← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 4236–4275 · переход к 4241.

стр. 4236

وعن النبي ﷺ أنه كان يأتى قبور الشهداء على رأس كل حول فيقول: «السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار»، ويجوز أن يتعلق بـ (سلام)، أي: نسلم عليكم ونكرمكم بصبركم. [(وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ)]. (مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ) من بعد ما أوثقوه به من الاعتراف والقبول، (سُوءُ الدَّارِ) يحتمل أن يراد سوء عاقبة الدنيا، لأنه في مقابلة (عقبى الدار)، ويجوز أن يراد بـ (الدار): جهنم، وبـ"سوئها": عذابها. [(اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ مَتاعٌ)]. (اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ) أي: الله وحده هو يبسط الرزق ويقدره دون غيره، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ و"الأوانس": النساء، "البدن": من قولهم: بدن الرجل: إذا سمن، وهي جمع بادنة، وهي المرأة السمينة، يقول: أرى في عرصة الحمى الوحش، بدل ما كنت أرى فيها النساء الآنسات، والاستشهاد بالباء في "بما"، لأنها بمعنى البدل. قوله: ((اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ) أي: الله وحده هو يبسط الرزق)، أي: لا غيره، ومثل هذا التركيب عند صاحب "المفتاح" نص في إفادة تقوي الحكم، ولا يحتمل التخصيص البتة،

стр. 4237

وهو الذي بسط رزق أهل مكة ووسعه عليهم، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لأن المبتدأ قار في مكانه، وليس مثل: "أنا عرفت" في احتمال التخصيص والتقوي. ويمكن أن يوجه تفسير المصنف بأن يقال: إن في التركيب تكرير الحكم، فاكتسى الحكم قوة، فيفيد التأكيد، فناسب أن يضمن التخصيص، لأن التخصيص ليس إلا تأكيد الحكم بالنفي والإثبات، والتأكيد أبداً يرفع إرادة التجوز عن الحكم، والوجه أن ذلك التخصيص من قبل اختصاص الاسم الجامع بالذكر، وبناء (يَبْسُطُ الرِّزْقَ) عليه. يؤيده قوله في قوله تعالى: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ) [الزمر: ٢٣]: "وإيقاع اسم "الله" مبتدأ، وبناء (نَزَّلَ) عليه: فيه تفخيم لـ (أَحْسَنَ الْحَدِيثِ)، وتأكيد لإسناده إلى الله تعالى، وأنه من عنده، وأن مثله لا يجوز إلا أن يصدر عنه". قوله: (وهو الذي بسط رزق أهل مكة)، إشارة إلى أن اللام في (الرِّزْقَ) عوض من المضاف إليه، كقوله تعالى: (وَاشْتَعَلَ الرَّاسُ شَيْباً) [مريم: ٤]، وأن الضمير في "فرحوا" عائد إليه، والآية متصلة بقوله: (كَمَنْ هُوَ أَعْمَى)، وهم الذين لا يعلمون المراد من ضرب المثلين، ولا يستجيبون لربهم، وذلك لما بسط الله عليهم الدنيا، فنسوا حظاً مما ذكروا به، وفرحوا بالحياة الدنيا، ألا ترى كيف عقبه بقوله: (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ)، إذ لو سمعوا ما أنزل عليهم، وعلموا حقيقته، لما قالوا ذلك، وبقوله: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ)، حيث سمعوه وعرفوا أنه حق من الله ، فاستجابوا له،

стр. 4238

وَفَرِحُوا) بما بسط لهم من الدنيا فرح بطر وأشر لا فرح سرور بفضل الله وإنعامه عليهم، ولم يقابلوه بالشكر حتى يستوجبوا نعيم الآخرة، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ واطمأنت قلوبهم، فعلى هذا قوله: (إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ) إلى قوله: (وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) معترضة مؤكدة لمضمون الكلامين. وفيه: أن سبب تنور قلوب المستجيبين واطمئنانها: التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، بشهادة المقابلة بين الضدين. قوله: (فرح بطر وأشر)، الراغب: "الفرح: انشراح الصدر بلذة عاجلة، وأكثر ما يكون في اللذات البدنية الدنيوية، فلهذا قال تعالى: (لِكَيْلا تَاسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ) [الحديد: ٢٣]، وقال تعالى: (وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا)، ولم يرخص

стр. 4239

وخفي عليهم أن نعيم الدنيا في جنب نعيم الآخرة ليس إلا شيئاً نزراً يتمتع به كعجالة الراكب، وهو ما يتعجله من تميرات أو شربة سويق أو نحو ذلك. [(وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ* الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ* الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ)]. فإن قلت: كيف طابق قولهم (لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ) قوله: (قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ)؟ قلت: هو كلام يجري مجرى التعجب من قولهم، وذلك أن الآيات الباهرة المتكاثرة التي أوتيها رسول الله ﷺ لم يؤتها نبيّ قبله، وكفى بالقرآن وحده آية وراء كل آية، فإذا جحدوها ولم يعتدّوا بها وجعلوه كأن آية لم تنزل عليه قط، كان موضعاً للتعجب والاستنكار، فكأنه قيل لهم: ما أعظم عنادكم وما أشد تصميمكم على كفركم، (إن الله يضل من يشاء) ممن كان على صفتكم من التصميم وشدّة الشكيمة في الكفر، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ في الفرح إلا في قوله: (فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا) [يونس: ٥٨]، (وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ* بِنَصْرِ اللَّهِ) [الروم: ٤ - ٥] ". قوله: (هو كلام يجري مجرى التعجب)، يعني: أن قولهم: (لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ) من باب العناد والاقتراح ورد الآيات الباهرة المتكاثرة، وإنما يستحق هذا الكلام بأن يقابل بقوله: ما أعظم كفركم وتصميمكم على الكفر، ومثل هذا التصميم لا يكون إلا بختم الله على القلوب، وإرادة الضلال منكم، ومن يضلل الله فلا هادي له، ما أدل هذه الآية على مذهب أهل السنة.

стр. 4240

فلا سبيل إلى اهتدائهم وإن أنزلت كل آية، (وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ) كان على خلاف صفتكم (أَنابَ) أقبل إلى الحق، وحقيقته دخل في نوبة الخير، (والَّذِينَ آمَنُوا) بدل من (مَنْ أَنابَ)، (وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ) بذكر رحمته ومغفرته بعد القلق والاضطراب من خشيته، كقوله: (ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ) [الزمر: ٢٣]، أو: تطمئن بذكر دلائله الدالة على وحدانيته، أو تطمئن بالقرآن لأنه معجزة بينة تسكن القلوب وتثبت اليقين فيها. (الَّذِينَ آمَنُوا) مبتدأ، و (طُوبى لَهُمْ) خبره. ويجوز أن يكون بدلاً من (القلوب)، على تقدير حذف المضاف، أي: تطمئن القلوب قلوب الذين آمنوا، و (طوبى) مصدرٌ من: طاب، كبشرى وزلفى، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أو تطمئن بالقرآن، لأنه معجزة)، هذا الوجه ملائم لقوله: (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ)، ليكون تعريضاً بالكفار كما سبق. قوله: (ويجوز أن يكون بدلاً من (الْقُلُوبُ))، ويحتمل بدل الكل والبعض والاشتمال، بحسب التعريف في (الْقُلُوبُ)، وهذا أحسن توافقاً للموصول الأول، وفائدته التعريض بالكفار، وأنهم لا قلوب لهم، لأن عملهم غير صالح، وأن عنادهم بسبب أن أفئدتهم هواء، ولا يلقون أذهانهم وسمعهم كمن له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، و (طُوبَى لَهُمْ) - على هذا- جملة مستأنفة، كأنه قيل: فما لهم؟ وأجيب: طوبى لهم.

