← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 4096–4135 · переход к 4101.

стр. 4096

وكأنه تعريضٌ بامرأته في خيانتها أمانة زوجها، وبه في خيانته أمانة الله حين ساعدها بعد ظهور الآيات على حبسه. ويجوز أن يكون تأكيداً لأمانته، وأنه لو كان خائناً لما هدى الله كيده ولا سدّده. [(وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ)]. ثم أراد أن يتواضع لله ويهضم نفسه، لئلا يكون لها مزكيا وبحالها في الأمانة معجباً ومفتخراً، كما قال رسول الله ﷺ «أنا سيد ولد آدم ولا فخر»، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وكأنه تعريض بامرأته)، الراغب: "خص الخائنين تنبيهاً على أنه قد يهدي كيد من لم يقصد بكيده خيانة، ككيد يوسف بأخيه". قوله: (ويوز أن يكون تأكيداً لأمانته)، أي: اعتراضاً وتذييلاً، فيجب إثبات الكيد ليوسف ﵇ لتظهر به أمانته، وتندفع عنه الخيانة التي نسبت إليه، وهو ما ذكره في قوله: "ذلك التثبت والتشمر لظهور البراءة ليعلم العزيز أني لم أخنه بالغيب"، لأن صورته صورة الكيد، يعني: لو كنت خائناً ما برأت ساحتي حتى بتشمري وتثبتي. قوله: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر)، تمامه: "بيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ؛ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر"، أخرجه الترمذي عن أبي سعيد الخدري.

стр. 4097

وليبين أنّ ما فيه من الأمانة ليس به وحده، وإنما هو بتوفيق الله ولطفه وعصمته فقال (وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي) من الزلل، وما أشهد لها بالبراءة الكلية ولا أزكيها. ولا يخلو، إمّا أن يريد في هذه الحادثة، لما ذكرنا من الهمّ الذي هو ميل النفس عن طريق الشهوة البشرية لا عن طريق القصد والعزم. وإمّا أن يريد به عموم الأحوال (إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ) أراد الجنس، أي: إنّ هذا الجنس يأمر بالسوء ويحمل عليه بما فيه من الشهوات (إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي) إلا البعض الذي رحمه ربى بالعصمة كالملائكة. ويجوز أن يكون (ما رَحِمَ) في معنى الزمن، أي: إلا وقت رحمة ربي، يعني: أنها أمّارة بالسوء في كل وقت وأوان، إلا وقت العصمة. ويجوز أن يكون استثناء منقطعاً، أي: ولكن رحمة ربي هي التي تصرف الإساءة، كقوله: (وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ* إِلَّا رَحْمَةً) [يس: ٤٣ - ٤٤]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ولا يخلو: إما أن يريد في هذه الحادثة؛ لما ذكرنا من الهم الذي هو ميل النفس لا العزم، وإما أن يريد عموم الأحوال)، الانتصاف: "عموم الأحوال أبلغ في التنزيه وهضم النفس، وابعد عن تزكيتها". قوله: ((وَلا هُمْ يُنقَذُونَ* إِلاَّ رَحْمَةً))، أي: "ولا هم ينجون من الموت بالغرق إلا لرحمة منا"، هكذا ذكره، وهو استثناء متصل من أعم عام المفعول له، قال أبو البقاء: "هو مفعول له أو مصدر، وقيل: هو استثناء منقطع". وقلت: تقديره: ولا هم ينجون من الغرق البتة، ولكن رحمة ربي هي التي تنجيهم.

стр. 4098

وقيل معناه: ذلك ليعلم أني لم أخنه لأنّ المعصية خيانة. وقيل: هو من كلام امرأة العزيز، أي: ذلك الذي قلت ليعلم يوسف أني لم أخنه ولم أكذب عليه في حال الغيبة وجئت بالصحيح والصدق فيما سئلت عنه وما أبرئ نفسي مع ذلك من الخيانة، فإني قد خنته حين قرفته وقلت: ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً إلا أن يُسجن، وأودعته السجن، تريد الاعتذار مما كان منها - إنّ كل نفس (لأمّارة بالسوء إلا ما رحم ربي) إلا نفساً رحمها الله بالعصمة كنفس يوسف (إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ) استغفرت ربها واسترحمته مما ارتكبت. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقيل: معناه: ذلك ليعلم الله)، معطوف على قوله: "ذلك التثبت والتشمر لظهور البراءة ليعلم العزيز". فإن قلت: ما معنى قول يوسف: ليعلم الله أني لم أخنه بالغيب؟ قلت: معنى قوله تعالى: (لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ) [البقرة: ١٤٣]، وذلك أن الله لم يزل عالماً بأن يوسف لم يخنه، لكن المراد أن يسأل الملك ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن، ليجزي الله بصبري عن معصية الله، لأن معصيته خيانة، بأن يظهر بسؤاله براءة ساحتي، ويكرمني ويرفع منزلتي. قوله: (وقيل: هو من كلام امرأة العزيز)، معطوف على قوله: " (ذَلِكَ لِيَعْلَمَ) من كلام يوسف"، والأول أوفق لتأليف النظم من غير تقديم ولا تأخير، وذلك أن النسوة لما بر أن ساحته على سبيل التأكيد، حيث جعلن (حَاشَ لِلهِ) تمهيداً وتشبثاً بقوله: (مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ)، فنفين عنه السوء المنكر على سبيل الاستغراق، وكذا امرأة العزيز قدمت الفاعل المعنوي في قولها: (أَنَا رَاوَدتُّهُ) على سبيل الاختصاص، وأتبعته قولها: (وَإِنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ) تقريراً له، أي: هو من زمرة الصادقين، وله مساهمة في الصدق، وأن هذا الوصف كاللقب المشهور له، قال يوسف: (ذَلِكَ) أي: ذلك السؤال والجواب (لِيَعْلَمَ) الملك أني لم أخن العزيز بظهر الغيب في حرمته، ومن ذلك (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي) براءة كلية كما

стр. 4099

فإن قلت: كيف صح أن يجعل من كلام يوسف ولا دليل على ذلك؟ قلت: كفى بالمعنى دليلاُ قائداُ إلى أن يجعل من كلامه. ونحوه قوله (قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ* يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ) [الأعراف: ١٠٩ - ١١٠]، ثم قال (فَماذا تَامُرُونَ) [الأعراف: ١١٠] وهو من كلام فرعون يخاطبهم ويستشيرهم. وعن ابن جريج: هذا من تقديم القرآن وتأخيره، ذهب إلى أن (ذلِكَ لِيَعْلَمَ) [يوسف: ٥٢] متصل بقوله: (وقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول) [يوسف: ٥٠]، ولقد لفقت المبطلة رواياتٍ مصنوعة، فزعموا أن يوسف حين قال: (أني لم أخنه بالغيب) [يوسف: ٥٢]، قال له جبريل: ولا حين هممت بها، وقالت له امرأة العزيز: ولا حين حللت تكة سراويلك يا يوسف، وذلك لتهالكهم على بهت الله ورسله. [(وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ)]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أشرف إليها على مر، كيف وأني هممت بها لولا أن رأيت برهان ربي، فعلى هذا: قوله: (إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي) إشارة إلى ذلك البرهان، والاستثناء منقطع، وكان ذلك منه ﵇ تفادياً عن الركون إلى إطراء المدح، وتصديقاً لقوله: (وَإِنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ)، أي: المتوغلين في الصدق. قوله: (هذا من تقديم القرآن)، أي: ذهب ابن جريج إلى أن قوله تعالى: (ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ) متصل بقوله: (فَاسْأَلْهُ)، كأنه قيل: فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن ليخبرنه ببراءتي، وذلك السؤال لأجل أن يعلم أني لم أخنه بالغيب.

стр. 4100

يقال استخلصه واستخصه، إذا جعله خالصاً لنفسه وخاصاً به (فَلَمَّا كَلَّمَهُ) وشاهد منه ما لم يحتسب (قالَ) أيها الصديق (إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ) ذو مكانة ومنزلة (أَمِينٌ) مؤتمن على كل شيء. روي أنّ الرسول جاءه فقال: أجب الملك، فخرج من السجن ودعا لأهله: اللهم أعطف عليهم قلوب الأخيار ولا تعمّ عليهم الأخبار، فهم أعلم الناس بالأخبار في الواقعات. وكتب على باب السجن: هذه منازل البلوى وقبور الأحياء وشماتة الأعداء وتجربة الأصدقاء، ثم اغتسل وتنظف من درن السجن، ولبس ثيابا جدداً» فلما دخل على الملك قال: اللهمّ إني أسألك بخيرك من خيره، وأعوذ بعزتك وقدرتك من شره، ثم سلم عليه ودعا له بالعبرانية، فقال: ما هذا اللسان؟ قال: لسان آبائي، وكان الملك يتكلم بسبعين لساناً، فكلمه بها فأجابه بجميعها، فتعجب منه وقال: أيها الصدّيق، إني أحب أن أسمع رؤياي منك. فقال: رأيت بقرات فوصف لونهنّ وأحوالهنّ ومكان خروجهنّ، ووصف السنابل وما كان منها على الهيئة التي رآها الملك لا يخرم منها حرفاً، وقال له: من حقك أن تجمع الطعام في الأهراء، فيأتيك الخلق من النواحي يمتارون منك، ويجتمع لك من الكنوز ما لم يجتمع لأحدٍ قبلك. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ولا تعم عليهم الأخبار)، الجوهري: "عميت معنى البيت تعمية، ومنه المعمى"، فقوله: "اعطف عليهم قلوب الأخيار" كناية عن طلب خلاصهم، وقوله: "ولا تُعم عليهم" كناية عن طلب ما به يحصل تسليهم في ذلك المكان من الاعتبار بالواقعات. قوله: (في الأهراء)، واحدها: هري، وهو الأنبار، ولم أجده إلا في الحاشية.

