← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.

стр. 3571

ويجوز أن يريد: يهديهم في الآخرة بنور إيمانهم إلى طريق الجنة، كقوله تعالى: (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ) (الحديد: ١٢). ومنه الحديث: "إنّ المؤمن إذا خرج من قبره صوّر له عمله في صورة حسنة، فيقول له: أنا عملك، فيكون له نوراً وقائداً إلى الجنة. والكافر إذا خرج من قبره صوّر له عمله في صورة سيئة فيقول له: أنا عملك، فينطلق به حتى يدخله النار". فإن قلت: فلقد دلت هذه الآية على أنّ الإيمان الذي يستحق به العبد الهداية والتوفيق والنور يوم القيامة: هو إيمان مقيد، وهو الإيمان المقرون بالعمل الصالح، والإيمان الذي لم مقرونا بالعمل الصالح فصاحبه لا توفيق له ولا نور ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ التمسك بسبب السعادة كالوصول إليها"، [فالهداية] على هذا التفسير عبارة عن الدلالة الموصلة إلى البغية، وسبيل هذا البيان سبيل البدل في قوله تعالى: (ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا) [فاطر: ٣٢ - ٣٣]، قال: "جعلَ (جَنَّاتُ عَدْنٍ) الذي هو السبق بالخيرات، لأن السبق لما كان السبق في نيل الثواب نُزل منزلة السبب، كأنه الثواب، فأبدلت عنه (جَنَّاتُ عَدْنٍ) ". قوله: (يهديهم في الآخرة بنور إيمانهم إلى طريق الجنة): فعلى هذا الهداية مجرد الدلالة، وقال أبو البقاء: " (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ) يجوز أن يكون مستأنفاً، وأن يكون حالاً من ضمير المفعول في (يَهْدِيهِمْ)، والمعنى: يهديهم في الجنة إلى مُراداتهم في هذه الحال"، وقال القاضي: "يجوز أن يكون خبراً ثانياً".

стр. 3572

قلت: الأمر كذلك، ألا ترى كيف أوقع الصلة مجموعا فيها بين الإيمان والعمل، كأنه قال: إنّ الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ألا ترى كيف أوقع الصلة مجموعاً فيها بين الإيمان والعمل): اعلم أن من خواص "الذي" إيقاع صلته علة لخبره، قال صاحب "المفتاح": "أو أن تُومئ بذلك-أي: بالإتيان بالموصول- إلى وجه بناء الخبر الذي تبنيه عليه، فتقول: الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم"، وإذا كان كذلك كان مجموع الصلة علة لكونه تعالى يهديهم، ومن انتفاء فرد من أفراد المجموع ينتفي حكم التعليل. فإن قلت: فإذا حصل التعليل من بناء الخبر على الموصول وصلته- كما ذكر -، فأي فائدة في ذكر تعليل آخر، وهو (بِإِيمَانِهِمْ)؟ قلت: الظاهر أن يحمل بناء الخبر على الموصول على تحقيق الخبر، كقوله: إن التي ضربت بيتاً مهاجرة … بكوفة الجند غالت وُدَّها غول فتبقى الباء مخلصة للتعليل، فيحصل التحقيق مع التعليل، ويؤذن بأن الإيمان الموصوف له أثر عظيم في تحصيل البُغية، قال القاضي: "ومفهوم الترتيب، وإن دل على أن سبب الهداية

стр. 3573

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ هو الإيمان والعمل الصالح، لكن دل منطوق قوله: (بِإِيمَانِهِمْ) على استقلال الإيمان بالسببية، وأن العمل الصالح كالتتمة والرديف له". وقلت: الحق أن الضمير في (يَهْدِيهِمْ) وفي (بِإِيمَانِهِمْ)، راجع إلى الموصول مع صلته، والصلة مشتملة على المعنيين، وتخصيص أحدهما بالذكر لإنافته وشرفه، لا أن مجرد الإيمان كافٍ في السببية، ولأن مذهب السلف الصالح على أن العمال داخلة في الإيمان، وروينا في "سنن ابن ماجه" عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الإيمان معرفة بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالأركان". وفي "شرح السُّنة": "أن الصحابة التابعين ومن بعدهم من علماء السنة اتفقت على أن الأعمال من الإيمان، قالوا: إن الإيمان قول وعمل وعقد، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية"، وأيده بالآيات والأخبار، وقد سبق الكلام فيه مستقصى في الأنفال. على أن المقام مقام مدح، ولا شك أن مجرد التصديق لا مدح فيه، وأن الكلم الطيب إنما يرفعه العمل الصالح، كأنه قيل: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يرفع الله منزلتهم إلى مباغيهم بسبب إيمانهم المعتبر المحلي بالعمل الصالح.

стр. 3574

ثم قال: (بإيمانهم)، أي: بإيمانهم هذا المضموم إليه العمل الصالح، وهو بين واضح لا شبهة فيه. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ روينا في "مسند أحمد بن حنبل" عن أبي ذر وأبي الدرداء: أن رسول الله ﷺ قال: "إني لأعرف أمتي يوم القيام من بين سائر الأمم بسيماهم في وجوههم من أثر السجود، وأعرفهم بنورهم يسعى بين أيديهم"، وفي رواية قال: "هم غُر محجلون من أثر الوضوء، ليس كذلك أحد غيرهم". وأما خلاف الأصوليين فمشهور لا حاجة إلى عرضه. ومقام المدح لا يدل على ما أورده صاحب "الانتصاف" من أنه يلزم أن المؤمن إذا لم يعمل صالحاً مخلدٌ في النار، وقال: "إنه تعالى جعل سبب الهداية إلى الجنة مطلق الإيمان، فقال: (يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ)، وقوله: "إن المراد إضافة العمل إلى الإيمان" لا تنتهض به الدعوى، وشبهته أن الإيمان الذي جُعل سبباً مقيد بالأعمال الصالحة، فيقيد به الثاني، وهو ممنوع، فإن الضمير يعود إلى الذوات لا باعتبار الصفات". وقلت: قد ذكرنا أن هذا مما يأباه اللفظ. قوله: (ثم قال: (بِإِيمَانِهِمْ)): يعني: أن الإضافة بدل من لام التعريف، كقوله تعالى حكاية عن زكريا ﵇: (وَاشْتَعَلَ الرَّاسُ شَيْباً) [مريم: ٤]، أي: رأسي، أو أن الإيمان إذا قُرنَ بالعمل أريد مجرد التصديق، وإذا جُرد عنه أريد به المجموع.

стр. 3575

(دَعْواهُمْ): دعاؤهم، لأن (اللهمّ) نداء لله، ومعناه: اللهمّ إنا نسبحك، كقول القانت في دعاء القنوت: "اللهمّ إياك نعبد، ولك نصلى ونسجد"، ويجوز أن يراد بالدعاء: العبادة، (وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) [مريم: ٤٨]، على معنى: أن لا تكليف في الجنة ولا عبادة، وما عبادتهم إلا أن يسبحوا الله ويحمدوه، وذلك ليس بعبادة، إنما يلهمونه، فينطقون به تلذذاً بلا كلفة، كقوله تعالى: (وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً) [الأنفال: ٣٥]. (وَآخِرُ دَعْواهُمْ): وخاتمة دعائهم الذي هو التسبيح (أَنِ) يقولوا: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ)، ومعنى (وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ): أنّ بعضهم يحيى بعضا بالسلام، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد): قال صاحب "الروضة" في "الأذكار": "قال أصحابنا: وإن قنت بما جاء عن عمر بن الخطاب ﵄ [كان حسناً، وهو]: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ولا نكفرك، ونؤمن بكن ونخلع ونترك من يفجركن اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفِد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، إن عذابك الجد بالكفار ملحق". قوله: (وخاتمة دعائهم الذي هو التسبيح (أنْ) يقولوا: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)): قال القاضي: "ولعل المعنى: أنهم إذا دخلوا الجنة وعاينوا عظمة الله وكبرياءه مجدوه ونعتوه بنعوت الجلال، ثم حياهم الملائكة بالسلامة من الآفات، والفوز بأصناف الكرامات، فحمدوه وأثنوا عليه بصفات الإكرام".

