← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 4166–4205 · переход к 4171.

стр. 4166

ومن بدع التفاسير أن قوله (إِنْ شاءَ اللَّهُ) من باب التقديم والتأخير، وأن موضعها ما بعد قوله (سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي) في كلام يعقوب، وما أدري ما أقول فيه وفي نظائره! فإن قلت: كيف جاز لهم أن يسجدوا لغير الله؟ قلت: كانت السجدة عندهم جارية مجرى التحية والتكرمة، كالقيام، والمصافحة وتقبيل اليد ونحوها مما جرت عليه عادة الناس، من أفعال شهرت في التعظيم والتوقير. وقيل: ما كانت إلا انحناء دون تعفير الجباه، وخرورهم سجداً يأباه. وقيل: معناه وخرّوا لأجل يوسف سجداً لله شكراً. وهذا أيضاً فيه نبوة. يقال: أحسن إليه وبه، وكذلك أساء إليه وبه. قال: أَسِيئِى بِنَا أَوْ أَحْسِنِى لَا مَلُومَةً (مِنَ الْبَدْوِ) من البادية، لأنهم كانوا أهل عمد وأصحاب مواش ينتقلون في المياه والمناجع (نَزَغَ) أفسد بيننا وأغرى، وأصله من نخس الرائض الدابة وحمله على الجري. يقال، نزغه ونسغه، إذا نخسه. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقلت: ولا ارتياب أن هذا الاستثناء في أثناء الكلام كالتسمية في الشروع فيه للتيمن والتبرك، قال تعالى: (وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً* إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) [الكهف: ٢٣ - ٢٤]، واستعماله مع الجزاء كالشريعة المنسوخة، فحسن موقعه في الكلام أن يكون معترضاً. قوله: (وهذا أيضاً فيه نبوة)، لأن السجدة كانت تكرمة؛ لقوله: (إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ) [يوسف: ٤]. قوله: (أهل عمد)، الأساس: "يقال لأصحاب الأخبية هم: أهل عمود، وأهل عماد، وأهل عمد". والنجعة: طلب الكلأ.

стр. 4167

(لَطِيفٌ لِما يَشاءُ) لطيف التدبير لأجله، رفيق حتى يجيء على وجه الحكمة والصواب. وروي: أن يوسف أخذ بيد يعقوب فطاف به في خزائنه، فأدخله خزائن الورق والذهب، وخزائن الحلىّ، وخزائن الثياب، وخزائن السلاح وغير ذلك، فلما أدخله خزانة القراطيس قال: يا بنيّ، ما أعقك! عندك هذه القراطيس وما كتبت إليّ على ثمان مراحل؟ قال: أمرني جبريل. قال أو ما تسأله؟ قال: أنت أبسط إليه مني فسله. قال جبريل ﵇: الله تعالى أمرني بذلك لقولك (وَأَخافُ أَنْ يَاكُلَهُ الذِّئْبُ)، قال: فهلا خفتني؟ وروي أن يعقوب أقام معه أربعاً وعشرين سنة ثم مات. وأوصى أن يدفنه بالشام إلى جنب أبيه إسحاق. فمضى بنفسه ودفنه ثمة، ثم عاد إلى مصر، وعاش بعد أبيه ثلاثاً وعشرين سنة، فلما تم أمره وعلم أنه لا يدوم له، طلبت نفسه الملك الدائم الخالد، فتاقت نفسه إليه فتمنى الموت. وقيل: ما تمناه نبي قبله ولا بعده، فتوفاه الله طيباً طاهراً، فتخاصم أهل مصر وتشاحوا في دفنه؛ كل يحب أن يدفن في محلتهم حتى هموا بالقتال، فرأوا من الرأي: أن عملوا له صندوقاً من مرمرٍ وجعلوه فيه، ودفنوه في النيل بمكان يمرّ عليه الماء ثم يصل إلى مصر ليكونوا كلهم فيه شرعًا واحداً. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لطيف التدبير لأجله)، أي: لأجل ما يشاء، يريد: أن قوله: (لِمَا يَشَاءُ) مطلق، لكن قيد لقرنية المقام به، أي: لطيف التدبير في جميع الأشياء حيث دبر أمري كذلك، قال السجاوندي: ذكر الخروج من السجن دون الدخول لئلا يكون شكاية عن الله تعالى، ولم يذكر الجب لئلا يستحيي إخوته. قوله: (فتاقت)، اشتاقت. قوله: (وتشاحوا): يقال: تشاح الرجلان على الأمر: لا يريدان أن يفوتهما. قوله: (شرعاً واحداً)، الجوهري: "الناس في هذا الأمر شرع؛ أي: سواء، يحرك ويسكن، يستوي فيه الواحد والجمع، والمذكر والمؤنث".

стр. 4168

وولد له: إفراثيم وميشا، وولد لإفراثيم نون، ولنون يوشع فتى موسى، ولقد توارثت الفراعنة من العماليق بعده مصر، ولم يزل بنو إسرائيل تحت أيديهم على بقايا دين يوسف وآبائه. إلى أن بعث الله موسى ﷺ . [(رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَاوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ)]. «من» في (مِنَ الْمُلْكِ) و (مِنْ تَاوِيلِ الْأَحادِيثِ) - للتبعيض، لأنه لم يعط إلا بعض ملك الدنيا، أو بعض ملك مصر وبعض التأويل (أَنْتَ وَلِيِّي) أنت الذي تتولاني بالنعمة في الدارين، ويوصل الملك الفاني بالملك الباقي (تَوَفَّنِي مُسْلِماً) طلبٌ للوفاة على حال الإسلام، ولأن يختم له بالخير والحسنى، كما قال يعقوب لولده: (وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [البقرة: ١٣٢]، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ولقد توارثت الفراعنة من العماليق بعده مصر) أي: بعد يوسف، إلى قوله: (إلى أن بعث الله محمداً صلوات الله عليه)، فيه بحث، ولو قال: إلى أن بعث الله موسى ﵇ كان أولى، لأنه ﵇ خلص بني إسرائيل من تحت يد فرعون، ونقلهم إلى الشام. قوله: (أو بعض ملك مصر)، ظاهره ينافي قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ) [يوسف: ٥٦]، اللهم إلا أن يحمل الملك على المالكية، لا على التسلط والتصرف. قوله: (كما قال يعقوب لولده: (وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ))، وجه المشابهة أنه ﵇ أمرهم بأن يموتوا على الإسلام، والموت ليس بمقدورهم، فيكون أمراً بأن يكونوا

стр. 4169

ويجوز أن يكون تمنياً للموت على ما قيل: (وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) من آبائي أو على العموم. وعن عمر بن عبد العزيز: أنّ ميمون بن مهران بات عنده، فرآه كثير البكاء والمسألة للموت، فقال له: صنع الله على يديك خيراً كثيراً؛ أحييت سنناً وأمت بدعاً، وفي حياتك خيرٌ وراحة للمسلمين! فقال: أفلا أكون كالعبد الصالح لما أقرّ الله عينه وجمع له أمره قال: توفني مسلماً وألحقني بالصالحين. فإن قلت: علام انتصب (فاطر السموات)؟ قلت: على أنه وصفٌ لقوله (رَبِّ) كقولك: أخا زيدٍ حسن الوجه، أو على النداء. [(ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ)]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ على حالة إن أدركهم الموت أدركهم وهم على تلك الحالة، وهي حالة الإسلام، فصح قوله: "طلباً للوفاة على حال الإسلام". قوله: (ويجوز أن يكون تمنياً للموت على ما قيل)، أي: على ما سبق القول آنفاً، وهو قوله: "وقيل: ما تمناه نبي قبله ولا بعده". قوله: (أن ميمون بن مهران)، قال صاحب "الجامع": "هو أبو أيوب ميمون بن مهران مولى بني أسد، سمع ابن عمر وابن عباس وأبا الدرداء، ولد سنة أربعين، ومات سنة ثماني عشرة ومئة". قوله: (كقولك: أخا زيد حسن الوجه)، قيل: "حسن الوجه" نكرة، لأن الإضافة لفظية، و"أخا زيد" معرفة، فيكف تقع صفة له، وهو بدل في الظاهر؟ والجواب موقوف على المراد من إيقاع (فَاطِرِ السَّمَوَاتِ) وصفاً لقوله: (رَبِّ)، وأنها من أي قبيل هي؟ وذلك أن

стр. 4170

(ذلِكَ) إشارةٌ إلى ما سبق من نبأ يوسف، والخطابُ لرسول الله ﷺ ومحله الابتداء. وقوله (مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ) خبر "إنّ" ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يوسف ﵇ لما قال: (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنْ الْمُلْكِ) أتبعه بذكر (فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) استلذاذاً ودفعاً لما عسى أن يدخل في خلد غبي من الشركة، فكيف وقد سبق أنه قال: (إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ)؟ ألا ترى إلى سحرة فرعون كيف ميزوا رب العالمين بقولهم: (رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ) [الأعراف: ١٢٢]! وما ذلك إلا لتوهم الشيوع. ولما كان "أخا زيد" مثالاً له ينبغي أن يحمل على الشيوع أيضاً، وذلك بأن يكون لزيد إخوة فيهم حسن الوجه وقبيحه، فيميز أحدهم بحسن الوجه. ونحوه إيقاع "يسبني" صفة "اللئيم"، فيكون "أخو زيد" في تأويل "واحد من الإخوة"، وفيه بحث. وقيل: يمكن أن يقال: مراده من هذا التشبيه أنه مثله في أنه ليس منادى مستقلاً، فكما أن (فَاطِرِ السَّمَوَاتِ) تابع لما قبله، وليس منادى مستقلاً، ولما اشتركا في هذا المعنى شبهه به، وإن اختلفا في أن أحدهما صفة، والآخر بدل.

