداً، وأن يكون بمعنى المنيل، ويقال: نال منه: إذا رزأه ونقصه، وهو عام في كل ما يسوؤهم وينكبهم ويلحق بهم ضرراً.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (آخر وطأة وطئها الله بوج): النهاية: "زعمت المرأة الصالحة خولة بنت حكيم: أن رسول الله ﷺ خرج وهو محتضن أحد ابني ابنته، وهو يقول: "إنكم لتبخلون وتجبنون، وإنكم لمن ريحان الله، وإن آخر وطأة وطئها [الله] بوج"، يعني: تحملون على البخل والجبن، فإن الأب يبخل بإنفاق ماله ليخلفه لهم، ويجبن عن القتال ليعيش لهم ويربيهم. و"ريحان الله": رزقه وعطاؤه. و"وج": من الطائف.
والوطء في الأصل: الدوس بالقدم، فسُمي به الغزو والقتل، لأن من يطأ الشيء برجله فقد استقصى في هلاكه وإهانته. والمعنى: إن آخر أخذة ووقعة أوقعها الله تعالى بالكفار كانت بوج، وكانت غزوة الطائف آخر غزوات رسول الله ﷺ ، ولم يغز بعدها إلا غزوة تبوك، ولم يكن فيها قتال.
ووجه تعلق هذا القول بالأولاد: أنه إشارة إلى تقليل ما بقي من عمره، صلوات الله عليه، فكنى به عن ذلك".
قوله: (وينكبهم): وروي: "وينكيهم"، النهاية: "يُقال: نكيتُ في العدو أنكي نكاية، فأنا
стр. 3541
وفيه دليل على أن من قصد خيراً كان سعيه فيه مشكوراً؛ من قيام وقعود ومشى وكلام وغير ذلك، وكذلك الشر، وبهذه الآية استشهد أصحاب أبى حنيفة ﵀: أنّ المدد القادم بعد انقضاء الحرب يشارك الجيش في الغنيمة، لأنّ وطء ديارهم مما يغيظهم وينكى فيهم.
ولقد أسهم النبي ﷺ لابني عامر، وقد قدما بعد تقضى الحرب، وأمدّ أبو بكر ﵁ المهاجر بن أبى أمية، وزياد بن أبى لبيد، بعكرمة بن أبى جهل مع خمس مئة نفس، فلحقوا بعدما فتحوا، فأسهم لهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ناكٍ: إذا أكثرت فيهم الجراح والقتل، فوهنوا لذلك، وقد يُهمز؛ لغة فيه. يُقال: نكأت القرحة أنكؤها: إذا قشرتها".
قوله: (ولقد أسهم رسول الله ﷺ : روينا عن الترمذي عن أبي موسى قال: "قدمت على رسول الله ﷺ في نفر من الأشعريين بعد أن افتتح خيبر، فقسم لنا، ولم يقسم لأحد لم يشهد الفتح غيرنا".
وعن أبي داود عن أبي موسى قال: "قدمنا فوافقنا رسول الله ﷺ حين افتتح خيبر، فأسهم لنا- أو قال: فأعطانا منها-، وما قسم لأحدٍ غاب عن فتح خيبر منها شيئاً، إلا لمن شهد معه، إلا أصحاب سفينتنا؛ جعفراً وأصحابه، قسم لهم معه".
стр. 3542
عند الشافعي: لا يشارك المدد الغانمين.
وقرأ عبيد ابن عمير: "ظماء" بالمدّ، يقال: ظمأ ظماءة وظماء.
(وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً) ولو تمرة، ولو علاقة سوط، (وَلا كَبِيرَةً) مثل ما أنفق عثمان ﵁ في جيش العسرة، (وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً) أي: أرضاً في ذهابهم ومجيئهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وعند الشافعي: لا يُشارك المدد الغانمين): في "الروضة": "يستحق السهم من شهد الوقعة بنية الجهاد، قاتل أم لم يقاتل، إذا كان ممن يسهم له؛ من حضر قبل انقضاء القتال: استحق، وإن حضر بعد حيازة المال: فلا، وإن حضر بعد انقضائه وقبل حيازة المال: أظهر الوجهين: لا يستحق، ولو أقاموا على حصن، وأشرفوا على فتحه، فلحق مدد قبل الفتح: شاركوهم، وإن فتحوا ودخلوا آمنين، ثم جاء المدد: لم يشاركوهم".
قلت: ويؤيده ما روى البخاري عن أبي هريرة قال: بعث رسول الله ﷺ أباناً على سرية من المدينة قبل نجد، فقدم أبان وأصحابه على النبي ﷺ بخيبر بعدما افتتحها، وإن حُزم خيلهم الليف، فلم يقسم له".
ودل أيضاً قول أبي موسى في الحديث الأول: "وما قسم لأحد غاب عن فتح خيبر" إلى آخره، على مذهب الشافعي.
قوله: (مثل ما أنفق عثمان في جيش العسرة): في "مُسند أحمد بن حنبل" عن عبد الرحمن بان سمرة قال: طجاء عثمان ﵁ إلى النبي ﷺ بألف دينار في ثوبه حين جهز جيش العسرة، فصبها في حجر رسول الله ﷺ ، فجعل يُلبها بيده، وقال: "ما ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم"، يُرددها مراراً".,
стр. 3543
والوادي: كل منعرج بين جبال وآكام يكون منفذاً للسيل، وهو في الأصل: "فاعل" من: ودي: إذا سال، ومنه: الودي، وقد شاع في استعمال العرب بمعنى: الأرض، يقولون: لا تصلّ في وادي غيرك.
(إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ) ذلك من الإنفاق وقطع الوادي، ويجوز أن يرجع الضمير فيه إلى (عمل صالح)، وقوله: (لِيَجْزِيَهُمُ) متعلق بـ (كتب)، أي: أثبت في صحائفهم لأجل الجزاء.
[(وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) ١٢٢].
اللام لتأكيد النفي، ومعناه: أن نفير الكافة عن أوطانهم لطلب العلم غير صحيح ولا ممكن، وفيه: أنه لو صح وأمكن ولم يؤدّ إلى مفسدة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كل منعرج)، الجوهري: "مُنعرج الوادي: منعطفه يمنة ويسرة".
قوله: (ويجوز أن يرجع الضمير فيه): عطف على قوله: " (إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ) ذلك"، يعني: أن الضمير المرفوع القائم مقام الفاعل في (كُتِبَ): إما مُجرىَ مجرى اسم الإشارة، والمشار له ما سبق من الإنفاق وقطع الوادي، أو راجع إلى (عَمَلٌ صَالِحٌ)، أي: يُقدر له: "عمل صالح"، ليقوم مقام الفاعل، بقرينة قوله تعالى: (إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ).
وقوله: (لِيَجْزِيَهُمْ) تعليل لهذا الفعل، كما أن قوله: (إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) تعليل لذلك.
قوله: (وفيه: أنه لو صح): يعني: أشار في هذه الآية إلى أن طلب العلم فريضة على كل مسلم؛ على سبيل الإدماج، لأن سوق الكلام: أنه لولا ضرورة دعت المسلمين إلى المنع
стр. 3544
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من تنفيرهم كافة في طلب العلم، لوجب تنفير الكل، فيفهم من هذا أن قوله: (فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ) ترخيص للبعض من القعود لمصلحة دينية، وعزيمة لآخرين في التنفير لطلب العلم، ثم الرجوع إلى القاعدين لأجل التعليم.
وكان من حق الظاهر أن يُقال: "ليتفقهوا في الدين وليعلموا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يفقهون"، فوضع موضع "التعليم": "الإنذار"، وموضع "يفقهون": (يَحْذَرُونَ)؛ ليؤذن بأن الغرض من التعليم والتفقه اكتساب خشية الله والحذر من بأسه وعقابه.