стр. 4241

ومعنى «طوبى لك»: أصبت خيراً وطيبا، ومحلها النصب أو الرفع، كقولك: طيبا لك، وطيب لك، وسلاماً لك، وسلامٌ لك، والقراءة في قوله: (وَحُسْنُ مَآبٍ) بالرفع والنصب، تدلك على محليها. واللام في (لَهُمْ) للبيان، مثلها في سقياً لك، والواو في (طوبى) منقلبةٌ عن ياء لضمة ما قبلها، كموقن وموسر. وقرأ مكوزة الأعرابي: "طيبى لهم" فكسر الطاء لتسلم الياء، كما قيل: بيضٌ ومعيشة. [(كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتابِ)]. (كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ) مثل ذلك الإرسال أرسلناك، يعني: أرسلناك إرسالاً له شأن وفضل على سائر الإرسالات، ..... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((وَحُسْنُ مَئَابٍ) بالرفع والنصب)، بالرفع: السبعة، وبالنصب: شاذ. قال أبو البقاء: "الرفع والإضافة على أنه معطوف على (طُوبَى) إذا جعلتها مبتدأ، والنصب على أنه عطف على (طُوبَى) في وجه نصبها". قوله: (وقرأ مكوزة)، روي عن المصنف: أنها كما سمت العرب بـ "كوز"، سمت بـ "مكوزة"، وهي إما جمع كوز، كمشيخة ومسيفة ومأسدة، جمع شيخ وسيف وأسد. قوله: (يعني: أرسلناك إرسالاً له شأن وفضل)، فالكاف صفة مصدر محذوف، والتنكير فيه للتعظيم، لأن اسم الإشارة في أمثال هذا المقام يدل على جلال شأن المشار إليه، وهو إما ما في الذهن، وهو الظاهر، أو ما سبق من الآيات الدالة على جلائل الشئون، و [في] في

стр. 4242

ثم فسر كيف أرسله فقال: (فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ) أي: أرسلناك في أمة قد تقدمتها أمم كثيرة فهي آخر الأمم وأنت خاتم الأنبياء (لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ) لتقرأ عليهم الكتاب العظيم الذي أوحينا إليك (وَهُمْ يَكْفُرُونَ) وحال هؤلاء أنهم يكافرون (بِالرَّحْمنِ) بالبليغ الرحمة الذي وسعت رحمته كل شيء، وما بهم من نعمة فمنه، فكفروا بنعمته في إرسال مثلك إليهم وإنزال هذا القرآن المعجز المصدق لسائر الكتب عليهم (قُلْ هُوَ رَبِّي) الواحد المتعالي عن الشركاء (عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ) في نصرتي عليكم (وَإِلَيْهِ مَتابِ) فيثيبني على مصابرتكم ومجاهدتكم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله تعالى: (فِي أُمَّةٍ) ليست بصلة لـ (أَرْسَلْنَاكَ)، بل بيان، ليؤذن بالتفسير بعد الإبهام على تفخيم الشأن الذي يقتضيه المقام. قوله: (لتقرأ عليهم الكتاب العظيم)، والتعظيم مستفاد من وضع (الَّذِي أَوْحَيْنَا) موضع "القرآن"، قال في قوله تعالى: (يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) [الإسراء: ٩]: "في إيهام الموصوف بحذفه من فخامة تفقد مع إيضاحه"، وأتم معنى التفخيم بإيثار صيغة التعظيم. قوله: (وحال هؤلاء أنهم يكفرون بالرحمن)، يريد: أن قوله: (وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ) حال من فاعل (أَرْسَلْنَاكَ)، و"الرحمن" مظهر وضع موضع المضمر لتلك الفائدة التي ذكرها، وهي أنهم يكفرون بالبليغ الرحمة الذي وسعت رحمته كل شيء، المعنى: إنا أرسلنا مثلك إليهم وأنت قائد الأنبياء وخاتمهم لتتلو عليهم مثل هذا القرآن العظيم المعجز المصدق لسائر الكتب؛ ليعبدوني ويوحدوني، وهم مع ذلك بدلوا الشكر بالكفران، ثم إنه تعالى أمره بأن ينبئهم على خاصة نفسه ووظيفته من الشكر، وما آل إليه أمره معهم تأنيباً، فقال: (قُلْ

стр. 4243

[(وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ حَتَّى يَاتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ)]. (وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً) جوابه محذوف، كما تقول لغلامك: لو أني قمت إليك، وتترك الجواب والمعنى: ولو أن قرآنا (سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ) عن مقارّها، وزعزعت عن مضاجعها، (أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ) حتى تتصدع وتتزايل قطعاً (أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى) فتسمع وتجيب، لكان هذا القرآن لكونه غايةً في التذكير ونهاية في الإنذار والتخويف، كما قال: (لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) [الحشرك ٢١]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ هُوَ رَبِّي)، أي: العظيم الجامع لأوصاف الكمال الذي أرسلني إليكم، وجعلني خاتم النبيين، وأيدني بذلك الكتاب العظيم الشأن، والبليغ الرحمة الذي كفرتم نعمته: هو ربي، ولا رب لي سواه، وعليه اعتمادي وتوكلي لا على غيره، وإليه متابي ومرجعي، لا إلى غيره، فالضمير جار مجرى اسم الإشارة، وقوله: (لَا إِلَه إِلَّا هُوَ) اعتراض أكد به إيجاب اختصاص التوكل عليه، وتفويض الأمور عاجلاً وآجلاً إليه. ومثله قوله تعالى: (اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنْ الْمُشْرِكِينَ) [الأنعام: ١٠٦]، قال المصنف: " (لَا إِلَه إِلَّا هُوَ) اعتراض أكد به إيجاب اتباع الوحي"، على أن المفهوم من كلامه أن (لَا إِلَه إِلَّا هُوَ) جار مجرى الحال، ولذلك أوقعه وصفاً لـ (رَبِّي)، حيث قال: "ربي الواحد المتعالي عن الشركاء". قوله: (لو أني قمت إليك)، أي: لرأيت ما لا تطيقه.

стр. 4244

هذا يعضد ما فسرت به قوله: (لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ) [الرعد: ٣٠] من إرادة تعظيم ما أوحى إلى رسول الله ﷺ من القرآن. وقيل: معناه ولو أن قرآناً وقع به تسيير الجبال، وتقطيع الأرض وتكليم الموتى وتنبيههم، لما آمنوا به ولما تنبهوا عليه كقوله (وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ) الآية [الأنعام: ١١١]. وقيل: إن أبا جهل بن هشام قال لرسول الله ﷺ : سير بقرآنك الجبال عن مكة حتى تتسع لنا فنتخذ فيها البساتين والقطائع، كما سُخرت لداود ﵇ إن كنت نبياً كما تزعم، فلست بأهون على الله من داود. وسخر لنا به الريح لنركبها ونتجر إلى الشام ثم نرجع في يومنا، فقد شق علينا قطع المسافة البعيدة كما سخرت لسليمان ﵇ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وهذا يعضد ما فسرت به)، يعني: إذا جعلت جواب "لو" قوله: "لكان هذا القرآن"، لا ما يجيء: "لما آمنوا"، ولا ما دل عليه قوله: (وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ) كما ذهب إليه الفراء، كان دالاً على أن ذلك التفسير هو الوجه. وأما اتصاله على هذا بما سبق: فالظاهر أنه داخل تحت حيز القول، أي: قل: هو ربي، وقل: لو أن قرآناً، والله أعلم. قوله: (وقيل: معناه: ولو أن قرآناً وقع به تسيير الجبال … لما آمنوا)، فعلى هذا: الآية متصلة بقوله: (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ)، وقوله: "وقيل: إن أبا جهل" متفرع على هذا الوجه، ولا يلزم على هذا تعظيم القرآن، لكن يكون تسجيلاً على شدة شكيمتهم وغاية عنادهم.