стр. 4171

ويجوز أن يكون اسماً موصولاً بمعنى الذي، و (مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ) صلته، و (نُوحِيهِ) الخبر. والمعنى: أن هذا النبأ غيب لم يحصل لك إلا من جهة الوحي؛ لأنك لم تحضر بني يعقوب حين أجمعوا أمرهم، وهو إلقاؤهم أخاهم في البئر، كقوله: (وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ)؛ وهذا تهكم بقريش وبمن كذبه؛ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وهذا تهكم بقريش)، يعني قوله: (وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ) الآية، وذلك أنه صلوات الله عليه أخبرهم بهذه القصة العجيبة التي عجزت عنها رواته من غير أن يخرم منها حرفاً، فصدقوه في ذلك، مع استمرارهم على إنكار الوحي، فخوطب به صلوات الله عليه معرضاً بهم على سبيل التهكم، استركاكاً لعقولهم، وإليه الإشارة بقوله: "يا مكابرة"، يعني: أيها المكابرون، إنه لم يخف عليكم أنه لم يكن من حملة هذا الحديث، ولا لقي فيها أحداً، ولا سمع منه، ولم يكن من علم قومه، ولم يكن مشاهداً لذلك أيضاً، فلم يبق إلا الوحي، فإذا أنكرتم الوحي لزم أنكم لم تصدقوه فيما صدقتموه، وإليه الإشارة بقوله: "فإذا أنكروه- أي: الوحي- تهكم بهم"، لأنه لزمهم نفي ما أثبتوه، فإن التهكم ينتزع من نفس التضاد. وأحسن منه قول القاضي: " (ذَلِكَ) إشارة إلى ما ذكر من نبأ يوسف، والخطاب للرسول [ ﷺ ]، وهو مبتدأ، وقوله: (مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ) خبران له، (وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ) الآية: كالدليل عليهم، والمعنى: إن هذا النبأ غيب لم تعرفه إلا بالوحي، لأنك لم تحضر إخوة يوسف حين عزموا على ما هموا به في غيابة الجب، وهم يمكرون به وبأبيه ليرسله معهم، ومن المعلوم الذي لا يخفى على مكذبيك أنك ما لقيت أحداً سمع ذلك، فتعلمه منه، وإنما حذف هذا الشق استغناء بذكره في غير هذه القصة، كقوله: (مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا) [هود: ٤٩] ".

стр. 4172

لأنه لم يخف على أحد من المكذبين أنه لم يكن من حملة هذا الحديث وأشباهه، ولا لقى فيها أحداً ولا سمع منه. ولم يكن من علم قومه. فإذا أخبر به وقصّ هذا القصص العجيب الذي أعجز حملته ورواته، لم تقع شبهة في أنه ليس منه وأنه من جهة الوحي، فإذا أنكروه تهكم بهم. وقيل لهم: قد علمتم يا مكابرة أنه لم يكن مشاهداً لمن مضى من القرون الخالية. ونحوه: (وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ) [القصص: ٤٤]. (وَهُمْ يَمْكُرُونَ) بيوسف ويبغون له الغوائل. [(وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ* وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ)]. (وَما أَكْثَرُ النَّاسِ) يريد العموم، كقوله: (وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ) [هود: ١٧]، وعن ابن عباس ﵄: أراد أهل مكة، أي: وما هم بمؤمنين (وَلَوْ حَرَصْتَ) وتهالكت على إيمانهم لتصميمهم على الكفر وعنادهم. (وَما تَسْئَلُهُمْ) على ما تحدثهم به وتذكرهم أن ينيلوك منفعة وجدوى، كما يعطى حملة الأحاديث والأخبار (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ) عظةٌ من الله (لِلْعالَمِينَ) عامةً، وحث على طلب النجاة على لسان رسول من رسله. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقصة هذا القصص)، الضمير في "قصه" للحديث، و"هذا القصص": مفعول مطلق. قوله: ((لِلْعَالَمِينَ) عامة، وحث على طلب النجاة على لسان رسول من رسله)، اعلم أن هذا الكلام إلى آخره بيان لمنافاة طلب الأجر، لأن كونه تذكيراً من الله وموعظة، وكونه عامة للثقلين، وكونه طلباً للنجاة، وكونه رسولاً واحداً من رسله، يأبى أن يطلب من كفار قريش الأجر؛ لأن كونه تذكيراً من الله تعالى لعباده، فلأنه تعالى مستغن عن العالمين، فينافي طلب الأجر من قريش، وكونه عامة للثقلين يبعد أن يطلب الأجر من قريش، وكونه طلباً

стр. 4173

[(وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ)]. (مِنْ آيَةٍ) من علامةٍ ودلالة على الخالق وعلى صفاته وتوحيده، (يَمُرُّونَ عَلَيْها) ويشاهدونها وهم معرضون عنها لا يعتبرون بها. وقرئ «والأرض» بالرفع على الابتداء، و (يمرون عليها): خبره. وقرأ السدّي «والأرض» بالنصب؛ على: ويطؤون الأرض يمرّون عليها. وفي مصحف عبد الله: "والأرض يمشون عليها"، برفع "الأرض"، والمراد: ما يرون من آثار الأمم الهالكة وغير ذلك من العبر. [(وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ)]. (وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ) في إقراره بالله وبأنه خلقه وخلق السموات والأرض، إلا وهو مشرك بعبادته الوثن، وعن الحسن: هم أهل الكتاب؛ معهم شرك وإيمان. وعن ابن عباس ﵄: هم الذين يشبهون الله بخلقه. [(أَفَأَمِنُوا أَنْ تَاتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللَّهِ أَوْ تَاتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ)]. (غاشِيَةٌ) نقمة تغشاهم. وقيل: ما يغمرهم من العذاب ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ للنجاة من الدنيا ينافي أن يطلب به حطام الدنيا، وكونه رسولاً واحداً من رسله له أسوة بسائر الرسل، وما طلب نبي قط أجراً من أمته. قوله: (معهم شرك وإيمان)، فإن اليهود والنصارى جمعوا بين الإيمان بالله والتوراة والإنجيل، وبين الشرك؛ قالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله. قوله: (وقيل: ما يغمرهم)، فعلى الأول: من الغشيان، وعلى الثاني: من الغشاء، وهو الغطاء.

стр. 4174

ويجللهم. وقيل: الصواعق. [(قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللَّهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)]. (هذِهِ سَبِيلِي) هذه السبيل التي هي الدعوة إلى الإيمان والتوحيد سبيلي. والسبيل والطريق: يذكران ويؤنثان، ثم فسر سبيله بقوله (أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ) أي: أدعو إلى دينه مع حجة واضحةٍ غير عمياء، و (أَنَا) تأكيدٌ للمستتر في (أَدْعُوا)، (وَمَنِ اتَّبَعَنِي) عطفٌ عليه. يريد: أدعو إليها أنا، ويدعو إليها من اتبعني. ويجوز أن يكون (أَنَا) مبتدأ، و (عَلى بَصِيرَةٍ) خبراً مقدّماً، (ومَنِ اتَّبَعَنِي) عطفاً على (أَنَا) إخباراً مبتدأ بأنه ومن اتبعه على حجة وبرهان، لا على هوى. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ويجللهم)، جلل الشيء تجليلاً؛ أي: عم، والمجلل: السحاب الذي يعم الأرض بالمطر. قوله: (هذه السبيل التي هي الدعوة إلى الإيمان والتوحيد: سبيلي)، يشير إلى أن المشار إليه ما في الذهن، وهو معنى (سَبِيلِي)، ومعنى (سَبِيلِي) ما في قوله: (أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ)، وهو الإيمان، وفي قوله: (وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ)، وهو التوحيد. قوله: (إخباراً مبتدأ)، عامله مضمر، أي: يخبر إخباراً، أو خبر بعد خبر لـ "كان"،

стр. 4175

ويجوز أن يكون (عَلى بَصِيرَةٍ) حالاً من (أَدْعُوا) عاملة الرفع في (أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي). (وَسُبْحانَ اللَّهِ) وأنزهه من الشركاء. [(وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ)]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أو تمييزاً، أي: يجوز أن يكون كذا من هذه الجهة. قال صاحب "المرشد": " (أَدْعُو إِلَى اللَّهِ) وقف حسن، (عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي) مثله، هذا مذهب أبي حاتم، وهو الجيد". قوله: (وأنزهه من الشركاء)، مؤذن بأن قوله: (وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ) حال من فاعل "أسبح"، وأن قوله: (وَسُبْحَانَ اللَّهِ) عطف على قوله: (أَدْعُو إِلَى اللَّهِ)، هذا يقوي أن يكون قوله: (عَلَى بَصِيرَةٍ) حالاً من (أَدْعُو). وفيه: أن من يدعو الناس إلى الله وإلى دينه ينبغي أن يكون على برهان وحجة من اله؛ لئلا يضلهم، ومن ينزهه عما لا يليق بجلاله ينبغي أن يكون موحداً؛ لئلا يميل إلى الإلحاد والإشراك، وهو تعريض بمن يثبت العقول، أو يقول: العبد مستقل بالخلق، تلخيصه: أنا هاد غير مضل، ومهتد غير ضال.

