Полный текст (9 345 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.
стр. 3606
وقرئ: (متاع الحياة الدنيا)، بالنصب. فإن قلت: ما الفرق بين القراءتين؟ قلت: إذا رفعت كان "المتاع" خبراً للمبتدأ الذي هو (بَغْيُكُمْ)، و (عَلى أَنْفُسِكُمْ) صلته - كقوله (فَبَغى عَلَيْهِمْ) [القصص: ٧٦]-، ومعناه: إنما بغيكم على أمثالكم والذين جنسهم جنسكم، يعنى: بغى بعضكم على بعض منفعة الحياة الدنيا، لا بقاء لها.
وإذا نصبت فـ (عَلى أَنْفُسِكُمْ) خبر غير صلة، معناه: إنما بغيكم وبال على أنفسكم، و (مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا) في موضع المصدر المؤكد، كأنه قيل: تتمتعون متاع الحياة الدنيا. ويجوز أن يكون الرفع على: هو متاع الحياة الدنيا، بعد تمام الكلام.
وعن النبي ﷺ أنه قال: "لا تمكر ولا تعن ماكرا، ولا تبغ ولا تعن باغياً، ولا تنكث ولا تعن ناكثاً"، وكان يتلوها. وعنه ﵊: "أسرع الخير ثواباً: صلة الرحم، وأعجل الشر عقاباً: البغي واليمين الفاجرة"،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: (مَتَاعُ الْحَيَاةِ) بالنصب): حفص، والباقون: بالرفع.
قوله: (على: هو متاع الحياة الدنيا، بعد تمام الكلام): قال صاحب "المرشد": " (مَتَاعُ): من قرأ بالرفع: فيه وجهان: أحدهما: أن يكون خبراً لقوله: (بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ)، ولا يحسن الوقف على قوله: (بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ) للفصل بين المبتدأ والخبر. والآخر: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، ويكون خبر (بَغْيُكُمْ) قوله: (عَلَى أَنْفُسِكُمْ)، وهو كلام تام، والوقف عليه تمام، ويبتدئ: (مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)، على: هو متاع الحياة الدنيا".
قوله: (واليمين الفاجرة): أي: الكاذبة، الجوهري: "فجر، أي: كذب، وأصله: الميل، والفاجر: المائل".
стр. 3607
وروي: "ثنتان يعجلهما الله في الدنيا: البغي وعقوق الوالدين". وعن ابن عباس ﵄: "لو بغي جبل على جبل لدك الباقي"، وكان المأمون رحمة الله عليه يتمثل بهذين البيتين في أخيه:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وكان المأمون يتمثل بهذين البيتين في أخيه): أي: الأمين، وكان من خبرهما على ما ذكره الفقيه أبو حنيفة الدينوري: أنه بويع الأمين بعد وفاة أبيه هارون الرشيد بالخلافة، ووصل الخبر إلى أخيه المأمون، وهو بمرو الروذ، فركب إلى المسجد الأعظم، وصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، أحسن الله عزاءنا وعزاءكم في الخليفة الماضين وبارك لنا ولكم في خليفتكم الحادث، ومد الله في عمره، جددوا البيعة لإمامكم الأمين، فبايعه الناس.
ثم إن الأمين استشار إسماعيل بن صبيح في عزل أخيه المأمون من خُراسان، فقال له: أعيذك الله أن تنقض ما استنه الرشيد ومهده، فقال له الأمين: ويحك يا ابن صبيح، عن عبد الملك ابن مروان كان أحزم رأياً منك؛ حيثُ قال: لا يجتمع الفحلان في هجمة إلا قتل أحدهما صاحبه. ثم كتب إليه وسأله أن يقدم عليه ليعينه على أموره، فامتنع المأمون، فجرى بينهما ما جرى حتى قتل الأمين.
وقال ابن حمدون: ولما أتى طاهر برأس الأمين حمد الله وأثنى عليه، وقال: (قُلْ اللَّهُمَّ
стр. 3608
يَا صَاحِبَ الْبَغْي إنَّ الْبَغْيَ مَصْرَعَةٌ … فَارْبَعْ فَخَيْرُ فِعَالِ المَرْءِ أعْسَلُهُ
فَلَوْ بَغَى جَبَلٌ يَوْماً عَلَى جَبَلٍ … لَانْدَكَّ مِنْهُ أَعَالِيهِ وَأَسْفَلُهُ
وعن محمد بن كعب: ثلاث من كنّ فيه: كنّ عليه، البغي والنكث والمكر، قال الله تعالى:
(إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ).
[(إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَاكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلاً أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) ٢٤].
هذا من التشبيه المركب، شبهت حال الدنيا في سرعة تقضيها، وانقراض نعيمها بعد الإقبال، بحال نبات الأرض في جفافه وذهابه حطاماً، بعد ما التف وتكاثف، وزين الأرض بخضرته ورفيفه، (فَاخْتَلَطَ بِهِ): فاشتبك بسببه حتى خالط بعضه بعضاً.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ) بآل عمران: ٢٦]، فبعث بالرأس والبُردة إلى المأمون، وكتب: وجهت إليك بالدنيا والآخرة، فبُويع المأمون بالخلافة، والله أعلم.
قوله: (يا صاحب البغي) البيتين: "مصرعة": أي: كثير المصارعة شديدها، "فاربع" أي: ارفق وكُف، ربع الرجل: إذا وقف، و"الفَعَال" - بفتح الفاء -: غالب في المكارم، واستعمل هاهنا لمجرد الفعل.
قوله: (هذا من التشبيه المركب): لأن الوجه على ما ذكره منتزع من عدة أمور متوهمة، وقوله: (أَخَذَتْ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا) استعارة وقعت في طرف المشبه به، فالمشبه به مركب من أمور حقيقية وأمور مجازية.
قوله: (ورفيفه)، الجوهري: "رف لونه يرف - بالكسر - رفا ورفيفاً، أي: برق وتلألأ".
стр. 3609
(أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ) كلام فصيح: جعلت الأرض آخذة زخرفها على التمثيل بالعروس إذا أخذت الثياب الفاخرة من كل لون، فاكتستها وتزينت بغيرها من ألوان الزين، وأصل (وازَّيَّنَتْ): تزينت، فأدغم، وبالأصل قرأ عبد الله، وقرئ: "وازينت"، أي: أفعلت، من غير إعلال الفعل، كأغيلت، أي: صارت ذات زينة، و"ازيانت"، بوزن ابياضت.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((أَخَذَتْ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ) كلام فصيح): ومجيء (وَازَّيَّنَتْ) عقيب قوله: (حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا) ترشيح لتلك الاستعارة، شُبهت الأرض بالعروس، وحُذف المشبه به، وأقيم المشبه مقامه على المكنية، ثم جعلت القرينة أخذها الزخرف، ثم فُرع عليها قوله: (وَازَّيَّنَتْ).
قال المصنف في البقرة: "إني أراعي الكيفية المنتزعة من مجموع الكلام فلا عليَّ أولىَ حرف التشبيه مفرد يتأتى التشبيه به أم لم يله، ألا ترى إلى قوله تعالى: (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) الآية، كيف ولي "الماء" الكاف، وليس الغرض تشبيه "الدنيا" بـ "الماء"، ولا بمفرد آخر يتمحل لتقديره".
قوله: ("وأزينت" على: أفعلت): ابن جني: "قرأ الأعرج: "وأزينت"، وأبو عثمان النهدي: "وازيأنت"، أما "أزينت" فمعناه": صارت ذا زينة بالنبت، ومثله: أجذع المهر، أي: صار إلى الإجذاع، وأحصد الزرع، أي: صار إلى الحصاد، إلا أنه أخرج العين على الصحة،
стр. 3610
(أنهم قادِرُونَ عَلَيْها): متمكنون من منفعتها، محصلون لثمرتها، رافعون لغلتها، (أَتاها أَمْرُنا) وهو ضرب زرعها ببعض العاهات بعد أمنهم واستيقانهم أنه قد سلم، (فَجَعَلْناها): فجعلنا زرعها، (حَصِيداً): شبيهاً بما يحصد من الزرع في قطعه واستئصاله، (كَأَنْ لَمْ تَغْنَ): كأن لم يغن زرعها، أي: لم ينبت، على حذف المضاف في هذه المواضع لا بدّ منه، وإلا لم يستقم المعنى.
وقرأ الحسن: "كأن لم يغن" بالياء، على أنّ الضمير للمضاف المحذوف، الذي هو الزرع، وعن مروان: أنه قرأ على المنبر: "كأن لم تتغن" بالأمس، من قول الأعشى:
طَوِيلُ الثّوَاءِ طَوِيلُ التَّغَنِّ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وكان قياسه: "أزانت"، مثل: أشاع الحديث، وأباع الثوب، أي: عرضه للبيع. وأما "ازيأنت": فإنه أراد "افعالت"، مثل: ابياضت واسوادت، إلا أنه كره اتقاء الألف والنون الأولى ساكنتين، فحرك الألف، فانقلب همزة".
قوله: (لم يغن زرعها) فحذف المضاف، فانقلب الضمير المضرور مرفوعاً، واستتر في الفعل.
قوله: ٠ طويل الثواء طويل التغن): ويروي أوله:
لعمرك ما طول هذا الزمن … على المرء إلا عناء معن
أراد: مُعنى، طرح الياء ثم خفف.
стр. 3611
و"الأمس": مثل في الوقت القريب، كأنه قيل: كأن لم تغن آنفاً.
[(وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) ٢٥].
