Полный текст (9 345 стр.). Показаны 4061–4100 · переход к 4066.
стр. 4061
وفي قراءة ابن مسعود: "أعصر عنباً" (مِنَ الْمُحْسِنِينَ) من الذين يحسنون عبارة الرؤيا، أي: يجيدونها، رأياه يقصّ عليه بعض أهل السجن رؤياه فيؤوّلها له، فقالا له ذلك. أو: من العلماء، لأنهما سمعاه يذكر للناس ما علما به أنه عالم. أو من المحسنين إلى أهل السجن. فأحسن إلينا بأن تفرّج عنا الغمة بتأويل ما رأينا إن كانت لك يد في تأويل الرؤيا. روي أنه كان إذا مرض رجل منهم قام عليه، وإذا أضاق وسع له، وإذا احتاج جمع له
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (من الذين يحسنون عبارة الرؤيا)، قال الزجاج: "فيه أن أمر الرؤيا صحيح، وأن منها ما يصح، ومن دفعه فليس بمسلم، لأنه يدفع القرآن والسنة، روي عن النبي ﷺ : أن "الرؤيا جزء من أربعين جزءاً من النبوة"، وتأويله: أن الأنبياء يخبرون بما سيكون، والرؤيا تدل على ما سيكون".
قوله: (إن كانت لك يد في تأويل الرؤيا)، وإنما قيد في هذا الوجه بالشرط، لأنهما حينئذ ما رأياه يقص عليه أحد رؤياه، وهو يؤولها، ولا سمعاه يذكر للناس ما علما به أنه عالم، بل أطلقا قولهما: (مِنَ الْمُحْسِنِينَ) فراسة، فناسب لذلك التعليق.
قوله: (وإذا أضاق أوسع له)، الأساس: "ومن المجاز: وأصابته ضيقة: فقر، وقد أضاق إضاقة، ورجل مضيق".
стр. 4062
وعن قتادة: كان في السجن ناسٌ قد انقطع رجاؤهم وطال حزنهم، فجعل يقول: أبشروا. اصبروا تؤجروا، إنّ لهذا لأجراً، فقالوا: بارك الله عليك ما أحسن وجهك! وما أحسن خلقك! لقد بورك لنا في جوارك، فمن أنت يا فتى؟ قال: أنا يوسف ابن صفيّ الله يعقوب ابن ذبيح الله إسحاق ابن خليل الله إبراهيم، فقال له عامل السجن: لو استطعت خليت سبيلك، ولكني أحسن جوارك، فكن في أي بيوت السجن شئت. وروي أن الفتيين قالا له إنا لنحبك من حين رأيناك، فقال: أنشدكما بالله أن لا تحباني، فوالله ما أحبني أحد قط إلا دخل عليّ من حبه بلاء، لقد أحبتني عمتي فدخل عليّ من حبها بلاء، ثم أحبنى أبي فدخل عليّ من حبه بلاء، ثم أحبتني زوجة صاحبي فدخل عليّ من حبها بلاء، فلا تحباني بارك الله فيكما.
وعن الشعبي أنهما تحالما له ليمتحناه فقال الشرابي: إني أراني في بستان، فإذا بأصل حبلةٍ عليها ثلاثة عناقيد من عنب، فقطفتها وعصرتها في كأس الملك، وسقيته. وقال الخباز: إني أراني وفوق رأسي ثلاث سلال فيها أنواع الأطعمة، وإذا سباع الطير تنهش منها. فإن قلت: إلام يرجع الضمير في قوله (نَبِّئْنا بِتَاوِيلِهِ)؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (إنهما تحالما له)، النهاية: "تحلم: إذا ادعى الرؤيا كاذباً، ومنه الحديث: (من تحلم فقد كلف أن يعقد بين شعيرتين) ".
قوله: (بأصل حبلة)، النهاية: "الحبلة- بفتح الحاء والباء، وربما سكنت-: الأصل والقضيب من شجر الأعناب"، وكذا في "الصحاح"، وفي "المغرب" بالفتح لا غير.
قوله: (تنهش منها)، الأساس: "نهش اللحم وانتهشه: أخذه بمقدم فيه".
стр. 4063
قلت: إلى ما قصا عليه، والضمير يجرى مجرى اسم الإشارة في نحوه كأنه قيل: نبئنا بتأويل ذلك.
[(قالَ لا يَاتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلاَّ نَبَّاتُكُما بِتَاوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَاتِيَكُما ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ* وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وَعَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ)].
لما استعبراه ووصفاه بالإحسان، افترص ذلك فوصل به وصف نفسه بما هو فوق علم العلماء، وهو الإخبار بالغيب، وأنه ينبئهما بما يحمل إليهما من الطعام في السجن قبل أن يأتيهما ويصفه لهما، ويقول: اليوم يأتيكما طعام من صفته كيت وكيت، فيجدانه كما أخبرهما، وجعل ذلك تخلصاً إلى أن يذكر لهما التوحيد ويعرض عليهما الإيمان ويزينه لهما، ويقبح إليهما الشرك بالله، وهذه طريقة على كل ذى علم أن يسلكها مع الجهال والفسقة، إذا استفتاه واحد منهم أن يقدم الهداية والإرشاد والموعظة والنصيحة أولاً، ويدعوه إلى ما هو أولى به وأوجب عليه مما استفتى فيه ثم يفتيه بعد ذلك، فيه أنّ العالم إذا جهلت منزلته في العلم،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ووصفاه بالإحسان)، أي: بقوله: (إِنَّا نَرَاكَ مِنْ الْمُحْسِنِينَ)، أي: من العلماء، الجوهري: "هو يحسن الشيء؛ أي: يعلمه"، وذلك أنهما سمعا يوسف يذكر للناس ما يعلم منه أنه عالم، فلما سمع يوسف هذا وصل به قوله: (لا يَاتِيكُمَا طَعَامٌ) إلى آخره؛ ليريهم أن علمه فوق ما يعلمه العلماء.
قوله: (وجعل ذلك تخلصاً إلى أن يذكر لهما التوحيد)، أي: جعل وصف نفسه بالعلم الفائق وسيلة إلى ذكر التوحيد، وذلك أن الجواب عن فتواهم هو قوله: (يَا صَاحِبَيِ
стр. 4064
فوصف نفسه بما هو بصدده، وغرضه أن يقتبس منه وينتفع به في الدين، لم يكن من باب التزكية.
(بِتَاوِيلِهِ) ببيان ماهيته وكيفيته، لأنّ ذلك بشبه تفسير المشكل والإعراب عن معناه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً) الآية، لكن قدم عليه مقدمة الدعوة إلى التوحيد، لأنها أول ما يجب على الأنبياء، وبها بعثوا، ولها أمروا، فجعل قوله: (لا يَاتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ) إلى قوله: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ) مخلصاً إلى قوله: (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ)، والمخلص: هو الرابطة بين الكلامين الأجنبيين، فتعلقه بالجواب من حيث إن تأويل الأحاديث من المغيبات وهنا كالمقدمة له ليوطن أنفسهما لقبول ما يرد بعده من الجواب وجعله مخلصاً لمطلوبه وإيذاناً بأن العلم بالمغيبات من المواهب التي اختصها الله بالمرتضين من الرسل، والمخلصين من عباده، وجعلت ذريعة إلى الشروع في إثبات التوحيد، ونفي الشرك عن نفسه، على سبيل الاستدراج وإرخاء العنان، لئلا يلبس له جلد النمر إذا ابتدأ بقوله: (أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمْ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ).
وأدمج في المقدمة الرخصة في تزكية النفس عند الاحتياج، يدل عليه قوله: "وفيه أن العالم إذا جهلت منزلته في العلم، فوصف نفسه بما هو بصدده، لم يكن من باب التزكية".
ففي الجواب التخلص إلى توخي المطلوب من إثبات التوحيد والنبوة، والاستدراج إلى إسماع الحق، والإدماج لمعنى التزكية.
قوله: ((بِتَاوِيلِهِ) ببيان ماهيته وكيفيته)، النهاية: "التأويل: من: آل الشيء يؤول
стр. 4065
(ذلِكُما) إشارة لهما إلى التأويل، أي: ذلك التأويل والإخبار بالمغيبات (مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي) وأوحى به إليّ ولم أقله عن تكهن وتنجم (إِنِّي تَرَكْتُ) يجوز أن يكون كلاماً مبتدأ، وأن يكون تعليلاً لما قبله. أي: علمني ذلك وأوحي إليّ، لأني رفضت ملة أولئك واتبعت ملة الأنبياء المذكورين وهي الملة الحنيفية، وأراد بأولئك الذين لا يؤمنون: أهل مصر ومن كان الفتيان على دينهم، وتكريرهم للدلالة على أنهم خصوصاً كافرون بالآخرة، وأنّ غيرهم كانوا قوماً مؤمنين بها، وهم الذين على ملة إبراهيم، ولتوكيد كفرهم بالجزاء تنبيهاً على ما هم عليه من الظلم والكبائر التي لا يرتكبها إلا من هو كافر بدار الجزاء.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إلى كذا؛ أي: رجع وصار إليه، وتأويل الآية: نقل ظاهر اللفظ عن وضعه الأصلي إلى ما يحتاج إلى دليل، لولاه ما ترك ظاهر اللفظ".
الأساس: "أول الحكم إلى أهله: رده إليهم، ومن المجاز: يقال: لا تعول على الحسب تعويلاً، فالتقوى أحسن تأويلاً؛ أي: عاقبة".