стр. 4176

(إِلَّا رِجالًا) لا ملائكة، لأنهم كانوا يقولون: (لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً) [فصلت: ١٤]، وعن ابن عباس ﵄: يريد ليست فيهم امرأة. وقيل: في سجاح المتنبئة وَلَمْ تَزَلْ أَنْبِيَاءُ اللَّهِ ذُكْرَانَا وقرئ: (نوحي إليهم)، بالنون. (مِنْ أَهْلِ الْقُرى) لأنهم أعلم وأحلم، وأهل البوادي فيهم الجهل والجفاء والقسوة. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ولم تزل أنبياء الله ذكراناً)، أوله: أضحت نبيتنا أنثى نطوف بها وفي رواية: .. نبيتنا فينا مؤنثة سجاح: هي بنت المنذر، تنبأت في أيام مسليمة، فأتت لتختبره، فآمنت به، وسلمت أمرها له. قوله: (وقرئ: (نُّوحِي) بالنون)، حفص: بالنون وكسر الحاء، والباقون: بالياء وفتح الحاء.

стр. 4177

(وَلَدارُ الْآخِرَةِ) ولدار الساعة أو الحال الآخرة (خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا) للذين خافوا الله فلم يشركوا به ولم يعصوه. وقرئ: (أَفَلَا تَعْقِلُونَ)، بالتاء والياء. [(حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ وَلا يُرَدُّ بَاسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ)]. (حَتَّى) متعلقة بمحذوفٍ دلّ عليه الكلام، كأنه قيل: (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا)، فتراخى نصرهم حتى استيأسوا عن النصر (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا) أي: كذبتهم أنفسهم حين حدّثتهم بأنهم ينصرون، أو رجاؤهم لقولهم: رجاءٌ صادق، ورجاءٌ كاذب. والمعنى: أنّ مدّة التكذيب والعداوة من الكفار وانتظار النصر من الله وتأميله قد تطاولت عليهم وتمادت، حتى استشعروا القنوط وتوهموا أن لا نصر لهم في الدنيا، فجاءهم نصرنا فجأة من غير احتساب. وعن ابن عباسٍ ﵄: وظنوا حين ضعفوا وغلبوا أنهم قد أُخلفوا ما وعدهم الله من النصر وقال: كانوا بشرا، وتلا قوله (وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ) [البقرة: ٢١٤]، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أي: كذبتهم أنفسهم حين حدثتهم بأنهم ينصرون)، يعني: تحدثوا من عند أنفسهم أنهم ينصرون، فملا تراخى النصر وتوهموا أن لا نصر لهم جاءهم النصر، فهو من باب التجريد، كقوله تعالى: (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ) [البقرة: ٩] في وجه. قوله: (أو رجاؤهم)، عطف على "أنفسهم"، ويجوز إسناد "كذب" إلى الرجاء؛ لما يقال: رجاء صادق وكاذب.

стр. 4178

فإن صح هذا عن ابن عباس، فقد أراد بالظنّ: ما يخطر بالبال ويهجس في القلب من شبه الوسوسة وحديث النفس على ما عليه البشرية. وأمّا الظن الذي هو ترجح أحد الجائزين على الآخر، فغير جائز على رجل من المسلمين، فما بال رسل الله الذين هم أعرف الناس بربهم، وأنه متعال عن خلف الميعاد، منزه عن كل قبيح؟ ! وقيل: وظن المرسل إليهم أنّ الرسل قد كذبوا، أي: أخلفوا. أو: وظنّ المرسل إليهم أنهم كذبوا من جهة الرسل، أي: كذبتهم الرسل في أنهم ينصرون عليهم ولم يصدّقوهم فيه. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فإن صح)، قلت: ما أصحه! وقد رواه البخاري في "صحيحه" في رواية ابن أبي مليكة: "قرأ ابن عباس: (حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا) - خفيفة- قال: ذهب بها هنالك، ثم تلا: (حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ) الآية، قال: فلقيت عروة بن الزبير، فذكرت ذلك له، فقال: قالت عائشة ﵂: معاذ الله! والله ما وعد الله رسوله من شيء إلا علم أنه كائن قبل أن يموت، ولكن لم يزل البلاء بالرسل، حتى خافوا أن يكون من معهم من قومهم يكذبونهم. وكانت تقرؤها: (أنهم قد كذبوا) - مثقلة-". قوله: (أو: وظن المرسل إليهم أنهم قد كذبوا من جهة الرسل)، يريد: أن الرسل كانوا وعدوهم بنزول العذاب، ثم إنهم إن كانوا معاندين: فوجه الظن ظاهر، وإن لم يكونوا معاندين فكذلك، لأنهم لابد من أن يشاهدوا من الرسل أمارات تدل على صدقهم في الحديث. يؤيده ما روينا عن البخاري ومسلم عن ابن عباس: عن رسول الله ﷺ أنه قال

стр. 4179

وقرئ: "كذبوا" بالتشديد على: وظن الرسل أنهم قد كذبتهم قومهم فيما وعدوهم من العذاب والنصرة عليهم. وقرأ مجاهد: "كذبوا" بالتخفيف، على البناء للفاعل، على: وظن الرسل أنهم قد كذبوا فيما حدثوا به قومهم من النصرة، إمّا على تأويل ابن عباس، وإمّا على أنّ قومهم إذا لم يروا لموعدهم أثراً قالوا لهم: إنكم قد كذبتمونا، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لقريش: أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقي؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقاً". وفي "إيجاز البيان" حسب القوم أن الرسل كاذبون، فهم على هذا مكذوبون، لأن من كذبك فأنت مكذوبه، كما في صفة الرسول ﷺ : أنه الصادق المصدوق؛ أي: صدقه جبريل ﵇". وسئل سعيد بن جبير عنها في دعوة حضرها الضحاك مكرهاً، فقال: نعم، حين استيأس الرسل من قومهم أن يصدقوهم، وظن القوم أن الرسل كذبوهم، فقال الضحاك: ما رأيت كاليوم؛ يدعى إلى علم رجل فلا يتلكأ، لو رحلت في هذا إلى اليمن لكان يسيراً. تلكأ عن الأمر تلكؤاً: تباطأ عنه وتوقف. قوله: (وقرئ: "كذبوا" بالتشديد)، عاصم وحمزة والكسائي: بالتخفيف، والباقون: بالتشديد. قوله: (إما على تأويل ابن عباس)، أي: وظنوا حين ضعفوا وغلبوا أنهم قد أخلفوا.

