← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 3991–4030 · переход к 3996.

стр. 3991

(قائِلٌ مِنْهُمْ) هو يهوذا، وكان أحسنهم فيه رأيا. وهو الذي قال، (فلن أبرح الأرض) [يوسف: ٨٠]. قال لهم: القتل عظيم (فِي غَيابَتِ الْجُبِّ) وهي غوره وما غاب منه عن عين الناظر وأظلم من أسفله. قال المنخل: وَإنْ أنَا يَوْماً غَيَّبَتْنِى غَيَابَتِى … فَسِيرُوا بِسَيْرِى فِى الْعَشِيرَةِ وَالأَهْلِ أراد غيابة حفرته التي يدفن فيها. وقرئ "غيابات" على الجمع. و"غيابات" بالتشديد. وقرأ الجحدري: غيبة ....... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ) [البقرة: ٤٢]، أي: لا تجمعوا بين لبس الحق بالباطل وكتمان الحق، كقوله: "لا تأكل السمك وتشرب اللبن"، والمعنى: اطرحوه أرضاً ليجتمع لكم إقبال أبيكم عليكم وصلاح أمر دنياكم. قوله: (وقال لهم: القتل عظيم)، وإنما وصفه بالعظم لأن الذي أبدل منه- وهو الإلقاء في الجب- معلل بالالتقاط، ولأنه مؤكد بالشرط، أي: إن كان لابد من أن تفعلوا به ما ترومونه، فهذا، لأنه أهون. قوله: (وإن أنا يوماً غيبتني) البيت، أي: غيابة حفرتي التي أدفن فيها، فسيروا بنعتي في القبائل والعشائر، وقيل: "فسيروا" من السيرة لا من السير، كانت العادة فيهم إذا مات رئيس عظيم الخطر يطوف أحد منهم على القبائل، ويصعد على الروابي، ويقول: أنعى فلاناً، يريدون تشهير أمره، وتعظيم التفجع به. قوله: (قرئ: "غيابات" على الجمع)، نافع في الموضعين، والباقون: على التوحيد. قوله: (و"غيابات" بالتشديد)، قال ابن جني: "وهي قراءة الأعرج، وقرأ الحسن: "في غيبة"، أما "غيابة" فإنه اسم جاء على "فعالة"، وكان أبو علي يضيفه إلى ما حكاه سيبويه

стр. 3992

"والجب": البئر لم تطو، لأن الأرض تجبّ جباً لا غير. (يَلْتَقِطْهُ) يأخذه (بعض السيارة) بعض الأقوام الذين يسيرون في الطريق. وقرئ: "تلتقطه". بالتاء على المعنى، لأنّ بعض السيارة سيارة، كقوله: كَمَا شَرِقَتْ صَدْرُ الْقَنَاةِ مِنَ الدَّمِ ومنه: ذهبت بعض أصابعه. (إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ) إن كنتم على أن تفعلوا ما يحصل به غرضكم، فهذا هو الرأي. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ من الأسماء التي جاءت على "فعال"، كالجبان، والكلاء، والفياد- لذكر البوم-، ووجدت أنا التيار- للموج-، والفخار- للخزف-، وغيرها. وأما "غيبة الجب": فيجوز أن يكون حدثاً فعلة من: غيب، فيكون كقولنا: وظلمة الجب". قوله: (والجب: البئر لم تطو، لأن الأرض تجب جباً)، يعني: إنما سمي البئر من غير المطوي جباً، إذ ليس فيه إلا جب الأرض، فإنه لم يطو بعد. "الأساس": "طوي البناء باللبن، والبئر بالحجارة، وهي الطوي والأطواء". قوله: (كما شرقت صدر القناة من الدم)، مضى شرحه في آل عمران.

стр. 3993

[(قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَامَنَّا عَلى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ* أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ)]. (ما لَكَ لا تَامَنَّا) قرئ بإظهار النونين، وبالإدغام بإشمام وبغير إشمام، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وبالإدغام بإشمام)، قال صاحب "التيسير": "كلهم قرأ (مَا لَكَ لَا تَامَنَّا) بإدغام النون الأولى في الثانية، وإشمامها الضم، وحقيقة الإشمام في ذلك أن يشار بالحركة إلى النون لا بالعضو إليها، فيكون ذلك إخفاء لا إدغاماً صحيحاً، لأن الحركة لا تسكن رأساً، بل يضعف الصوت، فيفصل بين المدغم والمدغم فيه لذلك، هذا قول عامة أئمتنا، وهو الصواب؛ لتأكد دلالته وصحته في القياس". وقال الشيخ برهان الدين الجعبري شارح "القصيدة"- في قوله: "وتأمننا للكل يخفي مفصلاً"، وقوله: "وأدغم مع إشمامه البعض عنهم"-: يريد بقوله: "إخفاء الحركة": اختلاسها، ومعنى "مفصلاً": فصل إحدى النونين عن الأخرى، وهو حقيقة الإظهار، وهذا معنى قول أبي علي الفارسي: "ويجوز أن تبين ولا تدغم وتخفي الحركة، وهو أن تختلسها"، ومفهوم إطلاق البيت أن كلاً من النقلة رووه عن السبعة، وليس كذلك؛ لإطباق العراقيين على خلافه، وقوله: "وأدغم" وجه ثان، وهو إدغام النون في الأخرى والإشمام، وهو ضم الشفتين مع أول التشديد من غير حركة في النون، وبهذا قطع ابن مجاهد في قوله: وكلهم قرأ

стр. 3994

و"تيمناً" بكسر التاء مع الإدغام. والمعنى: لم تخافنا عليه ونحن نريد له الخير ونحبه ونشفق عليه؟ وما وجد منا في بابه ما يدل على خلاف النصيحة والمقة؟ وأرادوا بذلك لما عزموا على كيد يوسف استنزاله عن رأيه وعاد به في حفظه منهم. وفيه دليل على أنه أحسّ منهم بما أوجب أن لا يأمنهم عليه. (نَرْتَعْ) نتسع في أكل الفواكه وغيرها. وأصل الرتعة: الخصب والسعة. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (تَامَنَّا) بفتح الميم وضم النون وإدغام النون الأولى في الثانية، والإشارة إلى إعراب النون المدغمة بالضم، ونبه بقوله: "وضم النون" على أن الفعل مرفوع، لتفهم علة الإشمام. قوله: (والمقة)، الجوهري: "المقة: المحبة، والهاء عوض من الواو، وقد ومقه يمقه- بالكسر فيهما-: أي: أحبه، فهو وامق"، وفي قولهم: "وما وجد منا في بابه ما يدل على خلاف النصيحة" إشارة على أن جملة قوله: (وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ) جار مجرى الاعتراض والتذييل، لا الحال، أي: نحن عصبة عادتنا في حقه النصح والشفقة. قوله: (استنزاله عن رأيه)، مفعول "أرادوا"، وقوله: "لما عزموا" ظرف له. قوله: ("نرتع" نتسع في أكل الفواكه)، وهذا أولى مما قيل: نرتع إبلنا؛ إذ المراد التنزه والخروج إلى الأرياف والمياه، كما هو عادة الناس إذا خرجوا إلى الرياض والبساتين، ثم اتسع واستعمل في نيل الثواب الجزيل، كما ورد عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، فقيل: يا رسول الله، ما رياض الجنة؟ قال: المساجد، قيل: فما الرتع يا رسول الله؟ قال: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر"، أخرجه الترمذي عن أبي هريرة. وتلخيصه: فإذا مررتم بالمساجد فقولوا: سبحان الله، والحمد لله، فلما وضع "رياض الجنة" موضع "المساجد"؛ بناءً على أن العبادة فيها سبب للحصول في رياض الجنة، روعيت

стр. 3995

وقرئ: "يرتع" من: ارتعى يرتعي. وقرئ: (يرتع ويلعب) بالياء، ويرتع، من أرتع ماشيته، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المناسبة لفظاً ومعنى، ووضع "الرتع" موضع القول، لأن هذا القول سبب لنيل الثواب الجزيل، كل ذلك للترغيب والتحريض. ولو لمح في "الرتع" تناول ثمرة الشجرة التي غرسها الذاكر؛ على ما روى الترمذي عن جابر عن رسول الله ﷺ قال: "لقيت ليلة أسري بي إبراهيم، فقال لي: يا محمد، أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر"، فجاء أسلوباً بديعاً وتمليحاً عجيباً. قوله: ("يرتع" من: ارتعى)، الحرميان: بكسر العين من "يرتع"، وجزمها الباقون، أي: سكنها. الكوفيون ونافع: (يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ) بالياء فيهما، والباقون: بالنون. وفي "المعالم": قيل: المعنى في "نرتع"- بالنون-: نرتع إبلنا، فحذف المضاف، وأسند الفعل إلى المضاف إليه. يريد: أن الأصل: يرتع إبلنا- بالياء-، والفاعل "إبلنا"، فلما حذف الفاعل أقيم المضاف إليه مقامه، وهو ضمير المتكلم، فانقلب الفعل عن لفظ الغائب للمتكلم. كذا عن المصنف في سورة الكهف في قوله: (لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ) [الكهف: ٦٠].

