Полный текст (9 345 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.
стр. 3641
(قَدْ خَسِرَ) على إرادة القول، أي: يتعارفون بينهم قائلين ذلك، أو هي شهادة من الله تعالى على خسرانهم. والمعنى أنهم وضعوا في تجارتهم وبيعهم الإيمان بالكفر، (وَما كانُوا مُهْتَدِينَ) للتجارة عارفين بها، وهو استئناف فيه معنى التعجب، كأنه قيل: ما أخسرهم.
[(وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ) ٤٦].
(فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ) جواب (نتوفينك)، وجواب (نرينك) محذوف، كأنه قيل: وإما نرينك بعض الذي نعدهم في الدنيا فذاك، أو نتوفينك قبل أن نريكه فنحن نريكه في الآخرة.
فإن قلت: الله شهيد على ما يفعلون في الدارين، فما معنى (ثم)؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
القبور، ذلك أن قلة اللبث في القبور غير مانعة من التعارف الكائن في الدنيا، بخلافه إذا قُدر اللبث في الدنيا، وطوله في القبور، فإنه سبب للتناكر لا التعارف.
قوله: (أي: يتعارفون قائلين ذلك): فعلى هذا يكون (قَدْ خَسِرَ) حالاً من فاعل (يَتَعَارَفُونَ)، و (الَّذِينَ كَذَّبُوا) مظهر وضع موضع المضمر.
وعلى أن يكون شهادة من الله تعالى تكون الجملة تذييلاً للكلام السابق، وفي (الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ) تعميم، وقوله: (وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) تتميم ومبالغة، ولهذا قال: "ما أخسرهم".
قوله: (أنهم وُضعوا في تجارتهم)، الجوهري: "وُضع الرجل في تجارته وأوضع- على ما لم يسم فاعله فيهما- أي: خسر".
قوله: (فذاك): أي: فذاك حق وصواب، أو ثابت وواقع في الدنيا، بدليل قوله: "فنحن نريكه في الآخرة".
قوله: (الله شهيد على ما يفعلون في الدارين، فما معنى (ثُمَّ)؟ ): يعني: أن شهادة الله على
стр. 3642
قلت: ذكرت الشهادة، والمراد مقتضاها ونتيجتها، وهو العقاب، كأنه قال: ثم الله معاقب على ما يفعلون. وقرأ ابن أبى عبلة: "ثم"، بالفتح، أي: هنالك، ويجوز أن يراد: أنّ الله مؤدّ شهادته على أفعالهم يوم القيامة، حين ينطق جلودهم وألسنتهم وأيديهم وأرجلهم شاهدة عليهم.
[(وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) ٤٧].
(وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ) يبعث إليهم لينبههم على التوحيد، ويدعوهم إلى دين الحق، (فَإِذا جاءَ) هم (رَسُولُهُمْ) بالبينات فكذبوه، ولم يتبعوه، (قُضِيَ بَيْنَهُمْ) أي: بين النبي ومكذبيه، (بِالْقِسْطِ): بالعدل، فأنجى الرسول وعذب المكذبون، كقوله: (وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) [الإسراء: ١٥]، أو لكل أمّة من الأمم يوم القيامة رسول تنسب إليه وتدعى به، فإذا جاء رسولهم الموقف ليشهد عليهم بالكفر والإيمان، كقوله تعالى: (وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ) [الزمر: ٦٩].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الخلق كونه رقيباً عليهم وحافظاً، وهذا المعنى لا يبرح في الدارين، وإيراد (ثُمَّ) يدل على حدوثه.
وأجاب: أن المراد بالشهادة لازمها، لأن اطلاع الله على أفعالهم القبيحة مستلزم للعقاب، و (ثُمَّ) للتراخي في الرتبة، أو المراد بها إظهار الشهادة يوم القيامة بإنطاق الجوارح، و (ثُمَّ) على ظاهرها.
قوله: (ويجوز أن يُراد): جواب آخر عن السؤال، و"الشهيدُ" على حقيقته، و (ثُمَّ) للتراخي في الزمان أيضاً.
قوله: ٠ (قْضِي بَيْنَهُمْ)): ويُروى بالواو، فعلى هذا لابد من تقدير جواب "إذا".
стр. 3643
[(وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ * قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَاخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) ٤٨ - ٤٩].
(مَتى هذَا الْوَعْدُ) استعجال لما وعدوا من العذاب استبعادا له، (لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا) من مرض أو فقر (وَلا نَفْعاً) من صحة أو غنى، (إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ) استثناء منقطع، أي: ولكن ما شاء الله من ذلك كائن، فكيف أملك لكم الضرر وجلب العذاب؟ !
(لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ) يعنى: أن عذابكم له أجل مضروب عند الله وحدّ محدود من الزمان (إِذا جاءَ) ذلك الوقت أنجز وعدكم لا محالة، فلا تستعجلوا.
وقرأ ابن سيرين: "فإذا جاء آجالهم".
[(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً أَوْ نَهاراً ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ * أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ * ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ) ٥٠ - ٥٢].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أجل مضروب عند الله، وحد محدود من الزمان): يعني: قوله: (فَلا يَسْتَاخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) عبارة عن حد معين وزمان لا يتجاوز عنه الشخص ولا يتعداه، وقريب منه قول الحماسي:
وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي … متأخر عنه ولا متقدم
قال المرزوقي: "يقول: حبسني الهوى في الموضع الذي تستقرين فيه، فألزمه ولا أفارقه، وأنا معك مقيمة وظاعنة، لا أعدل عنك ولا أميل إلى سواك".
وقال الجوهري: "أخرته فتأخرن واستأخر؛ مثل: تأخر".
стр. 3644
(بَياتاً) نصب على الظرف، بمعنى: وقت بيات، فإن قلت: هلا قيل: ليلا أو نهاراً؟ قلت:
لأنه أريد: إن أتاكم عذابه وقت بيات، فبيتكم وأنتم ساهون نائمون لا تشعرون، كما يبيت العدو المباغت، والبيات: بمعنى التبييت، كالسلام بمعنى التسليم. وكذلك قوله: (نَهاراً) معناه: في وقت أنتم فيه مشتغلون بطلب المعاش والكسب، ونحوه: (بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ) [الأعراف: ٩٧]، (ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ) [الأعراف: ٩٨].
الضمير في (مِنْهُ) للعذاب، والمعنى: أن العذاب كله مكروه مرّ المذاق موجب للنفار، فأي شيء يستعجلون منه؟ وليس شيء منه يوجب الاستعجال!
ويجوز أن يكون معناه التعجب، كأنه قيل: أي: شيء هول شديد يستعجلون منه؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والجواب وارد على الأسلوب الحكيم، لأنهم ما أرادوا بالسؤال إلا استبعاد أن الموعود من الله تعالى، وأنه صلوات الله عليه هو الذي يدعي أن ذلك منه، فطلبوا منه تعيين الوقت تهكماً وسخرية، فقيل في الجواب: هذا التهكم إنما يتم إذا ادعيت بأني أنا الجالب لذلك الموعود، وإذا كنت مقراً بأني مثلكم في أن لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً، كيف أدعي ما ليس لي بحق؟ ثم شرع في الجواب الصحيح، ولم يلتفت إلى تهكمكم واستبعادهم، فقال: (لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ) الآية.
قوله: (لأنه أريد: إن أتاكم عذابه وقت بيات): يعني: عدل عن ظاهر المقابلة، ولم يقل: ليلاً أو نهاراً، ليُعلم أن القصد منهما إلى الوقتين المختصين بالترفه والاشتغال بأمور المعاش، إذ لو قيل: ليلاً أو نهاراً، لم يكن كذلك، فهو مثل قوله تعالى: (بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ) [الأعراف: ٩٧]، (ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ) [الأعراف: ٩٨]، وهو من باب التتميم.
قوله: (كأنه قيل: أي شيء هولٍ شديد): اعلم أن (ماذا) فيه وجهان: أن يكونا اسمين؛ بمعنى: ما الذي، وأن يكون اسماً واحداً؛ بمعنى: أي شيء، والمراد هنا هذا الثاني.
قال أبو البقاء: "في (ماذا) مذهبان: أحدهما: "ما" استفهام، و"ذا" بمعنى "الذي"، وما بعده صلته، فتكون "ما" مبتدأ، والصلة والموصول خبر. والثاني: أن تجعل "ماذا" بمنزلة اسم واحد
стр. 3645
ويجب أن تكون "من" للبيان في هذا الوجه. وقيل: الضمير في (مِنْهُ) لله تعالى.
فإن قلت: بم تعلق الاستفهام؟ وأين جواب الشرط؟ قلت: تعلق بـ (أرأيتم)، لأنّ المعنى: أخبروني ماذا يستعجل منه المجرمون، وجواب الشرط محذوف، وهو: تندموا على الاستعجال، أو تعرفوا الخطأ فيه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
للاستفهام". وهاهنا: " (ماذا) اسم واحد مبتدأ، و (يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ) الخبر، وقد ضُعف من حيث إن الخبر جملة، ولا ضمير فيه يعود إلى المبتدأ، وأجيب بأن العائد الهاء في (مِنْهُ)، فهو كقولك: زيد أخذت منه درهماً". تم كلامه.
ثم التنكير في "شيء": إما للشيوع أو للنوع، فإن كان الأول: فالتقدير: أي فرد من أفراد هذا الجنس يستعجلون، و"من" في (مِنهُ) للتبعيض، وإليه الإشارة بقوله: "إن العذاب كله مر المذاق، فأي شيء يستعجلون منه؟ "، وإن كان الثاني: فـ"مِن" تجريدية، فيُنتزع من العذاب شيء يُقال في حقه: أي شيء هول شديد يستعجلون؟ فـ"الشيءُ" هو نفس العذاب، كما تقول: رأيت أسداً منك، ولهذا قال: "يجب أن تكون "مِن" للبيان في هذا الوجه".
