Полный текст (9 345 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.
стр. 4026
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[يوسف: ٢٦] على التأكيد أو التخصيص، لأن التركيب نحو: أنا عرفت، وقال: (رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ) [يوسف: ٣٣]، وقال: (ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ) [يوسف: ٥٢]، وقال: (مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ) [يوسف: ٢٣]، وأما المرأة فقالت: (وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ) [يوسف: ٣٢] على القسمية- قال المصنف: "الاستعصام: بناء مبالغة يدل على الامتناع البليغ والتحفظ الشديد"-، وقالت: (الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ) [يوسف: ٥١]، وأما الزوج فقال: (إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ* يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ) [يوسف: ٢٨ - ٢٩]، وأما النسوة فقلن: (حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ) [يوسف: ٥١]، وأما الشهود فقالوا: (وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ) [يوسف: ٢٧] الآية، وأما الله عز شأنه فقد قال: (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) [يوسف: ٢٤] ".
وقلت: فيه من التأكيد أنه قرن "الفحشاء" بـ "السوء" لينفي عنه الزنى ومقدمتها، وسماه "عبده"، وأدخله في زمرة "المخلصين"، وعلل الصرف بقوله: (إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ)، وأتى باسم الإشارة وكاف التشبيه تفخيماً للتثبيت، أي: مثل ذلك التثبيت العجيب الشأن لنصرف عنه السوء.
"وأما إبليس فإنه قال: (فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ* إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ) [ص: ٨٢ - ٨٣]، والله تعالى شهد له بالإخلاص، وأكد الشهادة بالطريق البرهاني حيث أدخله في جملة المخلصين"، وأما الملك فقد قال: (إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ) [يوسف: ٥٤].
стр. 4027
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقال الإمام: "أما تفسير "الهم" فقد جاء على معان:
أحدها: العزم على الفعل، قال تعالى: (إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا) [المائدة: ١١]، أي: عزموا على ذلك.
وثانيها: خطور الشيء بالبال، قال تعالى: (إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا) [آل عمران: ١٢٢]، أي: خطر ببالهم دون أن يعزموا، بدليل قوله تعالى: (وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا)، لأن الله تعالى لا يكون ولي من عزم على المعصية.
وثالثها: الشهوة وميل الطبع، يقول القائل فيما لا يشتهيه: لا يهمني هذا، وفيما يشتهيه: هذا أهم الأشياء إلي.
والمراد بـ "الهم" في الآية: خطور الشيء بالبال، أو ميل الطبع بالشهوة، وذلك أن المرأة الفائقة في الحسن والجمال إذا تهيأت للشاب القوي لابد أن يقع هناك بين الشهوة والحكمة وبين النفس والعقل مجاذبات ومنازعات، فتارة تقوى داعية الشهوة والطبيعية، وتارة تقوى داعية العقل والحكمة، فالهم عبارة عن جواذب الطبيعة، ورؤية البرهان عبارة عن جواذب النبوة والحكمة. مثاله: أن الرجل الصالح الصائم في الصيف الصائف إذا رأى الماء المبرد فطبيعته تحمله على شربه، إلا أن هداه ودينه يمنعه منه، وهذا لا يدل على حصول الذنب، بل كلما كانت هذه الحالة أشد كانت القوة [في القيام] بلوازم العبودية أكمل.
ولو أريد به العزم كان أيضاً دليلاً على عصمته، لأنه تعالى لما أظهر ما يصرفه عن العزم وجب أن لا يكون منه عزم، فلما لم يكن منه عزم لم يكن منه فعل، لأن الفعل تابع للعزم".
стр. 4028
ولكنّ الله قد جاء بالهمين على سبيل التفصيل حيث قال (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها) فكان إغفاله إلغاء له، فوجب أن يكون التقدير. ولقد همت بمخالطته وهم بمخالطتها، على أنّ المراد بالمخالطتين توصلها إلى ما هو حظها من قضاء شهوتها منه، وتوصله إلى ما هو حظه من قضاء شهوته منها، (لولا أن رأى برهان ربه) فترك التوصل إلى حظه من الشهوة، فلذلك كانت «لولا» حقيقة بأن تعلق بـ"همّ بها" وحده.
وقد فسر "همّ يوسف" بأنه حل الهميان وجلس منها مجلس المجامع، وبأنه حل تكة سراويله وقعد بين شعبها الأربع وهي مستلقية على قفاها، وفسر "البرهان" بأنه سمع صوتاً: إياك وإياها، فلم يكترث له، فسمعه ثانياً فلم يعمل به، فسمع ثالثاً: أعرض عنها، فلم ينجع فيه حتى مثل له يعقوب عاضاً على أنملته. وقيل: ضرب بيده في صدره فخرجت شهوته من أنامله. وقيل: كل ولد يعقوب له اثنا عشر ولداً إلا يوسف، فإنه ولد له أحد عشر ولداً من أجل ما نقص من شهوته حين همّ، وقيل: صيح به: يا يوسف، لا تكن كالطائر: كان له ريش، فلما زنى قعد لا ريش له. وقيل: بدت كف فيما بينهما ليس لها عضد ولا معصم، مكتوب فيها (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ* كِراماً كاتِبِينَ) [الانفطار: ١٠ - ١١]، فلم ينصرف، ثم رأي: فيها (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا) [الإسراء: ٣٢] فلم ينته، ثم رأي: فيها (وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ) [البقرة: ٢٨١]، فلم ينجع فيه، فقال الله لجبريل ﵇: أدرك عبدي قبل أن يصيب الخطيئة، فانحط جبريل وهو يقول: يا يوسف، أتعمل عمل السفهاء وأنت مكتوب في ديوان الأنبياء؟ وقيل: رأى تمثال العزيز. وقيل: قامت المرأة إلى صنم كان هناك فسترته ........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (حل الهميان)، الجوهري: "هميان الدراهم- بكسر الهاء-: معروف"، وفي النهاية: "الهميان: تكة السراويل".
стр. 4029
وقالت: أستحيي منه أن يرانا. فقال يوسف استحييت ممن لا يسمع ولا يبصر، ولا أستحيي من السميع البصير العليم بذوات الصدور!
وهذا ونحوه مما يورده أهل الحشو والجبر الذين دينهم بهت الله تعالى وأنبيائه، وأهل العدل والتوحيد ليسوا من مقالاتهم ورواياتهم بحمد الله بسبيل، ولو وجدت من يوسف ﵇ أدنى زلة لنعيت عليه وذكرت توبته واستغفاره، كما نعيت على آدم زلته، وعلى داود، وعلى نوح، وعلى أيوب. وعلى ذى النون، وذكرت توبتهم واستغفارهم، كيف وقد أثنى عليه وسمي مخلصاً، فعلم بالقطع أنه ثبت في ذلك المقام الدحض، وأنه جاهد نفسه مجاهدة أولي القوّة والعزم، ناظراً في دليل التحريم ووجه القبح، حتى استحق من الله الثناء فيما أَنزل من كتب الأولين، ثم في القرآن الذي هو حجة على سائر كتبه ومصداق لها، ولم يقتصر إلا على استيفاء قصته وضرب سورة كاملة عليها، ليجعل له لسان صدق في الآخرين، كما جعله لجدّه الخليل إبراهيم ﵇، وليقتدي به الصالحون إلى آخر الدهر في العفة وطيب الإزار والتثبت في مواقف العثار، فأخزى الله أولئك في إيرادهم ما يؤدّى إلى أن يكون إنزال الله السورة التي هي أحسن القصص في القرآن العربي المبين ليقتدى بنبي من أنبياء الله، في القعود بين شعب الزانية وفي حل تكته للوقوع عليها، وفي أن ينهاه ربه ثلاث كرّات ويصاح به من عنده ثلاث صيحات بقوارع القرآن، وبالتوبيخ العظيم، وبالوعيد الشديد، وبالتشبيه بالطائر الذي سقط ريشه حين سفد غير أنثاه، وهو جاثم في مربضه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (الدحض)، الجوهري: "مكان دحض؛ أي: زلق".
стр. 4030
لا يتحلحل ولا ينتهى ولا ينتبه، حتى يتداركه الله بجبريل وبإجباره، ولو أن أوقح الزناة وأشطرهم وأحدهم حدقة وأصلحهم وجهاً لقى بأدنى ما لقى به نبي الله مما ذكروا، لما بقي له عِرق ينبض ولا عضو يتحرّك! فياله من مذهب ما أفحشه، ومن ضلال ما أبينه!
(كَذلِكَ) الكاف منصوب المحل، أي: مثل ذلك التثبيت ثبتناه. أو مرفوعه، أي: الأمر مثل ذلك (لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ) من خيانة السيد (وَالْفَحْشاءَ) من الزنى (إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ) الذين أخلصوا دينهم لله، وبالفتح. الذين أخلصهم الله لطاعته بأن عصمهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لا يتحلحل)، "حلحلت القوم؛ أي: أزعجتهم عن موضعهم".
قوله: (وأجلحهم)، الأساس: "رجل أجلح، وبرأسه جلح، ومن المجاز: فلان وقح مجلح، وفي وجهه تجليح، وهو الإقدام على الشر".
قوله: (فيا له من مذهب): المنادى محذوف، أي: يا قوم احضروا له، ثم بين الضمير بقوله: "من مذهب"، وفيه تعجب وتعجيب.