стр. 4245

أو: ابعث لنا به رجلين أو ثلاثة ممن مات من آبائنا: منهم قصى بن كلاب فنزلت. ومعنى تقطيع الأرض على هذا: قطعها بالسير ومجاوزتها. وعن الفراء: هو متعلق بما قبله. والمعنى: وهم يكافرون بالرحمن (وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ)، وما بينهما اعتراض، وليس ببعيد من السداد. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أو ابعث لنا به رجلين أو ثلاثة ممن مات من آبائنا، منهم قصي بن كلاب)، وإنما لم يقل: وابعث رجلين أو ثلاثة كما بعث عيسى، كما صرح بذكر النبيين؛ لشهرته. قوله: (ومعنى تقطيع الأرض على هذا: قطعها بالسير)، وأنشد صاحب "المفتاح": وأرض كأخلاق الكرام قطعتها … وقد كحل الليل السماك فأبصرا وعلى الأول: جعلها القطائع، لأن المراد حينئذ الزراعة. القطائع: جمع قطيعة، وهي الأرض التي يزرع فيها. قوله: (وعن الفراء: هو متعلق بما قبله)، أي: جواب "لو" ما دل عليه قوله: (وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ)، قال أبو البقاء: "جواب "لو" مقدم عليه، أي: وهم يكفرون بالرحمن ولو أن قرآناً؛ على المبالغة".

стр. 4246

وقيل: (قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ) شُققت فجعلت أنهاراً وعيوناً. (بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً) على معنيين: أحدهما: بل لله القدرة على كل شيء، وهو قادر على الآيات التي اقترحوها، إلا أنّ علمه بأنّ إظهارها مفسدة يصرفه. والثاني: بل لله أن يلجئهم إلى الإيمان، وهو قادر على الإلجاء لولا أنه بنى أمر التكليف على الاختيار. ويعضده قوله (أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ) يعني: مشيئة الإلجاء والقسر (لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً) ومعنى (أَفَلَمْ يَيْأَسِ): أفلم يعلم. قيل: هي لغة قومٍ من النخع ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((بَلْ لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعاً) على معنيين)، أي: يكون إما إضراباً عما أجاب به قول أبي جهل، أي: أعرض عن هذا، فإن الله تعالى قادر على ما اقترحه، إلا أنه تعالى علم أن إظهاره مفسدة، أو عن قوله: "وقيل: معناه: ولو أن قرآناً وقع به تسيير الجبال" إلى آخره، لأن جزاء "لو" على التقديرين: "لما آمنوا به"، والمعنى على هذا: بلغ تصميمهم إلى أنهم لو شاهدوا تلك الآيات العظام لما رجعوا عن تصميمهم، بل لله أن يلجئهم إلى الإيمان، وهو قادر على الإلجاء، لولا أنه تعالى بنى أمر التكليف على الاختيار، بناءً على مذهبه، وهذا على الوجهين الآخرين. قال القاضي: "بل الله قادر على الإتيان بما اقترحوه من الآيات، إلا أن إرادته لم تتعلق بذلك، لعلمه بأنه لا تلين له شكيمتهم، يؤيد ذلك قوله: (أَفَلَمْ يَيْئَسْ الَّذِينَ آمَنُوا) عن إيمانهم مع ما رأوا من الأحوال". قوله: (قيل: هي لغة قوم من النخع)، بفتح النون والخاء المعجمة، كذا في "جامع

стр. 4247

وقيل: إنما استعمل "اليأس" بمعنى العلم لتضمنه معناه؛ لأنّ اليائس عن الشيء عالم بأنه لا يكون، كما استعمل "الرجاء" في معنى الخوف، والنسيان في معنى الترك لتضمن ذلك ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الأصول"، قال ابن جني: "روي عن ابن عباس: أنها لغة وهبيل؛ فخذ من النخع، قال: ألم ييأس الأقوام أني أنا ابنه … وإن كنت عن أرض العشيرة نائيا أي: ألم يعلموا. ويشبه عندي أن يكون هذا من اليأس، لأن المتأمل للشيء المتطلب لعلمه ذاهب بفكره في جهات تعرفه إياه، فإذا ثبت يقينه على شيء من أمره اعتقده وأضرب عما سواه، فلم ينصرف إليه، كما ينصرف اليائس من الشيء عنه، ولا يلتفت إليه". الراغب: "اليأس: انتفاء الطمع، يقال: يئس واستيأس، مثل: عجب واستعجب، قال تعالى: (فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيّاً) [يوسف: ٨٠]، وقال تعالى: (أَفَلَمْ يَيْئَسْ الَّذِينَ آمَنُوا)، قيل: معناه: ألم يعلم، ولم يرد أن اليأس موضوع في كلامهم للعلم، وإنما قصد أن يأس الذين آمنوا من ذلك يقتضي أن يحصل بعد العلم بانتفائه، فإذن ثبوت يأسهم يقتضي حصول علمهم". قوله: (لتضمنه معناه)، أي: هو من دلالة التضمن وإطلاق الكل على الجزء، هذا في

стр. 4248

قال سحيم بن وثيل الرياحي: أَقُولُ لَهُمْ بِالشِّعْبِ إذْ يَيْسِرُونَنِي … أَلَمْ تَيْأَسُوا أنِّى ابْنُ فَارِسِ زَهْدَمِ ويدل عليه: أن علياً وابن عباس وجماعة من الصحابة والتابعين قرءوا: أفلم يتبين، وهو تفسير (أَفَلَمْ يَيْأَسِ). وقيل: إنما كتبه الكاتب وهو ناعس مستوى السينات، وهذا ونحوه مما لا يصدق في كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وكيف يخفى مثل هذا حتى يبقى ثابتاً بين دفتي الإمام. وكان متقلباً في أيدى أولئك الأعلام المحتاطين في دين الله المهيمنين عليه لا يغفلون عن جلائله ودقائقه، خصوصاً عن القانون الذي إليه المرجع، والقاعدة التي عليها البناء، وهذه - والله - فريةٌ ما فيها مرية. ويجوز أن يتعلق (أَنْ لَوْ يَشاءُ) بـ (آمنوا)، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ اليأس صحيح كما ذكر، وفي النسيان ظاهر، لأنه ترك الإنسان ضبط ما استودع ضعفاً أو غفلة أو قصداً، وأما في الرجاء فمشكل، لأن الرجاء والخوف متقابلان، قال تعالى: (يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً) [السجدة: ١٦]، و (يُرِيكُمْ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً) [الرعد: ١٢]، ولأن الرجاء: ظن حصول ما فيه مسرة، والخوف: ظن حصول المكروه، اللهم إلا أن يراد بالتضمن الموضوع اللغوي، وهو ما يفهم منه معنى زائد. قوله: (بين دفتي الإمام)، الأساس: "حفظ ما بين الدفتين، وهما ضماما المصحف من جانبيه". قوله: (المهيمنين عليه)، في "الجامع": "المهيمن: هو الشهيد، وقيل: الأمين، وأصله: مؤتمن، فقلبت الهمزة هاء، وقيل: هو الرقيب والحافظ". قوله: (ويجوز أن يتعلق (أَن لَّوْ يَشَاءُ) بـ (آَمَنُوا))، عطف على قوله: " (أَفَلَمْ يَيْئَسْ