стр. 4101

[(قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ)]. (اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ) ولِّني خزائن أرضك (إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) أمين أحفظ ما تستحفظنيه، عالمٌ بوجوه التصرف، وصفاً لنفسه بالأمانة والكفاية اللتين هما طلبة الملوك ممن يولونه، وإنما قال ذلك ليتوصل إلى إمضاء أحكام الله تعالى وإقامة الحق وبسط العدل، والتمكن مما لأجله تبعث الأنبياء إلى العباد، ولعلمه أنّ أحدا غيره لا يقوم مقامه في ذلك، فطلب التولية ابتغاء وجه الله لا لحب الملك والدنيا. وعن النبي ﷺ : "رحم الله أخي يوسف، لو لم يقل اجعلني على خزائن الأرض، لاستعمله من ساعته، ولكنه أخر ذلك سنة". فإن قلت: كيف جاز أن يتولى عملاً من يد كافر ويكون تبعاً له وتحت أمره وطاعته؟ قلت: روى مجاهد أنه كان قد أسلم: وعن قتادة. هو دليل على أنه يجوز أن يتولى الإنسان عملاً من يد سلطان جائر، وقد كان السلف يتولون القضاء من جهة البغاة ويرونه. وإذا علم النبي أو العالم أنه لا سبيل إلى الحكم بأمر الله ودفع الظلم إلا بتمكين الملك الكافر أو الفاسق. فله أن يستظهر به. وقيل: كان الملك يصدر عن رأيه ولا يعترض عليه في كل ما رأى، فكان في حكم التابع له والمطيع. [(وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ)]. (وَكَذلِكَ) ومثل ذلك التمكين الظاهر (مَكَّنَّا لِيُوسُفَ) في أرض مصر. روي أنها كانت أربعين فرسخاً في أربعين (يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ) قرئ بالنون والياء؛ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ويرونه)، أي: يعتقدونه من الرأي، وهو الاعتقاد. قوله: ((حَيْثُ يَشَاءُ) قرئ بالنون والياء)، بالنون: ابن كثير، والباقون: بالياء.

стр. 4102

أي: كل مكانٍ أراد أن يتخذه منزلا ومتبوّأ له، لم يمنع منه لاستيلائه على جميعها ودخوله تحت ملكته وسلطانه. روي أنّ الملك توّجه، وختمه بخاتمه، ورداه بسيفه. ووضع له سريراً من ذهب مكللاً بالدرّ والياقوت. وروي أنه قال له: أمّا السرير فأشدّ به ملكك. وأمّا الخاتم فأدبر به أمرك، وأمّا التاج فليس من لباسي ولا لباس آبائي. فقال: قد وضعته إجلالاً لك وإقراراً بفضلك. فجلس على السرير ودانت له الملوك، وفوّض الملك إليه أمره وعزل قطفير، ثم مات بعده، فزوّجه الملك امرأته زليخاً، فلما دخل عليها قال: أليس هذا خيراً مما طلبت؟ فوجدها عذراء، فولدت له ولدين: إفراثيم وميشا، وأقام العدل بمصر، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ورداه بسيفه)، أي: وشحه، الأساس: "لبست المرأة رداءها؛ أي: وشاحها. وتردت وارتدت: توشحت". وأنشد: ينازعني ردائي عبد عمرو … رويدك يا أخا عمرو بن بكر لي الشطر الذي ملكت يميني … ودونك فاعتجر عنه بشطر قوله: (أما السرير فأشد به ملكك)، أي: أضبطه وأسخره لك، ولما كان السرير يرادف الملك ويلازمه- حتى قيل: استوى فلان على السرير، واريد: سخر له الملك، ودان له الناس، وإن لم يقعد على السرير- قال ذلك، فهو كناية عن ذلك لا تنافي حقيقة الجلوس على السرير مع ضبط الملك، ولذلك عقبه بقوله: "فجلس على السرير، ودانت له الملوك". قوله: (وأما التاج فليس من لباسي ولا لباس آبائي)، يخالفه قوله بعد هذا: "في عنقه طوق، وعلى رأسه تاج"، إلا أن يحمل قوله: "وضعته إجلالاً لك" على أنه من كلام يوسف لا الملك، أي: وضعته على رأسي إجلالاً لأمرك.

стр. 4103

وأحبته الرجال والنساء، وأسلم على يديه الملك وكثير من الناس، وباع من أهل مصر في سني القحط الطعام بالدنانير والدراهم في السنة الأولى حتى لم يبق معهم شيءٌ منها، ثم بالحلي والجواهر، ثم بالدواب، ثم بالضياع والعقار، ثم برقابهم حتى استرقهم جميعاً، فقالوا: والله ما رأينا كاليوم ملكاً أجلّ ولا أعظم منه! فقال للملك: كيف رأيت صنع الله بي فيما خوّلني فما ترى؟ قال: الرأي رأيك. قال: فإني أشهد الله وأشهدك أني أعتقت أهل مصر عن آخرهم. ورددت عليهم أملاكهم، وكان لا يبيع من أحد من الممتارين أكثر من حمل بعير، تقسيطاً بين الناس. وأصاب أرض كنعان وبلاد الشام نحو ما أصاب أرض مصر، فأرسل يعقوب بنيه ليمتاروا واحتبس بنيامين. (بِرَحْمَتِنا) بعطائنا في الدنيا من الملك والغنى وغيرهما من النعم (مَنْ نَشاءُ) من اقتضت الحكمة أن نشاء له ذلك (وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) أن نأجرهم في الدنيا. [(وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ)]. (وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ) لهم. قال سفيان بن عيينة: المؤمن يثاب على حسناته في الدنيا والآخرة، والفاجر يعجل له الخير في الدنيا، وما له في الاخرة من خلاق، وتلا هذه الآية. [(وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ)]. لم يعرفوه لطول العهد ومفارقته إياهم في سنّ الحداثة، ولاعتقادهم أنه قد هلك، ولذهابه عن أوهامهم لقلة فكرهم فيه واهتمامهم بشأنه، ولبعد حاله التي بلغها من الملك والسلطان عن حاله التي فارقوه عليها طريحاً في البئر، ..... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لم يعرفوه لطول العهد)، تفسير لقوله: (وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ)، فدل هذا وقوله بعيد هذا: "أخبروني من أنتم؟ وما شأنكم؟ فإني أنكركم" على أن الإنكار يضاد العرفان، ولذلك أوقع الله تعالى: (وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ) مقابلاً لقوله: (فَعَرَفَهُمْ).

стр. 4104

مشرياً بدراهم معدودة، حتى لو تخيل لهم أنه هو لكذبوا أنفسهم وظنونهم، ولأنّ الملك مما يبدّل الزيّ ويلبس صاحبه من التهيب والاستعظام ما ينكر له المعروف. وقيل: رأوه على زيّ فرعون عليه ثياب الحرير جالساً على سرير في عنقه طوقٌ من ذهب وعلى رأسه تاج، فما خطر ببالهم أنه هو. وقيل: ما رأوه إلا من بعيدٍ بينهم وبينه مسافة وحجاب، وما وقفوا إلا حيث يقف طلاب الحوائج، وإنما عرفهم لأنه فارقهم وهم رجال ورأى زيهم قريباً من زيهم إذ ذاك، ولأنّ همته كانت معقودةً بهم وبمعرفتهم، فكان يتأمّل ويتفطن. وعن الحسن: ما عرفهم حتى تعرّفوا له. [(وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ قالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ* فَإِنْ لَمْ تَاتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ)]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. قال الراغب: "المعرفة والعرفان: إدراك الشيء بتفكر لأثره، فهو أخص من العلم، يقال: فلان يعرف الله، ولا يقال: يعلم الله، متعدياً إلى مفعول واحد، لما كان معرفة البشر لله تعالى بتدبر آثاره دون إدراك ذاته. ويقال: الله يعلم كذا، ولا يقال: يعرف، لأن المعرفة تستعمل في العلم القاصر المتوصل إليه بتفكر، وأصله من: عرفت، أي: أصبت عرفه؛ أي: رائحته، ويضاد المعرفة الإنكار، كالعلم للجهل، قال تعالى: (يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا) [النحل: ٨٣]، والعارف في تعارف القوم: هو المختص بمعرفة الله، ومعرفة ملكوته، وحسن معاملته". قوله: (على زي فرعون)، وفرعون إنما ملك بعد يوسف في عهد موسى ﵇، يقال لملوك مصر: الفراعنة، واليمن: التتابعة، والروم: القياصرة، والفرس: الأكاسرة.