قوله: (وبالفتح: الذين أخلصهم الله): عطف على " (المخلصين)، الذين أخلصوا"، أي: قرئ: "المخلصين" بكسر اللام؛ والمعنى: الذين أخلصوا دينهم، وبالفتح؛ والمعنى: الذين أخلصهم الله، قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ويعقوب: بالكسر، والباقون: بالفتح.
стр. 4031
ويجوز أن يريد بـ (السوء): مقدّمات الفاحشة، من القبلة والنظر بشهوة، ونحو ذلك.
وقوله (مِنْ عِبادِنَا) معناه بعض عبادنا، أى: هو مخلص من جملة المخلصين. أو هو ناشئ منهم، لأنه من ذرية إبراهيم الذين قال فيهم (إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ) [ص: ٤٦].
[(وَاسْتَبَقَا الْبابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلاَّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ* قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ* وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ* فَلَمَّا رَأي: قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ* يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ)].
(وَاسْتَبَقَا الْبابَ) وتسابقا إلى الباب على حذف الجارّ وإيصال الفعل، كقوله (وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ) [الأعراف: ١٥٥]، على تضمين (واستبقا) معنى «ابتدرا» نفر منها يوسف، فأسرع يريد الباب ليخرج وأسرعت وراءه لتمنعه الخروج.
فإن قلت: كيف وحد الباب، وقد جمعه في قوله (وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ) [يوسف: ٢٣]؟ قلت: أراد الباب البراني الذي هو المخرج من الدار والمخلص من العار، فقد روى كعب أنه لما هرب يوسف جعل فراش القفل يتناثر ويسقط حتى خرج من الأبواب.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (الباب البراني)، الأساس: "جلست براً، وخرجت براً: إذا جلس إلى ظاهر الدار، وخرج إلى ظاهر البلد. ومن أصلح جوانيه أصلح الله برانيه، وافتح الباب البراني، ويقال: أريد جواً ويريد براً، أي: أريد خفية وهو يريد علانية".
стр. 4032
(وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ) اجتذبته من خلفه فانقد، أي: انشق حين هرب منها إلى الباب وتبعته تمنعه (وَأَلْفَيا سَيِّدَها) وصادفا بعلها وهو قطفير، تقول المرأة لبعلها: سيدي. وقيل: إنما لم يقل سيدهما، لأنّ ملك يوسف لم يصح، فلم يكن سيداً له على الحقيقة. قيل: ألفياه مقبلا يريد أن يدخل. وقيل جالساً مع ابن عمّ للمرأة. لما اطلع منها زوجها على تلك الهيئة المريبة وهي مغتاظة على يوسف إذ لم يؤاتها جاءت بحيلة جمعت فيها غرضيها: وهما تبرئة ساحتها عند زوجها من الريبة والغضب على يوسف، وتخويفه طمعاً في أن يؤاتيها خيفة منها ومن مكرها، وكرها لما أيست من مؤاتاته طوعا. ألا ترى إلى قولها (وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ) [يوسف: ٣٢].
و«ما» نافية، أى: ليس جزاؤه إلا السجن. ويجوز أن تكون استفهامية، بمعنى: أي: شيء جزاؤه إلا السجن، كما تقول: من في الدار إلا زيد.
فإن قلت: كيف لم تصرح في قولها بذكر يوسف، وإنه أراد بها سوءا قلت: قصدت العموم، وأنّ كل من أراد بأهلك سوءاً فحقه أن يسجن أو يعذب، لأنّ ذلك أبلغ فيما قصدته من تخويف يوسف،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (قصدت العموم، وأن كل من أراد بأهلك سوءاً فحقه أن يسجن)، الانتصاف: "أو أرادت بالإجمال الحياء والحشمة أن تقول لبعلها: هذا أراد بي سوءاً، ولذلك كنت بالسوء عن الفاحشة بعداً عن القحة التي توهم الريبة، وقالت ابنة شعيب ﵇: (إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَاجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ) [القصص: ٢٦]، ولم تقل: إنه قوي أمين؛ حياء من أبيها".
стр. 4033
وقيل: العذاب الأليم الضرب بالسياط. ولما أغرت به وعرّضته للسجن والعذاب وجب عليه الدفع عن نفسه فقال: (هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي) ولولا ذلك لكتم عليها.
(وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها) قيل كان ابن عمّ لها، إنما ألقى الله الشهادة على لسان من هو من أهلها، لتكون أوجب للحجة عليها، وأوثق لبراءة يوسف، وأنفى للتهمة عنه. وقيل: هو الذي كان جالساً مع زوجها لدى الباب. وقيل كان حكيما يرجع إليه الملك ويستشيره ويجوز أن يكون بعض أهلها كان في الدار فبصر بها من حيث لا تشعر، فأغضبه الله ليوسف بالشهادة له والقيام بالحق. وقيل: كان ابن خال لها صبيا في المهد. وعن النبي ﷺ «تكلم أربعة وهم صغار: ابن ماشطة فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وعيسى»
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أغرت به)، الجوهري: "غري به- بالكسر-؛ أي: أولع به، والاسم الغراء".
قوله: (تكلم أربعة وهم صغار)، وكذا في "المعالم"، ويرده دلالة الحصر في الرواية عن البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى
стр. 4034
فإن قلت: لم سمي قوله شهادة وما هو بلفظ الشهادة؟ قلت: لما أدّى مؤدّى الشهادة في أن ثبت به قول يوسف وبطل قولها سمي شهادة.
فإن قلت: الجملة الشرطية كيف جازت حكايتها بعد فعل الشهادة؟ قلت: لأنها قول من القول، أو على إرادة القول، كأنه قيل: وشهد شاهد فقال إن كان قميصه ........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ابن مريم، وصاحب جريج، وكان رجلاً عابداً فاتخذ صومعة، وكانت امرأة بغي، فتعرضت له، فلم يلتفت إليها، فأتت راعياً يأوي إلى صومعته، فوقع عليها، فلما ولدت قالت: هو من جريج، فأتى جريج الصبي وطعن في بطنه، وقال: من أبوك؟ قال: فلان الراعي. وبينا صبي يرضع من أمه، فمر رجل راكب على دابة فارهة، وشارة حسنة، فقالت أمه: اللهم اجعل ابني مثل هذا، فترك الثدي فقال: اللهم لا تجعلني مثله"، هذا مختصر من ألفاظ الحديث.
قوله: (الجملة الشرطية)، أي: الجملة الشرطية فيها معنى الترقب والتعليق، وفعل الشهادة يقتضي الأداء والإنشاء، فبينهما تناف؟ وأجاب بجوابين: أحدهما: أن فعل الشهادة
стр. 4035
فإن قلت: إن دل قدّ قميصه من دُبر على أنها كاذبة وأنها هي التي تبعته واجتبذت ثوبه إليها فقدّته، فمن أين دل قدّه من قُبُلٍ على أنها صادقة، وأنه كان تابعها؟ قلت: من وجهين:
أحدهما: أنه إذا كان تابعها وهي دافعته عن نفسها قدت قميصه من قدّامه بالدفع.
والثاني: أن يسرع خلفها ليلحقها فيتعثر في مقادم قميصه فيشقه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من إطلاق الخاص على العام، كأنه قيل: قال قائل: إن كان قميصه، على طريق أداء الشهادة، أو القول محذوف، كأنه قيل: وشهد شاهد، فقال: إن كان قميصه.
قال صاحب "الفرائد": هذا التقرير غير مستقيم، وإنما يستقيم أن لو قيل: فإن كان قميصه، ووجهه أن يقال: وشهد شاهد قائلاً: إن كان قميصه.
وقلت: ما المانع من تقدير ما يستقيم به المعنى، سواء كان حرفاً أو غيره، ولاشك أن ذلك التقدير أفصح، لأنه على وزان قوله تعالى: (فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ) [البقرة: ٥٤].
قوله: (من وجهين: أحدهما: أنه إذا كان تابعها وهي دافعته) إلى آخره، الانتصاف: "ويمكن مثله في اتباعها له، فإنها إنما قدت قميصه من قُبُل؛ بتقدير أن تكون جذبته حين صارا متقابلين، بل ها هنا أظهر، لأن الموجب للقد غالباً الجذب لا الدفع".
وقوله: (الثاني: أن يسرع خلفها ليلحقها، فيتعثر في مقادم قميصه، فيشقه)، الانتصاف: "هذا بعينه محتمل إذا كانت هي التابعة، وهو فار منها، والحق أن الشاهد إن كان صبياً في المهد، فالآية في مجرد كلامه، كما كان كلام عيسى برهاناً على براءة مريم، فلا يظهر في وجه الأمارة المذكورة، وإن كنا الشاهد بعض أهلها فإنه بصر بها من حيث لا تشعر،
стр. 4036
وقرئ: "من قُبُلُ" و"من دُبُرُ"، بالضم على مذهب الغايات. والمعنى: من قبل القميص ومن دبره. وأما التنكير فمعناه من جهة يقال لها قُبُلٌ، ومن جهة يقال لها دبر. وعن ابن أبي إسحاق أنه قرأ: "من قُبُل" و"من دبر" بالفتح، كأنه جعلهما علمين للجهتين فمنعهما الصرف للعلمية والتأنيث. وقرئا بسكون العين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تشعر، فأغضبه الله ليوسف بالشهادة له، وكان من حقه أن يصدق يوسف ويكذبها، لكن أراد أن لا يكون الفاضح لها، فتعلق بانقطاع القميص وأمارته على الصدق والكذب إبعاداً للتهمة، ولذلك قدم أمارة صدقها على أمارة صدقه، وكذا فعل مؤمن آل فرعون في قوله: (وَإِنْ يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ) [غافر: ٢٨]، وكذا فعل يوسف في كونه بدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه، والشاهد قصد الأمارة الأخيرة، وجعل الأولى توطئة لها. وأما إن كان الشاهد الحكيم فلابد من المناسبة، وأقربها أن قده من دبر دليل على إدباره عنها، وقده من قبل دليل على إقباله إليها بوجهه".