стр. 3576

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقلت: ولعل الظاهر هو أن يضاف السلام إلى الله إكراماً لأهل الجنة، كما ذكر المصنف في الوجه الأخير، وينصره قوله تعالى في سورة يس: (سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ) [يس: ٥٨]، "أي: يُسلمُ عليهم بغير واسطة مبالغة في تعظيمهم، وذلك متمناهم"، كذا فسره المصنف. وهذا يدل على أنه يحصل للمؤمنين بعد نعيمهم في الجنة ثلاثة أنواع من الكرامة: وسطها: (سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ). وأولها: ما يقولون عند مشاهدتها: (سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ)، وهي سطوع نور الجمال من وراء حجاب الجلال، وما أفخم شأن اقتران (اللَّهُمَّ) بـ (سُبْحَانَكَ) في هذا المقام، كأنهم لما رأوا أشعة تلك الأنوار لم يتمالكوا أن لا يرفعوا أصواتهم به. وآخرها: أجل منهما، ولذلك ختموا الدعاء عند رؤيتها بـ (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، وما هي إلا نعمة الرؤية التي كل نعمة دونها. فكانت الكرامة الأولى كالتمهيد للثالثة، وما أشد طباقاً لهذا التأويل ما رويا عن ابن ماجه عن جابر، عن النبي ﷺ : "بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نورن فرفعوا رؤوسهم، فإذا الرب قد أشرف عليهم من فوقهم، فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة، قال: وذلك قوله تعالى: (سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ) [يس: ٥٨]، قال: فينظر إليهم وينظرون إليه،

стр. 3577

وقيل: هي تحية الملائكة إياهم، إضافة للمصدر إلى المفعول، وقيل: تحية الله لهم، و"أن" هي المخففة من الثقيلة، وأصله: أنه الحمد لله، على أن الضمير للشأن، كقوله: أَنْ هالِكٌ كُلُّ مَنْ يَحْفَى وَيَنْتَعِلُ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه، حتى يحتجب عنهم، ويبقى نوره". والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. قوله: (أن هالك كل من يحفى وينتعل): صدره: في فتية كسيوف الهند قد علموا "كسيوف الهند": أي: تبرق أسارير جبهتهم كالسيوف، خفف "أن" المفتوحة، وأضمر اسمها، وهو ضمير الشأن، "من يحفى": كناية عن الفقير، كما أن "من ينتعلُ" كناية عن الغني، يقول: قد علم هؤلاء الفتيان أن الهلاك يعم الناس فقيرهم وغنيم، وهم يتبادرون إلى اللذات قبل أن يُحال بينهم وبينها. والشعر للأعشى، وهو محرف، وفي "ديوانه": قد علموا … أن ليس يدفع عن ذي الحيلة الحيل

стр. 3578

وقرئ: "أنّ الحمد لله" بالتشديد ونصب "الحمد". [(وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ) ١١]. أصله: (وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ) تعجيله لهم الخير، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقبله: أنا برئنا حفاة لا نعال لنا … أنا كذلك قد نحفى وننتعلُ قوله: (وقرئ: "أن الحمد لله"): قال ابن جني: "قرأها ابن محيصن، وهي تدل على أن قراءة الجماعة: (أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ): "أنْ" فيها مخففة، بمنزلة قول الأعشى: "أن هالكٌ" البيت، ولا يجوز أن تكون زائدة، كقوله: ويوماً توافينا بوجه مقسم … كأن ظبية تعطو إلى وارق السلم أي: كظبية".

стр. 3579

فوضع (اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ) موضع "تعجيله لهم الخير" إشعاراً بسرعة إجابته لهم وإسعافه بطلبتهم، حتى كأنّ استعجالهم بالخير تعجيل له، والمراد أهل مكة وقولهم: (فأمطر علينا حجارة من السماء) [الأنفال: ٣٢]، يعنى: ولو عجلنا لهم الشر الذي دعوا به كما نعجل الخير ونجيبهم إليه، (لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ) لأميتوا وأهلكوا. وقرئ: "لقضى إليهم أجلهم" على البناء للفاعل، وهو الله ، وتنصره قراءة عبد الله: "لقضينا إليهم أجلهم". ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (إشعاراً بسرعة إجابته لهم)، الانتصاف: "هذا من بديع القرآن، لا ترى العدول من لفظ إلى آخر إلا لمعنى، والنحوي يقول في (أَنْبَتَكُمْ مِنْ الأَرْضِ نَبَاتاً) [نوح: ١٧]: إنه أجرى المصدر على غير فعله، وهذا المصدر لفعل دل عليه هذا الفعل، كأنه قال: "فنبتم نباتاً"، وله فائدة في التحقيق وراء هذا، وهو التنبيه على تحتم القدرة وسرعة نفاذ حكمها، حتى كأن إنبات الله نفس النبات، فقرن أحدهما بالآخر". وقلت: كان أصل الكلام: "ولو يُعجل الله للناس الشر تعجيله"، ثم وضع موضعه "الاستعجال"، ثم نُسب إليهم، فقيل: (اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ)؛ لأن المراد أن رمته سبقت غضبه، فأريد مزيد المبالغة، وذلك أن استعجالهم الخير أسرع من تعجيل الله لهم الخير، فإن الإنسان خُلق عجولاً، إذا سمع بخير لا يثبت على شيء حتى يسرع إليه، والله صبور حليم؛ يؤخر للمصالح الجمة التي لا يهتدي إليها عقل الإنسان، ومع ذلك يسعف بطلبتهم ويُسرع بإجابتهم. فإن قلت: كيف اتصال هذه الآية بما قبلها؟ قلت- والله أعلم-: إنه تعالى لما افتتح السورة بقوله: (الم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ)، وذكر تعجب قريش عن إرساله صلوات الله عليه، واختصاصه بالنبوة دونهم، وقولهم تعنتاً وعناداً: (إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ) [يونس: ٢]؛ طعناً في كلامه المجيد، آذن بذلك أن هذه السورة الشريفة محتوية على بيان تكذيب قريش رسول الله ﷺ ، وإيذائهم لهن وطعنهم فيه، ومشتملة على بيان الآيات الدالة على عظمة الله تعالى وكبرياء شأنه؛

стр. 3580

فإن قلت: فكيف اتصل به قوله: (فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ)، وما معناه؟ قلت: قوله (وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ) متضمن معنى نفى التعجيل، كأنه قيل: ولا نعجل لهم الشر، ولا نقضي إليهم أجلهم، فنذرهم (فِي طُغْيانِهِمْ) أي: فنمهلهم ونفيض عليهم النعمة مع طغيانهم، إلزاما للحجة عليهم. [(وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) ١٢]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ تنبيهاً وتفريعاً، فجعل قوله: (أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَا) إلى قوله: (إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ) [يونس: ٢]، تمهيداً وتوطئة لذكر أصول الآيات وأمهاتها، وهو قوله: (إِنَّ رَبَّكُمْ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ) [يونس: ٣] إلى آخر الآيات بياناً لكبرياء سُلطانه، وأن له أن يختص برسالته من يشاء، وأن المقصود من الإرسال الدعوة إلى معرفة الله، وبيان كيفية عبادته، لأن المبدأ منه والمرجع إليه، ليثيب المحسن ويعاقب المسيء، فقد حصل هذا المقصود من هذا الرسول الكريم والكتاب المجيد، وقطع بهما المعاذير، وأزاح الحجج. وبين بعد ذلك صفة عفوه وحلمه بهذه الآية، حيث لم يهلكهم بغتة بما تكلموا به من تلك الشنعاء في كتابه المجيد: (إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ)، وفي رسوله المجتبي: "إن الله لم يجد رسولاً يرسله على الناس إلا يتيم أبي طالب"، كقوله تعالى: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ) [فاطر: ٤٥]. قوله: (فكيف اتصل): الفاء تدل على الإنكار، أي: لزم من قضية "لو"، وقولك: " (لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ): لأميتوا وأهلكوا": أنهم ما أهلكوا، بل أمهلوا، ومعنى قوله: (فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا) الإمهال أيضاً، فكيف اتصل به؟

стр. 3581

(لِجَنْبِهِ) في موضع الحال، بدليل عطف الحالين عليه، أي: دعانا مضطجعاً، (أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً). فإن قلت: فما فائدة ذكر هذه الأحوال؟ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وأجاب: أن اتصاله به من حيث المعنى لا اللفظ، لأن قوله: (وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ) متضمن معنى نفي التعجيل، لأن "لو" لتعليق ما امتنع بامتناع غيره، يعني: لم يكن التعجيل ولا قضاء العذاب، فيلزم من ذلك حصول المهلة، قال القاضي: (فَنَذَرُ) معطوف على فعل محذوف دل عليه الشرطية، كأنه قيل: لا نعجل ولا نقضي، فنذرهم إمهالاً لهم واستدراجاً". وقلت: الظاهر أن الفاء في (فَنَذَرُ) جواب شرط محذوف، وقوله: (الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا) تكرير لما سبق من قوله: (إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا) [يونس: ٧]، كُرر للذم ولإناطة ما لم ينط به أولاً، ويُراد بهم منكرو البعث من أهل مكة الذين قالوا: (اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنْ السَّمَاءِ أَوْ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) [الأنفال: ٣٢] جُحوداً وإنكاراً، كما مر في تفسيره، ويكون قوله: (وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ) كالتوطئة والتمهيد لذكرهم، و (النَّاسَ) يُراد به: جنسُ المعاندين. والمعنى: ولو يُعجل الله لهذا الجنس من الأمم الشر تعجيله لهم الخير لأبادهم وأهلكهم، ولكن يمهلهم استدراجاً؛ ليزيدوا في طغيانهم، ثم يستأصلهم، كما قال تعالى: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) الآية [فاطر: ٤٥]، فإذا كان كذلك فنحن نذرُ هؤلاء - الذين لا يؤمنون بالبعث ولا يرجون لقاءنا، ويقولون: إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء- في طغيانهم يعمهون، ثم نقطع دابرهم. قوله: ((لِجَنْبِهِ) في موضع الحال): قال أبو البقاء: "واللام في (لِجَنْبِهِ) على أصلها