стр. 3996

وقرأ العلاء بن سيابة: "يرتع" بكسر العين، ويلعب، بالرفع على الابتداء. فإن قلت: كيف استجاز لهم يعقوب ﵇ اللعب؟ قلت: كان لعبهم الاستباق والانتضال، ليضروا أنفسهم بما يحتاج إليه لقتال العدوّ لا للهو، بدليل قوله (إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ) [يوسف: ١٧] وإنما سموه لعباً لأنه في صورته. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرأ العلاء بن سيابة: "يرتع" بكسر العين)، قال ابن جني: "هو جزم، لأنه جواب (أَرْسِلْهُ)، و"يلعب" مرفوع استئنافاً، أي: هو ممن يلعب، كقولك: زرني أحسن إليك، إلا أن الرفع في "أحسن" ها هنا يضعف الضمان، ألا ترى أن معناه: أنا كذلك، وليس فيه قوة معنى الإحسان إليه مع الجزم، وأما (يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ) فمجزومان، لأنهما جوابان، أحدهما معطوف على صاحبه، وهو على حذف المفعول، أي: يرتع مطيته"، قال ابن جني: "فما أعربه وأعذبه في الكلام". قوله: (كان لعبهم الاستباق)، قال محيي السنة: هو تشاغل منهم بإجمام النفس من الجد بمباح يحصل به تعيش وقوة على العمل، وليس هذا كاللعب في قوله تعالى: (إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ) [التوبة: ٦٥]. قوله: (ليضروا أنفسهم)، الأساس: "ومن المجاز: ضري فلان بكذا، وعلى كذا: لهج". الجوهري: "ضري الكلب بالصيد؛ أي: تعود، وأضراه صاحبه؛ أي: عوده، وكذلك التضرية".

стр. 3997

[(قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخافُ أَنْ يَاكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ)]. (لَيَحْزُنُنِي) اللام لام الابتداء، كقوله (وإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ) [النحل: ١٢٤]، ودخولها أحد ما ذكره سيبويه من سببى المضارعة. اعتذر إليهم بشيئين: أحدهما: أنّ ذهابهم به ومفارقته إياه مما يحزنه، لأنه كان لا يصبر عنه ساعة. والثاني: خوفه عليه من عدوة الذئب إذا غفلوا عنه برعيهم ولعبهم، أو قلّ به اهتمامهم ولم تصدق بحفظه عنايتهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (من سببي المضارعة)، وهما دخول اللام والسين للحال والاستقبال، وسببه: أن بين فعل المضارع وبين الاسم المشترك أمراً جامعاً، وهو أنهما موضوعان لمتعدد مخالف في الحقيقة، ثم يصير كل واحد منهما لمتعين بقرينة تدخل عليه بعد أن كان شائعاً، فدخول حرف الاستقبال قرينة يتضح بها مدلوله في قصد المتكلم من غير زيادة، هذا هو الوجه، لا ما قيل: هو مثل اسم الجنس، نحو: رجل، يقع على آحاد متعددة على البدل، ثم يتميز لكل واحد من آحاده إذا قصد إليه بحرف التعريف، لأن المضارع موضوع لكل واحد من مدلوليه، وهما مختلفان، واسم الجنس هو في المعنى لحقيقة واحدة، لا اختلاف فيه، وبهذا يتبين وجه قوله في "المفصل": "ويشترك فيه الحاضر والمستقبل"، هذا تلخيص كلام ابن الحاجب. قوله: (من عدوة الذئب)، أي: خطفته، الجوهري: "دفعت عنك عادية فلان؛ أي: ظلمه وشره".

стр. 3998

وقيل: رأى: في النوم أنّ الذئب قد شدّ على يوسف فكان يحذره، فمن ثم قال ذلك فلقنهم العلة، وفي أمثالهم: البلاء موكل بالمنطق. وقرئ (الذِّئْبُ) بالهمزة على الأصل وبالتخفيف. وقيل: اشتقاقه من تذاءبت الريح؛ إذا أتت من كل جهة. [(قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ)]. القسم محذوف تقديره: والله (لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ) واللام موطئة للقسم. وقوله (إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ) جواب للقسم مجزئ عن جزاء الشرط، والواو في (وَنَحْنُ عُصْبَةٌ) واو الحال: حلفوا له لئن كان ما خافه من خطفة الذئب أخاهم من بينهم - وحالهم أنهم عشرة رجال، بمثلهم تعصب الأمور وتكفى الخطوب، إنهم إذاً لقوم خاسرون، أي: هالكون ضعفا وخوراً وعجزاً، أو: مستحقون أن يهلكوا لأنه لا غناء عندهم ولا جدوى في حياتهم. أو مستحقون لأن يدعى عليهم بالخسارة والدّمار، وأن يقال: خسرهم الله ودمّرهم حين أكل الذئب بعضهم وهم حاضرون. وقيل: إن لم نقدر على حفظ بعضنا فقد هلكت مواشينا إذن وخسرناها. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرئ: (الْذِّئْبُ) بالهمز)، كلهم إلا ورشاً والكسائي وأبا عمرو، قال أبو علي: "قال الحسن: "الذئب" مهموز في الأصل، قالوا: تذاءبت الريح؛ إذا جاءت من كل جهة، كأن المعنى فيه أنها أتت كما يأتي الذئب"، والمصنف عكس بقوله: "اشتقاقه من تذاءبت الريح". قوله: (فقد هلكت مواشينا إذن وخسرناها)، وهو عبارة عن حفظ أخيهم على الوجه الأبلغ، أي: نحن لما كفينا عن مواشينا الذئب، فلأن نكفي عن أخينا بالطريق الأولى،

стр. 3999

فإن قلت: قد اعتذر إليهم بعذرين، فلم أجابوا عن أحدهما دون الآخر؟ قلت: هو الذي كان يغيظهم ويذيقهم الأمرّين فأعاروه آذاناً صما ولم يعبئوا به. [(فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ)]. (أَنْ يَجْعَلُوهُ) مفعول "أَجْمَعُوا"؛ من قولك: أجمع الأمر وأزمعه (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ) [يونس: ٧١]. وقرئ: "في غيابات الجب"، قيل: هو بئر بيت المقدس. وقيل: بأرض الأردنّ. وقيل: بين مصر ومدين. وقيل: على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب. وجواب «لما» محذوفٌ. ومعناه: فعلوا به ما فعلوا من الأذى، فقد روي: أنهم لما برزوا به إلى البرّية أظهروا له العداوة وأخذوا يهنونه ويضربونه، وكلما استغاث بواحد منهم لم يغثه إلا بالإهانة والضرب، حتى كادوا يقتلونه. فجعل يصيح: يا أبتاه، لو تعلم ما يصنع بابنك أولاد الإماء، فقال يهوذا: أما أعطيتمونى موثقاً ألا تقتلوه فلما أرادوا إلقاءه في الجب تعلق بثيابهم فنزعوها من يده، فتعلق بحائط البئر فربطوا يديه ونزعوا قميصه، فقال: يا إخوتاه، ردّوا عليّ قميصي أتوارى به، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ها هنا على حقيقتها، وعلى الوجوه السابقة مجاز عن الهلاك، ثم الهلاك إما محمول على الضعف والخور- وهو الوجه الأول-، أو على حقيقة الهلاك، وهو أيضاً على وجهين: إما استحقاق الهلاك أو الدعاء بالهلاك. قوله: (ويذيقهم الأمرين)، يقال: لقيت من فلان الأمرين، وهي الدواهي، من المرة، وهي القوة، المعنى: ما أجابوا عن هذا العذر لكونهم ما التفتوا إليه أول الأمر، لأن قوله: (لَيَحْزُنُنِي) دل على محبته، ومحبته إياه هي التي أورثتهم الحسد، وأوقعتهم في تلك الورطات. قوله: (فأعاروه آذاناً صماً)، الضمير للعذر، جعلوا العذر شخصاً، وأعاروه آذانهم

стр. 4000

وإنما نزعوه ليلطخوه بالدم ويحتالوا به على أبيهم، فقالوا له: ادع الشمس والقمر والأحد عشر كوكبا تؤنسك، ودلوه في البئر، فلما بلغ نصفها ألقوه ليموت، وكان في البئر ماء فسقط فيه، ثم أوى إلى صخرة فقام عليها وهو يبكي، فنادوه فظنّ أنها رحمة أدركتهم، فأجابهم فأرادوا أن يرضخوه ليقتلوه فمنعهم يهوذا، وكان يهوذا يأتيه بالطعام. ويروى أن إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار وجرّد عن ثيابه أتاه جبريل بقميص من حرير الجنة فألبسه إياه، فدفعه إبراهيم إلى إسحاق، وإسحاق إلى يعقوب، فجعله يعقوب في تميمة علقها في عنق يوسف، فجاء جبريل فأخرجه وألبسه إياه. (وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ) قيل أُوحي إليه في الصغر كما أُوحي إلى يحيى وعيسى. وقيل كان إذ ذاك مدركاً. وعن الحسن: كان له سبع عشرة سنة (لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا) وإنما أُوحي اليه ليؤنس في الظلمة والوحشة، ويبشر بما يؤول إليه أَمره. ومعناه: لتتخلصن مما أَنت فيه، ولتحدّثن إخوتك بما فعلوا بك (وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) أنك يوسف؛ لعلوّ شأنك وكبرياء سلطانك، وبعد حالك عن أَوهامهم، ولطول العهد المبدّل للهيئات والأشكال، وذلك أنهم حين دخلوا عليه ممتارين فعرفهم وهم له منكرون، دعا بالصواع فوضعه على يده، ثم نقره فطنّ فقال: إنه ليخبرني هذا الجام أَنه كان لكم أَخ من أَبيكم يقال له يوسف، وكان يدنيه دونكم، وأَنكم انطلقتم به وأَلقيتموه في غيابة الجب، وقلتم لأبيكم: أَكله الذئب، وبعتموه بثمن بخس. ويجوز أَن يتعلق (وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) بقوله (وَأَوْحَيْنا) على أَنا آنسناه بالوحي، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الصم، كأنهم لم تصاموا عن سماع ذلك العذر، نزلوا العذر منزلة شخص على سبيل الاستعارة المكنية، وخلعوا عليه الصمم، والبسوه إياه؛ مبالغة.

