← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 4201–4240 · переход к 4206.

стр. 4201

وإلا فقد تناول واحداً هو (مستخف) و"سارب"؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما: أنّ قوله (وَسارِبٌ) عطفٌ على من هو "مستخفٍ"، لا على (مستخف)، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ) معطوف على جملة قوله: (مَنْ أَسَرَّ) (وَمَن جَهَرَ)، على أن كليهما مرفوعان بالابتداء أو بـ (سَوَاءٌ)، فالظاهر أن يقال: ومن هو مستخف بالليل ومن هو سارب بالنهار؛ ليتوافقا، وإن لم يكن التقدير هذا فقد تناول الاستواء شخصاً واحداً له وصفان، وهو المراد من قوله: "تناول واحداً هو (مستخف) (وَسَارِبٌ) "، فلم يستقم لاقتضاء الاستواء شيئين. قال أبو البقاء: " (مَنْ أَسَرَّ): (مَنْ) مبتدأ، و (سَوَاءٌ) خبره، و (مِنكُم) حال من الضمير في (سَوَاءٌ)، لأنه في موضع "مستو"، ومثله: (لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ) [الحديد: ١٠]، ويضعف أن يكون حالاً من الضمير في (أسَرَّ) لما يؤدي إلى تقيم ما في الصلة على الموصول". وقال الزجاج: "موضع (مَنْ) الأولى والثانية: رفع بـ (سَوَاءٌ)، لأنها تطلب اثنين، تقول: سواء زيد وعمرو؛ في معنى: ذوا سواء زيد وعمرو، لأنها مصدر، فلا يجوز أن ترفع ما بعده إلا على الحذف، تقول: عدل زيد وعمرو، والمعنى: ذوا عدل، لأن المصادر ليست بأسماء الفاعلين، وإنما يرفع الأسماء أوصافها، و"سواء" مما كثر استعماله، فجرى مجرى أسماء الفاعلين". قوله: ((وَسَارِبٌ) عطف على "من هو مستخف" لا على (مُسْتَخْفِ))، قال في

стр. 4202

والثاني: أنه عطفٌ على (مستخف)؛ إلا أن (مَنْ) في معنى الاثنين، كقوله: نَكُنْ مِثْلَ مَنْ يَاذِئْبُ يصْطَحِبَانِ كأنه قيل: سواءٌ منكم اثنان: مستخف بالليل، وسارب بالنهار. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ "الانتصاف": "ويحتمل أن يعطف عليه، والموصول محذوف، وصلته باقية، أي: ومن هو مستخف بالليل ومن هو سارب بالنهار، وحذف الموصول المعطوف وبقاء صلته شائع، ونمه قوله تعالى: (وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ) [الأحقاف: ٩]، لأن الثانية لو عطفت على صلة الأولى لم يكن لدخول حرف النفي معنى. ومنه قول حسان: ومن يهجو رسول الله منكم … ويمدحه وينصره سواء أي: ومن يمدحه". قوله: (نكنمثل من يا ذئب يصطحبان)، أوله للفرزدق: تعال فإن عاهتني لا تخونني قبله: فقلت له لما تكشر ضاحكاً … وقائم سيفي من يدي بمكان "تكشر"؛ أي: أبدى أسنانه، يصف ذئباً أتاه وهو في قفر، وأنه ألقى إليه ما يأكله، ومعنى

стр. 4203

والضمير في (لَهُ) مردودٌ على (مِنْ) كأنه قيل: لمن أسرّ ومن جهر، ومن استخفى ومن سرب. (مُعَقِّباتٌ) جماعاتٌ من الملائكة تعتقب في حفظه وكلاءته، والأصل: معتقبات، فأدغمت التاء في القاف، كقوله (وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ) [التوبة: ٩٠] بمعنى: المعتذرون. ويجوز "معقبات" بكسر العين، ولم يقرأ به. أو هو مفعلات؛ من: عقبه: إذا جاء على عقبه، كما يقال: قفاه، لأنّ بعضهم يعقب بعضاً. أو لأنهم يعقبون ما يتكلم به فيكتبونه. (يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) هما صفتان جميعاً، وليس (مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) بصلة للحفظ، كأنه قيل: له معقبات من أمر الله. أو يحفظونه من أجل أمر الله، أي: من أجل أنّ الله أمرهم بحفظه. والدليل عليه قراءة على ﵁ وابن عباس وزيد بن علي وجعفر بن محمدٍ وعكرمة: "يحفظونه بأمر الله". أو: يحفظونه من بأس الله ونقمته إذا أذنب، بدعائهم له ومسألتهم ربهم أن يمهله رجاء أن يتوب وينيب، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: "وقائم سيفي في يدي بمكان": أي: أنا قابض قائم سيفي قبضاً قوياً تتمكن عليه يدي تمكناً ليس بعده. يظهر تجلده وشجاعته، يقول: إن عاهدتني على أن لا تخونني كنا مثل رجلين متصاحبين، و"يصطحبان": صلة "من"، و"يا ذئب": نداء اعترض بين الصلة والموصول، وثنى "يصطحبان" على معنى: من، لأن معناه التثنية. قوله: (هما صفتان جميعاً)، يعني: قوله: (يَحْفَظُونَهُ) وقوله: (مِنْ أَمْرِ اللَّهِ)، كأنه قيل: له معقبات كائنة من أمر الله يحفظونه من البلاء.

стр. 4204

كقوله: (قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ) [الأنبياء: ٤٢]. وقيل: المعقبات الحرس والجلاوزة حول السلطان، يحفظونه في توهمه وتقديره. (من أمر الله)؛ أي: من قضاياه ونوازله، أو على التهكم به. وقرئ: "له معاقيب" جمع معقب أو معقبة، والياء عوض من حذف إحدى القافين في التكسير. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كقوله: (قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنْ الرَّحْمَنِ) [الأنبياء: ٤٢])، أي: ما يحفظكم من بأس الرحمن أحد في الليل والنهار إلا أن يرحم عليكم، فيدفعه عنكم أو يشفع لكم شافع بإذنه، وهو المراد من قوله: "مسألتهم ربهم أن يمهلهم رجاء أن يتوبوا". قوله: (الحرس والجلاوزة)، الجوهري: "الحرس: حرس السلطان، وهم الحراس، الواحد حرسي، لأنه قد صار اسم جنس، فينسب إليه، ولا تقل: حارس، إلا أن تذهب به إلى معنى الحراسة دون الجنس"، وقال: "الجلواز: الشرطي، والجمع: الجلاوزة"، وهم أعوان السلطان. قوله: (أو على التهكم به)، عطف على قوله: "في توهمه وتقديره" من حيث المعنى، يعني: يتوهم الغافل المتمادي في غروره أن حرسه وجلاوزته يحفظونه من قضاء الله، كما يشاهد من بعض الملوك والسلاطين، وهذا على طريق الإخبار من الله عن هذا الغافل، أو على سبيل التهكم، أي: يتهكم بمن ينصب الحرسي والشرطي، ويتكبر ويحجب الناس، بقوله: (يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ)، أي: من قضاياه ونوازله. قوله: (وقرئ: "له معاقيب")، قال ابن جني: "قرأها عبيد الله بن زياد"، وقال: "مثله:

стр. 4205

(إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ) من العافية والنعمة (حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ) من الحال الجميلة بكثرة المعاصي (مِنْ والٍ) ممن يلي أمرهم ويدفعه عنهم. [(هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ* وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ)]. (خَوْفاً وَطَمَعاً) لا يصح أن يكونا مفعولاً لهما؛ لأنهما ليسا بفعل فاعل الفعل المعلل إلا على تقدير حذف المضاف، أي: إرادة خوفٍ وطمعٍ. أو: على معنى: إخافة وإطماعاً. ويجوز أن يكونا منتصبين على الحال من البرق، كأنه في نفسه خوف وطمع. أو على: ذا خوف وذا طمع. أو من المخاطبين، أي: خائفين وطامعين. ومعنى الخوف والطمع: أنّ وقوع الصواعق يخاف عند لمع البرق، ويطمع في الغيث. قال أبو الطيب: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مقاديم، تكسير مقدم". قوله: (ممن يلي أمرهم ويدفع عنهم)، قال القاضي: "فيه دليل على أن خلاف مراد الله محال".