стр. 3582

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عند البصريين، أي: دعانا مُلقياً لجنبه"، وقال السجاوندي: (لِجَنْبِهِ): مضطجعاً عليه، كقوله: فخر صريعاً لليدين وللفم قال المصنف: "اللام- في (يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ) [الإسراء: ١٠٧] للاختصاص"، أي: أنهم ما يدعون الله إلا عند الاضطرار، ويخصون هذه الحالة بالخضوع أكثر من تلك الحالات، ومجاز هذه اللام كمجاز ["في"] في قوله: (فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) [طه: ٧١]. وكما خُصصت هذه الحالة باللام قدمت على الحالتين؛ لينبه على كون الإنسان هلوعاً، إذا مسه الشر جزوعاً لا صبر له في الصدمة الأولى على المصيبات، ثم إنه إذا أصابه بعض التسلي قعد، ثم قام

стр. 3583

قلت: معناه: أنّ المضرور لا يزال داعياً لا يفتر عن الدعاء حتى يزول عنه الضر، فهو يدعونا في حالاته كلها؛ إن كان منبطحاً عاجز النهض متخاذل النوء، أو كان قاعداً لا يقدر على القيام، أو كان قائماً لا يطيق المشي والمضطرب إلى أن يخف كل الخفة، ويرزق الصحة بكمالها والمسحة بتمامها. ويجوز أن يراد: أن من المضرورين من هو أشدّ حالا وهو صاحب الفراش، ومنهم من هو أخف وهو القادر على القعود، ومنهم المستطيع للقيام، وكلهم لا يستغنون عن الدعاء واستدفاع البلاء، لأنّ الإنسان للجنس. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وأما قوله تعالى: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ) [آل عمران: ١٩١]: ففي شأن الخاصة الذين يبذلون جهدهم في خدمة بارئهم، ويستغرقون أوقاتهم في طاعته، فإذا قدروا على القيام في أداء العبادة لا يقعدون ولا يذكرون مضطجعين إلا عند الاضطرار، فتلك الآية في شأن الإنسان الضجور، وهذه في شأن المؤمن الصبور. قوله: (منبطحاً)، الجوهري: "بطحه: ألقاه على وجهه، فانبطح". قوله: (متخاذل النوء)، الجوهري: "ناء ينوء: نهض بجهد ومشقة"، الأساس: "ونؤت بالحمل: نهضت به: وفلان نوؤه متخاذل: إذا كان ضعيف النهض". قوله: (والمسحة بتمامها)، الأساس: "يقال: من الله عليك بالمسحة، وأذاقك حلاوة الصحة، وبه مسحة من جمال، ومسح الله ما بك". قوله: (ويجوز أن يُراد أن من المضرورين): عطف على قوله: "أن المضرور لا يزال داعياً"، فاعتبر الجنس في "الإنسان" على الأول بحسب كل فرد من أفراده، فالتفصيل بحسب أحوال كل شخص، ولهذا قال: "معناه أن المضرور لا يزال داعياً، فهو يدعونا في حالاته كلها"، واعتبر في الثاني الجنس بحسب الأنواع، فالتفصيل بحسب أحوال الأشخاص، قال: "ومِنَ المضرورين من هو أشد حالاً، ومن هو كذا ومن هو كذا".

стр. 3584

(مَرَّ) أي: مضى على طريقته الأولى قبل مس الضر، ونسى حال الجهد، أو: مرّ عن موقف الابتهال والتضرع لا يرجع إليه، كأنه لا عهد له به، (كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا): كأنه لم يدعنا، فخفف وحذف ضمير الشأن، قال: كَأَنْ ثَدْيَاهُ حُقّانِ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أو: مر عن موقف الابتهال): يعني: لم يذكر متعلق (مَرَّ)، فيحتمل أن يُعدى بـ"على" تارة لتضمينه معنى "مضى"، وأخرى بـ"عن" لتضمين معنى المجاوزة. قوله: (كأن ثدياه حُقان): أوله: ونحرٍ مشرق اللون "النحر": موضع القلادة من الصدر، والأصل: حُقتان، لأن التاء الثابتة في الواحدة ثابتة في التثنية، فحذف على خلاف القياس، وخفف "كأن"، وأبطل العمل، وقال: "ثدياه حُقان"، وهما مرفوعان بالابتداء والخبر، والضمير في "ثدياه" يعود إلى "النحر".

стр. 3585

(كَذلِكَ) مثل ذلك التزيين (زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ): زين الشيطان بوسوسته، أو: الله بخذلانه وتخليته، (ما كانُوا يَعْمَلُونَ) من الإعراض عن الذكر وإتباع الشهوات. [(وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ * ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) ١٣ - ١٤]. (لَمَّا) ظرف لـ (أهلكنا)، والواو في (وَجاءَتْهُمْ) للحال، أي: ظلموا بالتكذيب وقد جاءتهم رسلهم بالحجج والشواهد على صدقهم وهي المعجزات. وقوله: (وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا) يجوز أن يكون عطفاً على (ظلموا)، وأن يكون اعتراضاً، واللام لتأكيد النفي، يعنى: وما كانوا يؤمنون حقاً، تأكيداً لنفي إيمانهم، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وأن يكون اعتراضاً): وإذا كان عطفاً تفسيراً للمعطوف عليه، لأن ظلمهم على الأنبياء عند مجيئهم بالبينات والمعجزات هو الظلم كله، وهو الكفر البالغ. وإذا كان اعتراضاً كان تأكيداً لمضمون الجملة، وهو الهلاك لما يستحقون من الإجرام، لأن مثل ذلك الإهلاك لا يكون إلا لمن لم يؤمن قط، ولزمته الحجة. قوله: (واللام لتأكيد النفي): ليس تقريراً لمعنى الاعتراض، بل ابتداء تفسير لقوله: (وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا)، وقوله: "وأن الله قد علم منهم أنهم يصرون على كفرهم" عطف تفسيري على قوله: "تأكيداً"، وهو مفعول له لمقدر، أي: إنما أتى باللام في الكلام المنفي لهذا الأمر، ويريد

стр. 3586

وأن الله قد علم منهم أنهم يصرون على كفرهم، وأن الإيمان مستبعد منهم. والمعنى: أن السبب في إهلاكهم تكذيب الرسل، وعلم الله أنه لا فائدة في إمهالهم بعد أن ألزموا الحجة ببعثه الرسل. (كَذلِكَ) مثل ذلك الجزاء، يعنى الإهلاك (نَجْزِي) كل مجرم، وهو وعيد لأهل مكة على إجرامهم بتكذيب رسول الله ﷺ . وقرئ: يجزى، بالياء. (ثُمَّ جَعَلْناكُمْ) الخطاب للذين بعث إليهم محمد ﷺ ، أي: استخلفناكم في الأرض بعد القرون التي أهلكنا، (لِنَنْظُرَ) أتعملون خيراً أم شراً، فنعاملكم على حسب عملكم، (وكَيْفَ) في محل النصب بـ (تعملون) لا بـ"ننظر"، لأنّ معنى الاستفهام فيه يحجب أن يتقدّم عليه عامله. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ به: أن معنى العلم مستفاد من معنى التأكيد، وأن نفي الإيمان عنهم بهذه الحيثية تابع لسبق علم الله فيهم بأنهم لا يؤمنون، وقوله: "والمعنى أن السبب" إلى آخره: تلخيص لمعنى الآية بحسب العطف لا الاعتراض، فظهر منه أن علم الله ليس سبباً مستقلاً في إهلاكهم، وهو مذهبه. وأما بيان وجه الاعتراض: فهو أن السبب في إهلاكهم تكذيبهم الرسل، والسبب في التكذيب والإهلاك سبق علم الله أنهم يصرون على الكفر، وانه تعالى مهلكهم، ونحوه في الاعتراض قوله تعالى: (ثُمَّ اتَّخَذْتُمْ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ) [البقرة: ٥١ و ٩٢]، أي: "وانتم قوم عادتكم الظلم"، فرجع مآل التأويل إلى بطلان مذهبه. قوله: (و (كَيْفَ) في محل النصب بـ (تَعْمَلُونَ): المعنى: لننظر عملكم أهو خير أم شر، إيمان أم كفر؟ وهذا هو الوجه، وقيل: "ننظر" بمعنى "نعلم"، أي: لنعلم جواب كيف تعملون؟ كما ذكر سيبويه في قولك: علمت أزيد عندك أم عمرو؟ والمعنى: علمت جواب ذلك.