стр. 4105

(وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ) أي: أصلحهم بعدّتهم وهي عدّة السفر من الزاد وما يحتاج إليه المسافرون وأوقر ركائبهم بما جاءوا من الميرة. وقرئ "بِجِهازِهِمْ" بكسر الجيم قالَ (ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ) لا بد من مقدمةٍ سبقت له معهم، حتى اجتر القول هذه المسألة. روي أنه لما رآهم وكلموه بالعبرانية قال لهم: أخبروني من أنتم وما شأنكم فإني أنكركم؟ . قالوا: نحن قومٌ من أهل الشام رعاة، أصابنا الجهد فجئنا نمتار، فقال: لعلكم جئتم عيوناً تنظرون عورة بلادي؟ قالوا: معاذ الله، نحن إخوة بنو أبٍ واحد، وهو شيخ صدّيق نبي من الأنبياء، اسمه يعقوب. قال: كم أنتم؟ قالوا كنا اثنى عشر، فهلك منا واحد. قال: فكم أنتم هاهنا؟ قالوا: عشرة. قال: فأين الأخ الحادي عشر؟ قالوا: هو عند أبيه يتسلى به من الهالك. قال: فمن يشهد لكم أنكم لستم بعيون، وأنّ الذي تقولون حق؟ قالوا: إنا ببلاد لا يعرفنا فيها أحد فيشهد لنا. قال: فدعوا بعضكم عندي رهينة وائتوني بأخيكم من أبيكم، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((بِجَهَازِهِمْ) أي: أصلحهم بعدتهم)، الراغب: "الجهاز: ما يعد من متاع وغيره، والتجهيز: حمل ذلك وبعثه، وضرب البعير بجهازه: إذا ألقى متاعه في رحله فنفر". قوله: (من الميرة)، قيل: هو بيان "ما"، بل هو صلة "أوقر"، لأنهم الممتارون، يدل عليه ما ذكر قبيل هذا: "فأرسل يعقوب بنيه ليمتاروا"، والباء في "بما جاؤوا له" بدلية، و"ما جاؤوا له" هو البضاعة التي في قوله: (وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ). قوله: (عورة بلادي)، العورة: الخلل، أراد الخلل التي تكون في الثغور.

стр. 4106

وهو يحمل رسالة من أبيكم حتى أصدقكم، فاقترعوا بينهم فأصابت القرعة شمعون، وكان أحسنهم رأياً في يوسف فخلفوه عنده، وكان قد أحسن إنزالهم وضيافتهم. (وَلا تَقْرَبُونِ) فيه وجهان: أحدهما: أن يكون داخلاً في حكم الجزاء مجزوماً، عطفاً على محل قوله (فَلا كَيْلَ لَكُمْ) كأنه قيل: فإن لم تأتونى به تحرموا ولا تقربوا، وأن يكون بمعنى النهي. [(قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ وَإِنَّا لَفاعِلُونَ)]. (سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ) سنخادعه عنه، وسنجتهد ونحتال حتى تنتزعه من يده (وَإِنَّا لَفاعِلُونَ) وإنا لقادرون على ذلك لا نتعايى به. أو وإنا لفاعلون ذلك لا محالة لا نفرط فيه ولا نتوانى. [(وَقالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها إِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فأصابت القرعة شمعون، وكان أحسنهم رأياً)، قال بعضهم: فيه نظر، لأنه يخالف ما قال قبل هذا في تفسير قوله: (قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ) [يوسف: ١٠]: "هو يهوذا، وكان أحسنهم رأياً، وهو الذي قال: (فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ) [يوسف: ٨٠] ". قوله: (وأن يكون بمعنى النهي)، يعني: يكون داخلاً في حكم الجزاء معطوفاً عليه، لكن جزمه لأجل النهي. قوله: (لا نتعايا به)، يقال: أعيا عليه الأمر وتعايا: إذا عجز عنه، وعلى هذا: قوله: (وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ) تذييل وتوكيد لفعل المراودة، وأنه يصدر منهم البتة، إطلاقاً لاسم المسبب على السبب، لأن الأفعال مصادرها القدرة، وعلى الثاني: توكيد للوعد، ومن ثم قال: "لا نفرط فيه".

стр. 4107

(لِفِتْيتهِ) وقرئ (لفتيانه) وهما جمع فتى، كإخوة وإخوان في أخ، و «فعلة» للقلة. و «فعلان» للكثرة، أي: لغلمانه الكيالين (لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها) لعلهم يعرفون حق ردّها وحق التكرّم بإعطاء البدلين (إِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ) وفرغوا ظروفهم (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) لعل معرفتهم بذلك تدعوهم إلى الرجوع إلينا، وكانت بضاعتهم النعال والأدم. وقيل: تخوّف أن لا يكون عند أبيه من المتاع ما يرجعون به. وقيل: لم ير من الكرم أن يأخذ من أبيه وإخوته ثمناً. وقيل: علم أن ديانتهم تحملهم على ردّ البضاعة لا يستحلون إمساكها فيرجعون لأجلها. وقيل: معنى (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) لعلهم يردّونها. [(فَلَمَّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ)]. (مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ) يريدون قول يوسف (فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي)، لأنهم إذا أنذروا بمنع الكيل فقد منع الكيل، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقيل: معنى (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ))، عطف على قوله: "لعل معرفتهم" إلى آخره، فيكون من الرجع، لا من الرجوع. قوله: (بإعطاء البدلين)، أي: البضاعة والكيل. قوله: (لأنهم إذا أنذروا بمنع الكيل)، تعليل لتفسير (مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ) بقوله: (فَلا كَيْلَ لَكُمْ)، وذلك أنه ﵇ منعهم من الاكتيال، وهذه العبارة تفيد أن الممنوع هو الكيل، فيكون كناية عنه.

стр. 4108

(نَكْتَلْ) نرفع المانع من الكيل، ونكتل من الطعام ما نحتاج إليه. وقرئ «يكتل» بمعنى يكتل. أخونا، فينضم اكتياله إلى اكتيالنا. أو يكن سبباً للاكتيال فإن امتناعه بسببه. [(قالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)]. (هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ) يريد أنكم قلتم في يوسف: (وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ) [يوسف: ١٢]، كما تقولونه في أخيه، ثم خنتم بضمانكم، فما يؤمنني من مثل ذلك. ثم قال: (فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً) فتوكل على الله فيه ودفعه إليهم. و (حافِظاً) تمييز، كقولك: هو خيرهم رجلاً، ولله درّه فارساً. ويجوز أن يكون حالاً ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (نرفع المانع)، يعني: جواب الأمر هذا، فوضع موضعه (نَكْتَلْ)، لأن يوسف ﵇ لما علق المنع من الكيل بعدم إتيان أخيهم في قوله: (فَإِنْ لَمْ تَاتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ)، كان إرساله رفعاً لذلك المانع، فوضع موضعه (نَكْتَلْ)، لأنه المقصود، وقوله: "ونكتل من الطعام" شروع في تفسير الاكتيال. قال السجاوندي: سأل المازني ابن السكيت عند الواثق عن وزن (نَكْتَلْ)، فقال: "نفعل"، قال المازني: فإذن ماضيه "كتل"، بل وزنه "نفتل". قوله: (أو يكن سبباً للاكتيال)، فعلى هذا: إسناد "يكتل" إلى أخي يوسف على المجاز. قوله: (ثم خستم بضمانكم)، الأساس: "ومن المجاز: خاس العهد وبوعده؛ إذا نكث وأخلف، وخاس بما كان عليه".

стр. 4109

وقرئ «حِفظاً» وقرأ الأعمش: "فالله خير حافظٍ". وقرأ أبو هريرة: "خير الحافظين"، (وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) فأرجوا أن ينعم علىّ بحفظه ولا يجمع علىّ مصيبتين. [(وَلَمَّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قالُوا يا أَبانا ما نَبْغِي هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا وَنَمِيرُ أَهْلَنا وَنَحْفَظُ أَخانا وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ)]. وقرئ: "رُدَّتْ إِلَيْنا" بالكسر، على أن كسرة الدال المدغمة نقلت إلى الراء، كما في: قيل وبيع، وحكى قطرب: ضرب زيدٌ. على نقل كسرة الراء فيمن سكنها إلى الضاد، (ما نَبْغِي) للنفي، أي: ما نبغي في القول، ........ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرئ: "حفظاً")، (حَافِظاً): حفص وحمزة والكسائي، والباقون: "حفظاً". قال أبو البقاء: " (حَافِظاً) بالألف: تمييز، ومثل هذا يجوز إضافته، وقيل: هو حال، و"حفظاً": تمييز لا غير". قوله: (ولا يجمع علي مصيبتين)، يعني: جيء بقوله: (وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) تذييلاً لقوله: (فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا) للاستعطاف والترحم، ومن ثم اعتبر في معناه الحفظ، وقال: "فأرجو أن ينعم علي بحفظه". قوله: ("ردت إلينا" بالكسر)، قال ابن جني: "هي قراءة علقمة ويحيى".

стр. 4110

وما نتزيد فيما وصفنا لك من إحسان الملك وإكرامه، وكانوا قالوا له: إنا قدمنا على خير رجل، أنزلنا وأكرمنا كرامة لو كان رجلاً من آل يعقوب ما أكرمنا كرامته. أو ما نبتغي شيئاً وراء ما فعل بنا من الإحسان. أو: على الاستفهام، بمعنى: أي شيءٍ نطلب وراء هذا؟ وفي قراءة ابن مسعود: "ما تبغي" بالتاء، على مخاطبة يعقوب، معناه: أي شيءٍ تطلب وراء هذا من الإحسان؟ أو من الشاهد على صدقنا؟ وقيل: معناه ما نريد منك بضاعة أخرى. وقوله: (هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا) جملة مستأنفة موضحة لقوله (ما نَبْغِي) والجمل بعدها معطوفة عليها، على معنى: إن بضاعتنا ردّت إلينا، فنستظهر بها (وَنَمِيرُ أَهْلَنا) في رجوعنا إلى الملك (وَنَحْفَظُ أَخانا) فما يصيبه شيء مما تخافه، ونزداد باستصحاب أخينا وسق بعير زائداً على أو ساق أباعرنا، فأي: شيء نبتغى وراء هذه المباغى التي نستصلح بها أحوالنا ونوسع ذات أيدينا: وإنما قالوا (وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ) لما ذكرنا أنه كان لا يزيد للرجل على حمل بعير للتقسيط. فإن قلت: هذا إذا فسرت البغي بالطلب، فأما إذا فسرته بالكذب والتزيد في القول، كانت الجملة الأولى ....... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وما نتزيد)، قال أبو علي: تزيد في الحديث: تكذب فيه، المعنى: زاد فيه ما لم يكن منه. قوله: (أو ما نبتغي شيئاً ولا ما فعل بنا)، يعني: بالغ في الإكرام بحيث لا مزيد عليه فلا يطلب شيئاً آخر. قوله: (وسق بعير)، قال الخليل: الوسق: حمل البعير، والوقر: حمل البغل والحمار.

