Полный текст (9 345 стр.). Показаны 4131–4170 · переход к 4136.
стр. 4131
تفسيره: (أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً) وإنما أنث لأنّ قوله (أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً) جملة أو كلمة، على تسميتهم الطائفة من الكلام كلمة، كأنه قيل: فأسرّ الجملة أو الكلمة التي هي قوله (أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً). والمعنى: قال في نفسه: أنتم شر مكاناً، لأنّ قوله (قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً) بدل من "أسرَّها". وفي قراءة ابن مسعود: "فأسرَّه"، على التذكير، يريد القول أو الكلام.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فظهر أن تفسير المضمر المشروط تفسيره لا يكون إلا متعلقاً بالجملة التي تتضمن المضمر، ولا يكون منقطعاً عنها، والذي ذكره الزجاج منقطع".
والوجه أن يحمل الضمير في "أسرها" على الإجابة؛ كأنهم لما قالوا: (إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ)، أسر يوسف ﵇ إجابتهم في نفسه في الوقت، ولم يبدها لهم، أو على المقالة؛ أي: أسر مقالتهم، والمقالة والقول واحد، والمراد المقول، كالخلق والمخلوق، فمعنى "أسرها": وعاها وأكنها في نفسه إرادة التوبيخ.
وقال القاضي: "وأجيب بأن الحصر ممنوع، فإنهم سموا نحو: "زيداً ضربته" بهذا الاسم، ولا مناقشة في التسمية".
وقال القاضي: "في جعل (أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَاناً) بدل من الضمير على تأويل الكلمة أو الجملة نظر؛ إذ المفسر بالجملة لا يكون إلا ضمير الشأن".
وفي قول المصنف: " (أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَاناً) بدل من (أسرها) " إثبات لكلام النفس.
стр. 4132
ومعنى (أنتم شَرٌّ مَكاناً) أنتم شر منزلة في السرق، لأنكم سارقون بالصحة، لسرقتكم أحاكم من أبيكم (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ) يعلم أنه لم يصح لي ولا لأخي سرقة، وليس الأمر كما تصفون.
[(قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ)].
استعطفوه بإذكارهم إياه حق أبيهم يعقوب، وأنه شيخ كبير السنّ أو كبير القدر، وأنّ بنيامين أحب إليه منهم، وكانوا قد أخبروه بأن ولداً له قد هلك وهو عليه ثكلان، وأنه مستأنس بأخيه (فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ) فخذه بدله على وجه الاسترهان أو الاستعباد (إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) إلينا فأتمم إحسانك. أو من عادتك الإحسان فاجْرِ على عادتك ولا تغيرها.
[(قالَ مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَاخُذَ إِلاَّ مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنَّا إِذاً لَظالِمُونَ)].
(مَعاذَ اللَّهِ) هو كلام موجه، ظاهره: أنه وجب على قضية فتواكم أخذ من وجد الصواع في رحله واستعباده، فلو أخذنا غيره كان ذلك ظلماً في مذهبكم، فلم تطلبون ما عرفتم أنه ظلم،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (شر منزلة في السرق)، السرق: مصدر كالكذب، وقيل: الاسم من "سرق يسرق سرقاً": السرق والسرقة بكسر الراء فيهما.
قوله: (أو: من عادتك الإحسان)، فالجملة على هذا معترضة، وعلى الأول استئنافية على بيان الموجب، فتكون متصلة. وبيانه على الأول: فخذ أحدنا مكانه كما كنت تحسن إلينا فيما سلف، فيكون هذا الإحسان من تتمته. وعلى الثاني: إثبات إحسانه على العموم في كل الناس.
قوله: (كلام موجه)، أي: ذو وجهين، كقول أبي بكر ﵁ حين سئل عن
стр. 4133
وباطنه: إنّ الله أمرني وأوحى إليّ بأخذ بنيامين واحتباسه لمصلحة أو لمصالح جمة علمها في ذلك، فلو أخذت غير من أمرني بأخذه كنت ظالماً وعاملاً على خلاف الوحي.
ومعنى (مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَاخُذَ) نعوذ بالله معاذاً من أن نأخذ، فأضيف المصدر إلى المفعول به وحذف "من". و (إِذاً) جوابٌ لهم وجزاء، لأن المعنى: إن أخذنا بدله ظلمنا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رسول الله ﷺ حين مهاجرتهما: "هذا رجل يهديني السبيل".
قوله: (لأن المعنى: إن أخذنا بدله ظلمنا)، تعليل لتصحيح معنى الجزاء، قال ابن الحاجب- في معنى قول الزجاج في قولهم: "يقول الرجل: (أنا آتيك، فتقول: إذن أكرمك): إن كان الأمر كما ذكرت فإني أكرمك-: "نبه الزجاج أن فيها معنى الجزاء حتى صح تقديره مصرحاً به"، وأما جواب المتكلم فإنه سأل ماذا يكون مرتبطاً بالإكرام، فأجابه بارتباط إكرامه به.
وقال المرزوقي رحمه الله تعالى: "وفائدة "إذن" في قوله:
إذن لقام بنصري معشر خشن
هو أن هذا خرج مخرج جواب قائل قال له: ولو استباحوا ماذا كان يفعل بنو مازن؟ فقال: إذن لقام بنصري. قال سيبويه: [إذن] جواب وجزاء، فهذا البيت جواب لهذا
стр. 4134
[(فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَاذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ)].
(اسْتَيْأَسُوا) يئسوا. وزيادة السين والتاء في المبالغة نحو ما مرّ في "استعصم" [يوسف: ٣٢]. و «النجي» على معنيين: يكون بمعنى: المناجى، كالعشير والسمير؛ بمعنى: المعاشر والمسامر، ومنه قوله تعالى (الأيمن وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا) [مريم: ٥٢]، وبمعنى المصدر الذي هو التناجي، كما قيل "النجوى" بمعناه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
السائل وجزاء على فعل المستبيح".
قوله: ((اسْتَيْئَسُوا) يئسوا)، الراغب: "اليأس: انتفاء الطمع، يقالك يئس واستيأس، مثل: عجب واستعجب، وسخر واستخسر، قال تعالى: (فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيّاً)، وقال تعالى: (حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ) [يوسف: ١١٠]، وقال تعالى: (قَدْ يَئِسُوا مِنْ الآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ) [الممتحنة: ١٣]، وقوله: (أَفَلَمْ يَيْئَسْ الَّذِينَ آمَنُوا) [الرعد: ٣١]: قيل: معناه: أفلم يعلم، ولم يرد أن اليأس موضوع في كلامهم للعلم، وإنما قصد أن يأس الذين آمنوا من ذلك يقتضي أن يحصل بعد العلم بانتفائه، فإذن ثبوت يأسهم يقتضي حصول علمهم".
قوله: (نحو ما مر في "استعصم")، والذي مر هو قوله: "الاستعصام بناء مبالغة يدل على الامتناع البليغ"، كأنه في عصمته، وهو يجتهد في الاستزادة منها، لأن السين للطلب، ولابد من رعاية معناها.
قوله: (وبمعنى المصدر الذي هو التناجي)، كما تقول: قوم رضا، وإنما الرضا فعلهم، يجعل المصدر منزلة الوصف.
стр. 4135
ومنه قيل: قوم نجيّ، كما قيل: (وَإِذْ هُمْ نَجْوى) [الإسراء: ٤٧]؛ تنزيلاً للمصدر منزلة الأوصاف. ويجوز أن يقال: هم نجي، كما قيل: هم صديق، لأنه بزنة المصادر وجمع أنجية. قال:
إنِّى إذَا مَا الْقَوْمُ كَانُوا أَنْجِيَهْ
ومعنى (خَلَصُوا): اعتزلوا وانفردوا عن النسا خالصين لا يخالطهم سواهم (نَجِيًّا) ذوى نجوى، أو فوجا نجياً، أي: مناجياً لمناجاة بعضهم بعضاً
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ومنه قيل)، أي: ومن استعمال "النجي" بمعنى: التناجي، قيل: قوم نجي.
قوله: (هم نجي)، أي: ويجوز أن يستعمل "نجي" مكان الجمع، فقوله: "ويجوز أن يقال" على تقدير سؤال يرد على الوجه الأول، معنى: سلمنا أن (نَجِيّاً) بمعنى: المناجي، فكيف يحمل على الجماعة، وهو مفرد؟ فقال: جاز كما جاز أن يقال: هم صديق، لأن المصدر جنس يحمل على القليل والكثير، وهو وإن أريد به الوصف، لكنه لما كان على زنة المصادر عومل معاملة المصدر، ومنه قوله تعالى: (خَلَصُوا نَجِيّاً).
قوله: (إني إذا ما القوم كانوا أنجية)، بعده:
...... … واضطرب القوم اضطراب الأرشية
هناك أوصني ولا توص بيه
"كانوا أنجية": أي: صاروا فرقاً لما حزبهم من الشر؛ يتناجون ويتشاورون، وفارقهم القرار من شدة الخوف، يقومون ويقعدون اضطراب الأرشية عند الاستقاء، "هناك": أي: في ذلك الوقت يوجد الغنى والكفاية عندي.