(دارِ السَّلامِ): الجنة، أضافها إلى اسمه تعظيما لها، وقيل: السلام: السلامة، لأنّ أهلها سالمون من كل مكروه. وقيل: لفشوّ السلام بينهم وتسليم الملائكة عليهم، (إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً) [الواقعة: ٢٦]، (وَيَهْدِي): ويوفق (مَنْ يَشاءُ)، وهم الذين علم أنّ اللطف يجدي عليهم، لأنّ مشيئته تابعة لحكمته، ومعناه: يدعو العباد كلهم إلى دار السلام، ولا يدخلها إلا المهديون.
[(لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ) ٢٦].
(الْحُسْنى): المثوبة الحسنى، (وَزِيادَةٌ): وما يزيد على المثوبة، وهي التفضل، ويدل عليه قوله: (وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ) [النساء: ١٧٣]، وعن علىّ ﵁: الزيادة: غرفة من لؤلؤة واحدة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لأن مشيئة الله تابعة لحكمته): تعليل لاختصاص الهداية بمن علم أن اللطف يُجدي عليهم، أي: ينفعهم، يريد: انه تعالى لا يوفق من علم أن اللطف لا ينفعه، فإنه منافٍ لحكمته؛ لوقوع التوفيق حينئذ عبثاً، وهو تعالى منزه عن فعل العبث، لأنه حكيم.
وعندنا: أن الله تعالى يخلق الهداية فيمن يشاء، ولا غنى له عن أن لا يهتدي؛ لأن الكائنات تابعة لمشيئة الله وإرادته، وأفعاله كلها حكمة وصواب، وإن خفي علينا وجهها.
قال القاضي: "وفي تعميم الدعوة، وتخصيص الهداية بالمشيئة: دليل على أن الأمر غير الإرادة، وأن المصر على الضلالة لم يُرد الله رشده".
стр. 3612
وعن ابن عباس ﵁: الحسنى: الحسنة، والزيادة: عشر أمثالها. وعن الحسن: عشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف، وعن مجاهد: الزيادة مغفرة من الله ورضوان. وعن يزيد بن شجرة: الزيادة: أن تمرّ السحابة بأهل الجنة، فتقول: ما تريدون أن أمطركم؟ فلا يريدون شيئاً إلا أمطرتهم.
وزعمت المشبهة والمجبرة: أن الزيادة النظر إلى وجه الله تعالى، وجاءت بحديث مرقوع: "إذا دخل أهل الجنة الجنة نودوا: أن يا أهل الجنة، فيكشف الحجاب، فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم الله شيئاً هو أحب إليهم منه".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أن الزيادة النظر إلى وجه الله تعالى): قال محيي السنة: "هذا قول جماعة من الصحابة، منهم أبو بكر الصديق ﵁، وحذيفة، وأبو موسى، وعبادة بن الصامت. وهو قول الحسن وعكرمة وعطاء ومقاتل والضحاك والسدى"، رضوان الله عليهم أجمعين.
قوله: (بحديث مرفوع): صح بالقاف عنده، أي: مرقع مفترى، وأما عند أهل السنة فهو مرفوع - بالفاء-، قال محيي الدين النواوي في "مختصر ابن الصلاح": "المرفوع: هو ما أضيف إلى رسول الله ﷺ ، ولا يقع مطلقه على غيره، ويدخل فيه متصل الإسناد ومنقطعه، هذا هو المشهور. وقال الخطيب الحافظ: المرفوع: ما أخبر به الصحابي عن قول رسول الله ﷺ أو فعله، فخصه بالصحابي".
стр. 3613
(وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ): لا يغشاها، (قَتَرٌ): غبرة فيها سواد، (وَلا ذِلَّةٌ): ولا أثر هوان وكسوف بال، والمعنى: لا يرهقهم ما يرهق أهل النار؛ إذكارا بما ينقذهم منه برحمته. ألا ترى إلى قوله تعالى: (تَرْهَقُها قَتَرَةٌ) [عبس: ٤١]، (وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ) [يونس: ٢٧].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأما هذا الحديث: فقد رويناه عن مسلم وأحمد بن حنبل والترمذي وابن ماجة عن صهيب، عن النبي ﷺ قال: "إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى منادٍ: إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه، قالوا: ألم تبيض وجوهنا، وتنجنا من النار، وتدخلنا الجنة؟ ! قال: فكشف الحجاب، قال: فوالله ما أعطاهم شيئاً أحب إليهم من النظر إليه"، زاد في رواية لمسلم: "ثم تلا: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) "، وفي رواية ابن ماجة: "تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ)، وقال: إذا دخل أهل الجنة"، الحديث.
قوله: (إذكاراً بما يُنقذهم): هو مفعول له لقول مقدر، أي: قال الله تعالى: لا يرهق وجوههم قتر؛ ليذكر أهل الجنة بما ينقذهم الله منه، وهو إرهاق وجوههم، أي: غشيانها غبرة فيها سواد، بسبب رحمته، فإنهم إذا ذكروا ذلك زاد فرحهم وتبجحهم، كما أن أهل النار إذا ذكروا ما فاتهم من النعيم المقيم ازداد غمهم وحسرتهم.
روى محيي السنة عن ابن أبي ليلى: "هذا بعد نظرهم إلى ربهم".
وقال السجاوندي: "قتر: غبار الحرمان والخيبة".
وقلت: في هذا الكلام مسحة من قوله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) [القيامة: ٢٢ - ٢٣]، فيكون قوله: (وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ) كناية عن حصل غاية مباغيهم ونهاية سرورهم- يقال للكئيب الحزين: كأن على وجهه قتراً وذلة - لأن الجنة مع نعيمها وذاتها - عند العارف إذا لم يظفر بتلك النعمة الكبرى - مكان حزن وكآبة.
стр. 3614
[(وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ) ٢٧].
فإن قلت: ما وجه قوله (وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها)، وكيف يتلاءم؟ قلت:
لا يخلو، إمّا أن يكون (وَالَّذِينَ) كَسَبُوا معطوفاً على قوله: (الَّذِينَ أَحْسَنُوا)، كأنه قيل: والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها، وإمّا أن يقدّر: وجزاء الذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها، على معنى: جزاؤهم أن تجازى سيئة واحدة بسيئة مثلها لا يزاد عليها.
وهذا أوجه من الأوّل، لأنّ في الأوّل عطفاً على عاملين،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ما وجه قوله: (وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ)؟ ): أي: ما وجه إعرابه في التركيب؟ وكيف يلتئم بما قبله؟
وأجاب بجوابين:
أحدهما: أنه من عطف المفرد على المفرد، ووجهه: أن "الذين كسبوا" مجرور؛ خبرٌ لقوله: (جَزَاءُ سَيِّئَةٍ)، كما أن المعطوف عليه كذلك، نحو قولك: في الدار زيد والحجرة عمرو.
وثانيهما: أنه من عطف الجملة على مثلها، فلا يلزم العطف على عاملين مختلفين، لكن لا بُد من تقدير محذوف؛ لأنه لا يجوز حمل الجزاء على المسيء، فيقدر مضاف ليصح.
قوله: (عطفاً على عاملين): العامل الأول: اللام، والعامل الثاني: الابتداء، وسيبويه لا يجيزه.
стр. 3615
وإن كان الأخفش يجيزه. وفي هذا دليل على أنّ المراد بالزيادة: الفضل، لأنه دل بترك الزيادة على السيئة على عدله، ودل ثمة بإثبات الزيادة على المثوبة على فضله.
وقرئ: "يرهقهم" بالياء.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وفي هذا دليل): أي: في هذا النظم والترتيب دليل على أن المراد بالزيادة الفضل لا الرؤية، وذلك أن قوله تعالى: (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ) [يونس: ٢٥] مجمل يعم الفريقين: المهتدي والضال، لأن الدعوة عامة، وقوله: (وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) [يونس: ٢٥] تفصيل له، وذكر فيه أحد الفريقين - وهم المهتدون - وترك الضالين؛ بدلالة قوله: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى) [يونس: ٢٦] (وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ) عليه، كأنه قيل: والله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، ثم فرق ما لكل من الفريقين من الجزاء والفضل، فقيل: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى) (وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا)، فإن قوله: (جَزَاءُ سَيِّئَةٍ) مقابل لقوله: (الْحُسْنَى)، وهو العدل، ولا تكون الزيادة على العدل إلا الفضل.
وقلت: نعم ما قلت، ولكن لابد للنظم المعجز والعدول من الأصل من فائدة؛ وفي تقييد جانب السيئة بالجزاء، والتخصيص بالمثل، وإطلاق جانب الحسنة، ثم تقييده بالزيادة: إعلام بالفرق العظيم، وأن (الْحُسْنَى) أيضاً فضل، كما في قوله تعالى: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا) [الأنعام: ١٦٠]، ولا ارتياب أن (عَشْرُ أَمْثَالِهَا) الواقع في مقابلة (لا يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا) ليس غير الفضل، ولأنه لابد في نصوصية الجزاء وإطلاق ما يقابله في كلام الله المجيد من مزيد فائدة.
وتفسير "الزيادة" على ما جاء عن أفضل البشر واجب المصير لا محيد عنه، ثم إن الإمام
стр. 3616
(مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ) أي: لا يعصمهم أحد من سخط الله وعذابه، ويجوز: ما لهم من جهة الله ومن عنده من يعصمهم، كما يكون للمؤمنين. (مُظْلِماً) حال من (اللَّيْلِ)، ومن قرأ: (قِطَعاً) بالسكون -من قوله: (بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ) [هود: ٨١]- جعله صفة له، وتعضده قراءة أبىّ بن كعب: "كأنما يغشى وجوههم قطع من الليل مظلم".
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نقل تفسير الزيادة بالفضل عن القاضي، وأتى بدلائل جمة على أن المراد بالزيادة الرؤية، فلينظر هناك.
قوله: (من يعصمهم): يريد: أن (مِن) في (مِنْ عَاصِمٍ): زائدة، وفي (مِنْ اللَّهِ): حال منه، أي كائناً من جهة الله وشفيعاً بإذنه.