والمراد ها هنا المجاز، يعني: إذا أخبرتكما بحقيقة ما يحمل إليكما من الطعام، ثم تجدانه كما أخبرتكما، فقد أنبأتكما بعاقبة ذلك، فهذا التأويل ليس من نقل ظاهر اللفظ عن وضعه الأصلي إلى ما يحتاج إلى الدليل، بل يشبه بيان المجمل والمشكل الذي يحتاج إلى تفصيله وكشفه، وذلك أن صاحبي السجن كانا يعلمان على الإجمال ما يحمل إليهما من الطعام، لكن ماهية ذلك الطعام وكيفيته لم تكن عندهم، فإذا بين ذلك لهما فقد فسر المبهم، وإليه الإشارة بقوله: "لأن ذلك يشبه تفسير المشكل".
قوله: (ولتوكيد كفرهم بالجزاء)، معطوف على "للدلالة على أنهم" يعني: في تكرير ضميرهم وتقديمه على (كَافِرُونَ) دلالة على الاختصاص والتوكيد، فالتخصيص من التقديم، والتوكيد من التكرير، وقد أشار في تركيبه إلى ذلك بقوله: "إن غيرهم قوم مؤمنون بها"، ثم قوله: "وهم الذين على ملة إبراهيم": دل على التخصيص والتوكيد، وقوله: "للدلالة
стр. 4066
ويجوز أن يكون فيه تعريض بما مُني به من جهتهم حين أودعوه السجن، بعد ما رأوا الآيات الشاهدة على براءته، وأنّ ذلك ما لا يقدم عليه إلا من هو شديد الكفر بالجزاء وذكر آباءه ليريهما أنه من بيت النبوّة بعد أن عرّفهما أنه نبىّ يوحى إليه، بما ذكر من إخباره بالغيوب ليقوى رغبتهما في الاستماع إليه واتباع قوله.
(ما كانَ لَنا) ما صحّ لنا معشر الأنبياء (أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ) أي: شيء كان من ملك أو جنيّ أو إنسيّ، فضلاً أن نشرك به صنماً لا يسمع ولا يبصر، ثم قال (ذلِكَ) التوحيد (مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وَعَلَى النَّاسِ) أي: على الرسل وعلى المرسل إليهم، لأنهم نبهوهم عليه وأرشدوهم إليه (وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ) المبعوث إليهم (لا يَشْكُرُونَ) فضل الله فيشركون ولا يتنبهون.
وقيل: إنَّ ذلك من فضل الله علينا لأنه نصب لنا الأدلة التي ننظر فيها ونستدلّ بها. وقد نصب مثل تلك الأدلة لسائر الناس من غير تفاوت، ولكن أكثر الناس لا ينظرون ولا يستدلون اتباعا لأهوائهم، فيبقون كافرين غير شاكرين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
على أنهم خصوصاً كافرون بالآخرة"، ثم قوله: "ولتوكيد كفرهم بالجزاء": دل على ما دل ذلك.
قوله: (تعريض بما مني به)، أي: قدر له. النهاية: "يقال: منى الله عليك خيراً يمني منياً، ومنه سميت المنية، لأنها مقدرة بوقت مخصوص"، يعنيك تركت ملة قوم فعلوا بي ما فعلوا بعدما رأوا الآيات، ومن ثم قال: "وإن ذلك مالا يقدم عليه إلا من هو شديد الكفر بالجزاء".
قوله: (وقيل: إن ذلك من فضل الله)، أي: عدم صحة الإشراك منا معاشر الأنبياء من فضل الله تعالى، لأنه نصب الأدلة التي ينظر فيها ويستدل بها، فالمشار إليه مضمون الكلام الدال على التوحيد، و"فضل الله" على الأول: سمعي؛ لقوله: "نبهوهم عليه وأرشدوهم إليه"، وعلى الثاني: عقلي؛ لقوله: "نصب لنا الأدلة".
стр. 4067
[(يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ* ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)].
(يا صاحِبَيِ السِّجْنِ) يريد: يا صاحبيَّ في السجن، فأضافهما إلى السجن كما تقول: يا سارق الليلة، فكما أن الليلة مسروق فيها غير مسروقة، فكذلك السجن مصحوب فيه غير مصحوب، وإنما المصحوب غيره وهو يوسف ﵇، ونحوه قولك لصاحبيك: يا صاحبي الصدق فتضيفهما إلى الصدق،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فكذلك السجن مصحوب فيه غير مصحوب)، الراغب: "الصاحب: الملازم؛ إنساناً كان أو حيواناً، مكاناً كان أو زماناً، ولا فرق بين أن تكون مصاحبته بالبدن، وهو الأصل والأكثر، أو بالعناية والهمة، وعلى هذا قال:
لئن غبت عن عيني لما غبت عن قلبي
ولا يقال في العرف إلا لمن كثر ملازمته، ويقال لمالك الشيء: هو صاحبه، وكذلك لمن يملك التصرف فيه، قال تعالى: (إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) [التوبة: ٤٠]، (قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ) [الكهف: ٣٧]، والإصحاب للشيء: الانقياد له، وأصله: أن يصير له صاحباً، ويقال: وأصحب فلان فلاناً: جعله صاحباً له".
стр. 4068
ولا تريد أنهما صحبا الصدق، ولكن كما تقول: رجلاً صدق، وسميتهما صاحبين لأنهما صحباك. ويجوز أن يريد: يا ساكني السجن، كقوله: (أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ) [الحشر: ٢٠].
(مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ) يريد التفرّق في العدد والتكاثر. يقول أأن تكون لكما أربابٌ شتى، يستعبدكما هذا ويستعبدكما هذا (خَيْرٌ) لكما (أَمِ) أن يكون لكما ربٌّ واحد قهار لا يغالب ولا يشارك في الربوبية، بل هو (الْقَهَّارُ) الغالب، وهذا مثل ضربه لعبادة الله وحده ولعبادة الأصنام.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كما تقول: رجلا صدق)، يعني: كما دل الإضافة بمعنى اللام على أن الصدق مالكهما مبالغة، والأصل: رجلان صادقان، كذلك إضافة "صاحبي" إلى "الصدق"، والمراد: صدقتما في صحبتي، أي: بذلتما مجهودكما في حقي، وفعلتما ما يوجبه حق الصحبة.
الراغب: "الصدق: مطابقة القول الضمير والمخبر عنه معاً، ويستعمل في كل ما يحق ويحصل في الاعتقاد؛ نحو: صدق ظني، وفي فعل الجوارح؛ نحو: صدق في القتال: إذا وفى حقه، وفعل ما يجب في القتال".
قوله: (وهذا مثل ربه لعبادة الله تعالى)، فيه إشكال؛ لأن الظاهر نفي استواء الأصنام وعبادتها بالله تعالى وبعبادته، فأين المثل؟ ! لكن التقدير: أسادات شتى تستعبد مملوكاً واحداً إلى عبادتها خير من سيد واحد قهار، فوضع موضع "الرب السيد": (اللهُ)؛ لكونه مقابلاً لقوله: (أَأَرْبَابٌ)، كقوله تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً) [الزمر: ٢٩].
стр. 4069
(ما تَعْبُدُونَ) خطابٌ لهما ولمن على دينهما من أهل مصر (إِلَّا أَسْماءً) يعني أنكم سميتم ما لا يستحق الإلهية آلهةً، ثم طفقتم تعبدونها، فكأنكم لا تعبدون إلا أسماء فارغة لا مسميات تحتها. ومعنى (سَمَّيْتُمُوها) سميتم بها. يقال: سميته بزيد، وسميته زيداً (ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها) أي: بتسميتها (مِنْ سُلْطانٍ) من حجة (إِنِ الْحُكْمُ) في أمر العبادة والدين (إِلَّا لِلَّهِ) ثم بين ما حكم به فقال: (أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) الثابت الذي دلت عليه البراهين.
[(يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَاكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَاسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ)].
(أَمَّا أَحَدُكُما) يريد الشرابي (فَيَسْقِي رَبَّهُ) سيده. وقرأ عكرمة: "فيسقى ربه" أي: يسقى ما يروى به على البناء للمفعول. روي أنه قال للأوّل: ما رأيت من الكرمة وحسنها هو الملك وحسن حالك عنده، وأما القضبان الثلاثة فإنها ثلاثة أيام تمضى في السجن، ثم تخرج وتعود إلى ما كنت عليه، وقال للثاني: ما رأيت من السلال ثلاثة أيام ثم تخرج فتقتل (قُضِيَ الْأَمْرُ) قطع وتم ما (تَسْتَفْتِيانِ) فيه من أمر كما وشأنكما.
فإن قلت: ما استفتيا في أمر واحد، بل في أمرين مختلفين، فما وجه التوحيد؟ قلت: المراد بالأمر ما اتهما به من سمّ الملك وما سجنا من أجله،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لا مسميات تحتها)، صح بالكسر، وهو مبني على ما ينصب به، وعند الأخفش: مبني على الفتح.
قوله: (المراد بالأمر: ما اتهما به من سم الملك)، إشارة إلى قوله تعالى: (وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً) [يوسف: ٣٦] الآية، وتفسيره له: "دخل معه السجن عبدان للملك، رقي إليه أنهما يسمانه، فأمر بهما إلى السجن" إلى آخره، كأنهما حين عرضا المنامين عليه طلبا منه تنزيلهما على شأنهما وقصتهما من التهمة، وإيقاعهما
стр. 4070
وظنا أنّ ما رأياه في معنى ما نزل بهما، فكأنهما كانا يستفتيانه في الأمر الذي نزل بهما أعاقبته نجاة أم هلاك، فقال لهما: (قضي الأمر الذي فيه تستفتيان)، أي: ما يجرّ إليه من العاقبة، وهي هلاك أحدهما ونجاة الآخر. وقيل: جحدا وقالا: ما رأينا شيئاً، على ما روي أنهما تحالما له، فأخبرهما أن ذلك كائن صدقتما أو كذبتما.
[(وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ)].
(ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ) الظانّ هو يوسف إن كان تأويله بطريق الاجتهاد، وإن كان بطريق الوحي فالظان هو الشرابي، ويكون الظنّ بمعنى اليقين (اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ) صفني عند الملك بصفتي، وقص عليه قصتي،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
السجن لها، وهل لهما الخلاص من ذلك في العاقبة، فالأمر والشأن هو مجموع هذه الاعتبارات وزبدتها وخلاصتها، ولذلك عاد في بيانه بقوله: "أي: ما يجر إليه من العاقبة" إلى آخره.
قال صاحب "الفرائد": يمكن أن يقال: المراد بـ "الأمر": "التأويل" في قوله: (نَبِّئْنَا بِتَاوِيلِهِ)، وعبارة الرؤيا واحدة، وإن تعددت، وما ذكر لا يوافق ما قيل من أنهما تحالما ليمتحناه، وهو قوله: "وظنا أن ما رأياه في معنى ما نزل بهما".
وقلت: هو ما عنى بـ "الأمر" إلا "التأويل" الذي هو بمعنى العاقبة، كما سبق أنه ذكر في "الأساس": "لا تعول على الحسب تعويلاً، فالتقوى أحسن تأويلاً، أي: عاقبة"، ألا ترى إلى قوله في الجواب الأول: "أي: ما يجر إليه من العاقبة"، وفي الثاني: "أن ذلك كائن"، والمشار إليه هو قوله: "هلاك أحدهما ونجاة الآخر"، وهو تفسير لقوله: "ما يجر إليه من العاقبة".
стр. 4071
لعله يرحمني وينتاشني من هذه الورطة (فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ) فأنسى الشرابي (ذِكْرَ رَبِّهِ) أن يذكره لربه. وقيل فأُنسي يوسف ذكر الله حين وكل أمره إلى غيره (بِضْعَ سِنِينَ) البضع: ما بين الثلاث إلى التسع، وأكثر الأقاويل على أنه لبث فيه سبع سنين.
فإن قلت: كيف يقدر الشيطان على الإنسان؟ قلت: يوسوس إلى العبد بما يشغله عن الشيء من أسباب النسيان، حتى يذهب عنه ويزل عن قلبه ذكره، وأما الإنساء ابتداءً فلا يقدر عليه إلا الله (ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها) [البقرة: ١٠٦].
فإن قلت: ما وجه إضافة "الذكر" إلى "ربه" إذا أريد به الملك؟ وما هي بإضافة المصدر إلى الفاعل ولا إلى المفعول؟ قلت: قد لابسه في قولك: فأنساه الشيطان ذكر ربه، أو عند ربه فجازت إضافته إليه، لأنّ الإضافة تكون بأدنى ملابسة. أو على تقدير: فأنساه الشيطان ذكر أخبار ربه، فحذف المضاف الذي هو الإخبار.
فإن قلت: لم أنكر على يوسف الاستغاثة بغير الله في كشف ما كان فيه، وقد قال الله تعالى: (وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى) [المائدة: ٢]، وقال حكايةً عن عيسى ﵇: (مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ) [آل عمران: ٥٢]،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ينتاشني من هذه الورطة)، أي: يخلصني، النهاية: "وفي حديث عائشة تصف أباها ﵄: "فانتاش الدين بنعشه"، أي: استدركه"، واستنقذه، وتناوله، وأخذه من مهواته.
стр. 4072
وفي الحديث «الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه المسلم»، «من فرّج عن مؤمن كربة فرّج الله عنه كربة من كربات الآخرة»، وعن عائشة ﵂: "أنّ رسول الله ﷺ لم يأخذه النوم ليلة من الليالي، وكان يطلب من يحرسه حتى جاء سعد فسمعت غطيطه". وهل ذلك إلا مثل التداوي بالأدوية والتقوّى بالأشربة والأطعمة؟ ! وإن كان ذلك لأنّ الملك كان كافراً، فلا خلاف في جواز أن يستعان بالكفار في دفع الظلم والغرق والحرق ونحو ذلك من المضارّ.
قلت: كما اصطفى الله تعالى الأنبياء على خليقته فقد اصطفى لهم أحسن الأمور وأفضلها وأولاها والأحسن والأولى بالنبي أن لا يكل أمره إذا ابتلي ببلاء إلا إلى ربه، ولا يعتضد إلا به، خصوصاً إذا كان المعتضد به كافراً، ........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (الله في عون العبد)، الحديث بطوله أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة.
وأما حديث عائشة ﵂: فأورده البخاري ومسلم والترمذي: "كان رسول الله ﷺ سهر مقدمه المدينة ليلة، فقال: ليت رجلاً صالحاً يحرسني الليلة، قال: فبينا نحن كذلك إذ سمعنا خشخشة سلاح، فقال: من هذا؟ قال: أنا سعد بن أبي وقاص، وقع في نفسي خوف على رسول الله ﷺ ، فجئت أحرسه، فدعا له، ثم نام".
قوله: (وإن كان ذلك)، عطف على قوله: "لم أنكر على يوسف الاستعانة في كشف ما كان؟ " أي: إن كان الإنكار لمطلق الاستعانة فليس كذلك، لأن الله تعالى قال: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) [المائدة: ٢] إلى آخره، وإن كان ذلك لأن الملك كان كافراً فكذا، إلى آخره.
стр. 4073
لئلا يشمت به الكفار ويقولوا لو كان هذا على الحق وكان له رب يغيثه لما استغاث بنا. وعن الحسن أنه كان يبكي إذا قرأها ويقول: نحن إذا نزل بنا أمر فزعنا إلى الناس.
[(وَقالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَاكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ)].
لما دنا فرج يوسف، رأى ملك مصر الريان بن الوليد رؤيا عجيبة هالته: رأى سبع بقراتٍ سمانٍ خرجن من نهرٍ يابس، وسبع بقرات عجاف، فابتلعت العجاف السمان، ورأى سبع سنبلات خضر قد انعقد حبها، وسبعاً أخر يابساتٍ قد استحصدت وأدركت، فالتوت اليابسات على الخضر حتى غلبن عليها، فاستعبرها فلم يجد في قومه من يحسن عبارتها.
(سِمانٍ) جمع سمين وسمينة، وكذلك رجال ونسوة كرام.
فإن قلت: هل من فرق بين إيقاع (سِمانٍ) صفة للميز وهو (بَقَراتٍ)، دون المميز وهو (سَبْعَ) وأن يقال: سبع بقرات سمانا؟ قلت: إذا أوقعتها صفة لبقرات. فقد قصدت إلى أن تميز "السبع" بنوع من البقرات،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فلم يجد في قومه من يحسن عبارتها)، الجوهري: "يحسن: يعلم". الأساس: "ومن المجاز: فلان لا يحسن شيئاً، وقيمة المرء ما يحسن".
قوله: (إذا أوقعتها صفة لـ (بَقَرَاتٍ)) إلى آخره، بين الفرق بين اللفظين، وأحال الفائدة إلى الذهن، ويمكن أن يقال: إن المميز إذا وصف، ثم رفع به الإبهام والإجمال من العدد، أذن بأنهما مقصودان في الذكر، بخلافه إذا ميز ثم وصف، بل وصف المميز أدعى من وصف العدد، لأن المميز إنما استجلب للوصف، ومن ثم ترك التمييز في القرائن الثلاث؛ (سَبْعٌ عِجَافٌ) و (أُخَرَ يَابِسَاتٍ) و (سَبْعٌ شِدَادٌ)، والمقام يقتضيه، لأن المقصود
стр. 4074
وهي السمان منهنّ لا بجنسهنّ. ولو وصفت بها "السبع" لقصدت إلى تمييز "السبع" بجنس البقرات لا بنوع منها، ثم رجعت فوصفت المميز بالجنس بالسمن.
فإن قلت: هلا قيل: "سبع عجاف" على الإضافة؟ قلت، التمييز موضوع لبيان الجنس، والعجاف وصف لا يقع البيان به وحده.
فإن قلت: فقد يقولون: ثلاثة فرسانٍ وخمسة أصحاب. قلت: الفارس والصاحب والراكب ونحوها: صفات جرت مجرى الأسماء فأخذت حكمها وجاز فيها ما لم يجر في غيرها. ألا تراك لا تقول: عندي ثلاثة ضخام وأربعة غلاظ. فإن قلت: ذاك مما يشكل وما نحن بسبيله لا إشكال فيه، ألا ترى أنه لم يقل بقراتٍ سبعٍ عجافٍ، لوقوع العلم بأنّ المراد البقرات؟ قلت: ترك الأصل لا يجوز مع وقوع الاستغناء عما ليس بأصل، وقد وقع الاستغناء بقولك (سَبْعٌ عِجافٌ) عما تقترحه من التمييز بالوصف.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بيان الابتلاء بالشدة بعد الرخاء، وبيان الكمية بالعدد والكيفية بالبقرات تابع.
قوله: (والعجاف وصف لا يقع البيان به وحده)، يعني: أن التمييز لبيان الجنس، ولا تدل الصفة على الجنس، لأن الوصف لا يدل على الحقيقة، وإنما يدل على شيء ما متصف بشيء، وإنما جاز "ثلاثة فرسان" و"خمسة أصحاب" لجري "الصاحب" و"الفارس"- بطرح موصوفهما- مجرى الاسم، ولذلك لا يجوز "ثلاثة ضخام" لأنه يلبس.
قوله: (ذاك مما يشكل)، أي: "ثلاثة ضخام" و"أربعة غلاظ" مما يشكل، لأنا لا نعلم أن الضخم والغليظ ما هو؟ وما نحن بسبيله معلوم أن (عِجَافٌ) ليس غير البقرات؛ لوقوعه مقابلاً لقوله: (سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ)، فهو إذن نحو قولك: "ثلاثة فرسان"؟
وأجاب: أن الأصل أن يجري الوصف على الوصفية، وإنما يترك الأصل إذا منع مانع، كما في قولك: "خمسة أصحاب"، وها هنا لما وصف السبع بالعجاف، فأي حاجة
стр. 4075
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إلى جعله تمييزاً، ثم ينتصب للتأويل.