قال حجة الإسلام الغزالي رحمة الله عليه"لقد كان اسم "الفقه" بالعصر الأول مطلقاً على علم الآخرة، ومعرفة دقائق آفات النفوس ومفسدات العمال، وقوة الإحاطة بحقارة الدنيا، وشدة التطلع إلى نعيم الآخرة، واستيلاء الخوف على القلب، ويدلك عليه قوله تعالى: (لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ)، وما به الإنذار والتخويف هو الفقه، دون تعريفات الطلاق واللعان والسلم والإجارة.
وسأل فرقد السبخي الحسن عن شيء، فأجابه، فقال: إن الفقهاء يخالفونك. فقال الحسن: ثكلتك أمك فريقد، هل رأيت فقيهاً قط بعينيك؟ ! إنما الفقيه: الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، البصير بدينه، المداوم على عبادة ربه، الورع الكاف عن أعراض المسلمين، العفيف عن أموالهم، الناصح لجماعتهم. ولم يقل في جميع ذلك: الحافظ لفروع الفتاوى". تم كلامه.
ومنه أخذ المصنف في الطعن في المتسمين باسم الفقه قائلاً: "لا ما ينتحيه الفقهاء من الأغراض الخسيسة"، إلى آخره.
стр. 3545
لوجب، لوجوب التفقه على الكافة، ولأنّ طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة.
(فَلَوْلا نَفَرَ) فحين لم يمكن نفير الكافة، ولم يكن مصلحة، فهلا نفر (مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ) أي: من كل جماعة كثيرة جماعة قليلة منهم، يكفونهم النفير.
(لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ): ليتكلفوا الفقاهة فيه، ويتجشموا المشاق في أخذها وتحصيلها، (وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ): وليجعلوا غرضهم ومرمى همتهم في التفقه: إنذار قومهم وإرشادهم والنصيحة لهم، لا ما ينتحيه الفقهاء من الأغراض الخسيسة، ويؤمّونها من المقاصد الركيكة، من التصدّر والترؤس والتبسط في البلاد، والتشبه بالظلمة في ملابسهم ومراكبهم، ومنافسة بعضهم بعضاً،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة): رواه الصغاني في "كشف الحجاب" عن أبي سعيد، ولم يذكر "ومسلمة"، وضعفه.
قوله: (لم يُمكن نفير الكافة): النفير هنا: مصدر، الأساس: "نفر القوم إلى الثغر نفيراً، وجاء نفير بني فلانٍ ونفرهم".
قوله: (أي: من كُل جماعة كثيرة جماعة قليلة): كأنه استنبط من استعمال التنزيل الفرق بين "الفرقة" و"الطائفة"، لأن القياس أن ينتزع من الكثير القليل، وألا فالجوهري لم يفرق بينها.
стр. 3546
وفشوّ داء الضرائر بينهم، وانقلاب حماليق أحدهم إذا لمح ببصره مدرسة لآخر، أو شرذمة جثوا بين يديه، وتهالكه على أن يكون موطأ العقب دون الناس كلهم، فما أبعد هؤلاء من قوله : (لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً) [القصص: ٨٣]!
(لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ): إرادة أن يحذروا الله فيعملوا عملا صالحاً.
ووجه آخر: وهو أنّ رسول الله ﷺ كان
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وفشوا داء الضرائر بينهم): الضرائر: جمعُ ضريرة. الأساس: "من المجاز: ما أشد ضريرته عليها: غيرته، وبينهم داء الضرائر: الحسد، وامرأة ضريرة". وفيه تعبير شديد وتوبيخ عظيم، وذلك أن العلماء إذا وقع بينهم التحاسد دخلوا في حكم النساء.
قوله: (موطأ العقب دون الناس)، النهاية: "وفي حديث عمار: "أن رجلاً وشى به إلى عمر ﵁، فقال: اللهم إن كان كذب فاجعله موطأ العقب"، أي: كثير الأتباع، دعا عليه بأن يكون سلطاناً أو مقدماً، فيتبعه الناس ويمشون وراءه".
قوله: (ووجه آخر): عطف على قوله: "أن نفير الكافة عن أوطانهم لطلب العلم غير صحيح".
والمعنى على الأول: ما ينبغي للمؤمنين، ولا يصح منهم، أن يخرجوا من أوطانهم جميعاً على المدينة، ليتفقهوا في الدين، وإذا كان كذلك فهلا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين. فحذف من الأول: "ليتفقهوا في الدين" مع الشرط؛ لدلالة الكلام عليه.
وعلى الثاني: (لِيَتَفَقَّهُوا) علة لمعنى النهي في قوله: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا)، وعلة قوله: (فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ) محذوفة، المعنى: لا يصح تنفير الجميع إلى الغزو، لأن التفقه أيضاً من فروض الكفايات، وإذا كان كذلك فهلا نفر من كل فرقة منهم طائفة للغزو، وتبقى أعقابهم يتفقهون، حتى لا ينقطعوا عن التفقه الذي هو الجهاد الأكبر.
стр. 3547
إذا بعث بعثا بعد غزوة تبوك، وبعد ما أنزل في المتخلفين من الآيات الشداد، استبق المؤمنون عن آخرهم إلى النفير، وانقطعوا جميعاً عن استماع الوحي والتفقه في الدين، فأمروا أن ينفر من كل فرقة منهم طائفة إلى الجهاد، ويبقى أعقابهم يتفقهون، حتى لا ينقطعوا عن التفقه الذي هو الجهاد الأكبر، لأن الجدال بالحجّة أعظم أثراً من الجلاد بالسيف.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الانتصاف: "قوله تعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً) على الأول: خبر، وعلى الثاني: معناه النهي، لأن المراد بالأول تنفير أهل البوادي إلى المدينة للتفقه، وهذا لو أمكن فعله من الجميع لكان جائزاً أو واجباً، ولما لم يُمكن فُعل على طريق فرض الكفاية، وفي الثاني فلأن المؤمنين نفروا من المدينة للجهاد، ولو أنهم نفروا أجمعين لكان ممكناً، فنهوا عن اطراح التفقه، وأمروا به أمر كفاية".
وقال القاضي: "وفيه دليل على أن التفقة والتذكير من فروض الكفاية".
وقلت: وفي توسيطها بين آيات الجهاد دليل على أن المقصود الأولي من التفقه: الإنذار والبعث على الجهاد والهجرة إلى رسول الله ﷺ لإقامة الدين، والحذر عن أن يدخلوا في زمرة المنافقين المتخلفين عن رسول الله ﷺ .
قوله: (بعث بعثاً)، الجوهري: "البعوث: الجيوش، وكنت في بعث فلان، أي: في جيشه".
стр. 3548
وقوله: (لِيَتَفَقَّهُوا) الضمير فيه للفرق الباقية بعد الطواف النافرة من بينهم، (وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ): ولينذر الفرق الباقية قومهم النافرين إذا رجعوا إليهم، بما حصلوا في أيام غيبتهم من العلوم، وعلى الأوّل: الضمير للطائفة النافرة إلى المدينة للتفقه.
[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) ١٢٣].
(لُونَكُمْ): يقربون منكم، والقتال واجب مع كافة الكفرة؛ قريبهم وبعيدهم، ولكن الأقرب فالأقرب أوجب. ونظيره: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) [الشعراء: ٢١٤]، وقد حارب رسول الله ﷺ قومه، ثم غيرهم من عرب الحجاز، ثم غزا الشام. وقيل: هم قريظة والنضير وفدك وخيبر. وقيل: الروم، لأنهم كانوا يسكنون الشام والشام أقرب إلى المدينة من العراق وغيره.
وهكذا المفروض على أهل كل ناحية أن يقاتلوا من وليهم، ما لم يضطر إليهم أهل ناحية أخرى. وعن ابن عمر: أنه سئل عن قتال الديلم؟ فقال: عليك بالروم.
وقرئ (غِلْظَةً) بالحركات الثلاث، فالغلظة كالشدّة، والغلظة كالضغطه، والغلظة كالسخطة، ونحوه: (وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) [التوبة: ٧٣]، (وَلا تَهِنُوا) [آل عمران: ١٣٩]، وهو يجمع الجرأة والصبر على القتال، وشدّة العداوة والعنف في القتل والأسر، ومنه: (وَلا تَاخُذْكُمْ بِهِما رَافَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ) [النور: ٢].