стр. 4206

فَتىً كَالسَّحَابِ الْجُونِ تُخْشَى وَتُرْتَجَى … يُرْجَى الْحَيَا مِنْهَا وَيُخْشَى الصَّوَاعِقُ وقيل: يخاف المطر من له فيه ضرر، كالمسافر، ومن له في جرينه التمر والزبيب، ومن له بيت يكف، ومن البلاد ما لا ينتفع أهله بالمطر كأهل مصر، ويطمع فيه من له فيه نفع، ويحيا به. (السَّحابَ) اسم الجنس، والواحدة سحابة. و (الثِّقالَ) جمع ثقيلةٍ، لأنك تقول سحابة ثقيلة وسحاب ثقال، كما تقول: امرأة كريمة ونساء كرام، وهي الثقال بالماء. (وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ) ويسبح سامع الرعد من العباد الراجين للمطر حامدين له. أي: يضجون بـ"سبحان الله" و"الحمد لله". وعن النبيّ ﷺ أنه كان يقول «سبحان من يسبح الرعد بحمده» وعن علي ﵁: سبحان من سبحت له. وإذا اشتدّ الرعد قال رسول الله ﷺ : «اللهمّ لا تقتلنا بغضبك، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فتى كالسحاب) البيت، قال الواحدي: "الجون: الأسود ها هنا، ورواه ابن جني بضم الجيم، ولذلك قال: الجون: بضم الجيم، لأنه جمع. المعنى: أنه مرجو مهيب يرجى نفعه ويهاب ضره، كالسحاب؛ يرجى مطره وتخشى صواعقه ورعده وبرقه". قوله: (في جرينه)، الجوهري: "الجرن والجرين: موضع التمر الذي يجفف". وقال: "وكف البيت وكفاً ووكيفاً وتوكافاً؛ أي: قطر، وأوكف البيت: لغة فيه". قوله: (اللهم لا تقتلنا بغضبك) الحديث، رواه الترمذي عن ابن عمر ﵄.

стр. 4207

ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك»، وعن ابن عباس: أنّ اليهود سألت النبي ﷺ عن الرعد ما هو؟ فقال: «ملك من الملائكة موكل بالسحاب، معه مخاريق من نارٍ يسوق بها السحاب»، وعن الحسن: خلق من خلق الله ليس بملكٍ. ومن بدع المتصوّفة: الرعد صعقات الملائكة، والبرق زفرات أفئدتهم، والمطر بكاؤهم (وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ) ويسبح الملائكة من هيبته وإجلاله. ذكر علمه النافذ في كل شيء واستواء الظاهر والخفي عنده، وما دلّ على قدرته الباهرة ووجدانيته ثم قال (وَهُمْ) يعني: الذين كفروا وكذّبوا رسول الله وأنكروا آياته (يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ) حيث ينكرون على رسوله ما يصفه به من القدرة على البعث وإعادة الخلائق بقولهم (مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ) [يس: ٧٨] ويردّون الواحدانية باتخاذ الشركاء والأنداد، ويجعلونه بعض الأجسام المتوالدة بقولهم «الملائكة بنات الله» فهذا جدالهم بالباطل، كقوله تعالى: (وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ) [غافر: ٥] وقيل: الواو للحال، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أن اليهود سألت النبي ﷺ عن الرعد) الحديث، رواه أحمد بن حنبل والترمذي عن ابن عباس. النهاية: "المخاريق: جمع مخراق، وهو- في الأصل- ثوب يلف ويضرب به الصبيان بعضهم بعضاً، وهي آلة تزجر بها الملائكة السحاب وتسوقه". قوله: (وقيل: الواو للحال)، أي: في قوله: (وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ)، وهو معطوف على قوله: "ذكر علمه النافذ في كل شيء" إلى قوله: "ثم قال: (وَهُمْ) يعني: الذين كفروا"، فعلى هذا: (وَهُمْ يُجَادِلُونَ) جملة معطوفة على جملة قوله: (اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى) إلى آخر الآيات إذا كان استئنافاً كما سبق، أي: أخبر الله تعالى عن علمه الشامل وقدرته

стр. 4208

أي: فيصيب بها من يشاء في حال جدالهم، وذلك: أنّ أربد أخا لبيد ابن ربيعة العامري قال لرسول الله ﷺ حين وفد عليه معه عامر بن الطفيل قاصدين لقتله، فرمى الله عامراً بغدّةٍ كغدّة البعير، وموتٍ في بيت سلولية، وأرسل على أربد صاعقة فقتلته: أخبرنا عن ربنا، أمن نحاس هو أم من حديد؟ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الكاملة بقوله: (اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى) إلى قوله: (الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ)، ثم أخبر عن استواء الظاهر والخفي عنده بقوله: (سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ)، ثم أخبر عما دل على قدرته الباهرة (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ)، ثم أخبر عن وحدانيته بقوله: (هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً)، وقوله: (وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ)، ثم قال: إنهم مع قال (يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ)، أي: في شأن الله من علمه وقدرته؛ حيث ينكرون على رسوله ما يصفه به من القدرة على البعث بقولهم: من يحيي العظام وهي رميم، ويردون الوحدانية باتخاذ الشركاء، ويجعلونه بعض الأجسام بقولهم: الملائكة بنات الله. هذا على تقرير المصنف. والأنسب لتأليف النظم: أن يكون هذا تسلية لحبيبه صلوات الله عليه، فإنه تعالى لما نعى على كفار قريش عنادهم في اقتراحهم الآيات نحو آيات موسى وعيسى ﵉، وإنكارهم الذي جاء به صلوات الله عليه آيات، سلاه، بمعنى: هون عليك فإنك لست مختصاً به، فإنهم مع ظهور الآيات البينات ودلائل التوحيد يجادلون في الله باتخاذ الشركاء وإثبات الأولاد، ومع شمول علمه وكمال قدرته ينكرون الحشر والنشر، ومع قهر سلطانه وشديد سطواته يقدمون على المكابرة والعناد، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات. وقد أسلفنا في الأنعام عند قوله تعالى: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ) [الأنعام: ١٠٠] تقرير هذه الطريقة، فإنها من الأساليب الغريبة، ولا يكاد يوجد مثلها في غير التنزيل. قوله: (بغدة كغدة البعير)، النهاية: "الغدة: الطاعون للإبل، وقلما تسلم منه، يقال:

стр. 4209

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أغد البعير فهو مغد، ومنه حديث عامر بن الطفيل: "غدة كغدة البعير، وموت في بيت سلولية". قال الميداني: "ويروى: "أغدة وموتاً"، أي: أؤغد إغداداً وأموت موتاً؟ يقال: أغد البعير: إذا صار ذا غدة، وهي طاعونه. ومنهم من روى بالرفع، أي: غدتي كغدة البعير، وموتي موت في بيت سلولية، وسلول عندهم أقل العرب وأذلهم، قال: إلى الله أشكو أنني بت طاهراً … فجاء سلولي فبال على رجلي فقلت: اقطعوها بارك الله فيكم … فإني كريم غير مدخلها رحلي" روى محيي السنة عن عبد الرحمن بن زيد: "نزلت هذه الآية في عامر بن الطفيل والوليد ابن ربيعة، وكانت قصتهما على ما روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: أقبل

стр. 4210

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عامر وأربد- وهما عامريان- يريدان رسول الله ﷺ ، وهو جالس في المجلس ونفر من أصحابه، فدخلا المسجد، فاستشرف الناس بجمال عامر، وكان أعور، وكان من أجمل الناس، فقال رجل: يا رسول الله، هذا عامر بن الطفيل قد أقبل نحوك. فقال: "دعه، فإن يرد الله به خيراً يهده". فأقبل حتى قام عليه، فقال: يا محمد، ما لي إن أسلمت؟ قال: لك ما للمسلمين، وعليك ما على المسلمين، قال: تجعل لي الأمر بعدك؟ قال: ليس ذلك إلي، وإنما ذلك إلى الله يجعله حيث يشاء. قال: فتجعلني على الوبر، وأنت على المدر؟ قال: لا. قال: فما تجعل لي؟ قال: أجعلك على أعنة الخيل تغزو عليها. قال: أوليس ذلك لي اليوم؟ ! قم معي أكلمك. فقام معه رسول الله ﷺ ، وكان أوصى إلى أربد: إذا رأيتني أكلمه فدر من خلفه فاضربه بالسيف، فجعل يخاصم رسول الله ﷺ ويراجعه، فدار أربد خلف النبي ﷺ ليضربه، فاخترط من سيفه شبراً، ثم حبسه الله عنه، فلم يقدر على سله، وجعل عامر يومئ إليه، فالتفت رسول الله ﷺ ، فرأى أربد وما صنع بسيفه، فقال: اللهم اكفنيهما بما شئت. فأرسل الله تعالى إلى أربد صاعقة في يوم صحو قائظ، فأحرقته، وولى عامر هارباً،