стр. 3587

فإن قلت: كيف جاز النظر على الله تعالى، وفيه معنى المقابلة؟ قلت: هو مستعار للعلم المحقق الذي هو العلم بالشيء موجوداً، شبه بنظر الناظر وعيان المعاين في تحققه. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وبيانه: أن الرسل إذا قالوا للقوم: كيف تعملون؟ أتعملون الخير أم الشر- مثلاً-؟ فإجابتهم: إما بالقول؛ بأن يقولوا: سمعنا وأطعنا، وإما بالفعل؛ بأن يشتغلوا بالعمل، وإما لا يجيبون. وعلى أي وجه كان، فلابد من حصول جواب لقولهم: كيف تعملون؟ فيعلم الله الجواب واقعاً بالفعل حاصلاً، بعدما علم أنه سيحصل. حاصل المعنى يؤول إلى أن المعنى: جعلناكم خلائف في الأرض لنعلم ما تجيبون به الأنبياء من قولهم: كيف تعملون؟ ولما كان "ننظر" بمعنى "نعلم" يكون معلقاً عن العمل فيما بعده، قال ابن الحاجب: "فإذا قلت: علمت أزيد عندك أم عمرو؟ فمعناه: علمت أحدهما معيناً على صفة هو كونه عندكن لأنه ذلك الذي يُقال في جوابه"، فعلى هذا: فإذا قيل: علمت كيف زيد، فمعناه: علمت زيداً على حالة هو كونه صحيحاً أم سقيماً، لأنه ذلك الذي يُقال في جوابه، فإن "كيف يُسأل بها عن الحال. فمعنى (لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ): نعلم عملكم على أي حال كان من الخير والشر، قال القاضي: "وفائدته الدلالة على أن المعتبر في الجزاء جهات الأفعال وكيفياتها، لا هي من حيث ذاتها، ولذلك يحسن الفعل تارة، ويقبح أخرى". قوله: (هو مستعار للعلم المحقق)، الانتصاف: "لو اقتصر الزمخشري رحمه الله تعالى على إنكار الرؤية من العبد لله تعالى لقبح، فكيف وقد ضم إليه إنكار رؤية الله للعبد، وليس النظر مستلزماً للمقابلة، وقد أبطل في موضعه".

стр. 3588

[(وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) ١٥]. غاظهم ما في القرآن من ذم عبادة الأوثان والوعيد للمشركين، فقالوا: (ائْتِ بِقُرْآنٍ) آخر ليس فيه ما يغيظنا من ذلك نتبعك، (أَوْ بَدِّلْهُ) بأن تجعل مكان آية عذاب آية رحمة، وتسقط ذكر الآلهة وذمّ عبادتها، فأمر بأن يجيب عن التبديل، لأنه داخل تحت قدرة الإنسان، وهو أن يضع مكان آية عذاب آية رحمة مما أنزل، وأن يسقط ذكر الآلهة. وأما الإتيان بقرآن آخر، فغير مقدور عليه للإنسان. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فأمر بأن يُجيب عن التبديل؛ لأنه داخل تحت قدرة الإنسان … ، وأما الإتيان بقرآن آخر فغير مقدور): اعلم أن التبديل يجيء بمعنيين، قال المصنف في قوله تعالى: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ) [إبراهيم: ٤٨]: "التبديل: التغيير، وقد يكون في الذوات كقولك: بدلت الدراهم دنانير، وفي الأوصاف كقولك: بدلت الحلقة خاتماً". ويمكن أن ينزل قوله: (ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا) على المعنى الأول، ولهذا قال: "إن نُسخت آية تبعت النسخ"، لأن النسخ إبطال للمنسوخ مع إبداله الناسخ، ويُنزل قوله: (أَوْ بَدِّلْهُ) على المعنى الثاني، ولهذا قال: "وهو أن يضع مكان آية عذاب آية رحمة مما أنزل، وأن يُسقط ذكر الآلهة"، ثم الجواب- وهو قوله: (قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي) - يحتمل أن يجرى على المعنيين، فيكون جواباً عن الاقتراحين، وأن يُحمل على الأهون، فيدخل الأغلظ بطريق الأولى، وفي كلامه إشعار بهذا.

стр. 3589

(ما يَكُونُ لِي): ما ينبغي لي وما يحل، كقوله تعالى: (ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ) [المائدة: ١١٦]، (أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي): من قبل نفسي - وقرئ بفتح التاء - من غير أن يأمرنى بذلك ربى (إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيّ) لا آتى ولا أذر شيئاً من نحو ذلك، إلا متبعاً لوحي الله وأوامره، إن نسخت آية تبعت النسخ، وإن بدِّلت آية مكان آية تبعت التبديل، وليس إلىّ تبديل ولا نسخ. (إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي) بالتبديل والنسخ من عند نفسي (عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ). فإن قلت: أما ظهر وتبين لهم العجز عن الإتيان بمثل القرآن حتى قالوا: (ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا)؟ قلت: بلى، ولكنهم كانوا لا يعترفون بالعجز، وكانوا يقولون: لو نشاء لقلنا مثل هذا، ويقولون: افترى على الله كذبا، فينسبونه إلى الرسول، ويزعمونه قادراً عليه وعلى مثله، مع علمهم بأنّ العرب مع كثرة فصحائها وبلغائها إذا عجزوا عنه، كان الواحد منهم أعجز. فإن قلت: لعلهم أرادوا: (ائت بقرآن غير هذا أو بدّله) من جهة الوحي، كما أتيت بالقرآن من جهته، وأراد بقوله: (ما يَكُونُ لِي): ما يتسهل لي، وما يمكنني أن أُبدّله؟ قلت: يردّه قوله: (إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وأما قوله: (إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى) فجاء مستأنفاً وعلى الانحصار؛ بياناً لموجب أن ليس إليه النسخ والتغيير، ولا أمر من الأمور مما يتعلق بالوحي، لأن المعنى: ما أتبع شيئاً مما يتعلق بالدين إلا ما يوحى إلي. قوله: (لعلهم أرادوا: (ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا)): السؤال واردٌ على قوله فيما سبق: "وأما الإتيان بقرآن آخر غير مقدور عليه للإنسان". قوله: (يرده قوله: (إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي): يعني: أنه صلوات الله عليه علل

стр. 3590

فإن قلت: فما كان غرضهم -وهم أدهى الناس وأنكرهم- في هذا الاقتراح؟ قلت: الكيد والمكر، أما اقتراح إبدال قرآن بقرآن: ففيه أنه من عندك، وأنك قادر على مثله، فأبدل مكانه آخر، وأما اقتراح التبديل والتغيير: فللطمع ولاختبار الحال، وأنه إن وجد منه تبديل، فإمّا أن يهلكه الله فينجوا منه، أو لا يهلكه فيسخروا منه، ويجعلوا التبديل حجة عليه، وتصحيحاً لافترائه على الله. [(قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُون) ١٦]. (لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ يعنى أن تلاوته ليست إلا بمشيئة الله وإحداثه أمراً عجيباً خارجا عن العادات، وهو أن يخرج رجل أُميّ لم يتعلم ولم يستمع ولم يشاهد العلماء ساعة من عمره، ولا نشأ في بلد فيه علماء، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ) بقوله: (إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ)، ولو حُمل النسخ والتبديل على أن يكون من جهة الوحي - كما جاء في كثير من القرآن - لم يستقم ترتب العذاب عليه. وقلت: ويُمكن أن يُقال: معناه: ما يتسهل لي ولا يمكنني أن أقترح على الله بأن ينسخ ويُغير ويأتي بما تريدونه؛ لأنه عصيان وطغيان، لأني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم، ويكون تعريضاً بأنهم استوجبوا العذاب بهذا الاقتراح. قوله: (وأنكرهم)، الأساس: "فلان فيه نكارة ونكر - بالفتح-: أي: دهاء وفطنة". الراغب: "النكر: الدهاء والأمر الصعب الذي لا يعرف، وقد نكر نكارة، قال الله تعالى: (يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِي إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ) [القمر: ٦]. قوله: (وهو أن يخرج رجل أمي لم يتعلم) إلى آخره: بيان وتفسير لقوله: "أمراً عجيباً".