стр. 4249

على: أولم يقنط عن إيمان هؤلاء الكفرة الذين آمنوا بأن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً ولهداهم. (تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا) من كفرهم وسوء أعمالهم، (قارِعَةٌ) داهيةٌ تقرعهم بما يحل الله بهم في كل وقت من صنوف البلايا والمصائب في نفوسهم وأولادهم وأموالهم (أَوْ تَحُلُّ) القارعة (قَرِيباً) منهم، فيفزعون ويضطربون ويتطاير إليهم شرارها، ويتعدى إليهم شرورها (حَتَّى يَاتِيَ وَعْدُ اللَّهِ) وهو موتهم، أو القيامة. وقيل: (ولا يزال) كفار مكة (تصيبهم) بما صنعوا برسول الله ﷺ من العداوة والتكذيب (قارعة)؛ ......... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ) يعني: مشيئة الإلجاء"، ولم يكن يستقيم المعنى إلا بجعل (يَيْئَسُ) بمعنى: يعلم، ولذلك قال: "ومعنى (أَفَلَمْ يَيْئَسُ): أفلم يعلم". قال أبو البقاء: " (أَن لَّوْ يَشَاءُ) في موضع نصب بـ (يَيْئَسُ)، لأن معناه: أفلم يتبين". وعلى الوجه الثاني: (يَيْئَسُ) بمعنى: يقنط، على حقيقته، و (أَن لَّوْ يَشَاءُ) نصب بنزع الخافض، متعلق بـ (آَمَنُوا)، لأن "آمن" يعدى بالباء، وإليه الإشارة بقوله: "آمنوا بأن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً، وعلى هذا معمول (يَيْئَسُ) محذوف، وهو: عن إيمان هؤلاء. قوله: (بما يحل الله بهم)، حل يحل- بالضم- أي: نزل، وأحللته: أنزلته. وفي بعض النسخ: "يحل"؛ بفتح الياء وكسر الحاء، وفي حاشيته: "أنه من: حل العذاب يحل- بالكسر-: وجب"، وهو سهو، والصواب بضم الياء وكسر الحاء؛ من: حل يحل- بالضم- أي: نزل، وأحللته: أنزلته، يعضده قوله: " (أَوْ تَحُلُّ) القارعة (قَرِيباً) منهم".

стр. 4250

لأنّ رسول الله ﷺ كان لا يزال يبعث السرايا فتغير حول مكة وتختطف منهم، وتصيب من مواشيهم (أو تحل) أنت يا محمد (قريباً من دارهم) بجيشك، كما حل بالحديبية، حتى يأتى وعد الله وهو فتح مكة، وكان الله قد وعده ذلك. [(وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ)]. الإملاء: الإمهال، وأن يترك ملاوة من الزمان في خفض وأمن، كالبهيمة يملى لها في المرعى وهذا وعيد لهم وجواب عن اقتراحهم الآيات على رسول الله ﷺ . استهزاء به وتسلية له. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ملاوة من الزمان)، الجوهري: "أقمت عنده ملاوة من الدهر- بفتح الميم وضمها وكسرها-، أي: حيناً وبرهة". الراغب: "الإملاء: الإمداد، ومنه قيل للمدة الطويلة: ملاوة من الدهر، وملي من الدهر، قال تعالى: (وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً) [مريم: ٤٦]، وملاك الله: عمرك الله، والملوان: قيل: الليل والنهار، وحقيقة ذلك: تكررهما وامتدادهما، بدلالة قول الشاعر: نهار وليل دائم ملواهما … على كل حال المرء يختلفان فلو كان الليل والنهار لما أضيفا إليهما". قوله: (وعيد لهم وجواب عن اقتراحهم) إلى قوله: (وتسلية له): أي: لرسول الله ﷺ ،

стр. 4251

[(أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ* لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ)]. (أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ) احتجاج عليهم في إشراكهم بالله، يعنى أفا الله الذي هو قائم رقيب (عَلى كُلِّ نَفْسٍ) صالحة أو طالحةٍ (بِما كَسَبَتْ) يعلم خيره وشره، ويعدّ لكل جزاءه، كمن ليس كذلك. ويجوز أن يقدّر ما يقع خبراً للمبتدأ ويعطف عليه (وجعلوا)، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أما الوعيد والتسلية فظاهران، وأما الجواب: فإن أبا جهل حين قال: "سير بقرآنك الجبال، وسخر لنا الريح"، ولم يكن السؤال إلا اقتراحاً واستهزاء؛ لم يلتفت إليه، وقيل لرسول الله ﷺ : (وَلَقَدْ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ) تعريضاً على منوال قوله: (وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ* بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ) [التكوير: ٨ - ٩]. قوله: (أفالله الذي هو قائم)، هذا التأويل يؤذن أن قوله تعالى: (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ) معطوف على كلام سابق، والهمزة مقحمة بينهما لمزيد الإنكار، والذي يصلح أن يكون معطوفاً عليه هو قوله: (هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ) [الرعد: ٣٠]، المعنى: "هو ربي الواحد المتعالي عن الشركاء، عليه توكلت في نصرتي عليكم وإليه متابي، فيثيبني على مصابرتكم ومجاهدتكم"، أفالله الذي هو كذلك كمن هو ليس كذلك، لأن المعطوف عليه أيضاً متضمن لمعنى الرد والإنكار على الشرك، لأنه جواب عن قوله: (وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ) [الرعد: ٣٠]، أي: يشركون به. قوله: (ويجوز أن يقدر ما يقع خبراً للمبتدأ، ويعطف عليه (وَجَعَلُوا))، يعني: قوله: (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ) لابد له من خبر؛ إما أن يقدر الخبر ما تتم به جملة، ويعطف (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ) على الجملة برأسها، أو أن يقدر الخبر ما يصح أن يعطف

стр. 4252

وتمثيله: أفمن هو بهذه الصفةلم يوحدوه (وَجَعَلُوا) له - وهو الله الذي يستحق العبادة وحده (شُرَكاءَ)؟ ! (قُلْ سَمُّوهُمْ) أي: جعلتم له شركاء فسموهم له من هم ونبئوه بأسمائهم، ثم قال: (أَمْ تُنَبِّئُونَهُ) على "أم" المنقطعة، كقولك للرجل: قل لي من زيد؟ أم هو أقل من أن يعرف، ومعناه: بل أتنبؤونه بشركاء لا يعلمهم في الأرض وهو العالم بما في السموات والأرض، فإذا لم يعلمهم علم أنهم ليسوا بشيء يتعلق به العلم، والمراد نفى أن يكون له شركاء. ونحوه: (قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ) [يونس: ١٨]. (أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ) بل أتسمونهم شركاء بظاهر من القول من غير أن يكون لذلك حقيقة، كقوله (ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ) [التوبة: ٣٠]، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (وَجَعَلُوا) عليه، ليكون من عطف الخبر على الخبر، وعلى هذا (لِلهِ) مظهر وضع موضع الراجع إلى المبتدأ. قوله: (وتمثيله)، أي: وتقدير هذا الوجه. قوله: (كقولك للرجل)، أي: لمن يقول بفضل زيد واشتهاره بين الناس ومكانته عندهم، وأنت تريد نقصه وحطه من منزلته: من زيد؟ وهو عندك مشهور، أي: لا أعرفه عرفنيه، ثم تضرب عن هذا السؤال بقولك: أم هو أقل، يعني: هو أقل من أن يسأل عنه أنه من هو؟ فضلاً عن أن يسأل عن فضله وشهرته. كذا جعلهم لله شركاء يبعث القائل على أن يقول لهم: سموهم، أي: إن صدقتم أنهم شركاء لله تعالى، فأثبتوا لها أسامي تدل على وجودها، ثم أضرب عن قوله: (سَمُّوهُمْ)، يعني: جعلهم لله شركاء إنباء لله بوجود شركاء، ومثل هذه المنبأ به لا وجود لها حتى يعلق بها ما يتناوله من الاسم، ثم أضرب عن هذا القول بقوله: (أَمْ بِظَاهِرٍ مِنْ الْقَوْلِ)، بمعنى: هب أنهم لشدة شكيمتهم سموهم شركاء، فهذه التسمية عندهم قول لا حقيقة لها، (إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ) [النجم: ٢٣].