стр. 4111

وهي قوله (هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا) بياناً لصدقهم وانتفاء التزيد عن قيلهم، فما تصنع بالجمل البواقي؟ قلت: أعطفها على قوله: (ما نَبْغِي) على معنى: لا نبغي فيما نقول (وَنَمِيرُ أَهْلَنا) ونفعل كيت وكيت. ويجوز أن يكون كلاماً مبتدأ، كقولك: وينبغي أن نمير أهلنا، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ويجوز أن يكون كلاماً مبتدأ)، أي: قوله: (وَنَمِيرُ). قال صاحب "الفرائد": لا تصلح الواو في الابتداء، ولا أن تكون للعطف أو للحال، وفي هذا المقام هو للعطف، والتقدير: ما نكذب، هذه بضاعتنا ردت إلينا، وكان الرد دليلاً على صدقنا فيما قلنا؛ من أنه أكرمنا كما وصفنا، نمشي بها، ونمير أهلنا، وكذا القول في الوجه الثالث والرابع. وقلت: نحو هذا- أي: المعطوف عليه- قدره المصنف في غير هذا الوجه، وهو ما ضبط معناه بقوله: "كلاماً مبتدأ"، فإنه أراد الاعتراض والتذييل، كقولك: فلان ينطق بالحق، والحق أبلج، ألا ترى إلى قوله: "وينبغي لي أن لا أقصر" مقابلاً لقوله: "وينبغي أن نمير"، وعليه قوله تعالى: (سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ) كما سبق، ومن ثم قال: "وإنا لفاعلون ذلك لا محالة"، ألا ترى أنه كيف عقب بقوله: "واجتهدت في تحصيل غرضه" قوله: "سعيت في حاجة فلان"، ثم عقبهما مؤكداً بقوله: "وينبغي لي أن لا أقصر". وتوجيه السؤال أن قوله: (هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا) بيان لقوله: (مَا نَبْغِي)، بمعنى: لا نكذب، لكن (وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا) لا يصلح أن يكون بياناً له، فلا يجوز العطف على البيان، وأما إذا جعلته جملة مؤكدة على سبيل التذييل والاعتراض استقام، لأن الكلام في الامتياز، وكل من الجمل في معناه. نعم؛ يصح أن يكون بياناً إذا حمل (مَا نَبْغِي) على معنى المشورة والرأي، كما قال: "وما ننطق إلا بالصواب فيما نشير"، ويراد بقوله: (هَذِهِ بِضَاعَتُنَا) العرض وما يرجعون به إلى طلب الميرة، وإليه الإشارة بقوله: "ونفعل ونصنع؛ بياناً لأنهم لا يبغون في رأيهم". وما قدره صاحب "الفرائد" أيضاً وجه يصار إليه.

стр. 4112

كما تقول: سعيت في حاجة فلان، واجتهدت في تحصيل غرضه. ويجب أن أسعى، وينبغي لي أن لا أقصر. ويجوز أن يراد: ما نبغي وما ننطق إلا بالصواب فيما نشير به عليك من تجهيزنا مع أخينا، ثم قالوا: (هذه بضاعتنا) نستظهر بها (ونمير أهلنا) ونفعل ونصنع، بياناً لأنهم لا يبغون في رأيهم وأنهم مصيبون فيه، وهو وجه حسن واضح. (ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ) أي: ذلك مكيل قليل لا يكفينا، يعنون: ما يكال لهم، فأرادوا أن يزدادوا إليه ما يكال لأخيهم. أو يكون ذلك إشارة إلى (كيل بعير)، أي: ذلك الكيل شيء قليل يجيبنا إليه الملك ولا يضايقنا فيه، أو سهل عليه متيسر لا يتعاظمه. ويجوز أن يكون من كلام يعقوب، وأن حمل بعير واحد شيء يسير لا يخاطر لمثله بالولد، كقوله (ذلِكَ لِيَعْلَمَ) [يوسف: ٥٢]. [(قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ لَتَاتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَنْ يُحاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ)]. (لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ) مناف حالي- وقد رأيت منكم ما رأيت-: إرساله معكم، (حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ) حتى تعطوني ما أتوثق به من عند الله، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كقوله: (ذَلِكَ لِيَعْلَمَ))، يعني: كما أن قوله: (ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ) يحتمل أن يكون من كلام يوسف، وأن يكون من كلام زليخا، كذلك قوله: (ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ) احتمل أن يكون من كلام الأخوة، وأن يكون من كلام أبيهم. قوله: (إرساله معكم)، متعلق بقوله: "مناف لحالي"، وقوله: "وقد رأيت منكم ما رأيت" إما حال أو جملة معترضة، قال في "الانتصاف": "لما اعتمد في نفي الرؤية على أن

стр. 4113

أراد أن يحلفوا له بالله: وإنما جعل الحلف بالله موثقاً منه؛ لأن الحلف به مما تؤكد به العهود وتشدّد. وقد أذن الله في ذلك فهو إذن منه (لَتَاتُنَّنِي بِهِ) جواب اليمين، لأن المعنى: حتى تحلفوا لتأتننى به (إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ) إلا أن تغلبوا فلم تطيقوا الإتيان به. أو إلا أن تهلكوا. فإن قلت: أخبرنى عن حقيقة هذا الاستثناء ففيه إشكال؟ قلت: (أَنْ يُحاطَ بِكُمْ) مفعول له، والكلام المثبت الذي هو قوله (لَتَاتُنَّنِي بِهِ) في تأويل النفي. معناه: لا تمتنعون من الإتيان به إلا للإحاطة بكم، أى: لا تمتنعون منه لعلةٍ من العلل إلا لعلةٍ واحدة، وهي أن يحاط بكم، فهو استثناء من أعم العام في المفعول له، والاستثناء من أعم العام لا يكون إلا في النفي وحده، فلا بد من تأويله بالنفي. ونظيره من الإثبات المتأوّل بمعنى النفي قولهم: أقسمت بالله لما فعلت وإلا فعلت، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ "لن" تأكيد للنفي، فإذا قلت: لن أفعل، فالمعنى: لن أفعله، وأن فعله ينافي حالي، قال: مناف لحالي". قوله: (وقد أذن الله في ذلك، فهو إذن منه)، تفسير لموقع (مِنَ اللهِ) في قوله تعالى: (مَوْثِقاً مِنْ اللَّهِ). قوله: (أقسمت بالله لما فعلت)، روي عن المصنف أنه قال: "أقسمت" هو إثبات في الظاهر، وليس به، لأنه في معنى النفي، وقسم وليس بقسم، لأنه في معنى الاستدعاء والطلب، وظاهر "لما" الوقت، وليس بوقت، لأنه في معنى الاستثناء، وما بعده فعل،

стр. 4114

تريد: ما أطلب منك إلا الفعل (عَلى ما نَقُولُ) من طلب الموثق وإعطائه (وَكِيلٌ) رقيب مطلع. [(وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ* وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)]. وإنما نهاهم أن يدخلوا من باب واحد، لأنهم كانوا ذوى بهاء وشارةٍ حسنة، اشتهرهم أهل مصر بالقربة عند الملك والتكرمة الخاصة التي لم تكن لغيرهم، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وليس بفعل، لأنه في معنى الاسم، فالكلام كله- إذن- ليس على ظاهره، بل مؤول، ولذلك أعضل على سيبويه حتى قال: سألت الخليل عن قول العرب: "أقسمت بالله لما فعلت". قال في "الانتصاف": "إنما اختص قوله: (لَتَاتُونَنِي بِهِ) في النفي، لأن المستثنى منه مسكوت عنه، والنفي عام؛ إذ يلزم من نفي الإتيان نفي عوارضه، فكأنها مكررة، بخلاف الإثبات، فإنه لا إشعار له بعموم الأحوال، فلا توقف له إلا على أحدها، ولقد صدق القائل: "البلاء موكل بالمنطق"، قال: (وَأَخَافُ أَنْ يَاكُلَهُ الذِّئْبُ) [يوسف: ١٣]، فقالوا: أكله الذئب، وقال: (إِلاَّ أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ)، فأحيط بهم". وقال أبو البقاء والقاضي: "التقدير: لتأتنني به على كل حال إلا حال الإحاطة بكم". قوله: (وشارة حسنة)، الجوهري: "الشارة: اللباس والهيئة".