قوله: (وقرئ: "من قُبُل" و"من دبر")، قال ابن جني: "هي قراءة ابن يعمر والجارود، وهي كقوله تعالى: (لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ) [الروم: ٤]، يريد: من دبره ومن قبله، فلما حذف المضاف إليه صار المضاف غاية نفسه بعدما كان المضاف إليه غاية له، فبني على الضم"، لأن المعنى أن يعلم أنه كان قميصه، يعني: أن الشرط وإن كان ماضياً، لكن في تأويل المضارع، لأن المراد إرشاد العزيز إلى إظهار الحق، وهو مثل قولك: إن أحسنت إلي فقد أحسنت إليك؛ في الإخبار والإعلام، وهذا تقوله لمن يمن عليك بإحسانه.
قال ابن الحاجب: "وإنما صح ذلك لأن جواب الشرط لا يكون إلا جملة، وقد يكون
стр. 4037
فإن قلت: كيف جاز الجمع بين «إن» الذي هو للاستقبال وبين «كان»؟ قلت: لأنّ المعنى أن يعلم أنه كان قميصه قدّ، ونحوه كقولك: إن أحسنت إلىّ فقد أحسنت إليك من قبل، لمن يمتن عليك بإحسانه، تريد: إن تمتن علىَّ أمتنَّ عليك.
(فَلَمَّا رَأى) يعنى قطفير وعلم براءة يوسف وصدقه وكذبها (قالَ إِنَّهُ) إن قولك (ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً) أو إنّ الأمر وهو طمعها في يوسف (مِنْ كَيْدِكُنَّ) الخطاب لها ولأمتها. وإنما استعظم كيد النساء لأنه وإن كان في الرجال، إلا أنّ النساء ألطف كيداً وأنفذ حيلة. ولهنّ في ذلك نيقة ورفق، وبذلك يغلبن الرجال. ومنه قوله تعالى: (وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ) [الفلق: ٤]، والقصريات من بينهنّ معهنّ ما ليس مع غيرهنّ من البوائق.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ..
معنى الشرط فيه الإعلام بما هو المشروط"، ذكره في "الأمالي".
وقال أيضاً: " (كَانَ) ها هنا بمعنى: ثبت، كأنه قيل: إن ثبت أن قميصه، وثبوت الشيء لا يلزم منه أن يكون قبل ذلك ثابتاً، والمعنى: إن ثبت هذا في المستقبل فهي صادقة".
قوله: (نيقة)، نيقة: فعلة؛ من: تنوق في الأمر؛ إذا مهر فيه وحذق.
قوله: (والقصريات من بينهن)، أي: اللاتي نشأن في القصور، أي: الحضريات دون البدويات.
قوله: (من البوائق)، وهي جمع بائقة؛ الداهية، وفي الحديث: "لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه"، أي: ظلمه وغشمه.
стр. 4038
وعن بعض العلماء: أنا أخاف من النساء أكثر ما أخاف من الشيطان، لأنّ الله تعالى يقول (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً) [النساء: ٧٦] وقال للنساء (إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ).
(يُوسُفُ) حذف منه حرف النداء لأنه منادى قريب مفاطن للحديث وفيه تقريب له وتلطيف لمحله (أَعْرِضْ عَنْ هذا) الأمر واكتمه ولا تحدّث به (وَاسْتَغْفِرِي) أنت (لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ) من جملة القوم المتعمدين للذنب.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لأن الله تعالى يقول: (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً) [النساء: ٧٦]، وقال للنساء: (إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ))، الانتصاف: "وفيه نظر؛ لأن الذي في هذه الآية من كلام العزيز، فيمكن أن تكون حكايته تصحيحاً لكلامه لا تحقيقاً، وقوله تعالى: ((إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً) مقابل بكيد الله، فحقه أن يكون ضعيفاً، ولأن كيد الشيطان أصل لكيد النساء، فلا يكون كيدهن أعظم".
قوله: (لأنه منادى قريب مفاطن للحديث)، يعني: يجاء بحرف "يا" الندائية لأمرين: إما أن المنادى بعيد، فيطلب إقباله به، وإما أنه قريب ساه بليد فينبه به، ويوسف ﵇ لم يكن بهذه المثابة.
قوله: (وفيه تقريب له وتلطيف لمحله)، نشر للمعنيين، يعني: في حذف حرف النداء تقريب له، أي: تنزيه عن بعده، ورفعة لمكانه، لأنه مفاطن ذكي، وليس بساه.
стр. 4039
يقال: خطئ، إذا أذنب متعمداً، وإنما قال (مِنَ الْخاطِئِينَ) بلفظ التذكير تغليبا للذكور على الإناث، وما كان العزيز إلا رجلا حليما. وروي أنه كان قليل الغيرة.
[(وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ* فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ* قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ)].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (يقال: خطئ؛ إذا أذنب متعمداً)، الراغب: "الخطأ: العدول عن الجهة، وذلك أضرب:
أحدها: أن تريد غير ما تحسن إرادته، فتفعله، هذا هو الخطأ التام المأخوذ به الإنسان، ويقال فيه: خطئ يخطأ خِطأً وخطَأً وخطأة، قال تعالى: (إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً) [الإسراء: ٣١]، (وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ) [يوسف: ٩١].
وثانيها: أن يريد ما يحسن فعله، ولكن يقع خلافه، فيقال: أخطأ خطأ فهو مخطئ، وهذا قد أصاب في الإرادة وأخطأ في الفعل، ومنه الحديث: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان"، وقوله: (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) [النساء: ٩٢].
وثالثها: أن يريد ما لا يحسن فعله، ويتفق خلافه، فهذا مخطئ في الإرادة مصيب في الفعل، فهو مذموم [بقصده] غير محمود بفعله، وهو المراد بقول الشاعر:
أردت مساءتي فاجتررت مسرتي … وقد يحسن الإنسان من حيث لا يدري
стр. 4040
(وَقالَ نِسْوَةٌ) وقال جماعة من النساء، وكنّ خمساً: امرأة الساقي، وامرأَة الخباز، وامرأَة صاحب الدواب، وامرأة صاحب السجن، وامرأة الحاجب. والنسوة: اسم مفرد لجمع المرأة وتأنيثه غير حقيقى كتأنيث اللمة، ولذلك لم تلحق فعله تاء التأنيث. وفيه لغتان: كسر النون وضمها (فِي الْمَدِينَةِ) في مصر (امْرَأَتُ الْعَزِيزِ) يردن قطفير، والعزيز: الملك بلسان العرب (فَتاها) غلامها
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وجملة الأمر أن من أراد شيئاً واتفق منه غيره يقال له: أخطأ، وإن وقع منه كما أراد يقال: أصاب، ويقال لمن فعل فعلاً لا يحسن، أو أراد إرادة لا تجمل: أخطأ، ولهذا يقال: أصاب الخطأ وأخطأ الصواب وأصاب الصواب وأخطأ الخطأ، هذه اللفظة مشتركة كما ترى، مترددة بين معان يجب لمن يتحرى الحقائق أن يتأملها".
قوله: (كتأنيث اللمة)، وهي اسم لجماعة النساء، النهاية: "وفي الحديث: "أن فاطمة خرجت في لمة من نسائها"، أي: في جماعة، قيل: هي ما بين الثلاثة إلى العشرة، وقيل: اللمة: المثل في السن والترب. الجوهري: "الهاء عوض" من الهمزة الذاهبة من وسطه، وأصلها: فعلة؛ من الملاءمة، وهي الموافقة".
стр. 4041
يقال: فتاي وفتاتي، أي: غلامي وجاريتي (شَغَفَها) خرق حبه شغاف قلبها حتى وصل إلى الفؤاد، والشغاف حجاب القلب، وقيل جلدةٌ رقيقةٌ يقال لها لسان القلب. قال النابغة:
وَقَدْ حَالَ هَمٌّ دُونَ ذَلِكَ وَالِجٌ … مَكَانَ الشِّغَافِ تَبْتَغِيِه الأَصَابِعُ
وقرئ: "شعفها" بالعين، من شعف البعير إذا هنأه فأحرقه بالقطران، قال:
كَمَا شَعَفَ المَهْنُوءَةَ الرَّجُلُ الطّالِى
و(حُبًّا) نصب على التمييز، (فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) في خطأٍ وبُعدٍ عن طريق الصواب.