قوله: (وقيل: الضمير في (مِنْهُ) لله تعالى) قال الزجاج: "المعنى: أي شيء يستعجل المجرمون من الله ؟ والأجود أن يكون للعذاب؛ لقوله: (أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ) ".
وقلت: اتصاله بما قبله لايخرجه من ذكر العذاب، بل هذا أبلغ، لأن المراد: أي شيء يستعجل المجرمون من الله ؟ أي: هل تعرفون ما العذاب الذي المعذب به هو الله تعالى؟ ففيه تعجب وتعجيب.
стр. 3646
فإن قلت: فهلا قيل: ماذا تستعجلون منه؟ قلت: أريدت الدلالة على موجب ترك الاستعجال، وهو الإجرام؛ لأنّ من حق المجرم أن يخاف التعذيب على إجرامه، ويهلك فزعا من مجيئه وإن أبطأ، فضلا أن يستعجله.
ويجوز أن يكون (ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ) جوابا للشرط، كقولك: إن أتيتك ماذا تطعمني؟ ثم تتعلق الجملة بـ (أرأيتم)، وأن يكون (أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ) جواب الشرط، و (ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ) اعتراضاً.
والمعنى: إن أتاكم عذابه آمنتم به بعد وقوعه حين لا ينفعكم الإيمان،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أريدت الدلالة على موجب ترك الاستعجال): يعني: وضع المُظهر - وهو (الْمُجْرِمُونَ) - موضع الضمير؛ للإشعار بالعلية، وأن من حق المجرم أن يخاف التعذيب.
قوله: (ويجوز أن يكون (مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ) جواباً للشرط): عطف على قوله: "وجواب الشرط محذوف".
اعلم أن جواب الشرط إذا كان محذوفاً: فتقدير الكلام: أخبروني أي نوع من العذاب تستعجلونه، أو أي شيء عظيم تستعجلون منه، ثم قيل تقريراً للإنكار إن أتاكم أمارات ما تستعجلونه، ورأيتم هولها وشدتها، تعرفوا الخطأ فيه. ففي الكلام التفات، ووضع للظاهر موضع المضمر، ثم عطف قوله: (َثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِه) على الجزاء المحذوف، لبُعد ما بين المرتبتين، وأدخل همزة الإنكار بين المعطوف والمعطوف عليه.
стр. 3647
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وإن كان الجواب: (مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ): فالتقدير: أخبروني إن أتاكم عذاب الله، فأي نوع من العذاب تستعجلونه فتذوقونه. ونظيره قولك: إن أتيتك ماذا تطعمني، أي: أي شيء من المطعومات الشهية والمأكولات اللذيذة تُطعمني. وهذا لا يقال إلا فيما كان الإطعام مما لا مثل فيه، فيستفهم عن نوع ما يطعمه.
وإن كان الجواب مايدل عليه قوله: (َثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِه): فالتقدير: "إن أتاكم عذابه آمنتم به بعد وقوعه حين لا ينفعكم" فدل هذا على أن الجواب (آمَنْتُمْ)، وهو مضمر على شريطة التفسير، وأن قوله: ((َثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِه) عطف عليه، لأن قوله: "بعد وقوعه حين لا ينفعكم" وُضع موضع "ثُمَّ" ومدخولها، فكأنه قيل: إن أتاكم عذابه آمنتم به، ثم آمنتم به حين لاينفعكم الإيمان.
ثم أدخلت همزة الاستفهام بين المعطوف والمعطوف عليه لمزيد الإنكار، يدل عليه قوله: "دخول حرف الاستفهام على "ثُمَّ" كدخوله على الواو والفاء، في قوله: (أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى) [الأعراف: ٩٧]، (أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى) [الأعراف: ٩٨] "، وذكر هناك: "انهما معطوفان على قوله: (فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً) [الأعراف: ٩٥]، وأن الفاء والواو حرفاً عطف دخلت عليهما همزة الإنكار"، وقد سبق غير مرة بيان هذا الأسلوب، فلا يُقدر المعطوف عليه بعد الهمزة، كما يقال: إن أتاكم عذابه، فقال لكم: أكفرتم قبل إتيان العذاب، ثم إذا ما وقع آمنتم به، كما قيل، فإنه عن مقصود المصنف بمعزل.
وهذا المقام من عويصات هذا الكتاب، قلما يخوض فيه إلا المرتاض في علمي المعاني والبيان.
стр. 3648
ودخول حرف الاستفهام على "ثم"، كدخوله على الواو والفاء في قوله: (أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى) [الأعراف: ٩٧]، (أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرى) [الأعراف: ٩٨].
(آلْآنَ) على إرادة القول، أي: قيل لهم إذا آمنوا بعد وقوع العذاب: آلآن آمنتم به (وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ)، يعنى: وقد كنتم به تكذبون، لأنّ استعجالهم كان على جهة التكذيب والإنكار. وقرئ: "آلان"، بحذف الهمزة التي بعد اللام وإلقاء حركتها على اللام.
(ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا) عطف على "قيل" المضمر قبل (آلآن).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (يعني: وقد كنتم به تكذبون): يريد: أن قوله: (آمَنْتُمْ بِهِ أَالآنَ)، يقتضي أن يُقال بعده: وقد كنتم به تكذبون، لا: تستعجلون، وإنما جاز وضعه في موضعه، لأن المراد الاستعجال السابق، وهو قوله: (مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ)، وكان هذا القول تهكماً منهم وتكذيباً واستبعاداً، وفي العدول استحضار لتلك المقالة الشنيعة، فتكون أبلغ من "تُكذبون".
قوله: ("آلان" بحذف الهمزة التي بعد اللام): نحوه من .... الجوهري: "الآن: اسم للوقت الذي أنت فيه، وهو ظرف غير متمكن، وقع معرفة، ولم تدخل عليه الألف واللام للتعريف؛ لأنه ليس له ما يشره"، ونقل الزجاج عن الخليل: "أن الألف واللام إنما تدخل لعهد، و"الآن" لم يُعهده قبل هذا الوقت، فدخلت الألف واللام للإشارة إلى الوقت الحاضر، فلما تضمنت معنى هذا وجب أن تكون موقوفة، ففتحت لالتقاء الساكنين، وهما الألف واللام".
стр. 3649
[(وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ) ٥٣].
(وَيَسْتَنْبِئُونَكَ): ويستخبرونك فيقولون: (أَحَقٌّ هُوَ)، وهو استفهام على جهة الإنكار والاستهزاء، وقرأ الأعمش: "آلحق هو"، وهو أدخل في الاستهزاء، لتضمنه معنى التعريض بأنه باطل؛ وذلك أنّ اللام للجنس، فكأنه قيل: أهو الحق لا الباطل؟ أو أهو الذي سميتموه الحق؟ والضمير للعذاب الموعود، و (إِي) بمعنى: نعم، في القسم خاصة، كما كان "هل" بمعنى "قد" في الاستفهام خاصة، وسمعتهم يقولون في التصديق: إيوَ، فيصلونه بواو القسم، ولا ينطقون به وحده (وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ): بفائتين العذاب، وهو لا حق بكم لا محالة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وهو أدخل في الاستهزاء): وذلك أن المبتدأ والخبر إذا عُرفا، وكان أحد التعريفين باللام أفاد الانحصار، سواء كان تعريف عهد أو جنس، نحو: زيد المنطَلِق أو المنطلِقُ زيد. ثم إذا أريد تعريف جنس احتمل الانحصار حقيقة؛ نحو الله الخالق، وهو المراد بقوله: "أهو الحق لا الباطل"، وادعاء؛ نحو: حاتم الجواد، وهو المراد بقوله: "هو الذي سميتموه الحق"، وعلى التقديرين: هذا أبلغ في الاستهزاء من مجرد قولهم: (أَحَقٌّ هُوَ)، لأن معناه: ليس بحق، وليس فيه معنى التهكم المفيد للتعريض.
قوله: (والضمير للعذاب): إشارة إلى اتصال الآية بقوله: (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ)، يعني: لما أجاب الرسول ﷺ بما أجاب ما زادوا على التكذيب والاستبعاد سوى التهكم والإنكار، فدل على تماديهم في الطغيان والجحود.
قوله: ("هل") بمعنى "قد" في الاستفهام خاصة): قال في "المفصل": "إن "هل" بمعنى "قد"، إلا أنهم قد تركوا الألف بعدها"، وفي "الإقليد": "هل" ضعيفة في الاستفهام، ألا
стр. 3650
[(وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما فِي الْأَرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ * أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ * هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) ٥٤ - ٥٦].
(ظَلَمَتْ) صفة لـ (نفس)؛ على: ولو أنّ لكل نفس ظالمة، (ما فِي الْأَرْضِ) أي: ما في الدنيا اليوم من خزائنها وأموالها وجميع منافعها على كثرتها، (لَافْتَدَتْ بِهِ): لجعلته فدية لها. يقال: فداه فافتدى، ويقال: افتداه أيضاً؛ بمعنى فداه، (وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ) لأنهم بهتوا لرؤيتهم ما لم يحتسبوه ولم يخطر ببالهم، وعاينوا من شدّة الأمر وتفاقمه ما سلبهم قواهم، وبهرهم، فلم يطيقوا عنده بكاء ولا صراخا ولا ما يفعله الجازع، سوى إسرار الندم والحسرة في القلوب، كما ترى المقدّم للصلب يثخنه ما دهمه من فظاعة الخطب، ويغلب حتى لا ينبس بكلمة، ويبقى جامداً مبهوتاً.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تراها تجيء بمعنى "قد"، كقوله: "أهل رأونا"، فلو كان للاستفهام للزم الجمع بين حرفيه: الهمزة و"هل"، وهو ممتنع.