стр. 4253

(ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها) [يوسف: ٤٠]، وهذا الاحتجاج وأساليبه العجيبة التي ورد عليها ....... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وهذا الاحتجاج وأساليبه العجيبة)، أي: هذا الاحتجاج مبني على فنون من علم البيان: أولها: قوله: (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ) كمن هو ليس كذلك؟ ! احتجاج عليهم وتوبيخهم على القياس الفاسد لفقدان الجهة الجامعة. وثانيها: قوله: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ) من وضع المظهر موضع المضمر للتنبيه على أنهم جعلوا شركاء لمن هو فرد واحد لا يشاركه أحد في اسمه، كقوله تعالى: (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً) [مريم: ٦٥]. وثالثها: قوله: (قُلْ سَمُّوهُمْ)، أي: عينوا أساميهم، وقولوا: فلان وفلان، فهو إنكار لوجودها على وجه برهاني، كما تقول: إن كان الذي تدعيه موجوداً فسمه، لأن المراد بالاسم العلم الذي علق على الشيء بعينه، فما لم يكن موجوداً لم يكن معيناً، فلا يعلق عليه اسم، لأنه ليس بشيء، وهو من أسلوب الكناية الإيمائية. ورابعها: قوله: (أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لا يَعْلَمُ) احتجاج من باب نفي الشيء بنفي لازمه، وهو نوع من الكناية. وخامسها: قوله تعالى: (أَمْ بِظَاهِرٍ مِنْ الْقَوْلِ) احتجاج من باب الاستدراج، والهمزة للتقرير ببعثهم على التفكر، يعني: أتقولون بأفواهكم من غير رؤية وأنتم ألباء، فتفكروا فيه لتقفوا على بطلانه. وسادسها: التدرج في كل من الإضرابات على ألطف وجه. وحين كانت الآية مشتملة على هذه الأساليب البديعة مع اختصارها على أبلغ ما يكون، قال: "وهذا الاحتجاج مناد على نفسه أنه ليس من كلام البشر"، وهو كلام عالي

стр. 4254

منادٍ على نفسه بلسانٍ طلقٍ ذلقٍ: أنه ليس من كلام البشر لمن عرف وأنصف من نفسه، فتبارك الله أحسن الخالقين. وقرئ «أتنبئونه» بالتخفيف. (مَكْرُهُمْ) كيدهم للإسلام بشركهم، (وَصُدُّوا) قرئ بالحركات الثلاث، وقرأ ابن أبي إسحاق: "وصدٌّ" بالتنوين، (وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ) ومن يخذله لعلمه أنه لا يهتدي (فَما لَهُ مِنْ هادٍ) فما له من أحد يقدر على هدايته. (لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا) وهو ما ينالهم من القتل والأسر وسائر المحن، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المرتبة، لكن تذييله بقوله: "فتبارك الله أحسن الخالقين" وضعه إلى أسفل السافلين. قال في "الانتصاف": "هي كلمة حق أريد بها باطل، يعرض فيها بخلق القرآن، فتنبه لها، فما أسرع ما يمر بك فتستحسنها وتغفل عما قصده بها". قوله: (بلسان طلق ذلق)، الجوهري: "ذلق اللسان- بالكسر- يذلق ذلقاً: أي: ذرب ذرباً"، و"الذرب: الحاد من كل شيء". قوله: (وَصُدُّوا) قرئ بالحركات الثلاث)، بفتح الصاد: نافع وأبو بكر وأبو عمرو وابن عامر، وبالضم: الباقون، وبالكسر: شاذ.

стр. 4255

ولا يلحقهم إلا عقوبة لهم على الكفر، ولذلك سماه عذاباً، (وَما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ) وما لهم من حافظ من عذابه، أو ما لهم من جهته واق من رحمته. [(مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ)]. (مَثَلُ الْجَنَّةِ) صفتها التي هي في غرابة المثل، وارتفاعه بالابتداء والخبر محذوف على مذهب سيبويه، أي: فيما قصصناه عليكم مثل الجنة. وقال غيره: الخبر (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ) كما تقول: صفة زيدٍ أسمر، وقال الزجاج: معناه: مثل الجنة تجري من تحتها الأنهار، على حذف الموصوف تمثيلا لما غاب عنا بما نشاهد. وقرأ على رضى الله عنه: "أمثال الجنة" على الجمع، أي: صفاتها. (أُكُلُها دائِمٌ) كقوله: (لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ) [الواقعة: ٣٣]، (وَظِلُّها) دائم لا ينسخ، كما ينسخ في الدنيا بالشمس. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (إلا عقوبة لهم على الكفر)، استثناء من أعم عام المفعول له، وفاعل "لا يلحقهم" ضمير "ما ينالهم"، أي: لا يلحقهم ما ينالهم لشيء من الأشياء إلا للعقوبة. قوله: (أو: ما لهم من جهته واق من رحمته)، "من" الثانية في التنزيل على الوجهين: زائدة، والأولى: على الأول: متعلقة بـ (وَاقٍ)، وعلى الثاني: متعلقة بالجار والمجرور، أي: (لَهُم)، و"من رحمته" صفة "واق"، أي: ما استقر لهم من جهة الله واق من رحمته، أي: شافع كائن من رحمته، أي: بإذنه. قوله: (وقال الزجاج: معناه: مثل الجنة)، لفظه- على ما أورده أبو علي في "الإغفال"-: "قال سيبويه: فيما نقص عليكم مثل الجنة، فرفعه على الابتداء وقال غيره: (مَثَلُ الْجَنَّةِ)

стр. 4256

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مرفوع، وخبره: (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ)، كما تقول: صفة فلان أسمر، معناه: صفة الجنة، وكلا القولين حسن جميل، والذي عندي أن الله عرفنا أمر الجنة التي لم نرها ولم نشاهدها بما شاهدناه من أمور الدنيا وعايناه، فالمعنى: مثل الجنة التي وعد المتقون: جنة تجري من تحتها الأنهار". وقال أبو علي: تفسير "المثل" بالصفة غير مستقيم لغة، ولم يوجد فيها البتة، وإنما تفسيره: الشبه، يدلك عليه: مررت برجل مثلك، فوصفوا به النكرة مضافاً إلى المعرفة، كما قالوا: مررت برجل شبهك، ولم يختص بالإضافة لكثرة ما يقع به الاشتباه، كما لم يختص بالمماثلة، ومنه قولهم للقصاص: المثال، إلى غير ذلك. وأما النظر فيه من جهة التأويل فغير مستقيم أيضاً، ألا ترى أن "مثلاً" إذا كان معناه: صفة، كان تقدير الكلام: صفة الجنة فيها أنهار، وهو غير مستقيم، لأن الأنهار في الجنة نفسها لا في صفتها، ولأنه إذا حمل "المثل" على معنى الصفة، وأجرى في الإخبار عنه مجراه، وأنث الراجع إليه في (فِيهَا) و (تَحْتِهَا)، فقد حمل الاسم في قولهم على المعنى، وهو قبيح، نحو: ثلاث شخوص، وسبع أبطن. وأما الذي استخرجه أبو إسحاق فغير مستقيم أيضاً، لأن "المثل" أما إن يكون صفة أو شبهاً؛ أما أولاً فلا يستقيم أن يقال: صفة الجنة جنة، لأن الجنة ليست بصفة، وأما ثانياً فلأن الشبه عبارة عن المماثلة التي بين المتماثلين، وهو حدث، والجنة غير حدث. فالصحيح ما قاله سيبويه.