стр. 4136
وأحسن منه: أنهم تمحضوا تناجياً؛ لاستجماعهم لذلك، وإفاضتهم فيه يجدّ واهتمام، كأنهم في أنفسهم صورة التناجي وحقيقته، وكان تناجيهم في تدبير أمرهم، على أي: صفة يذهبون؟ وماذا يقولون لأبيهم في شأن أخيهم؟ كقوم تعايوا بما دهمهم من الخطب، فاحتاجوا إلى التشاور.
(كَبِيرُهُمْ) في السنّ وهو روبيل. وقيل: رئيسهم وهو شمعون: وقيل: كبيرهم في العقل والرأي: وهو يهوذا (ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ) فيه وجوه: أن تكون «ما» صلة، أي: ومن قبل هذا قصرتم في شأن يوسف ولم تحفظوا عهد أبيكم.
وأن تكون مصدرية، على أن محل المصدر الرفع على الابتداء وخبره الظرف، وهو (ومِنْ قَبْلُ) ......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وأحسن منه)، أي: مما ذكر- من أن يكون بمعنى: ذوي نجوى أو فوجاً مناجياً- أنهم تمحضوا؛ أي: يكون من باب قولهم: رجل عدل، مبالغة في التناجي، وقولها:
وإنما هي إقبال وإدبار
قوله: (وإفاضتهم)، من: أفاض الناس في الحديث؛ أي: خاضوا وشرعوا فيه.
قوله: (على أي صفة يذهبون)، الجار والمجرور معمول "يذهبون"، كما أن "ماذا" معمول "يقولون"، وهو بيان لقوله: "في تدبير أمرهم".
قوله: (تعايوا)، أي: عجزوا.
قوله: (أن تكون "ما" صلة)، أي: زائدة، قال أبو البقاء: "من: متعلقة على هذا بالفعل، أي: فرطتم من قبل ذلك".
قوله: (الرفع على الابتداء، وخبره: (مِن قَبْلُ))، قال أبو البقاء: "المعنى: وتفريطكم
стр. 4137
ومعناه: ووقع من قبل تفريطكم في يوسف. أو النصب عطفاً على مفعول (أَلَمْ تَعْلَمُوا) وهو (أَنَّ أَباكُمْ) كأنه قيل: ألم تعلموا أخذ أبيكم عليكم موثقاً وتفريطكم من قبل في يوسف، وأن تكون موصولة بمعنى: ومن قبل هذا ما فرطتموه، أي: قدّمتموه في حق يوسف من الجناية العظيمة، ومحله الرفع أو النصب على الوجهين.
(فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ) فلن أفارق أرض مصر (حَتَّى يَاذَنَ لِي أَبِي) في الانصراف إليه (أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ) لِي بالخروج منها، أو بالانتصاف ممن أخذ أخي، أو بخلاصه من يده بسبب من الأسباب (وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ) لأنه لا يحكم أبداً إلا بالعدل والحق.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في يوسف من قبل هذا، وهذا ضعيف؛ لأن "قبل" إذا وقعت خبراً أو صلة لا تقطع عن الإضافة لئلا تبقى ناقصة".
قوله: (أو النصب عطفاً على مفعول (أَلَمْ تَعْلَمُوا))، قال أبو البقاء: "وقيل: هو ضعيف، لأن فيه فصلاً بين حرف العطف والمعطوف عليه".
قوله: ((فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ) فلن أفارق أرض مصر)، قال الراغب: "البراح: المكان المتسع الظاهر الذي لا بناء فيه ولا شجر، فيعتبر تارة ظهوره فيقال: فعل ذلك براحاً، أي: صراحاً لا يستره شيء، وبرح الخفاء: ظهر، كأنه حصل في براح يرى، وبرح: ذهب في البراح، ومنه: البارح من الظباء والطير، وخص بما ينحرف عن الرامي إلى جهة لا يمكنه فيه الرمي، فيتشاءم به، ولما تصور معنى التشاؤم اشتقت منه: التبريح، فقيل: برح بي الأمر، ولقيت منه البرحين والبرحاء، [أي] الشدائد، وبرح بي فلان في التقاضي".
стр. 4138
[(ارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَما شَهِدْنا إِلاَّ بِما عَلِمْنا وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ)].
وقرئ "سَرَقَ" أي: نسب إلى السرقة (وَما شَهِدْنا) عليه بالسرقة (إِلَّا بِما عَلِمْنا) من سرقته وتيقناه، لأنّ الصواع استخرج من وعائه ولا شيء أبين من هذا (وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ) وما علمنا أنه سيسرق حين أعطيناك الموثق. أو ما علمنا أنك تصاب به كما أصبت بيوسف. ومن قرأ سَرَقَ فمعناه: وما شهدنا إلا بقدر ما علمنا من التسريق، (وما كنا للغيب) للأمر الخفي حافظين، أسرق بالصحة أم دسّ الصاع في رحله ولم يشعر؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لأن الصواع استخرج من وعائه، ولا شيء أبين من هذا)، "الانتصاف": "إن كان في شرعهم أن مجرد وجود الشيء بيد من يدعى عليه بعد إنكاره يجعله سارقاً، فالعلم على ظاهره إذن، وإن لم يكن كذلك فهذا بمجرده لا يوجب علم كونه سارقاً، لكن ظناً بيناً".
وقلت: على هذا يوافقه معنى قراءة "سرق"، ويلتئم عليه قوله: (وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ) مؤكداً، وعلى ما ذهب إليه المصنف لا تلتئم القراءتان، ولا يجيء التذييل مطابقاً للمذيل على القراءة المشهورة- كما فسره- إلا مع التعسف.
قال محيي السنة: " (وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا) فإنا رأينا إخراج الصاع من متاعه، وقيل: (وَمَا شَهِدْنَا) أي: ما كانت شهادة في عمرنا على شيء إلا بما علمنا، وليست هذه شهادة منا، إنما هو خبر عن صنيع ابنك بزعمهم، (وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ) ".
قوله: (أسرق بالصحة أم دس)، الراغب: "الحفظ: يقال تارة لهيئة النفس التي بها
стр. 4139
[(وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها وَإِنَّا لَصادِقُونَ* قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَاتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ)].
(الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها) هي مصر، أي: أرسل إلى أهلها فسلهم عن كنه القصة وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها وأصحاب العير، وكانوا قوماً من كنعان من جيران يعقوب. وقيل من أهل صنعاء، معناه: فرجعوا إلى أبيهم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يثبت ما يؤدي إليه الفهم، وتارة لضبط الشيء في النفس، ويضاده النسيان، وتارة لاستعمال تلك القوة، فيقال: حفظت كذلك حفظاً، ثم يستعمل في كل تفقد وتعهد ورعاية، قال تعالى: (وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [يوسف: ١٢]، (وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ) [الأحزاب: ٣٥] كناية عن العفة، والتحفظ: قيل: هو قلة الغفلة، وحقيقته: إنما هو تكلف الحفظ لضعف القوة الحافظة، ولما كانت تلك القوة من أسباب العقل توسعوا في تفسيرها، كما ترى، والحفيظة: الغضب الذي يحمل على المحافظة، ثم استعمل في الغضب المجرد، فقيل: أحفظني فلان؛ أي: أغضبني".
قوله: (معناه: فرجعوا إلى أبيهم)، هذا وجه اتصال قوله: (قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ) بما قبله، لأن قوله: (وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ) قول بعض بنيه في مصر، و (بَلْ سَوَّلَتْ) كلام لأبيهم في كنعان. رداً لعذرهم، فلابد من هذه المقدرات ليتصل الكلامان في الكلام، وإن
стр. 4140
فقالوا له ما قال لهم أخوهم فـ (قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً) أردتموه، وإلا فما أدرى ذلك الرجل أنّ السارق يؤخذ بسرقته لولا فتواكم وتعليمكم (بِهِمْ جَمِيعاً) بيوسف وأخيه وروبيل أو غيره (إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ) بحالي في الحزن والأسف (الْحَكِيمُ) الذي لم يبتلنى بذلك إلا لحكمة ومصلحة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أوجب هذه المضمرات، لكن لا يقتضي ما يتضمن الاتصال بالفاءات كما قدرها، بل يأباه القطع على سبيل الاستئناف، فإن السامع لما سمع تلك المقالة اتجه له أن يقول: إلام عاد مآل هذه المقالة، وما كان جواب أبيهم حين رجعوا بها وأدوها إليه، فأجيب: بأنه قال: بل سولت لكم أنفسكم.
قوله: ((بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً) أردتموه، وإلا فأي شيء أدرى ذلك الرجل)، الانتصاف: "قوله: (بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ) في الكرة الأولى ظاهر، وأما فيا لثانية فلم يكن من صنيعهم، لكن لما علم يعقوب ﵇ أن أخذ السارق لم يكن من دين الملك، لكن من دين يعقوب كما قال: (مَا كَانَ لِيَاخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ)، كان تنبيهاً على وجه اتهام يعقوب بنيه، وأنه إنما فعل ذلك بفتواهم، وكان قد سبق قوله: (فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنتُمْ كَاذِبِينَ* قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ)، فأفتوا- وإن لم يشعروا- أن المراد إلزامهم واتهام من تتطرق إليه التهمة، ويحتمل أن يكون الذي سوغ ذلك أنهم جعلوا مجرد وجود الصواع في رحله سرقة من غير أن يثبت الحكم عليه بوجه معلوم، وهذا لا تثبت به السرقة، وهذا هو التسويل إن كان شرعهم كشرعنا، وإلا فالعمدة هو الوجه الأول".