стр. 4115

فكانوا مظنة لطموح الأبصار إليهم من بين الوفود، وأن يشار إليهم بالأصابع. ويقال هؤلاء أضياف الملك، انظروا إليهم ما أحسنهم من فتيان، وما أحقهم بالإكرام، لأمر مّا أكرمهم الملك وقرّبهم وفضلهم على الوافدين عليه، فخاف لذلك أن يدخلوا كوكبة واحدة، فيعانوا لجمالهم وجلالة أمرهم في الصدور، فيصيبهم ما يسوؤهم، ولذلك لم يوصهم بالتفرق في الكرّة الأولى، لأنهم كانوا مجهولين مغمورين بين الناس. فإن قلت: هل للإصابة بالعين وجه تصحّ عليه؟ قلت: يجوز أن يحدث الله عند النظر إلى الشيء والإعجاب به، نقصاناً فيه وخللا من بعض الوجوه، ويكون ذلك ابتلاء من الله وامتحاناً لعباده، ليتميز المحققون من أهل الحشو فيقول المحقق: هذا فعل الله، ويقول الحشوي: هو أثر العين، كما قال تعالى: (وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا) الآية [المدثر: ٣١]. وعن النبي ﷺ : «أنه كان يعوّذ الحسن والحسين فيقول: أعيذ كما بكلمات الله التامّة، من كل عين لامّة، ومن كل شيطان وهامّة». ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فيعانوا لجمالهم)، الجوهري: "عنت الرجل: أصبته بعيني، فأنا عائن، وهو معين؛ على النقص، ومعيون؛ على التمام، وقال الشاعر في التمام: قد كان قومك يحسبونك سيداً … وإخال أنك سيد معيون" قوله: (كان يعوذ الحسن والحسين)، روينا عن البخاري والترمذي وأبي داود عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ كان يعوذ الحسن والحسين، ويقول: إن أباكما كان يعوذ بهما إسماعيل وإسحاق، أعوذ بكلمات الله التامة؛ من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة".

стр. 4116

(وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ) يعني إن أراد الله بكم سوءاً لم ينفعكم، ولم يدفع عنكم ما أشرت به عليكم من التفرق، وهو مصيبكم لا محالة إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ. ثم قال (وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ) أي: متفرقين (ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ) رأي يعقوب ودخولهم متفرّقين شيئاً قط، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ "الجامع": "الهامة: واحدة الهوام، وهي الحيات وكل ذي سم يقتل، فأما ما لا يقتل ويسم فهو السوام، وواحدها: سامة، كالعقرب والزنبور، وقد تقع "الهوام" على كل ما يدب من الحيوان. واللامة: ذات اللمم، ولم يقل: ملمة، وإن كانت من: ألمت تلم؛ طلباً للازدواج بـ (هامة) "، ويجوز أن تكون على ظاهرها؛ بمعنى: جامعة للشر على المعيون؛ من: لمه يلمه؛ إذا جمعه. قوله: (ثم قال: (وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ))، عطف على مقدر، و"ثم" للتراخي في الأخبار. المعنى: أن الله تعالى حكى عن يعقوب ﵇ أنه قال أولاً: (يَا بَنِي لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ) صيانة لهم عن عين الكمال، وقال لهم ثانياً: (وَمَا أُغْنِي عَنكُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ) صيانة للكلام عن شوب الاعتزال، ثم حقق ذلك المعنى بقوله: (وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ). وقال أبو البقاء: "في جواب "لما" وجهان: أحدهما: هو (آوَى)، وهو جواب "لما" الأولى والثانية، كقولك: "لما جئتك ولما كلمتك أجبتني"، وحسن ذلك أن دخولهم على يوسف يعقب دخولهم من الأبواب.

стр. 4117

حيث أصابهم ما ساءهم مع تفرّقهم، من إضافة السرقة إليهم وافتضاحهم بذلك، وأخذ أخيهم بوجدان الصواع في رحله، وتضاعف المصيبة على أبيهم (إِلَّا حاجَةً) استثناء منقطع، على معنى: ولكن حاجة (فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها) وهي شفقته عليهم وإظهارها بما قاله لهم ووصاهم به، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الثاني: محذوف، أي: امتثلوا وقضوا حاجة أبيهم". ويجوز أن يكون الجواب معنى (مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ)، وعلى هذا كلام المصنف، وتلخيصه: فلما دخلوا متفرقين ليسلموا عما حذروا منه، ما أغنى عنهم ذلك شيئاً، حيث أصابهم ما أصابهم. قوله: ((إِلاَّ حَاجَةً) استثناء منقطع)، ويمكن أن يكون متصلاً من باب "لا عيب فيهم غير أن سيوفهم"، المعنى: ما أغنى عنهم ما وصاهم به أبوهم شيئاً إلا شفقته، ومن الضرورة أن شفقة الأب مع قدرة الله كالهباء، فإذن ما أغنى عنهم شيئاً قط. وفي تصريح اسم يعقوب إشعار بالتعطف والشفقة والترحم، لأنه اشتهر بالحزن والرقة. الراغب: "الحاجة إلى الشيء: الفقر إليه مع محبة، وجمعه: حاج وحاجات وحوائج، ويقال: جاج كوج".

стр. 4118

(وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ) يعني قوله (وَما أُغْنِي عَنْكُمْ) وعلمه بأن القدر لا يغنى عنه الحذر. [(وَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَخاهُ قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ)]. (آوى إِلَيْهِ أَخاهُ) ضم إليه بنيامين. وروي أنهم قالوا له: هذا أخونا قد جئناك به، فقال لهم: أحسنتم وأصبتم، وستجدون ذلك عندي، فأنزلهم وأكرمهم، ثم أضافهم وأجلس كل اثنين منهم على مائدة. فبقى بنيامين وحده فبكى وقال: لو كان أخي يوسف حياً لأجلسنى معه، فقال يوسف: بقي أخوكم وحيداً، فأجلسه مع على مائدته وجعل يؤاكله، قال: أنتم عشرة فلينزل كل اثنين منكم بيتاً، وهذا لا ثاني له فيكون معي، فبات يوسف يضمه إليه ويشم رائحته حتى أصبح، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وعلمه بأن القدر)، نصب؛ عطف على قوله: "قوله: (وَمَا أُغْنِي) " على سبيل البيان، وصفه الله تعالى بالعلم الفائق لمطابقة قوله معتقده، وذلك بإسناد التعليم إلى الله، وبتعظيم ضمير الجماعة، وأن لم يقل: "عالم"، وقيل: (لَذُو عِلْمٍ) على الكناية، ونكر (عِلْمٍ)، ونفي عن أكثر الناس. وفيه إشارة إلى تعظيم القول بالقضاء والقدر، ونفي الحول والقوة عن الخلق بالكلية، وأنه علم جليل دقيق يختص بالعظماء من الأنبياء والمرسلين، وأن أكثر عقول البشر قاصرة عن إدراكه، جاهلة عن إمعان حقيقته، إلا من وفقه الله تعالى، واختصه به. قوله: ((آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ) ضم إليه بنيامين)، الراغب: "أوى إليه يأوي أوياً ومأوى، وآواه غيره إيواء. تقول: أوى إليه كذا: انضم إليه، يأوي أوياً ومأوى، قال

стр. 4119

وسأله عن ولده فقال: لي عشرة بنين اشتققت أسماءهم من اسم أخ لي هلك، فقال له: أتحب أن أكون أخاك بدل أخيك الهالك؟ قال: من يجد أخاً مثلك، ولكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل، فبكى يوسف وقام إليه وعانقه وقال له (إِنِّي أَنَا أَخُوكَ) يوسف (فَلا تَبْتَئِسْ) فلا تحزن (بِما كانُوا يَعْمَلُونَ) بنا فيما مضى، فإن الله قد أحسن إلينا وجمعنا على خير، ولا تعلمهم بما أعلمتك. وعن ابن عباس: تعرّف إليه. وعن وهب: إنما قال له: أنا أخوك بدل أخيك المفقود، فلا تبتئس بما كنت تلقى منهم من الحسد والأذى فقد أمنتهم ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ تعالى: (إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ) [الكهف: ١٠]، وقال تعالى: (آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ) [يوسف: ٦٩]، وقال: (وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ) [الأحزاب: ٥١]. وقوله تعالى: (جَنَّةُ الْمَاوَى) [النجم: ١٥]: كقوله: (دَارُ الْخُلْدِ) [فصلت: ٢٨] في إضافته إلى المصدر. وأويت له: رحمته، أوياً وأيةً ومأوية، وتحقيقه: رجعت إليه بقلبي". قوله: ((فَلا تَبْتَئِسْ) فلا تحزن)، الراغب: "البؤس والبأس والبأساء: الشدة والمكروه، إلا أن البؤس في الفقر والحرب أكثر، والبأس والبأساء في النكاية، نحو: (وَاللَّهُ أَشَدُّ بَاساً وَأَشَدُّ تَنكِيلاً) [النساء: ٨٤]، وقد بؤس يبؤس، (فَلا تَبْتَئِسْ) أي: لا تلتزم البؤس ولا تحزن". قوله: (وعن ابن عباس: تعرف إليه)، يعني: بقوله: (إِنِّي أَنَا أَخُوكَ). قوله: (إنما قال له: أنا أخوك بدل أخيك المفقود)، تفسير لقوله تعالى: (إِنِّي أَنَا أَخُوكَ).