وتحريره: أن الكلام تردد بين قوله: "سبع عجاف" على الوصف، وبين "سبع عجاف" على الإضافة، فالحمل على الوصف أولى، لأنك إذا أضفته أزلت "عجاف" عن مقتضاه- وهو الوصف- إلى الجنس بالتأويل، فترك الوصف- الذي هو الأصل- والذهاب إلى الجنس مع حصول المطلوب من الكشف والبيان غير جائز.
قال صاحب "الفرائد": لما كانت الصفة قائمة مقام الموصوف في قولنا: "عجاف" على الإضافة، والموصوف معلوم لما تقدم، فقولنا: "سبع عجاف" كقولنا: "سبع بقرات عجاف"، فالتمييز المطلوب بالإضافة حاصل بالإضافة إلى الصفة؛ لقيامها مقام الموصوف، فكما يجوز "سبع بقرات عجاف" يجوز "سبع عجاف"، وقوله: "ترك الأصل لا يجوز مع وقوع الاستغناء عما ليس بأصل" منظور فيه، لأن الأصل في العدد حصول تمييزه بالإضافة، والوصف على خلاف الأصل، فإذا أضفت وقلت: "سبع عجاف" فالموصوف محذوف، لأنه معلوم، والصفة قائمة مقامه، وإذا لم تضف وجعلته موصوفاً فلابد من تقدير المضاف إليه بأن تقول: "سبع بقرات عجاف"، فكان كل واحد على خلاف الأصل، وإنما لم يضف لأنه قائم مقام البقرات، وهي موصوفة بـ "عجاف"، فكانت من قبيل إضافة الموصوف إلى الصفة، وهي غير جائزة إلا بتأويل.
وقلت: هذا كلام حسن، لأن الأصل "سبع بقرات عجاف" لقضية التقابل، فلما حذف المميز إيجازاً لعدم اللبس انقلب الوصف تابعاً للمميز، فارتفع اعتناء بشأن الوصف، كما سبق أن المقصود الابتلاء بالشدة بعد الرخاء، وأما التفادي عن إضافة الموصوف إلى الصفة دون اعتبار المعنى فأمر سهل.
стр. 4076
والعجف: الهزال الذي ليس بعده، والسبب في وقوع «عجافٍ» جمعاً لـ «عجفاء» و"أفعل" و"فعلاء" لا يجمعان على "فعال": حمله على "سمان"، لأنه نقيضه، ومن دأبهم حمل النظير على النظير، والنقيض على النقيض.
فإن قلت: هل في الآية دليل على أنّ السنبلات اليابسة كانت سبعاً كالخضر؟ قلت: الكلام مبنى على انصبابه إلى هذا العدد في البقرات السمان والعجاف والسنابل الخضر، فوجب أن يتناول معنى الأخر السبع، ويكون قوله (وَأُخَرَ يابِساتٍ) بمعنى وسبعاً أخر.
فإن قلت: هل يجوز أن يعطف قوله (وَأُخَرَ يابِساتٍ) على (سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ)، فيكون مجرور المحل؟ قلت: يؤدي إلى تدافع، وهو أن عطفها على (سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ) يقتضي أن تدخل في حكمها،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (حمل النظير على النظير)، قيل: نحو: غار، فإن مصدره "غوور"؛ حملاً له على نظيره ونقيضه، أما نظيره فـ "دخل دخولاً"، وأما نقيضه فـ "خرج خروجاً".
قوله: (يؤدي إلى تدافع)، قال صاحب "التقريب": إذ عطفه يقتضي دخوله في حكم السبع المذكور، وكونه مميزاً بالسنبلات الخضر وبالأُخر، ولفظ "الأخر" يقتضي كونه غير السبع، فيصح "سبعة رجال قيام وقعود"، أي: بعضهم قيام وبعضهم قعود، ولا يصح "وآخرين قعود"، وفيه نظر، لأن الصحيح أن العطف في حكم تكرير العامل لا الانسحاب، فلو عطف "آخرين" على "رجال قيام" لكان "سبعة" مكررة في المعطوف، أي: وسبعة آخرين، أي: "رجال آخرين قعود"، ويفسد المعنى، لأن المفروض أن الرجال سبعة.
وأما الآية فلو كرر فيها، وقيل: سبع أُخر، أي: وسبع سنبلات أخر، استقام، لأن
стр. 4077
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الخُضر سبعة، واليابسات سبعة، نعم؛ لو فرعنا على المرجوح- وهو انسحاب العامل في العطف- أدى إلى أن السبع المذكورة مميزة بـ "سنبلات خضر" و"سنبلات أُخر يابسات"، وفسد، إذ المراد أن كلاً منهما سبعة، لا أنهما سبعة.
فالمثال ليس وزان الآية؛ إذ هو على تكرير العامل يفسد، وعلى الانسحاب يصح، والآية بالعكس، والصحيح التكرير، فجاز العطف، لكن الأولى أن يعطف "أُخر" على (خُضْرٍ)، لا على (سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ)، ليدل على موصوف "أخر"، وهو "سنبلات"، ولا يقدر موصوفها بقرينة السياق.
والتدافع ممنوع؛ إذ العطف يقتضي دخوله في حكم "السبع" المذكور على تقدير الانسحاب، ولفظ "الأُخر" يقتضي أن يكون غير "السبع" المذكور على تقدير التكرير، فلا تدافع.
والجواب عنه: أنه قد سبق مراراً وأطواراً أن مذهب المصنف في عطف المفرد على المفرد القول بالانسحاب قطعاً، وبطلانه بأنه مرجوح لا يجديه، على أن ابن الحاجب نص على القول برجحان الانسحاب، حيث قال بعد ذكر المذاهب الثلاثة: "والصحيح الانسحاب في الجميع، وجواز التقدير في المعطوف مطلقاً"، ثم علله بقوله: لأن به يتقوم المعنى المقتضي للإعراب، ولأن المعنى عليه، بدليل "اشتريت الجارية نصفها" و"جاءني غلام زيد وعمرو"، ألا ترى أنه لو قدر الأول لفسد المعنى، وكرر هذا البحث.
أما بيان التدافع فيما نحن بصدده: فإن البيان والمبين شيء واحد، فإذا بينت "السبعة" في قولك: "سبعة رجال" بـ "رجال قيام وقعود" على طريق العطف صح، لأن المبين متعدد، ولا منافاة بينه وبين البيان، لأن المراد: بعضهم قيام وبعضهم قعود. وأما إذا
стр. 4078
فتكون معها مميزاً للسبع المذكورة، ولفظ "الأخر" يقتضي أن تكون غير السبع، بيانه: أنك تقول: عندي سبعة رجالٍ قيامٍ وقعودٍ، بالجرّ، فيصح، لأنك ميزت السبعة برجالٍ موصوفين بالقيام والقعود، على أنّ بعضهم قيام وبعضهم قعود، فلو قلت: عنده سبعة رجال قيام وآخرين قعود، تدافع ففسد.
(يا أَيُّهَا الْمَلَأُ) كأنه أراد الأعيان من العلماء والحكماء. واللام في قوله (لِلرُّءْيا) إما أن تكون للبيان، كقوله (وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ) [يوسف: ٢٠]، وإما أن تدخل، لأنّ العامل إذا تقدّم عليه معموله لم يكن في قوّته على العمل فيه مثله إذا تأخر عنه، فعضد بها كما يعضد بها اسم الفاعل، إذا قلت: هو عابر للرؤيا، لانحطاطه عن الفعل في القوة. ويجوز أن يكون (للرؤيا) خبر "كان"، كما تقول: كان فلان لهذا الأمر إذا كان مستقلاً به متمكناً منه. و (تَعْبُرُونَ) خبر آخر. أو حال،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أعقبته بـ "آخرين"، وكان تفسير "السبعة" أيضاً، حصل الاختلاف وجاء التدافع.
وتوهم أن الفساد من جهة أن المفروض أن الرجال سبعة: فاسد، فعلى هذا: في الآية إذا عطفت (يَابِسَاتٍ) وحدها على (خُضْرٍ) صح، وإن لزم الاختلاف في العدد، لأن الكلام في صحة التركيب لا العدد، وأما إذا أتيت بـ "أُخر" جاء التدافع، وأيضاً لو أوجبنا القول بالتقدير دون الانسحاب كان لفظ "أخر" تطويلاً، فوجب صون كلام الله منه، وللقائلين بالانسحاب أن يستدلوا بهذه الآية على وقوعه صريحاً في التنزيل.
قوله: (إما أن تكون للبيان)، كأنه لما قيل: كنتم تعبرون، فقيل: لأي شيء؟ فقيل: للرؤيا، كما قال في قوله: (وَكَانُوا فِيهِ مِنْ الزَّاهِدِينَ) [يوسف: ٢٠]: "في أي شيء زهدوا فقال: زهدوا فيه".
стр. 4079
وأن يضمن (تَعْبُرُونَ) معنى فعلٍ يتعدى باللام، كأنه قيل: إن كنتم تنتدبون لعبارة الرؤيا. وحقيقة «عبرت الرؤيا» ذكرت عاقبتها وآخر أمرها، كما تقول: عبرت النهر، إذا قطعته حتى تبلغ آخر عرضه وهو عبره. ونحوه: أولت الرؤيا إذا ذكرت مآلها وهو مرجعها. و"عبرت الرؤيا" بالتخفيف، هو الذي اعتمده الأثبات، ورأيتهم ينكرون «عبرت» بالتشديد والتعبير والمعبر. وقد عثرت على بيت أنشده المبرد في كتاب الكامل لبعض الأعراب:
رَأَيْتُ رُؤْيَا ثُمَّ عَبَّرْتُهَا … وَكُنْتُ لِلْأحْلَامِ عَبَّارَا
[(قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ وَما نَحْنُ بِتَاوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ)].