قوله: (ومن قرأ: "قطعاً" بالسكون): ابن كثير والكسائي، والباقون: بفتحها.
قوله: (جعله): أي جعل (مُظْلِماً) صفة لـ (قطعاً)، إنما قيد هذه القراءة به؛ لأن قطعاً على هذا مفرد يطابق قوله: (مُظْلِماً)، ولهذا قال: "من قوله: (بِقِطْعٍ مِنْ اللَّيْلِ) "، أي: مأخوذ من قوله: (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنْ اللَّيْلِ) [هود: ٨١]، أي: بعضه، وأما (قِطَعاً) - بفتح الطاء-: فهو
стр. 3617
فإن قلت: إذا جعلت (مظلماً) حالا من (الليل)، فما العامل فيه؟ قلت: لا يخلو: إمّا أن يكون (أُغْشِيَتْ) من قبل، أو (مِنَ اللَّيْلِ) صفة لقوله: (قِطَعاً)، فكان إفضاؤه إلى الموصوف كإفضائه إلى الصفة، وإما أن يكون معنى الفعل في (مِنَ اللَّيْلِ).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جمعُ "قطعة" غير مطابق لقوله: (مُظْلِماً)، اللهم إلا أن يُقال: "إن (قِطَعاً) في معنى الكثير"، كما قاله أبو البقاء.
قوله: (فكان إفضاؤه إلى الموصوف كإفضائه إلى الصفة): قال صاحب "التقريب": وفيه نظر؛ لأن (مِنْ اللَّيْلِ) ليس صلة (أُغْشِيَتْ) حتى يكون عاملاً في المجرور، بل التقدير أنه صفة، فيكون العامل فيه معنى الفعل، وهو "كائنة"، فلا يكون العامل فيه (أُغْشِيَتْ)، وأيضاً الصفة هو (مِنْ اللَّيْلِ)، وذو الحال هو (اللَّيْلِ)، فلا يكون (أُغْشِيَتْ) عاملاً في ذي الحال، مع أنه المقصود.
وقد يقال: إن (مِنَ) للتبيين، والتقدير: كائنة من الليل، فـ (أُغْشِيَتْ) عامل في الصفة، وهي "كائنة"، فكأنه عامل في (اللَّيْلِ)، لكنك تعلم أنه مبني على أن العامل في الشيء عامل فيه، فهو فاسد، فالوجه أن يُقال: إن (مِنَ) للتبعيض، أي: بعض الليل، ويكون بدلاً من (قِطَعاً)، ويُجعل (مُظْلِماً) حالاً من "البعض" لا من (اللَّيْلِ)، فيكون العامل في ذي الحال
стр. 3618
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(أُغْشِيَتْ). قال مكي بن أبي طالب: "الواجب أن يُقال: إن العامل في ذي الحال هو العامل في الحال؛ لأنها هو في المعنى، إذ لو اختلف لكان قد عمل عاملان في معمول واحد".
وأجاب الإمام المغفور [له] أمين الدين الشرفشاهي ﵀: إن نسبة (أُغْشِيَتْ) إلى (قِطَعاً) إنما هي باعتبار ذاتها المبهمة المفسرة بـ (اللَّيْلِ)، لا باعتبار مفهوم "القطع" في نفسها، وإنما ذُكرت لبيان مقدار ما أغشيت به وجوههم، وهو الليل مظلماً، فإفضاء الفعل إلى (قِطَعاً) - باعتبار ما لا يتم معناها المراد إلا به- كإفضاء الفعل إليه، كما إذا قيل: اشتريت أرطالاً من الزيت صافياً، فإن المشتري منه: الزيت، والأرطال مبينة لمقدار المشترى صافياً، فالعامل في الحال إنما هو الفاعل اللفظي، ولا يلاحظ معنى الفعل في الجار والمجرور في جهة العمل لغلبة العامل اللفظي عليه بالظهور، وفيما أورد المعترض من تقدير المبدل في هذا المحل نظر؛ لأن (مِنْ اللَّيْلِ) تتمة لـ (قِطَعاً)، فلا يكون بدلاً منه.
وقلت- والله أعلم-: ليس إجراء الصفات كلها على الموصوفات سواء، فكم ترى من صفات أو أحوال هي المقصودة في الاعتبار، والموصوفات تابعة، ألا ترى إلى قوله تعالى: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ) [الحج: ٣٠]، وقولك: رأيت منك أسداً، فإن المقصود ذم الأوثان، وأنها عين الرجس، وأن المخاطب شجاع بالغ في الشجاعة.
وهاهنا جُرد من نفس الليل ذو وصف مثله، وهو "قطعه"، مبالغة؛ لكمالها فيه، فكأنه جعل الليل بماله قطعاً، وأغشيت بها وجوههم، ولأن الليل هو المصحح للتشبيه، ومنه
стр. 3619
[(وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ) ٢٨].
(مَكانَكُمْ): الزموا مكانكم، لا تبرحوا حتى تنظروا ما يفعل بكم، و (أَنْتُمْ) أكد به الضمير في (مكانكم)؛ لسدّه مسدّ قوله: الزموا، (وَشُرَكاؤُكُمْ) عطف عليه، وقرئ: "وَشُرَكاؤُكُمْ" على أنّ الواو بمعنى "مع"، والعامل فيه ما في (مكانكم) من معنى الفعل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الغشيان، ولتوطئة ذكر (قِطَعاً)، كما مر في كلام المجيب، ولولاه لكان أصل الكلام: ترى وجوههم مسودة، كقوله تعالى: (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ) [الزمر: ٦٠]، ولما أريد التتميم فيه وانضمام العبوسة والتحير مع الظلمة شبهت بالليل، وأوقع (مُظْلِماً) حالاً منه؛ ليتصور من ذلك تخمة السحاب وتكاثف المطر وما يلحق لمن حصل فيه من التحير والخوف والدهشة، ولما أريد اتصاله بالمشبه جعلت الوسيلة أداة التشبيه ولفظ الغشيان، ولمزيد المبالغة جيء بقوله: (قِطَعاً) على سبيل التجريد، وأوقع (مِنْ اللَّيْلِ) بياناً له- ما مر-، ولا يتنبه لهذه المعاني إذا أجري الكلام على ظاهره، وإن يُقال: إن عامل الصفة "هم" المقدر دون (أُغْشِيَتْ)؛ إذ لا يُفهم منه الاهتمام بشأن الليل.
قوله: (لسده مسد [قوله]: الزموا): قال أبو البقاء: " (مَكَانَكُمْ) ظرف لوقوعه موقع الأمر،
стр. 3620
(فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ): ففرّقنا بينهم، وقطعنا أقرانهم والوصل التي كانت بينهم في الدنيا، أو فباعدنا بينهم بعد الجمع بينهم في الموقف،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أي: الزموا، وفيه ضمير فاعل، و (أَنْتُمْ) توكيد له، والكاف والميم في موضع جر عند قومن وعند آخرين: الكاف للخطاب لا موضع لها، كالكاف في إياكم".
قوله: ((فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ): ففرقنا بينهم)، الأساس: "المزايل: المباين، وإني لا أزايلك، وتزايلوا وتزيلوا"، قال أبو البقاء: " (فَزَيَّلْنَا): عينُ الكلمة واو، لأنه من: زال يزول، وإنما قُلبت ياء لأن وزنه "فَيْعَل"، أي: زيولنا، مثل: بيطر وبيقر، وقيل: هو مِن: زِلتُ الشيء أزيله، فعينه ياء، فيحتمل أن يكون: فعلنا وفيعلنا".
وقلت: فالمباينة: إما بحسب قطع الوصل، كقوله : (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ) [عبس: ٣٤ - ٣٥]، فهو المراد بقوله: "وقطعنا أقرانهم والوصل التي كانت بينهم في الدنيا"، أو بحسب الأبدان بعد اجتماعها، فهو المراد من قوله: "فباعدنا بينهم بعد الجمع بينهم"، فقوله: "كقوله: (أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ) [غافر: ٧٣ - ٧٤] " يجوز أن يستشهد به للبعد بحسب الأبدان، فمعنى (ضَلُّوا عَنَّا): غابوا عن عيوننا، فلا نراهم، وأن يُستشهد به للبعد بحسب الأبدان، فمعنى (ضَلُّوا عَنَّا): بطل عنا ما كنا نختلق من الكذب وشفاعة الآلهة، كما سيجيء بُعيد هذا.
قوله: (والوصل التي كانت بينهم): عطف على: "أقرانهم"، أي: حبالهم، على سبيل البيان.
стр. 3621
وتبرؤ شركائهم منهم ومن عبادتهم، كقوله تعالى: (ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ *مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا) [غافر: ٧٣ - ٧٤]، وقرئ: "فزايلنا بينهم"، كقولك: صاعر خدّه وصعره، وكالمته وكلمته.
(ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ) إنما كنتم تعبدون الشياطين، حيث أمروكم أن تتخذوا لله أنداداً فأطعتموهم.
(فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ * هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ) [٢٩ - ٣٠].
(إِنْ كُنَّا) هي المخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية، وهم الملائكة والمسيح ومن عبدوه من دون الله من أولى العقل، وقيل: الأصنام؛ ينطقها الله ، فتشافههم بذلك مكان الشفاعة التي زعموها وعلقوا بها أطماعهم.