стр. 3591

فيقرأ عليهم كتاباً فصيحاً، يبهر كل كلام فصيح، ويعلو على كل منثور ومنظوم، مشحوناً بعلوم من علوم الأصول والفروع، وأخبار مما كان وما يكون، ناطقاً بالغيوب التي لا يعلمها إلا الله، وقد بلغ بين ظهرانيكم أربعين سنة تطلعون على أحواله، ولا يخفى عليكم شيء من أسراره، وما سمعتم منه حرفاً من ذلك، ولا عرفه به أحد من أقرب الناس منه، وألصقهم به. (وَلا أَدْراكُمْ بِهِ): ولا أعلمكم به على لساني، وقرأ الحسن: "ولا أدراتكم به"، على لغة من يقول: أعطاته وأرضاته، في معنى أعطيته وأرضيته، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وهو مفعول "إحداثه"، ومعنى قوله: (لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ): أني عبد مجبور في التلاوة، وليس في وُسعي أن لا أتلوه وأحط عبأه، فضلاً عن أن آتي بما اقترحتموه من الإتيان بغيره أو إبداله من عند نفسي، ولله في كوني مجبوراً أسرارٌ وحكم وإحداث أمر عجيب غريب. وفيه إبطال لمذهبه؛ لأنه جعل التلاوة تابعة لمشيئة الله، وقرر أنه مجبور في ذلك. قوله: ((وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ) ولا أعلمكم به على لساني): أي: لو شاء الله ما تلوته عليكم، ولا أعلمكم الله به على لساني، قال القاضي: "المعنى: أنه الحق الذي لا محيص عنه، لو لم أرسل به لأرسل به غيري". قوله: (وقرأ الحسن: "ولا أدراتكم به"): قال ابن جني: "قراءة ابن عباس والحسن وابن سيرين، وهي قراءة قديمة التناكر لها والتعجب منها، ولعمري إنها في بادئ أمرها على ذلك، غير أن لها وجهاً، وإن كانت فيه صنعة وإطالة، وطريقه: أنه أراد: "ولا أدريتكم به"، ثم قُلبت الياء لانفتاح ما قبلها- وإن كانت ساكنة - ألفاً، كقولهم في ييأس: ياءس، وقالوا: عاعيت

стр. 3592

وتعضده قراءة ابن عباس: "ولا أنذرتكم به". ورواه الفراء: "ولا أدرأتكم به"، وبالهمزة، وفيه وجهان، أحدهما: أن تقلب الألف همزة، كما قيل: لبأت بالحج، ورثأت الميت وحلأت السويق، وذلك لأنّ الألف والهمزة من واد واحد، ألا ترى أنّ الألف إذا مستها الحركة انقلبت همزة. والثاني: أن يكون من: درأته إذا دفعته، وأدرأته إذا جعلته دارئا، والمعنى: ولا جعلتكم بتلاوته خصماء تدرؤونني بالجدال وتكذبونني. وعن ابن كثير: "ولأدراكم به" بلام الابتداء، لإثبات الإدراء، ومعناه: لو شاء الله ما تلوته أنا عليكم ولأعلمكم به على لسان غيري، ولكنه يمنّ على من يشاء من عباده، فخصني بهذه الكرامة ورآني لها أهلا دون سائر الناس. (فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً وقرئ عُمُراً بالسكون. يعنى: فقد أقمت فيما بينكم يافعا وكهلا، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وهاهيت، والأصل: عيعيت وهيهيت، فقلبت الياء الساكنة فيها ألفاً، وكذلك قلبت ياء "أدريتكم" ألفاً، فصارت "أدراتكم"، وروينا أيضاً عن قُطرب أن لغة عقيل في قولك: أعطيتك: أعطاتك، فلما صار من "أدريتكم" إلى "أدراتكم"، هُمز على لغة من قال في الباز: البأز، وفي العالم: العألم، وفي الخاتم: الخأتم، ولها نظائر، وقد أوردناها في "الخصائص" في باب [ما] همزته العرب ولا اصل له في همز مثله". قوله: (وتعضده قراءة ابن عباس): يعني: كما أن "أنذرتكم" مسند إلى رسول الله ﷺ ، كذلك "أدرأتكم" مسند إليه بخلاف المشهور، فإنها مسند إلى الله تعالى. قوله: (يافعاً)، الجوهري: "أيفع الغلام، أي: ارتفع، فهو يافع، ولا يُقال: موفع، وهو من النوادر".

стр. 3593

فلم يعرفني أحد منكم متعاطياً شيئاً من نحوه، ولا قدرت عليه، ولا كنت متواصفاً بعلم وبيان فتتهموني باختراعه. (أَفَلا تَعْقِلُونَ) فتعلموا أنه ليس إلا من الله، لا من مثلي، وهذا جواب عما دسوه تحت قولهم: (ائت بقرآن غير هذا)؛ من إضافة الافتراء إليه. [(فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ) ١٧] (مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً) يحتمل أن يريد افتراء المشركين على الله في قولهم: إنه ذو شريك وذو ولد، وأن يكون تفاديا مما أضافوه إليه من الافتراء. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (دسوه)، الجوهري: "ودسست الشيء في التراب: أخفيته، والدسيس: إخفاء المكر". والذي دسوه فيه: ما ذكره في الجواب: "كان غرضهم في هذا القول الكيد والمكر، وفيه أنه من عندك وأنت قادر على مثله، وأنه إن وُجد منه تبديل، فإما أن يهلكه الله، أو يسخروا منه، ويجعلوه حجة عليه وتصحيحاً لافترائه". قوله: (تفادياً)، الأساس: "ومن المجاز: تفادي منه: تحاماه، قال: تفادي الأسود الغلب منه تفادياً" يعني: إذا عُلق قوله: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى) بقوله: (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا)، أي: أشركوا، كان المراد افتراء المشركين في قولهم: إنه ذو شريك وولد، ويكون قوله: (ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ) [يونس: ١٤]، وقوله: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا) [يونس: ١٥] إلى هاهنا، إعلاماً بأن المشركين الذين بعث إليهم

стр. 3594

[(وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ) ١٨] (ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ الأوثان التي هي جماد لا تقدر على نفع ولا ضر. وقيل: إن عبدوها لا تنفعهم، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ رسول الله ﷺ استنوا سنن من قبلهم في تكذيب آيات الله والرسل، في قوله: (وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا) [يونس: ١٣]، ولما فرغ من قصة المشركين عاد إلى الأول، وربط به قوله: (فَمَنْ أَظْلَمُ). وإذا عُلق بقوله: (فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ) [يونس: ١٦]، ومعناه كما قال: "وهو جواب عما دسوه تحت قولهم: ائت بقرآن غير هذا من إضافة الافتراء إليه" كان احترازاً أو تحامياً مما أضافوه إليه من الافتراء، وجيء بالعام ليكون أبلغ، وهذا الوجه أنسب وأدل على معنى التعريض. قوله: (الأوثان): بالنصب؛ عطف بيان لقوله: (مَا لا يَضُرُّهُمْ)، وهو مفعول (يَعْبُدُونَ). قوله: (وقيل: إن عبدوها لا تنفعهم): والفرق أن المقصود الأولي على الأول من قوله: (مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ) الأصنام بعينها، وأنها جمادات لا تقدر على ضر ولا نفع، كقوله تعالى: (وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ) [القمر: ١٣]، أي: على السفينة. وعلى الثاني: المقصود فقدان أوصاف المعبودية، فإن من حق المعبود أن يُثيب عابده إن عبد، ويُعاقب عن قعد، ويجوز أن يدخل في الثاني غير الأصنام من الملائكة والمسيح، تلخيصه: ويعبدون لما لا يُعتد به، أو لما لا يستحق العبادة.

стр. 3595

وإن تركوا عبادتها لم تضرهم، ومن حق المعبود أن يكون مثيباً على الطاعة، معاقباً على المعصية، وكان أهل الطائف يعبدون اللات، وأهل مكة العزي ومناة وهبل وإسافا ونائلة وَكانوا يَقُولُونَ (هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ)، وعن النضر بن الحارث: إذا كان يوم القيامة شفعت لي اللات والعزى. (أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ): أتخبرونه بكونكم شفعاء عنده، وهو إنباء بما ليس بمعلوم لله، وإذا لم يكن معلوما له - وهو العالم الذات المحيط بجميع المعلومات - لم يكن شيئا، لأن الشيء ما يعلم ويخبر عنه، فكان خبراً ليس له مخبر عنه. فإن قلت: كيف أنبؤوا الله بذلك؟ قلت: هو تهكم بهم وبما ادعوه من المحال الذي هو شفاعة الأصنام، وإعلام بأنّ الذي أنبؤوا به باطل غير منطو تحت الصحة، فكأنهم يخبرونه بشيء لا يتعلق به علمه، كما يخبر الرجل الرجل بما لا يعلمه. وقرئ: "أتنبئون" بالتخفيف. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (العالم الذات)، وقوله: (لأن الشيء ما يُعلم ويخبر عنه): كلاهما مذهبه. قوله: (فكان خبراً): أي: قولهم: (هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ) ليس له مخبر عنه، لأنه لو كان له مخبر عنه لتعلق علم الله تعالى [به] لشمول علم الله جميع الكائنات، وحين لم يتعلق علم الله به علم انه لم يكن مخبراً عنه.