стр. 4180

فيكونون كاذبين عند قومهم. أو وظنّ المرسل إليهم أنّ الرسل قد كذبوا. ولو قرئ بهذا مشدّداً، لكان معناه، وظنّ الرسل أن قومهم كذبوهم في موعدهم. قرئ: "فننجي" بالتخفيف والتشديد، من أنجاه ونجاه. و (فنجى) على لفظ الماضي المبني للمفعول، وقرأ ابن محيصن: "فنجا". والمراد بـ (مَنْ نَشاءُ): المؤمنون؛ لأنهم الذين يستأهلون أن يشاء نجاتهم. وقد بين ذلك بقوله: (وَلا يُرَدُّ بَاسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ). [(لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)]. الضمير في (قَصَصِهِمْ) للرسل، وينصره قراءة من قرأ: "فِي قَصَصِهِمْ" بكسر القاف. وقيل: هو راجع إلى يوسف وإخوته. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فيكونون كاذبين عند قومهم)، وعلى الأول: كانوا كاذبين في وسوستهم وبالهم. قوله: (قرئ: فننجي" بالتخفيف والتشديد)، محيي السنة: "قراءة العامة: بنونين، أي: نحن ننجي، وابن عامر وحمزة وعاصم ويعقوب: بنون واحدة مضمومة، وتشديد الجيم، وفتح الياء؛ على ما لم يسم فاعله، لأنها مكتوبة في المصحف بنون واحدة". قوله: (وينصره قراءة من قرأ: "في قصصهم")، لأن "القصص" جمع قصة، ولكل

стр. 4181

فإن قلت: فإلام يرجع الضمير في (ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى)، فيمن قرأ بالكسر؟ قلت: إلى القرآن، أي: ما كان القرآن حديثاً يفترى لكِنْ كان (تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ) أي: قبله من الكتب السماوية (وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ) يحتاج إليه في الدين، لأنه القانون الذي يستند إليه السنة والإجماع والقياس بعد أدلة العقل. وانتصاب ما نصب بعد (وَلَكِنْ) للعطف على خبر "كان". وقرئ ذلك بالرفع على: ولكن هو تصديق الذي بين يديه. عن رسول الله ﷺ : "علموا أرقاءكم سورة يوسف، فإنه أيما مسلم تلاها وعلمها أهله وما ملكت يمينه هؤن الله عليه سكرات الموت، وأعطاه القوّة أن لا يحسد مسلماً". ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ نبي قصة، ولو أريد بالضمير يوسف وإخوته لم يصح إلا الفتح، لأنه لم يكن لهم إلا قصة واحدة. الجوهري: "القصة: الأمر والحديث، وقص عليه الخبر قصصاً، والاسم أيضاً: القصص- بفتح القاف-، وضع موضع المصدر حتى صار أغلب عليه، وبكسر القاف: جمع القصة التي تكتب". والله أعلم

стр. 4182

سورة الرعد مختلف فيها وهي ثلاث وأربعون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [(المر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ)]. (تِلْكَ) إشارةٌ إلى آيات السورة. والمراد بالكتاب السورة، أي: تلك الآيات آيات السورة الكاملة العجيبة في بابها، ثم قال (وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ) من القرآن كله هو (الْحَقُّ) الذي لا مزيد عليه، لا هذه السورة وحدها، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سورة الرعد مختلف فيها، وهي ثلاث وأربعون آية قوله: (الكاملة)، وذلك أن خبر المبتدأ إذا عرف بلام الجنس أفاد المبالغة، وأن هذا المحكوم عليه اكتسب من الفضيلة ما يوجب جعله نفس الجنس، وأنه ليس نوعاً من أنواعه، وهو في الظاهر كالممتنع، ومن ثم قال: "العجيبة في بابها"، قال في البقرة: "إن ذلك هو الكتاب الكامل، كأن ما عداه من الكتب في مقابلته ناقص، وأنه الذي يستأهل أن يسمى كتاباً".

стр. 4183

وفي أسلوب هذا الكلام قول الأنمارية: هم كالحلقة المفرعة، لا يدرى أين طرفاها؟ تريد: الكَمَلة. [(اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ* وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)]. (اللَّهُ) مبتدأ، و (الَّذِي) خبره، بدليل قوله (وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ)، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (قول الأنمارية)، هي فاطمة بنت الخرشب تصف أبناءها، ولدت لزياد العبسي: ربيعاً الكامل، وعمارة الوهاب، وقيساً الحفاظ، وأنس الفوارس، قيل لها: أيهم أفضل؟ فقالت: عمارة، لا بل فلان، لا بل فلان، ثم قالت: ثكلتهم إن كنت أعلم أيهم أفضل، هم كالحلقة المفرغة. والأسلوب من باب الرجوع من التفصيل إلى الإجمال، تنبيهاً على نفاذ الوصف دون الكمال. قوله: (تريد الكملة)، الجوهري: "رجل كامل، وقوم كملة، مثل: حافد وحفدة، وأعطه هذا المال كملاً"، أي: هم متناسبون في الخصال كاملون فيها، بحيث يمتنع تعيين فاضل بينهم ومفضول، كالحلقة المفرغة الممتنعة من تعيين بعضها طرفاً وبعضها وسطاً، وهو من التشبيه العقلي الذي الوجه فيه غير واحد، لكنه في حكم الواحد. قوله: ((اللهُ) مبتدأ، و (الَّذِي) خبره، بدليل قوله: (وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ))، يريد: أن قوله: (وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ) الآية، معطوف على قوله: (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ

стр. 4184

ويجوز أن يكون صفة. وقوله: (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ) خبرٌ بعد خبر، وينصره ما تقدّمه من ذكر الآيات. (رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها) كلام مستأنف استشهاد برؤيتهم لها كذلك. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ تَرَوْنَهَا)، وهو مبتدأ وخبر، ليس إلا، فيحمل المعطوف عليه على ما هو المعطوف ليتوافقا لجامع شبه التضاد، وذلك أن الموصولة في الأول مشتملة على ذكر العلويات من السماء ورفعها، والعرش والاستواء عليه، والشمس والقمر وتسخيرهما، وفي الثاني مشتملة على ذكر السفليات من الأرض ومدها، والجبال وإرسائها، والأنهار وإجرائها، والثمرات وإخراجها. وفائدة هذه الطريقة الإيذان بتعظيم المنزل، لأن قوله: (اللهُ) مظهر وضع موضع المضمر، فإنه تعالى لما قال: (وَالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ) صرح بالاسم الجامع، ونسب إليه العلويات والسفليات؛ على معنى: منزله من يفعل تلك الأفعال العظيمة. قوله: (وينصره ما تقدمه من ذكر الآيات)، يعني: ينصر قول من قال: إن "الذي" صفة، وقوله: (يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ) خبر بعد خبر: أن الكلام السابق وارد في ذكر آيات الكتاب ووصفها بالكمال، وبلوغها فيه أقصى الغاية، فجيء بقوله: (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ) بياناً للموجب، وفي إيقاع الموصولة المشتملة على تلك الأوصاف العظام التي تتحير فيها العقول والأوهام إشعار بتعظيم الخبر الذي هو التدبير والتفصيل، كأنه قيل: فما ظنك بآيات كتاب فصله، وقرآن أنزله ودبره على وجه المصالح وكفاء الحوادث، من دبر أمور العالم، وفصل الآيات الباهرات دلائل على توحيده! وأعظم بتدبير وتفصيل صفة مدبره ونعت مفصله أنه (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ)!

стр. 4185

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وأنشد صاحب "المفتاح" من هذا الأسلوب قول الفرزدق: إن الذي سمك السماء بنى لنا … بيتاً دعائمه أعز وأطول وهذا الوجه من البلاغة بمنزل. وعلى الأول: (يُدَبِّرُ) جملة مستأنفة على تقدير سؤال، أي: الذي رفع السماوات على هذه الصفة، واستوى على العرش وسخر الشمس والقمر، ما داعي حكمته في إنشائها وتسخيرها والاستواء عليه؟ فقيل: يدبر الأمر يفصل الآيات الدالة على وجود منشئها، وحكمة مخترعها، ليوقن المكلفون أن المرجع إليه، ويؤمنوا أن لابد من لقائه، ليثيبهم ويعاقبهم على ما ابتلوا به، وإليه الإشارة بقوله: (لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ). وقوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ): مثله ما في سورة يونس: (إِنَّ رَبَّكُمْ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ) إلى قوله: (إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللَّهِ حَقّاً إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) [يونس: ٣ - ٤] إلى آخر الآيات، والله أعلم. وقال صاحب "التقريب" في الفرق بين الخبر والصفة: "أنه إذا جعل "الذي" صفة، فهي كأنها معلومة، فذكرها ليستدل بها، وإذا جعل خبراً لم يلزم العلم بها قبل الإخبار، فيكون الإخبار بهذه الآيات دعاوى لا دلائل، والأولى أن يقول: إنما لا يلزم لو كان الخبر غير مصدر بـ "الذي"، أما إذا كان مصدراً به فيلزم، إذ الصلة حقها أن تكون معلومة كالصفة، فقد استويا"، تم كلامه. وفيه بحث، والتحقيق ما أسلفناه.