(هُنالِكَ) في ذلك المقام، وفي ذلك الموقف، أو في ذلك الوقت -على استعارة اسم المكان للزمان- (تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ): تختبر وتذوق، (ما أَسْلَفَتْ) من العمل، فتعرف كيف هو، أقبيح أم حسن، أنافع أم ضارّ، أمقبول أم مردود؟ كما يختبر الرجل الشيء ويتعرّفه ليكتنه حاله، ومنه قوله تعالى (يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ) (الطارق: ٩).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (تختبر وتذوق … فتتعرف): فالابتلاء على هذا مجاز عن المعرفة، ولهذا جاء بالفاء في "فتتعرف"، وشبهه بقوله: "كما يختبر الرجل الشيء ويتعرفه، ومنه قوله تعالى: (يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ) [الطارق: ٩] "، أي: تُكشف وتظهر.
стр. 3622
وعن عاصم: "نبلو كلَّ نفس"، بالنون ونصب "كل"؛ أي: نختبرها باختبار ما أسلفت من العمل، فنعرف حالها بمعرفة حال عملها؛ إن كان حسناً فهي سعيدة، وإن كان سيئاً فهي شقية. والمعنى: نفعل بها فعل الخابر، كقوله تعالى: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) [هود: ٧، الملك: ٢]، ويجوز أن يراد: نصيب بالبلاء -وهو العذاب- كل نفس عاصية، بسبب ما أسلفت من الشر.
وقرئ: "تتلو"، أي تتبع ما أسلفت، لأنَّ عمله هو الذي يهديه إلى طريق الجنة أو إلى طريق النار، أو تقرأ في صحيفتها ما قدّمت من خير أو شر.
(مَوْلاهُمُ الْحَقِّ): ربهم الصادق ربوبيته، لأنهم كانوا يتولون ما ليس لربوبيته حقيقة، أو الذي يتولى حسابهم وثوابهم، العدل الذي لا يظلم أحداً، وقرئ: "الحق"، بالفتح على تأكيد قوله" (رُدُّوا إِلَى اللَّهِ) [الأنعام: ٦٢]، كقولك: هذا عبد الله الحق لا الباطل، أو على المدح؛ كقولك: الحمد لله أهل الحمد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وعن عاصم: "نبلو"): وهي شاذة، وإن أُسند إليه، وقرأ حمزة والكسائي: "تتلو كل نفس"، بتاءين، والباقون: بالتاء والباء بعدها.
قوله: (أي: نختبرها باختبار ما أسلفت) إلى آخره: يُعلم من تقريره: أن قوله: (مَا أَسْلَفَتْ) بدل من قوله: (كُلِّ نَفْسٍ)، لأن المراد: يبلو كل نفس عمله، فينظر: إن كان عمله خيراً فهو سعيد، وإن كان شراً فهو شقي، ونحوه قوله تعالى: (وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا) [الزمر: ١٧].
قوله: ((مَوْلاهُمْ الْحَقِّ) ربهم الصادق ربوبيته): اعلم أن "المولى" لفظ مشترك في معنى السيد والمالك، وفي معنى متولي الأمور، فإن كان الأول: فالمناسب أن يفسر (الْحَقِّ) بالصادق ربوبيته، لأن الكلام تعريض بالمشركين، يدل عليه عطف قوله: (وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا
стр. 3623
(وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ): وضاع عنهم ما كانوا يدعون أنهم شركاء لله، أو بطل عنهم ما كانوا يختلقون من الكذب وشفاعة الآلهة.
[(قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ * فَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ * كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) ٣١ - ٣٣].
(مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ) أي: يرزقكم منهما جميعاً، لم يقتصر برزقكم على جهة واحدة؛ ليفيض عليكم نعمته ويوسع رحمته.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يَفْتَرُونَ)، ولهذا عرف "الحق" باللام، وإليه الإشارة بقوله: "لأنهم كانوا يتولون ما ليس لربوبيته حقيقة"، أي: يتخذون مالكاً لأنفسهم بالباطل. وإن كان الثاني: فاللائق أن يؤول (الْحَقِّ) بالعدل، لأن من يتولى أمر الغير ينبغي أن يكون عادلاً، وهو المراد من قوله: "العدل الذي لا يظلم".
اعلم أن قوله: (هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمْ الْحَقِّ) كالاعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه، لأن الضمير في (عنهُم) راجع إلى قوله: (لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا).
قوله: (لم يقتصر برزقكم على جهةٍ واحدة): يعني: إنما ذكر الجهتين ليدل به على التوسعة والشمول. الانتصاف: "هذه الآية رادة على المعتزلة أن من الأرزاق مالم يرزقه الله، بل يرزقه العبد نفسه، وهو الحرام".
وقلت: يقوى هذا عطف قوله: (أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ)، وجوابهم: (فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ)، إذ المعنى: من الذي له الرزق الواسع، والملك الشامل، والتصرف العجيب، والتدبير الأنيق؟ فينبغي أن لا يخصص شيء من ذلك.
стр. 3624
(أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ): من يستطيع خلقهما وتسويتهما على الحدّ الذي سويا عليه من الفطرة العجيبة. أو: من يحميهما ويحصنهما من الآفات مع كثرتها في المدد الطوال، وهما لطيفان يؤذيهما أدنى شيء بكلاءته وحفظه، (وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ): ومن يلي تدبير أمر العالم كله، جاء بالعموم بعد الخصوص، (أَفَلا تَتَّقُونَ): أفلا تقون أنفسكم ولا تحذرون عليها عقابه فيما أنتم بصدده من الضلال.
(فَذلِكُمُ) إشارة إلى من هذه قدرته وأفعاله، (رَبُّكُمُ الْحَقُّ) الثابت ربوبيته ثباتاً لا ريب فيه لمن حقق النظر، (فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ) يعنى: أن الحق والضلال لا واسطة بينهما، فمن تخطى الحق وقع في الضلال، (فَأَنَّى تُصْرَفُونَ) عن الحق إلى الضلال، وعن التوحيد إلى الشرك، وعن السعادة إلى الشقاء.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أو: من يحميهما): عطف على "من يستطيع خلقهما"، فسر (يَمْلِكُ) تارة بالاستطاعة مجازاً، كما فسر أبو حنيفة ﵁ (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً) [النساء: ٢٥]: بمن لم يملك طول الحرة، وأخرى بـ"يحميها ويحصنهما"، لأن في الملك معنى التسلط والغلبة. والأول أوفق؛ ليضم الخالقية مع الرازقية، كقوله تعالى: (هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) [فاطر: ٣].
قوله: ((فَذَلِكُمْ) إشارة إلى من هذه قدرته): فهو من باب الإعلام بأن ما قبل اسم الإشارة جدير بما بعده، لما عددت من صفات.
قوله: (يعني: أن الحق والضلال لا واسطة بينهما): يريد أن الاستفهام في قوله: (مَاذَا) للإنكار، يعني: بعد هذا البيان الشافي وإظهار الحق، ما هذا التواني والتقاعد؟ ! وليس ذلك إلا الركوب على متن الباطل ومتابعة الزيغ والهوى، وقوله تعالى: (فَأَنَّى تُصْرَفُونَ) تنبيه على هذا التوبيخ.
стр. 3625
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ولما كان (تُصْرَفُونَ) مطلقاً يحتمل العموم قدر: "عن الحق إلى الضلال، وعن التوحيد إلى الشرك، وعن السعادة إلى الشقاوة"، ثم فرع على هذا الإصرار قوله: (كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا)، أي: حقت عليهم كلمة العذاب، فوضع (الَّذِينَ فَسَقُوا) موضع الضمير للعلية، والدليل على الإصرار ترتب الفسق على عدم الإيمان، ثم عاد إلى ذم آلهتهم وتقبحي عبادتها منهم بقوله: (قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ). هذا تقرير الوجه الأخير، وهو أوفق لتأليف النظم.
وأما حل تركيبه: فإنه بنى التشبيه بقوله: (كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ)، تارة على قوله تعالى: (فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ)، وأخرى على قوله: (فَأَنَّى تُصْرَفُونَ)، ثم فرع تفسير "الكلمة" على الأول: بالعلم، وعلى الثاني: بالحكم، وجعل على هذين التفريعين (أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) بدلاً من "الكلمة".
وخص تفسير "الكلمة" بالعدة بالعذاب، على التشبيه الثاني، وجعل (أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) تعليلاً للعدة؛ لأن الحكم بعدم الإيمان لا يصلح أن يكون تفسيراً للعدة، المعنى: كما ثبت صرفهم عن الحق كذلك ثبت الوعد لهم بالعذاب، ويجوز أيضاً: وكما ثبت صرفهم عن الحق كذلك ثبت القول عليهم بالخذلان.
فإن قلت: من أين فسرت "الكلمة" بالعلم تارة، والحكم أخرى؟ قلت: لما قال: "حق عليهم انتفاء الإيمان"، وعطف عليه قوله: "وعلم الله منهم ذلك"؛ على سبيل التفسير، عُلم أن قوله تعالى: (كَلِمَةُ رَبِّكَ) معبر به عن العلم الأزلي، ولا قول ثمة.
стр. 3626
(كَذلِكَ) مثل ذلك الحق (حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ)، أي: كما حق وثبت أنّ الحق بعده الضلال، أو كما حق أنهم مصروفون عن الحق، فكذلك حقت كلمة ربك (عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا) أي: تمرّدوا في كفرهم، وخرجوا إلى الحد الأقصى فيه، و (أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) بدل من "الكلمة" أي: حق عليهم انتفاء الإيمان، وعلم الله منهم ذلك، أو حق عليهم كلمة الله أنهم من أهل الخذلان، وأن إيمانهم غير كائن، أو أراد بـ"الكلمة": العدة بالعذاب، و (أنهم لا يؤمنون) تعليل، بمعنى: لأنهم لا يؤمنون.
[(قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ *قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) ٣٤ - ٣٥].