стр. 3596

وقوله: (فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ) تأكيد لنفيه، لأنّ ما لم يوجد فيهما فهو منتف معدوم، (يُشْرِكُونَ) قرئ بالتاء والياء و"ما" موصولة أو مصدرية، أي: عن الشركاء الذين يشركونهم به، أو عن إشراكهم. [(وَما كانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ * وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ) ١٩ - ٢٠]. (وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً) حنفاء متفقين على ملة واحدة من غير أن يختلفوا بينهم، وذلك في عهد آدم ﵇ إلى أن قتل قابيل هابيل، وقيل: بعد الطوفان حين لم يذر الله من الكافرين ديارا. (وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ) وهو تأخير الحكم بينهم إلى يوم القيامة، (لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ) عاجلا فيما اختلفوا فيه، ولميز المحق من المبطل، وسبق كلمته بالتأخير لحكمة أوجبت أن تكون هذه الدار دار تكليف، وتلك دار ثواب وعقاب. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لأن ما لم يُوجد فيهما- أي: في السماوات والأرض - فهو منتفٍ معدوم): كلام على سبيل إلزام الخصم على الفرض والتقدير، وألا فالمسلمون منزهون عن أمثاله، قال الإمام الداعي إلى الله فخر الدين الرازي رحمه الله تعالى: "ثبت بالدليل انه حصل خارج العالم خلاء لا نهاية لهان وثبت انه تعالى قادر على جميع الممكنات، فهو تعالى قادر أن يخلق خارج العالم ألف ألفِ عالمٍ أعظم وأوسع منه، ودلائل الفلاسفة - خذلهم الله - في إثبات أن العالم واحد دلائل ضعيفة مبنية على مقدمات واهية". على أن المصنف فسر (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ) [البقرة: ٢٥٥] بـ"ما رُوي: أنه تعالى خلق كرسياً، وهو بين يدي العرش، دون السماوات والأرض، وهو إلى العرش كأصغر شيء".

стр. 3597

وقالوا: (لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ) أرادوا: آية من الآيات التي كانوا يقترحونها، وكانوا لا يعتدّون بما أنزل عليه من الآيات العظام المتكاثرة التي لم ينزل على أحد من الأنبياء مثلها، وكفى بالقرآن وحده آية باقية على وجه الدهر، بديعة غريبة في الآيات، دقيقة المسلك من بين المعجزات، وجعلوا نزولها كلا نزول، وكأنه لم تنزل عليه آية قط، حتى قالوا: (لولا أنزل عليه آية) واحدة من (ربه)، وذلك لفرط عنادهم، وتماديهم في التمرّد، وانهماكهم في الغيّ. (فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ) أي: هو المختص بعلم الغيب المستأثر به، لا علم لي ولا لأحد به، يعنى أنّ الصارف عن إنزال الآيات المقترحة أمر مغيب لا يعلمه إلا هو، (فَانْتَظِرُوا) نزول ما اقترحتموه، (إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ) لما يفعل الله بكم؛ لعنادكم وجحودكم الآيات. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقالوا: (لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ): والتلاوة: (وَيَقُولُونَ)، وإنما عدل عنه ليؤذن به أن قوله: (وَيَقُولُونَ) ليس معطوفاً على قوله تعالى: (وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا) [يونس: ١٨]، كما يقتضيه ظاهر اللفظ، وإنما هو معطوف على قوله: (قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا) [يونس: ١٥] ما بينهما اعتراض، وأوثر المضارع على الماضي ليؤذن باستمرار هذا القول منهم، وأن هذا القول من دأبهم وعادتهم. قوله: (أن الصارف عن إنزال الآيات [المقترحة] أمر مغيب): فيه إشارة إلى أن قوله تعالى: (إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا) جواب على الأسلوب الحكيم، فإنهم حين طلبوا إنزال آية واحدة، مع تلك الآيات المتكاثرة، دل على أن سؤالهم للتعنت والعناد، فأجيبوا بما أجيبوا؛ يؤذن بأن سؤالهم سؤال المقترحين يستحقون به نقمة الله وحلول عقابه، يعني: أنه لابد أن

стр. 3598

[(وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ) ٢١]. سلط الله القحط سبع سنين على أهل مكة، حتى كادوا يهلكون، ثم رحمهم بالحياة، فلما رحمهم طفقوا يطعنون في الآيات، ويعادون رسول الله ﷺ ويكيدونه، و"إذا" الأولى للشرط، والآخرة جوابها، وهي للمفاجأة، و"المكر": إخفاء الكيد وطيه، من الجارية الممكورة: المطوية الخلق، ومعنى (مَسَّتْهُمْ): خالطتهم حتى أحسوا بسوء أثرها فيهم. فإن قلت: ما وصفهم بسرعة المكر، فكيف صح قوله: (أَسْرَعُ مَكْراً)؟ قلت: بلى، دلت على ذلك كلمة المفاجأة، كأنه قال: وإذا رحمناهم من بعد ضراء ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ تُستأصل شأفتكم، لكن أنا لا أعلم متى يكون، وأنتم كذلك، لأنه من علم الغيب، وإذا كان كذلك فانتظروا ما يوجبه اقتراحكم، إني معكم من المنتظرين إياه. هذا التقرير أنسب من تقريره؛ لأن قوله: "أن الصارف عن إنزال الآيات المقترحة أمر مغيب" لا وجه له، لأن الصارف مُعين، وهو عنادهم، قال الله تعالى: (وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ) [الأنعام: ١٠٩]. قوله: (و"إذا" الأولى للشرط، والآخرة جوابها، وهي للمفاجأة): قال أبو البقاء: "والعامل في الثانية الاستقرار الذي في (لهُم)، وقيل: "إذا" الثانية زمانية أيضاً، وهي وما بعدها جواب الأولى". قوله: (من: الجارية الممكورة)، الجوهري: "الممكورة: المطوية الخلق من النساء". الأساس: "امرأة ممكورة الساقين: خدلجتهما".

стр. 3599

فاجؤوا وقوع المكر منهم، وسارعوا إليه قبل أن يغسلوا رؤوسهم من مس الضراء، ولم يتلبثوا ريثما يسيغون غصتهم. والمعنى: أنّ الله دبر عقابكم، وهو موقعه بكم قبل أن تدبروا كيف تعملون في إطفاء نور الإسلام. (إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ) إعلام بأنّ ما تظنونه خافيا مطويا لا يخفى على الله، وهو منتقم منكم. وقرئ: (تمكرون) بالتاء والياء. وقيل: مكرهم قولهم: سقينا بنوء كذا. وعن أبى هريرة: "إنّ الله ليصبح القوم بالنعمة ويمسيهم بها، فتصبح طائفة منهم بها كافرين؛ يقولون: مطرنا بنوء كذا. [(هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) ٢٢ - ٢٣]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ريثما يسيغون)، الجوهري: "راث علي خبرك يريث ريثاً: أبطأ". و"ما" مصدرية، أي: مقدار ساعة غصنهم، فأطلق "ريث" على المقدار، وجاز لأن البطء للمقدار. قوله: (وقرئ: (تَمْكُرُونَ) بالتاء والياء): بالتاء الفوقانية: السبعة، وبالياء: شاذة. قوله: (وعن أبي هريرة) الحديث: من رواية مسلم والنسائي عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عيه وسلم: "ألم تروا إلى ما قال ربكم؟ قال: ما أنعمت على عبادي من نعمة إلا أصبح فريق منهم بها كافرين، يقولون: الكواكب، الكواكب".

стр. 3600

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وروينا عن البخاري ومسلم وأبي داود والنسائي عن زيد بن خالد قال: قال رسول الله ﷺ : "قال الله تعالى: أصبح من عبادي مؤمن بي كافر بالكوكب، فأما من قال: مُطرنا بفضل الله ورحمته، فذل مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مُطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب". قال صاحب "الجامع": "النوء: واحد الأنواء، وهي ثمان وعشرون منزلة، ينزل القمر كل ليلة في منزلة منها، يسقط في الغرب كل ثلاثة عشر ليلة منزلة مع طلوع الفجر، وتطلع أخرى مقابلها، فتنقضي جميعها مع انقضاء السنة، وكانت العرب تزعم أن مع سقوط المنزلة وطلوع نظيرها: يكون مطر، فينسبون المطر إلى المنزلة، ويقولون: "مُطرنا بنوء كذا، وإنما سُمي "نوءاً"؛ لأنه إذا سقط الساقط منها بالمغرب، ناء الطالع بالمشرق ينوء نوءاً، أي: نهض وطلع، وقيل: النوء: هو الغروب، فهو من الأضداد". ثم قال: "وعلمُ النجوم المنهي عنه: هو ما يدعيه أهل التنجيم من علم الكائنات والحوادث التي لم تقع، وأنهم يُدركون معرفتها بتسيير الكواكب وانتقالاتها، واجتماعاتها وافتراقها، وأن لها تأثيراً اختيارياً في العالم، وأما ما يُعرف من النجوم، كمعرفة الأوقات، والاهتداء بها في الطرقات، ومعرفة القبلة، وأشباه ذلك، فليس به بأس". فإن قلت: بين لي صورة هذا المكر؟ قلت: إنهم بعدما أنجاهم الله تعالى من المكاره والضراء كانوا يلبسون الأمر على أتباعهم في أن ذلك من الله ومن قدرته، لسوء صنيعهم وتكذيبهم الأنبياء، وينسبون ذلك إلى الأنواء؛ إرادة أن لا يؤمنوا، ولا يشكروا الله، ولا يستدلوا على وجود الخالق.