стр. 4211

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال: يا محمد، دعوت ربك فقتل أربد، والله لأملأنها خيلاً جرداً وفتياناً مرداً، فقال النبي ﷺ : يمنعك الله من ذلك، وأبناء قيلة- يريد: الأوس والخزرج-، ونزل عامر ببيت امرأة سلولية، فلما أصبح ضم عليه سلاحه، وقد تغير لونه، فجعل يركض في الصحراء، ويقول: ابرز يا ملك الموت، ويقول الشعر، ويقول: واللات لئن أبصرت محمداً وصاحبه- يعني: ملك الموت- لأنفذنهما برمحي، فأرسل الله ملكاً فلطمه بجناحيه، فأرداه في التراب، وخرجت في ركبته في الوقت غدة عظيمة، فعاد إلى بيت السلولية، وهو يقول: غدة كغدة البعير، وموت في بيت سلولية. ثم دعا بفرسه فركبه، ثم أجراه، حتى مات على ظهره". قال الميداني بعدما أتى على القصة بتمامها: "يضرب في خصلتين؛ إحداهما شر من الأخرى". وأما ما رويناه في "صحيح البخاري" عن أنس بن مالك، فهو: "أن رسول الله ﷺ بعث خاله في سبعين راكباً، وكان رئيس المشركين عامر بن الطفيل خير بين ثلاث خصال، فقال: يكون لك أهل السهل ولي أهل المدر، أو أكون خليفتك، أو أغزوك بأهل غطفان بألف ألف، وطعن عامر في بيت أم فلان، فقال: غدة كغدة البكر في بيت امرأة من آل فلان، ائتوني بفرسي، فمات على ظهره".

стр. 4212

(الْمِحالِ) المماحلة، وهي شدّة المماكرة والمكايدة. ومنه: تمحل لكذا، إذا تكلف استعمال الحيلة واجتهد فيه. ومحل بفلان إذا كاده وسعى به إلى السلطان. ومنه الحديث: «ولا تجعله علينا ماحلاً مصدّقا» وقال الأعشى: فَرْعُ نَبْعٍ يَهَشُّ فِى غُصُنِ الْمَجْدِ … غَزِيرُ النّدَى شَدِيدُ الْمِحَالِ والمعنى: أنه شديد المكر والكيد لأعدائه، يأتيهم بالهلكة من حيث لا يحتسبون. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ولا تجعله علينا ماحلاً مصدقاً)، قيل: تمامه: "واجعله لنا شافعاً مشفعاً"، والضمير للقرآن. النهاية: "ومنه حديث ابن مسعود: "القرآن شافع مشفع، وماحِلٌ مصدق"، أي: خصم مجادل مصدق، وقيل: ساع مصدق؛ من قولهم: محل بفلان؛ إذا سعى به إلى السلطان، يعني: أن من اتبعه وعمل بما فيه، فإنه شافع له مقبول الشفاعة ومصدق عليه فيما يرفع من مساوئه إذا ترك العمل [به]، ومنه حديث الدعاء: ولا تجعله ماحلاً مصدقاً". قوله: (فرع نبع) البيت، فرع كل شيء: أعلاه، يقال: هو فرع قومه: للشريف منهم،

стр. 4213

وقرأ الأعرج بفتح الميم، على أنه مفعل، من: حال يحول محالاً إذا احتال. ومنه: أحول من ذئب، أي: أشدّ حيلة. ويجوز أن يكون المعنى: شديد الفقار، ويكون مثلاً في القوة والقدرة كما جاء: فساعد الله أشدّ، وموساه أحدّ، لأن الحيوان إذا اشتدّ محاله، كان منعوتاً بشدّة القوّة والاضطلاع بما يعجز عنه غيره ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والفرع أيضاً: القوس التي عملت من طرف القضيب، يقال: قوس فرع؛ أي: غير مشقوق، وها هنا بمعنى الثاني، إلا أنه مجاز عن الكريم. و"النبع": شجر تتخذ منه القسي، "الهشاشة": الارتياح والخفة للمعروف، "غزير الندى": كثير العطاء، "شديد المحال": شديد الكيد، وقيل: شديد العقوبة والمكر. يقول: الممدوح في الصلابة فرع النبع له نضارة في غصن المجد، كثير الندى شديد النكاية على الأعداء. قوله: (ومنه: "أحول من ذئب")، قال الميداني: "هذا من الحيلة، يقال: تحول الرجل؛ إذا طلب الحيلة". قوله: (شديد الفقار)، الأساس: "فرس قوي المحال، وهو الفقار، الواحدة: محالة، والميم أصلية". قوله: (فساعد الله أشد)، النهاية: "وفي حديث البحيرة: "ساعد الله أشد، وموساه أحد"؛

стр. 4214

ألا ترى إلى قولهم: فقرته الفواقر؟ وذلك أن الفقار عمود الظهر وقوامه. [(لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ)]. (دَعْوَةُ الْحَقِّ) فيه وجهان: أحدهما: أن تضاف الدعوة إلى الحق الذي هو نقيض الباطل، كما تضاف الكلمة إليه في قولك: كلمة الحق، للدلالة على أن الدعوة ملابسة للحق مختصة به، وأنها بمعزل من الباطل. والمعنى أن الله سبحانه يدعى فيستجيب الدعوة، ويعطى الداعي سؤاله إن كان مصلحة له، فكانت دعوة ملابسة للحق، ...... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أي: لو أراد الله تحريمها بشق آذانها لخلقها كذلك، فإنه يقول لها: كن، فتكون". قوله: (فقرته الفواقر)، الجوهري: "أي: كسرت فقار ظهره، الفاقرة: الداهية"، هذا مثال التوهين القوي لانهضام فقار الظهر. قوله: (فكانت دعوة ملابسة للحق)، الفاء نتيجة لقوله: "المعنى: أن الله يدعى فيستجيب"، واللام في "لكونه" تعليل لإثبات أن الدعوة لله ملابسة للحق، وذلك أن معنى قوله تعالى: (لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ): لله الدعوة الثابتة غير الزائلة، فإذا كان كذلك كانت الدعوة ملابسة للحق البتة، لكونه تعالى حقيقاً بأن يوجه إليه الدعاء، لما في دعوته من النفع، بخلاف آلهتهم التي لا نفع ولا جدوى في دعائها، يؤيده ما بعده: (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ). قال صاحب "الانتصاف": "قوله: "فإن الله يستجيب الدعاء إذا كان مصلحة، أو معناه: أنه الحقيق أن يوجه إليه الدعاء، بخلاف الأوثان"، قيد استجابة الدعاء برعاية المصلحة، ولا يتقيد بذلك، ولا يجب رعاية المصالح على ما سبق".

стр. 4215

لكونه حقيقاً بأن يوجه إليه الدعاء، لما في دعوته من الجدوى والنفع، بخلاف ما لا ينفع ولا يجدى دعاؤه. والثاني: أن تضاف إلى الحق الذي هو الله عز وعلا، على معنى: دعوة المدعوّ الحق الذي يسمع فيجيب. وعن الحسن: الحق هو الله، وكلّ دعاء إليه دعوة الحق. فإن قلت: ما وجه اتصال هذين الوصفين بما قبله؟ قلت: أما على قصة أربد فظاهر، لأن إصابته بالصاعقة محال من الله ومكر به من حيث لم يشعر. وقد دعا رسول الله ﷺ عليه وعلى صاحبه بقوله: اللهمّ اخسفهما بما شئت، فأجيب فيهما، فكانت الدعوة دعوة حق. وأما على الأوّل فوعيد للكفرة على مجادلتهم رسول الله بحلول محاله بهم، وإجابة دعوة رسول الله ﷺ أن دعا عليهم فيهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أن تضاف إلى الحق الذي هو الله تعالى)، هذا مشكل لما يؤدي إلى أن يقال: لله دعوة الله، ويمكن أن يقال: معناه: ولله الدعوة التي تليق أن تنسب وتضاف إلى حضرته، لكونه سميعاً بصيراً كريماً لا يخيب سائله، فيجيب الدعاء. والحاصل: أن قوله: (الْحَقِّ) وصف جعل علة لاستجابة الدعاء، فإن جعل بمعنى الحق الذي هو خلاف الباطل، فيجب أن يفسر بالمصلحة، لتترتب عليها الإجابة، وإن جعل وصفاً لله تعالى فيجب أن يثبت له وصف يصلح لترتب الإجابة، وهو أن يقال: إنه "المدعو الحق الذي يسمع فيجيب". قوله: (اتصال هذين الوصفين)، أي: قوله: (شَدِيدُ الْمِحَالِ) و (لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ) هما جملتان خبريتان سماهما وصفين لما قبله، وهو قوله: (وَهُمْ يُجَادِلُونَ)، وهو إذا كان حالاً، والمراد بذي الحال: أربد وصاحبه؛ فظاهر، لأن أثر شدة بأس الله واقع، والدعاء قد استجيب فيهم، وإذا كان عطفاً على قوله: (اللهُ يَعْلَمُ) كما سبق- وهو الوجه الأول في تفسيره- فلم يحصل من مقتضى الوصفين شيء، ومن ثم قال: "فوعيد للكفرة على مجادلتهم".