(بِمَكْرِهِنَّ) باغتيابهنّ وسوء قالتهنّ، وقولهنّ: امرأة العزيز عشقت عبدها الكنعاني ومقتها،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقد حال هم دون ذلك) البيت، يقول: قد حال هم دون ذلك الأمر داخل بين القلب والفؤاد، بحيث تبتغيه الأصابع، فلا تجده من شدة الكمون فيه، وقيل: تبتغيه؛ أي: تلتمسه أصابع الأطباء، ينظرون أنزل في ذلك الموضع أم لا؟
قوله: (كما شعف المهنوءة الرجل الطالي)، أوله لامرئ القيس:
أيقتلني وقد شعفت فؤادها
قال ابن جني: "معناه: وصل حبه إلى قلبها، وكاد يحرقه بحدته، وأصله من البعير يهنأ بالقطران، فتصل حرارة ذلك إلى قلبه، قال الأصمعي: كل شيء يذهب بالفؤاد من خير وشر فهو شاغف"، وأنشد البيت.
قوله: (ومقتها)، الجوهري: "مقته مقتاً: أبغضه".
стр. 4042
وسمي الاغتياب مكراً لأنه في خفية وحال غيبة، كما يخفي الماكر مكره. وقيل: كانت استكتمتهنّ سرّها فأفشينه عليها (أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ) دعتهنّ. قيل: دعت أربعين امرأة منهنّ الخمس المذكورات (وَأَعَْدَتْ لَهُنَّ) ما يتكئن عليه من نمارق، قصدت بتلك الهيئة وهي فعودهنّ متكئات والسكاكين في أيديهنّ: أن يدهشن ويبهتن عند رؤيته، ويشغلن عن نفوسهنّ فتقع أيديهنّ على أيديهنّ فيقطعنها، لأن المتكئ إذا بهت لشيء وقعت يده على يده، ولا يبعد أن تقصد الجمع بين المكر به وبهنّ، فتضع الخناجر في أيديهنّ ليقطعن أيديهنّ، فتبكتهنّ بالحجة، ولنهول يوسف من مكرها إذا خرج على أربعين نسوة مجتمعات في أيديهنّ الخناجر، وتوهمه أنهنّ يثبن عليه.
وقيل: (متكأ) مجلس طعام لأنهم كانوا يتكؤن للطعام والشراب والحديث كعادة المترفين، ولذلك: نهي أن يأكل الرجل متكئا» وآتتهنّ السكاكين ليعالجن بها ما يأكلن. وقيل (مُتَّكَأً) طعاما، من قولك اتكأنا عند فلان: طعمنا، على سبيل الكناية، لأن من دعوته ليطعم عندك اتخذت له تكأة يتكئ عليها. قال جميل:
فَظَلَلْنَا بِنِعْمَةٍ وَاتَّكَانَا … وَشَرِبْنَا الْحَلَالَ مِنْ قُلَلِهْ
وعن مجاهد (مُتَّكَأً) طعاماً يحزّ حزّا، كأن المعنى يعتمد بالسكين، لأنّ القاطع يتكئ على المقطوع بالسكين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فتضع الخناجر)، الفاء تفصيل لما أجمل في قوله: "أن تقصد الجمع بين المكر به- أي: بيوسف- وبهن"، أي: بالنسوة.
قوله: (فظللنا) البيت، "واتكأنا": أي: أخذنا متكأ نتكئ عليه، و"القلل": جمع قلة، وهي الجرة، و"الحلال": النبيذ.
стр. 4043
وقرئ "متكاً" بغير همز. وعن الحسن: "متكاء" بالمدّ، كأنه مفتعال، وذلك لإشباع فتحة الكاف، كقوله «بُمْنتَزاحِ» بمعنى بمنتزح. ونحوه «يَنْبَاعُ» بمعنى ينبع. وقرئ: "متكاً" وهو الأترج، وأنشد:
فَأَهْدَتْ مَتْكَةً لِبَنِي أبِيهَا … تَخُبُّ بِهَا العثَمْثَمَةُ الْوِقَاحُ
وكانت أهدت أترجة على ناقة، وكأنها الأترجة التي ذكرها أبو داود في "سننه" أنها شقت بنصفين، وحملا كالعدلين على جمل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (بمنتزاح)، قال:
وأنت من الغوائل حين ترمي … ومن ذم الرجال بمنتزاح
قوله: (ونحوه: "ينباع")، أي: في شعر عنترة، قال:
ينباع من ذفرى غضوب جسرة … زيافة مثل الفنيق المكدم
أي: ينبع العرق خلف ناقة غضوب، و"الجسرة": القوية، و"الزيافة": المتبخترة، و"الفنيق": الفحل، و"المكدم"؛ من الكدم، وهو العض.
قوله: (فأهدت متكة) البيت، "لبني أبيها": أي: إخوتها، والعثمثمة: الناقة الصلبة، والوقاح: شذيد الحافر.
стр. 4044
وقيل: الزماورد وعن وهب: أترجاً وموزاً وبطيخاً. وقيل: أعدت لهنَّ ما يقطع، من متك الشيء بمعنى بتكه إذا قطعه. وقرأ الأعرج: مُتَّكَأً مفعلا، من تكئ يتكأ، إذا اتكأ.
(رأينه أَكْبَرْنَهُ) أعظمنه وهبن ذلك الحسن الرائع والجمال الفائق. قيل: كان فضل يوسف على الناس في الحسن كفضل القمر ليلة البدر على نجوم السماء. وعن النبي ﷺ : «مررت بيوسف الليلة التي عرج بي إلى السماء، فقلت لجبريل: من هذا؟ فقال يوسف، فقيل: يا رسول الله، كيف رأيته؟ قال «كالقمر ليلة البدر».
وقيل كان يوسف إذا سار في أزقة مصر يرى تلألؤ وجهه على الجدران، كما يرى نور الشمس من الماء عليها. وقيل: ما كان أحد يستطيع وصف يوسف. وقيل: كان يشبه آدم يوم خلقه ربه. وقيل: ورث الجمال من جدّته سارة.
وقيل: "أكبرن" بمعنى حضن، والهاء للسكت. يقال: أكبرت المرأة إذا حاضت، وحقيقته: دخلت في الكبر لأنها بالحيض تخرج من حدّ الصغر إلى حدّ الكبر، وكأن أبا الطيب أخذ من هذا التفسير قوله:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (الزماورد)، الزماورد: بفتح الزاي، ذكره الأزهري، وهو الرقاق الملفوف باللحم وغيره، كأنه يتكئ عليه السكين، كذا وجدته في الحواشي.
قوله: (كما يرى نور الشمس من الماء عليها)، أي: يرى انعكاس ضوء الشمس من الماء على الجدران.
قوله: (والهاء للسكت)، قيل: تحريك هاء السكت لحن، فكأنه أجري الوقف مجرى الوصل، فيه جواب عن قول الزجاج: "ويقال: (أَكْبَرْنَهُ): حضن، وقد رويت عن مجاهد،
стр. 4045
خَفِ اللَّهَ وَاسْتُرْ ذَا الْجَمَالَ بِبُرْقُعٍ … فَإنْ لُحْتَ حَاضَتْ فِى الْخُدُورِ الْعَوَاتِقُ
(قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ) جرحنها، كما تقول: كنت أقطع اللحم فقطعت يدي، تريد: جرحتها.
(حاشَ) كلمة تفيد معنى التنزيه في باب الاستثناء. تقول: أساء القوم حاشا زيد. قال:
حَاشَا أَبِي ثَوْبَانَ إنَّ بِهِ … ضَنَّا عَنِ المَلْحَاةِ وَالشَّتْمِ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وليس ذلك بمعروف في اللغة، وأنشدوا بيتاً فيه:
يأتي النساء على أطهارهن ولا … يأتي النساء إذا أكبرن إكبارا
والهاء في (أَكْبَرْنَهُ) تنفي هذا، لأنه لا يجوز: "النساء حضنه يا هذا"، لأن "حضن" لا يتعدى إلى مفعول".
ولهذا جعل المصنف الهاء للسكت، والأحسن أن يقال: إن الهاء ضمير مصدر، كأنه قيل: أكبرن إكباراً، كما في قولهم: "عبد الله أظنه منطلق".
قوله: (خف الله) البيت، وفيه: "ذابت" بدل "حاضت"، قال الواحدي: "يقول: استر جمالك ببرقع ترسله على وجهك، فإنك إن ظهرت ذابت الشواب في خدورهن عشقاً لك. ويروى: "حاضت"، فإن المرأة إذا اغتلمت حاضت".
قوله: (حاشا أبي ثوبان) البيت، قيل: كل مصراع من بيت، وترتيب البيتين هكذا:
حاشا أبي ثوبان إن أبا … ثوبان ليس ببكمة فدم
عمرو بن عبد الله إن به … ضناً عن الملحاة والشتم
стр. 4046
وهي حرف من حروف الجر، فوضعت موضع التنزيه والبراءة، فمعنى «حاشا الله» براءة الله وتنزيه الله، وهي قراءة ابن مسعود، على إضافة حاشا إلى الله إضافة البراءة.
ومن قرأ: "حاشا لله"، فنحو قولك: سقيا لك، كأنه قال: براءة، ثم قال: لله، لبيان من يبرأ وينزه، .........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والبيت- كما في الكتاب-: رواه ابن جني في "المحتسب".