قوله: (وروبيل أو غيره)، يعني: شمعون أو يهوذا، كما سبق في تفسير (كَبِيرُهُمْ).
стр. 4141
[(وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ)].
(وَتَوَلَّى عَنْهُمْ) وأعرض عنهم كراهة لما جاءوا به (يا أَسَفى) أضاف الأسف وهو أشدّ الحزن والحسرة إلى نفسه، والألف بدل من ياء الإضافة، والتجانس بين لفظتي "الأسف" و"يوسف" مما يقع مطبوعاً غير متعمل فيملح ويبدع، .......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والتجانس بين لفظتي الأسف ويوسف)، وهو من التجنيس المضارع، وإن جعل يوسف عربياً- كقوله: (إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ) [التوبة: ٣٨]- فهو من الاشتقاقي، وأما قوله: (وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ) [الأنعام: ٢٦] فمن المضارع، لكون الهمزة والهاء مخرجهما الحلق، وقوله: (يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً) [الكهف: ١٠٤] فمن الخطي، وقوله: (مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ) [النمل: ٢٢] فمن المزدوج.
قوله: (مما يقع مطبوعاً غير متعمل، فيملح ويبدع)، اعلم أن الترصيع والتصريع والتجنيس والترديد إنما يحسن قليله دون كثيره؛ لما فيها من أمارات الكلفة.
стр. 4142
ونحوه (اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ) [التوبة: ٣٨]، (وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ) [الأنعام: ٢٦]، (يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صنعاً) [الكهف: ١٠٤]، (مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإ) [النمل: ٢٢].
وعن النبي ﷺ : «لم تعط أمة من الأمم: "إنا لله وإنا إليه راجعون" عند المصيبة إلا أمّة محمد ﷺ . ألا ترى إلى يعقوب حين أصابه ما أصابه لم يسترجع. وإنما قال: "يا أسفى".
فإن قلت: كيف تأسف على يوسف دون أخيه ودون الثالث، والرزء الأحدث أشدّ على النفس وأظهر أثراً؟ قلت: هو دليل على تمادى أسفه على يوسف، وأنه لم يقع فائت عنده موقعه، وأنّ الرزء فيه مع تقادم عهده كان غضاً عنده طرياً.
وَلَمْ تُنْسِنِى أَوْفَى الْمُصِيبَاتِ بَعْدَهُ
ولأنّ الرزء في يوسف كان قاعدة مصيباته التي ترتبت عليها الرزايا في ولده، فكان الأسف عليه أسفاً على من لحق به.
(وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ) إذا كثر الاستعبار محقت العبرة سواد العين وقلبته إلى بياض كدر. قيل: قد عمى بصره. وقيل: كان يدرك إدراكاً ضعيفاً
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ولم تنسني أوفى المصيبات بعده)، [بعده]:
ولكن نكء القرح بالقرح أوجع
стр. 4143
قرئ (من الحزن) و"من الحزن"، الحزن كان سبب البكاء الذي حدث منه البياض، فكأنه حدث من الحزن. قيل ما جفت عينا يعقوب من وقت فراق يوسف إلى حين لقائه ثمانين عاما، وما على وجه الأرض أكرم على الله من يعقوب. وعن رسول الله ﷺ أنه سأل جبريل ﵇: ما بلغ من وجد يعقوب على يوسف؟ قال: وجد سبعين ثكلى. قال: "فما كان له من الأجر"؟ قال: أجر مئة شهيد، وما ساء ظنه بالله ساعة قط.
فإن قلت: كيف جاز لنبي الله أن يبلغ به الجزع ذلك المبلغ؟ قلت: الإنسان مجبول على أن لا يملك نفسه عند الشدائد من الحزن، ولذلك حمد صبره وأن يضبط نفسه حتى لا يخرج إلى ما لا يحسن، ولقد بكى رسول الله ﷺ على ولده إبراهيم وقال: «القلب يجزع، والعين تدمع، ولا نقول ما يسخط الرب، وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون» وإنما الجزع المذموم ما يقع من الجهلة من الصياح والنياحة، ولطم الصدور والوجوه، وتمزيق الثياب. وعن النبي ﷺ أنه بكى على ولد بعض بناته وهو يجود بنفسه، فقيل: يا رسول الله، تبكى وقد نهيتنا عن البكاء؟ !
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هشام هذا فجع بأخيه أوفى، ثم أصيب بأخ آخر اسمه غيلان المشهور بذي الرمة، قال: إن الجزع بأوفى لم يزل، وما يعقبه من المصيبات لا يزيده إلا تفجعاً، كما أن الجرح إذا نكأ ثانياً وأدمى كان إنجاعه أشد، وإيلامه أبلغ.
قوله: (القلب يجزع)، الرواية عن البخاري ومسلم عن أنس: "إن العين تدمع، والقلب يخشع، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون".
قوله: (أنه بكى على ولد بعض بناته)، روينا عن البخاري ومسلم وأبي داود والنسائي
стр. 4144
فقال: "ما نهيتكم عن البكاء وإنما نهيتكم عن صوتين أحمقين: صوت عند الفرح، وصوت عند الترح". وعن الحسن: أنه بكى على ولدٍ أو غيره، فقيل لهفي ذلك، فقال: ما رأيت الله جعل الحزن عاراً على يعقوب.
(فَهُوَ كَظِيمٌ) فهو مملوة من الغيظ على أولاده ولا يظهر ما يسوؤهم، فعيل بمعنى مفعول، بدليل قوله (وَهُوَ مَكْظُومٌ) [القلم: ٤٨]؛ من كظم السقاء إذا شدّه على ملئه، والكظم بفتح الظاء: مخرج النفس.
يقال: أخذ بأكظامه.
[(قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ)].
(تَفْتَؤُا) أراد: لا تفتؤ، فحذف حرف النفي لأنه لا يلتبس بالإثبات، لأنه لو كان إثباتا لم يكن بدّ من اللام والنون،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عن أسامة قال: "أرسلت بنت النبي ﷺ : إن ابناً لي قبض، فأتنا"، وساق الحديث إلى قوله: "فقام وقام معه سعد بن عبادة، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعبن وزيد بن ثابت، ورجال، فرفع إلى رسول الله ﷺ الصبي، فأقعده في حجره، ونفسه تقعقع كأنها في شن، ففاضت عيناه. فقال سعد: يا رسول الله، ما هذا؟ فقال: هذه رحمة جعلها الله في قلوب من يشاء من عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء".
النهاية: "يجود بنفسه؛ أي: يخرجها ويدفعها كما يدفع الإنسان ماله يجود به، أي: كان في النزع وسياق الموت".
قوله: (لو كان إثباتاً لم يكن بد من اللام والنون)، يعني: أن القسم إذا لم تكن معه علامة
стр. 4145
ونحوه:
فَقُلْتُ يَمِينَ اللَّهِ أَبْرَحُ قَاعِداً
ومعنى "لا تَفْتَأُ" لا تزال. وعن مجاهد: لا تفتر من حبه، كأنه جعل الفتوء والفتور أخوين، يقال: ما فتئ يفعل. قال أوس:
فَما فَتِئَتْ خَيْلٌ تَثُوبُ وَتَدَّعِي … وَيَلْحَقُ مِنهَا لَاحِقٌ وَتَقَطعُ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الإثبات كان على النفي، وهو من قول الزجاج: "وإنما جاز إضمار "لا" في قوله: (تَاللَّهِ تَفْتَأُ) لأنه لا يجوز في القسم: تالله تفعل، حتى تقول: لتفعلن؛ في الإثبات، أو تقول: لا تفعل؛ في النفي".
قوله: (فقلت: يمين الله أبرح قاعداً)، تمامه- لامرئ القيس-:
ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي
الأوصال: جمع وصل- بكسر الواو-، وهو المفصل، قيل: إن امرأ القيس سرى إلى ابنة قيصر، فقالت: تريد أن تفضحني، ألست ترى السمار والرقباء راقدين حولي؟ ! فقال مجيباً لها: إني لا أبرح حتى أنال منك حاجتي، ولو قطعت إرباً إرباً.
قوله: (فما فتئت خيل) البيت، "فما فتئت": أي: ما زالت، و"التثويب": هو أن الرجل إذا استصرخ ولوح بثوبه، كان ذلك كالدعاء والإنذار، و"التداعي" في الحرب: أن يدعو قوم بعضهم بعضاً بأني قول: يا آل فلان، و"تقطع": أي: تتفرق، يقول: ما زالت الخيل
стр. 4146
(تكون حَرَضاً) مشفياً على الهلاك مرضاً، وأحرضه المرض، ويستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، لأنه مصدر. والصفة: حَرِض، بكسر الراء-، ونحوهما: دنف ودنف، وجاءت القراءة بهما جميعاً. وقرأ الحسن: "حُرضاً" بضمتين، ونحوه في الصفات: رجل جنب وغرب.
[(قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ)].