فإن قلت: كيف قيل لهم: (هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نحوه قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ) [يونس: ٩٦]، قال: في تفسيره بناء على مذهبه: "تلك كتابة معلوم لا كتابة مقدر". ولما قال: حق عليهم كلمة الله، عُلم ان هناك قولاً قيل في حقهم وحكم عليهم: أنهم من أهل الخذلان، فإذن لابد أن لا يؤمنوا، ونحوه قوله تعالى: (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) [يس: ٧]، ومنه سُمي المسيح بـ"كلمة الله"، لأنه ﵇ وُجد بكلمة "كُنْ" وكلا المعنيين متقاربان.
وأما المعنى الثالث: فمأخوذ من قوله تعالى: (أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنقِذُ مَنْ فِي النَّارِ) [الزمر: ١٩]. والله أعلم.
قوله: (كيف قيل لهم: (هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ)؟ ): توجيه السؤال: أن قوله: (هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ) الآية، كيف ينتهص حجة عليهم، وأنهم منكرون للإعادة، لأن لهم أن
стр. 3627
وهم غير معترفين بالإعادة؟ قلت: قد وضعت إعادة الخلق - لظهور برهانها - موضع ما إن دفعه دافع كان مكابراً، رادّا للظاهر البين الذي لا مدخل للشبهة فيه، دلالة على أنهم في إنكارهم لها منكرون أمراً مسلماً معترفاً بصحته عند العقلاء، وقال لنبيه ﷺ (قُلِ اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ)، فأمره بأن ينوب عنهم في الجواب، يعنى: أنه لا يدعهم لجاجهم ومكابرتهم أن ينطقوا بكلمة الحق، فكلم عنهم.
يقال: هداه للحق وإلى الحق، فجمع بين اللغتين: ويقال: هدى بنفسه؛ بمعنى: اهتدى، كما يقال: شرى بمعنى: اشترى. ومنه قوله: (أَمَّنْ لا يَهِدِّي). وقرئ: (لا يهدّى)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يقولوا: ما ثبت عندنا أن الإعادة كائنة، فكيف نُقر بإلهية من ادعيت إلهيته بهذه الدعوى؟ ! نعم، لو أتى بالاستدلال بالخالقية والرازقية دون الإماتة والإحياء- كما في قوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْء) [الروم: ٤٠]، لاستقام لإثبات الدعوى.
وأجاب: أن في وضع هذه الآية مكان تلك الآية نظراً دقيقاً، وهو الإشارة إلى أن الإعادة أمر مكشوف ظاهر، بلغ في الظهور والجلاء بحيث يصح أن تثبت به دعوى أخرى، ففيه صنعة الإدماج، كقول ابن نباتة:
فلابد لي من جهلة في وصاله … فمن لي بخل أودع الحلم عنده
ضمن الغزل الفخر بكونه حليماً، والفخر شكاية الإخوان.
ثم الدليل على ظهور الدليل: أمره تعالى لنبيه ﷺ بقوله: (قُلْ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ) [يونس: ٣٤]: أمره بأن يُجيب عنه كما يجاب عن الأمر المسلم ثبوته، كقوله تعالى: (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلْ اللَّهُ) [الأنعام: ١٩]، لكن الذي يمنعهم المكابرة واللجاج.
قوله: (وقرئ: (لا يَهْدِي)): ابن كثر وورش وابن عامر: "أمن لا يهدي"، بفتح الياء
стр. 3628
بفتح الهاء وكسرها مع تشديد الدال، والأصل: يهتدي، فأدغم، وفتحت الهاء بحركة التاء، أو كسرت لالتقاء الساكنين، وقد كسرت الياء لإتباع ما بعدها، وقرئ: "إلا أن يهدى"؛ من هداه، وهدّاه: للمبالغة، ومنه قولهم: تهدى، ومعناه: أن الله وحده هو الذي يهدى للحق، بما ركب في المكلفين من العقول، وأعطاهم من التمكين للنظر في الأدلة التي نصبها لهم، وبما لطف بهم، ووفقهم، وألهمهم، وأخطر ببالهم، ووقفهم على الشرائع، فهل من شركائكم الذين جعلتم أندادا لله أحد من أشرفهم، كالملائكة والمسيح وعزير، يهدى إلى الحق مثل هداية الله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والهاء وتشديد الدال، وقالون وأبو عمرو كذلك إلا أنهما يخفيان حركة الهاء، وأبو بكر: يكسر الياء والهاء، وحفص: بفتح الياء وكسر الهاء، حمزة والكسائي: بفتح الياء وإسكان الهاء وتخفيف الدال.
قوله: (بما ركب في المكلفين من العقول، وأعطاهم من التمكين): قيل: هذا بناء على مذهبه، لأن عند أهل السنة: أنه هو الهادي؛ بأن يخلق فيهم الهداية.
стр. 3629
ثم قال: (أفمن يهدى إلى الحق) هذه الهداية (أحق) بالإتباع، أم الذي (لا يهدى) أي: لا يهتدي بنفسه، أو لا يهدى غيره، (إلا أن) يهديه الله. وقيل: معناه أمن لا يهتدي من الأوثان إلى مكان فينتقل إليه، (إِلَّا أَنْ يُهْدى) إلا أن ينقل، أو لا يهتدي ولا يصح منه الاهتداء إلا أن ينقله الله من حاله إلى أن يجعله حيواناً مكلفاً، فيهديه.
(فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) بالباطل، حيث تزعمون أنهم أندادا لله.
[(وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ) ٣٦].
(وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ) في إقرارهم بالله، (إِلَّا ظَنًّا) لأنه قول غير مستند إلى برهان عندهم، (إِنَّ الظَّنَّ) في معرفة الله (لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ) وهو العلم (شَيْئاً).
وقيل: وما يتبع أكثرهم في قولهم للأصنام: أنها آلهة، وأنها شفعاء عند الله إلا الظن، والمراد بالأكثر: الجميع، (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ) وعيد على ما يفعلون من إتباع الظن وتقليد الآباء، وقرئ: " تفعلون" بالتاء.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقلت: الهداية هاهنا: هي بعثة الرسل، وإنزال الكتب، ومنح العقول، وتوفيق طريق النظر والاستدلال، لا مجرد العقل؛ لأن مجرد العقل يعارضه الوهم والظن، قال القاضي: "يهدي للحق بنصب الحجج وإرسال الرسل والتوفيق للنظر والتدبر".
قوله: (أمن لا يهتدي من الأوثان إلى مكان فينتقل إليه)، الجوهري: "الهداء: مصدر قولك: هديت المرأة إلى زوجها، وقد هُديت إليه".
قوله: ((فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) بالباطل): قال الزجاج: "ما لكم": كلام تام، أي: شيء لكم في عبادة الأوثان، ثم قيل لهم: (كَيْفَ تَحْكُمُونَ)، أي: على أي حال تحكمون، و (كَيْفَ) نصب بـ (تَحْكُمُونَ).
قوله: (والمراد بالأكثر: الجميع): يعني: أن جميعهم متابعون الظن في القول بأن الأصنام
стр. 3630
[(وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَاتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ * بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَاتِهِمْ تَاوِيلُهُ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ * وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ) ٣٧ - ٤٠].
(وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ) افتراء (مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ) كان (تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ)، وهو ما تقدمه من الكتب المنزلة،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
آلهة وشفعاء. قال صاحب "الفرائد": "يُمكن أن يُقال: لما كان عاقبة بعضهم الإيمان باتباع العلم، ذكر الأكثر". وقلت: هذا مجاز باعتبار ما يؤول، وهو بعيد، بل يمكن أن يُقال: إن في إطلاق "الأكثر" فائدة، وهي ما يُشعر به أن القائلين كانوا متفاوتين في جحد الحق، فمنهم من كان شاكاً فيه، ومنهم من علم ولكن عاند وكابر، وأكثرهم اتبعوا الظن، ويؤيده ما سبق من قوله: "إنه لا يدعهم لجاجهم ومكابرتهم أن ينطقوا بكلمة الحق".
وأما إطلاق الأكثر على الجميع، فهو كاستعمال القليل للعدم، كما في قول الشاعر:
قليل التشكي للمصيبات حافظ … من اليوم أعقاب الأحاديث في غد
المرزوقي: "نفي أنواع التشكي كلها عنه، وعلى هذا قوله تعالى: (فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ) [البقرة: ٨٨]، وحمل النقيض على النقيض حسن، وطريقته مسلوكة.
قوله: ((وَلَكِنْ) كان (تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ)، وهو ما تقدمه من الكتب المنزلة): إشارة
стр. 3631
لأنه معجز دونها، فهو عيار عليها، وشاهد لصحتها، كقوله: (هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ) [فاطر: ٣١]. وقرئ: "ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب"، على: ولكن هو تصديق وتفصيل. ومعنى "وما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى": وما صحّ وما استقام، وكان محالا أن يكون مثله في علو أمره وإعجازه مفترى.
(وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ): وتبيين ما كتب وفرض من الأحكام والشرائع، من قوله: (كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) [النساء: ٢٤].
فإن قلت: بم اتصل قوله: (لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ)؟ قلت: هو داخل في حيز الاستدراك، كأنه قال: ولكن كان تصديقاً وتفصيلا منتفياً عنه الريب كائنا من رب العالمين، ويجوز أن يراد: ولكن كان تصديقاً من رب العالمين، وتفصيلا منه،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إلى المبالغة في انتفاء الافتراء عنه، يعني: كيف يكون كذباً، وهو مما يثبت به الصدق والحق، غذ لولاه لما هرت لكم حقية الكتب المنزلة من قبل، فما كان كذلك كيف يُقال: إنه مُفترى؟ !
قوله: (فهو عيار عليها)، المغرب: "العيار: المعيار الذي يقاس به غيره ويسوى، وعيار الدراهم والدنانير: ما جُعل فيها من الفضة الخالصة أو الذهب الخالص.