стр. 4257

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فإن قلت: ما تعلق قوله: (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ) بما قبله؟ قيل: تعلق التفسير، كما أن قوله: (خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ) تفسير لقوله: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ) [آل عمران: ٥٩]. والجواب: أما إنكار التأويل لمنع الحمل، وتمثيله بقوله: "كان تقدير الكلام: صفة الجنة فيها أنهار" فضعيف، ألا ترى إلى أنه كيف مثلها بقوله: "صفة فلان أسمر"، لأن معناه حينئذ: صفة الجنة جريان الأنهار من تحتها، ولا شك أن إرادة الصفة من المثل مجاز إنما يجوز إذا كانت الصفة مشتملة على قصة عجيبة الشأن، أو أمر عجيب، فجريان الأنهار من تحت الجنان مع دوام الأكل والظل من غير انقطاع من الأمور العجيبة. وأما تأنيث الضمير: فلكونه راجعاً إلى "الجنة" لا إلى "المثل"، وإنما جاز ذلك لأن المقصود من المضاف عين المضاف إليه، وذكره توطئة، وليس نحو: غلام زيد. وأما قوله: "إن "الشبه" عبارة عن المماثلة، وهو حدث، والجنة غير حدث" فضعيف، لأن التشبيه حينئذ تمثيلي، والوجه منتزع من عدة أمور متوهمة، فينتزع من أحوال الجنان المشاهدة- من جريان أنهارها، وغضارة أغصانها، وتكاثف أفنانها، وغير ذلك من الحسن والنضارة- ما يجعل مشبهاً به، وهو المرادم ن قول الزجاج: "إن الله عرفنا أمر الجنة التي لم نرها ولم نشاهدها بما شاهدناه في أمور الدنيا وعايناه"، ولذلك صرح

стр. 4258

[(وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُوا وَإِلَيْهِ مَآبِ)]. (وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ) يريد: من أسلم من اليهود، كعبد الله بن سلام وكعب وأصحابهما، ومن أسلم من النصارى وهم ثمانون رجلاً: أربعون بنجران، واثنان وثلاثون بأرض الحبشة، وثمانية من أهل اليمن، هؤلاء (يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزابِ) يعني: ومن أحزابهم، وهم كفرتهم الذين تحزبوا على رسول الله ﷺ بالعداوة نحو كعب بن الأشرف وأصحابه، والسيد والعاقب أسقفى نجران وأشياعهما (مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ) لأنهم كانوا لا ينكرون الأقاصيص وبعض الأحكام والمعاني هو ثابت في كتبهم غير محرف، وكانوا ينكرون ما هو نعت الإسلام ونعت رسول الله ﷺ وغير ذلك مما حرّفوه وبدّلوه من الشرائع. فإن قلت: كيف اتصل قوله: (قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ) بما قبله؟ قلت: هو جواب للمنكرين معناه: قل إنما أمرت فيما أنزل إلىّ بأن أعبد الله ولا أشرك به، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المصنف بلفظ التمثيل، ويكون قوله: (أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا) بياناً لفضل تلك الجنان وتمييزها من هذه المشاهدة. قوله: (أسقفي نجران)، النهاية: "الأسقف: عالم رئيس من علماء النصارى ورؤسائهم، وهو اسم سرياني، ويحتمل أن يكون سمي به لخضوعه وانحنائه في عبادته، والسقف- في اللغة: طول في انحناء". نجران: موضع معروف بين الشام والحجاز واليمن. قوله: (هو جواب للمنكرين)، وذلك أن الله تعالى لما حكى عن بعض اليهود أنه ينكر بعض ما عليه رسول الله ﷺ من إثبات الإسلام ودعوى النبوة، قال صلوات الله عليه: يا رب،

стр. 4259

فإنكاركم له إنكار لعبادة الله وتوحيده فانظروا ماذا تنكرون مع ادعائكم وجوب عبادة الله وأن لا يشرك به (قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً) [آل عمران: ٦٤]. وقرأ نافع في رواية أبي خليد: "ولا أشرك" بالرفع على الاستئناف كأنه قال: وأنا أشرك به ويجوز أن يكون في موضع الحال على معنى: أُمرت أن أعبد الله غير مشركٍ به. (إِلَيْهِ أَدْعُوا) خصوصاً لا أدعو إلى غيره، (وَإِلَيْهِ) لا إلى غيره مرجعي، وأنتم تقولون مثل ذلك، فلا معنى لإنكاركم. [(وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْماً عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا واقٍ)]. (وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ) ومثل ذلك الإنزال أنزلناه مأموراً فيه بعبادة الله وتوحيده والدعوة إليه وإلى دينه، والإنذار بدار الجزاء (حُكْماً عَرَبِيًّا) حكمة عربية مترجمة بلسان العرب، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بماذا أجيبهم إذن؟ فقيل له: قل: إن إيتائي الإسلام والنبوة يوجب عبادة الله تعالى، وإثبات التوحيد، ونفي الشرك، وأن المرجع إليه في العاقبة، فإنكاركم هذا إنكار لما نحن وأنتم عليه، كما قال: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ) [آل عمران: ٦٤] الآية. قوله: (وقرأ نافع)، وهي شاذة. قوله: (ومثل ذلك الإنزال أنزلناه مأموراً فيه بعبادة الله)، "ذلك" إشارة إلى مصدر "أنزلنا"، وهو المشبه به، والمشبه ما سبق من قوله: (أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ)، ووجه التشبيه كون ذلك المنزل المأمور فيه مبيناً مكشوفاً على وجه محكم رصين، فقوله: "والدعوة إليه وإلى دينه" تفسير لقوله: (إِلَيْهِ أَدْعُو)، وقوله: "والإنذار

стр. 4260

وانتصابه على الحال. كانوا يدعون رسول الله ﷺ إلى أمور يوافقهم عليها منها أن يصلى إلى قبلتهم بعد ما حوّله الله عنها، فقيل له: لئن تابعتهم على دين ما هو إلا أهواء وشبه بعد ثبوت العلم عندك بالبراهين والحجج القاطعة، خذلك الله فلا ينصرك ناصر، وأهلكك فلا يقيك منه واقٍ، وهذا من باب الإلهاب والتهييج، والبعث للسامعين على الثبات في الدين والتصلب فيه، وأن لا يزلّ زالّ عند الشبهة بعد استمساكه بالحجة، وإلا فكان رسول الله ﷺ من شدّة الشكيمة بمكان. [(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَاتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ* يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ)]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بدار الجزاء" إشارة إلى قوله: (وَإِلَيْهِ مَآبِ)، يعني: أجبهم بقولك: (أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ) الآية، واعلم أنا أنزلنا القرآن مثل ذلك الإنزال العجيب الشأن؛ تشجيعاً له وشرحاً لصدره صلوات الله عليه وتسلية عما قاسى من إنكارهم. قوله: (وانتصابه على الحال)، أي: انتصاب (حُكْماً) على أنها حال موطئة، كقوله تعالى: (قُرْآناً عَرَبِيّاً) [يوسف: ٢]. قوله: (ما هو إلا أهواء)، وشبه الحصر مستفاد من وضع أهوائهم موضع ما زعموا أنه الدين، ودعوا رسول الله ﷺ إليه من أن يصلي إلى قبلتهم، أي: ليس ذلك إلا عن شبه، وكذلك قابله بقوله: (بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ)، وأخرج الجملة مخرج القسمية، لأن اللام في (وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ) موطئة للقسم. قوله: (وإلا فكان رسول الله ﷺ ، أي: هذا من باب البعث للسامعين على الثبات والتصلب