(مَعَ الْمُتَّقِينَ) ينصر من اتقاه فلم يترأف على عدوّه.
[(وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: (غِلْظَةً) بالحركات الثلاث): بالكسر: السبعة.
قوله: (وهو يجمع الجرأة والصبر على القتال، وشدة العداوة والعنف في القتل والأسر): يعني: قوله: (وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً) كلمة جامعة لهذه المعاني، وذلك لأنه أمر الكفار بأن يجدوا في المؤمنين الغلظة، وفي الحقيقة أمر للمؤمنين بأن يتصفوا بصفاتٍ إن وجدهم الكفار
стр. 3549
رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ) ١٢٤ - ١٢٥].
(فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ): فمن المنافقين من يقول بعضهم لبعض (أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ) السورة (إِيماناً) إنكاراً واستهزاء بالمؤمنين واعتقادهم زيادة الإيمان بزيادة العلم الحاصل بالوحي، والعمل به.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وجدوا فيهم تلك الصفات، ومثله - لكن في النهي - قوله تعالى لموسى ﵇: (فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ) [طه: ١٦].
ولما كان المطلوب من أمر الكافرين اتصاف المؤمنين بتلك الصفات، وهي مضادة للرأفة والرحمة التي يقتضيها صلة الموصول- أعني: قوله: (يَلُونَكُمْ) -؛ لأن الظاهر من حق الجار مع الجار الترأف والترحم، ذيل الكلام بقوله: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ)، ومعناه: ما قال: إن الله "ينصر من اتقاه، فلم يترأف على عدوه"، أي: عدو الله، فاللام في (الْمُتَّقِينَ) للجنس، ويجوز أن تكون للعهد، وقد وضع (الْمُتَّقِينَ) موضع المضمر، أي: معكم، إذا لم يوجد منكم الترأف والترحم، والله أعلم.
قوله: (إنكار واستهزاء بالمؤمنين): (فَمِنْهُمْ) جواب للشرط، وقوله: (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا)، (وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) ليسا بمعطوفين على الجزاء، بل تفصيلان لمفصل محذوف، كأنه قيل: فأما إذا ما أنزلت سورة فالناس من بين مستهزئ مطبوع على قلوبهم، ومؤمن مستبشر مستزيد للإيمان، فمنهم من يقول: أيكم زادته هذه إيماناً، ومنهم من
стр. 3550
و (أيكم) مرفوع بالابتداء، وقرأ عبيد بن عمير: " أيكم" بالفتح؛ على إضمار فعل يفسره (زادَتْهُ)، تقديره: أيكم زادت زادته هذه إيمانا (فَزادَتْهُمْ إِيماناً) لأنها أزيد لليقين والثبات، وأثلج للصدر. أو فزادتهم عملا، فإن زيادة العمل زيادة في الإيمان، لأنّ الإيمان يقع على الاعتقاد والعمل، (فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ): كفراً مضموما إلى كفرهم، لأنهم كلما جدّدوا -بتجديد الله الوحي- كفراً ونفاقا، ازداد كفرهم، واستحكم وتضاعف عقابهم.
[(أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ * وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ) ١٢٦ - ١٢٧].
قرئ: (أَوَلا يَرَوْنَ) بالياء والتاء، (يُفْتَنُونَ): يبتلون بالمرض والقحط وغيرهما من بلاء الله، ثم لا ينتهون ولا يتوبون عن نفاقهم، ولا يذكرون: ، ولا يعتبرون، ولا ينظرون في أمرهم، أو يبتلون في بالجهاد مع رسول الله ﷺ ، ويعاينون أمره، وما ينزل الله عليه من نصرته وتأييده،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يقول: آمنا بالله وما أنزل إلينا، (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً) الآية، (وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ)، الآية.
قوله: (وأثلج للصدر)، النهاية: "ثلجت نفسي بالأمر تثلج ثلجاً، وثلجت تثلج ثلوجاً: اطمأنت إليه وسكنت، وثبتت فيه ووثقت".
قوله: (لأن الإيمان يقع على الاعتقاد والعمل): تعليل للاعتبارين، أي: إذا كان الإيمان يُراد به الاعتقاد فزيادته بزيادة اليقين، وإن كان العمل فزيادته بزيادة العمل.
قوله: (قرئ: (أَوَلا يَرَوْنَ) بالياء والتاء): بالتاء الفوقانية: حمزة، والباقون: بالياء.
стр. 3551
أو: يفتنهم الشيطان فيكذبون وينقضون العهود مع رسول الله ﷺ ، فيقتلهم وينكل بهم، ثم لا ينزجرون.
(نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ): تغامزوا بالعيون إنكاراً للوحي وسخرية به، قائلين: هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ) من المسلمين؛ لننصرف، فإنا لا نصبر على استماعه، ويغلبنا الضحك، فنخاف الافتضاح بينهم.
أو: ترامقوا يتشاورون في تدبير الخروج والانسلال لواذا، يقولون: (هل يراكم من أحد). وقيل: معناه: إذا ما أنزلت سورة في عيب المنافقين.
(صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ) دعاء عليهم بالخذلان وبصرف قلوبهم عما في قلوب أهل الإيمان من الانشراح، (أَنَّهُمْ): بسبب أنهم (قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ): لا يتدبرون حتى يفقهوا.
[(لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) ١٢٨ - ١٢٩].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لواذاً)، الأساس: "لاذ به لياذاً، ولاذ لواذاً، واعتصم بلوذ الجبل، أي: بجانبه".
قوله: ((صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ) دعاء عيهم بالخذلان)، الانتصاف: "يحتمل أنه أخبر تعلق بأنه صرف قلوبهم، ومنعها من تلقي الحق، لكن الزمخشري نفر من ذلك رعاية لقاعدة الحسن والقبح، ثم في هذا الدعاء مناسبة لما فعلوا، وهو الانصراف، كقوله تعالى: (غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ) [المائدة: ٦٤]، وقوله تعالى: (وَيَتَرَبَّصُ بِكُمْ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ) [التوبة: ٩٨].
стр. 3552
(مِنْ أَنْفُسِكُمْ): من جنسكم ومن نسبكم، عربي قرشي مثلكم، ثم ذكر ما يتبع المجانسة والمناسبة من النتائج، بقوله: (عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ) أي: شديد عليه شاق - لكونه بعضاً منكم - عنتكم ولقاؤكم المكروه، فهو يخاف عليكم سوء العاقبة والوقوع في العذاب.
(حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ) حتى لا يخرج أحد منكم عن إتباعه والاستسعاد بدين الحق الذي جاء به، (بِالْمُؤْمِنِينَ) منكم ومن غيركم (رَءوفٌ رَحِيمٌ).
وقرئ: "من أنفسكم"، أي: من أشرفكم وأفضلكم، وقيل: هي قراءة رسول الله ﷺ وفاطمة وعائشة ﵄.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ثم ذكر ما يتبع المجانسة المناسبة من النتائج): وذلك من إجراء هذه الصفات على الرسول صلوات الله عليه، لتعداد المنن على المرسل إليهم، فيجب أن يعتبر في كل من تلك الصفات فائدة جليلة، ليصح الامتنان بكل منها، فأجري عليه أولاً (مِنْ أَنفُسِكُمْ) أي: من جنسكم، لأن الجنس إلى الجنس أميل، ثم رتب عليه صفات أخر على سبيل الترقي، كما سينبئ عنه كلامه.
قوله: ((عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ): أي: شديد عليه شاق): وعن الراغب: "العزة: حالة مانعة للإنسان أن يُغلب، من قولهم: أرض عزاز، أي: صلبة، والعزيز: الذي يقهر ولا يُقهر. قال تعالى: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ) [المنافقون: ٨]، وقد يُذم بالعزة، كقوله تعالى: (بَلْ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ) [ص: ٢]، وقد تُستعار للحمية والأنفة المذمومة، قال تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ) [البقرة: ٢٠٦]، ويقال: عز علي ذا، أي: صعب، (وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ) [ص: ٢٣]، أي غلبني، عز الشيء: قل، اعتباراً بماقيل: كل موجود مملول، وكل مفقود مطلوب".