"ضناً": بكسر الضاد، أي: يضن بنفسه عن الملحاة، وهي المفعلة؛ من: لحيت الرجل: إذا لمته، واللحاء- مكسوراً ممدوداً-: اللعن والعذل، وهو مشتق من: لحوت العصا: إذا قشرتها، يقول: أذمهم وألومهم إلا أبا ثوبان، فإني أضن أن ألحاه، أي: أشتمه.
قوله: (وهي حرف من حروف الجر)، قيل: إضافة "حاشا" إلى الله لا يستقيم على تقدير كون "حاشا" حرف جر، لأن حرف الجر لا يضاف، وإذا كان حرف جر لا يبتدأ به الكلام، وكذا إذا كان حرف استثناء، كقولك: أساء القوم حاشا زيد، وأما قول الشاعر: "حاشا أبي ثوبان"، فيمكن أن يكون قد تقدمه ما يكون هذا مستثنى منه؛ إذ المعنى: أذمهم وألومهم إلا أبا ثوبان.
والجواب: أن قوله: "فوضعت موضع التنزيه والبراءة" يدفع هذا الزعم، وسيجيء عن الزجاج وأبي علي أنها ليست بحرف.
قوله: (قال: براءة، ثم قال: لله، لبيان من يبرأ وينزه)، قال ابن الحاجب: "إنه اسم من أسماء الأفعال، بمعنى: برئ الله من السوء، ولعل دخول اللام كدخولها في (
هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ) [المؤمنون: ٣٦] ".
стр. 4047
والدليل على تنزيل «حاشا» منزلة المصدر: قراءة أبي السمال: "حاشَ لِلَّهِ" بالتنوين. وقراءة أبي عمرو "حاشَ لِلَّهِ" بحذف الألف الأخيرة،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ووجه قراءة من قرأ بالإضافة أن يكون مصدراً مضافاً، ومن قرأ "حاشاً" بالتنوين، وهو إما أن يكون مصدراً أيضاً أو اسم فعل، والتنوين كما في "صه"، ونم قرأ "حاشا لله" وقلب التنوين ألفاً أجرى الوصل مجرى الوقف، أو يكون اسم فعل موضوع هكذا بغير تنوين.
قوله: (وقراءة أبي عمرو: "حاش لله" بحذف الألف الأخيرة)، قال صاحب "التيسير": "قال أبو عمرو: "حاش لله" في الحرفين بألف في الوصل، فإذا وقف حذفها اتباعاً للخط، وروي ذلك عن اليزيدي، والباقون: بغير ألف في الحالين".
قال الزجاج: "حاشا لله" و"حاش لله" يقرآن بحذف الألف وإثباتها، ومعناه الاستثناء، المعنى- فيما فسره أهل التفسير-: "قلن: معاذ الله ما هذا بشراً"، وأما على مذهب المحققين من أهل اللغة، فهي مشتقة من قولك: كنت في حشا فلان، أي: في ناحيته، والمعنى: براءة من الله؛ من التنحي، والمعنى: قد نحى الله هذا من هذا، إذا قلت: حاشا لزيد، معناه: قد تنحى زيد من هذا وتباعد منه".
وقال أبو علي: "لا يخلو (حَاشَ لِلَّهِ) أن يكون الحرف الجار في الاستثناء، مثل قول الشاعر:
стр. 4048
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ..
حاشا أبي ثوبان
أو يكون "فاعل"؛ من قوله: حاشا يحاشي.
لا يجوز الأول؛ لأن الجار لا يدخل على مثله، ولأن الحرف لا يحذف إذا لم يكن فيه تضعيف، فتعين الثاني، فـ "حاشا": فاعل؛ من "الحشا" الذي يعنى به: الناحية، أي: صار في حشا- أي: ناحية- مما قرف به، أي: لم يقترفه ولم يلابسه، وصار في عزلة عنه وناحية.
وإذا كان فعلا فلابد من فاعل، وفاعله يوسف، أي: بعد عن هذا الذي رمي به لله، أي: لخوفه ومراقبة أمره.
وأما حذف الألف فيه: فلأن الأفعال قد حذف منها، نحو: لم يك، ولا أدر، ولم أبل".
وقال الجوهري: "حاشا: قد يكون فعلاً وقد يكون حرفاً، قال سيبويه: "حاشا" لا يكون إلا حرف جر، لأنها لو كانت فعلاً لجاز أن تكون صلة لـ "ما"، كما يجوز ذلك في "خلا"، فلما امتنع أن يقال: "جاءني القوم ما حاشا زيداً"، دلت على أنها ليست بفعل، وقال المبرد: "حاشا" قد تكون فعلاً، واستدل بقول النابغة:
ولا أرى فاعلاً في الناس يشبهه … وما أحاشي من الأقوام من أحد
стр. 4049
وقراءة الأعمش حاشَ لِلَّهِ بحذف الألف الأولى.
وقرئ "حاشَ لِلَّهِ" بسكون الشين، على أن الفتحة تبعت الألف في الإسقاط، وهي ضعيفة لما فيها من التقاء الساكنين على غير حدّه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فتصرفه يدل على أنه فعل، ولأنه يقال: "حاشا لزيد"، فحرف الجر لا يجوز أن يدخل على حرف الجر، ولأن الحذف يدخلها، كقولهم: حاش لزيد، والحذف لا يكون في الحرف".
وقلت: إن المصنف اختار مذهب سيبويه، وأناب الحرف مناب المصدر، كما أنهم أمالوا "بلى" و"يا"، مع أن الحروف لا تمال، لأنها أشبهت الجملة في الاستقلال، فكأنها من قبيل الأفعال، وينصره قول المفسرين: معناه: معاذ الله، كما نقله الزجاج. وقال المالكي: والتزم سيبويه فعلية "عدا"، وحرفية "حاشا"، فإن وليها مجرور باللام لم تتعين فعليتها خلافاً للمبرد، بل اسميتها لجواز تنوينها.
وقلت: سبق في أول البقرة بيان مجازها.
قوله: (وقرئ: "حاش لله")، قال ابن جني: "وهي قراءة الحسن- بخلاف-، وفيه ضعف من وجهين: أحدهما: التقاء الساكنين الألف والشين، وليست الشين مدغمة. والآخر: إسكان الشين بعد حرف الألف، ولا موجب لذلك. وطريقه في الحذف: أنه لما حذف الألف تخفيفاً أتبع ذلك الفتحة؛ إذ كانت كالعرض اللاحق مع الألف، فصارت كالتكرير في الراء، والتفشي في الشين، والصفير في الصاد والسين، والإطباق في الصاد والضاد والطاء والظاء، ومتى حذفت حرفاً من هذه الحروف ذهب معه ما يصحبه من التكرير والصفير والإطباق".
стр. 4050
وقرئ: "حاشا الإله".
فإن قلت: فلم جاز في حاشا لله أن لا ينوّن بعد إجرائه مجرى: براءة لله؟ قلت: مراعاة لأصله الذي هو الحرفية. ألا ترى إلى قولهم: جلست من عن يمينه، كيف تركوا «عن» غير معرب على أصله؟ وعلى في قوله:
غدت من عليه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: "حاشا الإله")، قال ابن جني: "وهي أيضاً قراءة الحسن، هو كقولك: حاشا الرب، وحاشا المعبود".
قوله: (جلست من عن يمينه)، أي: ناحية يمينه.
قوله: (غدت من عليه)، [تمامه]:
غدت من عليه تنفض الطل بعدما … رأت حاجب الشمس استوى فترفعا
ويروى:
غدت من عليه بعدما تم ظمؤها … تصل وعن قيض ببيداء مجهل
стр. 4051
منقلب الألف إلى الياء مع الضمير؟
والمعنى: تنزيه الله تعالى من صفات العجز، والتعجب من قدرته على خلق جميل مثله. وأما قوله (حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ) [يوسف: ٥١] فالتعجب من قدرته على خلق عفيف مثله (ما هذا بَشَراً) نفين عنه البشرية لغرابة جماله ومباعدة حسنه، لما عليه محاسن الصور، وأثبتن له الملكية وبتتن بها الحكم، وذلك لأن الله ركز في الطباع أن لا أحسن من الملك، كما ركز فيها أن لا أقبح من الشيطان، ولذلك يشبه كل متناهٍ في الحسن والقبح بهما، وما ركز ذلك فيها إلا لأنّ الحقيقة كذلك، كما ركز في الطباع أن لا أدخل في الشر من الشياطين، ولا أجمع للخير من الملائكة، إلا ما عليه الفئة الخاسئة المجبرة من تفضيل الإنسان على الملك، وما هو إلا من تعكيسهم للحقائق، وجحودهم للعلوم الضرورية، ومكابرتهم في كل باب،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يصف قطاة، واستعار الطمء لها، وهو للإبل خاصة، "تصل": أي: يصوت جوفها من شدة العطش، و"عن قيض": أي: ومن عن قيض، وهو القشر الأعلى من البيض.
قوله: (منقلب الألف)، أي: ألا ترى إلى "على"- في قول الشاعر- منقلب الألف إلى الياء مع الضمير، وقلب الألف ياء لا يكون إلا في الحرف.
قوله: (وبتتن بها الحكم)، يعني: نفين عنه البشرية بـ "ما"، ثم أثبتن له الملكية بـ "إلا"، وهما في الحصر أصل، وبهما يقطع الحكم.