стр. 4261

كانوا يعيبونه بالزواج والولاد، كما كانوا يقولون: "ما لهذا الرسول يأكل الطعام"، وكانوا يقترحون عليه الآيات، وينكرون النسخ. فقيل: كان الرسل قبله بشراً مثله ذوى أزواج وذرية. وما كان لهم أن يأتوا بآيات برأيهم ولا يأتون بما يقترح عليهم، والشرائع مصالح تختلف باختلاف الأحوال والأوقات، فلكل وقت حكم يكتب على العباد، أى: يفرض عليهم على ما يقتضيه استصلاحهم (يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ) ينسخ ما يستصوب نسخه، (ويثبت) بدله ما يرى المصلحة في إثباته، أو يتركه غير منسوخ، وقيل: (يمحوا) من ديوان الحفظة ما ليس بحسنة ولا سيئة، لأنهم مأمورون بكتبة كل قولٍ وفعل (وَيُثْبِتُ) غيره. وقيل: يمحو كفر التائبين ومعاصيهم بالتوبة، ويثبت إيمانهم وطاعتهم. وقيل: يمحو بعض الخلائق ويثبت بعضاً من الأناسى وسائر الحيوان والنبات والأشجار وصفاتها وأحوالها، والكلام في نحو هذا واسع المجال. (وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ) أصل كل كتاب وهو اللوح المحفوظ، لأنّ كل كائن مكتوب فيه ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ في الدين، لا لرسول الله ﷺ ، وإلا لزم أن يؤمر بما هو فيه من شدة الشكيمة والثبات على التصلب في الدين، بحيث لا يمكن أن يتصور فوقه، ومن ثم قال: "بمكان"، أي: بمكان لا مكان فوقه. تلخيصه: أنه صلوات الله عليه مخاطب به، ولكن المراد منه تعريض. قوله: (لأنهم مأمورون بكتبة كل قول وفعل، (وَيُثْبِتُ) غيره)، قال الكلبي والضحاك: إن الذي يمحوه ويثبته ما يصعد به الحفظة مكتوباً على بني آدم، فيأمر الله فيه أن يثبت ما فيه ثواب وعقاب، ويمحو ما لا ثواب فيه ولا عقاب، كقولك: أكلت وشربت ودخلت، ونحوها من الكلام. قوله: (والكلام في نحو هذا واسع المجال)، لأن علم الله لا نفاذ له، ومعلومات الله لا

стр. 4262

وقرئ: ويثبت. [(وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ)]. (وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ) وكيفما دارت الحال أريناك مصارعهم وما وعدناهم من إنزال العذاب عليهم. أو توفيناك قبل ذلك، فما يجب عليك إلا تبليغ الرسالة فحسب، وعلينا لا عليك حسابهم وجزاؤهم على أعمالهم، فلا يهمنك إعراضهم، ولا تستعجل بعذابهم. [(أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا نَاتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ)]. (أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا نَاتِي الْأَرْضَ) أرض الكفر (نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها) بما نفتح على المسلمين من بلادهم، فننقص دار الحرب ونزيد في دار الإسلام، وذلك من آيات النصرة والغلبة ونحوه: (أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَاتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَفَهُمُ الْغالِبُونَ) [الأنبياء: ٤٤]، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ نهاية لها، وكل يوم هو في شأن، ومن ثم كاد أقوال المفسرين فيه تفوت الحصر، قال الإمام: "يزيل ما يشاء، ويثبت ما يشاء من حكمه، ولا يطلع على غيبه أحداً، فهو المنفرد بالحكم، والمستقل بالإيجاد والإعدام، والإحياء والإماتة، والإغناء والإفقار، وغير ذلك". قوله: (وقرئ: "ويثبت")، ابن كثير وأبو عمرو وعاصم ويعقوب: بالتخفيف، والباقون: بالتشديد. قوله: (وكيفما دارت الحال أريناك مصارعهم)، أي: لابد من أن نفعل، وذلك من تأكيد

стр. 4263

(سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ) [فصلت: ٥٣]، والمعنى: عليك بالبلاغ الذي حملته، ولا تبهتم بما وراء ذلك فنحن نكفيكه ونُتم ما وعدناك من الظفر، ولا يضجرك تأخره، فإن ذلك لما نعلم من المصالح التي لا تعلمها ثم طيب نفسه ونفس عنها بما ذكر من طلوع تباشير الظفر. وقرئ: "ننقصها" بالتشديد. (لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ) لا رادّ لحكمه. والمعقب: الذي يكرّ على الشيء فيبطله، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الإراءة والتوفية بما قبلها، والنون بعدها، كما ذكرناه عن الزجاج وصاحب "المرشد" في أول البقرة، فقوله: "أريناك" و"توفيناك" بيان أحوال الدائرة، وسيجيء الكلام فيه في سورة "حم المؤمن". قوله: (ونفس عنها)، أي: أزال الغم عنها. قوله: (بما ذكر من طلوع تباشير الظفر)، وهو قوله: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَاتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا)، كقوله: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ). "تباشير الصبح": أوائله. قوله: (والمعقب: الذي يكر على الشيء فيبطله)، الراغب: "التعقيب: أن يأتي بشيء بعد آخر، قال تعالى: (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ) [الرعد: ١١]، أي: ملائكة يتعاقبون عليه حافظين له، وقوله تعالى: (لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ) أي: لا أحد يتعقبه ويبحث عن فعله، من قولهم: عقب الحاكم على حكم من قبله؛ إذا تتبعه، قال الشاعر: وما بعد حكم الله تعقيب

стр. 4264

وحقيقته: الذي يعقبه أي: يقفيه بالردّ والإبطال. ومنه قيل لصاحب الحق: معقب، لأنه يقفى غريمه بالاقتضاء والطلب، قال لبيد: طَلَبُ الْمُعَقِّبِ حَقّهُ الْمَظْلُومُ والمعنى: أنه حكم للإسلام بالغلبة والإقبال، وعلى الكفر بالإدبار والانتكاس (وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ) فعما قليل يحاسبهم في الآخرة بعد عذاب الدنيا. فإن قلت: ما محل قوله: (لا معقب لحكمه)؟ قلت: هو جملةٌ محلها النصب على الحال، كأنه قيل: والله يحكم نافذاً حكمه، كما تقول جاءني زيد لا عمامة على رأسه ولا قلنسوة، تريد حاسراً. [(وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ)]. (وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) وصفهم بالمكر، ثم جعل مكرهم كلا مكر بالإضافة إلى مكره فقال: (فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً)، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ويجوز أن يكون ذلك نهياً عن الخوض في حكمه وحكمته إذا خفيت عليهم، كالنهي عن الخوض في سر القدر، والاعتقاب: أن يتعاقب شيء بعد أخرى، كاعتقاب الليل والنهار، ومنه العقبة، وهي أن يتعاقب الإنسان على ركوب ظهر". قوله: (طلب المعقب حقه المظلوم)، أوله: حتى تهجر في الرواح وهاجها

стр. 4265

ثم فسر ذلك بقوله: (يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ) لأنّ من علم ما تكسب كل نفس، وأعدّ لها جزاءها فهو المكر كله، لأنه يأتيهم من حيث لا يعلمون. وهم في غفلة مما يراد بهم. وقرئ: (الكفار) و"الكافرون" و"الذين كفروا" و"الكفر"؛ أي: أهله. والمراد بالكافر الجنس: وقرأ جناح بن حبيش: "وسيعلم الكافر"؛ من أعلمه أي: سيخبر. [(وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ)] ز (كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً) لما أظهر من الأدلة على رسالتي (وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ) والذي عنده علم القرآن وما ألف عليه من النظم المعجز ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يصف أتاناً وحماراً، "تهجر": أي: خرج في الهاجرة، والضمير في "وهاجها" للأتان، يقول: تردد الحمار خلف الأتان يطلبها كطلب المعقب المظلوم حقه، وحمل "المظلوم" على محل "المعقب" لأنه فاعل أضيف إليه المصدر، والتقدير: كما طلب الدائن المظلوم حقه. قوله: (وقرئ: (الكُفَّارُ))، ابن عامر والكوفيون. قوله: (والذي عنده علم القرآن وما ألف عليه من النظم المعجز)، قال صاحب "الفرائد": الذي عنده علم القرآن شهيد على أنه صلوات الله عليه وسلم مرسل من الله تعالى، لأنه معجزة بما ذكر، ولكن لم يكن شهيداً بينه وبينهم، لأن من لم يعلم إعجاز القرآن لما أنه لم يكن عنده علم القرآن لم يسمع شهادة من عنده علمه، فلم يكن شهيداً بينه وبينهم،