стр. 4216

(وَالَّذِينَ يَدْعُونَ) والآلهة الذين يدعوهم الكفار (مِنْ) دون الله (لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ) من طلباتهم (إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ) إلا استجابةً كاستجابة باسط كفيه، أي: كاستجابة الماء من بسط كفيه إليه يطلب منه أن يبلغ فاه، والماء جمادٌ لا يشعر ببسط كفيه ولا بعطشه وحاجته إليه، ولا يقدر أن يجيب دعاءه ويبلغ فاه، وكذلك ما يدعونه جمادٌ لا يحس بدعائهم ولا يستطيع إجابتهم ولا يقدر على نفعهم. وقيل: شبهوا في قلة جدوى دعائهم لآلهتهم بمن أراد أن يغرف الماء بيديه ليشربه، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (إلا استجابة كاستجابة)، الإجابة والاستجابة بمعنى، قال: وداع دعا: يا من يجيب إلى الندى … فلم يستجبه عند ذاك مجيب قوله: (كاستجابة الماء)، من إضافة المصدر إلى الفاعل، و"من" مفعوله. قوله: (وقيل: شبهوا في قلة جدوى)، عطف على قوله: "أي: كاستجابة الماء من بسط كفيه". والوجه الأول: من التشبيه التمثيلي؛ شبه حالة عدم استجابة الأصنام دعاءهم، وأنهم لم يفوزوا من دعائهم الأصنام بالإجابة والنفع بحالة عدم استجابة الماء لمن بسط كفيه إليه يطلب أن يبلغ فاه، والوجه عدم استطاعة إجابة الدعاء مع العجز عن إيصال النفع، وهو- كما يرى- منتزع من عدة أمور. روى محيي السنة عن علي وعطاء: "كالعطشان الجالس على شفة البئر، يمد يده إلى

стр. 4217

فبسطهما ناشراً أصابعه، فلم تلق كفاه منه شيئاً ولم يبلغ طلبته من شربه. وقرئ: "تدعون" بالتاء، "كباسطٍ كفيه" بالتنوين. (إِلَّا فِي ضَلالٍ) إلا في ضياعٍ لا منفعة فيه؛ لأنهم إن دعوا الله لم يجبهم، وإن دعوا الآلهة لم تستطع إجابتهم. [(وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ)]. (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ) أي: ينقادون لإحداث ما أراده فيهم من أفعاله، شاءوا أو أبوا. لا يقدرون أن يمتنعوا عليه، ...... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ البئر، ولا يبلغ قعر البئر، ولا يرتفع إليه، فلا ينفعه بسط الكف إلى الماء ودعاؤه". والثاني: من التشبيه المركب العقلي، شبهوا في عدم انتفاعهم بدعاء آلهتهم بشخص يروم من الماء الشرب، ويفعل ما لا يحصل منه على شيء، والوجه قلة جدوى توخي المطلوب. قال محيي السنة: "المعنى: كباسط كفيه ليقبض على الماء لا يكون في يده شيء، ولا يبلغ إلى فيه منه شيء، كذلك الذين يدعون الأصنام، لا ينفعهم دعاؤها، وهي لا تقدر على شيء". قوله: (فلم تلق كفاه)، "تلق" من: لاق؛ أي: أمسك، وعن بعضهم: لاقت الدواة تليق؛ أي: لصقت، ولقتها- يتعدى ولا يتعدى- فهي مليقة: إذا أصلحت مدادها، وألقتها إلاقة: لغة فيه قليلة، وفلان لا يليق درهماً موجودة؛ أي: ما يمسكه، فلا يلصق به. قوله: ((وَللهِ يَسْجُدُ) أي: ينقادون)، جعل (يَسْجُدُ) مجازاً عن الانقياد؛ لينتزع منه القدر المشترك، فيصح إطلاقه على العقلاء الساجدين وغيرهم، وعلى ظلالهم أيضاً. قال القاضي: "يحتمل أن يكون السجود على حقيقته، فإنه يسجد له الملائكة والمؤمنون

стр. 4218

وتنقاد له ظِلالُهُمْ أيضاً حيث تتصرف على مشيئته في الامتداد والتقلص، والفيء والزوال. وقرئ: "بالغدوّ والإيصال"، من: آصلوا: إذا دخلوا في الأصيل. [(قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ)]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ من الثقلين طوعاً حالتي الشدة والرخاء، والكفرة كرهاً حالة الشدة والضرورة، وظلالهم بالعرض، وان يراد به انقيادهم لإحداث ما أراده فيهم؛ شاؤوا أو كرهوا، وانقياد ظلالهم لتصريفه إياها بالمد والتقليص، وانتصاب (طَوْعاً وَكَرْهاً) بالحال أو العلة". قوله: (والتقلص)، الجوهري: "يقال: قلص الظل، وقلص الماء: إذا ارتفع". قوله: (والفيء والزوال)، الفيء: ما بعد الزوال من الظل، وإنما سمي الظل فيئاً لرجوعه من جانب إلى جانب، قال ابن السكيت: الظل: ما نسخته الشمس، والفيء: ما نسخ الشمس. قوله: (وقرئ: "بالغدو والإيصال")، قال ابن جنيك "قرأها أبو مجلز، وهو مصدر "آصلنا"؛ أي: دخلنا في وقت الأصيل".

стр. 4219

و (قُلِ اللَّهُ) حكاية لاعترافهم، وتأكيد لم عليهم، لأنه إذا قال لهم: من رب السموات والأرض؟ لم يكن لهم بُدّ من أن يقولوا الله. كقوله: (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ) [المؤمنون: ٨٦]، وهذا كما يقول المناظر لصاحبه: أهذا قولك؟ ، فإذا قال: هذا قولي قال: هذا قولك، فيحكي إقراره تقريراً له عليه واستيثاقا منه، ثم يقول له: فيلزمك على هذا القول كيت وكيت. ويجوز أن يكون تلقيناً؛ أي: إن كعوا عن الجواب فلقنهم، فإنهم يتلقنونه ولا يقدرون أن ينكروه. (أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ) أبعد أن علمتموه رب السموات والأرض اتخذتم من دونه أولياء، فجعلتم ما كان يجب أن يكون سبب التوحيد من علمكم وإقراركم سبب الإشراك (لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا) لا يستطيعون لأنفسهم أن ينفعوها أو يدفعوا عنها ضرراً، فكيف يستطيعونه لغيرهم وقد آثرتموهم على الخالق الرازق المثيب المعاقب، فما أبين ضلالتكم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كعوا في الجواب)، الأساس: "كع الرجل وكعكعه الخوف فتكعكع، أي: حبسه فاحتبس". قوله: (أبعد أن علمتموه رب السماوات)، يريد: أن الفاء في قوله: (أَفَاتَّخَذْتُمْ) سببية مرتبة للكلام الثاني على الأول، وأدخل همزة الإنكار بين المسبب والسبب للتعكيس، كقوله تعالى: (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) [الواقعة: ٨٢]، وهذه الفاء مثل الفاء التي أتى بها في المثال، وهو قوله: "ثم يقول له: فيلزمك على هذا القول: كيت وكيت". قوله: (من علمكم وإقراركم)، أما علمكم فأنكم تعلمون أنه رب السماوات والأرض، وأما إقراركم فجوابكم إذا سئلتم: من رب السماوات والأرض؟