стр. 4186

وقيل هي صفةٌ لـ (عمدٍ). ويعضده قراءة أبيّ. "ترونه"، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((رَفَعَ السَّمَوَاتِ))، شروع في التفسير مفصول عما قبله، و" (تَرَوْنَهَا) " مبتدأ، والخبر "كلام مستأنف"، أي: جملة منقطعة واردة لبيان أن السماوات رفعت بغير عمد، كأنه لما قيل: (رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ)، فقيل: وما الدليل عليه، وما الذي يستشهد به لذلك؟ فأجيب: برؤية الناس لها غير معمودة، وإليه الإشارة بقوله: "استشهاد برؤيتهم لها كذلك". وأتى في "لقمان" بنظير لذلك حيث قال: "أنا بغير سيف ولا رمح تراني"، وذلك أني لما قلت: "أنا بغير سيف ولا رمح"، فقيل لك: ما الذي يدل عليه؟ أجيب: بأنك تراني بلا سيف ولا رمح. قوله: (وقيل: هي صفة لـ (عَمَدٍ))، قال الزجاج: "يجوز أن يكون (تَرَوْنَهَا) من نعت "العمد"، أي: بغير عمد مرئية، وعلى هذا فعمدها قدرة الله تعالى". وروي عن المصنف: يجوز أن يتناول النفي الصفة وحدها؛ على أن ثمة عمداً، إلا أنها غير مرئية، وهو إمساك الله إياها بقدرته، وأن يتناول الصفة والموصوف جميعاً، كقوله: ولا ترى الضب بها ينجحر قوله: (ويعضده قراءة أبي: "ترونه")، وقال صاحب "التقريب": تذكير "ترونه"

стр. 4187

وقرئ: "عُمُد"، بضمتين (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ) يدبر أمر ملكوته وربوبيته، (يُفَصِّلُ) آياته في كتبه المنزلة (لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ) بالجزاء وبأن هذا المدبر والمفصل لا بد لكم من الرجوع إليه. وقرأ الحسن: "ندبر"، بالنون. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مشكل، لأن "العمد" جمع كثرة لـ "عمود"، فلعل الضمير للرفع، أو يجعل اسم جمع. قال صاحب "المرشد": قال أبو حاتم: الضمير يرجع إلى (عَمَدٍ)، والذي عندي أن الضمير يرجع إلى (السَّمَوَاتِ)، لأنه تعالى أراد أن ينبهنا على قدرته العظيمة التي لا يقدر عليها أحد، فدلنا؛ على: أنتم عاجزون أن تقيموا صغيراً من الأجسام في الجو بغير عمد، ولابد لهذه الأجرام العظام من مقيم يقيمها، لأن الفعل لا يوجد إلا من فاعل، فمقيم السماء في الجو على غير عمد مع عظم جسمها وثقلها لابد وأن يكون صانعاً قادراً، فالفائدة في هذا الوجه أكثر، وإن كان خلق السماوات يدل على قدرة عظيمة، عمدت أو لم تعمد. وقال أبو البقاء: "إذا رجع الضمير إلى "العمد": (تَرَوْنَهَا) تكون صفة له، وإذا رجع إلى (السَّمَوَاتِ) تكون حالاً منها". قوله: (لابد لكم من الرجوع إليه)، هذا التحقيق من استعمال "لعل"، قال: من ديدن الملوك وأوضاع أمرهم أن يقتصروا في مواعيدهم التي يوطنون أنفسهم على إنجازها على أن يقولوا: "عسى" و"لعل".

стр. 4188

(جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) خلق فيها من جميع أنواع الثمرات زوجين زوجين حين مدّها، ثم تكاثرت بعد ذلك وتنوعت. وقيل: أراد بـ"الزوجين": الأسود والأبيض، والحلو والحامض، والصغير والكبير، وما أشبه ذلك من الأصناف المختلفة. (يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ) يلبسه مكانه، فيصير أسود مظلماً بعد ما كان أبيض منيراً. وقرئ: "يغشي" بالتشديد. [(وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)]. (قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ) بقاعٌ مختلفة، مع كونها متجاورة متلاصقة: طيبةً إلى سبخة، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ) يلبسه مكانه)، تقديره: يلبس الليل النهار مكان ضوئه، يدل عليه ترتب قوله: "فيصير أسود مظلماً بعدما كان أبيض منيراً"، وفي معناه قوله: (وَآيَةٌ لَهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ) [يس: ٣٧]، قال فيه: "فاستعير- أي: السلخ- لإزالة الضوء وكشفه عن مكان الليل وملقى ظله"، ويوضح المعنى قوله تعالى: (يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ) [الزمر: ٥]، قال: "إن الليل والنهار خلفة؛ يذهب هذا ويغشي مكانه هذا، وإذا غشي مكانه فكأنما ألبسه ولف عليه، كما يلف اللباس على اللابس". قوله: ("يغشي" بالتشديد)، أبو بكر وحمزة والكسائي، والباقون: بالتخفيف. قوله: (طيبة إلى سبخة)، بيان لقوله: "مختلفة"، أي: انتهى اختلاف الطيبة إلى السبخة، أو طيبة منضمة إلى سبخة.

стр. 4189

وكريمةً إلى زهيدة، وصُلبةً إلى رخوة، وصالحة للزرع لا للشجر إلى أخرى على عكسها، مع انتظامها جميعاً في جنس الأرضية، وذلك دليلٌ على قادر مريد، موقع لأفعاله على وجه دون وجه. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (إلى زهيدة)، الأساس: "رجل زهيد: قليل الخير، وهو زهيد العين: يقنعه القليل". قوله: (إلى أخرى على عكسها)، أي: إلى أرض أخرى كائنة على عكس تلك؛ بأن تكون صالحة للشجر لا للزرع. قوله: (وذلك دليل على قادر مريد موقع لأفعاله على وجه دون وجه)، قال الإمام: "إنه تعالى في غالب الأمر يذكر الدلائل الموجودة في العالم السفلي، ويجعل مقطعها (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) أو ما يقرب منه، والسبب فيه: أن الفلاسفة يسندون حوادث العالم السفلي إلى الاختلافات الواقعة في الأشكال الكوكبية، فأراد الله رد ذلك، قال: (لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)، يعني: من أمعن التفكر علم أنه لا يجوز أن يكون حدوث الحوادث لأجل الاتصالات الفلكية، ومن ثم عقب هذا الإرشاد بقوله: (وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ) الآية"، ثم قال: "ومن تأمل في هذه اللطائف ووقف عليها، علم أن هذا الكتاب الكريم اشتمل على علوم الأولين والآخرين"، ثم قرر كيفية الاستدلال. وجاء القاضي بتلخيصه حيث قال: "الأرض بعضها طيبة، وبعضها سبخة، وبعضها رخوة، وبعضها صلبة، وبعضها تصلح للزرع دون الشجر، وبعضها بالعكس، ولولا تخصيص قادر موقع لأفعاله على وجه دون وجه، لم تكن كذلك، لاشتراك تلك القطع في الطبيعة الأرضية وما يلزمها ويعرض لها بتوسط ما يعرض من الأسباب السماوية، من حيث إنها متضامة متشاركة في النسب والأوضاع".

стр. 4190

وكذلك الزروع والكروم والنخيل النابتة في هذه القطع، مختلفة الأجناس والأنواع، وهي تسقى بماء واحد، وتراها متغايرة الثمر في الأشكال والألوان والطعوم والروائح، متفاضلةً فيها. وفي بعض المصاحف: "قطعاً متجاورات" على: وجعل. وقرئ: "وجناتٍ" بالنصب للعطف على (زوجين)، أو بالجرّ على (كل الثمرات). وقرئ: "وزرعٍ ونخيلٍ" بالجرّ عطفاً على (أعناب) أو "جنات". و"الصنوان": جمع صنو، وهي النخلة لها رأسان، وأصلهما واحد. وقرئ بالضم. والكسر: لغة أهل الحجاز، والضم: لغة بني تميم وقيس. (يُسْقى) بالتاء والياء (وَنُفَضِّلُ) بالنون وبالياء على البناء للفاعل والمفعول جميعاً (فِي الْأُكُلِ) بضم الكاف وسكونها. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرئ: "وزرع ونخيل" بالجر)، قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص: بالرفع؛ عطف على (وَجَنَّاتٌ). قوله: (وقرئ بالضم)، أي: "صنوان"، قال ابن جني: "قرأ الناس: (صِنْوَانٌ) بكسر الصاد، والحسن وقتادة: بفتحها، وأبو عبد الرحمن السلمي: بضمها". قوله: ((يُسْقَى) بالتاء والياء)، عاصم وابن عامر: بالياء التحتانية، والباقون: بالتاء، أي: يسقى المذكور وتسقى الجنة. قوله: (على البناء للفاعل والمفعول)، مبني على القراءة بالياء وحدها.