стр. 3553
وقيل: لم يجمع الله اسمين من أسمائه لأحد غير رسول الله ﷺ في قوله: (رَءوفٌ رَحِيمٌ).
(فَإِنْ تَوَلَّوْا): فإن أعرضوا عن الإيمان بك وناصبوك، فاستعن وفوّض إليه، فهو كافيك معرّتهم، ولا يضرونك، وهو ناصرك عليهم.
وقرئ "العظيم" بالرفع.
وعن ابن عباس ﵁: العرش لا يقدر أحد قدره. وعن أبىّ ابن كعب: آخر آية نزلت (لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ).
عن رسول الله ﷺ "ما نزل علىّ القرآن إلا آية آية، وحرفاً حرفاً، ما خلا سورة (براءة) و (قل هو الله أحد)، فإنهما أنزلتا علىّ، ومعهما سبعون ألف صف من الملائكة".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كافيك معرتهم)، النهاية: "المعرة: الأمر القبيح المكروه والأذى، وهي مفعلة، من العر، أي: موضع الجرب"، و"ناصبوك": أي: عادوك
قوله: (وحرفاً حرفاً)، النهاية: "الحرف في الأصل: الطرف والجانب، وسمي به الحرف من حروف الهجاء"ن فالمراد به هاهنا الجملة المفيدة، سواء كانت آية أو أقل أو أكثر، على معنى: لم تبلغ تمام السورة.
والله أعلم بالصواب
تمت السورة حامداً لله ومصلياً
стр. 3554
سورة يونس
مكية، وهي مئة وتسع آيات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[(الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ * أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ) ١ - ٢].
(الر) تعديد للحروف على طريق التحدي،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سورة يونس ﵇
مكية، وهي مئة وتسع آيات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: ((الر) تعديد للحروف على طريق التحدي): أي: بالقرآن، كما قال في البقرة: "هو كقرع العصا، وكالتحريك للنظر في أن هذا المتلو عليهم- وقد عجزوا عنه- كلام منظوم من عين ما ينظمون منه كلامهم، ليؤديهم إلى النظر إلى أنه ليس من كلام البشر، وانه كلام خالق القوى والقدر".
стр. 3555
و (تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ) إشارة إلى ما تضمنته السورة من الآيات، و"الكتاب": السورة، و"الْحَكِيمِ" ذو الحكمة؛ لاشتماله عليها ونطقه بها، أو وصف بصفة محدثة. قال الأعشى:
وَغَرِيبَةٍ تَاتِى المُلُوكَ حَكِيمَة … قَدْ قُلْتُهَا لِيُقَالَ مَنْ ذَا قَالَهَا؟ !
الهمزة لإنكار التعجب والتعجيب منه، و (أَنْ أَوْحَيْنا) اسم "كان"، و (عجباً): خبرها. وقرأ ابن مسعود: "عجب"،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (و (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ) إشارة إلى ماتضمنته السورة من الآيات): فإن قلت: كيف يُشار إلى ما تضمنته السورة، وهو مترقب؟ قلت: قال في قوله تعالى: (هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ) [الكهف: ٧٨]: "تصور فراق بينهما، فأشار إليه"، وسيجيء التحقيق فيه هنالك.
قوله: (ونطقه بها): يعني: وُصِفَ (الْكِتَابِ) بـ (الْحَكِيمُ) على الاستعارة المكنية بجامع اشتماله على الحكمة.
قوله: (أو وُصِف بصفة محدثه): وعند أهل السنة: بصفة متكلمه الحكيم، وهو من الإسناد المجازي، كقولهم: نهاره صائم، وليله قائم.
الراغب: "الحكمة: إصابة الحق بالعلم والعمل، فالحكمة من الله تعالى: معرفة الأشياء. وإيجادها على غاية الإحكام، وإذا وُصف بها القرآن فلتضمنه الحكمة".
قوله: (وغريبة) البيت: أي: رب قصيدة غريبة قد قلتها في مدح الملوك ذات حكمة، ليتعجب الناس ويقولوا: من قالها؟ !
стр. 3556
فجعله اسما، وهو نكرة، و (أَنْ أَوْحَيْنا) خبراً، وهو معرفة، كقوله:
يَكُونُ مِزَاجَهَا عَسَلٌ وَمَاء
والأجود أن تكون "كان" تامّة، و (أن أوحينا) بدلا من "عجب".
فإن قلت: فما معنى اللام في قوله: (أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً)؟ وما هو الفرق بينه وبين قولك: أكان عند الناس عجباً؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فجعله اسماً، وهو نكرة، و (أَنْ أَوْحَيْنَا) خبراً، وهو معرفة): أي: هو من باب القلب لأمن الإلباس، والضمير في "كقوله" لحسان، أوله:
كأن سلافة من بيت رأس
ورواية "الصحاح": "كأن سبيئة من بيت رأس".
"السلافة": أول ما يسيل من ماء العنب، وهو أرق ما فيه، "السبيئة": الخمر، يقال: سبأت الخمر سبأ: إذا اشتريتها لتشربها، و"بيت رأس": اسم قرية بالشام تُباع فيه الخمر.
قال ابن جني: "إنما جاز ذلك من حيث كان "عسل وماء" جنسين، فكأنه قال: يكون مزاجها العسل والماء، لأن نكرة الجنس تفيد مفاد معرفته، ألا ترى أنك تقول: خرجت فإذا أسد بالباب، أي: فإذا الأسد بالباب، لا فرق بينهما، لأنك في الموضعين لا تريد أسداً معيناً،
стр. 3557
قلت: معناه: أنهم جعلوه لهم أعجوبة يتعجبون منها، ونصبوه علماً لهم يوجهون نحوه استهزاءهم وإنكارهم، وليس في "عند الناس" هذا المعنى.
والذي تعجبوا منه أن يوحى إلى بشر، وأن يكون رجلا من أفناء رجالهم، دون عظيم من عظمائهم، فقد كانوا يقولون: العجب أنّ الله لم يجد رسولا يرسله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وإنما لم يجز هذا في قولك: كان قائم أخاك، وكان جالس أباك، لأنه ليس في "جالس" و"قائم" معنى الجنسية التي تلاقي معيناً نكرتها ومعرفتها [على ما قدمناه] ".
ومعنى الآية على هذا: أكان الوحي للناس هذا الجنس من الفعل، وهو التعجب.
وقال ابن جني أيضاً: "يجوز مع النفي جعلُ اسم "كان" وأخواتها نكرة، ولا يجوز مع الإيجاب، ألا تراك تقول: ما كان إنسان خيراً منك، ولا تقول: كان إنسان خيرا ًمنك".
والاستفهام في قوله تعالى: (أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً) للتوبيخ، فيفيد معنى النفي.
قوله: (معناه: أنهم جعلوه لهم أعجوبة): فإذن اللام مثلها في قوله تعالى: (هيت لك) [يوسف: ٢٣]، قال أبو البقاء: "اللام متعلق بـ "عجب" للتبيين".
قوله: (أفناء رجالهم)، الجوهري: "يقال: هو من أفناء الناس: إذا لم يعلم ممن هو"، ولم يرد هاهنا حمول نسبه، لأنه صلوات الله عليه كان من الأعلام المشاهير كابراً عن كابر، لكن أريد أنه لم يكن من العظماء والرؤساء، يدل عليه قولهم: (عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) [الزخرف: ٣١]، وقولهم: "يتيم أبي طالب".
стр. 3558
إلى الناس إلا يتيم أبى طالب، وأن يذكر لهم البعث، وينذر بالنار، ويبشر بالجنة.