قوله: (يثخنه ما دهمه)، الأساس: "أثخنه قوله: بلغ منه"، أي: كل مبلغ.
قوله: (حتى لا ينبس بكلمة): المرزوقي: "يُقال: كلمته فما نبس، أي: لم يتكلم بحرف، وما سمعت للقوم نبسة".
стр. 3651
وقيل: أسرّ رؤساؤهم الندامة من سفلتهم الذين أضلوهم حياء منهم وخوفا من توبيخهم. وقيل: أسروها: أخلصوها، إما لأن إخفاءها إخلاصها، وإما من قولهم: سرّ الشيء؛ لخالصه، وفيه تهكم بهم وبأخطائهم وقت إخلاص الندامة. وقيل: أسروا الندامة: أظهروها، من قولهم: أسر الشيء وأشره: إذا أظهره. وليس هنالك تجلد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لأن إخفاءها إحلاصها): وذلك أن الندامة هي حصول الغم بسبب العثور على سوء الصنيع، فيُقال: ندم فُلان: إذا حصلت له هذه الحقيقة في القلب، وإذا قيل: أخفى الندامة، آذن بشدة تمكنها في القلب وإخلاصها عن شوائب ما ينافيها، ثم إذا خُوطب بها في مقام الانتقام والتوبيخ كان تهكماً بالمخاطب، أو يقال: أظهر الندامة: إذا أبدى أمارات حصولها في القلب، من انتكاس الرأس، وعض الأنامل، وتغير الكلام. وأخفى الندامة: إذا تجلد وكمنها في القلب حذار الشماتة، فتكون مخلصة بهذا الاعتبار، قال:
وتجلدي للشامتين أربهم … أني لريب الدهر لا أتضعضع
مثله قوله تعالى: (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى) [الأنبياء: ٣]، قال: "النجوى لا تكون إلا خفية، فقال: (وَأَسَرُّوا) للمبالغة"، كأنه قيل: واسروا السر.
قوله: (وقيل: أسروا الندامة: أظهروها): عطف على قوله: (وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوْا الْعَذَابَ)؛ لأن المراد من الأول: إخفاؤها، وكذلك قوله: "وقيل: أسر رؤساؤهم الندامة" عطف عليه باعتبار اختلاف الفاعل في "أسروا". الجوهري: "أسررت الشيء: كتمته وأعلنته أيضاً، وهو من الأضداد".
قوله: (وليس هنالك تجلد): أي: أظهروه عجزاً وضعفاً، وفيه كناية.
стр. 3652
(وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ) أي: بين الظالمين والمظلومين، دل على ذلك ذكر الظلم.
ثم أتبع ذلك الإعلام بأنّ له الملك كله، وأنه المثيب المعاقب، وما وعده من الثواب والعقاب فهو حق، وهو القادر على الإحياء والإماتة، لا يقدر عليهما غيره، وإلى حسابه وجزائه المرجع، ليعلم أن الأمر كذلك، فيخاف ويرجى، ولا يغتر به المغترون.
[(يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) ٥٧ - ٥٨].
(قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ) أي: قد جاءكم كتاب جامع لهذه الفوائد؛ من موعظة وتنبيه على التوحيد، (و) َهو (شِفاءٌ) أي: دواء (لِما) فِي صدوركم من العقائد الفاسدة، ودعاء إلى الحق، (وَرَحْمَةٌ) لمن آمن به منكم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ثم أتبع ذلك): معطوف على محذوف، أي: ذكر الله تعالى ما ذكر، ثم أتبع ذلك، وتلخيصه: أن قوله: (أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) الآية، كالتذييل لما سبق من الوعد وتحقيق إنجازه، يجري مجرى التعليل، يعني: تفهموا أني أنا المالك على الإطلاق فيبعد مني أن لا أفي بوعدي، وأنا القادر على الإحياء والإماتة، وأن الرجوع إليَّ، فكيف أخلف وعدي؟ !
قوله: (جامع لهذه الفوائد؛ من موعظة وتنبيه على التوحيد .. ، ودُعاءٍ إلى الحق): إلى هنا مناسب لقوله تعالى: (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ) [يونس: ٢٥]، وقوله: (وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) مناسب لقوله: (وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) [يونس: ٢٥]، ولهذا قال: "ورحمة لمن آمن به منكم"، فقوله: "دعاء" يُقرأ بالجر عطفاً على "موعظة"، وكذا "رحمة". وإنما فسر (وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ) بقوله: "وتنبيه على التوحيد"؛ لأن المراد بالشفاء بالقرآن، وهو بنفسه لا يرفع العقائد الفاسدة، بل بما فيه من التنبيهات والآيات الدالة على التوحيد والحجج المزيلة للشك والريب، فقوله: "هو شفاء" إشارة على التنبيه على التوحيد.
стр. 3653
أصل الكلام: بفضل الله وبرحمته فليفرحوا فبذلك فليفرحوا، والتكرير للتأكد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال القاضي: "قد جاءكم كتاب جامع للحِكَم العملية الكاشفة عن محاسن الأعمال وقبائحها، والمرغبة في المحاسن، والزاجرة عن القبائح، والحكمة النظرية التي هي شفاء لما في الصدور من الشكوك وسوء الاعتقاد، وهدى إلى الحق واليقين، ورحمة للمؤمنين حيث أنزل عليهم، فنجوا بها من ظلمات الضلال إلى نور الإيمان، وتبدلت مقاعدهم من طبقات النيران بمصاعد من درجات الجنان".
قوله: (ودعاء إلى الحق): تفسير لقوله: (وَهُدًى)، وهو محمول على أن الهدى: مجرد الدلالة؛ ليكون عاماً في جميع الخلق، يدل عليه قوله: "ورحمة لمن آمن منكم"، لأنه خصها بهم.
ويمكن أن يحمل على الدلالة الموصلة إلى البغية، فيختص بالمؤمنين، كقوله تعالى: (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) [البقرة: ٢]، اختصاص الرحمة بهم لما سبق أن قوله: (وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) على وزان (يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) في تلك الآية، وتكون الإشارة بقوله: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ) إليهما، أي: إلى الهدى والرحمة؛ وضعاً للمظهرين موضع ضميريهما، لأنه خطاب للمؤمنين، بدلالة قوله: (هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ).
قوله: (والتكرير للتأكيد): يعني: إذا جُعلت من باب الحذف على شريطة التفسير كان توكيداً مع التخصيص للتكرير والتقديم، كقوله تعالى: (فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ) [العنكبوت: ٥٦]، فالفاء في (فَلْيَفْرَحُوا)، جواب للشرط، كالفاء في (فَاعْبُدُونِ)، فتكون الفاء في (فَبِذَلِكَ) زائدة كما نص عليه المالكي في كتاب "الشواهد"، ومن ثم قدر المصنف في أصل الكلام ثلاث فاءات؛ فالأولى لربط الكلام بما قبله، والثالثة جواب للشرط، فالثانية زائدة.
стр. 3654
والتقرير، وإيجاب اختصاص الفضل والرحمة بالفرح دون ما عداهما من فوائد الدنيا، فحذف أحد الفعلين لدلالة المذكور عليه، والفاء داخلة لمعنى الشرط، كأنه قيل: إن فرحوا بشيء فليخصوهما بالفرح، فإنه لا مفروح به أحق منهما.
ويجوز أن يراد: بفضل الله وبرحمته فليعتنوا فبذلك فليفرحوا،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وإيجاب اختصاصهما بالفرح): فإن قلت: كيف قال: "اختصاصهما بالفرح"، والواجب أن يُقال: "إيجاب اختصاص الفرح بهما"، فإن تقديم قوله: (فَبِذَلِكَ) على الفعل يفيد ذلك، كأنه قيل: افرحوا بهما لا بغيرهما؟ والجواب: إذا اختص الفرح بهما فقد اختصا بالفرح مبالغة، ويجوز أن يكون من باب القلب.
قوله: (لا مفروح به): "به" متعلق بـ"مفروح"، وخبره "أحق منهما"، وكان من حقه أن يكون منصوباً، كما ذكره في "المفصل"، لأنه مشابه للمضاف، وهو ما يتعلق به شيء من تمامه معناهن لا على جهة الإضافة، نحو: لا خيراً من زيد عندنا.
قوله: (ويجوز أن يُراد: بفضل الله وبرحمته فليعتنوا): وقرينة الحذف صورة التركيب، وتقديم الجار والمجرور دال على الاعتناء بشأنهما، كقوله تعالى: (فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ) [العنكبوت: ٥٦]، فإنه في تأويل: فإن لم تخلصوا لي العبادة في أرض فأخصوها في غيرها، دل على تقدير الإخلاص تقديم المفعول المؤذن بالاختصاص، أو دل على تقدير "فليعتنوا" قوله: (فَلْيَفْرَحُوا)، لأن الفرح معنى بشأنه، مثل قولك: زيداً ضربت غلامه، أي: أهنت زيداً ضربت غلامه.
стр. 3655
ويجوز أن يراد: قد جاءتكم موعظة بفضل الله وبرحمته، فبذلك - فبمجيئها - فليفرحوا.
وقرئ: "فليفرحوا" بالتاء، وهو الأصل والقياس، وهي قراءة رسول الله ﷺ فيما روى عنه، و"لتأخذوا مضاجعكم"، قالها في بعض الغزوات. وفي قراءة أبي: "فافرحوا".