البث: أصعب الهم الذي لا يصبر عليه صاحبه، فيبثه إلى الناس أي: ينشره. ومنه: باثه أمره، وأبثه إياه .........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تستصرخ، ويدعو بعضهم بعضاً من المنهزمين والمنقطعين، ويلحق منها في الحرب اللاحقون والمنقطعون، استصرخني فأصرخته؛ أي: استغاثني فأغثته.
قوله: ((حَرَضاً) مشفياً على الهلاك)، الراغب: "الحرض: ما لا يعتد به ولا خير فيه، ولهذا يقال لما أشرف على الهلاك: حرض، والتحريض: الحث على الشيء بكثرة التزيين وتسهيل الخطب فيه، كأنه في الأصل إزالة الحرض، نحو: مرضته وقذيته؛ أي: أزلت عنه المرض والقذى".
قوله: (في الصفات: رجل جنب وغُرب)، الجوهري: "الغربة: الاغتراب، تقول منه: تغرب واغترب، فهو غريب وغرب أيضاً؛ بضم الغين والراء".
قوله: (البث: أصعب الهم الذي لا يصبر عليه صاحبه، فيبثه إلى الناس)، الراغب: "أصل البث: إثارة الشيء وتفريقه، كبث الريح التراب، وبث النفس ما انطوت عليه من الغم والسر، يقال: بثثته فانبث، ومنه قوله تعالى: (فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثّاً) [الواقعة: ٦]، وقوله تعالى: (أَشْكُو بَثِّي) أي: غمي أبثه عن كتمان، فهو مصدر في تقدير مفعول، أو غمي الذي
стр. 4147
ومعنى (إنَّما أَشْكُوا): إني لا أشكو إلى أحد منكم ومن غيركم، إنما أشكو إلى ربي داعياً له وملتجئاً إليه، فخلوني وشكايتي. وهذا معنى توليه عنهم، أي: فتولى عنهم إلى الله والشكاية إليه. وقيل: دخل على يعقوب جارٌ له فقال: يا يعقوب، قد تهشمت وفنيت وبلغت من السن ما بلغ أبوك! فقال: هشمني وأفناني ما ابتلاني الله به من همّ يوسف، فأوحى الله إليه: يا يعقوب، أتشكوني إلى خلقي؟ قال: يا رب خطيئة أخطأتها فاغفر لي، فغفر له، فكان بعد ذلك إذا سئل قال: إنما أشكو بثي وحزني إلى الله.
وروي أنه أوحي إلى يعقوب: إنما وجدت عليكم لأنكم ذبحتم شاة فقام ببابكم مسكين فلم تطعموه، وإن أحب خلقي إليّ الأنبياء، ثم المساكين، فاصنع طعاماً وادع عليه المساكين. وقيل: اشترى جاريةً مع ولدها، فباع ولدها فبكت حتى عميت.
(وأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ) أي: أعلم من صنعه ورحمته وحسن ظني به أنه يأتيني بالفرج من حيث لا أحتسب. وروي أنه رأى ملك الموت في منامه فسأله: هل قبضت روح يوسف؟ فقال: لا والله هو حيّ فاطلبه.
وقرأ الحسن: "وحزني" بفتحتين، "وحزني" بضمتين: قتادة.
[(يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ)].
(فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ) فتعرّفوا منهما وتطلبوا خبرهما. وقرئ بالجيم، كما قرئ بهما في "الحجرات"، وهما "تفعَّل" من الإحساس وهو المعرفة؛ (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ) [آل عمران: ٥٢]،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بث فكري، نحو: توزعني الفكر، فيكون في معنى الفاعل".
стр. 4148
ومن الجس، وهو الطلب، ومنه قالوا لمشاعر الإنسان: الحواس، والجواس.
(مِنْ رَوْحِ اللَّهِ) من فرجه وتنفيسه، وقرأ الحسن وقتادة: من روح الله، بالضم: أي: من رحمته التي يحيا بها العباد.
[(فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ)].
(الضُّرُّ) الهزال من الشدّة والجوع (مُزْجاةٍ) مدفوعةٍ يدفعها كل تاجر رغبة عنها واحتقاراً لها، من أزجيته إذا دفعته وطردته، والريح تزجى السحاب، قيل: كانت من متاع الأعراب صوفاً وسمنا. وقيل: الصنوبر وحبة الخضراء. وقيل: سويق المقل والأقط. وقيل: دراهم زيوفا لا تؤخذ إلا بوضيعة (فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ) الذي هو حقنا (وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا) وتفضل علينا بالمسامحة والإغماض عن رداءة البضاعة، أو زدنا على حقنا، فسموا ما هو فضل وزيادة لا تلزمه صدقة، لأنّ الصدقات محظورة على الأنبياء. وقيل كانت تحل لغير نبينا. وسئل ابن عيينة عن ذلك فقال: ألم تسمع (وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا) أراد: أنها كانت حلالا لهم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (من: أزجيته؛ إذا دفعته)، قال الزجاج: "التزجية: الشيء الذي يدافع به، تقول: فلان يزجي العيش، أي: يدفع بالقليل ويكتفي [به]، أي: إنا جئنا ببضاعة إنما يدافع بها ويتقوت، وليست مما يتسع به".
قوله: (إلا بوضيعة)، "يقال: وضع في تجارته وضيعة؛ خسر"، كذا في "الأساس".
قوله: ((فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ) الذي هو حقنا)، إنما قال: حقنا، لأنهم عطفوا (وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا) - المعني به الفضل- عليه، لأن الفضل إنما يتبع الواجب.
стр. 4149
والظاهر أنهم تمسكنوا له وطلبوا إليه أن يتصدّق عليهم، ومن ثم رق لهم وملكته الرحمة عليهم، فلم يتمالك أن عرّفهم نفسه. وقوله: (إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ) شاهد لذلك لذكر الله وجزائه، والصدقة: العطية التي تبتغى بها المثوبة من الله: ومنه قول الحسن - لمن سمعه يقول: اللهمّ تصدق عليّ: إن الله تعالى لا يتصدق، إنما يتصدق الذي يبتغي الثواب، قل: اللهم أعطني، أو تفضل عليّ، أو ارحمني.
[(قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ)].
(قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ) أتاهم من جهة الدين، وكان حليما موفقاً، فكلمهم مستفهماً عن وجه القبح الذي يجب أن يراعيه التائب، فقال: (هل علمتم) قبح (ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ) لا تعلمون قبحه، فلذلك أقدمتم عليه، يعني: هل علمتم قبحه فتبتم إلى الله منه، لأنّ علم القبح يدعو إلى الاستقباح، والاستقباح يجرّ إلى التوبة، .....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والظاهر أنهم تمسكنوا له)، أي: أظهروا المسكنة، وتكلفوها ليرق لهم ويرحمهم لما نالوا من النصب، فجعلوا طلب الصدقة وسيلة إليه، لأن طالب الصدقة لا يكون إلا مسكيناً، وينصره تذييله بقوله: (إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ)، لأن ذكر الله يدل على الاستشفاع.
قوله: (هل علمتم قبحه فتبتم إلى الله منه)، يعني: استفهم بـ "هل" من كان عالماً بما فعله، وجعل الفعل ماضياً، وقيده بقوله: (إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ) ليفيد الحث على التوبة، يعني: هل استمر ذلك الجهل بقبح الفعل أم تدورك بالعلم الموجب للرجوع منه وتلافيه بالتوبة، فإن العاقل إذا تجلى له قبح القبيح لا يتوقف رجوعه منه، ولهذا الترتيب جاء بالفاء في قوله: "فتبتم".
стр. 4150
فكان كلامه شفقة عليهم، وتنصحاً لهم في الدين، لا معاتبة وتثريباً، إيثاراً لحق الله على حق نفسه، في ذلك المقام الذي يتنفس فيه المكروب، وينفث المصدور، ويتشفى المغيظ المحنق، ويدرك ثأره الموتور، فلله أخلاق الأنبياء ما أوطأها وأسجحها ولله حصا عقولهم ما أرزنها وأرجحها!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وتثريباً)، الجوهري: "التثريب: كالتأنيب والتغيير والاستقصاء في اللوم".
قوله: (المحنق)، الجوهري: "حنق عليه- بالكسر-؛ أي: اغتاظ، فهو حنق، وأحنقه غيره، فهو محنق".
قوله: (وأسجحها)، الجوهري: "الإسجاح: حسن العفو، يقال: ملكت فأسجح".
قوله: (ولله حصى عقولهم)، الأساس: "ومن المجاز: فلان ذو حصاة: وقور، وماله حصاة؛ أي: رزانة، قال طرفة:
وإن لسان المرء ما لم يكن له … حصاة على عوراته لدليل
стр. 4151
وقيل. لم يرد نفي العلم عنهم، لأنهم كانوا علماء، ولكنهم لما لم يفعلوا ما يقتضيه العلم ولا يقدم عليه إلا جاهل، سماهم جاهلين. وقيل: معناه إذ أنتم صبيانٌ في حد السفه والطيش قبل أن تبلغوا أوان الحلم والرزانة. روي أنهم لما قالوا: (مسنا وأهلنا الضر) وتضرعوا إليه ارفضت عيناه، ثم قال هذا القول. وقيل: أدوا إليه كتاب يعقوب: "من يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله، إلى عزيز مصر. أما بعد، فإنا أهل بيت موكل بنا البلاء: أما جدّى، فشدّت يداه ورجلاه ورمى به في النار ليحرق فنجاه الله وجعلت النار عليه برداً وسلاماً، وأما أبي فوضع السكين على قفاه ليقتل ففداه الله. وأمّا أنا فكان لي ابن وكان أحبّ أولادي إلىّ فذهب به إخوته إلى البرية،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ولا يقدم عليه إلا جاهل)، عطف من حيث المعنى على ما قبله، فإن قوله: "لم يفعلوا ما يقتضيه العلم" في معنى: فعلوا ما اقتضاه الجهل، فكأنه قيل: فعلوا ما اقتضاه الجهل، ولا يقدم عليه إلا جاهل.