(أَضْغاثُ أَحْلامٍ) تخاليطها وأباطيلها، وما يكون منها من حديث نفسٍ أو وسوسة شيطان.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (تنتدبون)، يقال: ندبته فانتدب؛ أي: دعوته فأجاب، ويعدى باللام.
قوله: (وهو عبره)، الجوهري: "وعبر النهر: شطه وجانبه". قال القاضي: "عبارة الرؤيا: الانتقال من الصور الخيالية إلى المعاني النفسانية التي هي مثالها؛ من العبور، وهو المجاوزة".
قوله: (الذي اعتمده الأثبات)، الأثبات: جمع ثبت، يقال: فلان ثبت؛ أي: ثابت القلب، ولا أحكم بكذا إلا بثبت؛ أي: بحجة.
стр. 4080
وأصل "الأضغاث": ما جمع من أخلاط النبات وحزم، الواحد: ضغث، فاستعيرت لذلك، والإضافة بمعنى «من» أي: أضغاث من أحلام. والمعنى: هي أضغاث أحلام.
فإن قلت: ما هو إلا حلم واحد، فلم قالوا: (أضغاث أحلام) فجمعوا؟ قلت: هو كما تقول: فلان يركب الخيل ويلبس عمائم الخز، لمن لا يركب إلا فرساً واحداً وما له إلا عمامة فردة، تزيداً في الوصف، فهؤلاء أيضاً تزيدوا في وصف الحلم بالبطلان، فجعلوه أضغاث أحلام.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فاستعيرت لذلك)، أي: استعيرت "الأضغاث" للتخاليط والأباطيل، شبهت تخاليط الأحلام وأباطيلها بما جمع من أخلاط النبات وحزم، والجامع الاختلاط من غير تمييز بين جيد ورديء، ثم استعمل "أضغاث" في موضع "الأباطيل"، وجعلت القرينة الإضافة.
قوله: (أي: أضغاث من أحلام)، الراغب: "الحلم: ضبط النفس عن هيجان الغضب، وجمعه أحلام، قال تعالى: (أَمْ تَامُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهَذَا) [الطور: ٣٢]، قيل: عقولهم، وليس الحلم في الحقيقة: العقل، لكنه من مسبباته، وقد حلم وحلمه العقل وتحلم، وقال تعالى: (وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمْ الْحُلُمَ) [النور: ٥٩]، أي: زمان الحلم، وقال تعالى: (فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ) [الصافات: ١٠١]، أي: وجد فيه قوة الحلم، وسمي الحلم لكون صاحبه جديراً بالحلم، يقال: حلم حلماً وحُلماً، وتحلَّم واحتلم، وحلمت به في نومي، أي: رأيته في المنام".
قوله: (فلان يركب الخيل، ويلبس عمائم الخز)، قال صاحب "الفرائد": ولما كانت (أَضْغَاثُ أَحْلامٍ) مستعارة لما ذكر، وهي تخاليطها وأباطيلها، وهي متحققة في رؤيا
стр. 4081
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
واحدة بحسب أنها متركبة من أشياء، كل واحد منها حلم، فكانت أحلاماً، فلا افتقار إلى ما ذكر من التكلف.
وقلت: هذا كلام حسن، وكلام المصنف مبني على أن الحلم والرؤيا مترادفان، فكأنه قيل: أضغاث رؤى، ولا شك أنها رؤيا واحدة لا رؤى، ولذلك استشهد بقول الشاعر:
رأيت رؤيا ثم عبرتها … وكنت للأحلام عبارا
ولولا أن الرؤيا والحلم واحد لم يصح قوله: "للأحلام عباراً".
قال صاحب "النهاية": "والرؤيا والحلم: عبارة عما يراه النائم في النوم من الأشياء، ولكن غلبت "الرؤيا" على ما يراه من الخير والشيء الحسن، وغلب "الحلم" على ما يراه من الشر والقبيح، ومنه قوله تعالى: (أَضْغَاثُ أَحْلامٍ)، وتضم لام "الحلم" وتسكن، وفي الحديث: (الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان) ".
قال التوربشتي: الحلم عند العرب: مستعمل استعمال الرؤيا، والتفريق إنما كان من الاصطلاحات الشرعية التي لم يقتضها بليغ، ولم يهتد إليها حكيم، بل سنها صاحب الشريعة للفصل بين الحق والباطل، كأنه كرِه أن يسمى ما كان من الله وما كان من الشيطان باسم واحد، وجعل الرؤيا عبارة عن القسم الصالح لما في صيغتها من الدلالة على مشاهدة
стр. 4082
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الشيء بالبصر والبصيرة، وجعل الحلم عبارة عما كان من الشيطان، لأن أصل الكلمة لم يستعمل إلا فيما يخيل إلى الحالم في منامه من قضاء الشهوة مما لا حقيقة له.
وقلت: لعله رحمة الله أراد بقوله: "ولم يهتد غليها حكيم": ما عرفتها الفلاسفة؛ على ما نقله القاضي في "تفسيره": "الرؤيا: انطباع الصورة المنحدرة من أفق المتخيلة إلى الحس المشترك، والصادقة منها إنما تكون باتصال النفس بالملكوت، لما بينهما من التناسب، عند فراغه من تدبير البدن أدنى فراغ، فتتصور بما فيها مما يليق من المعاني الحاصلة هناك، ثم إن المتخيلة تحاكيه بصورة تناسبه، فترسلها إلى الحس المشترك، فيصير مشاهدة، ثم إن كانت شديدة المناسبة لذلك المعنى؛ بحيث لا يكون التفاوت إلا بأدنى شيء، استغنت الرؤيا عن التعبير".
والذي يؤيد قول الإمام التوربشتي ما روينا عن البخاري ومسلم والترمذي وأبي داود: "رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة"، وزاد بعضهم: "فإنه لا يكذب"، قال محمد بن سيرين: "وأنا أقول هذه، قال: وكان يقال: والرؤيا ثلاثة: حديث النفس وتخويف الشيطان وبشرى من الله"، هكذا ورد في "جامع الأصول". وإنما خص صلوات الله عليه رؤيا المؤمن، وجعلها جزءاً من أجزاء النبوة، ونص الأعداد، لئلا يشرع
стр. 4083
ويجوز أن يكون قد قص عليهم مع هذه الرؤيا رؤيا غيرها.
(وَما نَحْنُ بِتَاوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ) إما أن يريدوا بالأحلام: المنامات الباطلة خاصة، فيقولوا: ليس لها عندنا تأويل، فإن التأويل إنما هو للمنامات الصحيحة الصالحة، وإما أن يعترفوا بقصور علمهم وأنهم ليسوا في تأويل الأحلام بنحارير.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فيه الفلسفي أصلاً، ويدخلها في تعريفه المختل، لأنها من مشرع لا مجال للعقل فيه.
قوله: (رؤى غيرها)، رؤى: كعلى؛ لجمع العليا، الجوهري: "جمع الرؤيا: رؤى، بالتنوين، مثل: رعى".
قوله: (وإما أن يعترفوا بقصور علمهم)، الانتصاف: "هذا هو الظاهر، وحمل الكلام على الأول يصيره من وادي:
على لاحِب لا يهتدى بمناره
كأنهم قالوا: أحلام باطلة، ولا تأويل للأحلام الباطلة، فيكونوا بها عالمين، وقول الملك لهم: (إِنْ كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ) دليل على أنهم لم يكونوا في علمه عالمين بها، لأن "إن" للشك، فجاء اعترافهم مطابقاً لشكه فيهم، وقول الفتى: (أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَاوِيلِهِ) إلى قوله: (لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ) دليل على ذلك".
وقلت: لا ارتياب أن التعريف في (الْأَحْلَامِ): إما للعهد، والمعهود وما صرحوا به من قولهم: (أَضْغَاثُ أَحْلامٍ)، وإما للجنس، وهو ما يعلم كل واحد أن الأحلام ما هي؟
стр. 4084
[(وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَاوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ)].
قرئ (وَادَّكَرَ) بالدال وهو الفصيح. وعن الحسن: "واذكر"، بالذال المعجمة. والأصل: تذكر، أي: تذكر الذي نجا من الفتيين من القتل يوسف وما شاهد منه (بَعْدَ أُمَّةٍ) بعد مدّة طويلة، وذلك أنه حين استفتى الملك في رؤياه وأعضل على الملأ تأويلها، تذكر الناجي يوسف وتأويله رؤياه ورؤيا صاحبه، وطلبه إليه أن يذكره عند الملك.
وقرأ الأشهب العقيلي بَعْدَ أُمَّةٍ بكسر الهمزة، والإمّة النعمة. قال عدى:
ثُمَّ بَعْدَ الْفَلَاحِ وَالْمُلْكِ وَالْإِمَّـ … مَةِ وَارَتْهُمُ هُنَاكَ الْقُبُورُ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والوجهان مبنيان على هذا، والأول هو الظاهر، لأنهم ما جعلوا ذلك المنام أضغاث أحلام إلا لتمهيد عذرهم أنهم غير عالمين بها.
قوله: ((وَادَّكَرَ) بالدال)، المهملة: المشهورة، وبالذال المعجمة: شاذة.
قوله: ((بَعْدَ أُمَّةٍ) بعد مدة طويلة)، كقوله تعالى: (وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمْ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ) [هود: ٨]، أي: برهة من الزمان، وطائفة منه، والجملة معترضة.