стр. 3601

قرأ زيد بن ثابت: "ينشركم"، ومثله قوله (فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ) [الجمعة: ١٠]، (ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ) [الروم: ٢٠]. فإن قلت: كيف جعل الكون في الفلك غاية للتسيير في البحر، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (قرأ زيدُ بن ثابت: "ينشركم"): قال صاحب "التيسير": "قرأ ابن عامر: (ينشركم في البر والبحر) بالنون والشين؛ من النشر، والباقون: بالياء والسين، أي: من التسيير". قوله: (كيف جعل الكون في الفلك غاية؟ ): يعني: أنه تعالى قال: (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ)، والسير في البحر ابتداؤه الكون في الفلك لا غايته؟ وخلاصة الجواب: أنه تعالى لم يجعل ابتداء السير مختصاً بالبحر، بل بالبر والبحر، ولم يجعل الكون في البحر وحده غاية للسير، بل جعل الكون مع ما عطف عليه وما اتصل به غاية للمذكور قبله، كأنه قيل: هو الذي قدر لكم في البر والبحر الرفاهية والرخاء فتنقلبون فيها كيف شئتم، وتسيرون أني أردتم، لا تصيبكم شدة وبأساء، وأنتم مع ذلك لا تذكرون الله ولا تشكرونه بما أولاكم، حتى إذا وقعتم في الضر والشدة التي لا غاية لها دعوتم الله مخلصين له الدين، فوضع موضع هذه الغاية: (إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ) إلى آخره، ليدل على النهاية في الضر، لأنه لا غاية بعدها. وتلخيصه: أن في ذكر ابر والبحر بيان غاية حالة الرفاهية في السير، وفي اختصاصه بحالة البحر بيان انتهاء حالة الشدة والمشقة، ونحوه في المعنى قوله تعالى: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمْ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ) [النحل: ٥٣ - ٥٤].

стр. 3602

والتسيير في البحر إنما هو بالكون في الفلك؟ قلت: لم يجعل الكون في الفلك غاية للتسيير في البحر، ولكن مضمون الجملة الشرطية الواقعة بعد "حتى" بما في حيزها، كأنه قيل: يسيركم حتى إذا وقعت هذه الحادثة، وكان كيت وكيت من مجيء الريح العاصف، وتراكم الأمواج، والظنّ للهلاك والدعاء بالإنجاء. فإن قلت: ما جواب (إذا)؟ قلت: (جاءتها). فإن قلت: فـ (دعوا)؟ قلت: بدل من "ظنوا"، لأنّ دعاءهم من لوازم ظنهم الهلاك فهو ملتبس به. فإن قلت: ما فائدة صرف الكلام عن الخطاب إلى الغيبة؟ قلت: المبالغة، كأنه يذكر لغيرهم حالهم ليعجبهم منها، ويستدعى منهم الإنكار والتقبيح. فإن قلت: ما وجه قراءة أمّ الدرداء: "في الفلكي"، بزيادة ياء النسب؟ قلت: قيل: هما زائدتان، كما في الخارجي والأحمري، ويجوز أن يراد به اللجّ والماء الغمر الذي لا تجرى الفلك إلا فيه. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الانتصاف: "مثله في الاعتبار قوله تعالى: (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا) [النساء: ٦]، واستدل أبو حنيفة ﵁ بأن الصغير يُبتلى قبل البلوغ، فجعل البلوغ غاية وقوع الابتلاء، فيلزم وقوع الابتلاء قبله". الإنصاف: "المجعول غاية هو جملة ما في حيز (حَتَّى)؛ من البلوغ المقرون بإيناس الرشد، وهذا المجموع يلزم وقوعه بعد الابتلاء، فلا يلزم أن يقع كل واحد بعد الابتلاء، وهذه الآية موضحة لذلك". وقلت: بين الآيتين بون بعيد؛ لما ذكرنا من أخذ الزبدة والخلاصة من الغاية والمُغيا. قوله: (فإن قلت: فـ (دَعَوُا)؟ ): أي: إذا كان الجواب (إذَا) قوله: (جاءَتْهَا)، فما موقع قوله: (دَعَوَا اللَّهَ)؟ قوله: (قيل: هما زائدتان، كما في الخارجي): قال ابن جني: "العرب قد زادت في الإضافة

стр. 3603

والضمير في "جَرَيْنَ" للفلك، لأنه جمع "فلك" كالأسد، في "فعل" أخي "فعل"، ....... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ما لا يحتاج إليها، من قولهم في الأحمر: وفي الأشقر: أشقري. فإن قلت: هذا أمر يختص بالصفات، وليس (الْفُلْكِ) بصفة؟ قيل: قد جاء ذلك في الاسم أيضاً، قال الصلتان: أنا الصلتاني الذي .... وأيضاً قد شُبه كل واحدٍ من الاسم والصفة بصاحبه". قوله: (لأنه جمعُ "فَلك"): قيل: الضمة في "فُلْك" إذا أريد به الواحد الضمة في "بُرد"، وإذا أريد به الجمع كالضمة في "كُتْب". قوله: (الأسد في "فُعل" أخي "فَعَل"): قال المصنف: في "القصريات" عن أبي علي الفارسي: أن الضمة في "فُعْل" لثقلها: بمنزلة الفتحتين في "فَعَل"، فلذلك آخوا بينهما، وجمعوا "فعلاً" على "فُعْل"، كما جمعوا "فُعْلاً" على "فعْل".

стр. 3604

وفي قراءة أمّ الدرداء: للفلك أيضاً، لأنّ "الفلكي" يدلّ عليه. (جاءَتْها): جاءت الريح الطيبة، أي: تلقتها، وقيل: الضمير للفلك، (مِنْ كُلِّ مَكانٍ): من جميع أمكنة الموج، (أُحِيطَ بِهِمْ) أي: أهلكوا، جعل إحاطة العدوّ بالحي مثلا في الهلاك، (مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) من غير إشراك به، لأنهم لا يدعون حينئذ غيره معه، (لَئِنْ أَنْجَيْتَنا) على إرادة القول، أو لأن (دَعَوُا) من جملة القول، (يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ): يفسدون فيها ويعبثون مترافين في ذلك، ممعنين فيه، من قولك: بغى الجرح: إذا ترامى إلى الفساد. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (للفُلْكِ أيضاً): أي: الضمير في قراءة أم الدرداء للفلك أيضاً، لأن "الفلكي" يدل عليه، قال المصنف رحمه الله تعالى: هذا كقولك: إذا زُجر السفيه جرى إليه أي: إلى السفه، لأن السفيه يدل عليه، فاستغنى عن ذكر السفه بذكر السفيه. قوله: (جاءت الريح الطيبة، أي: تلقتها) ريح عاصف، فالضميران للريحين، أحداهما: ريح عاصف، والأخرى: ريح طيبة. قوله: (جعل إحاطة العدو بالحي مثلا): هو مثل قوله تعالى: (وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ) [البقرة: ١٩]، وقد سبق تحقيقه. قوله: (مترادفين): هو اسم فاعل من الترافؤ، وهو التوافق، مهموز اللام، "والمرافاة: الاتفاق،

стр. 3605

فإن قلت: فما معنى قوله: (بِغَيْرِ الْحَقِّ)، والبغي لا يكون بحق؟ قلت: بلى، وهو استيلاء المسلمين على أرض الكفرة، وهدم دورهم، وإحراق زروعهم، وقطع أشجارهم، كما فعل رسول الله ﷺ ببني قريظة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والرفاء: الالتحام والاتفاق"، ذكره الجوهري؛ الرفاء في المهموز، والمُرافاة في الناقص، وإنما بالغ المصنف في تفسير (يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ)؛ بقوله: "ويعيثون"، فإنه الغلو في الفساد، وبقوله: "مترافين"؛ لتعدية (يَبْغُونَ) بـ (فِي)، وهو يتعدى بـ"على" للمبالغة، على نحو قوله: يجر في عراقيبها نصلي قال الجوهري: "بغى الرجل على الرجل: استطال". قوله: (بلى): أي: بلى، يكون البغى بحق، كهدم المسلمين دور الكفرة، وإحراق زروعهم، قال صاحب "الفرائد": هذا يُشعر بأن البغي موضوع للاستيلاء، سواء كان حقاً أو باطلاً، وقيد (بِغَيْرِ الْحَقِّ) لإخراج ما هو حق، وهذا منظور فيه، لأنه قال قبل هذا: "هو من قولك: بغى الجرح: إذا ترامى إلى الفساد". وقال الزجاج: "البغي: الترامي في الفساد"، وإذا ذُكر البغي لا يخطر بالبال إلى الظلم. وقلت: ويمكن أن يُقال: البغيُ بحسب اللغة: هو ترامي الشيء إلى الفساد، سواء كان الفساد عدلاً أو ظلماً، لأن الفساد: خروج الشيء من أن يكون منتفعاً به، فهذا قد يكون عدلاً، كهدم دور المشركين وإحراق زروعهم وقتلهم، ثم خصه العُرف بما يكون ظلما، فالقيد بالنظر إلى ما يكون بحسب اللغة.