وقلت: يمكن أن يقال: لم يفعلوا ما يقتضيه العلم، وفعلوا ما لا يقدم عليه إلا جاهل، وعكسه قوله: (لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [التحريم: ٦].
قوله: (وقيل: معناه: إذ أنتم صبيان في حد السفه والطيش)، وهذا تعليم منه للاعتذار عنه، كقول موسى ﵇: (فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَا مِنْ الضَّالِّينَ) [الشعراء: ٢٠] في جواب (وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنْ الْكَافِرِينَ) [الشعراء: ١٩]، وهم لو طلبوا عذراً لم يجدوا كذلك، كقوله تعالى: (مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) [الانفطار: ٦].
قوله: (ارفضت عيناه)، الجوهري: "ارفضاض الدمع: ترششه".
стр. 4152
ثم أتوني بقميصه ملطخاً بالدم وقالوا قد أكله الذئب، فذهبت عيناي من بكائي عليه، ثم كان لي ابن وكان أخاه من أمّه وكنت أتسلى به، فذهبوا به ثم رجعوا وقالوا: إنه سرق، وأنك حبسته لذلك، وإنا أهل بيت لا نسرق ولا نلد سارقاً، فإن رددته عليّ وإلا دعوت عليك دعوة تدرك السابع من ولدك والسلام. فلما قرأ يوسف الكتاب لم يتمالك وعيل صبره، فقال لهم ذلك. وروي: أنه لما قرأ الكتاب بكى وكتب الجواب: "اصبر كما صبروا تظفر كما ظفروا".
فإن قلت: ما فعلهم بأخيه؟ قلت: تعريضهم إياه للغم والثكل بإفراده عن أخيه لأبيه وأمّه، وجفاؤهم به، حتى كان لا يستطيع أن يكلم أحداً منهم إلا كلام الذليل للعزيز، وإيذاؤهم له بأنواع الأذى.
[(قالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ* قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ* قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ* اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَاتِ بَصِيراً وَاتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ)].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وعيل صبره)، الجوهري: "عالني الشيء يعيلني عيلاً ومعيلاً: إذا أعجزك".
قوله: (تعريضهم إياه)، أي: جعلوه عرضة للغم.
стр. 4153
قرئ: (أَإِنَّكَ) على الاستفهام، و"إنك" على الإيجاب، وفي قراءة أُبيّ: "أإنك أو أنت يوسف"، على معنى: أئنك يوسف أو أنت يوسف. فحذف الأوّل لدلالة الثاني عليه، وهذا كلام متعجب مستغرب لما يسمع، فهو يكرر الاستثبات.
فإن قلت: كيف عرفوه؟ قلت: رأوا في روائه وشمائله
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (و"إنك" على الإيجاب)، ابن كثير: "إنك" بهمزة مكسورة على الخبر، والباقون: على الاستفهام.
قوله: (أإنك أو أنت يوسف)، يعني: قرأ بدل اللام "أو"، قال ابن جني: "ينبغي أن يكون هذا على حذف "إن"، حتى كأنه قيل: إنك لغير يوسف أو أنت يوسف؟ فكأنه قيل: بل أنت يوسف، فلما خرج مخرج التوقيف قال: أنا يوسف، وقد جاء عنهم حذف خبر "إن"، قال الأعشى:
إن محلاً وإن مرتحلاً … وإن في السفر إذ مضوا مهلا
أراد: إن لنا محلاً وإن لنا مرتحلاً، فحذف الخبر، والكوفيون لا يجيزون حذف خبر "إن"، إلا إذا كان اسمها نكرة، ولهذا وجه حسن عندنا، وإن كان أصحابنا يجيزونه مع المعرفة أيضاً".
قوله: (يكرر الاستثبات)، يريد: أن المتعجب إذا سمع من المخاطب ما يتعجب منه يكرر ذلك الكلام تعجباً، أي: هل هو كذا؟ هل هو كذا؟
قوله: (في روائه)، أي: منظره، "ما شعروا به": مفعول "رأوا"، و"مع علمهم" حال.
стр. 4154
حين كلمهم بذلك ما شعروا به أنه هو، مع علمهم بأنّ ما خاطبهم به لا يصدر مثله إلا عن حنيف مسلم من سنخ إبراهيم، لا عن بعض أعزاء مصر. وقيل: تبسم عند ذلك فعرفوه بثناياه وكانت كاللؤلؤ المنظوم. وقيل: ما عرفوه حتى رفع التاج عن رأسه فنظروا إلى علامة بقرنه كانت ليعقوب وسارة مثلها، تشبه الشامة البيضاء.
فإن قلت: قد سألوه عن نفسه فلم أجابهم عنها وعن أخيه؟ على أن أخاه كان معلوماً لهم. قلت: لأنه كان في ذكر أخيه بيان لما سألوه عنه.
(مَنْ يَتَّقِ) من يخف الله وعقابه (وَيَصْبِرْ) عن المعاصي وعلى الطاعات (فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ) أجرهم، فوضع المحسنين موضع الضمير لاشتماله على المتقين والصابرين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (من سنح إبراهيم)، أي: أصله.
قوله: (لأنه كان في ذكر أخيه)، بيان لما سألوه عنه، فإنهم سألوه عن حقيقة كونه يوسف؛ حيث أتوا بالهمزة المقررة المؤكدة للتعجب، وأدخلوا اللام في الخبر، فأجاب بقوله: (أَنَا يُوسُفُ) على الحقيقة، وهذا المتميز الشاهد من أبي وأمي.
وفي ذكر الأخ وإيراد اسم الإشارة: مزيد تقرير وفضل تمييز له، وبيان أنه يوسف لا محالة.
وكان من حق الظاهر أن يقول: بلى، أو: أنا هو، فعدل ليطابق تعجبهم واستبعادهم في قولهم: أأنت يوسف، ويمكن أن يجري على الأسلوب الحكيم، وهو أنهم لما سألوه متعجبين: أأنت يوسف؟ أجاب: لا تسألوا عن ذلك، فإنه ظاهر، ولكن اسألوا ما فعل الله بك من الامتنان والإعزاز بما صبرت على بلاء الله، وثبت على تقوى الله، وكذلك أخي.
قوله: ((مَن يَتَّقِ) من يخف الله وعقابه، (وَيَصْبِرْ) عن المعاصي وعلى الطاعات)، قال صاحب "الفرائد": حمل (مَن يَتَّقِ) على المجاز، ولا مانع من الحمل على الحقيقة، والعدول منه إلى المجاز بغير ضرورة غير جائز، فالوجه أن يقال: (مَن يَتَّقِ) من احترز عن ترك ما أمر به، وعن ارتكاب ما نهي عنه، وصبر في المكاره، وذلك باختياره، وهذا بغير
стр. 4155
(لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا) أي: فضلك علينا بالتقوى والصبر وسيرة المحسنين، وإنّ شأننا وحالنا أنا كنا خاطئين متعمدين للإثم، لم نتق ولم نصبر، لا جرم أنّ الله أعزّك بالملك وأذلنا بالتمسكن بين يديك.
(لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ) لا تأنيب عليكم ولا عتب. وأصل التثريب من الثرب وهو الشحم الذي هو غاشية الكرش. ومعناه: إزالة الثرب،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اختياره: فهو محسن.
وذكر الصبر بعد التقوى: كذكر الصلاة والزكاة بعد ذكر الأعمال الصالحة، وكذكر جبريل وميكائيل بعد ذكر الملائكة. ويجوز أن يكون ذكر الصبر بعد التقوى لإرادة الثبات على التقوى، كأنه قيل: (مَن يَتَّقِ) ويثبت على تقواه.
وقلت: ولا ارتياب أن قوله: (إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) تعليل لقوله: (قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا)، وتعريض بإخوته، يدل عليه قولهم في الجواب: (تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ)، أي: فضلك الله علينا بالتقوى والصبر وسيرة المحسنين، (وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ) متعمدين الإثم لم نتق؛ أي: لم نخف عقاب الله وسوء المعصية، ولم نصبر على طاعة الله تعالى وطاعة أبينا وعلى المعصية؛ حيث فعلنا بك ما فعلنا، فأثبتوا في يوسف ما نفوا عن أنفسهم، فإذن لابد من ارتكاب المجاز وتخصيص العام بحسب ما يقتضيه المقام.
стр. 4156
كما أن التجليد والتقريع إزالة الجلد والقرع، لأنه إذا ذهب كان ذلك غاية الهزال والعجف الذي ليس بعده، فضرب مثلا للتقريع الذي يمزق الأعراض ويذهب بماء الوجوه.