قوله: (ثم بعد الفلاح والملك)، البيت:
ثم بعد الفلاح والملك والإمـ … مة وارتهم هناك القبور
أين كسرى كسرى الملوك أبو … ساسان أم أين قبله سابور
قائلهما عدي بن زيد. الفلاح: البقاء والفوز والظفر، يقول: أين عظماء الملوك الذين
стр. 4085
أي: بعدما أنعم عليه بالنجاة. وقرئ: "بَعْدَ أُمَّةٍ" أي: بعد نسيان. يقال: أمه يأمه أمها، إذا نسي. ومن قرأ بسكون الميم فقد خطئ.
(أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَاوِيلِهِ) أنا أخبركم به عمن عنده علمه. وفي قراءة الحسن: "أنا آتيكم بتأويله" (فَأَرْسِلُونِ) فابعثوني إليه لأسأله، ومرونى باستعباره. وعن ابن عباس: لم يكن السجن في المدينة.
[(يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَاكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ)].
المعنى: فأرسلوه إلى يوسف، فأتاه فقال: (يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ) أيها البليغ في الصدق، وإنما قال له ذلك لأنه ذاق أحواله وتعرف صدقه في تأويل رؤياه ورؤيا صاحبه حيث جاء كما أوّل، ولذلك كلمه كلام محترز فقال (لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ) لأنه ليس على يقين من الرجوع،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانوا في النعمة والحبور، سترتهم القبور عن أعين الناس، ولا يدرى ما حالهم تحت التراب.
قوله: (لأنه ذاق أحواله)، أي: إنما قال: (أَيُّهَا الصِّدِّيقُ) لأنه جرب نفسه وأحواله مراراً كثيرة، إذ لا يقال لأحد "صديق" حتى جرب وشوهد منه الصدق مرة بعد مرة، روينا عن البخاري ومسلم: "إن الرجل ليصدق حتى يكتب صديقاً"، جيء بالمضارع الدال على الاستمرار، وقرن معه كلمة التدرج.
قوله: (ولذلك كلمه كلام محترز)، أي: ولأجل أنه ذاق أحواله، وعلم أنه صديق لا
стр. 4086
فربما اخترم دونه، ولا من علمهم فربما لم يعلموا. أو معنى (لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ) لعلهم يعلمون فضلك ومكانك من العلم، فيطلبوك ويخلصوك من محنتك.
[(قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تَاكُلُونَ* ثُمَّ يَاتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَاكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ (٤٨) ثُمَّ يَاتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ)].
(تَزْرَعُونَ) خبر في معنى الأمر، كقوله: (تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ) [الصف: ١١]، وإنما يخرج الأمر في صورة الخبر للمبالغة في إيجاب إيجاب المأمور به، فيجعل كأنه يوجد، فهو يخبر عنه. والدليل على كونه في معنى الأمر قوله (فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ).
(دَأَباً) بسكون الهمزة وتحريكها، وهما مصدر: دأب في العمل، وهو حال من المأمورين، أي: دائبين: إمّا على تدأبون دأباً، وإمّا على إيقاع المصدر حالاً، بمعنى: ذوي دأب.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يصدر منه إلا الصدق، ولا يروج عنده إلا الصدق، كلمه كلام محترز عن الكذب؛ حيث لم يقطع برجوعه إلى الناس، لأن الموت واقع، ولم يقطع أيضاً بأن القوم يعلمون ذلك، لأنه لا اعتماد على فهم الناس، وكرر لفظ الرجاء في الموضعين.
قوله: (اخترم دونه)، أي: يموت الشرابي بين يدي رجوعه، أي: قبله. الجوهري: "اخترمهم الدهر وتخرمهم؛ أي: اقتطعهم واستأصلهم".
قوله: (مصدر: دأب في العمل)، الجوهري: "دأب فلان في عمله؛ أي: جد وتعب".
وقرأ حفص: بالتحريك، والباقون: بالسكون، و (دَأَباً) حال من المأمورين؛ إما بتقدير الفعل وإضماره، وإقامة المصدر مقامه، أو بمعنى: ذوي دأب.
стр. 4087
(فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ) لئلا يتسوس، و (يَاكُلْنَ) من الإسناد المجازي؛ جعل أكل أهلهنّ مسنداً إليهنّ (تُحْصِنُونَ) تحرزون وتخبؤون.
(فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ) من الغوث أو من الغيث. يقال: غيثت البلاد، إذا مطرت
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (جعل أكل أهلهن مسنداً إليهن)، قال القاضي: "أي: يأكل أهلهن ما ادخرتم لأجلهن، فأسند إليهن على المجاز؛ تطبيقاً بين المعبر والمعبَّر به"، يعني: لما كان سبب الادخار السنين المجدبة، كان الصرف إلى أهلهن للأكل الصرف إليهن، ومن هذا الباب قوله:
أشاب الصغير وأفنى الكبيـ … ـر كر الغداة ومر العشي
قوله: (تحرزون وتخبؤون)، قال القاضي: " (تُحْصِنُونَ) [تحرزون] لبذور الزراعة".
قوله: (من الغوث أو الغيث)، الراغب: "الغيث: يقال في المطر، والغوث: في النصرة. واستغثته: طلبت الغوث أو الغيث، فأغاثني- من الغوث-، وغاثني- من الغيث-، وقوله: (وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ) [الكهف: ٢٩] يجوز أن يكون من الغوث أو الغيث، وكذا (يُغَاثُوا) ".
стр. 4088
ومنه قول الأعرابية: غثنا ما شئنا. (يَعْصِرُونَ) بالياء والتاء، يعصرون العنب والزيتون والسمسم. وقيل: يحلبون الضروع.
وقرئ: "يعصرون"، على البناء للمفعول، من عصره إذا أنجاه، وهو مطابق للإغاثة. ويجوز أن يكون المبنى للفاعل بمعنى ينجون،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (الأعرابية: غثنا ما شئنا)، ذكر ابن دريد في كتاب "المطر" عن أبي حاتم عن الأصمعي عن أبي عمرو ابن العلاء عن ذي الرمة: "قاتل الله أمة بني فلان ما أغربها؛ سألتها عن المطر ببلادهم، قالت: غثنا ما شئنا، أي: أصابنا الغيث".
قوله: ((يَعْصِرُونَ) بالياء والتاء)، حمزة والكسائي: بالتاء الفوقانية، والباقون: بالياء.
قوله: (من: عصره؛ إذا أنجاه)، الجوهري: "واعتصرت بفلان وتعصرت: إذا التجأت إليه، قال الله تعالى: (وَفِيهِ يَعْصِرُونَ)، وقال أبو عبيدة: (يَعْصِرُونَ) أي: ينجون؛ وهو من العصرة؛ وهي المنجاة".
قوله: (ويجوز أن يكون المبني للفاعل بمعنى: ينجون)، أي: (يَعْصِرُونَ) بمعنى: ينجون، كما أن "يعصرون" من: عصره؛ إذا أنجاه.
стр. 4089
كأنه قيل: فيه يغاث الناس وفيه يغيثون أنفسهم، أي: يغيثهم الله ويغيث بعضهم بعضاً وقيل (يَعْصِرُونَ) يمطرون، من أعصرت السحابة. وفيه وجهان: إمّا أن يضمن "أعصرت" معنى مطرت، فيعدّى تعديته. وإمّا أن يقال: الأصل أعصرت عليهم فحذف الجار وأوصل الفعل.
تأوّل البقرات السمان والسنبلات الخضر بسنين مخاصيب، والعجاف واليابسات بسنين مجدبة، ثم بشرهم بعد الفراغ من تأويل الرؤيا بأنّ العام الثامن يجيء مباركا خصيباً كثير الخير غزير النعم، وذلك من جهة الوحى. وعن قتادة: زاده الله علم سنة.
فإن قلت: معلومٌ أنّ السنين المجدبة إذا انتهت كان انتهاؤها بالخصب، وإلا لم توصف بالانتهاء، فلم قلت إنّ علم ذلك من جهة الوحي؟ قلت: ذلك معلوم علماً مطلقاً لا مفصلاً. وقوله (فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ) تفصيلٌ لحال العام، وذلك لا يعلم إلا بالوحي.
[(وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ* قالَ ما خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ)].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (من: أعصرت السحابة)، ومنه قوله تعالى: (وَأَنزَلْنَا مِنْ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجاً) [النبأ: ١٤]، قال: "المعصرات: السحائب إذا أعصرت، أي: شارفت أن تعصرها الرياح فتمطر، كقولك: أجز الزرع؛ إذا حان له أن يجز".
قوله: (علماً مطلقاً)، يعني: لا يشك أحد في معرفة انتهاء الجدب إلى الخصب، لكن
стр. 4090
إنما تأنى وتثبت في إجابة الملك، وقدّم سؤال النسوة ليظهر براءة ساحته عما قرف به وسجن فيه، لئلا يتسلق به الحاسدون إلى تقبيح أمره عنده، ويجعلوه سلماً إلى حط منزلته لديه، ولئلا يقولوا ما خلد في السجن سبع سنين إلا لأمر عظيم وجرم كبير حق به أن يسجن ويعذب ويستكف شرّه. وفيه دليلٌ على أنّ الاجتهاد في نفي التهم واجب وجوب اتقاء الوقوف في مواقفها، قال ﵇: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقفنّ مواقف التهم» ومنه قال رسول الله ﷺ للمارّين به في معتكفه وعنده بعض نسائه: «هي فلانة»؛ اتقاء للتهمة،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الخصب يحتمل أن يكون تاماً وغير تام، ونصوصية أحدهما لا تُعلم إلا بالوحي، فقوله: (يَعْصِرُونَ) يدل على خصب تام لا مزيد عليه، كأنه قيل: ينتهي الخصب حتى يتجاوز من المأكول إلى المشروب والادخار فيه.