قوله: (إلا ما عليه الفئة الخاسئة المجبرة من تفضيل الإنسان على الملك)، الانتصاف:
стр. 4052
وإعمال «ما» عمل «ليس» هي اللغة القدمى الحجازية وبها ورد القرآن. ومنها قوله تعالى (ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ) [المجادلة: ٢]،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"أكثر السفاهة، وحسب أن هذه المسألة من الضروريات، وقنع في ذلك بأنه ركز في الطباع، والمراد ها هنا طباع النساء وميلها إلى الشهوات وإيثار العاجلة".
الإنصاف: "الآية دلت- إن صح كلام النسوة- على أن الملك أجمل وأحسن من البشر، وليس الخلاف إلا في أيهما أفضل، ولا يلزم من كونه أجمل أن يكون أفضل".
قال الإمام: "الأولى أن يكون هذا التشبيه واقعاً في نفي دواعي الشهوة والحرص على طلب المشتهى، وإثبات ضد ذلك، وهو غض البصر وقمع النفس عن الميل إلى المحرمات، بدليل قولهن: (إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ)، سلمنا لكن تعظيم حال يوسف في الحسن والجمال لا في السيرة، لأن ظهور عذرها في شدة عشقها، إنما يحصل بسبب فرط يوسف في الجمال، فلم قلتم: إن ذلك يوجب المزيد في الفضل، بمعنى: كثرة الثواب".
قلت: ويؤيد هذا قول المصنف في: (فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ): "قلن ذلك رفعاً لمنزلته في الحسن واستحقاق أن يحب ويفتتن به، ولذلك أوثر (بَشَراً) على "إنساناً"، لأن البشر مأخوذ من البشرة، ومن هنا سميت البشارة بشارة، لأنها أخبار تبسط بشرة الوجه بسبب انتشار الدم فيه، ولو قيل: إنساناً لكان نفياً للإنسانية، وكان كلاماً في المعنى، ولزم من ذلك الفضل المطلوب، فملا نفيت عنه البشرية علم أن المنفي كمال حسن المنظر والطلعة البهية.
قال الراغب: "الإنسان أوجد لأن يعلم ويعمل بحسبه، فكل إنسان لم يوجد كاملاً لما خلق له لم يستحق اسمه عليه مطلقاً، بل قد ينفى عنه، كقولهم: ليس بإنسان، أي: لا يوجد
стр. 4053
ومن قرأ على سليقته من بني تميم، قرأ «بشر» بالرفع. وهي في قراءة ابن مسعود. وقرئ: "ما هذا بِشرًى"، أي: ما هو بعبدٍ مملوكٍ لئيم (إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ) تقول هذا بشرًى، أي: حاصل بشرى، بمعنى: هذا مشترى. وتقول: هذا لك بشرى أم بِكرى؟ والقراءة هي الأولى، لموافقتها المصحف، ومطابقة "بشرٍ" لـ"ملك".
(قالَتْ فَذلِكُنَّ) ولم تقل فهذا وهو حاضر، رفعاً لمنزلته في الحُسن، واستحقاق أن يحب ويفتتن به، وربأً بحاله واستبعاداً لمحله. ويجوز أن يكون إشارةً إلى المعنىّ بقولهنّ: عشقت عبدها الكنعاني. تقول: هو ذلك العبد الكنعاني الذي صوّرتن في أنفسكنّ، ثم لمتنني فيه. تعني: أنكن لم تصوّرنه بحق صورته، ولو صوّرتنه بما عاينتن لعذرتننى في الافتنان به.
الاستعصام: بناء مبالغة يدل على الامتناع البليغ والتحفظ الشديد،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فيه المعنى الذي خلق لأجله".
قوله: (سليقته)، الجوهري: "السليقة: الطبيعة، يقال: فلان يتكلم بالسليقة؛ أي: بالطبع لا عن تعلم".
قوله: (ما هذا بشرى)، قال ابن جني: "هي قراءة الحسن وأبي الحويرث"، وقال الزجاج: "هذه القراءة ليست بشيء، لأن مثل "بشرى" يكتب في المصحف بالياء، وقولهن: (إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ) مطابق في اللفظ لـ (بَشَراً) ".
قوله: (وربأ بحاله)، الجوهري: "يقال: إني لأربأ بك عن هذا الأمر؛ أيك أرفعك عنه".
стр. 4054
كأنه في عصمةٍ وهو يجتهد في الاستزادة منها. ونحوه: استمسك، واستوسع الفتق، واستجمع الرأي، واستفحل الخطب. وهذا بيانٌ لما كان من يوسف ﵇ لا مزيد عليه، وبرهان لا شيء أنور منه، على أنه بريءٌ مما أضاف إليه أهل الحشو مما فسروا به الهمّ والبرهان.
فإن قلت: الضمير في (آمُرُهُ) راجع إلى الموصول أم إلى يوسف؟ قلت: بل إلى الموصول. والمعنى: ما آمر به، فحذف الجار كما في قولك: أمرتك الخير، ويجوز أن تجعل «ما» مصدرية، فيرجع إلى يوسف. ومعناه: ولئن لم يفعل أمرى إياه، أي: موجب أمري ومقتضاه.
قرئ (وَلَيَكُوناً) بالتشديد والتخفيف. والتخفيف أولى، لأنّ النون كتبت في المصحف ألفاً على حكم الوقف، وذلك لا يكون إلا في الخفيفة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (بل إلى الموصول)، أي: لا يرجع إلى يوسف، بل إلى الموصول، لأنه لو عاد إلى يوسف بقي الموصول بلا عائد، أو يلزم حذف الجار مع المجرور. وقال نور الدين الحكيم: بل الأولى أن يكون راجعاً إلى يوسف، والراجع إلى الموصول حذف بعدما نصب بنزع خافضه، كما قرر في قوله تعالى: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ) [الحجر: ٩٤]، حذف هناك كما استكن ها هنا.
قوله: ((وَلِيَكُونَا) بالتشديد والتخفيف)، التخفيف هو المشهور، والتشديد شاذ، قال الزجاج: "القراءة الجيدة التخفيف، والوقف عليها بالألف، لأن النون الخفيفة تبدل منها في الوقف الألف، تقول: اضربن زيداً، فإذا وقفت قلت: اضربا، وقرئت بالتشديد وأكرهها لخلاف المصحف، لأن النون الشديدة لا يبدل منها شيء".
стр. 4055
[(قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ* فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)].
وقرئ "السِّجْنُ" بالفتح، على المصدر. وقال (يَدْعُونَنِي) على إسناد الدعوة إليهنّ جميعاً، لأنهنّ تنصحن له وزيّن له مطاوعتها، وقلن له: إياك وإلقاء نفسك في السجن والصغار، فالتجأ إلى ربه عند ذلك وقال: (ربِّ) نزولُ السجن (أحبّ إلي) من ركوب المعصية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (يَدْعُونَنِي) على إسناد الدعوة إليهن جميعاً)، فالنون: ضمير جماعة النساء، ووزنه: "يفعلن"، وهذه الصيغة يشترك فيها النساء كما نحن فيه، والرجال كما في قول مؤمن آل فرعون: (وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ) [غافر: ٤١]، قالوا: وفي المذكر ضميرهم، والنون علم الرفع، والواو في المؤنث لام الفعل، والنون ضميرهن. ذكر نحوه في قوله تعالى: (إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ) [البقرة: ٢٣٧].
قوله: (تنصحن له)، تنصح: أي: تشبه بالنصحاء، وتكلف أن يكون ناصحاً.
قوله: (فالتجأ إلى ربه عند ذلك، وقال: رب نزول السجن أحب إلي من ركوب المعصية)، وخوف الفضيحة التي يختار عندها الحمام، كما قالت مريم: (يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْياً مَنْسِيّاً) [مريم: ٢٣].
روى السجاوندي وصاحب "الإيجاز": علق بعض نساء المدينة من صميم شرفها
стр. 4056
فإن قلت: نزول السجن مشقة على النفس شديدة، وما دعونه إليه لذة عظيمة، فكيف كانت المشقة أحبّ إليه من اللذة؟ قلت: كانت أحبّ إليه وآثر عنده نظراً في حسن الصبر على احتمالها لوجه الله،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وحسنات دهرها سليمان بن يسار، ودخلت عليه من كل مدخل، دخلت عليه مستفتية، وقالت: لئن لم تفعل ما آمرك لأصيحن ولأشهرنك، فسكتها، ثم خرج من المدينة، وجلا وطنه فراراً من المعصية، فرأى يوسف في المنام، فقال له: أنت يوسف ﵇؟ قال: نعم، أنا يوسف الذي هممت، وأنت سليمان الذي لم تهم.
قوله: (كانت أحب إليه وآثر عنده نظراً في حسن الصبر)، قال القاضي: "وقيل: إنما ابتلي بالسجن لقوله هذا، وإنما كان الأولى به أن يسأل الله العافية، ولذلك رد رسول الله ﷺ على من كان يسأل الصبر"، روينا عن الترمذي عن معاذ، سمع النبي ﷺ رجلاً يقول: اللهم إني أسألك الصبر، قال: "سألت الله البلاء، فاسأله العافية"، وعنه عن عبد الله ابن مسعود قال رسول الله ﷺ : "سلوا الله من فضله، فإن الله يحب أني سأل، وأفضل العبادة انتظار الفرج".