стр. 4220

(أَمْ جَعَلُوا) بل اجعلوا، ومعنى الهمزة الإنكار و (خَلَقُوا) صفةٌ لـ (شركاء)، يعني أنهم لم يتخذوا لله شركاء خالقين قد خلقوا مثل خلق الله (فَتَشابَهَ) عليهم خلق الله وخلقهم، حتى يقولوا: قدر هؤلاء على الخلق كما قدر الله عليه، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (حتى يقولوا)، غاية لقوله: "فتشابه"، ومعنى النفي في قوله: "لم يتخذوا" يعطيه معنى الهمزة الإنكارية في "أم"، فيكون المنكر الجعل مع مفعوليه والصفة. قال في "الانتصاف": " (خَلَقُوا كَخَلْقِهِ) في سياق الإنكار: تهكم، فإن غير الله لا يخلق شيئاً، لا مساوياً ولا منحطاً، فقد كان يكفي في الإنكار أن الآلهة التي اتخذوها لا تخلق، لكن قوله: (كَخَلْقِهِ) تهكم، والزمخشري لا يستطيع ذكر هذه النكتة، لأن الله ربهم يخلق الجواهر والأعراض، والعبيد لا يخلقون سوى أفعالهم، وفي قوله: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) إلجام لأفواه المشركين والقدرية، فلذلك تقاصر لسان الزمخشري هنا، وقرت شقاشقه". وقلت: أما قضية المذهب هنا، وقوله: "لا يقدرون على ما يقدر عليه من الخلق": فبطلانه بقوله تعالى: (قُلْ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) ظاهر، وأما إثبات التهكم فمتكلف، لأن التهكم هو ذكر الشيء وإرادة نقيضه استحقاراً للمخاطب، كقوله تعالى: (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) [آل عمران: ٢١]، وقولهم: (إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) [هود: ٨٧]، وها هنا قوله: (خَلَقُوا كَخَلْقِهِ) مبالغة في إثبات العجز لها على سبيل الاستدراج وإرخاء العنان،

стр. 4221

فاستحقوا العبادة، فنتخذهم له شركاء ونعبدهم كما يعبد، إذ لا فرق بين خالقٍ وخالقٍ، ولكنهم اتخذوا له شركاء عاجزين لا يقدرون على ما يقدر عليه الخلق، فضلاً أن يقدروا على ما يقدر عليه الخالق. (قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) لا خالق غير الله، ولا يستقيم أن يكون له شريك في الخلق، فلا يكون له شريك في العبادة (وَهُوَ الْواحِدُ) المتوحد بالربوبية (الْقَهَّارُ) لا يغالب، وما عداه مربوب ومقهور. [(أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ)]. هذا مثل ضربه الله للحق وأهله والباطل وحزبه، كما ضرب الأعمى والبصير والظلمات والنور مثلاً لهما، ...... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فإنه تعالى لما أنكر عليهم أولاً اتخاذهم من دون الله شركاء، ووصفها بأنها لا تملك لأنفسهم نفعاً ولا ضراً، فكيف لغيرهم؟ ! أنكر ثانياً على سبي التدرج وصف الخلق أيضاً، يعني: هب أنهم يقدرون على نفع أنفسهم وعلى نفع عبدتهم، هل يقدرون أن يخلقوا شيئاً؟ وهب أنهم قادرون على خلق بعض الأشياء، هل يقدرون على ما يقدر عليه الخالق من خلق السماوات والأرض؟ . قوله: (كما ضرب الأعمى والبصير، والظلمات والنور، مثلاً لهما)، بيان لاتصال الآيات،

стр. 4222

فمثل الحق وأهله بالماء الذي ينزله من السماء فتسيل به أوديةُ الناس فيحيون به وينفعهم أنواع المنافع، وبالفلز الذي ينتفعون به في صوغ الحليّ منه واتخاذ الأوانى والآلات المختلفة، ولو لم يكن إلا الحديد الذي فيه البأس الشديد لكفى به، وأن ذلك ماكث في الأرض باق بقاء ظاهراً، يثبت الماء في منافعه. وتبقى آثاره في العيون والبئار والجبوب، والثمار التي تنبت به مما يدّخر ويكنز، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وذلك أنه تعالى لما أمره صلوات الله عليه أن يبكت المشركين بقوله: (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ اللَّهُ)، ثم يؤنبهم بقوله: (قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ)، ويوبخهم على تعكيس الأمر، وهو أنه من علم أنه رب السماوات والأرض وجب عليه أن يعبده ويوحده، فهم جعلوا العلم سبباً للإشراك به، ذيله بضرب المثل بالأعمى والبصير، والظلمات والنور، ولما أضرب عن ذلك بقوله: (أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ) أي: شركاء مخلوقين عاجزين لا يقدرون على نفع أنفسهم، فكيف بغيرهم؟ ! وتركوا عبادة خالق كل شيء المتوحد المتفرد الغالب على كل شيء، عقبه بضرب مثل آخر. قوله: (وبالفلز الذي ينتفعون به)، النهاية: "الفلز- بكسر الفاء واللام وتشديد الزاي-: ما في الأرض من الجواهر المعدنية، كالذهب والفضة والنحاس والرصاص وغيرها، قيل: هو ما ينفيه الكير، ومنه حديث علي ﵁: (من فلز اللجين والعقيان) ". قوله: (مما يدخر ويكنز)، خبر لقوله: "والحبوب والثمار"، وفيه لف؛ لأن الادخار مختص بالحبوب، والاكتناز بالثمار.

стр. 4223

وكذلك الجواهر تبقى أزمنة متطاولة. وشبه الباطل في سرعة اضمحلاله ووشك زواله وانسلاخه عن المنفعة، بزيد السيل الذي يرمي به، وبزبد الفلز الذي يطفو فوقه إذا أذيب. فإن قلت: لم نكرت الأودية؟ قلت: لأن المطر لا يأتى إلا على طريق المناوبة بين البقاع، فيسيل بعض أودية الأرض دون بعض. فإن قلت: فما معنى قوله (بِقَدَرِها)؟ قلت: بمقدارها الذي عرف الله أنه نافعٌ للممطور عليهم غير ضارّ. ألا ترى إلى قوله: (وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ) ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الراغب: "الكنز: جعل المال بعضه على بعض وحفظه، وأصله من: كنزت التمر في الوعاء، زمن الكناز: وقت ما يكنز فيه التمر". قوله: (ألا ترى إلى قوله: (وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ))، يعني: دل التفصيل- وهو قوله: (وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ) - أن هذا المجمل أيضاً مشتمل على هذا المعنى، ليتطابق التفصيل والمجمل، وليس فيه ما يدل على النفع إلا قوله: (فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا)، فيجب تفسيره به، ويؤيده قوله: "الفائدة فيه- أي: في (ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ) - كالفائدة في قوله: (بِقَدَرِهَا) "، لأنهما متقابلان. واعلم أن الآية من "باب الجمع والتقسيم مع الجمع" على أبدع ما يكون؛ جمع أولاً

стр. 4224

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الماء والفلز في حكم كونهما جامعين لمعنى ما ينتفع به الناس ولما لا نفع فيه، فإنزال الماء على القدر المحتاج إليه خالص للنفع، وحميله- الذي هو زبد السيل- لا نفع فيه، وكذا الفلز: ما يتخذ منه الحلي والأواني هو المنتفع به، وخبثه الذي هو زبده مما لا نفع فيه، ثم فصل ثانياً حكم كل من اللذين لا نفع فيهما على طريق الجمع، بقوله: (فَأَمَّا الزَّبَدُ) إلى آخره، أي: كل مما لا نفع فيه من زبد الماء وزبد الفلز يذهب جفاء، وكل من المنتفع بهما- وهما الماء المنزل بقدر والفلز المتخذ منه الحلي والمتاع- يمكث في الأرض. قال محيي السنة: "قيل: قوله: (أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً) مثل للقرآن، و"الأودية" مثل للقلوب، أي: أنزل القرآن، واحتمل منه القلوب على قدر اليقين والعقل والشك والجهل". وقلت: ومقتضى إدخال القرآن والقلوب الموصوفة باليقين والشك والعقل والجهل في هذا المقام قوله تعالى بعد ضرب المثل: (لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ الْحُسْنَى) الآية، وقوله: (أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى). وقال السجاوندي: إن لله تعالى في الأنبياء والأصفياء ودائع وبدائع من خصائص الإنسانية، تحصل بالسهو وتذهب بالعبر، والأنوار العلوية- أعني: آثار الهداية- بالعلم والقرآن يتأثر بها من الأخلاق ما هو حلية الروح والعقل، ومن الأعمال ما هو قنية النفع والدفع، والعلم في الصدر الأول آت من الله تعالى نقداً خالياً من خلائط الزيف