وتكرير "فيه" تتميم لقوله: (يَعْصِرُونَ)، وفي تخصيص اسم "الناس" دون أن يقال: "تغاثون"، كما قيل: (تَزْرَعُونَ)، تعميم لأثر الخصب في سائر الأماكن، وفي إيثار (يُغَاثُ) دون "يمطر" تتميم للتتميم.
قوله: (لئلا يتسلق الحاسدون)، الأساس: "سلقت اللحم عن العظم: قشرته، وهو يتكلم بالسليقة، وتسلق الحائط. ومن المجاز: سلقه بلسانه، ولسان مسلق، ومنه قوله تعالى: (سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ) [الأحزاب: ١٩] ".
قوله: (ولئلا يقولوا: ما خلد في السجن)، استعمل الخلود في امتداد الزمان وطول المكث، دون الدوام والأبد، كما هو عليه مذهب أهل السنة.
قوله: ("هي فلانة" اتقاء للتهمة)، الحديث من رواية أنس: "أن رسول الله ﷺ كان
стр. 4091
وعن النبي ﷺ : «لقد عجبت من يوسف وكرمه وصبره، والله يغفر له، حين سئل عن البقرات العجاف والسمان، ولو كنت مكانه ما أخبرتهم حتى أشترط أن يخرجوني. ولقد عجبت منه حين أتاه الرسول فقال: ارجع إلى ربك. ولو كنت مكانه ولبثت في السجن ما لبث، لأسرعت الإجابة وبادرتهم الباب ولما ابتغيت العذر،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مع إحدى نسائه، فمر به رجل، فدعاه، وقال: هذه زوجتي، فقال: يا رسول الله، من كنت أظن به فلم أكن أظن بك! فقال رسول الله ﷺ : إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم"، أخرجه مسلم.
قوله: (والله يغفر له)، قيل: هذا إشارة على ترك العزيمة بالرخصة، وهي تقديم حق الله بتبليغ التوحيد والرسالة على براءة نفسه.
وقلت: قد أسلفنا في سورة "براءة" على أن مثل هذه المقدمة مشعرة بتعظيم المخاطب وتوقيره وتوفر حرمته، وهو كما تقول لمن تعظمه: عفا الله عنك ما صنعت في أمري؟ ورضي الله عنك ما جوابك عن كلامي؟
قوله: (لأسرعت الإجابة)، الحديث: من رواية الإمام أحمد بن حنبل عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "لو كنت لأسرعت الإجابة، وما ابتغيت العذر".
وعن البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لو كنت ثم جاءني الرسول لأجبت"، قال محيي السنة في "شرح السنة": إنه ﷺ "وصف يوسف
стр. 4092
إن كان لحليماً ذا أناة».
وإنما قال: سل الملك عن حال النسوة ولم يقل سله أن يفتش عن شأنهن، لأنّ السؤال مما يهيج الإنسان ويحركه للبحث عما سئل عنه، فأراد أن يورد عليه السؤال ليجدّ في التفتيش عن حقيقة القصة وفصّ الحديث، حتى يتبين له براءته بياناً مكشوفاً يتميز فيه الحق من الباطل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بالأناة والصبر حيث لم يبادر إلى الخروج حين جاء رسول الملك؛ فعل لامذنب حين يعفى عنه مع طول لبثه في السجن، بل قال: (ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ)، أراد أن يقيم الحجة في حبسهم إياه ظلماً، فقال ﷺ على سبيل التواضع، لا أنه ﷺ كان في الأمر منه مبادرة وعجلة لو كان مكان يوسف، والتواضع لا يصغر كبيراً، ولا يضع رفيعاً، ولا يبطل لذي حق حقاً، ولكنه يوجب لصاحبه فضلاً، ويكسبه جلالاً وقدراً".
قوله: (إن كان لحليماً)، "إن" هي المخففة من الثقيلة، الأناة: الوقار، وقيل: هو اسم من التأني في الأمور.
قوله: (لأن السؤال مما يهيج الإنسان)، أي: يحرك منه، يعني: قوله: (فَاسْأَلْهُ) يحتمل أن يكون بمعنى المسألة، أي: سلة عن حقيقة شأنهن، وأن يكون بمعنى الطلب، وهو أن يفتش عن شأنهن، فحين قيده بلفظة (مَا) التي يسأل بها عن حقيقة الشيء ظاهراً هيجه للتفتيش عن حالهن، لأن الإنسان حريص على تحصيل تحقيق الشيء، ويستنكف أن ينسب إلى الجهل به، بخلاف ما لو قال: سله أن يفتش، أي: اطلب منه، فإنه لا يبالي بهذا الطلب، ولا يلتفت إليه، سيما عن أمثال الملوك.
قوله: (وفص الحديث)، الأساس: "فلان حزاز الفصوص: إذا كان مصيباً في رأيه وجوابه، وأتيتك من فصه؛ أي: من محزه وأصله، ومنه فصوص الأخبار".
стр. 4093
وقرئ "النُّسْوَةِ" بضم النون.
ومن كرمه وحسن أدبه: أنه لم يذكر سيدته مع ما صنعت به وتسببت فيه من السجن والعذاب، واقتصر على ذكر المقطعات أيديهنّ.
(إِنَّ رَبِّي) إنّ الله تعالى (بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ) أراد أنه كيدٌ عظيمٌ لا يعلمه إلا الله لبعد غوره. أو استشهد بعلم الله على أنهنّ كدنه، وأنه بريء مما قرف به. أو أراد الوعيد لهنّ، أي: هو عليم بكيدهنّ فمجازيهنّ عليه.
(ما خَطْبُكُنَّ) ما شأنكنّ (إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ) هل وجدتنّ منه ميلا إليكنّ؟ (قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ) تعجباً من عفته وذهابه بنفسه عن شيء من الريبة ومن نزاهته عنها (قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ) أي: ثبت واستقرّ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أو استشهد بعلم الله على أنهن كدنه)، كأنه قال: "فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن، وأردن كيدي، والله شاهدي على ذلك"، وشهادة الله تلك الأمارات الدالة على براءته، والوجه الثالث بعيد وبعيد من كرم يوسف ﵇، والوجه هو الأول، ولهذا أتى بالموصولة، وأوقع صلتها قطع الأيدي؛ ليصور تلك الحالات واللاتي جلسن متكئات دهشات، وأردن الكيد بهن، ويستحضر صورتها في ذهن السامع، ويتعجب منها، فيكون وسيلة إلى الاستعلام.
قوله: (هل وجدتن منه ميلاً إليكن)، فإن قلت: كيف دل قوله: (مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ) على هذا؟ قلت: من حيث إنه مطلق، ومقام الباعث للسؤال من قوله: (فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ) يستدعيه، ألا ترى كيف كان الجواب قولهم: (حَاشَ لِلهِ)؟
قوله: ((حَصْحَصَ الْحَقُّ) أي: ثبت واستقر)، الراغب: "حصحص الحق: وضح، وذلك
стр. 4094
وقرئ "حَصْحَصَ" على البناء للمفعول، وهو من حصحص البعير إذا ألقى ثفناته للإناخة، قال:
فَحَصْحَصَ فِى صُمِّ الصَّفَا ثَفَنَاتِهِ … وَنَاءَ بِسَلْمَى نَوْءَةً ثُمَّ صَمَّمَا
ولا مزيد على شهادتهنّ له بالبراءة والنزاهة،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بانكشاف ما يغمره، وحص وحصحص: نحو: كف وكفكف، وكب وكبكب. وحصه: قطع منه، إما بالمباشرة أو بالحكم، فمن الأول قول الشاعر:
قد حصت البيضة رأسي
ومنه قيل: رجل أحص؛ انقطع بعض شعره. والحصة: القطعة من الجملة، واستعملت استعمال النصيب.
قوله: (فحصحص في صم الصفا)، البيت: المستتر في "فحصحص" للبعير. "ثفناته": مباركه؛ جمع الثفنة، وهي ما ولي الأرض من كل ذي أربع إذا برك؛ مثل الركبتين والكلكل. وناء [به] الحمل: إذا أثقله. والتصميم: المضي في الأمر، يعني: ركبت عليه
стр. 4095
واعترافهنّ على أنفسهنّ بأنه لم يتعلق بشيء مما قرفنه به، لأنهنّ خصومه. وإذا اعترف الخصم بأنّ صاحبه على الحق وهو على الباطل، لم يبق لأحد مقال.
وقالت المجبرة والحشوية: نحن قد بقي لنا مقال، ولا بدّ لنا من أن ندق في فروة من ثبتت نزاهته.
[(ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ)].
(ذلِكَ لِيَعْلَمَ) من كلام يوسف، أي: ذلك التثبت والتشمر لظهور البراءة ليعلم العزيز (أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ) بظهر الغيب في حرمته. ومحل (بِالْغَيْبِ) الحال من الفاعل أو المفعول، على معنى: وأنا غائب عنه خفي عن عينه أو وهو غائب عني خفي عن عيني.
ويجوز أن يكون ظرفاً، أي: بمكان الغيب، وهو الخفاء والاستتار وراء الأبواب السبعة المغلقة وَليعلم أَنَّ (اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ) لا ينفذه ولا يسدّده،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سُلمى ونهض بها وسار، يقول: هذا البعير ألقى ثفناته، ثم قام بسلمى وقصد السفر، ومضى في السفر.
قوله: (ذلك التثبت)، التعريف في "التثبت" للعهد، وهو قول يوسف ﵇ للرسول: (ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ) إلى آخره، أي: تلك الجسارة لأجل أن يعلم أني لم أخنه.
قوله: (في حرمته)، أي: في امرأته، قال:
تهوى حياتي وأهوى موتها شغفاً … والموت أكرم نزال على الحرم
стр. 4096
وكأنه تعريضٌ بامرأته في خيانتها أمانة زوجها، وبه في خيانته أمانة الله حين ساعدها بعد ظهور الآيات على حبسه. ويجوز أن يكون تأكيداً لأمانته، وأنه لو كان خائناً لما هدى الله كيده ولا سدّده.