стр. 4191

[(وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذا كُنَّا تُراباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ)]. (وَإِنْ تَعْجَبْ) يا محمد من قولهم في إنكار البعث، فقولهم عجيب حقيق بأن يتعجب منه، لأن من قدر على إنشاء ما عدد عليك من الفطر العظيمة ولم يعي بخلقهنّ، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((وَإِن تَعْجَبْ) يا محمد)، يريد: أن المخاطب رسول الله ﷺ ، والشرط والجزاء من باب "من أدرك الصمان فقد أدرك المرعى"، أي: مرعى لا يكتنه كنهه، ولذلك حققه بقوله: "حقيق بأن يتعجب منه" إلى قوله: "فكان إنكارهم أعجوبة من الأعاجيب". وقلت: ويجوز أن يكون الخطاب عاماً، وما يتعجب منه: ما يفهم من مبدأ قوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا) إلى آخر الآيات، لأنها من الأمور العجيبة الشأن الدالة على القدرة الباهرة، فلا يختص الخطاب بواحد دون واحد، المعنى: إن تعجبك- أيها المخاطب الناظر بعين البصيرة في هذا الإنشاء- سبب للإخبار عن شيء عجيب حقيق بأن تتعجب منه، بل هو العجب كله؛ لتقدم الخبر على المبتدأ، وهو "عجب قولهم"، وذلك أن

стр. 4192

كانت الإعادة أهون شيء عليه وأيسره، فكان إنكارهم أعجوبة من الأعاجيب (أَإِذا كُنَّا) إلى آخر قولهم، يجوز أن يكون في محل الرفع بدلاً من (قولهم) وأن يكون منصوباً بالقول. و"إذا" نصبٌ بما دل عليه قوله (أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ)، (أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ) أولئك الكاملون المتمادون في كفرهم، (وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ) وصف بالإصرار، كقوله: (إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا) [يس: ٨]، ونحوه: لَهُمْ عَنِ الرُّشْدِ أَغْلَالٌ وَأَقْيَادُ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الإنكار من العاقل الناظر في هذه الدلائل لما هو أهون من ذلك أعجوبة من الأعاجيب. قوله: (أهون شيء عليه)، أي: عندكم، كقوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) [الروم: ٢٧]، أي: عندكم. قوله: (بما دل عليه قوله: (أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ))، قال أبو البقاء: "والعامل في "إذا" فعل دل عليه الكلام، تقديره: أإذا كنا تراباً نبعث، ودل عليه قوله: (لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ)، ولا يجوز أن ينتصب بـ (كُنَّا)، لأن "إذا" مضافة إليه". وقال الزجاج: "فمن قرأ (أَءِذَا) على الاستفهام، ثم قرأ (أَءِنَّا)، فـ "إذا" منصوبة؛ بمعنى: نبعث، أي: إذا كنا تراباً نبعث، ومن قرأ: "إنا لفي خلق" أدخل همزة الاستفهام على جملة الكلام، وكانت "إذا" نصباً بـ (كُنَّا)، لأن الكلام في معنى الشرط والجزاء، ولا يجوز أن يعمل (جَدِيدٍ) في "إذا"، لأنه لا خلاف في أن ما بعد "إن" و"إذا" لا يعمل فيما قبلها". قوله: (لهم عن الرشد أغلال وأقياد)، أوله:

стр. 4193

أو هو من جملة الوعيد. [(وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ)]. (بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ) بالنقمة قبل العافية، والإحسان إليهم بالإمهال. وذلك أنهم سألوا رسول الله ﷺ أن يأتيهم بالعذاب؛ استهزاء منهم بإنذاره، (وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ) أي: عقوبات أمثالهم من المكذبين، فما لهم لم يعتبروا بها فلا يستهزءوا. والمثلة: العقوبة، بوزن السمرة. والمثلة؛ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كيف الرشاد وقد خلفت في نفر الغل: جامعة تشد بها العنق واليد. والقيد: ما يوضع في الرجل. قوله: (أو هو من جملة الوعيد)، عطف على قوله: "وصف بالإصرار"، ومعنى قوله: "هو من جملة الوعيد": أن قوله: (وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ) وعيد، وقد عطف على هذا، فيكون وعيداً مثله، فإذن "الأغلال" مجرى على حقيقتها، وتكرير (أُوْلَئِكَ) لاستقلال كل من العذابين وشدته، وإذا حمل على المجاز يكون من جملة الوصف بالكفر، لكونه معطوفاً عليه، والوجه إدخاله في جملة الوعيد، لأن (أُوْلَئِكَ) الأول وارد للإشعار بأن ما بعده جدير بما سبق لاتصافهم بوصف، وهم المنكرون للحشر، وأما قوله: (الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ) فذكر مزيداً للتسجيل عليهم. قوله: (المثلة)، الجوهري: "المثلة- بفتح الميم وضم الثاء-: العقوبة، والجمع: المثلات، ومثل به مثلاً، أي: نكل به، والاسم: المثلة بالضم، ومثل بالقتيل: جدعه، وأمثله: جعله مثلة".

стр. 4194

لما بين العقاب والمعاقب عليه من المماثلة، (وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها) [الشورى: ٤٠]. ويقال: أمثلت الرجل من صاحبه وأقصصته منه. والمثال: القصاص. وقرئ: "الْمَثُلاتُ" بضمتين لإتباع الفاء العين، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال الراغب: "المثال: مقابلة شيء بشيء هو نظيره، أو وضع شيء ما ليحتذى به فيما يعمل، والمثلة: نقمة تنزل بالإنسان، فيجعل مثالاً يرتدع به غيره، وذلك كالنكال، وجمعه: مثلات ومثلات، وقد أمثل السلطان فلاناً: إذا نكل به، والأمثل: يعبر به عن الأشبه بالأفاضل والأقرب إلى الخير، وأماثل القوم: كناية عن خيارهم، قال تعالى: (إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً) [طه: ١٠٤]، وقال تعالى: (وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمْ الْمُثْلَى) [طه: ٦٣]، أي: الأشبه بالفضيلة، وهي تأنيث الأمثل". قوله: (لما بين العقاب)، تعليل للتسمية، يعني: إنما سميت العقوبة مثلة ومثلة- بضم الثاء وسكونها- لما بين العقاب والمعاقب عليه- أي: الجناية-؛ من المماثلة- أي: الوفاق- من حيث الظاهر، ولأن الجناية سبب لأن يعاقب الجاني بمثل ما جناه، كما سمي جزاء السيئة سيئة لأنه مسبب عنها ومماثل لها. و"يقال": تعليل آخر بحسب الاستعمال، أي: يقال: أمثلت الرجل من صاحبه، كما يقال: أقصصته منه، يقال: اقتص الأمير من فلان؛ أي: جرحه مثل جرحه، أو قتله قوداً، كما يقال: أمثل السلطان فلاناً: إذا قتله قوداً. قوله: (وقرئ: "المثلات" بضمتين)، قال ابن جني: "قرأ "المثلات" يحيى بن وثاب، وروي عن الأعمش عن يحيى: "المثلات"- بالفتح والإسكان-، وقراءة الناس: "المثلات" بفتح الميم وضم الثاء".

стр. 4195

و"المثلات" بفتح الميم وسكون الثاء، كما يقال: السمرة. و"المثلات" بضم الميم وسكون الثاء، تخفيف "المثلات" بضمتين. و"المثلات" جمع مثلة، كركبة وركبات. (لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ) أي: مع ظلمهم أنفسهم بالذنوب، ومحله الحال، بمعنى: ظالمين لأنفسهم وفيه أوجه: أن يريد السيئات المكفرة لمجتنب الكبائر، أو الكبائر بشرط التوبة، أو يريد بالمغفرة: الستر والإمهال. وروي أنها لما نزلت قال النبي ﵊: «لولا عفو الله وتجاوزه ما هنأ أحد العيش، ولولا وعيده وعقابه لا تكل كل أحد». [(وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ)]. (لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ) لم يعتدوا بالآيات المنزلة على رسول الله ﷺ عناداً، فاقترحوا نحو آيات موسى وعيسى، من انقلاب العصا حية، وإحياء الموتى، فقيل لرسول الله ﷺ : إنما أنت رجل أرسلت منذراً ومخوّفاً لهم من سوء العاقبة، وناصحاً كغيرك من الرسل، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وفيه أوجه)، يعني: إذا جعل (عَلَى ظُلْمِهِمْ) حالاً من "الناس"، كان إغراء على الظلم، لأن المعنى أن الله يغفر للناس مع كونهم ظالمين؛ لما فيه من المبالغة، فوجب التأويل، وفيه وجوه ثلاثة كما ذكرها، والوجه هو الثالث، لأن الآية على وزان قوله تعالى: (قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً) [الفرقان: ٦]، قال في تفسيره: "هو تنبيه على أنهم استوجبوا بمكابرتهم هذه أن يصب عليهم العذاب صباً، ولكن صرف ذلك عنهم أنه غفور رحيم، يمهل ولا يعاجل".