وقال الإمام: "إنه ﵇ إنما أجاب بهذا قولها: (وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ)،
стр. 4057
وفي قبح المعصية، وفي عاقبة كل واحدة منهما، لا نظراً في مشتهى النفس ومكروهها (وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ) فزعٌ منه إلى ألطاف الله وعصمته، كعادة الأنبياء والصالحين فيما عزم عليه ووطن عليه نفسه من الصبر، لا أن يطلب منه الإجبار على التعفف والإلجاء إليه (أَصْبُ إِلَيْهِنَّ) أمل إليهنّ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وتقديره: إذا كان لابد من الإلزام بأحد الأمرين- أعني: الزنى أو السجن-، فهذا أولى، لأنه متى وجب إلزام أحد قسمين؛ كل واحد منهما شر، فأخفهما أولى بالتحمل".
قوله: ((وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ) فزع منه إلى ألطاف الله وعصمته)، التقدير: وإن لم تصرف عني كيدهن في تحبيب ذلك إلي وتحسينه عندي بالتثبيت على العصمة، (أَصْبُ إِلَيْهِنَّ) أمل إلى إجابتهن بطبعي ومقتضى شهوتي.
قال الإمام: "كان قد حصل جميع الأسباب المرغبة إلى إجابة دواعي الشهوة، من المال والجاه والتمتع بالمنكوح، وحصل في الإعراض عنها جميع الأسباب المنفرة، فالتجأ إلى الله تعالى في طلب ترجيح دواعي الحكمة على الشهوة"، قال: "واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن الإنسان لا ينصرف عن المعصية إلا إذا صرفه الله تعالى، وإن لم يصرفه فقد وقع فيها"، ومن هذا فر المصنف، وقال: "فزع منه إلى ألطاف الله وعصمته، لا أن يطلب منه الإجبار على التعفف"، ولا يخفى ضعفه.
قوله: ((أَصْبُ إِلَيْهِنَّ) أمل إليهن)، الراغب: "الصبي: من لم يبلغ الحلم، ورجل مصب: ذو صبيان، وصبا فلان صبواً وصبوة: إذا نزع واشتاق وفعل فعل الصبيان، قال تعالى: (أَصْبُ إِلَيْهِنَّ)، وأصباني فصبوت".
стр. 4058
والصبوة: الميل إلى الهوى. ومنها: الصبا، لأنّ النفوس تصبو إليها لطيب نسيمها وروحها. وقرئ: أصب إليهنّ، من الصبابة.
(مِنَ الْجاهِلِينَ) من الذين لا يعملون بما يعلمون، لأنّ من لا جدوى لعلمه فهو ومن لا يعلم سواء. أو من السفهاء، لأنّ الحكيم لا يفعل القبيح. وإنما ذكر الاستجابة ولم يتقدّم الدعاء، لأنّ قوله (وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي) فيه معنى طلب الصرف والدعاء باللطف (السَّمِيعُ) لدعوات الملتجئين إليه (الْعَلِيمُ) بأحوالهم وما يصلحهم.
[(ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ)].
(بَدا لَهُمْ) فاعله مضمر، لدلالة ما يفسره عليه وهو: (ليسجننه)، والمعنى: بدا لهم بداء، أي: ظهر لهم رأي (ليسجننه)، والضمير في (لَهُمْ) للعزيز وأهله، (مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ) وهي الشواهد على براءته، وما كان ذلك إلا باستنزال المرأة لزوجها، وفتلها منه في الذروة والغارب،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((الْأَيَاتِ) وهي الشواهد على براءته)، قال القاضي: "كشهادة الصبي، وقد القميص، وقطع النساء أيديهن، واستعصامه عنهن".
قوله: (ياستنزال المرأة لزوجها)، وهي كناية عن الحيلة، ولهذا صرح بذكر المرأة والزوج، أي: المكيدة التي تجري بين المرأة زوجها من استنزاله من رأيه الصائب إلى ما أرادت، وفيه معنى التدرج، كما جاء في المثل الآتي بعده، الأساس: "ومن المجاز: استنزلته من رأيه".
قوله: (وفتلها منه في الذروة والغارب)، مثل في الخداع، لأن رائض الصعبة إذا أراد رياضتها مسح سنامها وذروتها.
стр. 4059
وكان مطواعةً لها وجملاً ذلولاً، زمامه في يدها، حتى أنساه ذلك ما عاين من الآيات وعمل برأيها في سجنه وإلحاق الصغار به كما أو عدته به، وذلك لما أيست من طاعته لها، أو لطمعها في أن يذلله السجن ويسخره لها. وفي قراءة الحسن: "لتسجننه" بالتاء على الخطاب؛ خاطب به بعضهم العزيز ومن يليه، أو العزيز وحده على وجه التعظيم.
(حَتَّى حِينٍ) إلى زمان، كأنها اقترحت أن يسجن زماناً حتى تبصر ما يكون منه. وفي قراءة ابن مسعود: "عتى حين"، وهي لغة هذيل. وعن عمر ﵁: أنه سمع رجلاً يقرأ «عتى حين» فقال: من أقرأك؟ قال:
ابن مسعود. فكتب إليه: "إن الله أنزل هذا القرآن فجعله عربيا وأنزله بلغة قريش، فأقرئ الناس بلغة قريش ولا تقرئهم بلغة هذيل، والسلام".
[(وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ قالَ أَحَدُهُما إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَاسِي خُبْزاً تَاكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنا بِتَاوِيلِهِ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ)].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (مطواعة)، المطواعة: بناء مبالغة، والهاء على تأويل النفس، كالهلباجة للأحمق.
الأساس: "يقال: هو مطيع ومطواع ومطواعة، قال:
إذا سدته سدت مطواعة … ومهما وكلت إليه كفاه".
стр. 4060
«مع» يدل على معنى الصحبة واستحداثها. تقول: خرجت مع الأمير، تريد مصاحبا له، فيجب أن يكون دخولهما السجن مصاحبين له.
(فَتَيانِ) عبدان للملك؛ خبازه وشرابيه، رقي إليه أنهما يسمانه، فأمر بهما إلى السجن، فأدخلا ساعة أدخل يوسف ﵇ (إِنِّي أَرانِي) يعني في المنام، وهي حكاية حال ماضية (أَعْصِرُ خَمْراً) يعني عنباً، تسمية للعنب بما يؤول إليه. وقيل: الخمر - بلغة عمان-: اسم للعنب.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"سدته"؛ أي: اخترته للسيادة.
قوله: ("مع" يدل على معنى الصحبة واستحداثها)، فيجب أن يكون دخولهما السجن مصاحبين له، قيل: ينتقض هذا بقوله: (وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ) [النمل: ٤٤]، فيقال: لا ينتقض، بل يحمل ذلك على التخصيص للصارف، يدل عليه قول المصنف في قوله تعالى: (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ) [الصافات: ١٠٢]: "لا يصح تعليقه بـ (بلغ)، لاقتضائه بلوغهما حد السعي معاً، ولا بـ (السَّعْيَ)، لأن صلة المصدر لا تتقدم عليه، فيكون بياناً، كأنه لما قال: فلما بلغ السعي، أي: الحد الذي يقدر فيه على السعي، قيل: مع من؟ قال: مع أبيه".
فـ "مع" ها هنا جار على الحقيقة، حال من فاعل "دخل"، وقيد للفعل، فيكون حدوثها مع حدوث الفعل، ولا صارف من الحمل على الحقيقة، فوجب حمله عليها.
قوله: (رقي إليه)، الجوهري: "رقى عليه كلاماً ترقية: إذا رفع".
قوله: (بلغة عمان)، النهاية: "عمان- بفتح العين وتشديد الميم-: مدينة قديمة بالشام من أرض البلقاء، فأما بالضم والتخفيف: فهو صقع عند البحرين، وله ذكر في الحديث".
стр. 4061
وفي قراءة ابن مسعود: "أعصر عنباً" (مِنَ الْمُحْسِنِينَ) من الذين يحسنون عبارة الرؤيا، أي: يجيدونها، رأياه يقصّ عليه بعض أهل السجن رؤياه فيؤوّلها له، فقالا له ذلك. أو: من العلماء، لأنهما سمعاه يذكر للناس ما علما به أنه عالم. أو من المحسنين إلى أهل السجن. فأحسن إلينا بأن تفرّج عنا الغمة بتأويل ما رأينا إن كانت لك يد في تأويل الرؤيا. روي أنه كان إذا مرض رجل منهم قام عليه، وإذا أضاق وسع له، وإذا احتاج جمع له
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (من الذين يحسنون عبارة الرؤيا)، قال الزجاج: "فيه أن أمر الرؤيا صحيح، وأن منها ما يصح، ومن دفعه فليس بمسلم، لأنه يدفع القرآن والسنة، روي عن النبي ﷺ : أن "الرؤيا جزء من أربعين جزءاً من النبوة"، وتأويله: أن الأنبياء يخبرون بما سيكون، والرؤيا تدل على ما سيكون".
قوله: (إن كانت لك يد في تأويل الرؤيا)، وإنما قيد في هذا الوجه بالشرط، لأنهما حينئذ ما رأياه يقص عليه أحد رؤياه، وهو يؤولها، ولا سمعاه يذكر للناس ما علما به أنه عالم، بل أطلقا قولهما: (مِنَ الْمُحْسِنِينَ) فراسة، فناسب لذلك التعليق.