قوله: (ولكن كان تصديقاً وتفصيلاً منتفياً عنه الريب كائناً من رب العالمين): قال أبو البقاء: "قوله: (وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى): (هذا) اسم (كان)، و (القرآن) عطف بيان، و (أَنْ يُفْتَرَى) خبر (كان)، أي: ما كان هذا القرآن مفترى، ولكن كان تصديق الذي، أي: مصدق الذي، و"تفصيل الكتاب" مثل (تَصْدِيقَ)، (لا رَيْبَ فِيهِ) يجوز أن يكون حالاً من (الْكِتَابَ)، و (الْكِتَابَ) مفعول في المعنى، ويجوز أن يكون مستأنفا، (مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ) يجوز أن يكون حالاً أخرى".
стр. 3632
لا ريب فيه، فيكون (مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ) متعلقاً بـ (تصديق) و"تفصيل"، ويكون (لا رَيْبَ فِيهِ) اعتراضاً، كما تقول: زيد لا شكّ فيه كريم.
(أَمْ يَقُولُونَ افْتَراه) ُ بل أيقولون: اختلقه، على أن الهمزة تقرير لإلزام الحجة عليهم، أو إنكار لقولهم واستبعاد، والمعنيان متقاربان.
(قُلْ) إن كان الأمر كما تزعمون (فَاتُوا) أنتم على وجه الافتراء (بِسُورَةٍ مِثْلِهِ)، فأنتم مثلي في العربية والفصاحة، ومعنى (بِسُورَةٍ مِثْلِهِ) أي: شبيهة به في البلاغة وحسن النظم. وقرئ: "بسورة مثله"، على الإضافة، أي: بسورة كتاب مثله، وَادْعُوا من دون الله مَنِ اسْتَطَعْتُمْ من خلقه للاستعانة به على الإتيان بمثله،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (بل أيقولون: اختلقه): إشارة إلى أن (أمْ) هي المنقطعة، والهمزة: إما للتقرير أو الإنكار؛ فإذا كانت للتقرير كان المعنى: أنتم قلتم: إنه اختلقه؛ فأتوا بسورة مثله.
وإذا كانت للاستبعاد والإنكار كان المعنى: إنه بعيد أن يقولوا: إنه مختلق، وهم عاجزون عن الإتيان بمثله، فالمعنيان متقاربان في إلزام الحجة عليهم.
قوله: (ومعنى (بِسُورَةٍ مِثْلِهِ) أي: شبيهة به في البلاغة): مضى تحقيقه في سورة البقرة.
قوله: (وادعوا من دون الله من استطعتم): قدم الجار والمجرور على المفعول به، وفي التلاوة خلافه؛ ليؤذن بأن (مِنْ دُونِ) صلة الفعل لا حال من المفعول، ليفيد العموم المراد من قوله: "لا يقدر على ذلك أد غيره"، فيكون على وزان قوله: (قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ) الآية [الإسراء: ٨٨]، ولو جُعل حالاً رجع المعنى: أي: وادعوا من استطعتم، والحال أنه غير الله، وهو عن المقصود بمعزل.
стр. 3633
يعني: أنّ الله وحده هو القادر على أن الإتيان بمثله، لا يقدر على ذلك أحد غيره، فلا تستعينوه وحده، ثم استعينوا بكل من دونه، (إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) أنه افتراء.
(بَلْ كَذَّبُوا): بل سارعوا إلى التكذيب بالقرآن، وفاجؤوه في بديهة السماع قبل أن يفقهوه ويعلموا كنه أمره، وقبل أن يتدبروه ويقفوا على تأويله ومعانيه، وذلك لفرط نفورهم عما يخالف دينهم، وشرادهم عن مفارقة دين آبائهم،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فلا تستعينوه وحده): الفاء تدل على انه لازم المفهوم، وهو أيضاً يقوى المقصود، إذ لو جُعل حالاً لم يفد هذا المعنى.
قوله: (بل سارعوا إلى التكذيب بالقرآن، وفاجؤوه): هذا المعنى مستفاد من تقييد الفعل بقوله: (وَلَمَّا يَاتِهِمْ تَاوِيلُهُ).
قوله: (ويعلموا كنه أمره): هذه المبالغة يعطيه معنى قوله: (مَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ)، لأن الظاهر: ما لم يحيطوا به علماً، فعدل إليه ليكون أبلغ، وفي الكلام ترق من الأهون إلى الأغلظ، وذلك أنه تعالى لما نعى على المعاندين بقوله: (وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّاً)، ثم أتبعه بقوله: (وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى)، نبه على أن من جملة متابعتهم الظن زعمهم في هذا الحق الواضح الصادق في نفسه المصدق لغيره: أنه مفترى وليس من عند الله، ثم أضرب عن الزعم بقوله: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ) يعني: دع الكلام في الزعم والظن، بل صرحوا بالقول بالافتراء، ثم أضرب عن هذا بقوله: (بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ)، يعني: دع نسبتهم الافتراء إليهن بل إنهم كذبوه بديهاً مطلقاً، ولم يلتفتوا إلى وضوحه في نفسه، ولا أنهم نظروا في الدليل الدال على صحته، وهو أن يُجربوا قواهم ويحرزوا أنفسهم، هل يقدرون على أن يأتوا بمثل أقصر سورة منه، واستمروا على التقليد، وأصروا على التكذيب.
стр. 3634
كالناشئ على التقليد من الحشوية، إذا أحسّ بكلمة لا توافق ما نشأ عليه وألفه، وإن كانت أضوأ من الشمس في ظهور الصحة وبيان الاستقامة، أنكرها في أوّل وهلة، واشمأز منها، قبل أن يحس إدراكها بحاسة سمعه، من غير أن يفكر في صحة أو فساد، لأنه لم يشعر قلبه إلا صحة مذهبه وفساد ما عداه من المذاهب.
فإن قلت: ما معنى التوقع في قوله: (وَلَمَّا يَاتِهِمْ تَاوِيلُهُ)؟ قلت: معناه: أنهم كذبوا به على البديهة قبل التدبر ومعرفة التأويل؛ تقليداً للآباء، وكذبوه بعد التدبر، تمرداً وعناداً، فذمّهم بالتسرع إلى التكذيب قبل العلم به، وجاء بكلمة التوقع؛ ليؤذن أنهم علموا بعد علو شأنه وإعجازه لما كرّر عليهم التحدّي، ورازوا قواهم في المعارضة، واستيقنوا عجزهم عن مثله، فكذبوا به بغياً وحسداً.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (في أول وهلة)، النهاية: "لقيته وهلة، أي: أول شيء، والوهلة: المرة من الفزع، أي: لقيته أول فزعة فزعتها بلقاء إنسان".
قوله: (أنهم كذبوا به على البديهة قبل التدبر): يعني: تكذيبهم القرآن كان مستمراً قبل التدبر، وانتهى الاستمرار بعد التدبر مع تغير الجهل إلى العلم، والكفر إلى العناد، قال في "المفصل": "إن "لم يَفعَل" نفيُ "فَعَل"، و"لما يفعل" نفيُ "قد فعل"، وهي "لم" ضُمت إليها "ما"، فازدادت في معناها أن تضمنت معنى التوقع والانتظار، واستطال زمان فعلها".
فعلى هذا: عُلم أن تكذيبهم استطال زمانه، لن لم يعلم أنهم بعدما جاءهم تأويله عاندوا أم أنصفوا؟ لكن مقام النعي عليهم دل على معنى العناد، ويؤيده ما ذكرنا من معنى الترقي آنفاً، وقوله بعده: (كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ).
стр. 3635
(كَذلِكَ) أي: مثل ذلك التكذيب (كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) يعنى: قبل النظر في معجزات الأنبياء وقبل تدبرها، من غير إنصاف من أنفسهم، ولكن قلدوا الآباء وعاندوا. وقيل: هو في الذين كذبوا وهم شاكون.
ويجوز أن يكون معنى (وَلَمَّا يَاتِهِمْ تَاوِيلُهُ): ولم يأتهم بعد تأويل ما فيه من الإخبار بالغيوب، أي: عاقبته، حتى يتبين لهم أهو كذب أم صدق؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ولكن قلدوا الآباء): مستدرك معنوي، فإن معنى قوله: (كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ): يعني: قبل النظر من غير إنصاف أنهم ما أنصفوا في التكذيب بديهاً، لكن قلدوا الآباء وعاندوا، نحوه قول الشاعر:
إذا قيل: هذا منهل، قلت: قد أرى … ولن نفس الحر تحتمل الظما
قوله: (وقيل: هو في الذين كذبوا وهم شاكون): عطف على معنى قوله: "بل سارعوا إلى التكذيب بالقرآن"، وذلك أن الذي لم يحط بالشيء علماً: إما أن لا يُدرك منه شيئاً قط، أو يدركه لكن بحيث لا يسمى علماً، بل شكا.
قوله: (ويجوز أن يكون معنى (وَلَمَّا يَاتِهِمْ تَاوِيلُهُ): عطف على قوله: قبل أن يفقهوه، ويعلموا كنه أمره، ويقفوا على تأويله ومعانيه"، وذلك أن "التأويل": تفسير مايؤول إليه
стр. 3636
يعني: أنه كتاب معجز من جهتين: من جهة إعجاز نظمه، ومن جهة ما فيه من الإخبار بالغيوب، فتسرّعوا إلى التكذيب به قبل أن ينظروا في نظمه وبلوغه حدّ الإعجاز، وقبل أن يخبروا أخباره بالغيوب وصدقه وكذبه.
(وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ): يصدق به في نفسه، ويعلم أنه حق، ولكنه يعاند بالتكذيب، ومنهم من يشكّ فيه لا يصدق به، أو يكون للاستقبال، أي: ومنهم من سيؤمن به، ومنهم من سيصرّ، (وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ) بالمعاندين، أو المصرين.