وكل واحد من هذه الأمور ليس بعجب، لأنّ الرسل المبعوثين إلى الأمم لم يكونوا إلا بشر مثلهم، وقال الله تعالى (قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا) [الإسراء: ٩٥]، وإرسال الفقير أو اليتيم ليس بعجب أيضاً، لأنّ الله تعالى: إنما يختار من استحق الاختيار، لجمعه أسباب الاستقلال بما اختير له من النبوّة، والغنى والتقدّم في الدنيا ليس من تلك الأسباب في شيء (وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى) [سبأ: ٣٧]، والبعث للجزاء على الخير والشر هو الحكمة العظمى، فكيف يكون عجباً؟ إنما العجب العجيب والمنكر في العقول تعطيل الجزاء.
(أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ): (أن) هي المفسرة، لأنّ الإيحاء فيه معنى القول، ويجوز أن تكون المخففة من الثقيلة، وأصله: أنه أنذر الناس، على معنى: أن الشأن قولنا: أنذر الناس، و (أَنَّ لَهُمْ) الباء معه محذوف، (قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ) أي: سابقة وفضلا ومنزلة رفيعة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وأن يذكر لهم البعث): معطوف على محذوف تقديره: لم يجد رسولاً يرسله إلى الناس؛ لأن يدعوهم إلى الله، وأن يذكر لهم البعث، إلا يتيم أبي طالب.
قوله: (والبعث للجزاء): عطف على قوله: "وإرسالُ الفقير"، وهو على قوله: "لأن الرسل المبعوثين إلى الأمم لم يكونوا إلا بشراً" من حيث المعنى، وذلك أن المتعجب منه في قوله: (أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرْ النَّاسَ) ثلاثة أشياء: كون الرسول رجلاً، وكونه بعضاً منهم، وكون المنذر البعث. وأجاب عن كل واحد على سبيل التفصيل وأحسن، لا سيما قوله: "إنما العجب العجيب والمنكر في العقول تعطيل الجزاء"، لكن في قوله: "إنما يختار من استحق الاختيار" بحث.
وعلل نفي التعجب بقوله: "لأن الرسل" إلى آخره، لأن العجب: هو حال يعتري الإنسان من رؤية خلاف العادة.
стр. 3559
فإن قلت: لم سميت السابقة قدما؟ قلت: لما كان السعي والسبق بالقدم، سميت المسعاة الجميلة والسابقة قدما، كما سميت النعمة يداً؛ لأنها تعطى باليد، وباعاً؛ لأنّ صاحبها يبوع بها، فقيل: لفلان قدم في الخير، وإضافته إلى (صدق) دلالة على زيادة فضل، وأنه من السوابق العظيمة. وقيل: مقام صدق.
(إِنَّ هذا): إن هذا الكتاب وما جاء به محمد "لَسحِرٌ"،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (سميت المسعاة الجميلة والسابقة قدماً): قال السجاوندي: "سُمي المُقدم قدماً، كما سُمي الجاسوس عيناً، والمستعلي رأساً، بل كل صفة مرضية للعبد عند سيده: قدم، وكل نعمة شاملة للسيد على عبده: يد".
قوله: (لأن صاحبها يبوع بها)، الأساس: "ومن المجاز: لفلان سابقة وباع، وتبوع للمساعي: مد باعه".
قوله: (مقام صدق): هو كقوله تعالى (فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ) [القمر: ٥٥]، الأساس: "مشى فلان اليقدمية والقدمية: إذا تقدم في المكارم ومعالي الأمور".
الانتصاف: "لم يسموا السابقة السوء: قدماً، إما لكون المجاز لم يطرد، أو اطرد ولكن غلب العرف على قصرها".
قوله: (إن هذا الكتاب وما جاء به محمد لسحر): إشارة إلى اتصال هذه الآية بالآيتين السابقتين، آذنت الأولى: بأن السورة تحدي بها، وأفحم من تحدى بها، وأثبت بالآيتين السابقتين، آذنت الأولى: بأن السورة تحدى بها، وأفحم من تحدى بها، وأثبتت رسالة المدعي، والثانية: بأنهم بعد العجز عاندوا وتعجبوا مستهزئين، والثالثة: بأنهم أظهروا ما به يتبين عجزهم من تلك الكلمة التي يرمي بها العاجز المبهوت، وإليه الإشارة بقوله: "وهو دليل عجزهم واعترافهم به".
стр. 3560
ومن قرأ: (لساحر): فهذا إشارة إلى رسول الله ﷺ ، وهو دليل عجزهم واعترافهم به وإن كانوا كاذبين في تسميته سحراً، وفي قراءة أبىّ: "ما هذا إلا سحر".
[(إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ما مِنْ شَفِيعٍ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ * إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ) ٣ - ٤].
(يُدَبِّرُ) يقضى ويقدر على حسب مقتضى الحكمة، ويفعل ما يفعل المتحرى للصواب الناظر في أدبار الأمور وعواقبها، لئلا يلقاه ما يكره آخراً، و (الْأَمْر): َ أمر الخلق كله، وأمر ملكوت السموات والأرض والعرش.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وإنما فُصلت الجمل لاختلافها خبراً وطلباً على سبيل التعداد، نحو قولهم: "واعبد ربك، العبادة حق له"، على تعويل الترتيب إلى الذهن دون اللفظ.
قوله: (ومن قرأ: (لَسَاحِرٌ): ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي.
قوله: (الناظر في أدبار الأمور [وعواقبها] لئلا يلقاه ما يكره آخراً): لخص المعنى القاضي حيث قال: "التدبير: النظر في أدبار الأمور لتجيء محمودة العاقبة".
قلت: هذا تمثيل، ولذلك قال: "ويفعل ما يفعلُ المتحري".
стр. 3561
فإن قلت: ما موقع هذه الجملة؟ قلت: قد دل بالجملة قبلها على عظمة شأنه وملكه بخلق السماوات والأرض، مع بسطتها واتساعها في وقت يسير، وبالاستواء على العرش، وأتبعها هذه الجملة لزيادة الدلالة على العظمة، وأنه لا يخرج أمر من الأمور من قضائه وتقديره.
وكذلك قوله: (ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ) دليل على العزة والكبرياء، كقوله: (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ) [النبأ: ٣٨].
و(ذلِكُمُ) إشارة إلى المعلوم بتلك العظمة، أي: ذلك العظيم الموصوف بما وصف به: هو ربكم، وهو الذي يستحق منكم العبادة، (فَاعْبُدُوهُ) وحده،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وبالاستواء على العرش): عطف على "بخلق السماوات والأرض"، وهو بدل من قوله: "بالجملة" بإعادة العامل، وكرر الباء في المعطوف ليؤذن باستقلاله بنفسه، وفيه لف، فقوله: "على عظمة شأنه" مستفاد من قوله: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ)، وقوله: "ومُلكه" -أي: عظمة مُلكه-من قوله: (خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ)، فكان قوله: (يُدَبِّرُ الأَمْرَ) تتميماً لهذا المعنى، لأن الأول دل على عظم الشؤون وجلائل الأمور، وهذا على توابعها، وأنه لا يخرج أمر من الأمور من قضائه وقدره، وكذلك قوله: (مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ) تتميم للمجموع وتمثيل لما عُهد من السلاطين من اجتماع الملأ حول سرير الملك، وعليه قوله تعالى: (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفّاً لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ) [النبأ: ٣٨].
قال القاضي: "فيه رد على من زعم أن آلهتهم تشفع لهم عند الله، وإثبات الشفاعة لمن أذن له". قلت: آذن ﵀ بارتباط هذه الآية مع قوله: (وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ) [يونس: ١٨].
قوله: (أي: ذلك العظيم الموصوف بما وصف به) إلى آخره: إشارة إلى أن في اسم الإشارة
стр. 3562
ولا تشركوا به بعض خلقه من ملك أو إنسان، فضلا عن جماد لا يضر ولا ينفع، (أَفَلا تَذَكَّرُونَ) فإن أدنى التفكر والنظر ينبهكم على الخطأ فيما أنتم عليه.
(إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً) أي: لا ترجعون في العاقبة إلا إليه فاستعدوا للقائه.
(وَعْدَ اللَّهِ) مصدر مؤكد لقوله: (إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ)، و (حَقًّا) مصدر مؤكد لقوله: (وَعْدَ اللَّهِ).
(إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ) استئناف معناه التعليل لوجوب المرجع إليه، وهو أنّ الغرض ومقتضى الحكمة بابتداء الخلق وإعادته: هو جزاء المكلفين على أعمالهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إشعاراً بأن ما قبله- وهو الله الموصوف بكونه رباً، خالقاً، مستوياً على العرش، مدبراً للأمور - حقيق بما بعده؛ وهو أن يخص بالعبادة، ولا يشرك فيها غيره، كما سبق في أول البقرة.
قوله: ((أَفَلا تَذَكَّرُونَ) فإن أدنى التفكر والنظر ينبهم على الخطأ): مُشعرٌ بأن التذكر دون التفكر، الجوهري: "ذكرته بلساني وبقلبي، وتذكرته"، وقال: "التفكر: التأمل".
يعني: كان من حق الظاهر أن يُقال: "أفلا تفكرون"، أي: في تلك الدلائل القاهرة الباهرة، لتعرفوا أن الله هوا لمستحق للعبادة، لأنه هو المنعم بجميع تلك النعم المتظاهرة، فوضع موضعه (تَذَكَّرُونَ)؛ تتميماً للمعنى وتربية للفائدة، يعني: يكفيكم الإخطار بالبال دون استعمال الرؤية.
قال الإمام: "هذا يدل على أن التفكر في المخلوقات والاستدلال بها على جلال الله وعزته وعظمته من أعلى المراتب، وأكمل الدرجات".
قوله: (لا ترجعون في العاقبة إلا إليه): الحصر ومعنى التخصيص مستفاد من التقديم.
قوله: (وهو أن الغرض): الجملة معطوفة على جملة قوله: "معناهالتعليل"؛ على سبيل البيان،
стр. 3563
وقرئ: "أنه يبدأ الخلق"، بمعنى: لأنه، أو: هو منصوب بالفعل الذي نصب (وعد الله)، أي: وعد الله وعداً بدأ الخلق ثم إعادته، والمعنى: إعادة الخلق بعد بدئه، وقرئ: (وعد الله)، على لفظ الفعل، و"يبدئ"، من أبدأ، ويجوز أن يكون مرفوعاً بما نصب (حقا)، أي: حقّ حقا بدأ الخلق، كقوله:
أَحَقَّا عِبَادَ اللَّهِ أَنْ لَسْتُ جَائِياً … وَلَا ذَاهِباً إلّا عَلَيَّ رَقِيبُ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والضمير المرفوع راجع إلى "معناه"، أي: قوله (إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ) استئناف معناه أن الغرض يقتضي الحكمة، إلى آخره.
قوله: (والمعنى: إعادة الخلق بعد بدئه): يعني: على تقدير المصدر لابد من التقديم والتأخير؛ لأن الإبداء ليس موعوداً، بل الموعود الإعادة، فتقدر "إعادة الخلق بعد بدئه".
قوله: (ويجوز أن يكون مرفوعاً): عطف على قوله: "أو هو منصوب بالفعل"، يعني: على قراءة من قرأ "أنه يبدأُ الخلق" بالفتح، يجوز أن يكون منصوباً بفعل مقدر ناصب له، أي: وعد الله وعداً بدء الخلق، أو أن يكون مرفوعاً بفعل مقدر رافع له، أي: حق حقاً بدء الخلق.
قوله: (مرفوعاً بما نصب (حَقاً): لأنه مصدر مؤكد لغيره، وهو قوله: "حق"، وإليه الإشارة بقوله: "أي: حق بدء الخلق حقاً".
قوله: (أحقاً عباد الله)، البيت: قيل: "أحقاً": في موضع الظرف، كأنه قال: أفي حق؟
стр. 3564
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
و"أن": مخففة من الثقيلة، وموضعه مع ما بعده موضع المبتدأ، و"أحقاً" في موضع الخبر، يقول: أفي حق، يا عباد الله، أني لا أجيء ولا أذهب إلا علي رقيب محافظ يَعُدُّ خُطاي وأنفاسي ويتأمل قصوري.
ومثله قول الحماسي:
أحقاً عباد الله أن لستُ رائياً … رفاعة طول الدهر إلا توهما
قال المرزوقي: "أحقاً: انتصب عند سيبويه على الظرف، كأنه قال: أفي الحق ذلك، فإن قيل: وكيف جاز أن يكون ظرفاً؟ قلت: لما رآهم يقولون: أفي حق كذا، أو: أفي الحقن جعلوه إذا نصبوه على تلك الطريقة، قال:
أفي الحق أني مُغرم بك هائم
والمعنى: أفي الحق [لست رائياً] هذا الفتى إلا متوهماً أبد الدهر، وفائدة قوله: "عباد الله"،
стр. 3565
وقرئ: "حق أنه يبدؤ الخلق"؛ كقولك: حق أنّ زيداً منطلق.
(بِالْقِسْطِ): بالعدل، وهو متعلق بـ"يجزى"، والمعنى: ليجزيهم بقسطه ويوفيهم أجورهم، أو: بقسطهم وبما أقسطوا وعدلوا ولم يظلموا حين آمنوا وعملوا صالحاً، لأنّ الشرك ظلم، قال الله تعالى: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) [لقمان: ١٣]، والعصاة: ظلام أنفسهم، وهذا أوجه، لمقابلة قوله: (بِما كانُوا يَكْفُرُونَ).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أنه رجع فيما كان لايؤمن به ولا يسكن إليه بشاعة وقباحة إلى الناس كافة، يستنبئهم فيه ويستفتيهم".
قوله: (وهذا أوجه) أي: إذا كان (بِالْقِسْطِ) معناه: بقسطهم، على أن تكون اللام بدلاً من المضاف إليه، والفاعل: (الَّذِينَ آمَنُوا)، كان أوجه من أن يكون معناه: بقسطه، والفاعل: الله، ليتجاوب كل من المتقابلين، وهما (الَّذِينَ آمَنُوا) (وَالَّذِينَ كَفَرُوا)، فيما استحقوا به الجزاء وعداً وتفضلاً، فإن قوله: (بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ) يُوجب أن يقال: بقسطهم.
قال القاضي: "معنى قوله: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ): ليجزي الذين كفروا بشراب من حميم وعذاب أليم بسبب كفرهم، لكنه غير النظم للمبالغة في استحقاقهم للعقاب، والتنبيه على أن المقصود بالذات من الإبداء والإعادة هو الإثابة، والعقاب واقع بالعرض، وأنه تعالى يتولى إثابة المؤمنين بما يليق بلطفه وكرمه، ولذلك لم يُعينه، وأما عقاب
стр. 3566
[(هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) ٥].
الياء في (ضِياءً) منقلبة عن واو "ضواء" لكسرة ما قبلها، وقرئ: "ضئاء" بهمزتين بينهما ألف على القلب، بتقديم اللام على العين، كما قيل في عاق: عقا، والضياء أقوى من النور.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الكفرة فكأنه داء ساقه إليه سوء اعتقادهم وشؤم أفعالهم، والآية كالتعليل لقوله: (إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً)، فإنه لما كان المقصود من الإبداء والإعادة مجازاة المكلفين على أعمالهم، كان مرجع الجميع إليه لا محالة، ويؤيده قراءة من قرأ: "أنه يبدأ" بالفتح، أي: لأنه".
قوله: (وقرئ: "ضئاء" بهمزتين): قُنبُل ابن كثير، قال أبو البقاء: "الياء في "ضياء" منقلبة عن واو، لقولك: ضوء، والهمزة أصل، ويُقرأ بهمزتين بينهما ألف، والوجه فيه: أن يكون أخر الياء، وقدم الهمزة، فلما وقعت الياء طرفاً بعد ألف زائدة قلبت همزة عند قوم، وعند آخرين قلبت ألفاً، ثم قلبت الألف همزة؛ لئلا تجتمع ألفان".