[(وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ)].
ثم أراد أن يتواضع لله ويهضم نفسه، لئلا يكون لها مزكيا وبحالها في الأمانة معجباً ومفتخراً، كما قال رسول الله ﷺ «أنا سيد ولد آدم ولا فخر»،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وكأنه تعريض بامرأته)، الراغب: "خص الخائنين تنبيهاً على أنه قد يهدي كيد من لم يقصد بكيده خيانة، ككيد يوسف بأخيه".
قوله: (ويوز أن يكون تأكيداً لأمانته)، أي: اعتراضاً وتذييلاً، فيجب إثبات الكيد ليوسف ﵇ لتظهر به أمانته، وتندفع عنه الخيانة التي نسبت إليه، وهو ما ذكره في قوله: "ذلك التثبت والتشمر لظهور البراءة ليعلم العزيز أني لم أخنه بالغيب"، لأن صورته صورة الكيد، يعني: لو كنت خائناً ما برأت ساحتي حتى بتشمري وتثبتي.
قوله: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر)، تمامه: "بيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ؛ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر"، أخرجه الترمذي عن أبي سعيد الخدري.
стр. 4097
وليبين أنّ ما فيه من الأمانة ليس به وحده، وإنما هو بتوفيق الله ولطفه وعصمته فقال (وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي) من الزلل، وما أشهد لها بالبراءة الكلية ولا أزكيها. ولا يخلو، إمّا أن يريد في هذه الحادثة، لما ذكرنا من الهمّ الذي هو ميل النفس عن طريق الشهوة البشرية لا عن طريق القصد والعزم. وإمّا أن يريد به عموم الأحوال (إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ) أراد الجنس، أي: إنّ هذا الجنس يأمر بالسوء ويحمل عليه بما فيه من الشهوات (إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي) إلا البعض الذي رحمه ربى بالعصمة كالملائكة.
ويجوز أن يكون (ما رَحِمَ) في معنى الزمن، أي: إلا وقت رحمة ربي، يعني: أنها أمّارة بالسوء في كل وقت وأوان، إلا وقت العصمة. ويجوز أن يكون استثناء منقطعاً، أي: ولكن رحمة ربي هي التي تصرف الإساءة، كقوله: (وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ* إِلَّا رَحْمَةً) [يس: ٤٣ - ٤٤].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ولا يخلو: إما أن يريد في هذه الحادثة؛ لما ذكرنا من الهم الذي هو ميل النفس لا العزم، وإما أن يريد عموم الأحوال)، الانتصاف: "عموم الأحوال أبلغ في التنزيه وهضم النفس، وابعد عن تزكيتها".
قوله: ((وَلا هُمْ يُنقَذُونَ* إِلاَّ رَحْمَةً))، أي: "ولا هم ينجون من الموت بالغرق إلا لرحمة منا"، هكذا ذكره، وهو استثناء متصل من أعم عام المفعول له، قال أبو البقاء: "هو مفعول له أو مصدر، وقيل: هو استثناء منقطع".
وقلت: تقديره: ولا هم ينجون من الغرق البتة، ولكن رحمة ربي هي التي تنجيهم.
стр. 4098
وقيل معناه: ذلك ليعلم أني لم أخنه لأنّ المعصية خيانة.
وقيل: هو من كلام امرأة العزيز، أي: ذلك الذي قلت ليعلم يوسف أني لم أخنه ولم أكذب عليه في حال الغيبة وجئت بالصحيح والصدق فيما سئلت عنه وما أبرئ نفسي مع ذلك من الخيانة، فإني قد خنته حين قرفته وقلت: ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً إلا أن يُسجن، وأودعته السجن، تريد الاعتذار مما كان منها - إنّ كل نفس (لأمّارة بالسوء إلا ما رحم ربي) إلا نفساً رحمها الله بالعصمة كنفس يوسف (إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ) استغفرت ربها واسترحمته مما ارتكبت.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقيل: معناه: ذلك ليعلم الله)، معطوف على قوله: "ذلك التثبت والتشمر لظهور البراءة ليعلم العزيز".
فإن قلت: ما معنى قول يوسف: ليعلم الله أني لم أخنه بالغيب؟ قلت: معنى قوله تعالى: (لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ) [البقرة: ١٤٣]، وذلك أن الله لم يزل عالماً بأن يوسف لم يخنه، لكن المراد أن يسأل الملك ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن، ليجزي الله بصبري عن معصية الله، لأن معصيته خيانة، بأن يظهر بسؤاله براءة ساحتي، ويكرمني ويرفع منزلتي.
قوله: (وقيل: هو من كلام امرأة العزيز)، معطوف على قوله: " (ذَلِكَ لِيَعْلَمَ) من كلام يوسف"، والأول أوفق لتأليف النظم من غير تقديم ولا تأخير، وذلك أن النسوة لما بر أن ساحته على سبيل التأكيد، حيث جعلن (حَاشَ لِلهِ) تمهيداً وتشبثاً بقوله: (مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ)، فنفين عنه السوء المنكر على سبيل الاستغراق، وكذا امرأة العزيز قدمت الفاعل المعنوي في قولها: (أَنَا رَاوَدتُّهُ) على سبيل الاختصاص، وأتبعته قولها: (وَإِنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ) تقريراً له، أي: هو من زمرة الصادقين، وله مساهمة في الصدق، وأن هذا الوصف كاللقب المشهور له، قال يوسف: (ذَلِكَ) أي: ذلك السؤال والجواب (لِيَعْلَمَ) الملك أني لم أخن العزيز بظهر الغيب في حرمته، ومن ذلك (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي) براءة كلية كما
стр. 4099
فإن قلت: كيف صح أن يجعل من كلام يوسف ولا دليل على ذلك؟ قلت: كفى بالمعنى دليلاُ قائداُ إلى أن يجعل من كلامه. ونحوه قوله (قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ* يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ) [الأعراف: ١٠٩ - ١١٠]، ثم قال (فَماذا تَامُرُونَ) [الأعراف: ١١٠] وهو من كلام فرعون يخاطبهم ويستشيرهم.
وعن ابن جريج: هذا من تقديم القرآن وتأخيره، ذهب إلى أن (ذلِكَ لِيَعْلَمَ) [يوسف: ٥٢] متصل بقوله: (وقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول) [يوسف: ٥٠]، ولقد لفقت المبطلة رواياتٍ مصنوعة، فزعموا أن يوسف حين قال: (أني لم أخنه بالغيب) [يوسف: ٥٢]، قال له جبريل: ولا حين هممت بها، وقالت له امرأة العزيز: ولا حين حللت تكة سراويلك يا يوسف، وذلك لتهالكهم على بهت الله ورسله.
[(وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ)].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أشرف إليها على مر، كيف وأني هممت بها لولا أن رأيت برهان ربي، فعلى هذا: قوله: (إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي) إشارة إلى ذلك البرهان، والاستثناء منقطع، وكان ذلك منه ﵇ تفادياً عن الركون إلى إطراء المدح، وتصديقاً لقوله: (وَإِنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ)، أي: المتوغلين في الصدق.
قوله: (هذا من تقديم القرآن)، أي: ذهب ابن جريج إلى أن قوله تعالى: (ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ) متصل بقوله: (فَاسْأَلْهُ)، كأنه قيل: فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن ليخبرنه ببراءتي، وذلك السؤال لأجل أن يعلم أني لم أخنه بالغيب.
стр. 4100
يقال استخلصه واستخصه، إذا جعله خالصاً لنفسه وخاصاً به (فَلَمَّا كَلَّمَهُ) وشاهد منه ما لم يحتسب (قالَ) أيها الصديق (إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ) ذو مكانة ومنزلة (أَمِينٌ) مؤتمن على كل شيء. روي أنّ الرسول جاءه فقال: أجب الملك، فخرج من السجن ودعا لأهله: اللهم أعطف عليهم قلوب الأخيار ولا تعمّ عليهم الأخبار، فهم أعلم الناس بالأخبار في الواقعات. وكتب على باب السجن: هذه منازل البلوى وقبور الأحياء وشماتة الأعداء وتجربة
الأصدقاء، ثم اغتسل وتنظف من درن السجن، ولبس ثيابا جدداً» فلما دخل على الملك قال: اللهمّ إني أسألك بخيرك من خيره، وأعوذ بعزتك وقدرتك من شره، ثم سلم عليه ودعا له بالعبرانية، فقال: ما هذا اللسان؟ قال: لسان آبائي، وكان الملك يتكلم بسبعين لساناً، فكلمه بها فأجابه بجميعها، فتعجب منه وقال: أيها الصدّيق، إني أحب أن أسمع رؤياي منك. فقال: رأيت بقرات فوصف لونهنّ وأحوالهنّ ومكان خروجهنّ، ووصف السنابل وما كان منها على الهيئة التي رآها الملك لا يخرم منها حرفاً، وقال له: من حقك أن تجمع الطعام في الأهراء، فيأتيك الخلق من النواحي يمتارون منك، ويجتمع لك من الكنوز ما لم يجتمع لأحدٍ قبلك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ولا تعم عليهم الأخبار)، الجوهري: "عميت معنى البيت تعمية، ومنه المعمى"، فقوله: "اعطف عليهم قلوب الأخيار" كناية عن طلب خلاصهم، وقوله: "ولا تُعم عليهم" كناية عن طلب ما به يحصل تسليهم في ذلك المكان من الاعتبار بالواقعات.
قوله: (في الأهراء)، واحدها: هري، وهو الأنبار، ولم أجده إلا في الحاشية.
следующие страницы →