стр. 4225

لأنه ضرب المطر مثلاً للحق، فوجب أن يكون مطراً خالصاً للنفع خالياً من المضرة، ولا يكون كبعض الأمطار والسيول الجواحف. فإن قلت: فما فائدة قوله (ابْتِغاءَ حلية أو متاع)؟ قلت: الفائدة فيه كالفائدة في قوله (بِقَدَرِها)؛ لأنه جمع الماء والفلز في النفع في قوله: (وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ)، لأنّ المعنى: وأما ما ينفعهم من الماء والفلز فذكر وجه الانتفاع مما يوقد عليه منه ويذاب، وهو الحلية والمتاع. وقوله: (وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ) عبارةٌ جامعةٌ لأنواع الفلز، مع إظهار الكبرياء في ذكره على وجه التهاون به، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ صافياً عن سؤال الكيف، ثم اختلط بشوائب النفسانية وهواجس الإنسانية، فلابد من نار الفتن، واختبار المحن؛ لزوال زبد الخبث، وقوام أود العبث، ومن تحمل التعليم، والاتصاف بالتسليم، ليذهب الزبد جفاء، وإلا مات عطشاً، ودام نجساً، قال: إذا أنت لم تشرب مراراً على القذى … ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه هذا مختصر من كلامه. قوله: (والسيول الجواحف)، الجوهري: "سيل جحاف- بالضم-: إذا جرف كل شيء وذهب به". قوله: (على وجه التهاون به)، وذلك أن في قوله: (وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ)

стр. 4226

كما هو هجيرى الملوك، نحو ما جاء في ذكر الآجر (فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ) [القصص: ٣٨]. و«من» لابتداء الغاية؛ أي: ومنه ينشأ زبد مثل زبد الماء. أو للتبعيض بمعنى وبعضه زبداً رابياً منفخاً مرتفعاً على وجه السيل. (جُفَاءً) يجفاهُ السَّيل؛ أي: يرمي به. وجفأت القدر بزبدها، وأجفأ السيل وأجفل. وفي قراءة رؤبة ابن العجاج: "جفالاً"، وعن أبي حاتم: لا يقرأ بقراءة رؤبة، لأنه كان يأكل الفأر ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عدولاً من الاسم إلى تصوير حالة هي أحط حالات هذه الجواهر، أي: هذه التي ترفعون أنتم من مقدارها، وتعدونها أنفس الجواهر، وتتخذون منها الحلي، وتزينون بها مجالسكم وتيجانكم، هي هذه التي توقدون عليها، كقوله تعالى: (فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ* خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ) [الطارق: ٥ - ٦]، وقوله: (مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ* مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ) [عبس: ١٨ - ١٩]، قال: "من أي شيء حقير خلقه". قوله: (أو للتبعيض)، قال أبو البقاء: " (زَبَدٌ) مبتدأ، و (مِثْلُهُ) الصفة، والخبر "مما يوقدون"، المعنى: ومن جواهر الأرض كالنحاس ما فيه زبد- وهو خبثه- مثله، أي: مثل الزبد الذي يكون على الماء". قوله: ((جُفَاءً) يجفاه السيل)، قال أبو البقاء: "هو حال، وهمزته منقلبة عن واو، وقيل: هي أصل".

стр. 4227

وقرئ: يوقدون، بالياء: أي: يوقد الناس. [(لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ وَمَاواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ)]. (لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا) اللام متعلقة بـ (يضرب)، أي: كذلك يضرب الله الأمثال للمؤمنين الذين استجابوا، وللكافرين الذين لم يستجيبوا، أي: هما مثلاً الفريقين. و (الْحُسْنى) صفةٌ لمصدر "استجابوا"؛ أي: استجابوا الاستجابة الحسنى. وقوله (لَوْ أَنَّ لَهُمْ) كلام مبتدأ في ذكر ما أعدّ لغير المستجيبين. وقيل: قد تم الكلام عند قوله (كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ) [الرعد: ١٧]، وما بعده كلام مستأنف و (الحسنى) مبتدأ، خبره: (لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا)، والمعنى: لهم المثوبة الحسنى، وهي الجنة (وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا) مبتدأ، خبره: (لو) مع ما في حيزه و (سُوءُ الْحِسابِ) المناقشة فيه، وعن النخعي: أن يحاسب الرجل بذنبه كله لا يغفر منه شيء. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرئ: (يُوقِدُونَ) بالياء)، التحتانية؛ حمزة وحفص والكسائي. قوله: (وقيل: قد تم الكلام عند قوله: (كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ))، قال صاحب "المرشد": "هو وقف تام، وفي قوله: (لِرَبِّهِمْ الْحُسْنَى) حسن، وكذا (لافْتَدَوْا بِهِ) ".

стр. 4228

[(أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ)]. دخلت همزة الإنكار على الفاء في قوله (أَفَمَنْ يَعْلَمُ) لإنكار أن تقع ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال القاضي: "قوله: (لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ) على أن يتعلق (لِلَّذِينَ) بـ (يَضْرِبُ): كلام مبتدأ لبيان مآل غير المستجيبين". وقلت: النظم يستدعي الثاني، لأن الفصاحة على انقطاع ما بعد الفاصلة عنها، ولهذا انحط قول امرئ القيس: ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي … بصبح وما الإصباح منك بأمثل عن قول أبي الطيب: إذا كان مدحاً فالنسيب المقدم … أكل فصيح قال شعراً متيم ولأن لفظ (الْحُسْنَى) لما تعلق بأحد القرينتين أوجب أن لا يعطل ما يقابلها عن أختها؛ لئلا يخترم النظم، كأنه قيل: للذين استجابوا لربهم الحسنى، والذين لم يستجيبوا لربهم السوأى، فوضع موضعه: (لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً) إلى آخره، وإنما اكتفى في الأول بـ (الْحُسْنَى) المطلقة ليعم، فيكون أبلغ، لأن جانب الحسنة أرجح. قوله: (دخلت همزة الإنكار على الفاء)، يريد: أن الفاء في (أَفَمَن) للتعقيب، والهمزة مقحمة بين المعطوف والمعطوف عليه لمزيد الإنكار، والمعطوف عليه جملة قوله: (لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ) الآية، المعنى: ضرب الله الأمثال للمؤمنين

стр. 4229

شُبهة بعد ما ضرب من المثل في أنّ حال من علم (أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ) فاستجاب، بمعزل من حال الجاهل الذي لم يستبصر فيستجيب: كبعد ما بين الزبد والماء، والخبث والإبريز. (إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ) أي: الذين عملوا على قضيات عقولهم، فنظروا واستبصروا. [(الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ* وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المستجيبين والكافرين الذين لم يستجيبوا، أفيستوي الذين يعلمون ما أنزل إليك، فيستجيبون، والذين لا يعلمون فلا يستجيبون؟ ! وإليه الإشارة بقوله: "إن حال من علم فاستجاب بمعزل من حال الجاهل فلم يستجب، كبعد ما بين الزبد والماء، والخبث والإبريز". ثم إنك إن أمعنت النظر وجدت قوله: (أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ) وما ترتب هو عليه: متصلاً بفاتحة السورة، يعني: بقوله: (وَالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ) [الرعد: ١]. قوله: (كبعد ما بين الزبد)، صفة مصدر محذوف، أي: بعد حالهم من حال الجاهل بعداً مثل بعد ما بين الزبد والماء. قوله: (أي: الذين عملوا على قضيات عقولهم)، الراغب: "اللب: العقل الخالص من الشوائب، وسمي بذلك لكونه خالص ما في الإنسان من قواه، كاللباب من الشيء، وقيل: هو ما زكى من العقل، فكل لب عقل، وليس كل عقل لباً، ولهذا علق الله تعالى الأحكام التي لا تدركها إلا العقول الزاكية بأولي الألباب، نحو: (وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ

стр. 4230

وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ* وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ* جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ* سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ)]. (الذين يوفون بعهد الله) مبتدأ، و (أولئك لهم عقبى الدار) خبره، كقوله: (والذين ينقضون عهد الله) [الرعد: ٢٥] أولئك لهم اللعنة. ويجوز أن يكون صفة لـ"أولي الألباب"، والأوّل أوجه. و"عهد الله": ما عقدوه على أنفسهم من الشهادة بربوبيته؛ (وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى) [الأعراف: ١٧٢]. (وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ) ولا ينقضون كل ما وثقوه على أنفسهم وقبلوه؛ من الإيمان بالله وغيره من المواثيق بينهم وبين الله وبين العباد، تعميم بعد تخصيص. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ) [البقرة: ٢٦٩]، ورجل لبيب من قوم ألباء، وملبوب: معروف باللب". قوله: (والأول أوجه)، وذلك لمكان الاستئناف عند قوله: (الَّذِينَ يُوفُونَ)؛ لبيان الموجب، كقوله تعالى: (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) [البقرة: ٢ - ٣]، على ما مر في البقرة، ولعطف قوله: (وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ) عليه، وهو غير صالح لوصف أولي الألباب. قوله: (تعميم بعد تخصيص)، يعني: عطف قوله: (وَلا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ) - وهو عام لأن التعريف فيه للجنس- على قوله: (يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ)، والمراد: ما عقدوه على أنفسهم من الشهادة بربوبيته، وهو خاص، كما عطف: (وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ) على قوله: (يَصِلُونَ) على هذا، لأن خشية الله ملاك كل خير، وأما عطف (وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ) على "يخشون"،