فإن قلت: بم تعلق اليوم؟ قلت: بالتثريب، أو بالمقدر في (عَلَيْكُمُ) من معنى الاستقرار، أو بـ (يغفر)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والقرع)، الجوهري: "القرع- بالتحريك-: بثر أبيض يخرج بالفصال، ودواؤه الملح، وجباب ألبان الإبل"، وهو شيء يعلو ألبان الإبل كالزبد، ولا زبد لها.
قوله: (فضرب مثلاً للتقريع)، يعني: أن تثريب الحيوان- أي: إزالة الثرب عنه- يظهر غاية هزاله، وبه تظهر عيوبه، كذلك تقريع الإنسان، وهو ارتداعه، ومنه سمي آية الكرسي ونحوها: قوارع، كأنها تذهب الشيطان وتهلكه وتمزق أعراضه وتذهب بماء وجهه.
قوله: (بالتثريب)، أي: أعلق "اليوم" بـ "التثريب"، قال صاحب "التقريب": وفيه نظر، إذ يكون حينئذ مشابهاً للمضاف، نحو: "لا ضارباً زيداً"، فكيف يفتح، وقد ذكر في (لا غَالِبَ لَكُمْ) [الأنفال: ٤٨]: إن (لَكُمْ) ليس مفعولاً، وإلا لقيل: "لا غالباً لكم"، بل هو خبر، كقوله:
لا نسب اليوم ولا خلة
стр. 4157
- والمعنى: لا أثر بكم اليوم، وهو اليوم الذي هو مظنة التثريب، فما ظنكم بغيره من الأيام، ثم ابتدأ فقال (يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ) فدعا لهم بمغفرة ما فرط منهم. يقال: غفر الله لك، ويغفر الله لك، على لفظ الماضي والمضارع جميعاً، .....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أي: لا تثريب في اليوم.
وقال أبو البقاء: "في خبر "لا" وجهان: أحدهما: قوله: (عَلَيْكُمُ). وثانيهما: قوله: (الْيَوْمَ)، و (عَلَيْكُمُ) يتعلق بالظرف أو بالعامل في الظرف، وهو الاستقرار، ولا يجوز أن تتعلق "على" بـ (تَثْرِيبَ)، ولا ينصب (الْيَوْمَ) به، لأن اسم "لا" إذا عمل نون".
قوله: (والمعنى: لا أثربكم اليوم، وهو اليوم الذي هو مظنة للتثريب، فما ظنكم بغيره)، قال في "الانتصاف": "هذا المعنى يتوجه على الإعراب الأول، وهو الأصح، لقولهم: (يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا)، وقوله: (سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ) دليل على أنهم كانوا بعد في عهدة الذنب، ولو كان متعلقاً بـ (يَغْفِرُ) لقطعوا بالغفران بإخبار الصديق، ويحتمل أن يقال: قطع بالمغفرة فما يرجع إلى حقه دون أخيه".
وقلت: لو علق بـ (تَثْرِيبَ) لكان (يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ) دعاء لهم بالمغفرة، والنبي مستجاب الدعوة، فيلزم في هذا المقام القطع.
стр. 4158
ومنه قول المشمت: «يهديكم الله ويصلح بالكم» أو (الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ) بشارةٌ بعاجل غفران الله، لما تجدّد يومئذ من توبتهم وندمهم على خطيئتهم.
وروي: أن رسول الله ﷺ أخذ بعضادتي باب الكعبة يوم الفتح، فقال لقريش: "ما ترونني فاعلاً بكم؟ " قالوا: نظن خيراً، أخ كريم وابن أخر كريم، وقد قدرت، فقال: "أقول ما قال أخي يوسف: لا تثريب عليكم اليوم". وروي: أنّ أبا سفيان لما جاء ليسلم قال له العباس: إذا أتيت الرسول فاتل عليه (لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ)، ففعل، فقال رسول الله ﷺ : "غفر الله لك ولمن علمك".
ويروى أن إخوته لما عرفوه وأرسلوا إليه: إنك تدعونا إلى طعامك بكرةً وعشية، ونحن نستحيى منك لما فرط منا فيك، فقال يوسف: إنّ أهل مصر وإن ملكت فيهم، فإنهم ينظرون إلىّ بالعين الأولى،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال الإمام: "روي عن عطاء: أن طلب الحوائج إلى الشبان أنجح منها إلى الشيوخ، ألا ترى إلى قول يوسف ﵇ لإخوته: (لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمْ الْيَوْمَ)، وقول يعقوب ﵇: (سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي) ".
قوله: (ومنه قول المشمت)، أي: من الوارد على لفظ المضارع للدعاء كالماضي: "يهديكم الله ويصلح بالكم" الحديث، رواه البخاري وأبو داود عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ في حديث.
قوله: (أو (الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ))، هذا على أن يتعلق الظرف بـ (يَغْفِرُ)، و (يَغْفِرُ اللهُ) بشارة لا دعاء.
قوله: (بعضادتي باب الكعبة)، الجوهري: "أعضاد كل شيء: ما يشد حواليه من البناء وغيره، وعضادتا الباب: هما خشبتاه من جانبيه".
стр. 4159
ويقولون: سبحان من بلغ عبداً بيع بعشرين درهما ما بلغ، ولقد شرفت الآن بكم وعظمت في العيون حيث علم الناس أنكم إخوتي، وأني من حفدة إبراهيم.
(اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا) قيل هو القميص المتوارث الذي كان في تعويذ يوسف وكان من الجنة، أَمره جبريل ﵇ أن يرسله إليه فإنّ فيه ريح الجنة، لا يقع على مبتلى ولا سقيم إلا عوفي (يَاتِ بَصِيراً) يصر بصيراً، كقولك: جاء البناء محكماً، بمعنى صار. ويشهد له (فَارْتَدَّ بَصِيراً) [يوسف: ٩٦]، أو: يأت إليّ وهو بصير. وينصره قوله: (وَاتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ) أي: يأتني أبي، ويأتني آله جميعاً وقيل: يهوذا هو الحامل، قال: أنا أحزنته بحمل القميص ملطوخاً بالدم إليه، فأفرّحه كما أحزنته. وقيل: حمله وهو حافٍ حاسرٌ من مصر إلى كنعان، وبينهما مسيرة ثمانين فرسخاً.
[(وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ* قالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ* فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وينصره قوله: (وَاتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ))، أي: يقوي هذا الوجه- وهو أن يجري (يَاتِ) على حقيقته، ويكون (بَصِيراً) حالاً من فاعله- عطف قوله: (وَاتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ) على (يَاتِ)، لأن المعنى: يأتيني أبي وأهلي كلهم.
فإن قلت: أي الدليلين أظهر؛ قوله: (فَارْتَدَّ بَصِيراً) أم (وَاتُونِي)؟ قلت: الثاني، لأنه أبلغ وأوجز وأقطع لحصول ما ترتب عليه إلقاء القميص- كأنه قيل: لا شك في ارتداد البصر، لأنه مقطوع به، بل الكلام في إتيانه بصيراً-، ولأن إتيان الأهل على سبيل التبعية أولى من العكس، ودخول الأب في زمرة الأهل.
стр. 4160
قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ)].
(فَصَلَتِ الْعِيرُ) خرجت من عريش مصر، يقال: فصل من البلد فصولاً، إذا انفصل منه وجاوز حيطانه. وقرأ ابن عباس: "فلما انفصل العير".
(قالَ) لوَلَدِ وَلَدِه ومن حوله من قومه: (إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ) أوجده الله ريح القميص حين أقبل من مسيرة ثمانٍ. والتفنيد: النسبة إلى الفند، وهو الخرف وإنكار العقل من هرم. يقال: شيخ مفند، ولا يقال عجوز مفندة، لأنها لم تكن في شبيبتها ذات رأي، فتفند في كبرها. والمعنى: لولا تفنيدكم إياي لصدقتموني.
(لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ) لفي ذهابك عن الصواب. قدماً في إفراط محبتك ليوسف، ولهجك بذكره، ورجائك للقائه، وكان عندهم أنه قد مات.
(أَلْقاهُ) طرح البشير القميص على وجه يعقوب، أو: ألقاه يعقوب، (فَارْتَدَّ بَصِيراً) فرجع بصيراً. يقال: ردّه فارتد، وارتده إذا ارتجعه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (من عريش مصر)، أي: من عمرانه، الجوهري: "قيل لبيوت مكة: العرش؛ لأنها عيدان تنصب، ويظلل عليها".
قوله: (أوجده الله ريح القميص)، أي: جعله الله واجداً، الجوهري: "أوجده الله مطلوبه؛ أي: أظفره".
قوله: ((لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ) لفي ذهابك عن الصواب)، وأنشد السجاوندي للبيد:
تمنى أن تلاقي آل سلمى … بخطمة والمنى طرق الضلال
قوله: (ولهجك بذكره)، الجوهري: "اللهج بالشيء: الولوع، وقد لهج به: إذا أغرى به، فثابر عليه"، أي: واظب عليه.