[(وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ) ٤١].
(وَإِنْ كَذَّبُوكَ): وإن تموا على تكذيبك ويئست من إجابتهم، فتبرأ منهم وخلهم، فقد أعذرت، كقوله تعالى: (فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ) [الشعراء: ٢١٦]، وقيل: هي منسوخة بآية السيف.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الشيء، وما يؤول إليه أمر القرآن: إما من جهة الغموض والخفاء وكونه معجزاً، وإما من جهة عاقبة ما أخبر فيه من المغيبات، وإلى ذلك أشار بقوله: "إنه كتاب معجز من جهتين" إلى آخره، وفرع بقوله: "فيسرعوا إلى التكذيب به قبل أن ينظروا في نظمه وبلوغه حد الإعجاز، وقبل أن يخبروا إخباره بالمغيبات".
قوله: (أو يكون للاستقبال): عطف على قوله: "يصدق به في نفسه"، فالإيمان على الأول: بمعنى التصديق القلبي، وإليه أشار بقوله: "في نفسه"ن والصيغة للحال، وعلى الثاني: بمعنى الإيمان المتعارف، والصيغة للاستقبال المتعارف.
قوله: (وإن تموا على تكذيبك): إشارة على أنه لم يرد به معنى المضي، بل الدوام والثبات على التكذيب، وتكذيب غب تكذيب، يدل عليه الجزاء، وهو قوله: (فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ
стр. 3637
[(وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ) ٤٢ - ٤٣].
(وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ) معناه: ومنهم ناس يستمعون إليك إذا قرأت القرآن، وعلمت الشرائع، ولكنهم لا يعون ولا يقبلون، وناس ينظرون إليك، ويعاينون أدلة الصدق، وأعلام النبوّة، ولكنهم لا يصدقون.
ثم قال: أتطمع أنك تقدر على إسماع الصم ولو انضم إلى صممهم عدم عقولهم، لأنّ الأصم العاقل ربما تفرّس واستدل إذا وقع في صماخه دوي الصوت،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عَمَلُكُمْ)، فإنه أمر بالتخلية المتاركة، ولا يكون ذلك إلا بعدما بُولغ في الإبلاغ، وأيس من الإجابة، ولهذا قال: "فقد أعذرت"، مثله قوله تعالى: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا) [القمر: ٩]، أي: كذبوه تكذيباً على غب تكذيب.
قوله: (ثم قال: أتطمع أنك تقدر على إسماع الصم): يريد: أن قوله: (أَفَأَنْتَ) معطوف بحرف التعقيب على الجملة السابقة، المعنى: ومنهم من يستمعون إليك ولكن لا يصدقونك، فأنت تبذل جهدك في إسماعهم وتصديقهم، ثم أدخلت الهمزة بين المعطوف والمعطوف عليه لمزيد الإنكار.
قوله: (لأن الأصم العاقل ربما تفرس): إشارة على أن قوله: (وَلَوْ كَانُوا لا يَعْقِلُونَ) تتميم لقوله: أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ)، كما في قولك: أتكرم زيداً ولو أهانك. فـ"لو" بمعنى "إن"، فقوله: "لأن الأصم" تعليل لإرداف التتميم.
قوله: (دوي الصوت): الإضافة من باب: جرد قطيفه. الجوهري: "دوي الريح: حفيفها".
стр. 3638
فإذا اجتمع سلب السمع والعقل جميعاً، فقد تمّ الأمر، أو تحسب أنك تقدر على هداية العمى، ولو انضم إلى العمى -وهو فقد البصر- فقد البصيرة، لأنّ الأعمى الذي له في قلبه بصيرة قد يحدس ويتظنن، وأما العمى مع الحمق فجهد البلاء، يعنى: أنهم في اليأس من أن يقبلوا ويصدقوا، كالصمّ والعمى الذين لا عقول لهم ولا بصائر.
وقوله: (أَفَأَنْتَ … أَفَأَنْتَ) دلالة على أنه لا يقدر على إسماعهم وهدايتهم إلا الله بالقسر والإلجاء، كما لا يقدر على ردّ الأصم والأعمى المسلوبى العقل: حديدي السمع والبصر راجحى العقل، إلا هو وحده.
[(إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) ٤٤].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فجهد البلاء): أي: غاية البلاء.
قوله: ((أفَأَنتَ … أفَأَنتَ): يعني: في تكرير (أفأَنتَ) مع ما فيه من تقديم الفاعل المعنوي، وإيلائه همزة الإنكار: الدلالة على أن نبي الله ﷺ تصور في نفسه من حرصه على إيمان القوم: أنه قادر على الإسماع والهداية، وأنه تعالى يسلب ذلك المعنى منه، ويثبته لنفسه على الاختصاص.
قال القاضي: "في الآية تنبيه على أن حقيقة استماع الكلام فهم المقصود منه، ولذلك لا توصف به البهائم، وهو لا يتأتى إلا باستعمال العقل السليم في تدبره، وعقولهم لما كانت مؤوفة بمعارضة الوهم ومشايعة الإلف والتقليد، تعذر إفهامهم الحكم والمعاني الدقيقة، فلم ينتفعوا بسرد الألفاظ عليهم غير ما ينتفع به البهائم من كلام الناعق".
стр. 3639
(إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً) أي: لا ينقصهم شيئاً مما يتصل بمصالحهم، من بعثة الرسل وإنزال الكتب، ولكنهم يظلمون أنفسهم بالكفر والتكذيب، ويجوز أن يكون وعيداً للمكذبين، يعنى: أن ما يلحقهم يوم القيامة من العذاب لا حق بهم على سبيل العدل والاستيجاب، ولا يظلمهم الله به، ولكنهم ظلموا أنفسهم باقتراف ما كان سببا فيه.
[(وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ) ٤٥].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ويجوز أن يكون وعيداً للمكذبين): وعلى الوجه الأول: لم يكن وعيداً، بل بياناً لإزاحة العلة وإلزام الحجة، فعلى التقديرين: الآية تذييل للكلام السابق، إما للتكاليف المذكورة والأقاصيص المعدودة من أول السورة، يعني: أن الله تعالى لا ينقص شيئاً مما يحتاج رسول الله ﷺ .
و"الظلمُ" على الأول: مُضمنٌ معنى النقصان، فعداه على مفعولين، وعلى الثاني: بمعناه. و (شَيْئاً) منصوب بنزع الخافض، ولهذا قدر: "ولا يظلمهم الله به".
الانتصاف: "الوجه الأول مبني على مسألة رعاية الأصلح، والثاني صحيح".
وقال القاضي: "في الآية دليل على أن للعبد كسباً، وأنه ليس مسلوب الاختيار بالكلية، كما زعمت المجبرة".
стр. 3640
(إِلَّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ) يستقربون وقت لبثهم في الدنيا، وقيل: في القبور، لهول ما يرون، (يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ): يعرف بعضهم بعضاً، كأنهم لم يتفارقوا إلا قليلا، وذلك عند خروجهم من القبور، ثم ينقطع التعارف بينهم لشدّة الأمر عليهم.
فإن قلت: (كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا) و (يَتَعارَفُونَ كيف موقعهما؟ قلت: أما الأولى: فحال من «هم» أي: يحشرهم مشبهين بمن لم يلبث إلا ساعة، وأما الثانية: فإما أن تتعلق بالظرف، وإما أن تكون مبينة، لقوله: (كأن لم يلبثوا إلا ساعة)، لأنّ التعارف لا يبقى مع طول العهد، وينقلب تناكرا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (يستقربون وقت لبثهم): أي: يعدونه قريباً، نحو: استعجب الشيء: عده عجيباً.
قوله: (مشبهين بمن لم يلبث إلا ساعة): قال أبو البقاء: " (كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ سَاعَةً مِنْ النَّهَارِ) حال، والعامل فيها (يَحْشُرُهُمْ)، و (كان) مخففة من الثقيلة، اسمها محذوف، أي: كأنهم و (مِنْ النَّهَارِ) نعت لـ (سَاعَةً)، (يَتَعَارَفُونَ) حال أخرى مقدرة، والعامل (يَحْشُرُهُمْ)؛ لأن التعارف لا يكون حال الحشر، والعامل في (يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ): اذكر".
وأما المصنف فجعله متعلقاً بالظرف عاملاً فيه، المعنى: يتعارفون يوم يحشرهم، أو عيناً له حيث جعله بياناً للحال، على نحو: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً) [الزخرف: ٣]، وهذا يوافق قول أبي البقاء: " (يَتَعَارَفُونَ) حال أخرى".
قوله: (لأن التعارف لا يبقى مع طول العهد): تعليل لكون الجملة الثانية مبينة للأولى، يعني: في قوله: (كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ سَاعَةً) معنى (يَتَعَارَفُونَ)، وذلك أن قرب العهد بين الخلان مما لا يبلى جديدهم، وقد قيل: طول العهد منس، فكان فيها مظنة التعارف، فتبين بقوله: (يَتَعَارَفُونَ) هذا المعنى المبهم فيه، فعلى هذا: الحال غير مقدرة، والمراد باللبث: اللبث في
стр. 3641
(قَدْ خَسِرَ) على إرادة القول، أي: يتعارفون بينهم قائلين ذلك، أو هي شهادة من الله تعالى على خسرانهم. والمعنى أنهم وضعوا في تجارتهم وبيعهم الإيمان بالكفر، (وَما كانُوا مُهْتَدِينَ) للتجارة عارفين بها، وهو استئناف فيه معنى التعجب، كأنه قيل: ما أخسرهم.
[(وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ) ٤٦].
(فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ) جواب (نتوفينك)، وجواب (نرينك) محذوف، كأنه قيل: وإما نرينك بعض الذي نعدهم في الدنيا فذاك، أو نتوفينك قبل أن نريكه فنحن نريكه في الآخرة.