стр. 4001

وأزلنا عن قلبه الوحشة، وهم لا يشعرون ذلك ويحسبون أنه مرهق مستوحش لا أَنيس له. وقرئ: "لننبئنهم" بالنون على أَنه وعيد لهم. وقوله (وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) متعلق بأوحينا لا غير. [(وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ* قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ)]. وعن الحسن: "عشياً" على تصغير "عشيّ"، يقال: لقيته عشيا وعشياناً، وأصيلاً وأصيلاناً ورواه ابن جني: "عشى" بضم العين والقصر. وقال عشوا من البكاء ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (مرهق)، أي: مضيق عليه، وفي الحديث: "فإن رهق سيده دين" أي: لزمه أداؤه وضيق عليه. قوله: ((وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) متعلق بـ "أوحينا" لا غير)، أي: على قراءة النون، يعني: أوحينا إلى يوسف هذا التهديد والوعيد في حقهم، والحال أنهم لا يشعرون بهذا الوحي، لأن إنباء الله إياهم لا يجتمع مع عدم شعورهم به، بخلاف إنباء يوسف، لأنه حصل مع عدم شعورهم، كما ذكر في طنين الصواع. وفيه نظر؛ لجواز أن يتعلق بقوله: "لننبئنهم"، وان يراد بـ "إنباء الله": إيصال جزاء فعلهم بهم، وهم لا يشعرون بذلك. والظاهر أن هذا الإنباء هو قوله ﵇: (هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ) [يوسف: ٨٩]. قوله: (ورواه ابن جني: "عشى" بضم العين والقصر)، قال ابن جني: "رواه عيسى

стр. 4002

وروي أَن امرأَة حاكمت إلى شريح فبكت، فقال له الشعبي: يا أبا أمية، أما تراها تبكي؟ فقال: قد جاء إخوة يوسف يبكون وهم ظلمة: ولا ينبغي لأحد أن يقضي إلا بما أمر أن يقضي به من السنة المرضية. وروي أَنه لما سمع صوتهم فزع وقال: ما لكم يا بنيّ؟ هل أَصابكم في غنمكم شيء؟ قالوا: لا. قال: فما بالكم وأين يوسف؟ (قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ) أي: نتسابق، والافتعال والتفاعل يشتركان كالانتضال والتناضل: والارتماء والترامي، وغير ذلك. والمعنى. نتسابق في العدو أو في الرمي. وجاء في التفسير: ننتضل. (بِمُؤْمِنٍ لَنا) بمصدّق لنا (وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ) ولو كنا عندك من أهل الصدق والثقة، لشدّة محبتك ليوسف، فكيف وأنت سيئ الظن بنا، غير واثق بقولنا؟ [(وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ)]. (بِدَمٍ كَذِبٍ) ذي كذب. أو وصف بالمصدر مبالغة، كأنه نفس الكذب وعينه، كما يقال للكذاب: هو الكذب بعينه، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ابن ميمون: "جاءوا أباهم عشى يبكون"؛ عشوا من البكاء، وطريق ذلك أنه جمع "عاش"، وكان قياسه: عشاة، كماش ومشاة، إلا أنه حذف الهاء تخفيفاً، وهو يريدها، وفيه ضعف، لأن قدر ما بكوا في ذلك اليوم لا يعشو منه الإنسان، ويجوز أن يكون جمع عشوة؛ أي: ظلاماً، وجمعه لتفرق أجزائه".

стр. 4003

والزور بذاته. ونحوه: فَهُنَّ بِهِ جُودٌ وَأنْتُمْ بِهِ بُخْلُ وقرئ، "كذباً" نصباً على الحال، بمعنى: جاءوا به كاذبين، ويجوز أن يكون مفعولا له. وقرأت عائشة ﵂: "كدبٍ"، بالدال غير المعجمة، أي: كدر. وقيل: طري، وقال ابن جني: أصله من الكدب، وهو الفوف البياض الذي يخرج على أظفار الأحداث. كأنه دم قد أثر في قميصه. روي أنهم ذبحوا سخلة ولطخوه بدمها، وزلّ عنهم أن يمزقوه. وروي أنّ يعقوب لما سمع بخبر يوسف صاح بأعلى صوته وقال: أين القميص؟ فأخذه وألقاه على وجهه وبكى حتى خضب وجهه بدم القميص وقال: تالله ما رأيت كاليوم ذنبا أحلم من هذا، أكل ابني ولم يمزق عليه قميصه. وقيل كان في قميص يوسف ثلاث آيات: كان دليلاً ليعقوب على كذبهم، وألقاه على وجهه فارتد بصيراً، ودليلاً على براءة يوسف حين قدّ من دُبُر. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فهن به جود وأنتم به بخل)، الضمير المجرور في الموضعين للوصل، أي: هؤلاء النساء بالوصل جود. قوله: (وهو الفوف)، وأنشدوا: فأرسلت إلى سلمى … بأن النفس مشفوفه فما جادت لنا سلمى … بزنجير ولا فوفه الزنجرة: قرع الإبهام على الوسطى بالسبابة، والاسم: الزنجير. قوله: (كان دليلاً ليعقوب على كذبهم)، إلى آخره: بيان لقوله: ثلاث آيات.

стр. 4004

فإن قلت: (عَلى قَمِيصِهِ) ما محله؟ قلت: محله النصب على الظرف، كأنه قيل: وجاءوا فوق قميصه بدم كما تقول: جاء على جماله بأحمال. فإن قلت: هل يجوز أن تكون حالاً متقدمة؟ قلت: لا، لأنّ حال المجرور لا تتقدم عليه. (سَوَّلَتْ) سهلت؛ من السول وهو الاسترخاء، أي: سهلت، (لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً) عظيماً ارتكبتموه من يوسف وهوّنته في أعينكم ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (محله النصب على الظرف، كأنه قيل: جاؤوا فوق قميصه بدم)، قال صاحب "التقريب": في كونه ظرفاً للمجيء وبقاء المعنى المقصود حزازة، ويجوز أن يقال: إن (عَلَى قَمِيصِهِ) حال من "جاؤوا" بتضمينه معنى الاستيلاء، أي: مستولين على قميصه، و (بِدَمٍ) حال من "قميص"، أي: ملتبساً بدم كذب. قال أبو البقاء: "هو حال من "الدم"، [لأن التقدير]: جاؤوا بدم كذب على قميصه". قال صاحب "اللباب": ولا تتقدم صاحبها، أي: لا تتقدم الحال على صاحبها المجرور على الأصح، نحو: مررت جالسة بهند، إلا أن يكون ظرفاً. قوله: ((سَوَّلَتْ) سهلت)، الراغب: "التسويل: تزيين النفس لما تحرص عليه، وتصوير القبيح منه بصورة الحسن".

стр. 4005

استدل على فعلهم به بما كان يعرف من حسدهم وبسلامة القميص. أو أُوحي إليه بأنهم قصدوه (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ خبر) أو مبتدأ، لكونه موصوفاً أي: فأمري صبر جميل، أو فصبر جميل أمثل. وفي قراءة أبيّ: فصبراً جميلاً. والصبر الجميل جاء في الحديث المرفوع «أنه الذي لا شكوى فيه إلى الخلق» ألا ترى إلى قوله (نَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ) [يوسف: ٨٦]، وقيل: لا أعايشكم على كآبة الوجه، بل أكون لكم كما كنت. وقيل: سقط حاجبا يعقوب على عينيه فكان يرفعهما بعصابة، فقيل له: ما هذا؟ فقال: طول الزمان وكثرة الأحزان. فأوحى الله تعالى إليه: يا يعقوب أتشكوني؟ قال: يا رب. خطيئة فاغفرها لي. (وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ) أي: أستعينه (عَلى) احتمال (ما تَصِفُونَ) من هلاك يوسف والصبر على الرزء فيه. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (استدل على فعلهم به بما كان يعرف من حسدهم وبسلامة القميص)، الانتصاف: "أقوى شاهد على التهمة أنهم ادعوا الوجه الخاص الذي اتهمهم به أبوهم، وهو أكل الذئب إياه، وكثيراً ما تتلقف الأعذار الباطلة من في من يعتذر إليه". قلت: ومن الأسلوب قوله تعالى: (مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) [الانفطار: ٦]. قوله: (ما هذا؟ )، أي: أي شيء ما نرى بك من الكبر، ولم تبلغ ما بلغ أبواك في السن؟

стр. 4006

[(وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ)]. (وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ) رفقة تسير من قبل مدين إلى مصر، وذلك بعد ثلاثة أيام من إلقاء يوسف في الجب، فأخطئوا الطريق فنزلوا قريباً منه، وكان الجب في قفرة بعيدة من العمران لم يكن إلا للرعاة. وقيل: كان ماؤها ملحاً. فعذب حين ألقى فيه يوسف (فَأَرْسَلُوا) رجلاً يقال له مالك بن ذعرٍ الخزاعي، ليطلب لهم الماء. والوارد: الذي يرد الماء ليستقي للقوم (يا بُشْرى) نادى البشرى، كأنه يقول: تعال، فهذا من آونتك. وقرئ: "يا بشراى" على إضافتها إلى نفسه. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فهذا من آونتك)، قال الزجاج: "معنى النداء في هذه الأشياء التي لا تجيب ولا تعقل إنما هو على تنبيه المخاطبين، وتوكيد القصة، فإذا قلت: يا عجباً، فكأنك قلت: اعجبوا، ويا أيها العجب هذا من حينك، فكأنه قال: يا أيتها البشرى هذا من إبانك وأوانك". وقال أبو علي: "إن هذا الوقت من أوانك، ولو كنت ممن يخاطب، فخوطبت الآن". قوله: (وقرئ: "يا بشراي" على إضافتها)، قرأها نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر، والكوفيون: (يَا بُشْرَى) على وزن فعلى، وأما فتحة الراء حمزة والكسائي. قال محيي السنة: "والوجه في إفرادها عن ياء المتكلم: هو أن "بشرى" نكرة ها هنا، فناداها كما تنادى النكرات، نحو قولك: يا رجلاً، ويا راكباً، إذا جعلت النداء شائعاً، فيكون موضعه نصباً على التنوين، إلا أن "فعلى" لا سبيل إليها للتنوين، ويجوز أن تكون "بشرى" منادى تعرف بالفصل، نحو: يا رجل".