стр. 4231

(ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ) من الأرحام والقرابات، ويدخل فيه وصل قرابة رسول الله وقرابة المؤمنين الثابتة بسبب الإيمان (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) [الحجرات: ١٠]- بالإحسان إليهم على حسب الطاقة، ونصرتهم، والذب عنهم، والشفقة عليهم، والنصيحة لهم، وطرح التفرقة بين أنفسهم وبينهم، وإفشاء السلام عليهم، وعيادة مرضاهم، وشهود جنائزهم. ومنه مراعاة حق الأصحاب والخدم والجيران والرفقاء في السفر، وكل ما تعلق منهم بسبب، حتى الهرة والدجاجة. وعن الفضيل بن عياض أنّ جماعة دخلوا عليه بمكة فقال: من أين أنتم؟ قالوا: من أهل خراسان. قال: اتقوا الله وكونوا من حيث شئتم، واعلموا أنّ العبد لو أحسن الإحسان كله وكانت له دجاجة فأساء إليها لم يكن من المحسنين. (وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ) أي: يخشون وعيده كله، (وَيَخافُونَ) خصوصاً (سُوءَ الْحِسابِ) فيحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبوا. (صَبَرُوا) مطلقٌ فيما يصبر عليه من المصائب في النفوس والأموال ومشاق التكليف ابْتِغاءَ وَجْهِ الله، لا ليقال: ما أصبره وأحمله للنوازل، وأوقره عند الزلازل، ولا لئلا يعاب بالجزع ولئلا يشمت به الأعداء كقوله: وَتَجَلُّدِى لِلشّامِتِينَ أُرِيهِمُ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فمن عطف الخاص على العام، ومن ثم قال: "ويخافون خصوصاً سوء الحساب"، ومثله عطف (وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ) على (صَبَرُوا). قوله: (وتجلدي للشامتين أريهم)، تمامه- لأبي ذؤيب: أني لريب الدهر لا أتضعضع

стр. 4232

ولا لأنه لا طائل تحت الهلع ولا مردّ فيه للفائت، كقوله: مَا إنْ جَزِعْتُ وَلَا هَلَعْـ … ـتُ وَلَا يَرُدُّ بُكَأي: زَنْدَا وكل عمل له وجوهٌ يعمل عليها، فعلى المؤمن أن ينوى منها ما به كان حسناً عند الله، وإلا لم يستحق به ثواباً، وكان فعل كلا فعل. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الشماتة: الفرح ببلية تصل إلى العدو، والضعضعة: الخضوع. يقول: هذا التجلد الذي أريه من نفسي لدفع شماتة الشامتين. قوله: (ما إن جزعت) البيت، قيل: هو لعمرو بن معدي كرب، الهلع: أفحش الجزع، لأنه جزع مع قلة الصبر، قيل: إن زيداً أخ له، ومنهم من زعم أنه فتش فلم يجد له شقيقاً يسمى زيداً، ومنهم من روى "زنداً"- بالنون-، أي: يرد بكائي شرره من حرقتي، ذكر "الزند" وأراد ما يخرج منه عند القدح. روي عن المصنف أنه قال: الزند مثل في القلة، ومن ثم يقال للئيم: مزند، أي: محقر، "الأساس": "ومن المجاز قولهم للحقير: زندان في مرقعة، وعطاء مزند: قليل مضيق". قوله: (أن ينوي منها ما به كان حسناً)، "ما" موصوفة، أي: ينوي من الوجوه شيئاً به كان العمل حسناً عند الله، وهو أن يصبر ابتغاء وجه ربه، اقتبس قوله: "حسناً" من قوله صلوات الله عليه: "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك"، فإذا أحسن العبد هذا الحضور طاش عنده جميع الهواجس النفسانية التي ذكرها المصنف، بل

стр. 4233

(مِمَّا رَزَقْناهُمْ) من الحلال، لأنّ الحرام لا يكون رزقا ولا يسند إلى الله، (سِرًّا وَعَلانِيَةً) يتناول النوافل، لأنها في السر أفضل، والفرائض، لوجوب المجاهرة بها نفياً للتهمة (وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ) ويدفعونها. عن ابن عباس: يدفعون بالحسن من الكلام ما يرد عليهم من سيئ غيرهم. وعن الحسن: إذا حرموا أعطوا، وإذا ظلموا عفوا، وإذا قطعوا وصلوا. وعن ابن كيسان: إذا أذنبوا تابوا. وقيل: إذا رأوا منكراً أمروا بتغييره (عُقْبَى الدَّارِ) عاقبة الدنيا وهي الجنة، لأنها التي أراد الله أن تكون عاقبة الدنيا ومرجع أهلها. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يفني حضوره في شهوده، فيتلذذ بالبلوى، ويستبشر باختبار المولى، هذا هو الصبر على الله عند العارفين. قوله: (وعن الحسن: إذا حرموا أعطوا)، إلى آخره: مقتبس مما رويناه في "مسند أحمد ابن حنبل" عن عقبة بن عامر قال: لقيت رسول الله ﷺ يقول: "صل من قطعك، وأعط من حرمك، واعف عمن ظلمك". قوله: ((عُقْبَى الدَّارِ) عاقبة الدنيا، وهي الجنة، لأنها هي التي أراد الله)، الانتصاف:

стр. 4234

و (جَنَّاتُ عَدْنٍ) بدلٌ من (عقبى الدار). وقرئ: "فنعم" بفتح النون. والأصل: نعم. فمن كسر النون فلنقل كسرة العين إليها، ومن فتح فقد سكن العين ولم ينقل وقرى: "يُدْخَلُونَها" على البناء للمفعول. وقرأ ابن أبي عبلة: "صَلُحَ" بضم اللام، والفتح أفصح، أعلم أنّ الأنساب لا تنفع إذا تجردت من الأعمال الصالحة. و"آباؤهم" جمع أبوي كل واحدٍ منهم، فكأنه قيل: من آبائهم وأمهاتهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ "العاقبة المطلقة: هي الجنة، (وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ)، (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) [الأعراف: ١٢٨]، فاستنبط الزمخشري من ذلك أنها التي أرادها الله، والعاقبة الأخرى خلاف المراد، فلذلك قيدها في قوله: (وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ) [الرعد: ٣٥]، تفادى أن ينسب إلى الله إرادة الشر، وما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، والمؤدي إلى حميد العاقبة مأمور به، والمؤدي إلى ما سواها منهي عنه، فعاقبة الجنة أصل باعتبار الأمر، لا باعتبار الإرادة". قوله: (لا تنفع إذا تجردت من الأعمال)، إنما قال: "إذا تجردت" ليؤذن بأنه إذا وجد منهم عمل ما كفاهم، وذلك من إيقاع الفعل- أي: (صَلَحَ) - صلة للموصول، كما قال في قوله: (وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) [هود: ١١٣]: "قيل: (الَّذِينَ ظَلَمُوا)، ولم يقل: "الظالمين"، لأن المعنى: الذين وجد منهم الظلم"، والمعنى: أن الله تعالى يلحق قرابات أولئك الكملة بهم، وإن لم يكونوا في مرتبتهم من العمل الصالح إكراماً لهم، نحوه قوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) [الطور: ٢١]، قال فيه: "أي: بسبب إيمان عظيم رفيع المحل- وهو إيمان الآباء- ألحقنا بدرجاتهم ذرياتهم، وإن كانوا لا يستأهلونها، تفضلاً عليهم وعلى آبائهم".

стр. 4235

(سَلامٌ عَلَيْكُمْ) في موضع الحال، لأنّ المعنى: قائلين: سلامٌ عليكم، أو مسلمين. فإن قلت: بم تعلق قوله (بِما صَبَرْتُمْ)؟ قلت: بمحذوف، تقديره: هذا بما صبرتم، يعنون: هذا الثواب بسبب صبركم، أو بدل ما احتملتم من مشاق الصبر ومتاعبه هذه الملاذ والنعم. والمعنى: لئن تعبتم في الدنيا لقد استرحتم الساعة، كقوله: بِمَا قَدْ أرَى فِيهَا أوَانِسَ بُدَّنَا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أو بدل)، ظرف؛ خبر قوله: "هذه الملاذ"، لأنه مبتدأ وصفة، والجملة معطوفة على مثلها، وهي "هذا الثواب بسبب صبركم" والصبر على الأول بمعنى الطاعات، لأن الطاعات عندهم سبب للثواب، وعلى الثاني بمعناه، ولذلك قال: "ما احتملتم من مشاق الصبر ومتاعبه"، وهو موجب للعوض والبدل. وعن بعض العدلية: الثواب: هو الجزاء على أعمال الخير، والعوض: هو البدل عن الفائت، كالسلامة التي هي بدل الألم، والنعم التي هي مقابلة البلايا والمحن والرزايا والفتن، والتفضل: هو إيصال منفعة خالصة إلى الغير من غير استحقاق. قال القاضي: " (بِمَا صَبَرْتُمْ) متعلق بـ (عَلَيْكُم)، أو بمحذوف، أي: هذا بما صبرتم، ولا يتعلق بـ (سَلَامٌ)، لأن الخبر فاصل، والباء للسببية أو البدلية". وأجيب: أن التعلق بمعنوي، ولذلك قدر: "ونكرمكم". قوله: (بما قد أرى فيها أوانس بدنا)، لم يوجد تمامه.