فإن قلت: الله شهيد على ما يفعلون في الدارين، فما معنى (ثم)؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
القبور، ذلك أن قلة اللبث في القبور غير مانعة من التعارف الكائن في الدنيا، بخلافه إذا قُدر اللبث في الدنيا، وطوله في القبور، فإنه سبب للتناكر لا التعارف.
قوله: (أي: يتعارفون قائلين ذلك): فعلى هذا يكون (قَدْ خَسِرَ) حالاً من فاعل (يَتَعَارَفُونَ)، و (الَّذِينَ كَذَّبُوا) مظهر وضع موضع المضمر.
وعلى أن يكون شهادة من الله تعالى تكون الجملة تذييلاً للكلام السابق، وفي (الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ) تعميم، وقوله: (وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) تتميم ومبالغة، ولهذا قال: "ما أخسرهم".
قوله: (أنهم وُضعوا في تجارتهم)، الجوهري: "وُضع الرجل في تجارته وأوضع- على ما لم يسم فاعله فيهما- أي: خسر".
قوله: (فذاك): أي: فذاك حق وصواب، أو ثابت وواقع في الدنيا، بدليل قوله: "فنحن نريكه في الآخرة".
قوله: (الله شهيد على ما يفعلون في الدارين، فما معنى (ثُمَّ)؟ ): يعني: أن شهادة الله على
стр. 3642
قلت: ذكرت الشهادة، والمراد مقتضاها ونتيجتها، وهو العقاب، كأنه قال: ثم الله معاقب على ما يفعلون. وقرأ ابن أبى عبلة: "ثم"، بالفتح، أي: هنالك، ويجوز أن يراد: أنّ الله مؤدّ شهادته على أفعالهم يوم القيامة، حين ينطق جلودهم وألسنتهم وأيديهم وأرجلهم شاهدة عليهم.
[(وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) ٤٧].
(وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ) يبعث إليهم لينبههم على التوحيد، ويدعوهم إلى دين الحق، (فَإِذا جاءَ) هم (رَسُولُهُمْ) بالبينات فكذبوه، ولم يتبعوه، (قُضِيَ بَيْنَهُمْ) أي: بين النبي ومكذبيه، (بِالْقِسْطِ): بالعدل، فأنجى الرسول وعذب المكذبون، كقوله: (وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) [الإسراء: ١٥]، أو لكل أمّة من الأمم يوم القيامة رسول تنسب إليه وتدعى به، فإذا جاء رسولهم الموقف ليشهد عليهم بالكفر والإيمان، كقوله تعالى: (وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ) [الزمر: ٦٩].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الخلق كونه رقيباً عليهم وحافظاً، وهذا المعنى لا يبرح في الدارين، وإيراد (ثُمَّ) يدل على حدوثه.
وأجاب: أن المراد بالشهادة لازمها، لأن اطلاع الله على أفعالهم القبيحة مستلزم للعقاب، و (ثُمَّ) للتراخي في الرتبة، أو المراد بها إظهار الشهادة يوم القيامة بإنطاق الجوارح، و (ثُمَّ) على ظاهرها.
قوله: (ويجوز أن يُراد): جواب آخر عن السؤال، و"الشهيدُ" على حقيقته، و (ثُمَّ) للتراخي في الزمان أيضاً.
قوله: ٠ (قْضِي بَيْنَهُمْ)): ويُروى بالواو، فعلى هذا لابد من تقدير جواب "إذا".
стр. 3643
[(وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ * قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَاخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) ٤٨ - ٤٩].
(مَتى هذَا الْوَعْدُ) استعجال لما وعدوا من العذاب استبعادا له، (لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا) من مرض أو فقر (وَلا نَفْعاً) من صحة أو غنى، (إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ) استثناء منقطع، أي: ولكن ما شاء الله من ذلك كائن، فكيف أملك لكم الضرر وجلب العذاب؟ !
(لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ) يعنى: أن عذابكم له أجل مضروب عند الله وحدّ محدود من الزمان (إِذا جاءَ) ذلك الوقت أنجز وعدكم لا محالة، فلا تستعجلوا.
وقرأ ابن سيرين: "فإذا جاء آجالهم".
[(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً أَوْ نَهاراً ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ * أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ * ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ) ٥٠ - ٥٢].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أجل مضروب عند الله، وحد محدود من الزمان): يعني: قوله: (فَلا يَسْتَاخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) عبارة عن حد معين وزمان لا يتجاوز عنه الشخص ولا يتعداه، وقريب منه قول الحماسي:
وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي … متأخر عنه ولا متقدم
قال المرزوقي: "يقول: حبسني الهوى في الموضع الذي تستقرين فيه، فألزمه ولا أفارقه، وأنا معك مقيمة وظاعنة، لا أعدل عنك ولا أميل إلى سواك".
وقال الجوهري: "أخرته فتأخرن واستأخر؛ مثل: تأخر".
стр. 3644
(بَياتاً) نصب على الظرف، بمعنى: وقت بيات، فإن قلت: هلا قيل: ليلا أو نهاراً؟ قلت:
لأنه أريد: إن أتاكم عذابه وقت بيات، فبيتكم وأنتم ساهون نائمون لا تشعرون، كما يبيت العدو المباغت، والبيات: بمعنى التبييت، كالسلام بمعنى التسليم. وكذلك قوله: (نَهاراً) معناه: في وقت أنتم فيه مشتغلون بطلب المعاش والكسب، ونحوه: (بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ) [الأعراف: ٩٧]، (ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ) [الأعراف: ٩٨].
الضمير في (مِنْهُ) للعذاب، والمعنى: أن العذاب كله مكروه مرّ المذاق موجب للنفار، فأي شيء يستعجلون منه؟ وليس شيء منه يوجب الاستعجال!
ويجوز أن يكون معناه التعجب، كأنه قيل: أي: شيء هول شديد يستعجلون منه؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والجواب وارد على الأسلوب الحكيم، لأنهم ما أرادوا بالسؤال إلا استبعاد أن الموعود من الله تعالى، وأنه صلوات الله عليه هو الذي يدعي أن ذلك منه، فطلبوا منه تعيين الوقت تهكماً وسخرية، فقيل في الجواب: هذا التهكم إنما يتم إذا ادعيت بأني أنا الجالب لذلك الموعود، وإذا كنت مقراً بأني مثلكم في أن لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً، كيف أدعي ما ليس لي بحق؟ ثم شرع في الجواب الصحيح، ولم يلتفت إلى تهكمكم واستبعادهم، فقال: (لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ) الآية.
قوله: (لأنه أريد: إن أتاكم عذابه وقت بيات): يعني: عدل عن ظاهر المقابلة، ولم يقل: ليلاً أو نهاراً، ليُعلم أن القصد منهما إلى الوقتين المختصين بالترفه والاشتغال بأمور المعاش، إذ لو قيل: ليلاً أو نهاراً، لم يكن كذلك، فهو مثل قوله تعالى: (بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ) [الأعراف: ٩٧]، (ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ) [الأعراف: ٩٨]، وهو من باب التتميم.
قوله: (كأنه قيل: أي شيء هولٍ شديد): اعلم أن (ماذا) فيه وجهان: أن يكونا اسمين؛ بمعنى: ما الذي، وأن يكون اسماً واحداً؛ بمعنى: أي شيء، والمراد هنا هذا الثاني.
قال أبو البقاء: "في (ماذا) مذهبان: أحدهما: "ما" استفهام، و"ذا" بمعنى "الذي"، وما بعده صلته، فتكون "ما" مبتدأ، والصلة والموصول خبر. والثاني: أن تجعل "ماذا" بمنزلة اسم واحد
стр. 3645
ويجب أن تكون "من" للبيان في هذا الوجه. وقيل: الضمير في (مِنْهُ) لله تعالى.
فإن قلت: بم تعلق الاستفهام؟ وأين جواب الشرط؟ قلت: تعلق بـ (أرأيتم)، لأنّ المعنى: أخبروني ماذا يستعجل منه المجرمون، وجواب الشرط محذوف، وهو: تندموا على الاستعجال، أو تعرفوا الخطأ فيه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
للاستفهام". وهاهنا: " (ماذا) اسم واحد مبتدأ، و (يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ) الخبر، وقد ضُعف من حيث إن الخبر جملة، ولا ضمير فيه يعود إلى المبتدأ، وأجيب بأن العائد الهاء في (مِنْهُ)، فهو كقولك: زيد أخذت منه درهماً". تم كلامه.
ثم التنكير في "شيء": إما للشيوع أو للنوع، فإن كان الأول: فالتقدير: أي فرد من أفراد هذا الجنس يستعجلون، و"من" في (مِنهُ) للتبعيض، وإليه الإشارة بقوله: "إن العذاب كله مر المذاق، فأي شيء يستعجلون منه؟ "، وإن كان الثاني: فـ"مِن" تجريدية، فيُنتزع من العذاب شيء يُقال في حقه: أي شيء هول شديد يستعجلون؟ فـ"الشيءُ" هو نفس العذاب، كما تقول: رأيت أسداً منك، ولهذا قال: "يجب أن تكون "مِن" للبيان في هذا الوجه".
قوله: (وقيل: الضمير في (مِنْهُ) لله تعالى) قال الزجاج: "المعنى: أي شيء يستعجل المجرمون من الله ؟ والأجود أن يكون للعذاب؛ لقوله: (أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ) ".
وقلت: اتصاله بما قبله لايخرجه من ذكر العذاب، بل هذا أبلغ، لأن المراد: أي شيء يستعجل المجرمون من الله ؟ أي: هل تعرفون ما العذاب الذي المعذب به هو الله تعالى؟ ففيه تعجب وتعجيب.
следующие страницы →