стр. 4007

وفي قراءة الحسن وغيره: يا بشري بالياء مكان الألف، جعلت الياء بمنزلة الكسرة قبل ياء الإضافة، وهي لغة للعرب مشهورة سمعت أهل السروات يقولون في دعائهم: يا سيدي وموليّ. وعن نافع: يا بشراي بالسكون، وليس بالوجه لما فيه من التقاء الساكنين على غير حدّه، إلا أن يقصد الوقف. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ("يا بشري")، قال ابن جني: "هي قراءة أبي الطفيل والجحدري، ورويت عن الحسن، وهذه لغة فاشية فيهم". قوله: (جعلت الياء بمنزلة الكسرة)، قال الزجاج: "إن ياء الإضافة تغير ما قبلها، ولا يتبين معها الإعراب، فإذا كان قبلها ألف فالاختيار أن لا تغير، وبعض العرب يبدل معها ياء، فيكون بدلها بمنزلة تغير الحرف قبلها"، هذا الذي عناه المصنف بقوله: "جعلت الياء بمنزلة الكسرة"، يعني: في التغيير، قال أبو علي: "إن ما يضاف إلى الياء يحرك بالكسرة إذا كان الحرف صحيحاً، نحو: غلامي وداري، فلما لم تحتمل الألف الكسرة، وقربت الألف من الياء بقلبها إليها، كما كان الحرف يكون مكسوراً، والألف قريبة من الياء، فلذلك يبدل كل واحد منهما بالآخر". قوله: (أهل السروات)، النهاية: "السرو: محلة حمير، وفي حديث عمر: "ليأتين الراعي سروات حمير"، المعروف في واحد "سروات" سراة".

стр. 4008

وقيل: لما أدلى دلوه أي: أرسلها في الجب تعلق يوسف بالحبل، فلما خرج إذا هو بغلام أحسن ما يكون، فقال: يا بشراي: هذا غُلامٌ وقيل: ذهب به، فلما دنا من أصحابه صاح بذلك يبشرهم به. (وَأَسَرُّوهُ) الضمير للوارد وأصحابه؛ أخفوه من الرفقة. وقيل: أخفوا أمره ووجدانهم له في الجب، وقالوا لهم: دفعه إلينا أهل الماء لنبيعه لهم بمصر. وعن ابن عباس أنّ الضمير لإخوة يوسف، وأنهم قالوا للرفقة هذا غلام لنا قد أبق فاشتروه منا، وسكت يوسف مخافة أن يقتلوه. و(بِضاعَةً) نصب على الحال، أي: أخفوه متاعا للتجارة. والبضاعة: ما بضع من المال للتجارة، أي: قطع (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ) لم يخف عليه إسرارهم، وهو وعيد لهم حيث استبضعوا ما ليس لهم. أو: والله عليم بما يعمل إخوة يوسف بأبيهم وأخيهم من سوء الصنيع. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (و (بِضَاعَةً) نصب على الحال، أي: أخفوه متاعاً للتجارة)، كذا عن أبي البقاء. قال صاحب "الفرائد": ويمكن أن يقال: ضمن "أسروه" معنى: جعلوه، أي: جعلوه بضاعة مسرين، فهو مفعول ثان. قال ابن الحاجب: "يحتمل أن يكون مفعولاً من أجله، أي: كتموه لأجل تحصيل المال فيه، لأنه كان على حال تقتضي التجارة كتمانه خوفاً من أن تمتد الأطماع من غيرهم، فلا يجوز أن يكون تمييزاً، لأنه ليس من باب "عشرين"، ولا من باب: حسن زيد وجهاً، لما يؤدي إليه أن الإسرار كان لبضاعته لا له، وهو خلاف المعنى". قوله: (والبضاعة: ما بضع من المال)، الراغب: "البضاعة: قطعة واحدة وافرة من المال

стр. 4009

[(وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ)]. (وَشَرَوْهُ) وباعوه (بِثَمَنٍ بَخْسٍ) مبخوس ناقص عن القيامة نقصاناً ظاهراً، أو زيف ناقص العيار (دَراهِمَ) لا دنانير (مَعْدُودَةٍ) قليلة تعدّ عدّاً ولا توزن، لأنهم كانوا لا يزنون إلا ما بلغ الأوقيه وهي الأربعون، وعدّون ما دونها. وقيل للقليلة معدودة، لأنّ الكثيرة يمتنع من عدّها لكثرتها. وعن ابن عباس: كانت عشرين درهماً. وعن السدي: اثنين وعشرين (وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ) ممن يرغب عما في يده فيبيعه بما طف من الثمن لأنهم التقطوه، والملتقط للشيء متهاون به لا يبالى بم باعه، ولأنه يخاف أن يعرض له مستحق ينتزعه من يده فيبيعه من أوّل مساوم بأوكس الثمن. ويجوز أن يكون معنى (وَشَرَوْهُ) واشتروه، يعني الرفقة من إخوته (وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ) لأنهم اعتقدوا أنه آبق، … ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ تقتنى للتجارة، يقال: أبضع بضاعة وابتضعها، والبضع- بالكسر--: المقتطع من العشرة". قوله: (ناقص العيار)، الراغب: "العيار: تقدير المكيال والميزان، ومنه قيل: عيرت الدراهم". قوله: (بما طف)، أي: بما قل. قوله: (لأنهم التقطوه)، النهاية: "لالتقاط: أن يعثر على الشيء من غير قصد طلب". قوله: (ويجوز أن يكون معنى (وَشَرَوْهُ): واشتروه)، عطف على قوله: " (وَشَرَوْهُ): وباعوه"، وعلى هذا: الضمير في (وَكَانُوا فِيهِ مِنْ الزَّاهِدِينَ) للرفقة، وعلى الأول: للإخوة البائعين، وقوله: "ممن يرغب عما في يده" بيان لقوله: (مِنْ الزَّاهِدِينَ)، والضمير

стр. 4010

فخافوا أن يخطروا بما لهم فيه. ويروى أنّ إخوته اتبعوهم يقولون لهم: استوثقوا منه لا يأبق. وقوله (فِيهِ) ليس من صلة (الزَّاهِدِينَ) لأنّ الصلة لا تتقدّم على الموصول. ألا تراك لا تقول: وكانوا زيدا من الضاربين، وإنما هو بيان، كأنه قيل: في أي: شيء زهدوا؟ فقال: زهدوا فيه. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المستتر في "يرغب" والمجرور في "يده" عائد إلى "من"، و"لأنهم التقطوه" تعليل "ممن يرغب في يده". قوله: (كأنه قيل: في أي شيء زهدوا؟ فقال: زهدوا فيه)، قال صاحب "الفرائد": يمكن أن يقال: تقديره: وكانوا من الزاهدين فيه، من قبيل الإضمار على شريطة التفسير. وقلت: الظاهر أنه ليس منه، لأنه ليس بمشتغل عنه بالضمير، فإن الأصل: كانوا من الزاهدين فيه، على أن "فيه" ليس من صلته، بل متعلق بجملة محذوفة على السؤال، كقوله تعالى: (هَيْتَ لَكَ) [يوسف: ٢٣]، كأنه لما قيل: كانوا من الزاهدين، لم يعلم في أي شيء، اتجه لسائل أن يقول: في أي شيء زهدوا؟ فقيل: فيه. وهو من قول الزجاج: " (فِيهِ) ليست بصلة (الزَّاهِدِينَ)، المعنى: كانوا من الزاهدين، ثم بين في أي شيء زهدوا، فقال: زهدوا فيه، وهذا في الظروف جائز، وأما المفعولات فلا يجوز فيها، لا يجوز: كنت زيداً من الضاربين، لأن "زيداً" من صلة "الضاربين"، فلا يتقدم الموصول صلته". وذهب ابن الحاجب إلى الجواز، قال في قوله تعالى: (إِنِّي لَكُمَا لَمِنْ النَّاصِحِينَ) [الأعراف: ٢١]: "الظاهر أن (لَكُمَا) في مثل هذا ونحوه متعلق بـ (النَّاصِحِينَ)، لأن المعنى عليه، فإن