قوله: (وإذا أضاق أوسع له)، الأساس: "ومن المجاز: وأصابته ضيقة: فقر، وقد أضاق إضاقة، ورجل مضيق".
стр. 4062
وعن قتادة: كان في السجن ناسٌ قد انقطع رجاؤهم وطال حزنهم، فجعل يقول: أبشروا. اصبروا تؤجروا، إنّ لهذا لأجراً، فقالوا: بارك الله عليك ما أحسن وجهك! وما أحسن خلقك! لقد بورك لنا في جوارك، فمن أنت يا فتى؟ قال: أنا يوسف ابن صفيّ الله يعقوب ابن ذبيح الله إسحاق ابن خليل الله إبراهيم، فقال له عامل السجن: لو استطعت خليت سبيلك، ولكني أحسن جوارك، فكن في أي بيوت السجن شئت. وروي أن الفتيين قالا له إنا لنحبك من حين رأيناك، فقال: أنشدكما بالله أن لا تحباني، فوالله ما أحبني أحد قط إلا دخل عليّ من حبه بلاء، لقد أحبتني عمتي فدخل عليّ من حبها بلاء، ثم أحبنى أبي فدخل عليّ من حبه بلاء، ثم أحبتني زوجة صاحبي فدخل عليّ من حبها بلاء، فلا تحباني بارك الله فيكما.
وعن الشعبي أنهما تحالما له ليمتحناه فقال الشرابي: إني أراني في بستان، فإذا بأصل حبلةٍ عليها ثلاثة عناقيد من عنب، فقطفتها وعصرتها في كأس الملك، وسقيته. وقال الخباز: إني أراني وفوق رأسي ثلاث سلال فيها أنواع الأطعمة، وإذا سباع الطير تنهش منها. فإن قلت: إلام يرجع الضمير في قوله (نَبِّئْنا بِتَاوِيلِهِ)؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (إنهما تحالما له)، النهاية: "تحلم: إذا ادعى الرؤيا كاذباً، ومنه الحديث: (من تحلم فقد كلف أن يعقد بين شعيرتين) ".
قوله: (بأصل حبلة)، النهاية: "الحبلة- بفتح الحاء والباء، وربما سكنت-: الأصل والقضيب من شجر الأعناب"، وكذا في "الصحاح"، وفي "المغرب" بالفتح لا غير.
قوله: (تنهش منها)، الأساس: "نهش اللحم وانتهشه: أخذه بمقدم فيه".
стр. 4063
قلت: إلى ما قصا عليه، والضمير يجرى مجرى اسم الإشارة في نحوه كأنه قيل: نبئنا بتأويل ذلك.
[(قالَ لا يَاتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلاَّ نَبَّاتُكُما بِتَاوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَاتِيَكُما ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ* وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وَعَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ)].
لما استعبراه ووصفاه بالإحسان، افترص ذلك فوصل به وصف نفسه بما هو فوق علم العلماء، وهو الإخبار بالغيب، وأنه ينبئهما بما يحمل إليهما من الطعام في السجن قبل أن يأتيهما ويصفه لهما، ويقول: اليوم يأتيكما طعام من صفته كيت وكيت، فيجدانه كما أخبرهما، وجعل ذلك تخلصاً إلى أن يذكر لهما التوحيد ويعرض عليهما الإيمان ويزينه لهما، ويقبح إليهما الشرك بالله، وهذه طريقة على كل ذى علم أن يسلكها مع الجهال والفسقة، إذا استفتاه واحد منهم أن يقدم الهداية والإرشاد والموعظة والنصيحة أولاً، ويدعوه إلى ما هو أولى به وأوجب عليه مما استفتى فيه ثم يفتيه بعد ذلك، فيه أنّ العالم إذا جهلت منزلته في العلم،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ووصفاه بالإحسان)، أي: بقوله: (إِنَّا نَرَاكَ مِنْ الْمُحْسِنِينَ)، أي: من العلماء، الجوهري: "هو يحسن الشيء؛ أي: يعلمه"، وذلك أنهما سمعا يوسف يذكر للناس ما يعلم منه أنه عالم، فلما سمع يوسف هذا وصل به قوله: (لا يَاتِيكُمَا طَعَامٌ) إلى آخره؛ ليريهم أن علمه فوق ما يعلمه العلماء.
قوله: (وجعل ذلك تخلصاً إلى أن يذكر لهما التوحيد)، أي: جعل وصف نفسه بالعلم الفائق وسيلة إلى ذكر التوحيد، وذلك أن الجواب عن فتواهم هو قوله: (يَا صَاحِبَيِ
стр. 4064
فوصف نفسه بما هو بصدده، وغرضه أن يقتبس منه وينتفع به في الدين، لم يكن من باب التزكية.
(بِتَاوِيلِهِ) ببيان ماهيته وكيفيته، لأنّ ذلك بشبه تفسير المشكل والإعراب عن معناه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً) الآية، لكن قدم عليه مقدمة الدعوة إلى التوحيد، لأنها أول ما يجب على الأنبياء، وبها بعثوا، ولها أمروا، فجعل قوله: (لا يَاتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ) إلى قوله: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ) مخلصاً إلى قوله: (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ)، والمخلص: هو الرابطة بين الكلامين الأجنبيين، فتعلقه بالجواب من حيث إن تأويل الأحاديث من المغيبات وهنا كالمقدمة له ليوطن أنفسهما لقبول ما يرد بعده من الجواب وجعله مخلصاً لمطلوبه وإيذاناً بأن العلم بالمغيبات من المواهب التي اختصها الله بالمرتضين من الرسل، والمخلصين من عباده، وجعلت ذريعة إلى الشروع في إثبات التوحيد، ونفي الشرك عن نفسه، على سبيل الاستدراج وإرخاء العنان، لئلا يلبس له جلد النمر إذا ابتدأ بقوله: (أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمْ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ).
وأدمج في المقدمة الرخصة في تزكية النفس عند الاحتياج، يدل عليه قوله: "وفيه أن العالم إذا جهلت منزلته في العلم، فوصف نفسه بما هو بصدده، لم يكن من باب التزكية".
ففي الجواب التخلص إلى توخي المطلوب من إثبات التوحيد والنبوة، والاستدراج إلى إسماع الحق، والإدماج لمعنى التزكية.
قوله: ((بِتَاوِيلِهِ) ببيان ماهيته وكيفيته)، النهاية: "التأويل: من: آل الشيء يؤول
стр. 4065
(ذلِكُما) إشارة لهما إلى التأويل، أي: ذلك التأويل والإخبار بالمغيبات (مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي) وأوحى به إليّ ولم أقله عن تكهن وتنجم (إِنِّي تَرَكْتُ) يجوز أن يكون كلاماً مبتدأ، وأن يكون تعليلاً لما قبله. أي: علمني ذلك وأوحي إليّ، لأني رفضت ملة أولئك واتبعت ملة الأنبياء المذكورين وهي الملة الحنيفية، وأراد بأولئك الذين لا يؤمنون: أهل مصر ومن كان الفتيان على دينهم، وتكريرهم للدلالة على أنهم خصوصاً كافرون بالآخرة، وأنّ غيرهم كانوا قوماً مؤمنين بها، وهم الذين على ملة إبراهيم، ولتوكيد كفرهم بالجزاء تنبيهاً على ما هم عليه من الظلم والكبائر التي لا يرتكبها إلا من هو كافر بدار الجزاء.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إلى كذا؛ أي: رجع وصار إليه، وتأويل الآية: نقل ظاهر اللفظ عن وضعه الأصلي إلى ما يحتاج إلى دليل، لولاه ما ترك ظاهر اللفظ".
الأساس: "أول الحكم إلى أهله: رده إليهم، ومن المجاز: يقال: لا تعول على الحسب تعويلاً، فالتقوى أحسن تأويلاً؛ أي: عاقبة".
والمراد ها هنا المجاز، يعني: إذا أخبرتكما بحقيقة ما يحمل إليكما من الطعام، ثم تجدانه كما أخبرتكما، فقد أنبأتكما بعاقبة ذلك، فهذا التأويل ليس من نقل ظاهر اللفظ عن وضعه الأصلي إلى ما يحتاج إلى الدليل، بل يشبه بيان المجمل والمشكل الذي يحتاج إلى تفصيله وكشفه، وذلك أن صاحبي السجن كانا يعلمان على الإجمال ما يحمل إليهما من الطعام، لكن ماهية ذلك الطعام وكيفيته لم تكن عندهم، فإذا بين ذلك لهما فقد فسر المبهم، وإليه الإشارة بقوله: "لأن ذلك يشبه تفسير المشكل".
قوله: (ولتوكيد كفرهم بالجزاء)، معطوف على "للدلالة على أنهم" يعني: في تكرير ضميرهم وتقديمه على (كَافِرُونَ) دلالة على الاختصاص والتوكيد، فالتخصيص من التقديم، والتوكيد من التكرير، وقد أشار في تركيبه إلى ذلك بقوله: "إن غيرهم قوم مؤمنون بها"، ثم قوله: "وهم الذين على ملة إبراهيم": دل على التخصيص والتوكيد، وقوله: "للدلالة
следующие страницы →