стр. 4196

وما عليك إلا الإتيان بما يصح به أنك رسولٌ منذر، وصحة ذلك حاصلة بأية آية كانت، والآيات كلها سواء في حصول صحة الدعوة بها لا تفاوت بينها، والذي عنده كل شيء بمقدار يعطى كل نبى آية على حسب ما اقتضاه علمه بالمصالح وتقديره لها. (وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ) من الأنبياء يهديهم إلى الدين، ويدعوهم إلى الله بوجه من الهداية، وبآية خص بها، ولم يجعل الأنبياء شرعاً واحداً في آيات مخصوصة. ووجه آخر: وهو أن يكون المعنى أنهم يجحدون كون ما أنزل عليك آياتٍ ويعاندون، فلا يهمنك ذلك، إنما أنت منذر، فما عليك إلا أن تنذر، لا أن تثبت الإيمان في صدورهم، ولست بقادر عليه، (ولكل قوم هاد) قادر على هدايتهم بالإلجاء، وهو الله تعالى. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وفي تعقيبه بقوله: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ): إيذان بأن الله تعالى بعد الإمهال يعاقبهم عقاباً شديداً، قال القاضي: " (عَلَى ظُلْمِهِمْ) نصب على الحال، والعامل فيه "المغفرة"، والتقييد به دليل على جواز العفو قبل التوبة، فإن التائب ليس على ظلمه، ومن منع ذلك خص "الظلم" بالصغائر المكفرة باجتناب الكبائر، أو أول المغفرة بالستر والإمهال". قوله: (ووجه آخر، وهو أن يكون المعنى أنهم يجحدون)، عطف على قوله: "لم يعتدوا بالآيات المنزلة"، فعلى الأول: لم ينكروا أن المنزل آيات، بل لم يعتدوا بها، فالكلام إذن في التفرقة بين المعجزات وإثبات الرسالة بها، ولهذا قال: "إنما أنت رجل أرسلت، وصحة ذلك حاصلة بأية آية كانت"، والتنكير في (هَادٍ) للإبهام والشيوع. وعلى الوجه الثاني: التنكير في (هَادٍ) للتفخيم، ولهذا قال: " (هَادٍ) قادر على هدايتهم بالإلجاء".

стр. 4197

ولقد دل بما أردفه من ذكر آيات علمه وتقديره الأشياء على قضاء حكمته أن إعطاءه كل منذر آيات خلاف آيات غيره: أمر مدبر بالعلم النافذ مقدّر بالحكمة الربانية، ولو علم في إجابتهم إلى مقترحهم خيراً ومصلحة، لأجابهم إليه. وأما على الوجه الثاني، فقد دل به على أن من هذه قدرته وهذا علمه، هو القادر وحده على هدايتهم، العالم بأي: طريق يهديهم، ولا سبيل إلى ذلك لغيره. [(اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ* عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ)]. (اللَّهُ يَعْلَمُ) يحتمل أن يكون كلاماً مستأنفاً، وأن يكون المعنى: هو الله، تفسيراً لـ (هادٍ) على الوجه الأخير، ثم ابتدئ فقيل: (يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى) و (ما) في (ما تَحْمِلُ)، (وَما تَغِيضُ)، (وَما تَزْدادُ): إما موصولة وإما مصدرية ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ثم قوله: (اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ) على الأول: جملة مستأنفة على تقدير سؤال عن موجب إعطاء كل منذر ما اختص به من الآيات، وإليه الإشارة بقوله: "ولقد دل بما أردفه من ذكر آيات علمه أن إعطاءه كل منذر آيات خلاف آيات غيره أمر مدبر بالعلم النافذ، مقدر بالحكمة الربانية"، وفي تقييد العلم بحمل كل أنثى وغيض الأرحام: أن دلائل الأنفس أدق وألطف، ولا يقدر على كنهها إلا الله . وعلى الثاني: (اللهُ) خبر مبتدأ محذوف، والجملة مفسرة لقوله: (هَادٍ)، والاستئناف من قوله: (يَعْلَمُ) على بيان الموجب، كأنه لما قيل: ولست أنت بقادر على هدايتهم، لكن الله هو القادر على ذلك؛ اتجه لسائل أن يقول: فلأي حكمة ما هداهم الله؟ فقيل: يعلم- بكمال علمه القديم- الهادي والضال، فلابد من وقوع معلومه وسبق قضائه بذلك، لأن كل شيء عنده بمقدار، أي: بقضائه وقدره.

стр. 4198

فإن كانت موصولة، فالمعنى: أنه يعلم ما تحمله من الولد على أن حالٍ هو من ذكورة وأنوثة، وتمام وخداج، وحسنٍ وقبح، وطولٍ وقِصر، وغير ذلك من الأحوال الحاضرة والمترقبة، ويعلم ما تغيضه الأرحام: أي: تنقصه. يقال: غاض الماء وغضته أنا. ومنه قوله تعالى (وَغِيضَ الْماءُ) [هود: ٤٤]، وما تزداده: أي: تأخذه زائداً، تقول: أخذت منه حقي، وازددت منه كذا. ومنه قوله تعالى: (وَازْدَادُوا تِسْعاً) [الكهف: ٢٥]، ويقال: زدته فزاد بنفسه وازداد. ومما تنقصه الرحم وتزداده: عدد الولد، فإنها تشتمل على واحد، وقد تشتمل على اثنين وثلاثة وأربعة. ويروى أن شريكاً كان رابع أربعة في بطن أمه. ومنه جسد الولد، فإنه يكون تاماً ومخدجاً. ومنه: مدة ولادته، فإنها تكون أقل من تسعة أشهر وأزيد عليها إلى سنتين عند أبي حنيفة، وإلى أربع عند الشافعي، وإلى خمسٍ عند مالكٍ. وقيل: إنّ الضحاك ولد لسنتين، وهرم بن حيان بقي في بطن أمّه أربع سنين، ولذلك سمي هرماً. ومنه: الدم، فإنه يقل ويكثر. وإن كانت مصدرية، فالمعنى: أنه يعلم حمل كل أنثى، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وخداج)، الجوهري: "أخدجت الناقة: إذا جاءت بولدها ناقص الخلق، وإن كانت أيامه تامة. وخدجت تخدج خداجاً، وهي خادج: إذا ألقت ولدها قبل تمام الأيام، وإن كان تام الخلق". قوله: (أن شريكاً)، قال صاحب "الجامع": "هو أبو عبد الله شريك بن عبد الله بن أبي نمر القرشي، ويقال: الليثي، يعد من التابعين من أهل المدينة"، ولم يذكر من حديث

стр. 4199

ويعلم غيض الأرحام وازديادها، لا يخفى عليه شيء من ذلك، ومن أوقاته وأحواله. ويجوز أن يراد غيوض ما في الأرحام وزيادته، فأسند الفعل إلى الأرحام وهو لما فيها، على أنّ الفعلين غير متعدّيين، ويعضده قول الحسن: الغيضوضة أن تضع لثمانية أشهر أو أقل من ذلك، والازدياد أن تزيد على تسعة أشهر. ومنه: الغيض الذي يكون سقطاً لغير تمام، والازدياد ما ولد لتمام. (بِمِقْدارٍ) بقدرٍ واحد لا يجاوزه ولا ينقص عنه، كقوله (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ) [القمر: ٤٩] ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ولادته ما ذكره المصنف. قوله: (لا يخفى عليه شيء من ذلك)، "ذلك": إشارة إلى المذكور، وهو أنه تعالى يعلم حمل كل أنثى، ويعلم غيض الأرحام وازديادها، والمراد به ما ينقصه الرحم ويزداده من عدد الولد، لأنه عطف: "ومن أوقاته وأحواله" عليه. والمراد بـ "الأحوال": التام والمخدج، وبـ "الأوقات": ما سبق، فذكر في قسم المصدر ما ذكره في الموصول من الوجوه الثلاثة. قوله: (ويجوز أن يراد: غيوض ما في الأرحام)، يريد: أن "غاض" و"ازداد" جاءا متعديين ولازمين، فالمعنى على المتعدي: ويعلم غيض الأرحام وازديادها، وعلى اللازم: يعلم غيوض الأرحام، على الإسناد المجازي. قوله: (ويعضده)، أي: ويعضد كون "ما" مصدرية قول الحسن: "الغيضوضة" و"الغيض" بلفظ المصدر.