стр. 4236

وعن النبي ﷺ أنه كان يأتى قبور الشهداء على رأس كل حول فيقول: «السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار»، ويجوز أن يتعلق بـ (سلام)، أي: نسلم عليكم ونكرمكم بصبركم. [(وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ)]. (مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ) من بعد ما أوثقوه به من الاعتراف والقبول، (سُوءُ الدَّارِ) يحتمل أن يراد سوء عاقبة الدنيا، لأنه في مقابلة (عقبى الدار)، ويجوز أن يراد بـ (الدار): جهنم، وبـ"سوئها": عذابها. [(اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ مَتاعٌ)]. (اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ) أي: الله وحده هو يبسط الرزق ويقدره دون غيره، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ و"الأوانس": النساء، "البدن": من قولهم: بدن الرجل: إذا سمن، وهي جمع بادنة، وهي المرأة السمينة، يقول: أرى في عرصة الحمى الوحش، بدل ما كنت أرى فيها النساء الآنسات، والاستشهاد بالباء في "بما"، لأنها بمعنى البدل. قوله: ((اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ) أي: الله وحده هو يبسط الرزق)، أي: لا غيره، ومثل هذا التركيب عند صاحب "المفتاح" نص في إفادة تقوي الحكم، ولا يحتمل التخصيص البتة،

стр. 4237

وهو الذي بسط رزق أهل مكة ووسعه عليهم، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لأن المبتدأ قار في مكانه، وليس مثل: "أنا عرفت" في احتمال التخصيص والتقوي. ويمكن أن يوجه تفسير المصنف بأن يقال: إن في التركيب تكرير الحكم، فاكتسى الحكم قوة، فيفيد التأكيد، فناسب أن يضمن التخصيص، لأن التخصيص ليس إلا تأكيد الحكم بالنفي والإثبات، والتأكيد أبداً يرفع إرادة التجوز عن الحكم، والوجه أن ذلك التخصيص من قبل اختصاص الاسم الجامع بالذكر، وبناء (يَبْسُطُ الرِّزْقَ) عليه. يؤيده قوله في قوله تعالى: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ) [الزمر: ٢٣]: "وإيقاع اسم "الله" مبتدأ، وبناء (نَزَّلَ) عليه: فيه تفخيم لـ (أَحْسَنَ الْحَدِيثِ)، وتأكيد لإسناده إلى الله تعالى، وأنه من عنده، وأن مثله لا يجوز إلا أن يصدر عنه". قوله: (وهو الذي بسط رزق أهل مكة)، إشارة إلى أن اللام في (الرِّزْقَ) عوض من المضاف إليه، كقوله تعالى: (وَاشْتَعَلَ الرَّاسُ شَيْباً) [مريم: ٤]، وأن الضمير في "فرحوا" عائد إليه، والآية متصلة بقوله: (كَمَنْ هُوَ أَعْمَى)، وهم الذين لا يعلمون المراد من ضرب المثلين، ولا يستجيبون لربهم، وذلك لما بسط الله عليهم الدنيا، فنسوا حظاً مما ذكروا به، وفرحوا بالحياة الدنيا، ألا ترى كيف عقبه بقوله: (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ)، إذ لو سمعوا ما أنزل عليهم، وعلموا حقيقته، لما قالوا ذلك، وبقوله: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ)، حيث سمعوه وعرفوا أنه حق من الله ، فاستجابوا له،

стр. 4238

وَفَرِحُوا) بما بسط لهم من الدنيا فرح بطر وأشر لا فرح سرور بفضل الله وإنعامه عليهم، ولم يقابلوه بالشكر حتى يستوجبوا نعيم الآخرة، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ واطمأنت قلوبهم، فعلى هذا قوله: (إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ) إلى قوله: (وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) معترضة مؤكدة لمضمون الكلامين. وفيه: أن سبب تنور قلوب المستجيبين واطمئنانها: التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، بشهادة المقابلة بين الضدين. قوله: (فرح بطر وأشر)، الراغب: "الفرح: انشراح الصدر بلذة عاجلة، وأكثر ما يكون في اللذات البدنية الدنيوية، فلهذا قال تعالى: (لِكَيْلا تَاسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ) [الحديد: ٢٣]، وقال تعالى: (وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا)، ولم يرخص

стр. 4239

وخفي عليهم أن نعيم الدنيا في جنب نعيم الآخرة ليس إلا شيئاً نزراً يتمتع به كعجالة الراكب، وهو ما يتعجله من تميرات أو شربة سويق أو نحو ذلك. [(وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ* الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ* الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ)]. فإن قلت: كيف طابق قولهم (لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ) قوله: (قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ)؟ قلت: هو كلام يجري مجرى التعجب من قولهم، وذلك أن الآيات الباهرة المتكاثرة التي أوتيها رسول الله ﷺ لم يؤتها نبيّ قبله، وكفى بالقرآن وحده آية وراء كل آية، فإذا جحدوها ولم يعتدّوا بها وجعلوه كأن آية لم تنزل عليه قط، كان موضعاً للتعجب والاستنكار، فكأنه قيل لهم: ما أعظم عنادكم وما أشد تصميمكم على كفركم، (إن الله يضل من يشاء) ممن كان على صفتكم من التصميم وشدّة الشكيمة في الكفر، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ في الفرح إلا في قوله: (فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا) [يونس: ٥٨]، (وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ* بِنَصْرِ اللَّهِ) [الروم: ٤ - ٥] ". قوله: (هو كلام يجري مجرى التعجب)، يعني: أن قولهم: (لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ) من باب العناد والاقتراح ورد الآيات الباهرة المتكاثرة، وإنما يستحق هذا الكلام بأن يقابل بقوله: ما أعظم كفركم وتصميمكم على الكفر، ومثل هذا التصميم لا يكون إلا بختم الله على القلوب، وإرادة الضلال منكم، ومن يضلل الله فلا هادي له، ما أدل هذه الآية على مذهب أهل السنة.

стр. 4240

فلا سبيل إلى اهتدائهم وإن أنزلت كل آية، (وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ) كان على خلاف صفتكم (أَنابَ) أقبل إلى الحق، وحقيقته دخل في نوبة الخير، (والَّذِينَ آمَنُوا) بدل من (مَنْ أَنابَ)، (وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ) بذكر رحمته ومغفرته بعد القلق والاضطراب من خشيته، كقوله: (ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ) [الزمر: ٢٣]، أو: تطمئن بذكر دلائله الدالة على وحدانيته، أو تطمئن بالقرآن لأنه معجزة بينة تسكن القلوب وتثبت اليقين فيها. (الَّذِينَ آمَنُوا) مبتدأ، و (طُوبى لَهُمْ) خبره. ويجوز أن يكون بدلاً من (القلوب)، على تقدير حذف المضاف، أي: تطمئن القلوب قلوب الذين آمنوا، و (طوبى) مصدرٌ من: طاب، كبشرى وزلفى، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أو تطمئن بالقرآن، لأنه معجزة)، هذا الوجه ملائم لقوله: (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ)، ليكون تعريضاً بالكفار كما سبق. قوله: (ويجوز أن يكون بدلاً من (الْقُلُوبُ))، ويحتمل بدل الكل والبعض والاشتمال، بحسب التعريف في (الْقُلُوبُ)، وهذا أحسن توافقاً للموصول الأول، وفائدته التعريض بالكفار، وأنهم لا قلوب لهم، لأن عملهم غير صالح، وأن عنادهم بسبب أن أفئدتهم هواء، ولا يلقون أذهانهم وسمعهم كمن له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، و (طُوبَى لَهُمْ) - على هذا- جملة مستأنفة، كأنه قيل: فما لهم؟ وأجيب: طوبى لهم.
следующие страницы →