стр. 4011

[(وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَاوِيلِ الْأَحادِيثِ وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)]. (الَّذِي اشْتَراهُ) قيل هو قطفير أو أطفير، وهو العزيز الذي كان على خزائن مصر، والملك يومئذٍ الريان بن الوليد رجل من العماليق، وقد آمن بيوسف ومات في حياة يوسف، فملك بعده قابوس بن مصعب، فدعاه يوسف إلى الإسلام فأبى، واشتراه العزيز وهو ابن سبع عشرة سنة، وقام في منزله ثلاث عشرة سنة، واستوزره ريان بن الوليد وهو ابن ثلاثين سنة، وآتاه الله العلم والحكمة وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، وتوفي وهو ابن مائة وعشرين سنة. وقيل: كان الملك في أيامه فرعون موسى، عاش أربعمائة سنة بدليل قوله (وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ) [غافر: ٣٤]. وقيل: فرعون موسى من أولاد فرعون يوسف. وقيل: اشتراه العزيز بعشرين ديناراً وزوجي نعل وثوبين أبيضين. وقيل: أدخلوه السوق يعرضونه فترافعوا في ثمنه، حتى بلغ ثمنه وزنه مسكاً وورقاً وحريراً، فابتاعه قطفير بذلك المبلغ. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ اللام إنما تجيء بها لتخصيص معنى النصح بالمخاطبين، وإنما فر الأكثرون لأن صلة الموصول لا تعمل فيما قبل الموصول، والفرق عندنا أن الألف واللام لما كانت صورتها صورة الحرف المنزل جزءاً من الكلمة صارت كغيرها من الأجزاء التي لا تمنع التقديم، ولذا لم توصل بجملة اسمية، لتعذر ذلك فيها، وهذا واضح، فلا حاجة إلى التعسف".

стр. 4012

(أَكْرِمِي مَثْواهُ) اجعلي منزله ومقامه عندنا كريماً، أي: حسناً مرضياً، بدليل قوله (إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ) [يوسف: ٢٣] والمراد تفقديه بالإحسان وتعهديه بحسن الملكة، حتى تكون نفسه طيبة في صحبتنا، ساكنة في كنفنا. ويقال للرجل: كيف أبو مثواك وأم مثواك لمن ينزل به من رجل أو امرأة، يراد: هل تطيب نفسك بثوائك عنده، وهل يراعي حق نزولك به؟ واللام في (لِامْرَأَتِهِ) متعلقة بـ"قال"، لا بـ (اشتراه). (عَسى أَنْ يَنْفَعَنا) لعله إذا تدرّب وراض الأمور وفهم مجاريها، نستظهر به على بعض ما نحن بسبيله، فينفعنا فيه بكفايته وأمانته. أو نتبناه ونقيمه مقام الولد، وكان قطفير عقيماً لا يولد له، وقد تفرس فيه الرشد فقال ذلك. وقيل: أفرس الناس ثلاثة: العزيز حين تفرس في يوسف، فقال لامرأته (أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا)، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (بحسن الملكة)، يقال: فلان حسن الملكة: إذا كان حسن الصنيع إلى مماليكه. قوله: (لمن ينزل به)، أي: للمضيف، أي: يقال للمضيف الذي يراعي حق الضيف إذا كان رجلاً: أبو مثوى الضيف، وإذا كان امرأة: أم مثواه، نزل الضيف- في طيبة نفسه وسكونه عند المضيف إذا كان يقوم بمراعاة حقه، ويشفق عليه شفقة الوالد- منزلة الولد، ثم كني بالمنزل والمقام عنه؛ رفعة لمنزلته وكرامة له، كما يقال: المجلس العالي، ولهذا قال: "تكون نفسه طيبة في صحبتنا، ساكنة في كنفنا". قوله: (تدرب وراض الأمور)، الجوهري: "درب بالشيء ودردب به: إذا اعتاده وضري به، ورجل مدرب؛ أي: مجرب، وقد دربته الشدائد حتى قوي".

стр. 4013

والمرأة التي أتت موسى وقالت لأبيها (يا أَبَتِ اسْتَاجِرْهُ) [القصص: ٢٦]، وأبو بكر حين استخلف عمر ﵄. وروي أنه سأله عن نفسه، فأخبره بنسبه فعرفه. (وَكَذلِكَ) الإشارة إلى ما تقدّم من إنجائه وعطف قلب العزيز عليه، والكاف منصوب تقديره: ومثل ذلك الإنجاء والعطف (مَكَّنَّا) له، أي: كما أنجيناه وعطفنا عليه العزيز، كذلك مكنا له في أرض مصر وجعلناه ملكاً يتصرف فيها بأمره ونهيه. (وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَاوِيلِ الْأَحادِيثِ) كان ذلك الإنجاء والتمكين لأنّ غرضنا ليس إلا ما تحمد عاقبته من علم وعمل (وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ) على أمر نفسه: لا يمنع عما يشاء ولا ينازع ما يريد ويقضي. أو على أمر يوسف يدبره لا يكله إلى غيره، قد أراد إخوته به ما أرادوا، ولم يكن إلا ما أراد الله ودبره (وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) أن الأمر كله بيد الله. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وروي أنه سأله)، عطف على قوله: "وقد تفرس فيه الرشد"، أي: علم رشده بالفراسة، أو سأله عن نسبه فأخبره أنه من ولد إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فقاسه على آبائه الراشدين، وحكم عليه بالرشد. قوله: ((وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَاوِيلِ الأَحَادِيثِ) كان ذلك الإنجاء)، أي: معلله محذوف، وهذه الجملة معطوفة على قوله: (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ)، ففهم من الجملة الأولى تمكينه في الأرض، وهو نعمة الملك، ومن الثانية: تعليمه الأحاديث، وهو نعمة العلم، ولما كان المقصود من الإنجاء والتمكين: التعليم، ومن التعليم: العمل، قال: "ليس المقصود إلا ما تحمد عاقبته من علم وعمل"، وفيه أن المقصود من إيتاء الملك العلم، ليدبر أمور

стр. 4014

[(وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ)]. قيل في "الأشدّ": ثماني عشرة، وعشرون، وثلاث وثلاثون، وأربعون. وقيل: أقصاه ثنتان وستون. (حُكْماً) حكمة؛ وهو العلم بالعمل واجتناب ما يجهل فيه. وقيل: حكماً بين الناس وفقها (وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) تنبيه على أنه كان محسناً في عمله، متقياً في عنفوان أمره، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عباده، لا أن يتمتع باللذات، ومن العلم العمل، لا ليجاري به العلماء، ويماري به السفهاء، أو يصرف وجوه الناس إليه، والذي يدل على تأويل العلم بالعمل قوله بعده: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً). ثم الضمير في قوله: (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ): إما لله ، فالجملة تذييل، أي: غالب على أمره لا أحد فوقه، يفعل ما يشاء، لا راد لما أراده، وإما ليوسف، فيكون تتميماً لما دبره الله تعالى فيه، وأن العاقبة له، ومعنى مغلوبية الأمر على التمثيل، فإن المغلوب مذلل للغالب، فيتصرف فيه من غير مانع، ولذلك قال: "لا يكله إلى غيره" إلى قوله: "ولم يكن إلا ما أراد الله تعالى"، والأول صريح في مذهب أهل السنة، ولكن أهل الاعتزال لا يعلمون. قوله: ((حُكْماً) حكمة، وهو العلم بالعمل، واجتناب ما يجهل فيه)، هذا حد الحكمة، ويفهم منه أن الحكمة لا يعبر عنها بمجرد العلم، وأن لابد فيها من اجتناب ما يجهل فيه، أي: ما يعد به جاهلاً، وإن كان عالماً، فإن من علم علماً ولم يعمل بمقتضاه لا يسمى حكيماً، أو عمل ما يضاده عد سفيهاً لا حكيماً، ويعضده ما ذكره المصنف بعيد هذا في قوله: (أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنْ الْجَاهِلِينَ) [يوسف: ٣٣]، وتمام تحقيقه استقصيناه في سورة لقمان.

стр. 4015

وأنّ الله آتاه الحكم والعلم جزاء على إحسانه. وعن الحسن: من أحسن عبادة ربه في شبيبته آتاه الله الحكمة في اكتهاله. [(وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ)]. المراودة: مفاعلةً، من راد يرود: إذا جاء وذهب، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وأن الله آتاه الحكم والعلم جزاء على إحسانه)، لا يحمل هذا على الاستحقاق والوجوب، بل على التيسير والتسهيل، أي: أن الله خلقه للحكم والعلم، فوفق لأن يحسن ويكون متهيئاً لما خلق له، وعليه يحمل قول الحسن، أي: ومن وفق أن يحسن عبادة ربه في شبيبته يؤتى الحكم في اكتهاله، وعليه ما رويناه عن البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ في حديث بدء الوحي، فقال: "زملوني زمِّلوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة- وأخبرها الخبر-: لقد خشيت على نفسي، فقالت له خديجة: كلا، أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق"، الحديث. قوله: (المراودة: مفاعلة؛ من: راد يرود)، الراغب: "الرود: التردد في طلب الشيء برفق، يقال: راد وارتاد، ومنه: الرائد؛ لطالب الكلأ، وباعتبار الرفق قيل: رادت الإبل في مشيها ترود روداناً، ومنه: رويد. والإرادة منقولة من: راد يرود؛ إذا سعى في طلب شيء، والإرادة- في الأصل-: قوة مركبة من شهوة وحاجة وأمل، وجعل اسماً لنزوع النفس مع الحكم فيه بأنه ينبغي أن يفعل أو لا يفعل، ثم تستعمل مرة في المبدأ، وهو نزوع النفس إلى الشيء، وتارة في المنتهى،