стр. 4200

(الْكَبِيرُ) العظيم الشأن الذي كل شيء دونه (الْمُتَعالِ) المستعلي على كل شيء بقدرته، أو الذي كبر عن صفات المخلوقين وتعالى عنها. [(سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ* لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ)]. (وسارِبٌ) ذاهبٌ في سربه - بالفتح -، أي: في طريقه ووجهه، يقال: سرب في الأرض سروباً. والمعنى: سواءٌ عنده من استخفى، أي: طلب الخفاء في مختبأٍ بالليل في ظلمته، ومن يضطرب في الطرقات ظاهراً بالنهار يبصره كل أحد. فإن قلت: كان حق العبارة أن يقال: ومن هو مستخف بالليل ومن هو سارب بالنهار، حتى يتناول معنى الاستواء المستخفي والسارب؛ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أو الذي كبر عن صفات المخلوقين)، يعني: معنى (الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ) بالنظر إلى مردوفه- وهو (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) -: هو العظيم الشأن إلى آخره، ليضم مع العلم العظمة والقدرة، وبالنظر إلى ما سبق من قوله: (مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى) إلى آخره؛ أن يقال: كبر عن صفات المخلوقين؛ ليفيد تنزيهاً عما يقوله النصارى والمشركون. قال أبو البقاء: " (عَالِمُ الْغَيْبِ) خبر مبتدأ محذوف، ويجوز أن يكون مبتدأ، و (الْكَبِيرُ) خبره". وقلت: يجوز أن يكون خبراً بعد خبر لقوله: (اللهُ) في (اللهُ يَعْلَمُ). قوله: (يضطرب)، أي: يسير في الأرض؛ من: ضرب في الأرض؛ إذا ذهب فيها. قوله: (كان حق العبارة)، توجيه السؤال: أن الأسلوب من باب الازدواج، فجملة

стр. 4201

وإلا فقد تناول واحداً هو (مستخف) و"سارب"؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما: أنّ قوله (وَسارِبٌ) عطفٌ على من هو "مستخفٍ"، لا على (مستخف)، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ) معطوف على جملة قوله: (مَنْ أَسَرَّ) (وَمَن جَهَرَ)، على أن كليهما مرفوعان بالابتداء أو بـ (سَوَاءٌ)، فالظاهر أن يقال: ومن هو مستخف بالليل ومن هو سارب بالنهار؛ ليتوافقا، وإن لم يكن التقدير هذا فقد تناول الاستواء شخصاً واحداً له وصفان، وهو المراد من قوله: "تناول واحداً هو (مستخف) (وَسَارِبٌ) "، فلم يستقم لاقتضاء الاستواء شيئين. قال أبو البقاء: " (مَنْ أَسَرَّ): (مَنْ) مبتدأ، و (سَوَاءٌ) خبره، و (مِنكُم) حال من الضمير في (سَوَاءٌ)، لأنه في موضع "مستو"، ومثله: (لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ) [الحديد: ١٠]، ويضعف أن يكون حالاً من الضمير في (أسَرَّ) لما يؤدي إلى تقيم ما في الصلة على الموصول". وقال الزجاج: "موضع (مَنْ) الأولى والثانية: رفع بـ (سَوَاءٌ)، لأنها تطلب اثنين، تقول: سواء زيد وعمرو؛ في معنى: ذوا سواء زيد وعمرو، لأنها مصدر، فلا يجوز أن ترفع ما بعده إلا على الحذف، تقول: عدل زيد وعمرو، والمعنى: ذوا عدل، لأن المصادر ليست بأسماء الفاعلين، وإنما يرفع الأسماء أوصافها، و"سواء" مما كثر استعماله، فجرى مجرى أسماء الفاعلين". قوله: ((وَسَارِبٌ) عطف على "من هو مستخف" لا على (مُسْتَخْفِ))، قال في

стр. 4202

والثاني: أنه عطفٌ على (مستخف)؛ إلا أن (مَنْ) في معنى الاثنين، كقوله: نَكُنْ مِثْلَ مَنْ يَاذِئْبُ يصْطَحِبَانِ كأنه قيل: سواءٌ منكم اثنان: مستخف بالليل، وسارب بالنهار. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ "الانتصاف": "ويحتمل أن يعطف عليه، والموصول محذوف، وصلته باقية، أي: ومن هو مستخف بالليل ومن هو سارب بالنهار، وحذف الموصول المعطوف وبقاء صلته شائع، ونمه قوله تعالى: (وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ) [الأحقاف: ٩]، لأن الثانية لو عطفت على صلة الأولى لم يكن لدخول حرف النفي معنى. ومنه قول حسان: ومن يهجو رسول الله منكم … ويمدحه وينصره سواء أي: ومن يمدحه". قوله: (نكنمثل من يا ذئب يصطحبان)، أوله للفرزدق: تعال فإن عاهتني لا تخونني قبله: فقلت له لما تكشر ضاحكاً … وقائم سيفي من يدي بمكان "تكشر"؛ أي: أبدى أسنانه، يصف ذئباً أتاه وهو في قفر، وأنه ألقى إليه ما يأكله، ومعنى

стр. 4203

والضمير في (لَهُ) مردودٌ على (مِنْ) كأنه قيل: لمن أسرّ ومن جهر، ومن استخفى ومن سرب. (مُعَقِّباتٌ) جماعاتٌ من الملائكة تعتقب في حفظه وكلاءته، والأصل: معتقبات، فأدغمت التاء في القاف، كقوله (وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ) [التوبة: ٩٠] بمعنى: المعتذرون. ويجوز "معقبات" بكسر العين، ولم يقرأ به. أو هو مفعلات؛ من: عقبه: إذا جاء على عقبه، كما يقال: قفاه، لأنّ بعضهم يعقب بعضاً. أو لأنهم يعقبون ما يتكلم به فيكتبونه. (يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) هما صفتان جميعاً، وليس (مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) بصلة للحفظ، كأنه قيل: له معقبات من أمر الله. أو يحفظونه من أجل أمر الله، أي: من أجل أنّ الله أمرهم بحفظه. والدليل عليه قراءة على ﵁ وابن عباس وزيد بن علي وجعفر بن محمدٍ وعكرمة: "يحفظونه بأمر الله". أو: يحفظونه من بأس الله ونقمته إذا أذنب، بدعائهم له ومسألتهم ربهم أن يمهله رجاء أن يتوب وينيب، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: "وقائم سيفي في يدي بمكان": أي: أنا قابض قائم سيفي قبضاً قوياً تتمكن عليه يدي تمكناً ليس بعده. يظهر تجلده وشجاعته، يقول: إن عاهدتني على أن لا تخونني كنا مثل رجلين متصاحبين، و"يصطحبان": صلة "من"، و"يا ذئب": نداء اعترض بين الصلة والموصول، وثنى "يصطحبان" على معنى: من، لأن معناه التثنية. قوله: (هما صفتان جميعاً)، يعني: قوله: (يَحْفَظُونَهُ) وقوله: (مِنْ أَمْرِ اللَّهِ)، كأنه قيل: له معقبات كائنة من أمر الله يحفظونه من البلاء.

стр. 4204

كقوله: (قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ) [الأنبياء: ٤٢]. وقيل: المعقبات الحرس والجلاوزة حول السلطان، يحفظونه في توهمه وتقديره. (من أمر الله)؛ أي: من قضاياه ونوازله، أو على التهكم به. وقرئ: "له معاقيب" جمع معقب أو معقبة، والياء عوض من حذف إحدى القافين في التكسير. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كقوله: (قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنْ الرَّحْمَنِ) [الأنبياء: ٤٢])، أي: ما يحفظكم من بأس الرحمن أحد في الليل والنهار إلا أن يرحم عليكم، فيدفعه عنكم أو يشفع لكم شافع بإذنه، وهو المراد من قوله: "مسألتهم ربهم أن يمهلهم رجاء أن يتوبوا". قوله: (الحرس والجلاوزة)، الجوهري: "الحرس: حرس السلطان، وهم الحراس، الواحد حرسي، لأنه قد صار اسم جنس، فينسب إليه، ولا تقل: حارس، إلا أن تذهب به إلى معنى الحراسة دون الجنس"، وقال: "الجلواز: الشرطي، والجمع: الجلاوزة"، وهم أعوان السلطان. قوله: (أو على التهكم به)، عطف على قوله: "في توهمه وتقديره" من حيث المعنى، يعني: يتوهم الغافل المتمادي في غروره أن حرسه وجلاوزته يحفظونه من قضاء الله، كما يشاهد من بعض الملوك والسلاطين، وهذا على طريق الإخبار من الله عن هذا الغافل، أو على سبيل التهكم، أي: يتهكم بمن ينصب الحرسي والشرطي، ويتكبر ويحجب الناس، بقوله: (يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ)، أي: من قضاياه ونوازله. قوله: (وقرئ: "له معاقيب")، قال ابن جني: "قرأها عبيد الله بن زياد"، وقال: "مثله:

стр. 4205

(إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ) من العافية والنعمة (حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ) من الحال الجميلة بكثرة المعاصي (مِنْ والٍ) ممن يلي أمرهم ويدفعه عنهم. [(هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ* وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ)]. (خَوْفاً وَطَمَعاً) لا يصح أن يكونا مفعولاً لهما؛ لأنهما ليسا بفعل فاعل الفعل المعلل إلا على تقدير حذف المضاف، أي: إرادة خوفٍ وطمعٍ. أو: على معنى: إخافة وإطماعاً. ويجوز أن يكونا منتصبين على الحال من البرق، كأنه في نفسه خوف وطمع. أو على: ذا خوف وذا طمع. أو من المخاطبين، أي: خائفين وطامعين. ومعنى الخوف والطمع: أنّ وقوع الصواعق يخاف عند لمع البرق، ويطمع في الغيث. قال أبو الطيب: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مقاديم، تكسير مقدم". قوله: (ممن يلي أمرهم ويدفع عنهم)، قال القاضي: "فيه دليل على أن خلاف مراد الله محال".
следующие страницы →