قوله: (والضياء أقوى من النور): قد سبق بيانه في أول البقرة، قال القاضي: "ما بالذات: ضُوء، وما بالعرض: نور، وقد نبه بذلك على أنه خلق الشمس نيرة في ذاتها، والقمر نيراً بعرض الاكتساب"، قال السجاوندي: " (جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً) مضيئة مع سياسة قاهرة للبصر، (وَالْقَمَرَ نُوراً)، أي: ظهوراً بلُطف".
стр. 3567
(وَقَدَّرَهُ) وقدّر القمر، والمعنى: وقدّر مسيره (مَنازِلَ)، أو قدّره ذا منازل، كقوله تعالى: (وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ) [يس: ٣٩]، (وَالْحِسابَ): وحساب الأوقات من الشهور والأيام والليالي، (ذلِكَ) إشارة إلى المذكور، أي: ما خلقه إلا ملتبساً بالحق الذي هو الحكمة البالغة، ولم يخلقه عبثاً. وقرئ: "يفصل"، بالياء.
[(إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ) ٦].
خصّ المتقين لأنهم يحذرون العاقبة، فيدعوهم الحذر إلى النظر والتدبر.
[(إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاطْمَأَنُّوا بِها وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ * أُولئِكَ مَاواهُمُ النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ) ٧ - ٨].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((وَقَدَّرَهُ): وقدر القمر): قال محيي السنة: "قيل: تقدير المنازل ينصرف إلى القمر خاصة، لأن بالقمر يُعرف انقضاء الشهور والسنين لا بالشمس، ومنازل القمر ثمانية وعشرون، وقيل: ينصرف إليهما، واكتفى بذكر ادهما عن الآخر، لأن مقام الشمس في كل منزلة ثلاثة عشر يوماً، فيكون انقضاء السنة مع انقضائها".
قوله: ((ذَلِكَ) إشارة إلى المذكور): قال محيي السنة: " (ذَلِكَ) رد إلى الجعل والتقدير".
وقلت - والله اعلم- وفيه إشعار بأن ذلك الجعل والتقدير مُنحصر ومقصور على الحق الذي هو معرفة الله تعالى، ومعرفة صفاتهن واستحقاقه لأن يُعبد ولا يُشرك به شيء، والعبادة لها أوقات معلومة وحُسبانات معينة، وأن الفائدة من الجعل والتقدير هي الحسبان المنوط به العبادة لا غير، قال الله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ) [البقرة: ١٨٩].
стр. 3568
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأن المتقي العالم العامل من يستدل بذلك على معرفة بارئه ومنشئه؛ لينشيء له العبادة، وإليه لَوَّحَ الله تعالى بقوله: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) إلى قوله: (لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) [البقرة: ١٦٤]، وهنا بقوله: (إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) إلى قوله: (لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ) [يونس: ٦].
وأن المنجم المخذول القائل بأن لا مرجع ولا معاد، يشتغل بما لا يعنيه، ويخلد إلى الأرض متبعاً لهواه، فيغفل عن تلك المعرفة والعبادة فيهلك، وإليه أومأ بقوله: (إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُوْلَئِكَ مَاوَاهُمْ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)، ألا ترى كيف ختم الآية بالكسب والعمل، كما استعقب الآية السابقة بقوله: (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا) إلى قوله: (بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ) [يونس: ٤]، ليُعلم أن الكلام في المعرفة والعبادة وما يتعلق بهما.
ويؤيد هذا التأويل ما روينا في "صحيح البخاري" عن قتادة قال: "خلق الله تعالى هذه النجوم لثلاث: جعلها زينة للسماء، ورجوماً للشياطين، وعلامات يُهتدى بها، فمن تأول فيها بغير ذلك أخطأ وأضاع نصيبه وتكلف بما لا يعلم".
وروى أبو داود عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عيه وسلم قال: "من اقتبس بابا من علم النجوم لغير ما ذكر الله، فقد اقتبس شعبة من السحر، المنجم كاهن، والكاهن ساحر، والساحر كافر".
стр. 3569
(لا يَرْجُونَ لِقاءَنا): لا يتوقعونه أصلا، ولا يخطرونه ببالهم؛ لغفلتهم المستولية عليهم، المذهلة باللذات وحب العاجل عن التفطن للحقائق،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وفي رواية رزين عن قتادة: "والله، ما جعل الله في النجم حياة أد ولا رزقه ولا موته، وإنما يفترون على الله الكذب، ويتعللون بالنجوم".
قال صاحب "الجامع": "جعل المُنجم الذي يتعلم النجوم للحم بها وعليها، وينسب التأثيرات من السعادة والشقاوة إليها كافراً، نعوذ بالله من ذلك، ونسأله العصمة في القول والعمل".
قوله ((لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا): لا يتوقعونه أصلاً): اعلم أن الرجاء حقيقته توقع الخير، ويُستعمل في معنى الخوف مجازاً، قال في"الأساس": "أرجو من الله المغفرة، ورجوت في ولدي الرُّشد، وأتيت فلاناً رجاء أن يحسن غلي، ومن المجاز: استعمال الرجاء في معنى الخوف والاكتراث، يُقال: لقيت هولاً ما رجوته وما ارتجيته".
والوجه الأول مبني على معنى الاكتراث، ولهذا زاد: "أصلاً"، وفسر "لا يتوقعونه" بقوله"ولا يخطرونه ببالهم؛ لغفلتهم"، والثاني على حقيقته، ولهذا قال: "لا يأملون حُسن لقاءنا"، والثالث على مجرد الخوف، ومن ثم قال: "ولا يخافون سوء لقاءنا".
قوله: (ولا يخطرونه ببالهم؛ لغفلتهم): إيذان بأن قوله تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ) [يونس: ٧] من عطف الصفة على الصفة، بمعنى: أنهم الجامعون بين عدم التوقع وثبوت الغفلة، وأن كل واحدة من هاتين الصفتين مستقلة فيهم مستقرة بهم مميزة لذواتهم، ولما صح أن تكون الثانية سبباً في الأولى، قال: "ولا يخطرونه ببالهم؛ لغفلتهم"، فوكل الترتب إلى ذهن الذكي.
стр. 3570
أو لا يؤملون حسن لقائنا كما يأمله السعداء، أو لا يخافون سوء لقائنا الذي يجب أن يخاف، (وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا) من الآخرة، وآثروا القليل الفاني على الكثير الباقي، كقوله تعالى: (أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ) [التوبة: ٣٨]، (وَاطْمَأَنُّوا بِها) أي: وسكنوا فيها سكون من لا يزعج عنها، فبنوا شديداً وأمّلوا بعيداً.
[(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) ٩ - ١٠].
(يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ): يسدّدهم بسبب إيمانهم للاستقامة على سلوك السبيل المؤدّى إلى الثواب، ولذلك جعل (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ) بيانا له وتفسيرا، لأنّ التمسك بسبب السعادة كالوصول إليها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال القاضي: "يجوز أن يكون العطف لتغاير الفريقين، والمراد بالأولين من أنكر البعث، ولم يُرد الحياة الدنيا، وبالآخرين من ألهاه العاجل عن التأمل في الآجل والإعداد له".
قوله: (يُسددهم)، الأساس: "سد الرجل يسد: صار سديداً، وسد قوله وأمره يسد، وأمره سديد، وتسددهم بسبب إيمانهم للاستقامة على سلوك السبيل المؤدي إلى الثواب"، جعل (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ الأَنْهَارُ) بياناً لهن لأن ما يؤدي إلى الثواب كأنه نفس الثواب تنزيلاً للسبب منزلة المسبب، وذلك أن في إيقاع (يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ) خبراً لقوله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)، وهو عين الهداية، الدلالة على الثواب والاستقامة والمزيد منها، قال تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً) [التوبة: ١٢٤]، ولم تكن الهداية بهذه المثابة إلا أن تكون موجبة للثواب ومستحقة للأجر عندهم، ولذلك قال: "لأن
стр. 3571
ويجوز أن يريد: يهديهم في الآخرة بنور إيمانهم إلى طريق الجنة، كقوله تعالى: (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ) (الحديد: ١٢).