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقال أبو البقاء: "الفاء الأولى مرتبطة بما قبلها، والثانية بفعل محذوف، أي: فليعجبوا بذلك فليفرحوا، كقولهم: زيداً فاضربه، أي: تعمد زيداً فاضربه".
قوله: (فبذلك- فبمجيئها-فليفرحوا): قال القاضي: "فالباء على هذا متعلقة بفعل دل عليه (قَدْ جَاءَتْكُمْ)، وذلك إشارة إلى مصدرهن والفاء بمعنى الشرط، أنه قيل: إن فرحوا بشيء فبمجيئهما ليفرحوا، أو للربط بما قبلها، والدلالة على أن مجيء الكتاب الجامع بين هذه الصفات موجب للفرح، وتكريرها للتأكيد". هذا الوجه أوفق لملائمة الكلام.
قوله: ("فلتفرحوا" بالتاء، وهو الأصل والقياس، وهي قراءة رسول الله ﷺ : وروينا عن أبي داود عن أبي بن كعب: "أن رسول الله ﷺ قرأ: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْتَفْرَحُوا) - بالتاء الفوقانية-".
قال المصنف: كأن النبي ﷺ آثر القراءة بالأصل، لأنه أدل على الأمر بالفرح، وأشد
стр. 3656
(هُوَ) راجع إلى "ذلك"، وقرئ: (مما تجمعون) بالياء والتاء.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تصريحاً به، إيذاناً بأن الفرح بفضل الله تعالى وبرحمته بليغ التوصية به، ليطابق التكرير والتقرير، وتضمين الكلام معنى الشرط لذلك. ونظيره مما انقلب فيه ما ليس بفصيح فصيحاً: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ)، من تقديم الظرف اللغوِ ليكون الغرض اختصاص التوحيد.
وقال ابن جني: "قراءة (فَلْتَفْرَحُوا) - بالتاء- خرجت على أصلها، وذلك أن أصل الأمر أن يكون بحرفه، وهو اللام، فأصل "اضرب": لتضرب، كما هو للغائب، لكن لما كثر أمر الحاضر حذفوه، كما حذفوا حرف المضارعة تخفيفاً، وإنما القوا في الأكثر الهمزة لئلا يقع الابتداء بالساكن، ولم يحذفوا من أمر الغائب لأنه لم يكثر كثرته، ولهذا لم يؤمر الغائب بنحو: صه، ومهن وحيهل، والذي حسن التاء هاهنا على الأصل أنه أمر للحاضرين بالفرح، لأن النفس تقبل الفرح، فذهب به إلى قوة الخطاب فاعرفه، ولا تقل قياساً على ذلك: فبذلك فلتحزنوا، لأن الحزن لا تقبله النفس قبول الفرح، إلا أن تريد صغارهم وإرغامهم.
وقلت: هذا معنى قول المصنف في الحاشية: "لأنه أدل على الأمر بالفرح".
قوله: (وقرئ: (مِمَّا يَجْمَعُونَ) بالياء والتاء): ابن عامر: بالتاء الفوقانية، والباقون: بالياء.
стр. 3657
وعن أبي بن كعب: أنّ رسول الله ﷺ تلا: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ)، فقال: "بكتاب الله والإسلام"، وقيل فضله الإسلام، ورحمته ما وعد عليه.
[(قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ * وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ ٥٩ - ٦٠].
(أَرَأَيْتُمْ): أخبروني، و (ما أَنْزَلَ اللَّهُ): (ما) في موضع النصب بـ (أنزل)، أو بـ (أرأيتم)، في معنى: أخبرونيه، (فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالًا) أي: أنزله الله رزقا حلالا كله،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فضله: الإسلام، ورحمته: ما وعد عليه): فيه اعتزال خفي؛ لأن ما عد على الإسلام، وهو الثواب، فينبغي أن لا يكون فضلاً.
قوله: ((مَا) في موضع النصب بـ (أنزَلَ)): هذا على أن تكون (مَا) استفهامية، لدلالة الكلام على الإنكار، أي: أي شيء أنزل الله من رزق فبعضتموه، وقلتم: هذا حلال وهذا حرام؟ والمنكر: إنزال ما هو سبب لتجزئتهم الرزق، أي: ليس لأحد أن يُحرم أو يُحل شيئاً من رزق الله تعالى، لأن ذلك مختص بالله .
وعلى أن تكون متعلقة بالاستخبار تكون موصولة، ومن ثم قال: "أخبرونيه".
قوله: (أي: أنزله الله رزقاً حلالاً كله): قال القاضي: " (لكُمْ) دل على أن المراد منه ما حل، ولذل وبخ على التبعيض".
стр. 3658
فبعضتموه وقلتم: هذا حلال وهذا حرام، وكقولهم: (هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ) [الأنعام: ١٣٨]، (ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا) [الأنعام: ١٣٩].
(ءآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ) متعلق بـ (أرأيتم)، و (قل): تكرير للتوكيد، والمعنى: أخبروني: الله أذن لكم في التحليل والتحريم، فأنتم تفعلون ذلك بإذنه، أم تتكذبون على الله في نسبة ذلك إليه؟ ويجوز أن تكون الهمزة للإنكار، و (أم) منقطعة، بمعنى: بل أتفترون على الله، تقريرا للافتراء.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (اللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ) متعلق بـ (أَرَءَيْتُمْ): أي: مفعوله على تأويل ما يُجاب عنه، ومن ثم قدر: "أخبروني: الله أذن لكم"، ويؤيده ما ذكر في الأنعام في قوله: (قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ) [الأنعام: ٤٠]: "مُتعلق الاستخبار محذوف، تقديره: أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة، من تدعون؟ ".
قوله: (ويجوز أن تكون الهمزة للإنكار، و (أمْ) منقطعة): فالمعنى: أنه تعالى لما استخبر بقوله: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلالاً) على سبيل التقرير، أنكر عليهم أن يكون ذلك مما يأذن الله به، بقوله: (اللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ)، ثم أضرب عنه بقوله (أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ) تقريراً للافتراء. وعُلم منه أن الهمزة- على الأول- للاستخبار، و (أمْ) متصلة، قال القاضي "ويجوز أن تكون متصلة بـ ((أَرَءَيْتُمْ)، و (قُلْ) مكرر للتأكيد".
وقيل: لا يجوز أن تكون (أمْ) متصلة، لأنه يصير المعنى: أي الأمرين واقع؛ الإذن منه أم الافتراء؟ وهو وهم، لأن الاستخبار بقوله: "أخبروني"، وهو عالم بأنه ما أذن الله لهم، وأنهم مفترون؛ للوعيد وطلب الإقرار منهم على الكذب والافتراء وإلزام الحجة.
стр. 3659
وكفى بهذه الآية زاجرة زجراً بليغاً عن التجوز فيما يسأل عنه من الأحكام، وباعثة على وجوب الاحتياط فيه، وأن لا يقول أحد في شيء: جائز أو غير جائز؛ إلا بعد إيقان وإتقان، ومن لم يوقن فليتق الله وليصمت، وإلا فهو مفتر على الله.
(يَوْمَ الْقِيامَةِ) منصوب بالظنّ، وهو ظنّ واقع فيه، يعنى: أي: شيء ظنّ المفترين في ذلك اليوم ما يصنع بهم فيه؟ وهو يوم الجزاء بالإحسان والإساءة، وهو وعيد عظيم حيث أبهم أمره. وقرأ عيسى بن عمر: "وما ظنّ"، على لفظ الفعل. ومعناه: وأي ظنّ ظنوا يوم القيامة. وجيء به على لفظ الماضي لأنه كائن فكأن قد كان.
(إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ) حيث أنعم عليهم بالعقل، ورحمهم بالوحي، وتعليم الحلال والحرام، (وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ) هذه النعمة، ولا يتبعون ما هدوا إليه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (عن التجوز): أي: التساهل والتسامح، وفي الحديث: "كان من خلقه الجواز"، ذكره في "النهاية".
قوله: (ما يُصنع بهم): قيل: "ما" موصولة، وهي مفعول به لـ "ظن المفترين"، فحذف للإبهام، وإليه الإشارة بقوله: "أبهم أمره".
قوله: (حيث أنعم عليهم بالعقل، ورحمهم بالوحي): وقلت: سياق الكلام في الوحي، لأنه تعالى لما عم الخطاب بقوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ) [يونس: ٥٧]، وفيهم المؤمن والافر، ومن عليهم بإنزال الكتاب الجامع لتلك الصفات، أمر
стр. 3660
[(وَما تَكُونُ فِي شَأنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ) ٦١].
(وَما تَكُونُ فِي شَانٍ): "ما" نافية، والخطاب لرسول الله ﷺ ، والشأن: الأمر، وأصله الهمز بمعنى: القصد، من شأنت شأنه إذا قصدت قصده.
والضمير في (مِنْهُ) للشأن، لأن تلاوة القرآن شأن من شأن رسول الله ﷺ ، بل هو معظم شأنه، أو للتنزيل، كأنه قيل: وما تتلو من التنزيل من قرآن، لأنّ كلّ جزء منه قرآن، والإضمار قبل الذكر تفخيم له، أو لله .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حبيبه بأن يخاطب كلا من الفريقين بما يناسب حاله، قال في حق المؤمنين: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ) الآية [يونس: ٥٨]، أي: هذا الهدى والرحمة، وقال في حق الكافرين: (قُلْ أَرَءَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ) الآيتين، يعني: لكم هذه الموعظة والدواء لما في الصدور من العقائد الفاسدة وظن الافتراء، بل الامتنان بقوله: (إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ)، حيث أنعم عليهم بهذا الكتاب الجامع لصفات الكمال.