стр. 4016

كأن المعنى: خادعته عن نفسه، أي: فعلت ما يفعل المخادع لصاحبه عن الشيء الذي لا يريد أن يخرجه من يده، يحتال أن يغلبه عليه ويأخذه منه، وهي عبارة عن التمحل لمواقعته إياها. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فإنه تعالى يتعالى عن معنى النزوع، فمنى: أراد الله كذا: حكم فيه أنه كذا أوليس بكذا، وقد يراد بها معنى الأمر، نحو: أريد منك كذا، أي: آمرك بكذا، نحو قوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ) [البقرة: ١٨٥]. والمراودة: أن تنازع غيرك في الإرادة، فتريد غير ما يريده، أو ترود غير ما يروده، وراودت فلاناً عن كذا، (قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي) [يوسف: ٢٦]، وقال: (امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ) [يوسف: ٣٠]، أي: تصرفه عن رأيه، وعلى ذلك: (وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ) [يوسف: ٣٢]، (قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ) [يوسف: ٦١] ". قوله: (خادعته عن نفسه؛ أي: فعلت ما يفعل المخادع لصاحبه)، قال صاحب "الفرائد": مراده: تضمين "راودت" معنى "خادعت"، فعلى ما ذكر "عن" متعلقة بـ "راودت"، لأن في المخادعة معنى التبعيد، وهو متعد بـ "عن"، كأنه قيل: بعدته عن نفسه، أي: من حفظ نفسه. قلت: ليس في كلام المصنف ما يشعر بالتضمين، لأن التضمين هو أن يضمن فعل معنى فعل، ويعدى تعديته مع إرادة معناهما، فلابد من ذكرهما في التفسير معاً، قال المصنف في الكهف: "الغرض في هذا الأسلوب إعطاء مجموع معنيين، وذلك أقوى من إعطاء معنى واحد". وأما التعدية فإن "خدع" ورد في "الأساس" على استعمالات شتى، وليس فيها تعديته

стр. 4017

(وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ) قيل: كانت سبعة. وقرئ (هَيْتَ) بفتح الهاء وكسرها مع فتح التاء، وبناؤه كبناء "أين" و"عيط". و"هيت" كـ"جير" و"هيت" كـ"حيث". وهثت بمعنى تهيأت. يقال: هاء يهيء، كجاء يجيء: إذا تهيأ. وهيئت لك. واللام من صلة الفعل، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بـ "عن"، وأما ها هنا فليس على حقيقته، لقوله: "فعلت ما يفعل المخادع بصاحبه"، لأنه وارد على التشبيه وتمثيل حاله بحاله، وأيضاً ما أتى في هذا التركيب بلفظ "المراودة"، وقد مر أن شرطه أن يذكر مع معنى المضمن فيه، وذكر في "الأساس" أيضاً: "راود روداناً: جاء وذهب، وما لي أراك ترود منذ اليوم"، وذكر في قسم المجاز: "وراوده عن نفسه: خادعه عنها"، ثم مجموع التمثيل كناية عن التمحل لمواقعته إياها. قوله: (قرئ: (هَيْتَ) بفتح الهاء وكسرها)، نافع وابن ذكوان: بالكسر- من غير همز- وفتح التاء، وهشام كذلك إلا أنه يهمز، وقد روي ضم التاء عنه، وابن كثير: بفتح الهاء وضم التاء، والباقون: بفتحهما. قوله: (كبناء "أين" و"عيط")، الأساس: "عيط: إذا مد الصوت بالصريخ، وهو العياط". قوله: (و"هيت" كـ "جير"، و"هيت" كـ "حيث")، قال ابن جني: " (هئت لك) بالهمز وضم التاء: قراءة علي ﵁، و"هيت" بفتح الهاء وكسر التاء: ابن عباس ﵄، وفيها لغات: هيت وهِيتَ وهَيْتُ وهَيْتِ؛ كلها أسماء سمي بها الفعل، ومعناها: أسرع وبادر، والحركات في أواخرها لالتقاء الساكنين.

стр. 4018

وأما في الأصوات فللبيان كأنه قيل: لك أقول هذا، كما تقول: هلم لك. (مَعاذَ اللَّهِ) أعوذ بالله معاذاً (إِنَّهُ) إن الشأن والحديث (رَبِّي) سيدي ومالكى، يريد قطفير (أَحْسَنَ مَثْوايَ) حين قال لك أكرمى مثواه، فما جزاؤه أن أخلفه في أهله سوء الخلافة وأخونه فيهم (إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) الذين يجازون الحسن بالسيئ، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وأما "هئت" بالهمز وضم التاء: ففعل يقال فيه: هئت أهيء هيئة، كجئت أجيء جيئة، أي: تهيأت، وقالوا أيضاً: هئت أهاء، كخفت أخاف، أي: خذ. وأما "هيئت لك": ففعل صريح كـ "هئت"، أي: أصلحت لك فدونك، وما انتظارك؟ ! واللام فيه متعلقة بنفس "هئت" كتعلقها بنفس "هلم" في قولهم: هلم لك، وإن شئت كانت خبر مبتدأ محذوف، أي: إرادتي بذلك لك، وأما "هيئت لك": فاللام فيه متعلقة بالفعل، كقولك: أصلحت لكذا". قوله: (وأما في الأصوات فللبيان)، يعني: على تقدير سؤال وجواب، كما سبق في قوله تعالى: (وَكَانُوا فِيهِ مِنْ الزَّاهِدِينَ)، وإليه الإشارة بقوله: "كأنه قيل: لك أقول هذا"، يعني: لما قيل: هيت، قال: لمن تقول: هيت؟ قال: لك أقول هذا. قوله: (قال لك: أكرمي مثواه)، يعني: علل الامتناع عما أرادته المرأة منه بقوله: (إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ)، فقوله: (أَحْسَنَ مَثْوَايَ) خبر ثان، وقوله: "أراد الله لأنه مسبب الأسباب" عطف على هذا الوجه، يعني: أن الله تعالى أحسن مثواي، وجعل قطفير الواسطة بأن قال لك: أكرمي مثواه، فلا أكفر نعمة ربي.

стр. 4019

وقيل: أراد الزناة لأنهم ظالمون أنفسهم. وقيل: أراد الله تعالى، لأنه مسبب الأسباب. [(وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأي: بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ)]. همّ بالأمر: إذا قصده وعزم عليه. قال: هَمَمْتُ وَلَمْ أفْعَلْ وَكِدْتُ وَلَيْتَنِى … تَرَكْتُ عَلَى عُثْمانَ تَبْكى حَلَائِلُهْ ومنه قولك: لا أفعل ذلك ولا كيداً ولا هماً؛ أي: ولا أكاد أن أفعله كيداً، ولا أهم بفعله هماً، حكاه سيبويه، ومنه: الهمام وهو الذي إذا همّ بأمر أمضاه ولم ينكل عنه. وقوله: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ) معناه. ولقد همت بمخالطته (وَهَمَّ بِها) وهمّ بمخالطتها (لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ) جوابه محذوف، تقديره: لولا أن رأى برهان ربه لخالطها، فحذف، لأنّ قوله (وَهَمَّ بِها) يدل عليه، كقولك: هممت بقتله لولا أنى خفت الله، معناه لولا أنى خفت الله لقتلته. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقيل: أراد الزناة)، عطف على قوله: "الذين يجازون الحسن بالسيئ". قوله: (هممت ولم أفعل)، البيت: قائله عمرو بن ضابئ البرجمي، أي: قصدت قتل عثمان ﵁، ومفعول "تركت" الجملة بعده، يريد: ليتني تركت هذه الكلمة عليه، وهو قول الناس: "تبكي حلائله"، كقوله تعالى: (وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ* سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ) [الصافات: ٧٨ - ٧٩].

стр. 4020

فإن قلت: كيف جاز على نبيّ الله أن يكون منه هم بالمعصية وقصد إليها؟ قلت: المراد أنّ نفسه مالت إلى المخالطة ونازعت إليها عن شهوة الشباب وقرمه ميلا يشبه الهم به والقصد إليه، وكما تقتضيه صورة تلك الحال التي تكاد تذهب بالعقول والعزائم، وهو يكسر ما به ويردّه بالنظر في برهان الله المأخوذ على المكلفين من وجوب اجتناب المحارم، ولو لم يكن ذلك الميل الشديد المسمى هماً لشدّته لما كان صاحبه ممدوحا عند الله بالامتناع، لأن استعظام الصبر على الابتلاء، على حسب عظم الابتلاء وشدته. ولو كان همه كهمها عن عزيمة، لما مدحه الله بأنه من عباده المخلصين. ويجوز أن يريد بقوله (وَهَمَّ بِها) وشارف أن يهم بها، كما يقول الرجل: قتلته لو لم أخف الله، يريد مشارفة القتل ومشافهته. كأنه شرع فيه. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ميلاً يشبه الهم به)، اللام في "الهم" للعهد، وهو راجع إلى هم المرأة، والضمير في "به" راجع إلى يوسف، أي: ميلاً يشبه هم المرأة بيوسف، وكذلك في قوله: "والقصد إليه"، و"كما تقتضيه" معطوف على "يشبه"، أي: ميلاً كما تقتضيه صورة تلك الحالة، وهي أن المرأة البديعة الجمال إذا تهيأت للشاب البالغ حد الكمال في الخلوة، لابد من مجاذبات بين هوى النفس والدين. قوله: (وهو يكسر ما به)، أي: يوسف يكسر ما يلتبس به ويرده، وهو حال من قوله: "إن نفسه مالت إلى المخالطة". قوله: (في برهان الله المأخوذ على المكلفين)، وهو قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ) [الأعراف: ١٧٢] الآية، قال المصنف: "إنه تعالى نصب لهم الأدلة على وحدانيته، وشهدت بها عقولهم وبصائرهم التي ركبها فيهم، وجعلها مميزة بين الضلالة والهدى" إلى آخره.