стр. 4120

وروي أنه قال له: أنا لا أفارقك. قال: قد علمت اغتمام والدي بي، فإذا حبستك ازداد غمه، ولا سبيل إلى ذلك إلا أن أنسبك إلى ما لا يجمل. قال: لا أبالي فافعل ما بدا لك. قال: فإني أدس صاعي في رحلك، ثم أنادي عليك بأنك قد سرقته، ليتهيأ لي ردّك بعد تسريحك معهم. قال: افعل. [(فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ* قالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ* قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ)]. (السِّقايَةَ) مشربة يسقى بها وهي الصواع. قيل: كان يسقى بها الملك، ثم جعلت صاعاً يكال وقيل: كانت الدواب تسقى بها ويكال بها. وقيل: كانت إناءً مستطيلاً يشبه المكوك. وقيل: هي المكوك الفارسي الذي يلتقي طرفاه تشرب به الأعاجم. وقيل: كانت من فضة مموّهة بالذهب، وقيل كانت من ذهب. وقيل: كانت مرصعة بالجواهر (ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ) ثم نادى منادٍ. يقال: آذنه أعلمه. وأذن: أكثر الإعلام. ومنه المؤذن، لكثرة ذلك منه. روي: أنهم ارتحلوا وأمهلهم يوسف حتى انطلقوا، ثم أمر بهم فأدركوا وحبسوا، ثم قيل لهم ذلك. والعير: الإبل التي عليها الأحمال، لأنها تعير: أي: تذهب وتجيء. وقيل: هي قافلة الحمير، ثم كثر حتى قيل لكل قافلة عير، كأنها جمع عير، وأصلها فعل كسقف وسقف، فعل به ما فعل بـ"بيض" و"غيدٍ"، ......... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فعل به ما فُعل بـ "بيض")، الجوهري: "جمع الأبيض: بيض، وأصله: بيض؛ بضم الباء، وإنما أبدلوا من الضمة كسرة لتصح الياء". قوله: (و"غيد")، بالغين المعجمة؛ جمع "أغيد"؛ من الغيد بمعنى: النعومة.

стр. 4121

والمراد أصحاب العير كقوله: يا خيل الله اركبي. وقرأ ابن مسعود: وجعل السقاية، على حذف جواب "لما"، كأنه قيل: فلما جهزهم بجهازهم وجعل السقاية في رحل أخيه، أمهلهم حتى انطلقوا، ثم أذن مؤذن. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمى: تفقدون، من أفقدته إذا وجدته فقيداً. وقرئ: "صواع"، و"صاع"، و"صوع". بفتح الصاد وضمها، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (يا خيل الله اركبي)، النهاية: "جاء في الحديث، وهو على حذف المضاف، أي: [يا] فرسان خيل الله اركبي، وهذا من أحسن المجازات وألطفها". قال الراغب: "الخيل في الأصل: اسم للأفراس والفرسان، وعلى ذلك قوله تعالى: (وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ) [الأنفال: ٦٠]، ويستعمل في كل منهما منفرداً، نحو ما روي: "يا خيل الله اركبي"، فهذا للفرسان، ومنه الحديث: "عفوت لكم عن صدقة الخيل"، يعني: الأفراس". قوله: (من: أفقدته؛ إذا وجدته فقيداً)، الراغب: "الفقد: عدم الشيء بعد وجوده، فهو أخص من العدم، فإن العدم يقال فيه وفيما لم يوجد بعد، قال الله تعالى: (مَاذَا تَفْقِدُونَ)، والتفقد: التعهد، لكن حقيقة التفقد: تعرف فقدان الشيء، والتعهد: تعرفا لعهد المتقدم". قوله: (وقرئ: "صواع" و"صاع")، قال ابن جني: "قرأ أبو رجاء: "صوع الملك"؛ بفتح الصاد، وقرأ عبد الله بن عون: بضمها، ويحيى بن يعمر: بفتح الصاد وبالغين المعجمة،

стр. 4122

والعين معجمة وغير معجمة. (وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ) يقوله المؤذن، يريد: وأنا بحمل البعير كفيل، أُؤدّيه إلى من جاء به، وأراد وسق بعير من طعام جعلا لمن حصله. [(قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَما كُنَّا سارِقِينَ)]. (تَاللَّهِ) قسم فيه معنى التعجب مما أضيف إليهم، وإنما قالوا (لَقَدْ عَلِمْتُمْ) فاستشهدوا بعلمهم؛ لما ثبت عندهم من دلائل دينهم وأمانتهم في كرّتي مجيئهم ومداخلتهم للملك، ولأنهم دخلوا وأفواه رواحلهم مكعومة، لئلا تتناول زرعاً أو طعاماً لأحد من أهل السوق. ولأنهم ردّوا بضاعتهم التي وجدوها في رحالهم. (وَما كُنَّا سارِقِينَ) وما كنا قط نوصف بالسرقة وهي منافية لحالنا. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وأبو هريرة: "صاع"، والناس: (صُوَاعَ). والصاع والصواع والصوع: واحد، وكلها مكيال، وقيل: الصواع: إناء الملك يشرب منه، وأما الصوغ: فمصدر وضع موضع اسم المفعول، أي: المصوغ". قوله: (قسم فيه معنى التعجب)، المعنى: ما أعجب حالكم، أنتم تعلمون علماً جلياً لا ريب فيه لما شاهدتم من أحوالنا أننا بريئون مما تصنعون إلينا. ثم تنسبونه إلينا، قال الزجاج: "التاء لا يقسم بها إلا في "الله"، وهي بدل من الواو كما في "وراث": تراث". قوله: (مكعومة)، الجوهري: "الكعامة: شيء يجعل على فم البعير، يقال: كعمت البعير، أي: شددت فمه في هياجه، فهو مكعوم".

стр. 4123

[(قالُوا فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ* قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ)]. (فَما جَزاؤُهُ) الضمير للصواع، أى، فما جزاء سرقته (إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ) في جحودكم وادّعائكم البراءة منه؟ (قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ) أي: جزاء سرقته أخذ من وجد في رحله، وكان حكم السارق في آل يعقوب أن يسترقّ سنة، فلذلك استفتوا في جزائه. وقولهم (فَهُوَ جَزاؤُهُ) تقرير للحكم، أى: فأخذ السارق نفسه وهو جزاؤه لا غير، كقولك: حق زيد أن يكسى ويطعم وينعم عليه، فذلك حقه، أي: فهو حقه لتقرّر ما ذكرته من استحقاقه وتلزمه. ويجوز أن يكون (جَزاؤُهُ) مبتدأ، والجملة الشرطية كما هي خبره، على إقامة الظاهر فيها مقام المضمر. والأصل: جزاؤه من وجد في رحله فهو هو، فوضع الجزاء موضع هو، كما تقول لصاحبك: من أخو زيد؟ فيقول لك: أخوه من يقعد إلى جنبه، فهو هو، يرجع الضمير الأوّل إلى "من" والثاني إلى "الأخ"، ثم تقول فهو أخوه مقيما للمظهر مقام المضمر. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((فَهُوَ جَزَاؤُهُ) تقرير للحكم)، قال أبو البقاء: " (جَزَاؤُهُ) مبتدأ، و (مَن وُجِدَ) خبره، والتقدير: استعباد من وجد في رحله، و (فَهُوَ جَزَاؤُهُ) مبتدأ وخبر مؤكد لمعنى الأول". ومثله في دخول الفاء بين المؤكد والمؤكد قوله تعالى: (فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) في أحد وجهيه. قوله: (مقيماً للمظهر مقام المضمر)، قال الزجاج بعدما حكى هذا الوجه: "الإظهار أحسن؛ لئلا يقع اللبس، ولئلا يتوهم أن "هو" إذا عادت ثانية ليست براجعة إلى الجزاء،

стр. 4124

ويحتمل أن يكون (جزاؤه) خبر مبتدأٍ محذوف، أي: المسئول عنه جزاؤه، ثم أفتوا بقولهم: من وجد في رحله فهو جزاؤه، كما يقول: من يستفتى في جزاء صيد المحرم، جزاء صيد المحرم، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والعرب إذا فخمت أمر الشيء جعلت العائد إليه إعادة لفظه بعينه". قوله: (في جزاء صيد المحرم)، يتعلق بقوله: "يستفتى"، وقوله: "جزاء صيد المحرم" حكاية قول المستفتي؛ يحكيه المفتي توطئة لفتواه، ثم يشرع في الفتوى ويقول: (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً) [المائدة: ٩٥] الآية. فإن قلت: قوله: "جزاء صيد المحرم" ليس مثل قوله: (جَزَاؤُهُ)، أي: المسئول عنه جزاؤه، لأنه خبر مبتدأ محذوف؟ قلت: إذا حكى المسئول عنه حكاية كلام السائل لابد من تقدير ما يتم به كلامه، فقوله: "جزاء صيد المحرم": تمامه ما أذكره؛ لدلالة قوله: "ثم يقول"، والمراد بالمسئول عنه ما يفهم من قوله: (فَمَا جَزَاؤُهُ)، وهو حكم السارق، لأن المعنى: فما جزاء من سرق؟ أيك سرقة السارق للصاع؟ أي: السارق الذي سألت عن حكمه هو جزاؤه.