ثم وعد حبيبه صلوات الله عليه على تبليغه، وبشارته، ونذارته للفريقين، ومواظبتهن ومواظبة أمته لتلاوته، بما لا يدخل تحت الوصف، حيث قال: (وَمَا تَكُونُ فِي شَانٍ وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ) [يونس: ٦١]، وعلى هذا الضمير في (مِنهُ) للتنزيل، ولايلزم الإضمار قبل الذكر، كما سيجيء في كلامه.
قوله: (أو لله : أي: الضمير في (مِنْهُ) لله تعالى، و"مِن" الأولى: ابتدائية، والثانية: مزيدة، وعلى أن يكون الضمير للشأن: الأولى: تبعيض، والثانية: بيان؛ على تقدير: وما تفعل
стр. 3661
وما (تَعْمَلُونَ) أنتم جميعاً (مِنْ عَمَلٍ) أيّ عمل كان، (إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً): شاهدين رقباء نحصي عليكم، (إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ) من: أفاض في الأمر: إذا اندفع فيه.
(وَما يَعْزُبُ) قرئ بالضم والكسر: وما يبعد وما يغيب، ومنه: الروض العازب، (وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ) القراءة بالنصب والرفع، والوجه: النصب على نفى الجنس، والرفع على الابتداء، .....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من هذه الشؤون التلاوة، وعلى أن يكون الضمير للتنزيل: الأولى: ابتداء، والثانية: بيان أبو البقاء: " (مِن) الثانية: مزيدة، والضمير في (مِنْهُ) للشأن، أي: من أجله".
قوله: (القراءة بالنصب والرفع): حمزة: برفع الراء في "أصغر" و"أكبر"، والباقون: بفتحهما.
قوله: (والوجه: النصب على نفي الجنس): قيل: فيه نظر؛ لأنه لو كان اسماً لـ "لا" التي لنفي الجنس لكان الواجب النصب، لأنه مضارع للمضاف، على نحو: لا خيراً منه قائم، ولم يذكر أحد إلا الفتح، قال الزجاج هاهنا وفي سبأ: "إنه في موضع خفض، إلا أنه فُتح لأنه لا ينصرف". وقال القاضي: " (وَلا أَصْغَرَ) إلى آخره: كلام برأسه مقرر لما قبله،
стр. 3662
ليكون كلاما برأسه، وفي العطف على محل (مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(لا) نافية، و (أصغَرَ) اسمها، و (مِن) عطف على لفظ (مِثْقَالُ ذَرَّةٍ)، وجُعل الفتح بدل الكسر لامتناع الصرف".
قوله: (وفي العطف على محل (مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ)، يعني: إذا قرئ "أصغر" مرفوعاً عطفاً على محل (مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ) أو على لفظ (مِثْقَالِ ذَرَّةٍ)، فتحاً في موضع الجر، لأن (أَصْغَرَ) و (أَكْبَرْ) لا ينصرفان؛ للزوم الصفة ووزن الفعل، (إشكال) لما يؤدي على التقديرين، إلا أن يُقال: لا يعزُبُ عنه شيء إلا في كتاب، تقريره: هو أن الكتاب المبين: إما اللوح المحفوظ أو علمه، كما فسره في الأنعام، فعلى الأول: لا يعزب عنه شيء قط إلا ما في اللوح، فإنه يعزب عنه، وعلى الثاني: لا يعزب عن ذاته شيء إلا ما في علمه، فإنه يعزب، وهو مشكل.
ولك أن تقول: إذا جُعل الاستثناء من باب قوله تعالى: (لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى) [الدخان: ٥٦] لا يبقى الإشكال، المعنى: لا يبعد عنه شيء قط، لا الصغير ولا الكبير، إلا ما في اللوح أو في علمه، إن عُد ذلك من العزوب فهو العزوب، ومعلوم أنه ليس من العزوب قطعاً، فإذن لا يعزب عنه شيء قط.
وفي "الكواشي" معنى "لا يعزب": لا يبين ولا يصدر، أي: لم يصدر عن الله شيء بعد خلقه له إلا وهو في اللوح، أو الاستثناء منقطع، المعنى: لا يعزب عن ربك شيء، لكن جميع الأشياء ثابت في كتاب مبين.
стр. 3663
أو على لفظ: (مِثْقالِ ذَرَّةٍ) فتحاً في موضع الجرّ لامتناع الصرف: إشكال، لأنّ قولك "لا يعزب عنه شيء إلا في كتاب" مشكل.
فإن قلت: لم قدّمت "الأرض" على "السماء"، بخلاف قوله في سورة سبأ: (عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ) (سبأ: ٣)؟ قلت: حق السماء أن تقدم على الأرض، ولكنه لما ذكر شهادته على شئون أهل الأرض وأحوالهم وأعمالهم، ووصل بذلك قوله: "لا يَعْزُبُ عَنْهُ"، لاءم ذلك أن قدّم الأرض على السماء،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وعن الراغب: "العازب: المتباعد في طلب الكلأ عن أهله، يُقال: رجل عزب، وامرأة عزبة، وعزب عنه حلمه".
قوله: (لما ذكر شهادته على شؤون أهل الأرض وأحوالهم وأعمالهم) إلى قوله: (لاءم ذلك أن قدم الأرض على السماء) يريد: أن في الآية الترقي من الأهون إلى الأغلظ، وأن الكلام في أعمال العباد، وذلك أن سياق الكلام من ابتداء قوله: (وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ) [يونس: ٤١] إلى هاهنا، في تقبيح أعمال الكفرة، وتسلية الرسول ﷺ مما بلا من مقاساة القوم وطعنهم في الدين، يدل عليه قوله تعالى بعد هذا: (وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً) [يونس: ٦٥]، وكان الاهتمام بشمول العلم والإحاطة التامة ليترتب عليه الوعد والوعيد بجزاء الأعمال، أوجب الترقي من الأهون إلى الأغلظ.
ألا ترى كيف بدأ الخطاب مع حبيبه بخاصة نفسه، وقال: (وَمَا تَكُونُ فِي شَانٍ وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ)، ثم ثنى بما هو أعم خطاباً ومعلوماً، وقال: (وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ)، ثم رجع إلى
стр. 3664
على أنّ العطف بالواو حكمه حكم التثنية.
[(أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) ٦٢ - ٦٤].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خطاب نفسه وعم المعلومات بأسرها مسلياً له، ولذلك خص لفظ "الرب"، فكما رُوعي الترقي في ذلك ناسب أن يُراعي في الأرض والسماء، لأن الكلام في الأعمال.
ومن ثم لما أجرى الكلام في سبأ لإثبات مُطلق الحمد لله تعالى، أجرى ذكر السماء والأرض على الظاهر، ولما قيد المد في الآخرة في قوله: (وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ) [سبأ: ١] قدم الأرض في قوله: (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ) [سبأ: ٢] على خلاف الظاهر، لأن الحمد في الآخرة مسبوق بوجود الأعمال الصالحة للحامد، (وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [يونس: ١٠]، (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ) [فاطر: ٣٤] ن ولما رد على منكر الحشر في قوله: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَاتِينَا السَّاعَةُ) [سبأ: ٣]، بقوله: (ُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَاتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ) [سبأ: ٣] إلى آخر الآيات، عاد إلى الظاهر؛ لأن المراد من إثبات العلم الشامل مجرد التهديد والوعيد.
قوله: (حُكمه حكم التثنية): وذلك أن قولك: جاءني زيدٌ وزيد، وقولك: جاءني الزيدان، سواء، كما أن التثنية تُفيد الجمعية، فكذلك العطف.
стр. 3665
(أَوْلِياءَ اللَّهِ): الذين يتولونه بالطاعة ويتولاهم بالكرامة. وقد فسر ذلك في قوله: (الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ) فهو توليهم إياه،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (يتولونه بالطاعة ويتولاهم بالكرامة): بيان لوجه نسبة الولايتين في قوله: (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ) ولاية الله وولاية العبد؛ لأنه من الأمور النسبية، فاعتبر الولاية من جانب العبد بالطاعة، ومن جانب الله بالكرامة، وجعل القدر المشترك بينهما التولي؛ فراراً من تفسير الولاية بالمحبة الحقيقية، كما في قوله تعالى: (يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) [المائدة: ٥٤].
فإذا حُمل الولي على المحب أمن من التكلف الذي ذكره، ويكون قوله: (الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) صفة واردة على المدح بتقدير: اذكر، أو: هُم، لا الكشف كما قال، يسلم من الفصل بين الصفة الموصوف بالخبر، وليثبت لهم بها ما يناسبها من البشارة في الدارين، كما نُفي عنهم عند ذكر الولاية خوف الأجل وحزن العاجل، كأنه قيل: ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم في الآجل، ولا هم يحزنون في العاجل؛ لون الله ولياً لهم، وهم أولياء الله، ولهم البشرى في الدنيا والآخرة؛ لكونهم موصوفين بالإيمان والتقوى.
فينطبق على هذا التفسير الحديث النبوي على ما أورده الإمام أحمد بن حنبل في "مسنده" عن عمرو بن الجموح: أنه سمع النبي ﷺ يقول عن الله: "أوليائي من عبادي، وأحبائي من خلقي: الذين يذكرون بذكري، وأذكر بذكرهم"، فإنه صُرح فيه بذكر المحبة، ولم يُذكر فيه ما ذكره: "يُذكر الله برؤيتهم"؛ ليُحتاج إلى تفسيره بالسمت الهيئة، وأن يُقال: من نظر إلى سيماهم رأى أثر طاعتهم إياي فيذكرني.