стр. 4161
(أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ) يعني قوله: (إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ)، أو قوله (وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ). وقوله: (إِنِّي أَعْلَمُ) كلام مبتدأٌ لم يقع عليه القول، ولك أن توقعه عليه وتربد قوله: (إنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ). وروي: أنه سأل البشير: كيف يوسف؟ فقال: هو ملك مصر. فقال: ما أصنع بالملك؟ على أي دينٍ تركته؟ قال: على دين الإسلام. قال: الآن تمت النعمة.
[(قالُوا يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ* قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)].
(سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ) قيل: أخر الاستغفار إلى وقت السحر. وقيل: إلى ليلة الجمعة ليتعمد به وقت الإجابة ......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (يعني: قوله: (إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ))، هذا إذا كان الكلام مع ولد ولده ومن حوله، وقوله: (وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ) إذا كان الكلام مع ولده، ويحتمل الأمرين لمساعدة قرائن المقام، وقوله: (وَأَعْلَمُ مِنْ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ)، وهو تعليل لظهور صدقه فيما قال.
وعلى أن يكون مقولاً للقول: المعنى: إنما أشكو إلى ربي داعياً وملتجئاً لأني أعلم من صنيعه ورحمته وحسن ظني به أنه يأتيني بالفرج من حيث لا أحتسب، فأتى (وَأَعْلَمُ مِنْ اللَّهِ) هناك بالواو تفويضاً لاستفادة الترتب إلى ذهن السامع، كما تقرر، وصرح هنا بـ "إن" للدلالة على التعليل.
قوله: (إلى ليلة الجمعة)، روينا عن الترمذي عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه سولم قال: "قال
стр. 4162
وقيل: ليتعرّف حالهم في صدق التوبة وإخلاصها. وقيل: أراد الدوام على الاستغفار لهم. فقد روى أنه كان يستغفر لهم كل ليلة جمعة في نيف وعشرين سنة. وقيل: قام إلى الصلاة في وقت السحر، فلما فرغ رفع يديه وقال: اللهمّ اغفر لي جزعي على يوسف وقلة صبري عنه، واغفر لولدي ما أتوا إلى أخيهم، فأوحي إليه: إنّ الله قد غفر لك ولهم أجمعين.
وروي أنهم قالوا له وقد علتهم الكآبة: ما يُغني عنا عفو كما إن لم يعف عنا ربنا، فإن لم يوح إليك بالعفو فلا قرّت لنا عين أبداً، فاستقبل الشيخ القبلة قائماً يدعو، وقام يوسف خلفه يؤمّن، وقاموا خلفهما أذلة خاشعين عشرين سنة حتى بلغ جهدهم وظنوا أنها الهلكة،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أخي يعقوب لبنيه: (سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي) يقول: حتى تأتي ليلة الجمعة".
قوله: (أراد الدوام)، أي: في (سَوْفَ) زيادة تنفيس وتماد في الفعل، ولا يبعد أن يراد به الدوام، والدليل عليه ما روي أنه كان يستغفر لهم كل ليلة جمعة في نيف وعشرين سنة.
قوله: (واغفر لولدي ما أتوا إلى أخيهم)، أي: فعلوا به من الإساءة. "الأساس": "أتى إليه إحساناً: إذا فعله".
قوله: (وقد علتهم الكآبة)، الجوهري: "الكآبة: سوء الحال والانكسار".
قوله: (وظنوا أنها الهلكة)، أي: الهلاك، والضمير للقصة، والمبتدأ ضمير يرجع إلى ما هم عليه من استبطاء إجابة الدعاء، وبلوغ جهدهم فيه، أي: أن القصة هي الهلكة.
стр. 4163
نزل جبريل ﵇ فقال: إن الله قد أجاب دعوتك في ولدك، وعقد مواثيقهم بعدك على النبوّة، وقد اختلف في استنبائهم.
[(فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ* وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَاوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ)].
(فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ) قيل: وَجَّهَ يوسف إلى أبيه جهازاً ومئتي راحلةٍ ليتجهز إليه بمن معه. وخرج يوسف والملك في أربعة آلافٍ من الجند والعظماء وأهل مصر بأجمعهم، فتلقوا يعقوب وهو يمشي يتوكأ على يهوذا، فنظر إلى الخيل والناس فقال: يا يهوذا، أهذا فرعون مصر؟ قال: لا، هذا ولدك، فلما لقيه قال يعقوب ﵇: السلام عليك يا مذهب الأحزان
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وعقد مواثيقهم بعدك على النبوة)، من قولهم: عقاد ألوية، جزاز ناصية، جواب قاصية، للخيل جرار. النهاية: "هلك أهل العقد ورب الكعبة، يعني: أرباب الولاية على الأمصار".
قوله: (استنبائهم)، استنبأ الرجل وتنبأ: إذا جعل نبياً.
قوله: (ليتجهز إليه بمن معه): النهاية: "تجهيز الغازي: تحميله وإعداد ما يحتاج إليه في غزوه، ومنه تجهيز العروس والميت".
قوله: (وهو يمشي يتوكأ)، توكأت على عصا، وأوكأت فلاناً إيكاءً: إذا نصبت له متكئاً.
стр. 4164
وقيل: إن يوسف قال له لما التقيا: يا أبت، بكيت عليّ حتى ذهب بصرك، ألم تعلم أن القيامة تجمعنا؟ فقال: بلى، ولكن خشيت أن تسلب دينك فيحال بيني وبينك، وقيل: إنّ يعقوب وولده دخلوا مصر وهم اثنان وسبعون، ما بين رجل وامرأة، وخرجوا منها مع موسى ومقاتلتهم ستمائة ألف وخمسمائة وبضعة وسبعون رجلا سوى الذرية والهرمى، وكانت الذرّية ألف ألف ومئتي ألف.
(آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ) ضمهما إليه واعتنقهما. قال ابن أبي إسحاق: كانت أمّه تحيا، وقيل: هما أبوه وخالته، ماتت أمّه فتزوّجها وجعلها أحد الأبوين، لأنّ الرابة تدعى أمّاً، لقيامها مقام الأمّ، أو لأنّ الخالة أمّ كما أنّ العم أب. ومنه قوله: (وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ) [البقرة: ١٣٣].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أن تسلب دينك)، وهو مستند إلى ضمير المخاطب، و"دينك": بدل اشتمال.
قوله: (وهم اثنان وسبعون، ما بين رجل وامرأة)، "ما" موصوفة، والظرف مع متعلقه: صفتها، أي: عدداً حصل وثبت بين رجل وامرأة.
ويجوز أن يكون المجموع كناية عن المميز، أي: اثنان وسبعون ذكوراً وإناثاً، أو المميز محذوف، والجملة خبر بعد خبر.
стр. 4165
فإن قلت: ما معنى دخولهم عليه قبل دخولهم مصر؟ قلت: كأنه حين استقبلهم نزل لهم في مضرب أو بيتٍ ثم، فدخلوا عليه وضمّ إليه أبويه، ثم قال لهم (ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ) ولما دخل مصر وجلس في مجلسه مستوياً على سريره واجتمعوا إليه، أكرم أبويه فرفعهما على السرير (وَخَرُّوا لَهُ) يعني: الإخوة الأحد عشر والأبوين (سُجَّداً) ويجوز أن يكون قد خرج في قبةٍ من قباب الملوك التي تحمل على البغال، فأمر أن يرفع إليه أبواه، فدخلا عليه القبة، فآواهما إليه بالضم والاعتناق وقرّبهما منه، وقال بعد ذلك: ادخلوا مصر.
فإن قلت: بم تعلقت المشيئة؟ قلت: بالدخول مكيفاً بالأمن، لأن القصد إلى اتصافهم بالأمن في دخولهم، فكأنه قيل لهم: اسلموا وأمنوا في دخولكم إن شاء الله. ونظيره قولك للغازى: ارجع سالماً غانماً إن شاء الله. فلا تعلق المشيئة بالرجوع مطلقاً، ولكن مقيداً بالسلامة والغنيمة، مكيفاً بهما. والتقدير: ادخلوا مصر آمنين إن شاء الله دخلتم آمنين، ثم حذف الجزاء لدلالة الكلام عليه، ثم اعترض بالجملة الجزائية بين الحال وذي الحال.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كأنه قيل [لهم]: اسلموا وائمنوا في دخولكم)، يعني: في التركيب معنى الدعاء، ولذلك أتى بهما على لفظ الأمر.
قوله: (ثم اعترض بالجملة الجزائية- أي: الشرطية- بين الحال وعامله)، قال صاحب "الفرائد": التقدير: ادخلوا مصر إن شاء الله دخلتم آمنين، فـ (آَمِنِينَ) متعلق بالجزاء المحذوف، فعلى هذا لا يفتقر إلى التقديم والتأخير، وإلى أن تجعل الجزائية معترضة بين الحال وذي الحال.
стр. 4166
ومن بدع التفاسير أن قوله (إِنْ شاءَ اللَّهُ) من باب التقديم والتأخير، وأن موضعها ما بعد قوله (سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي) في كلام يعقوب، وما أدري ما أقول فيه وفي نظائره!
فإن قلت: كيف جاز لهم أن يسجدوا لغير الله؟ قلت: كانت السجدة عندهم جارية مجرى التحية والتكرمة، كالقيام، والمصافحة وتقبيل اليد ونحوها مما جرت عليه عادة الناس، من أفعال شهرت في التعظيم والتوقير. وقيل: ما كانت إلا انحناء دون تعفير الجباه، وخرورهم سجداً يأباه. وقيل: معناه وخرّوا لأجل يوسف سجداً لله شكراً. وهذا أيضاً فيه نبوة.