стр. 3606

وقرئ: (متاع الحياة الدنيا)، بالنصب. فإن قلت: ما الفرق بين القراءتين؟ قلت: إذا رفعت كان "المتاع" خبراً للمبتدأ الذي هو (بَغْيُكُمْ)، و (عَلى أَنْفُسِكُمْ) صلته - كقوله (فَبَغى عَلَيْهِمْ) [القصص: ٧٦]-، ومعناه: إنما بغيكم على أمثالكم والذين جنسهم جنسكم، يعنى: بغى بعضكم على بعض منفعة الحياة الدنيا، لا بقاء لها. وإذا نصبت فـ (عَلى أَنْفُسِكُمْ) خبر غير صلة، معناه: إنما بغيكم وبال على أنفسكم، و (مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا) في موضع المصدر المؤكد، كأنه قيل: تتمتعون متاع الحياة الدنيا. ويجوز أن يكون الرفع على: هو متاع الحياة الدنيا، بعد تمام الكلام. وعن النبي ﷺ أنه قال: "لا تمكر ولا تعن ماكرا، ولا تبغ ولا تعن باغياً، ولا تنكث ولا تعن ناكثاً"، وكان يتلوها. وعنه ﵊: "أسرع الخير ثواباً: صلة الرحم، وأعجل الشر عقاباً: البغي واليمين الفاجرة"، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرئ: (مَتَاعُ الْحَيَاةِ) بالنصب): حفص، والباقون: بالرفع. قوله: (على: هو متاع الحياة الدنيا، بعد تمام الكلام): قال صاحب "المرشد": " (مَتَاعُ): من قرأ بالرفع: فيه وجهان: أحدهما: أن يكون خبراً لقوله: (بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ)، ولا يحسن الوقف على قوله: (بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ) للفصل بين المبتدأ والخبر. والآخر: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، ويكون خبر (بَغْيُكُمْ) قوله: (عَلَى أَنْفُسِكُمْ)، وهو كلام تام، والوقف عليه تمام، ويبتدئ: (مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)، على: هو متاع الحياة الدنيا". قوله: (واليمين الفاجرة): أي: الكاذبة، الجوهري: "فجر، أي: كذب، وأصله: الميل، والفاجر: المائل".

стр. 3607

وروي: "ثنتان يعجلهما الله في الدنيا: البغي وعقوق الوالدين". وعن ابن عباس ﵄: "لو بغي جبل على جبل لدك الباقي"، وكان المأمون رحمة الله عليه يتمثل بهذين البيتين في أخيه: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وكان المأمون يتمثل بهذين البيتين في أخيه): أي: الأمين، وكان من خبرهما على ما ذكره الفقيه أبو حنيفة الدينوري: أنه بويع الأمين بعد وفاة أبيه هارون الرشيد بالخلافة، ووصل الخبر إلى أخيه المأمون، وهو بمرو الروذ، فركب إلى المسجد الأعظم، وصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، أحسن الله عزاءنا وعزاءكم في الخليفة الماضين وبارك لنا ولكم في خليفتكم الحادث، ومد الله في عمره، جددوا البيعة لإمامكم الأمين، فبايعه الناس. ثم إن الأمين استشار إسماعيل بن صبيح في عزل أخيه المأمون من خُراسان، فقال له: أعيذك الله أن تنقض ما استنه الرشيد ومهده، فقال له الأمين: ويحك يا ابن صبيح، عن عبد الملك ابن مروان كان أحزم رأياً منك؛ حيثُ قال: لا يجتمع الفحلان في هجمة إلا قتل أحدهما صاحبه. ثم كتب إليه وسأله أن يقدم عليه ليعينه على أموره، فامتنع المأمون، فجرى بينهما ما جرى حتى قتل الأمين. وقال ابن حمدون: ولما أتى طاهر برأس الأمين حمد الله وأثنى عليه، وقال: (قُلْ اللَّهُمَّ

стр. 3608

يَا صَاحِبَ الْبَغْي إنَّ الْبَغْيَ مَصْرَعَةٌ … فَارْبَعْ فَخَيْرُ فِعَالِ المَرْءِ أعْسَلُهُ فَلَوْ بَغَى جَبَلٌ يَوْماً عَلَى جَبَلٍ … لَانْدَكَّ مِنْهُ أَعَالِيهِ وَأَسْفَلُهُ وعن محمد بن كعب: ثلاث من كنّ فيه: كنّ عليه، البغي والنكث والمكر، قال الله تعالى: (إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ). [(إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَاكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلاً أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) ٢٤]. هذا من التشبيه المركب، شبهت حال الدنيا في سرعة تقضيها، وانقراض نعيمها بعد الإقبال، بحال نبات الأرض في جفافه وذهابه حطاماً، بعد ما التف وتكاثف، وزين الأرض بخضرته ورفيفه، (فَاخْتَلَطَ بِهِ): فاشتبك بسببه حتى خالط بعضه بعضاً. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ) بآل عمران: ٢٦]، فبعث بالرأس والبُردة إلى المأمون، وكتب: وجهت إليك بالدنيا والآخرة، فبُويع المأمون بالخلافة، والله أعلم. قوله: (يا صاحب البغي) البيتين: "مصرعة": أي: كثير المصارعة شديدها، "فاربع" أي: ارفق وكُف، ربع الرجل: إذا وقف، و"الفَعَال" - بفتح الفاء -: غالب في المكارم، واستعمل هاهنا لمجرد الفعل. قوله: (هذا من التشبيه المركب): لأن الوجه على ما ذكره منتزع من عدة أمور متوهمة، وقوله: (أَخَذَتْ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا) استعارة وقعت في طرف المشبه به، فالمشبه به مركب من أمور حقيقية وأمور مجازية. قوله: (ورفيفه)، الجوهري: "رف لونه يرف - بالكسر - رفا ورفيفاً، أي: برق وتلألأ".

стр. 3609

(أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ) كلام فصيح: جعلت الأرض آخذة زخرفها على التمثيل بالعروس إذا أخذت الثياب الفاخرة من كل لون، فاكتستها وتزينت بغيرها من ألوان الزين، وأصل (وازَّيَّنَتْ): تزينت، فأدغم، وبالأصل قرأ عبد الله، وقرئ: "وازينت"، أي: أفعلت، من غير إعلال الفعل، كأغيلت، أي: صارت ذات زينة، و"ازيانت"، بوزن ابياضت. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((أَخَذَتْ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ) كلام فصيح): ومجيء (وَازَّيَّنَتْ) عقيب قوله: (حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا) ترشيح لتلك الاستعارة، شُبهت الأرض بالعروس، وحُذف المشبه به، وأقيم المشبه مقامه على المكنية، ثم جعلت القرينة أخذها الزخرف، ثم فُرع عليها قوله: (وَازَّيَّنَتْ). قال المصنف في البقرة: "إني أراعي الكيفية المنتزعة من مجموع الكلام فلا عليَّ أولىَ حرف التشبيه مفرد يتأتى التشبيه به أم لم يله، ألا ترى إلى قوله تعالى: (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) الآية، كيف ولي "الماء" الكاف، وليس الغرض تشبيه "الدنيا" بـ "الماء"، ولا بمفرد آخر يتمحل لتقديره". قوله: ("وأزينت" على: أفعلت): ابن جني: "قرأ الأعرج: "وأزينت"، وأبو عثمان النهدي: "وازيأنت"، أما "أزينت" فمعناه": صارت ذا زينة بالنبت، ومثله: أجذع المهر، أي: صار إلى الإجذاع، وأحصد الزرع، أي: صار إلى الحصاد، إلا أنه أخرج العين على الصحة،

стр. 3610

(أنهم قادِرُونَ عَلَيْها): متمكنون من منفعتها، محصلون لثمرتها، رافعون لغلتها، (أَتاها أَمْرُنا) وهو ضرب زرعها ببعض العاهات بعد أمنهم واستيقانهم أنه قد سلم، (فَجَعَلْناها): فجعلنا زرعها، (حَصِيداً): شبيهاً بما يحصد من الزرع في قطعه واستئصاله، (كَأَنْ لَمْ تَغْنَ): كأن لم يغن زرعها، أي: لم ينبت، على حذف المضاف في هذه المواضع لا بدّ منه، وإلا لم يستقم المعنى. وقرأ الحسن: "كأن لم يغن" بالياء، على أنّ الضمير للمضاف المحذوف، الذي هو الزرع، وعن مروان: أنه قرأ على المنبر: "كأن لم تتغن" بالأمس، من قول الأعشى: طَوِيلُ الثّوَاءِ طَوِيلُ التَّغَنِّ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وكان قياسه: "أزانت"، مثل: أشاع الحديث، وأباع الثوب، أي: عرضه للبيع. وأما "ازيأنت": فإنه أراد "افعالت"، مثل: ابياضت واسوادت، إلا أنه كره اتقاء الألف والنون الأولى ساكنتين، فحرك الألف، فانقلب همزة". قوله: (لم يغن زرعها) فحذف المضاف، فانقلب الضمير المضرور مرفوعاً، واستتر في الفعل. قوله: ٠ طويل الثواء طويل التغن): ويروي أوله: لعمرك ما طول هذا الزمن … على المرء إلا عناء معن أراد: مُعنى، طرح الياء ثم خفف.
следующие страницы →