стр. 3666
(لهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ) فهو توليه إياهم. وعن سعيد بن جبير: أنّ رسول الله ﷺ سُئل: "من أولياء الله؟ فقال: هم الذين يذكر الله برؤيتهم"، يعنى: السمت والهيئة. وعن ابن عباس ﵁: الإخبات والسكينة.
وقيل: هم المتحابون في الله. وعن عمر ﵁: سمعت النبي ﷺ يقول "إنّ من عباد الله عباداً ما هم بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة؛ لمكانهم من الله" قالوا: يا رسول الله، خبرنا من هم، وما أعمالهم؟ فلعلنا نحبهم، قال: "هم قوم تحابوا في الله على غير أرحام بينهم،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
النهاية: "في حديث عمر ﵁: "فينظرون إلى سمته وهديه": أي: حُسن هيئته ومنظره في الدين، وليس من الحسن والجمال، وقيل: هو من السمت: الطريق، يُقال: الزم هذا السمت".
قوله: (الإخبات والسكينة)، النهاية: "في الدعاء: "اجعلني لك مخبتاً"، أي: خاشعاً مطيعاً، والإخبات: التواضع والخشوع، وأصله من الخبت: المطمئن من الأرض".
قوله: (وعن عمر ﵁: سمعت النبي ﷺ الحديث: رواه أبو داود مع تغيير يسير. فإن قلت: ظاهر الحديث يوهم فضلهم على من يغبطهم؟ والجواب: أن هذه الحالة قبل دخول الجنة حين يتجلى الله بعظمته على أهل العرصات، يدل عليه: "لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس".
стр. 3667
ولا أموال يتعاطونها، فوالله إن وجوههم لنور، وإنهم لعلى منابر من نور، لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس"، ثم قرأ الآية.
(الَّذِينَ آمَنُوا) نصب أو رفع؛ على المدح أو على وصف الأولياء، أو على الابتداء والخبر: (لهم البشرى).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وما روينا عن معاذ بن جبل قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قال الله : المتحابون بجلال الله يكونون يوم القيامة على منابر من نور، يغبطهم أهل الجمع". أخرجه رزين.
وعن مسلم ومالك عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "يقول الله تعالى يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي"، فإذا الأنباء والشهداء مشتغلون بما يهمهم من أمر الشفاعة والأمة.
ولا يبعد أن يكون قد خصهم وحدهم في هذه الحالة بتلك الكرامة، ولا يلزم منه فضلهم على أولئك في غيرها من الكرامات، وفي سائر الحالات والأوقات.
النهاية: "الغبط: حسد خاص، يقال: غبطت الرجل أغبطه غبطاً: إذا اشتهيت أن يكون لك مثل ماله، وأن يدوم عليه ما هو له. والحسد: إذا اشتهيت أن يكون لك مثل ما له، وأن يزول عنه ما هو فيه".
قوله: (نصب أو رفع) فالنصب: إما بتقدير: أعني، أو على الوصف. والرفع: إما بتقدير: هم، أو على الابتداء، والخبر: (لَهُمُ)، ففيه لفٌ ونشر.
стр. 3668
والبشرى في الدنيا: ما بشر الله به المؤمنين المتقين في غير مكان من كتابه، وعن النبىّ ﷺ "هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له"، وعنه ﵊: "ذهبت النبوّة وبقيت المبشرات". وقيل: هي محبة الناس له والذكر الحسن، وعن أبى ذر: قلت: لرسول الله ﷺ : الرجل يعمل العمل لله، ويحبه الناس، فقال: "تلك عاجل بشرى المؤمن"، وعن عطاء: لهم البشرى عند الموت؛ تأتيهم الملائكة بالرحمة، قال الله تعالى: (تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ) [فصلت: ٣٠]، وأمّا البشرى في الآخرة: فتلقى الملائكة إياهم مسلمين مبشرين بالفوز والكرامة، وما يرون من بياض وجوههم، وإعطاء الصحائف بأيمانهم، وما يقرؤون منها، وغير ذلك من البشارات.
(لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ): لا تغيير لأقواله، ولا إخلاف لمواعيده، كقوله: : (ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ) [ق: ٢٩]، و (ذلِكَ) إشارة إلى كونهم مبشرين في الدارين، وكلتا الجملتين اعتراض.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرى له) الحديث: أخرجه أحمد بن حنبل والترمذي عن أبي الدرداء.
قوله: (وكلتا الجملتين اعتراض): أما الأولى: فهو قوله: (لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ)، إذ معناه: لا إخلاف لمواعيده، فيكون مؤكداً لمعنى الوعد في قوله: (لَهُمْ الْبُشْرَى). وأما الثانية: فهي قوله تعالى: (ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)، إذ معناه: أن البشارة في الدارين هو الفوز العظيم، فيكون مؤكداً لهذا المعنى، ولو جُعلت الأولى معترضة، والثانية تذييلاً للمعترض والمعترض فيه ومؤكدة لها: كان أحسن.
стр. 3669
[(وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) ٦٥].
(وَلا يَحْزُنْكَ) وقرئ: "ولا يحزنك"؛ من: أحزنه، (قَوْلُهُمْ): تكذيبهم لك، وتهديدهم، وتشاورهم في تدبير هلاكك وإبطال أمرك، وسائر ما يتكلمون به في شأنك، (إِنَّ الْعِزَّةَ) ِ استئناف بمعنى التعليل، كأنه قيل: مالي لا أحزن؟ فقيل، إنّ العزة لله جميعاً، أي: إن الغلبة والقهر في ملكة الله جميعاً، لا يملك أحد شيئاً منها لا هم ولا غيرهم، فهو يغلبهم وينصرك عليهم، (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي) [المجادلة: ٢١]. (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا) [غافر: ٥١].
وقرأ أبو حيوة: "أن العزة"، بالفتح بمعنى: لأن العزة؛ على صريح التعليل، ومن جعله بدلا من (قولهم) ثم أنكره، فالمنكر هو تخريجه، لا ما أنكر من القراءة به.
(هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ): يسمع ما يقولون، ويعلم ما يدبرون ويعزمون عليه، وهو مكافئهم بذلك.
[(أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ) ٦٦].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ومن جعله بدلاً من (قولهم)): قيل: هو قتيبة بن مسلم؛ جعل "أن العزة"- بفتح "أن" - بدلاً من قوله تعالى: (قولهم)، ثم أنكره بأن قال: "هذا يؤدي إلى أن يُقال: فلا يحزنك أن العزة لله جميعاً، وهو فاسد"، فالمنكر تخرجيه حيث جعله بدلاً، ولم يجعله تعليلاً على حذف حرف العلة، كما قررناه، وحين جعله بدلاً لم يجعله من قبيل قوله تعالى: (فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكَافِرِينَ … ) وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ) [القصص: ٨٦ و ٨٩]، ومثله في سورة يس، فيكون للتهييج والإلهاب والتعريض بالغير.
стр. 3670
(مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ): يعنى العقلاء المميزين، وهم الملائكة والثقلان، وإنما خصهم، ليؤذن أن هؤلاء إذا كانوا له وفي ملكته فهم عبيد كلهم، وهو ، ربهم ولا يصلح أحد منهم للربوبية، ولا أن يكون شريكا له فيها، فما وراءهم مما لا يعقل أحق أن لا يكون له نداً وشريكا، وليدلّ على أنّ من اتخذ غيره ربا من ملك أو إنسي، فضلا عن صنم أو غير ذلك، فهو مبطل تابع لما أدّى إليه التقليد وترك النظر.
ومعنى: وما يتبعون شركاء، أي: وما يتبعون حقيقة الشركاء وإن كانوا يسمونها شركاء، لأنّ شركة الله في الربوبية محال، (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظن) أنها شركاء، (إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ): يحزرون ويقدرون أن تكون شركاء تقديراً باطلا.
ويجوز أن يكون (وَما يَتَّبِعُ) في معنى الاستفهام، يعنى: وأي شيء يتبعون، (وشُرَكاءَ) نصب علي هذا بـ (يدعون)، وعلى الأوّل بـ (يتبع)، وكان حقه: وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء شركاء، فاقتصر على أحدهما للدلالة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وكان حقه): أي: على التقدير الأول، لأنه لابد لقوله: (يَدْعُونَ) من مفعول، فإذا كان (شُرَكَاءَ) مفعولاً لقوله: (وَمَا يَتَّبِعُ) فيقدر له أيضاً آخر مثله، المعنى على هذا: من في السماوات ومن في الأرض مملو لله ومختص به، لا شركي له فيهما أحد، وهؤلاء ما يتبعون شركاء، وإن سموه شركاء.
والمعنى على الثاني: كل من في السماوات ومن في الأرض من الملائكة والثقلين مملوكون له، أي شيء هذا الذي يتبعه هؤلاء الذين يدعونه شركاء من دون الله؟ أي: ما مقداره؟ يعني: ما يتبعونه ليس بشيء.
стр. 3671
ويجوز أن تكون "ما" موصولة معطوفة على (من)، كأنه قيل: ولله ما يتبعه الذين يدعون من دون الله شركاء، أي: وله شركاؤهم.
وقرأ على بن أبى طالب ﵁: "تدعون"، بالتاء، ووجهه: أن يحمل (وَما يَتَّبِعُ) على الاستفهام، أي: وأي شيء يتبع الذين تدعونهم شركاء من الملائكة والنبيين، يعنى: أنهم يتبعون الله ويطيعونه، فما لكم لا تفعلون مثل فعلهم؟ كقوله: (أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ) [الإسراء: ٥٧].