стр. 4125

ثم يقول: (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) [المائدة: ٩٥]. [(فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَاخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ)]. (فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ) قيل: قال لهم من وكل بهم: لا بدّ من تفتيش أوعيتكم، فانصرف بهم إلى يوسف، فبدأ بتفتيش أوعيتهم قبل وعاء بنيامين لنفى التهمة حتى بلغ وعاءه فقال: ما أظنّ هذا أخذ شيئاً، فقالوا: والله لا تتركه حتى تنظر في رحله، فإنه أطيب لنفسك وأنفسنا، فاستخرجوه منه. وقرأ الحسن: وعاء أخيه، بضم الواو، وهي لغة. وقرأ سعيد ابن جبير: إعاء أخيه، بقلب الواو همزة. فإن قلت: لم ذكر ضمير "الصواع" مرّات ثم أنثه؟ قلت: قالوا رجع بالتأنيث على "السقاية"، أو أنث "الصواع" لأنه يذكر ويؤنث، ولعلّ يوسف كان يسميه سقاية وعبيده صواعا، فقد وقع فيما يتصل به من الكلام سقاية، وفيما يتصل بهم منه صواعاً. (كَذلِكَ كِدْنا) مثل ذلك الكيد العظيم كدنا (لِيُوسُفَ) يعني: علمناه إياه وأوحينا به إليه (ما كانَ لِيَاخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ) تفسير للكيد وبيان له، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (مثل ذلك الكيد العظيم كدنا)، اعلم أن الكيد هو المكر والخديعة، وهو أن توهم غيرك خلاف ما تخفيه، وهو في حق الله تعالى محمول على التمثيل، فكأن صورة صنع الله تعالى في تعليمه يوسف ﵇ أن لا يحكم على إخوته حكم الملك بأن يغرم السارق مثلي ما أخذه، بل يجري عليهم الحكم على سنن مذهبهم بأن يستعبد السارق،

стр. 4126

لأنه كان في دين ملك مصر، وما كان يحكم به في السارق: أن يغرم مثلي ما أخذ، لا أن يلزم ويستعبد (إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ) أي: ما كان يأخذه إلا بمشيئة الله وإذنه فيه (نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ) في العلم كما رفعنا درجة يوسف فيه. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ تشبه صورة صنع من يوهم الغير خلاف ما يخفيه، لأن مقصود يوسف ﵇ إيواء أخيه إليه، وكان لا يتم ذلك إلا بهذه الحيلة. ولما كان قوله: (مَا كَانَ لِيَاخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ) هو عين الكيد، قال المصنف: هو "تفسير للكيد". الراغب: "الكيد: ضرب من الاحتيال، وقد يكون محموداً أو مذموماً، وإن كان في المذموم أكثر استعمالاً، وكذلك الاستدراج والمكر، ويكون بعض ذلك محموداً، قال تعالى: (كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ)، وقال: (وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) [الأعراف: ١٨٣]، وفلان يكيد بنفسه، أي: يجود". قوله: (أن يغرم مثلي ما أخذ)، اسم "كان" في قوله: "كان في دين الملك"، و"ما"- في "ما كان يحكم به"- موصولة، وهو عطف تفسيري على "دين الملك"، والضمير في "لأنه كان" للشأن. قوله: (إلا بمشيئة الله تعالى وإذنه)، ويجوز أن يكون (إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) كلمة تأبيد، كأنه قيل: ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك أبداً، لأنه جل من انتصب لمنصب النبوة أن يحكم بدين الكفار، نحوه قوله تعالى: (وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) [الأعراف: ٨٩]، لأن عودهم في ملتهم مما لن يشاء الله على مذهبه كما قرره.

стр. 4127

وقرئ: "يرفع" بالياء. و (درجات) بالتنوين (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) فوقه أرفع درجة منه في علمه، أو فوق العلماء كلهم (عليم) هم دونه في العلم، وهو الله عز وعلا، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال الزجاج: "موضع (أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) نصب؛ لما سقطت الباء أفضى الفعل". قوله: ((نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ))، عاصم وحمزة والكسائي: بالنون، والباقون: بالياء. قوله: (و (دَرَجَاتٍ) بالتنوين)، قال أبو البقاء: " (مَن) - على هذا- مفعول (نَرْفَعُ)، و (دَرَجَاتٍ) ظرف أو حرف الجر محذوف، أي: إلى درجات". قوله: (أو فوق العلماء كلهم (عَلِيمٌ) هم دونه في العلم، وهو الله ، ولفظة "كل" على الأول استغراقية، وعلى الثاني مجموعية. قال القاضي: "واحتج به من زعم أنه تعالى عالم بذاته؛ إذ لو كان ذا علم، لكان فوقه من هو أعلم منه، والجواب: أن المراد: كل ذي علم من الخلق، لأن الكلام فيهم، ولأن العليم هو الله تعالى، ومعناه: الذي له العلم البالغ لغة، ولأنه لا فرق بينه وبين قولنا: فوق كل العلماء عليم، وهو مخصوص". وقلت: قضية النظم تقتضي أن يقال: إن قوله: (مَا كَانَ لِيَاخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ) تفسير وبيان لقوله: (كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ)، والكيد: هو تعليم الله إياه أن يسرق أخاه، ويكذب إخوته؛ ليستعبده، ومثل هذا الحكم الذي ترى في الظاهر حرمته، وهو في الحقيقة

стр. 4128

فإن قلت: ما أذن الله فيه يجب أن يكون حسناً، فمن أي: وجه حسن هذا الكيد؟ وما هو إلا بهتان، وتسريق لمن لم يسرق، وتكذيب لمن لم يكذب، وهو قوله: (إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ) [يوسف: ٧٠]، (فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ) [يوسف: ٧٤]؟ قلت: هو في صورة البهتان، وليس ببهتانٍ في الحقيقة، لأنّ قوله (إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ) تورية عما جرى مجرى السرقة من فعلهم بيوسف. وقيل: كان ذلك القول من المؤذن لا من يوسف، وقوله (إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ) فرض لانتفاء براءتهم. وفرض التكذيب لا يكون تكذيباً، على أنه لو صرّح لهم بالتكذيب كما صرّح لهم بالتسريق. لكان له وجه، لأنهم كانوا كاذبين في قولهم: (وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ) [يوسف: ١٧]. هذا وحكم هذا الكيد حكم الحيل الشرعية التي يتوصل بها إلى مصالح ومنافع دينية، كقوله تعالى لأيوب ﵇: (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً) [ص: ٤٤] ليتخلص من جلدها ولا يحنث، وكقول إبراهيم ﵇: "هي أختي"، لتسلم من يد الكافر. وما الشرائع كلها إلا مصالح وطرق إلى التخلص من الوقوع في المفاسد، وقد علم الله تعالى في هذه الحيلة التي لقنها يوسف مصالح عظيمة فجعلها سلماً وذريعة إليها، فكانت حسنة جميلة وانزاحت عنها وجوه القبح لما ذكرنا. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ متضمن لأسرار وحكم لا يصل إلى كنهها كل ذي علم، فإن أصحاب العلم وأربابه تتفاوت درجاتهم؛ فمن عالم لا ينظر إلا إلى ظاهر الحال فينكر، ومن عالم يعلم السر والحكمة فيه كيوسف والخضر فيمضيه، فجاء قوله: (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) تذييلاً للكلام السابق، فعلى هذا: يحمل "الكل" في قوله: (كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) على الاستغراقية دون المجموعية، ويحمل "العليم" على غير الله قطعاً. قوله: (تورية)، وهي أن يطلق لفظ له معنيان؛ قريب وبعيد، ويراد البعيد منهما، فقوله:

стр. 4129

[(قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ)]. (أَخٌ لَهُ) أرادوا يوسف. روي: أنهم لما استخرجوا الصاع من رحل بنيامين نكس إخوته رؤوسهم حياءً، وأقبلوا عليه وقالوا له: ما الذي صنعت؟ فضحتنا وسوّدت وجوهنا، يا بني راحيل ما يزال لنا منكم بلاء، متى أخذت هذا الصاع؟ فقال: بنو راحيل الذين لا يزال منكم عليهم البلاء، ذهبتم بأخي فأهلكتموه، ووضع هذا الصواع في رحلي الذي وضع البضاعة في رحالكم. واختلف فيما أضافوا إلى يوسف من السرقة: فقيل: كان أخذ في صباه صنما لجدّه أبي أمّه فكسره وألقاه بين الجيف في الطريق. وقيل: دخل كنيسة فأخذ تمثالاً صغيراً من ذهب كانوا يعبدونه فدفنه. وقيل: كانت في المنزل عناقٌ أو دجاجة فأعطاها السائل. وقيل كانت لإبراهيم ﵇ منطقة يتوارثها أكابر ولده، فورثها إسحاق ثم وقعت إلى ابنته وكانت أكبر أولاده، فحضنت يوسف وهي عمته بعد وفاة أمّه وكانت لا تصبر عنه، فلما شبّ أراد يعقوب أن ينتزعه منها، فعمدت إلى المنطقة فحزمتها على يوسف تحت ثيابه وقالت: فقدت منطقة إسحاق فانظروا من أخذها، فوجدوها محزومةً على يوسف، فقالت: إنه لي سلمٌ أفعل به ما شئت، فخلاه يعقوب عندها حتى ماتت. (فَأَسَرَّها) إضمار على شريطة التفسير، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ) معناه القريب: سرقة الصاع، والبعيد: فعلهم بيوسف ما فعلوا، وهو المراد ها هنا. قوله: (إضمار على شريطة التفسير)، من قول الزجاج: " (أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَاناً) إضمار

стр. 4130

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ على شريطة التفسير، لأنه بدل من "ها" في (فَأَسَرَّهَا) أي: أسر يوسف في نفسه قوله: (أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَاناً)، المعنى: أنتم شر مكاناً في السرقةبالصحة، لأنكم سرقتم أخاكم من أبيكم". وقال أبو علي في "الإغفال": الإضمار على شريطة التفسير على ضربين: أحدهما: أن يفسر بمفرد، نحو: نعم رجلاً زيد، ففي "نعم" ضمير هو الفاعل، و"رجلاً" تفسير له، ومثله: "ربه رجلاً". وثانيهما: أن يفسر بجملة، نحو قوله تعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) [الإخلاص: ١]، أي: الأمر الله أحد، ثم يدخل عليها عوامل المبتدأ، نحو: "كان" و"إن" و"ليس". وتفسير المضمر في كلا الموضعين متصل بالجملة التي فيها الإضمار المشروط تفسيره، ومتعلق به، أما في المبتدأ ففي موضع الخبر، وأما في المفرد فمتعلق بما عمل في الضمير، ألا ترى أن "رجلاً" في قوله: "نعم رجلاً" منتصب عن الفعل، وفي "ربه رجلاً" منتصب عن تمام الهاء المضمر، فهو من باب "لي مثله رجلاً" و"أفضل رجل أنا".