ومنه الحديث: "إنّ المؤمن إذا خرج من قبره صوّر له عمله في صورة حسنة، فيقول له: أنا عملك، فيكون له نوراً وقائداً إلى الجنة. والكافر إذا خرج من قبره صوّر له عمله في صورة سيئة فيقول له: أنا عملك، فينطلق به حتى يدخله النار".
فإن قلت: فلقد دلت هذه الآية على أنّ الإيمان الذي يستحق به العبد الهداية والتوفيق والنور يوم القيامة: هو إيمان مقيد، وهو الإيمان المقرون بالعمل الصالح، والإيمان الذي لم مقرونا بالعمل الصالح فصاحبه لا توفيق له ولا نور
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التمسك بسبب السعادة كالوصول إليها"، [فالهداية] على هذا التفسير عبارة عن الدلالة الموصلة إلى البغية، وسبيل هذا البيان سبيل البدل في قوله تعالى: (ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا) [فاطر: ٣٢ - ٣٣]، قال: "جعلَ (جَنَّاتُ عَدْنٍ) الذي هو السبق بالخيرات، لأن السبق لما كان السبق في نيل الثواب نُزل منزلة السبب، كأنه الثواب، فأبدلت عنه (جَنَّاتُ عَدْنٍ) ".
قوله: (يهديهم في الآخرة بنور إيمانهم إلى طريق الجنة): فعلى هذا الهداية مجرد الدلالة، وقال أبو البقاء: " (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ) يجوز أن يكون مستأنفاً، وأن يكون حالاً من ضمير المفعول في (يَهْدِيهِمْ)، والمعنى: يهديهم في الجنة إلى مُراداتهم في هذه الحال"، وقال القاضي: "يجوز أن يكون خبراً ثانياً".
стр. 3572
قلت: الأمر كذلك، ألا ترى كيف أوقع الصلة مجموعا فيها بين الإيمان والعمل، كأنه قال: إنّ الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ألا ترى كيف أوقع الصلة مجموعاً فيها بين الإيمان والعمل): اعلم أن من خواص "الذي" إيقاع صلته علة لخبره، قال صاحب "المفتاح": "أو أن تُومئ بذلك-أي: بالإتيان بالموصول- إلى وجه بناء الخبر الذي تبنيه عليه، فتقول: الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم"، وإذا كان كذلك كان مجموع الصلة علة لكونه تعالى يهديهم، ومن انتفاء فرد من أفراد المجموع ينتفي حكم التعليل.
فإن قلت: فإذا حصل التعليل من بناء الخبر على الموصول وصلته- كما ذكر -، فأي فائدة في ذكر تعليل آخر، وهو (بِإِيمَانِهِمْ)؟ قلت: الظاهر أن يحمل بناء الخبر على الموصول على تحقيق الخبر، كقوله:
إن التي ضربت بيتاً مهاجرة … بكوفة الجند غالت وُدَّها غول
فتبقى الباء مخلصة للتعليل، فيحصل التحقيق مع التعليل، ويؤذن بأن الإيمان الموصوف له أثر عظيم في تحصيل البُغية، قال القاضي: "ومفهوم الترتيب، وإن دل على أن سبب الهداية
стр. 3573
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هو الإيمان والعمل الصالح، لكن دل منطوق قوله: (بِإِيمَانِهِمْ) على استقلال الإيمان بالسببية، وأن العمل الصالح كالتتمة والرديف له".
وقلت: الحق أن الضمير في (يَهْدِيهِمْ) وفي (بِإِيمَانِهِمْ)، راجع إلى الموصول مع صلته، والصلة مشتملة على المعنيين، وتخصيص أحدهما بالذكر لإنافته وشرفه، لا أن مجرد الإيمان كافٍ في السببية، ولأن مذهب السلف الصالح على أن العمال داخلة في الإيمان، وروينا في "سنن ابن ماجه" عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الإيمان معرفة بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالأركان".
وفي "شرح السُّنة": "أن الصحابة التابعين ومن بعدهم من علماء السنة اتفقت على أن الأعمال من الإيمان، قالوا: إن الإيمان قول وعمل وعقد، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية"، وأيده بالآيات والأخبار، وقد سبق الكلام فيه مستقصى في الأنفال.
على أن المقام مقام مدح، ولا شك أن مجرد التصديق لا مدح فيه، وأن الكلم الطيب إنما يرفعه العمل الصالح، كأنه قيل: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يرفع الله منزلتهم إلى مباغيهم بسبب إيمانهم المعتبر المحلي بالعمل الصالح.
стр. 3574
ثم قال: (بإيمانهم)، أي: بإيمانهم هذا المضموم إليه العمل الصالح، وهو بين واضح لا شبهة فيه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
روينا في "مسند أحمد بن حنبل" عن أبي ذر وأبي الدرداء: أن رسول الله ﷺ قال: "إني لأعرف أمتي يوم القيام من بين سائر الأمم بسيماهم في وجوههم من أثر السجود، وأعرفهم بنورهم يسعى بين أيديهم"، وفي رواية قال: "هم غُر محجلون من أثر الوضوء، ليس كذلك أحد غيرهم".
وأما خلاف الأصوليين فمشهور لا حاجة إلى عرضه.
ومقام المدح لا يدل على ما أورده صاحب "الانتصاف" من أنه يلزم أن المؤمن إذا لم يعمل صالحاً مخلدٌ في النار، وقال: "إنه تعالى جعل سبب الهداية إلى الجنة مطلق الإيمان، فقال: (يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ)، وقوله: "إن المراد إضافة العمل إلى الإيمان" لا تنتهض به الدعوى، وشبهته أن الإيمان الذي جُعل سبباً مقيد بالأعمال الصالحة، فيقيد به الثاني، وهو ممنوع، فإن الضمير يعود إلى الذوات لا باعتبار الصفات".
وقلت: قد ذكرنا أن هذا مما يأباه اللفظ.
قوله: (ثم قال: (بِإِيمَانِهِمْ)): يعني: أن الإضافة بدل من لام التعريف، كقوله تعالى حكاية عن زكريا ﵇: (وَاشْتَعَلَ الرَّاسُ شَيْباً) [مريم: ٤]، أي: رأسي، أو أن الإيمان إذا قُرنَ بالعمل أريد مجرد التصديق، وإذا جُرد عنه أريد به المجموع.
стр. 3575
(دَعْواهُمْ): دعاؤهم، لأن (اللهمّ) نداء لله، ومعناه: اللهمّ إنا نسبحك، كقول القانت في دعاء القنوت: "اللهمّ إياك نعبد، ولك نصلى ونسجد"، ويجوز أن يراد بالدعاء: العبادة، (وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) [مريم: ٤٨]، على معنى: أن لا تكليف في الجنة ولا عبادة، وما عبادتهم إلا أن يسبحوا الله ويحمدوه، وذلك ليس بعبادة، إنما يلهمونه، فينطقون به تلذذاً بلا كلفة، كقوله تعالى: (وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً) [الأنفال: ٣٥].
(وَآخِرُ دَعْواهُمْ): وخاتمة دعائهم الذي هو التسبيح (أَنِ) يقولوا: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ)، ومعنى (وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ): أنّ بعضهم يحيى بعضا بالسلام،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد): قال صاحب "الروضة" في "الأذكار": "قال أصحابنا: وإن قنت بما جاء عن عمر بن الخطاب ﵄ [كان حسناً، وهو]: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ولا نكفرك، ونؤمن بكن ونخلع ونترك من يفجركن اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفِد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، إن عذابك الجد بالكفار ملحق".
قوله: (وخاتمة دعائهم الذي هو التسبيح (أنْ) يقولوا: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)): قال القاضي: "ولعل المعنى: أنهم إذا دخلوا الجنة وعاينوا عظمة الله وكبرياءه مجدوه ونعتوه بنعوت الجلال، ثم حياهم الملائكة بالسلامة من الآفات، والفوز بأصناف الكرامات، فحمدوه وأثنوا عليه بصفات الإكرام".
следующие страницы →