стр. 4021

فإن قلت: قوله (وَهَمَّ بِها) داخل تحت حكم القسم في قوله (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ) أم هو خارج منه؟ قلت: الأمران جائزان، ومن حق القارئ إذا قدّر خروجه من حكم القسم وجعله كلاماً برأسه أن يقف على قوله (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ) ويبتدئ قوله (وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأي: بُرْهانَ رَبِّهِ) وفيه أيضاً إشعار بالفرق بين الهمين. فإن قلت: لم جعلت جواب "لولا" محذوفاً يدل عليه "هم بها"، وهلا جعلته هو الجواب مقدما؟ قلت: لأن "لولا" لا يتقدم عليها جوابها، من قبل أنه في حكم الشرط، وللشرط صدر الكلام وهو مع ما في حيزه من الجملتين مثل كلمةٍ واحدة، ولا يجوز تقديم بعض الكلمة على بعض، وأما حذف بعضها إذا دلّ الدليل عليه فجائز. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (الأمران جائزان، ومن حق القارئ إذا قدر خروجه من [حكم] القسم، وجعله كلاماً برأسه أن يقف على قوله: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ)، ويبتدئ: (وَهَمَّ بِهَا))، قال صاحب "المرشد": "فإن وقف عند قوله: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ)، ثم يبتدئ: (وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا)؛ ليفرق بين ما كان منها وما كان منه؛ كان صالحاً، ولا بأس به، ليعلم أن المرأة همت على صفة، ويوسف على صفة أخرى". وقال بعضهم: معناه: اشتهته واشتهاها، وحرصت عليه، لولا أن رأى برهان ربه- والبرهان: دلالة الله إياه على تحريمه، وعلى أن من فعل ذلك الفعل استحق من الله تعالى الغضب والعذاب- لفعل ما دعته إليه من ذلك، فلأجل هذا البرهان امتنع من فعل ما اشتهاه، وضبط نفسه عنه. وقائل هذا الوجه يذهب إلى أن الشهوة قد تجري مجرى الهم في سعة اللغة، واحتج بقولهم: "هذا أهم الأشياء إلي" أي: أشهى، وهذا أحسن الوجوه عندي. قوله: (لأن "لولا" لا يتقدم عليها جوابها)، إلى آخره: قال صاحب "الفرائد": الوجه

стр. 4022

فإن قلت: فلم جعلت «لولا» متعلقة بـ"همّ بها" وحده ولم تجعلها متعلقة بجملة قوله (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها)، لأن الهمّ لا يتعلق بالجواهر ولكن بالمعاني، فلا بدّ من تقدير المخالطة والمخالطة لا تكون إلا من اثنين معا، فكأنه قيل: ولقد هما بالمخالطة لولا أن منع مانع أحدهما؟ قلت: نعم ما قلت، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عندي أن يقال: لا شك أن "لولا" تتقدم بالطبع على الجواب، لأنه هو الذي يوجب الجواب، والموجب يتقدم بالطبع على الموجب ضرورة، فتقديمه عليه إخراج له من الأصل، والإخراج من الأصل لا يجوز إلا بموجب راجح على ما يوجب الإبقاء على الأصل، وهو كونه أهم بالذكر منه، ولما كان الاهتمام بذكره بعد "لولا"، لأنه هو الذي يقتضي ذكره ويوجبه، لم يكن أن يكون أهم منه، فلم يوجد الموجب الراجح لتقديمه، فوجب تأخيره عملاً بالموجب السالم عن المعارض، هذا اختيار الإمام في "تفسيره". قوله: (لا يتعلق بالجواهر)، أي: بالأعيان. فإذا قلت: هم فلان بزيد؛ فمعناه: هم بقتله أو بشتمه وما أشبههما، ولا تريد: أنه هم بعينه وجثته. حاصل السؤال: لم علقت "لولا" بالجملة الثانية، ولم تعلق بالجملتين معاً لما لم يمكن ذلك، لأن الهم لا يتعلق بالذوات، وإنما يتعلق بالمعاني، كالمخالطة والمعانقة والملامسة والمباشرة ونحوها، وهذا المعنى مما لا يحصل إلا من الجانبين، فينتزع من مجموع قوله: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا) معنى المخالطة، ثم يقيد هم يوسف بأن يقال: ولقد هما بالمخالطة لولا أن منع مانع أحدهما. وخلاصة الجواب: أن أخذ الزبدة وإن جاز، لكن يفوت معنى التفصيل المراد من التركيب، لأنه تعالى قصد فيه استقلال كل من الهمين، وتمييز أحدهما عن الآخر؛ بأن أتى بالفعلين، وعطف أحدهما بالآخر، وكان عنه مندوحة، بأن يقال: لقد هما بالمخالطة لولا

стр. 4023

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أن منع مانع أحدهما، فعدل إلى هذا التركيب لفائدة، ولو أخذ الزبدة كان إغفالاً لترك التفصيل، وإلغاء لمجيئهما هكذا منسوقة، والفائدة: هي أن يبين أن همها كان متمادياً في الشهوة، وهم يوسف انقطع برؤية البرهان، وفيه ارتفاع شأن يوسف ﵇؛ حيث لم يشاركه معها في الهم، وجعل همه مميزاً عن همها. هذا يوافق ما روى محيي السنة في "المعالم"، وقال: "قال بعض أهل الحقائق: الهم همان: هم ثابت، وهو إذا كان معه عز وعقد ورضا، مثل: هم امرأة العزيز، فالعبد مأخوذ به. وهم عارض، وهو الخطرة وحديث النفس من غير اختيار ولا هم، مثل هم يوسف ﵇، فالعبد غير مأخوذ به ما لم يتكلم أو يعمل". وقلت: ويؤيده ما روينا عن البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم يعملوا به أو يتكلموا". هذا التفسير هو الذي يجب أن يذهب إليه ويتخذ مذهباً، وإن نقل المفسرون ما نقلوا، لأن متابعة النص القاطع وبراءة ساحة النبي المعصوم عن تلك الرذيلة، وإحالة التقصير إلى الرواة أولى بالمصير إليه، على أن أساطين النقل المتقنين الذين حموا صفو مشارب النقل عن كدورات الواضعين وتحريف الزائغين، مثل الإمامين مالك وأحمد، والشيخين البخاري ومسلم، ومن تبعهم مثل الترمذي وأبي داود والنسائي والدارمي وابن ماجة ما ذكروا في كتبهم ما يداني هذه الروايات، فضلاً عما يساويها، وما دخل على من نقل من المفسرين

стр. 4024

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أمثال هذه الهنات على الأنبياء، إلا من التهاون في الضبط، إذ جلها بل كلها مأخوذ من مسلمة أهل الكتاب. وروينا في "صحيح البخاري" في "باب لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء": عن الزهري، أخبرني حميد، سمع معاوية يحدث رهطاً من قريش بالمدينة، وذكر كعب الأحبار، فقال: "إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن الكتاب، وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب". وعن أبي هريرة قال: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: (آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا) [البقرة: ١٣٦] وما أنزل إليكم، الآية". وعن ابن عباس: "كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء، وكتابكم الذي أنزل على رسوله أحدث، تقرؤونه محضاً لم يشب، وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله وغيروه، وكتبوا بأيديهم الكتاب، وقالوا: هو من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً، ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم، لا والله ما رأينا منهم رجلاً يسألكم عن الذي أنزل عليكم"، كل ذلك في "الصحيح". ومنه ما روينا عن البخاري ومسلم والترمذي عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن

стр. 4025

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عباس: إن نوفاً البكالي يزعم أن موسى صاحب بني إسرائيل ليس هو صاحب الخضر، فقال: كذب عدو الله، سمعت أبي بن كعب يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: قام موسى خطيباً في بني إسرائيل، فسئل: أي الناس أعلم؟ فقال: أنا أعلم، قال: فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى الله إليه أن عبداً من عبادي بمجمع البحرين هو أعلم منك، قال موسى: أي رب، كيف لي به؟ فقال له: احمل حوتاً في مكتل، فحيث تفقد الحوت فهو ثم"، الحديث. واعلم أن هذا أصل عظيم في الباب، وعليه التعويل. وقال صاحب "الانتصاف": "الصحيح عندنا تنزيه الأنبياء عن الكبائر والصغائر، وأن يوسف بريء، وأن الوقف عند قوله: (هَمَّتْ بِهِ)، ويبتدأ: (وَهَمَّ بِهَا)، كما تقول: قتلت زيداً لولا أني أخاف الله، فإن كان الزمخشري يعرض بأهل السنة فليس هذا مذهبهم، وإن كان يعني به غيرهم فشأنه وإياهم". وقلت: أما دلالة كلام الله المجيد على البراءة فهو كما قال الإمام: "كل من كان له تعلق بتلك الواقعة فقد شهد ببراءة يوسف، وأما يوسف فقال: (هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي)