يقال: أحسن إليه وبه، وكذلك أساء إليه وبه. قال:
أَسِيئِى بِنَا أَوْ أَحْسِنِى لَا مَلُومَةً
(مِنَ الْبَدْوِ) من البادية، لأنهم كانوا أهل عمد وأصحاب مواش ينتقلون في المياه والمناجع (نَزَغَ) أفسد بيننا وأغرى، وأصله من نخس الرائض الدابة وحمله على الجري. يقال، نزغه ونسغه، إذا نخسه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقلت: ولا ارتياب أن هذا الاستثناء في أثناء الكلام كالتسمية في الشروع فيه للتيمن والتبرك، قال تعالى: (وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً* إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) [الكهف: ٢٣ - ٢٤]، واستعماله مع الجزاء كالشريعة المنسوخة، فحسن موقعه في الكلام أن يكون معترضاً.
قوله: (وهذا أيضاً فيه نبوة)، لأن السجدة كانت تكرمة؛ لقوله: (إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ) [يوسف: ٤].
قوله: (أهل عمد)، الأساس: "يقال لأصحاب الأخبية هم: أهل عمود، وأهل عماد، وأهل عمد". والنجعة: طلب الكلأ.
стр. 4167
(لَطِيفٌ لِما يَشاءُ) لطيف التدبير لأجله، رفيق حتى يجيء على وجه الحكمة والصواب. وروي: أن يوسف أخذ بيد يعقوب فطاف به في خزائنه، فأدخله خزائن الورق والذهب، وخزائن الحلىّ، وخزائن الثياب، وخزائن السلاح وغير ذلك، فلما أدخله خزانة القراطيس قال: يا بنيّ، ما أعقك! عندك هذه القراطيس وما كتبت إليّ على ثمان مراحل؟ قال: أمرني جبريل. قال أو ما تسأله؟ قال: أنت أبسط إليه مني فسله. قال جبريل ﵇: الله تعالى أمرني بذلك لقولك (وَأَخافُ أَنْ يَاكُلَهُ الذِّئْبُ)، قال: فهلا خفتني؟
وروي أن يعقوب أقام معه أربعاً وعشرين سنة ثم مات. وأوصى أن يدفنه بالشام إلى جنب أبيه إسحاق. فمضى بنفسه ودفنه ثمة، ثم عاد إلى مصر، وعاش بعد أبيه ثلاثاً وعشرين سنة، فلما تم أمره وعلم أنه لا يدوم له، طلبت نفسه الملك الدائم الخالد، فتاقت نفسه إليه فتمنى الموت. وقيل: ما تمناه نبي قبله ولا بعده، فتوفاه الله طيباً طاهراً، فتخاصم أهل مصر وتشاحوا في دفنه؛ كل يحب أن يدفن في محلتهم حتى هموا بالقتال، فرأوا من الرأي: أن عملوا له صندوقاً من مرمرٍ وجعلوه فيه، ودفنوه في النيل بمكان يمرّ عليه الماء ثم يصل إلى مصر ليكونوا كلهم فيه شرعًا واحداً.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لطيف التدبير لأجله)، أي: لأجل ما يشاء، يريد: أن قوله: (لِمَا يَشَاءُ) مطلق، لكن قيد لقرنية المقام به، أي: لطيف التدبير في جميع الأشياء حيث دبر أمري كذلك، قال السجاوندي: ذكر الخروج من السجن دون الدخول لئلا يكون شكاية عن الله تعالى، ولم يذكر الجب لئلا يستحيي إخوته.
قوله: (فتاقت)، اشتاقت.
قوله: (وتشاحوا): يقال: تشاح الرجلان على الأمر: لا يريدان أن يفوتهما.
قوله: (شرعاً واحداً)، الجوهري: "الناس في هذا الأمر شرع؛ أي: سواء، يحرك ويسكن، يستوي فيه الواحد والجمع، والمذكر والمؤنث".
стр. 4168
وولد له: إفراثيم وميشا، وولد لإفراثيم نون، ولنون يوشع فتى موسى، ولقد توارثت الفراعنة من العماليق بعده مصر، ولم يزل بنو إسرائيل تحت أيديهم على بقايا دين يوسف وآبائه. إلى أن بعث الله موسى ﷺ .
[(رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَاوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ)].
«من» في (مِنَ الْمُلْكِ) و (مِنْ تَاوِيلِ الْأَحادِيثِ) - للتبعيض، لأنه لم يعط إلا بعض ملك الدنيا، أو بعض ملك مصر وبعض التأويل (أَنْتَ وَلِيِّي) أنت الذي تتولاني بالنعمة في الدارين، ويوصل الملك الفاني بالملك الباقي (تَوَفَّنِي مُسْلِماً) طلبٌ للوفاة على حال الإسلام، ولأن يختم له بالخير والحسنى، كما قال يعقوب لولده: (وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [البقرة: ١٣٢]،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ولقد توارثت الفراعنة من العماليق بعده مصر) أي: بعد يوسف، إلى قوله: (إلى أن بعث الله محمداً صلوات الله عليه)، فيه بحث، ولو قال: إلى أن بعث الله موسى ﵇ كان أولى، لأنه ﵇ خلص بني إسرائيل من تحت يد فرعون، ونقلهم إلى الشام.
قوله: (أو بعض ملك مصر)، ظاهره ينافي قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ) [يوسف: ٥٦]، اللهم إلا أن يحمل الملك على المالكية، لا على التسلط والتصرف.
قوله: (كما قال يعقوب لولده: (وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ))، وجه المشابهة أنه ﵇ أمرهم بأن يموتوا على الإسلام، والموت ليس بمقدورهم، فيكون أمراً بأن يكونوا
стр. 4169
ويجوز أن يكون تمنياً للموت على ما قيل: (وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) من آبائي أو على العموم.
وعن عمر بن عبد العزيز: أنّ ميمون بن مهران بات عنده، فرآه كثير البكاء والمسألة للموت، فقال له: صنع الله على يديك خيراً كثيراً؛ أحييت سنناً وأمت بدعاً، وفي حياتك خيرٌ وراحة للمسلمين! فقال: أفلا أكون كالعبد الصالح لما أقرّ الله عينه وجمع له أمره قال: توفني مسلماً وألحقني بالصالحين.
فإن قلت: علام انتصب (فاطر السموات)؟ قلت: على أنه وصفٌ لقوله (رَبِّ) كقولك: أخا زيدٍ حسن الوجه، أو على النداء.
[(ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ)].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
على حالة إن أدركهم الموت أدركهم وهم على تلك الحالة، وهي حالة الإسلام، فصح قوله: "طلباً للوفاة على حال الإسلام".
قوله: (ويجوز أن يكون تمنياً للموت على ما قيل)، أي: على ما سبق القول آنفاً، وهو قوله: "وقيل: ما تمناه نبي قبله ولا بعده".
قوله: (أن ميمون بن مهران)، قال صاحب "الجامع": "هو أبو أيوب ميمون بن مهران مولى بني أسد، سمع ابن عمر وابن عباس وأبا الدرداء، ولد سنة أربعين، ومات سنة ثماني عشرة ومئة".
قوله: (كقولك: أخا زيد حسن الوجه)، قيل: "حسن الوجه" نكرة، لأن الإضافة لفظية، و"أخا زيد" معرفة، فيكف تقع صفة له، وهو بدل في الظاهر؟ والجواب موقوف على المراد من إيقاع (فَاطِرِ السَّمَوَاتِ) وصفاً لقوله: (رَبِّ)، وأنها من أي قبيل هي؟ وذلك أن
стр. 4170
(ذلِكَ) إشارةٌ إلى ما سبق من نبأ يوسف، والخطابُ لرسول الله ﷺ ومحله الابتداء. وقوله (مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ) خبر "إنّ"
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يوسف ﵇ لما قال: (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنْ الْمُلْكِ) أتبعه بذكر (فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) استلذاذاً ودفعاً لما عسى أن يدخل في خلد غبي من الشركة، فكيف وقد سبق أنه قال: (إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ)؟ ألا ترى إلى سحرة فرعون كيف ميزوا رب العالمين بقولهم: (رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ) [الأعراف: ١٢٢]! وما ذلك إلا لتوهم الشيوع. ولما كان "أخا زيد" مثالاً له ينبغي أن يحمل على الشيوع أيضاً، وذلك بأن يكون لزيد إخوة فيهم حسن الوجه وقبيحه، فيميز أحدهم بحسن الوجه.
ونحوه إيقاع "يسبني" صفة "اللئيم"، فيكون "أخو زيد" في تأويل "واحد من الإخوة"، وفيه بحث.
وقيل: يمكن أن يقال: مراده من هذا التشبيه أنه مثله في أنه ليس منادى مستقلاً، فكما أن (فَاطِرِ السَّمَوَاتِ) تابع لما قبله، وليس منادى مستقلاً، ولما اشتركا في هذا المعنى شبهه به، وإن اختلفا في أن أحدهما صفة، والآخر بدل.
следующие страницы →