ثم صرف الكلام عن الخطاب إلى الغيبة فقال: إن يتبع هؤلاء المشركون إلا الظن، ولا يتبعون ما يتبع الملائكة والنبيون من الحق.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والمعنى على الموصولة: لله من في السماوات ومن في الأرض، وله شركاؤهم، أي: ملكه ومملوكه وتحت قهره.
والمعنى على قراءة علي ﵁: أي شيء الذي يتبعه الملائكة والمسيح وعزير؟ هل تعرفونه؟ وهو الله ، فما لكم لا تتبعونهم وتعبدونه؟ ! فيكون إلزاماً بعد برهان.
قوله: (ثم صرف الكلام عن الخطاب): أي: في قراءة علي ﵁: "الذين تدعون"، إلى الغيبة في قوله: "إن يتبع هؤلاء"؛ نعياً عليهم سوء صنيعهم إلى غيرهم، فيكون "ثم صرف" عطفاً على "أي شيء" من حيث المعنى، أي: قال الله تعالى مخاطباً: أي شيء يتبع الذين تدعونهم شركاء، ثم صرف الكلام إلى الغيبة، وقوله بعد ذلك: "ثم نبه على عظيم قدرته" عطف على قوله: "إنما خصهم" من حيث المعنى أيضاً، أي: إنما نبه المشركين خطابهم بحرف التنبيه في قوله: (أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ)، رخص العقلاء بالذكر لتلك النكتة، ثم بعد ذلك نبههم بقوله: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ) [يونس: ٦٧]؛ ليؤذن بأن من يكون موصوفاً بهذه الصفات يستحق أن لا يُشرك به شيء.
стр. 3672
[(هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ) ٦٧].
ثم نبه على عظيم قدرته ونعمته الشاملة لعباده التي يستحق بها أن يوحدوه بالعبادة، بأنه جعل لهم الليل مظلماً ليسكنوا فيه مما يقاسون في نهارهم من تعب التردّد في المعاش، والنهار مضيئاً يبصرون فيه مطالب أرزاقهم ومكاسبهم، (لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ) سماع معتبر مدّكر.
[(قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ) ٦٨].
(سُبْحانَهُ) تنزيه له عن اتخاذ الولد، وتعجب من كلمتهم الحمقاء، (هُوَ الْغَنِيُّ) علة لنفى الولد، لأنّ ما يطلب به الولد من يلد، وما يطلبه له: السبب في كله الحاجة، فمن الحاجة منتفية عنه كان الولد عنه منتفيا.
(لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) فهو مستغن بملكه لهم عن اتخاذ أحد منهم ولدا، (إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا): ما عندكم من حجة بهذا القول،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (يبصرون فيه): إشارة إلى أن الإسناد في قوله: (مُبْصِراً) مجاز، أي: أسنده إلى النهار مبالغة في إبصارهم الأشياء فيه، كقولك: نهاره صائم.
قوله: (لأن ما يطلب به الولد من يلدن وما يطلبه له): يعني: الذي يطلب الوالد باستعانته الولد- وهو الزوجة-، والذي يطلب الوالد لأجله الولد- وهو أن يكون ظهيراً له في حياته، وخلفاً بعد مماته-: السبب في كل ذلك الحاجة، والله هو الغني عن الحاجة. هذا المعنى مأخوذ من قوله تعالى: (بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [الأنعام: ١٠١]، وقد أشبعنا القول فيه.
стр. 3673
والباء حقها أن تتعلق بقوله: (إِنْ عِنْدَكُمْ) على أن يجعل القول مكاناً للسلطان، كقولك: ما عندكم بأرضكم موز، كأنه قيل: إن عندكم فيما تقولون سلطان، (أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ) لما نفى عنهم البرهان جعلهم غير عالمين، فدلّ على أنّ كل قول لا برهان عليه لقائله؛ فذاك جهل وليس يعلم.
[(قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ * مَتاعٌ فِي الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ) ٦٩ - ٧٠].
(يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ) بإضافة الولد إليه (مَتاعٌ فِي الدُّنْيا) أي: افتراؤهم هذا منفعة قليلة في الدنيا، وذلك حيث يقيمون رئاستهم في الكفر ومناصبتهم النبي ﷺ بالتظاهر به، ثم يلقون الشقاء المؤبد بعده.
[(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ * فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ) ٧١ - ٧٣].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ)): قيل: قوله: (سُلْطَانٍ) مبتدأ، و (إنْ) نافية، و (مِن) زائدة، و (عِنْدَكُمْ) الخبر، و (بِهَذَا) حال من الضمير في الظرف العائد إلى (سُلْطَانٍ)، كأنه قيل: ما عندكم حجة حاصلة أو واقعة في هذا القول مكاناً ومحلاً للسلطان. وهو متعسف؛ لأنه يلزم الفصل بين العامل المعنوي ومعموله بأجنبي، والأولى أن يُقال: (مِن سُلْطَانٍ) فاعل الظرف، لأنه اعتمد على النفي، و (بِهَذَا) ظرف، والباء بمعنى "في"، أي: ما حصل عندكم في هذا سلطان، قال أبو البقاء: " (إنْ) هاهنا بمعنى "ما" لا غير".
قوله: (ومناصبتهم النبي بالتظاهر به): أي: معاداته ﷺ بسبب التعاون بالافتراء.
стр. 3674
(كَبُرَ عَلَيْكُمْ): عظم عليكم وشق وثقل، ومنها قوله تعالى: (وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ) [البقرة: ٤٥]، ويقال: تعاظمه الأمر، (مَقامِي): مكاني، يعنى نفسه، كما تقول: فعلت كذا لمكان فلان، وفلان ثقيل الظل، ومنه: (وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ) [الرحمن: ٤٦]، بمعنى: خاف ربه، أو قيامي ومكثي بين أظهركم مدداً طوالا؛ ألف سنة إلا خمسين عاماً، أو: مقامي وتذكيري، لأنهم كانوا إذا وعظوا الجماعة قاموا على أرجلهم يعظونهم، ليكون مكانهم بيناً، وكلامهم مسموعا، كما يحكى عن عيسى صلوات الله عليه: أنه كان يعظ الحواريين قائماً وهم قعود.
(فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ) من: أجمع الأمر وأزمعه: إذا نواه وعزم عليه، قال:
هَلْ أَغْدُوَنْ يَوْماً وَأَمْرِي مُجْمعُ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وفلان ثقيل الظل): كناية عن بعده عن القلوب، وتنافر النفوس عنه، يعني: إذا كان الظل الذي هو أخف الأشياء على الأرض ثقيلاً منه، فكيف بنفسه وطلله، وكل الأمثلة من باب الكناية الإيمائية.
قوله: (أو قيامي ومُكثي): يعني: المراد من قوله: (مَقَامِي): إما المكان أو المصدر، فإن كان الأول فيكون كناية عن النفس كما مر، وإن كان الثاني: فإما أن يكون المراد المكث والسكون مجازاً، فقوله: "ومكثي" عطف تفسيري لـ"قيامي"، وإما أن يراد به حقيقة القيام، فهو المراد من قوله: "لأنهم كانوا إذا وعظوا الجماعة قاموا".
قوله: (هل أغدون يوماً وأمري مجمع): أوله:
يا ليت شعري والمنى لا تنفع
стр. 3675
والواو بمعنى "مع" يعنى: فأجمعوا أمركم مع شركائكم. وقرأ الحسن: "وشركاؤكم" بالرفع، عطفا على الضمير المتصل، وجاز من غير تأكيد بالمنفصل؛ لقيام الفاصل مقامه لطول الكلام، كما تقول: اضرب زيداً وعمرو.
وقرئ: "فاجمعوا" من الجمع، و"شركاءكم"؛ نصب للعطف على المفعول، أو لأنّ الواو بمعنى "مع"، وفي قراءة أبىّ: "فأجمعوا أمركم وادعوا شركاءكم".
فإن قلت: كيف جاز إسناد الإجماع إلى الشركاء؟ قلت: على وجه التهكم، كقوله (قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ) [الأعراف: ١٩٥].
فإن قلت: ما معنى الأمرين؛ أمرهم الذي يجمعونه، وأمرهم الذي لا يكون عليهم غمة؟ قلت: أمّا الأمر الأوّل: فالقصد إلى إهلاكه، يعنى: فأجمعوا ما تريدون من إهلاكي، واحتشدوا فيه وابذلوا وسعكم في كيدي، وإنما قال ذلك إظهارا لقلة مبالاته، وثقته بما وعده ربه من كلاءته وعصمته إياه، وأنهم لن يجدوا إليه سبيلا.
وأما الثاني ففيه وجهان، أحدهما: أن يراد مصاحبتهم له،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ("فاجمعوا"؛ من الجمع): يمكن أن يكون المراد: فاجمعوا ذوي الأمر منكم، أي: رؤساءكم ووجوهكم، كما قال تعالى: (وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ) [النساء: ٥٩]، ويجوز أن يكون المراد بالأمر: ما كانوا يجمعونه من كيدهم، كقوله تعالى: (فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفّاً) [طه: ٦٤].
زعم أبو الحسن: أن وصل الألف في (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ) أكثر في كلامهم، وإنما يقطعون الألف إذا قالوا: على كذا وكذا.
стр. 3676
وما كانوا فيه معه من الحال الشديدة عليهم المكروهة عندهم، يعنى: ثم أهلكوني لئلا يكون عيشكم بسببي غصة، وحالكم عليكم غمة، أي، غما وهما، والغم والغمة، كالكرب والكربة. والثاني أن يراد به ما أريد بالأمر الأول، والغمة: السترة؛ من غمه: إذا ستره.