стр. 4026

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [يوسف: ٢٦] على التأكيد أو التخصيص، لأن التركيب نحو: أنا عرفت، وقال: (رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ) [يوسف: ٣٣]، وقال: (ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ) [يوسف: ٥٢]، وقال: (مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ) [يوسف: ٢٣]، وأما المرأة فقالت: (وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ) [يوسف: ٣٢] على القسمية- قال المصنف: "الاستعصام: بناء مبالغة يدل على الامتناع البليغ والتحفظ الشديد"-، وقالت: (الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ) [يوسف: ٥١]، وأما الزوج فقال: (إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ* يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ) [يوسف: ٢٨ - ٢٩]، وأما النسوة فقلن: (حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ) [يوسف: ٥١]، وأما الشهود فقالوا: (وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ) [يوسف: ٢٧] الآية، وأما الله عز شأنه فقد قال: (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) [يوسف: ٢٤] ". وقلت: فيه من التأكيد أنه قرن "الفحشاء" بـ "السوء" لينفي عنه الزنى ومقدمتها، وسماه "عبده"، وأدخله في زمرة "المخلصين"، وعلل الصرف بقوله: (إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ)، وأتى باسم الإشارة وكاف التشبيه تفخيماً للتثبيت، أي: مثل ذلك التثبيت العجيب الشأن لنصرف عنه السوء. "وأما إبليس فإنه قال: (فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ* إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ) [ص: ٨٢ - ٨٣]، والله تعالى شهد له بالإخلاص، وأكد الشهادة بالطريق البرهاني حيث أدخله في جملة المخلصين"، وأما الملك فقد قال: (إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ) [يوسف: ٥٤].

стр. 4027

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال الإمام: "أما تفسير "الهم" فقد جاء على معان: أحدها: العزم على الفعل، قال تعالى: (إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا) [المائدة: ١١]، أي: عزموا على ذلك. وثانيها: خطور الشيء بالبال، قال تعالى: (إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا) [آل عمران: ١٢٢]، أي: خطر ببالهم دون أن يعزموا، بدليل قوله تعالى: (وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا)، لأن الله تعالى لا يكون ولي من عزم على المعصية. وثالثها: الشهوة وميل الطبع، يقول القائل فيما لا يشتهيه: لا يهمني هذا، وفيما يشتهيه: هذا أهم الأشياء إلي. والمراد بـ "الهم" في الآية: خطور الشيء بالبال، أو ميل الطبع بالشهوة، وذلك أن المرأة الفائقة في الحسن والجمال إذا تهيأت للشاب القوي لابد أن يقع هناك بين الشهوة والحكمة وبين النفس والعقل مجاذبات ومنازعات، فتارة تقوى داعية الشهوة والطبيعية، وتارة تقوى داعية العقل والحكمة، فالهم عبارة عن جواذب الطبيعة، ورؤية البرهان عبارة عن جواذب النبوة والحكمة. مثاله: أن الرجل الصالح الصائم في الصيف الصائف إذا رأى الماء المبرد فطبيعته تحمله على شربه، إلا أن هداه ودينه يمنعه منه، وهذا لا يدل على حصول الذنب، بل كلما كانت هذه الحالة أشد كانت القوة [في القيام] بلوازم العبودية أكمل. ولو أريد به العزم كان أيضاً دليلاً على عصمته، لأنه تعالى لما أظهر ما يصرفه عن العزم وجب أن لا يكون منه عزم، فلما لم يكن منه عزم لم يكن منه فعل، لأن الفعل تابع للعزم".

стр. 4028

ولكنّ الله قد جاء بالهمين على سبيل التفصيل حيث قال (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها) فكان إغفاله إلغاء له، فوجب أن يكون التقدير. ولقد همت بمخالطته وهم بمخالطتها، على أنّ المراد بالمخالطتين توصلها إلى ما هو حظها من قضاء شهوتها منه، وتوصله إلى ما هو حظه من قضاء شهوته منها، (لولا أن رأى برهان ربه) فترك التوصل إلى حظه من الشهوة، فلذلك كانت «لولا» حقيقة بأن تعلق بـ"همّ بها" وحده. وقد فسر "همّ يوسف" بأنه حل الهميان وجلس منها مجلس المجامع، وبأنه حل تكة سراويله وقعد بين شعبها الأربع وهي مستلقية على قفاها، وفسر "البرهان" بأنه سمع صوتاً: إياك وإياها، فلم يكترث له، فسمعه ثانياً فلم يعمل به، فسمع ثالثاً: أعرض عنها، فلم ينجع فيه حتى مثل له يعقوب عاضاً على أنملته. وقيل: ضرب بيده في صدره فخرجت شهوته من أنامله. وقيل: كل ولد يعقوب له اثنا عشر ولداً إلا يوسف، فإنه ولد له أحد عشر ولداً من أجل ما نقص من شهوته حين همّ، وقيل: صيح به: يا يوسف، لا تكن كالطائر: كان له ريش، فلما زنى قعد لا ريش له. وقيل: بدت كف فيما بينهما ليس لها عضد ولا معصم، مكتوب فيها (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ* كِراماً كاتِبِينَ) [الانفطار: ١٠ - ١١]، فلم ينصرف، ثم رأي: فيها (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا) [الإسراء: ٣٢] فلم ينته، ثم رأي: فيها (وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ) [البقرة: ٢٨١]، فلم ينجع فيه، فقال الله لجبريل ﵇: أدرك عبدي قبل أن يصيب الخطيئة، فانحط جبريل وهو يقول: يا يوسف، أتعمل عمل السفهاء وأنت مكتوب في ديوان الأنبياء؟ وقيل: رأى تمثال العزيز. وقيل: قامت المرأة إلى صنم كان هناك فسترته ........ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (حل الهميان)، الجوهري: "هميان الدراهم- بكسر الهاء-: معروف"، وفي النهاية: "الهميان: تكة السراويل".

стр. 4029

وقالت: أستحيي منه أن يرانا. فقال يوسف استحييت ممن لا يسمع ولا يبصر، ولا أستحيي من السميع البصير العليم بذوات الصدور! وهذا ونحوه مما يورده أهل الحشو والجبر الذين دينهم بهت الله تعالى وأنبيائه، وأهل العدل والتوحيد ليسوا من مقالاتهم ورواياتهم بحمد الله بسبيل، ولو وجدت من يوسف ﵇ أدنى زلة لنعيت عليه وذكرت توبته واستغفاره، كما نعيت على آدم زلته، وعلى داود، وعلى نوح، وعلى أيوب. وعلى ذى النون، وذكرت توبتهم واستغفارهم، كيف وقد أثنى عليه وسمي مخلصاً، فعلم بالقطع أنه ثبت في ذلك المقام الدحض، وأنه جاهد نفسه مجاهدة أولي القوّة والعزم، ناظراً في دليل التحريم ووجه القبح، حتى استحق من الله الثناء فيما أَنزل من كتب الأولين، ثم في القرآن الذي هو حجة على سائر كتبه ومصداق لها، ولم يقتصر إلا على استيفاء قصته وضرب سورة كاملة عليها، ليجعل له لسان صدق في الآخرين، كما جعله لجدّه الخليل إبراهيم ﵇، وليقتدي به الصالحون إلى آخر الدهر في العفة وطيب الإزار والتثبت في مواقف العثار، فأخزى الله أولئك في إيرادهم ما يؤدّى إلى أن يكون إنزال الله السورة التي هي أحسن القصص في القرآن العربي المبين ليقتدى بنبي من أنبياء الله، في القعود بين شعب الزانية وفي حل تكته للوقوع عليها، وفي أن ينهاه ربه ثلاث كرّات ويصاح به من عنده ثلاث صيحات بقوارع القرآن، وبالتوبيخ العظيم، وبالوعيد الشديد، وبالتشبيه بالطائر الذي سقط ريشه حين سفد غير أنثاه، وهو جاثم في مربضه ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (الدحض)، الجوهري: "مكان دحض؛ أي: زلق".

стр. 4030

لا يتحلحل ولا ينتهى ولا ينتبه، حتى يتداركه الله بجبريل وبإجباره، ولو أن أوقح الزناة وأشطرهم وأحدهم حدقة وأصلحهم وجهاً لقى بأدنى ما لقى به نبي الله مما ذكروا، لما بقي له عِرق ينبض ولا عضو يتحرّك! فياله من مذهب ما أفحشه، ومن ضلال ما أبينه! (كَذلِكَ) الكاف منصوب المحل، أي: مثل ذلك التثبيت ثبتناه. أو مرفوعه، أي: الأمر مثل ذلك (لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ) من خيانة السيد (وَالْفَحْشاءَ) من الزنى (إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ) الذين أخلصوا دينهم لله، وبالفتح. الذين أخلصهم الله لطاعته بأن عصمهم. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لا يتحلحل)، "حلحلت القوم؛ أي: أزعجتهم عن موضعهم". قوله: (وأجلحهم)، الأساس: "رجل أجلح، وبرأسه جلح، ومن المجاز: فلان وقح مجلح، وفي وجهه تجليح، وهو الإقدام على الشر". قوله: (فيا له من مذهب): المنادى محذوف، أي: يا قوم احضروا له، ثم بين الضمير بقوله: "من مذهب"، وفيه تعجب وتعجيب. قوله: (وبالفتح: الذين أخلصهم الله): عطف على " (المخلصين)، الذين أخلصوا"، أي: قرئ: "المخلصين" بكسر اللام؛ والمعنى: الذين أخلصوا دينهم، وبالفتح؛ والمعنى: الذين أخلصهم الله، قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ويعقوب: بالكسر، والباقون: بالفتح.
следующие страницы →