стр. 4131

تفسيره: (أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً) وإنما أنث لأنّ قوله (أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً) جملة أو كلمة، على تسميتهم الطائفة من الكلام كلمة، كأنه قيل: فأسرّ الجملة أو الكلمة التي هي قوله (أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً). والمعنى: قال في نفسه: أنتم شر مكاناً، لأنّ قوله (قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً) بدل من "أسرَّها". وفي قراءة ابن مسعود: "فأسرَّه"، على التذكير، يريد القول أو الكلام. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فظهر أن تفسير المضمر المشروط تفسيره لا يكون إلا متعلقاً بالجملة التي تتضمن المضمر، ولا يكون منقطعاً عنها، والذي ذكره الزجاج منقطع". والوجه أن يحمل الضمير في "أسرها" على الإجابة؛ كأنهم لما قالوا: (إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ)، أسر يوسف ﵇ إجابتهم في نفسه في الوقت، ولم يبدها لهم، أو على المقالة؛ أي: أسر مقالتهم، والمقالة والقول واحد، والمراد المقول، كالخلق والمخلوق، فمعنى "أسرها": وعاها وأكنها في نفسه إرادة التوبيخ. وقال القاضي: "وأجيب بأن الحصر ممنوع، فإنهم سموا نحو: "زيداً ضربته" بهذا الاسم، ولا مناقشة في التسمية". وقال القاضي: "في جعل (أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَاناً) بدل من الضمير على تأويل الكلمة أو الجملة نظر؛ إذ المفسر بالجملة لا يكون إلا ضمير الشأن". وفي قول المصنف: " (أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَاناً) بدل من (أسرها) " إثبات لكلام النفس.

стр. 4132

ومعنى (أنتم شَرٌّ مَكاناً) أنتم شر منزلة في السرق، لأنكم سارقون بالصحة، لسرقتكم أحاكم من أبيكم (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ) يعلم أنه لم يصح لي ولا لأخي سرقة، وليس الأمر كما تصفون. [(قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ)]. استعطفوه بإذكارهم إياه حق أبيهم يعقوب، وأنه شيخ كبير السنّ أو كبير القدر، وأنّ بنيامين أحب إليه منهم، وكانوا قد أخبروه بأن ولداً له قد هلك وهو عليه ثكلان، وأنه مستأنس بأخيه (فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ) فخذه بدله على وجه الاسترهان أو الاستعباد (إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) إلينا فأتمم إحسانك. أو من عادتك الإحسان فاجْرِ على عادتك ولا تغيرها. [(قالَ مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَاخُذَ إِلاَّ مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنَّا إِذاً لَظالِمُونَ)]. (مَعاذَ اللَّهِ) هو كلام موجه، ظاهره: أنه وجب على قضية فتواكم أخذ من وجد الصواع في رحله واستعباده، فلو أخذنا غيره كان ذلك ظلماً في مذهبكم، فلم تطلبون ما عرفتم أنه ظلم، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (شر منزلة في السرق)، السرق: مصدر كالكذب، وقيل: الاسم من "سرق يسرق سرقاً": السرق والسرقة بكسر الراء فيهما. قوله: (أو: من عادتك الإحسان)، فالجملة على هذا معترضة، وعلى الأول استئنافية على بيان الموجب، فتكون متصلة. وبيانه على الأول: فخذ أحدنا مكانه كما كنت تحسن إلينا فيما سلف، فيكون هذا الإحسان من تتمته. وعلى الثاني: إثبات إحسانه على العموم في كل الناس. قوله: (كلام موجه)، أي: ذو وجهين، كقول أبي بكر ﵁ حين سئل عن

стр. 4133

وباطنه: إنّ الله أمرني وأوحى إليّ بأخذ بنيامين واحتباسه لمصلحة أو لمصالح جمة علمها في ذلك، فلو أخذت غير من أمرني بأخذه كنت ظالماً وعاملاً على خلاف الوحي. ومعنى (مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَاخُذَ) نعوذ بالله معاذاً من أن نأخذ، فأضيف المصدر إلى المفعول به وحذف "من". و (إِذاً) جوابٌ لهم وجزاء، لأن المعنى: إن أخذنا بدله ظلمنا. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ رسول الله ﷺ حين مهاجرتهما: "هذا رجل يهديني السبيل". قوله: (لأن المعنى: إن أخذنا بدله ظلمنا)، تعليل لتصحيح معنى الجزاء، قال ابن الحاجب- في معنى قول الزجاج في قولهم: "يقول الرجل: (أنا آتيك، فتقول: إذن أكرمك): إن كان الأمر كما ذكرت فإني أكرمك-: "نبه الزجاج أن فيها معنى الجزاء حتى صح تقديره مصرحاً به"، وأما جواب المتكلم فإنه سأل ماذا يكون مرتبطاً بالإكرام، فأجابه بارتباط إكرامه به. وقال المرزوقي رحمه الله تعالى: "وفائدة "إذن" في قوله: إذن لقام بنصري معشر خشن هو أن هذا خرج مخرج جواب قائل قال له: ولو استباحوا ماذا كان يفعل بنو مازن؟ فقال: إذن لقام بنصري. قال سيبويه: [إذن] جواب وجزاء، فهذا البيت جواب لهذا

стр. 4134

[(فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَاذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ)]. (اسْتَيْأَسُوا) يئسوا. وزيادة السين والتاء في المبالغة نحو ما مرّ في "استعصم" [يوسف: ٣٢]. و «النجي» على معنيين: يكون بمعنى: المناجى، كالعشير والسمير؛ بمعنى: المعاشر والمسامر، ومنه قوله تعالى (الأيمن وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا) [مريم: ٥٢]، وبمعنى المصدر الذي هو التناجي، كما قيل "النجوى" بمعناه ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ السائل وجزاء على فعل المستبيح". قوله: ((اسْتَيْئَسُوا) يئسوا)، الراغب: "اليأس: انتفاء الطمع، يقالك يئس واستيأس، مثل: عجب واستعجب، وسخر واستخسر، قال تعالى: (فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيّاً)، وقال تعالى: (حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ) [يوسف: ١١٠]، وقال تعالى: (قَدْ يَئِسُوا مِنْ الآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ) [الممتحنة: ١٣]، وقوله: (أَفَلَمْ يَيْئَسْ الَّذِينَ آمَنُوا) [الرعد: ٣١]: قيل: معناه: أفلم يعلم، ولم يرد أن اليأس موضوع في كلامهم للعلم، وإنما قصد أن يأس الذين آمنوا من ذلك يقتضي أن يحصل بعد العلم بانتفائه، فإذن ثبوت يأسهم يقتضي حصول علمهم". قوله: (نحو ما مر في "استعصم")، والذي مر هو قوله: "الاستعصام بناء مبالغة يدل على الامتناع البليغ"، كأنه في عصمته، وهو يجتهد في الاستزادة منها، لأن السين للطلب، ولابد من رعاية معناها. قوله: (وبمعنى المصدر الذي هو التناجي)، كما تقول: قوم رضا، وإنما الرضا فعلهم، يجعل المصدر منزلة الوصف.

стр. 4135

ومنه قيل: قوم نجيّ، كما قيل: (وَإِذْ هُمْ نَجْوى) [الإسراء: ٤٧]؛ تنزيلاً للمصدر منزلة الأوصاف. ويجوز أن يقال: هم نجي، كما قيل: هم صديق، لأنه بزنة المصادر وجمع أنجية. قال: إنِّى إذَا مَا الْقَوْمُ كَانُوا أَنْجِيَهْ ومعنى (خَلَصُوا): اعتزلوا وانفردوا عن النسا خالصين لا يخالطهم سواهم (نَجِيًّا) ذوى نجوى، أو فوجا نجياً، أي: مناجياً لمناجاة بعضهم بعضاً ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ومنه قيل)، أي: ومن استعمال "النجي" بمعنى: التناجي، قيل: قوم نجي. قوله: (هم نجي)، أي: ويجوز أن يستعمل "نجي" مكان الجمع، فقوله: "ويجوز أن يقال" على تقدير سؤال يرد على الوجه الأول، معنى: سلمنا أن (نَجِيّاً) بمعنى: المناجي، فكيف يحمل على الجماعة، وهو مفرد؟ فقال: جاز كما جاز أن يقال: هم صديق، لأن المصدر جنس يحمل على القليل والكثير، وهو وإن أريد به الوصف، لكنه لما كان على زنة المصادر عومل معاملة المصدر، ومنه قوله تعالى: (خَلَصُوا نَجِيّاً). قوله: (إني إذا ما القوم كانوا أنجية)، بعده: ...... … واضطرب القوم اضطراب الأرشية هناك أوصني ولا توص بيه "كانوا أنجية": أي: صاروا فرقاً لما حزبهم من الشر؛ يتناجون ويتشاورون، وفارقهم القرار من شدة الخوف، يقومون ويقعدون اضطراب الأرشية عند الاستقاء، "هناك": أي: في ذلك الوقت يوجد الغنى والكفاية عندي.
следующие страницы →