ومنها قوله ﵇: "ولا غمة في فرائض الله" أي: لا تستر، ولكن يجاهر بها، يعنى:
ولا يكن قصدكم إلى إهلاكي مستورا عليكم، ولكن مكشوفاً مشهوراً تجاهرونني به.
(ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ) ذلك الأمر الذي تريدون بى، أي: أدوا إلىَّ قطعه وتصحيحه، كقوله: (وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ) أو: أدّوا إلىّ ما هو حق عليكم عندكم من هلاكي، كما يقضى الرجل غريمه، (وَلا تُنْظِرُونِ): ولا تمهلوني.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والغم والغمة كالكرب والكربة)، الراغب: "الغم: ستر الشيء، ومنه الغمام؛ لكونه سائراً لضوء الشمس والقمر، والغمي مثله، ومنه: غُم الهلال، ويوم غمُّن وليلة غمة وغُمي، وغمة الأمر، قال الله تعالى: (لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً)، أي: كربة، يُقال: غم وغمة؛ نحو: كرب وكربة، وناصية غماء: تستر الوجه".
قوله: (أن يُراد به ما أريد بالأمر الأول): وهو ما تريدون من إهلاكي وبذل الوُسع في كيدي، أي: لا يكن قصدكم إلى إهلاكي مستوراً عليكم، لكن مكشوفاً، فـ (ثُمَّ) على هذا للتراخي في الرتبة، فإن المراد بالأمر الأول: القصد إلى إهلاكه مطلقاً، وبالثاني: ذلك القصد مع قيد كونه مزيلاً للغمة والكرب، ففي الكلام ترق من الأدنى إلى الأغلظ، ومثله قول الحماسي:
ولا يكشف الغماء إلا ابن حرة … يرى غمرات الموت ثم يزورها
قوله: (أو: أدوا إليَّ ما هو حق عليكم): يريد: أن قوله: (ثُمَّ اقْضُوا) مضمن معنى
стр. 3677
وقرئ: "ثم أفضوا إلىّ"، بالفاء بمعنى: ثم انتهوا إلىّ بشرّكم. وقيل: هو من: أفضى الرجل: إذا خرج إلى الفضاء، أي: أصحروا به إلىّ وأبرزوه لي
(فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ): فإن أعرضتم عن تذكيري ونصيحتي، (فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ): فما كان عندي ما ينفركم عنى وتتهموني لأجله من طمع في أموالكم، وطلب أجر على عظتكم، (إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ) وهو الثواب الذي يثيبني به في الآخرة، أي: ما نصحتكم إلا لوجه الله تعالي، لا لغرض من أغراض الدنيا، (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) الذين لا يأخذون على تعليم الدين شيئا، ولا يطلبون به دنيا،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأداء، ثم القضاء: إما بمعنى قطع الحكم وبته وتصحيحه، واستشهد له بقوله: (وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ)، قال: " (قضى) عُدي بـ "إلى"، لأنه ضُمن معنى "أوحينا"، كأنه قيل: أوحينا إليك مقضياً مبتوتاً"، وإما بمعنى قضاء الدين، والمعنى: أدوا إليَّ ما هو حق عليكم عندكم، أي: في معتقدكم، فعلى هذا فيه استعارة، ولهذا قال: "كما يقضي الرجلُ غريمه"، فكأنه كان في معتقدهم أن إهلاك نوح كالحق الثابت للرجل على غريمه، فلابد من استيفائه.
قوله: (فإن أعرضتم عن تذكيري ونصيحتي): إنما أعاد ذكر "تذكيري" ليؤذن أن هذا الشرط مرتبط بالشرط الأول، وأن المعنى: إن توليتم لأنكم ضجرتم عنين وشق عليكم طول مقامي وتذكيري، فابذلوا وسعكم في هلاكي وإبطال كيدي، ليظهر لكم أني ما أريد بذاك إلا نُصحكم وهدايتكم، وإن توليتم، لا أني طامع في أموالكم، وأطلب منكم أجر الموعظة، فاعلموا وأيقنوا أني ما نصحتكم إلا لوجه الله تعالى، لا لغرض من أغراض الدنيا.
وهذا يُنبئ أن نوحاً ما أتى بهذا النوع من الكلام إلا بعد مراجعات طويلة وإلزامهم الحجة، كما قالوا: (يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا) [هود: ٣٢]، وأنه بذل وُسعهُ في
стр. 3678
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التذكير والنصح وإبلاغ ما يجب عليه أن يبلغه، وأن القوم بلغوا الغاية في العناد، وإليه الإشارة بقوله: "فذكر أن توليهم لم يكن عن تفريط منه".
فإن قلت: لم خص المقام الأول بالتوكل، والثاني بالإسلام؟ فنقول- على لسان العارفين، والعلم عند الله تعالى-: إن مقام التسليم فوق مقام التوكل- وسيأتيك تصديقه في قوله تعالى: (فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ) بُعيد هذا-، ولأن التوكل: كلة الأمر كله إلى مالكه، والتعويل على وكالته، ومن ثم جعل الله تعالى قوله: (فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ) مقدمة للجزاء، وهو قوله: (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ) وبالغ فيه غاية المبالغة.
وقال المصنف: "إنما قال ذلك إظهاراً لقلة مبالاته، وثقته بما وعده ربه من كلاءته"، والتسليم وترك الأسباب التي تُزاحم العقول والأوهام. ومن ثم ذيل قوله: (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ)، لقوله: (فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ).
قال العارف أبو [إسماعيل] عبد الله الأنصاري: "التوكل أصعب المنازل، والتسليم أعلى الدرجات"، وقال الأستاذ أبو القاسم القشيري: "التوكل صفة المؤمنين، والتسليم صفة الأولياء، والتفويض صفة الموحدين. والتوكل صفة الأنبياء، والتسليم صفة إبراهيم - لقوله: (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) [البقرة: ١٣١]-، والتفويض صفة نبينا محمد"، صلوات الله عليه وعليهم أجمعين، والله أعلم.
стр. 3679
يريد: أن ذلك مقتضى الإسلام، والذي كل مسلم مأمور به. والمراد أن يجعل الحجة لازمة لهم، ويبرئ ساحته، فذكر أن توليهم لم يكن تفريط منه في سوق الأمر معهم على الطريق الذي يجب أن يساق عليه، وإنما ذلك لعنادهم وتمرّدهم لا غير.
(فَكَذَّبُوهُ): فتموا على تكذيبه، وكان تكذيبهم له في آخر المدّة المتطاولة كتكذيبهم في أوّلها، وذلك عند مشارفة الهلاك بالطوفان، (وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ) يخلفون الهالكين بالغرق، (كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ) تعظيم لما جرى عليهم، وتحذير لمن أنذرهم رسول الله ﷺ عن مثله، وتسلية له.
[(ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ) ٧٤].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (يريد: أن ذلك مقتضى الإسلام، والذي كل مسلم مأمور به): يريد: أن قوله: (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ) جملة مذيلة للكلام السابق مقررة لمضمون معناه، وإلى التقرير والتأكيد الإشارة بقوله: "المراد أن يجعل الحجة لازمة لهم، ويبرئ ساحته".
وفيه أن من دعا الناس إلى هداية أو علمهم من علوم الدين شيئاً، وأخذ عليه الأجرة، خرج من جملة الورثة.
قوله: ((فَكَذَّبُوهُ) فتموا على تكذيبه): يعني: أن في تعقيب (فَكَذَّبُوهُ) بما سبق إشعاراً بتجدد التكذيب، وليس به، بل المراد التعاقب والاستمرار؛ لأن قول نوح ﵇: (إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ) لم يكن إلا عن تكذيب سابق منهم، يعني: كذبوه ابتداء، ثم بعد التذكير والنصح لم ينزلوا عن عادتهم من التكذيب، بل استمروا عليه، مثله في "القمر": (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا) [القمر: ٩]، "أي: كذبوه تكذيباً عقيب تكذيب".
стр. 3680
(مِنْ بَعْدِهِ): من بعد نوح، (رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ) يعنى: هوداً وصالحاً وإبراهيم ولوطاً وشعيباً، (فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ): بالحجج الواضحة المثبتة لدعواهم، (فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا): فما كان إيمانهم إلا ممتنعاً كالمحال؛ لشدّة شكيمتهم في الكفر وتصميمهم عليه، (بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ) يريد: أنهم كانوا قبل بعثة الرسل أهل جاهلية مكذبين بالحق، فما وقع فصل بين حالتيهم؛ بعد بعثة الرسل وقبلها، كأن لم يبعث إليهم أحد.
(كَذلِكَ نَطْبَعُ): مثل ذلك الطبع المحكم نطبع (عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ)، والطبع جار مجرى الكناية عن عنادهم ولجاجهم، لأنّ الخذلان يتبعه، ألا ترى كيف أسند إليهم الاعتداء ووصفهم به.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فما كان إيمانهم إلا ممتنعاً كالمحال): هذه الاستحالة تستفاد من لام "كي" المؤكدة، كقوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ) [آل عمران: ١٦١].
قوله: (والطبع جار مجرى الكناية عن عنادهم ولجاجهم): أي: الكناية التلويحية، وذلك أن من عاند وثبت على اللجاج خذله الله، ومنع عنه التوفيق واللطف، فلا يزال على هذا حتى يتراكم الرين، ويطبع على قلبه، قال تعالى: (كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ) [المطففين: ١٤]، والدليل على أن الطبع كناية عن العناد واللجاج: تصريح الاعتداء في قوله: (الْمُعْتَدِينَ)، قال القاضي: " (نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ) بخذلانهم لانهماكهم في الضلال واتباع المألوف، وفي أمثال ذلك دليل على أن الأفعال واقعة بقدرة الله تعالى وكسب العبد".
следующие страницы →