стр. 4266

الفائت لقوى البشر. وقيل: ومن هو من علماء أهل الكتاب الذين أسلموا. لأنهم يشهدون بنعته في كتبهم: وقيل هو الله عز وعلا والكتاب: اللوح المحفوظ. وعن الحسن: لا والله ما يعني إلا الله ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ .. لأن النظم المعجز والفصاحة إدراكهما بالذوق بعد أن يعلم ما كان محصلاً له. وقلت: على الشاهد أن يشهد بين الخصمين، فمن أنصف من نفسه وأذعن للحق سمع الشهادة، ومن لم يترك العناد وإن سمع وعرف وذاق لم ينفعه معرفة نفسه، فكيف بشهادة الغير، ألا ترى إلى أبي جهل وعتبة بن ربيعة كيف عرفا المعجز وذاقا البلاغة وشهدا له بالفصاحة، ولم يذعنا للحق، كما ذكره المصنف في سورة "حم السجدة"، فالشاهد أرباب البلاغة من المؤمنين، كما قال صاحب "الانتصاف". قوله: (و"الكتاب": اللوح المحفوظ)، الانتصاف: "الكتاب- على الأول-: القرآن، و"الذي عنده علم الكتاب": المؤمنون، وعلى الثاني: جنس الكتب المتقدمة". قوله: (لا والله، ما يعني إلا الله)، هذا رد لزعم من ذهب أن قوله: (وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ) غير الله، وإثبات بالقسمية لما أراده، يعني: ليس كما زعموا، والله ما يعني الله بقوله: (وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ) إلا الله. ولعل اختياره هذا لأن حمله على العارف بعلم القرآن- كما سبق: فيه تعسف، وعلى مؤمني أهل الكتاب: بعيد؛ لما روى محيي السنة عن قتادة: أنه عبد الله بن سلام. وأنكره الشعبي وقال: السورة مكية، وعبد الله أسلم بالمدينة. وكذا عن سعيد بن جبير. ولأن القراءتين

стр. 4267

والمعنى: كفى بالذي يستحق العبادة وبالذي لا يعلم علم ما في اللوح إلا هو شهيداً بيني وبينكم. وتعضده قراءة من قرأ ومن عنده علم الكتاب، على من الجارّة، أى. ومن لدنه علم الكتاب، لأن علم من علمه من فضله ولطفه. وقرئ: "ومن عنده علم الكتاب" على "من" الجارّة، و"علم" على البناء للمفعول. وقرئ: "وبمن عنده علم الكتاب". فإن قلت: بم ارتفع (علم الكتاب)؟ قلت: في القراءة التي وقع فيها (عنده) صلة يرتفع "العلم" بالمقدّر في الظرف، فيكون فاعلاً، لأنّ الظرف إذا وقع صلةً أوغل في شبه الفعل لاعتماده على الموصول، فعمل عمل الفعل، كقولك: مررت بالذي في الدار أخوه، فـ"أخوه" فاعل، كما تقول: بالذي استقرّ في الدار أخوه ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مساعدتان لهذا الوجه، قال أبو البقاء: "ومن قرأ: "علم الكتاب" على ما لم يسم فاعله جعل معموله (من عنده) ". قوله: (والمعنى: كفى بالذي يستحق العبادة)، يعني: إذا عني بـ "من عنده علم الكتاب": الله ، يلزم عطف الشيء على نفسه، فأول اسم الذات بما يعطيه من معنى استحقاق العبادة، لكونه جامعاً لمعاني الأسماء، كما قال الأزهري: لا يكون إلهاً حتى يكون معبوداً، وحتى يكون خالقاً ورازقاً ومدبراً، فأتى بالموصولة ليتوافق المعطوف والمعطوف عليه، فيكون على وزان قول الشاعر: يا لهف زيابة للحارث الصـ … صابح فالعائم فالآيب

стр. 4268

وفي القراءة التي لم يقع فيها (عنده) صلة يرتفع "العلم" بالابتداء. عن رسول الله ﷺ : «من قرأ سورة الرعد أعطي من الأجر عشر حسنات بوزن كل سحاب مضى وكل سحاب يكون إلى يوم القيامة، وبعث يوم القيامة من الموفين بعهد الله». ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الانتصاف: "قدر في المعطوف عليه اسم "الله" بالذي يستحق العبادة؛ حذراً من عطف الصفة على الموصوف، وعدولاً إلى أنه عطف إحدى الصفتين على الأخرى". قوله: (يرتفع "العلم" بالابتداء)، قال أبو البقاء: " (من عنده) خبر، والمبتدأ: (عِلْمُ الكِتَابِ) ". تمت السورة بحمد الله وعونه

стр. 4269

سورة إبراهيم ﵇ مكية وهي إحدى وخمسون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [(الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ* اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ* الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ)]. (كِتابٌ) هو كتاب، يعني: السورة. وقرئ: "ليخرج الناس" ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سورة إبراهيم ﵇ مكية، وهي إحدى وخمسون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله: (هو كتاب)، هذا على تقدير أن يكون (الر) تعديداً للحروف؛ قرعاً للعصا وتقدمة لدلائل الإعجاز، لا على أنها اسم للسورة. فإن قلت: لم آثر هذا الوجه على أن المقام يقتضي أن يكن اسماً للسورة، لأن

стр. 4270

و (الظلمات) و (النور): استعارتان للضلال والهدى (بِإِذْنِ رَبِّهِمْ) بتسهيله وتيسيره، مستعار من الإذن الذي هو تسهيل للحجاب، وذلك ما يمنحهم من اللطف والتوفيق، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الخطاب بقوله: (أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ) الآية، مع النبي ﷺ لا مع القوم؟ قلت: معناه: أن المركب من هذه هو كتاب بلغ في البلاغة والإعجاز إلى مكان يخرج بسببه الناس من الظلمات إلى النور. قوله: (مستعار من الإذن الذي هو تسهيل للحجاب)، قال المصنف: "استعارة "الإذن" للتسهيل والتيسير لأن الدخول في حق المالك متعذر، فإذا صودف الإذن تسهل وتيسر، فملا كان الإذن تسهيلاً لما تعذر من ذلك، وضع موضعه، والمراد: عنده منح اللطف وتيسير الإيمان"، قال محيي السنة: "بأمر ربهم، وقيل: بعلم ربهم". وقوله: "مستعار من الإذن" بعد قوله: "والظلمات والنور: مستعاران": فيه وجهان: أحدهما: استقلال كل من الاستعارات. وثانيهما: أن يعتبر التركيب إما عقلياً أو وهمياً، فيتصور الهدى كأنه نور، والضلال كأنه ظلمة، ويتصور المكلف لانغماسه في ظلمات الكفر بحيث لا يتسهل له الخروج إلى نور الإيمان إلا بأن يتفضل الله تعالى عليه بكرمه، ويبعث رسولاً، وينزل كتاباً، ثم يسهل ذلك عليه، كمن وقع في تيه مظلمة ليس منها الخلاص، ولات حين مناص، وإن ملكاً بعث توقيعاً إلى بعض خواصه في استخلاصه، وضمن تسهيل ذلك على نفسه. ثم استعمل هناك ما كان مستعملاً ها هنا، فقيل: "كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذننا"، ووضع موضع الضمير قوله: (رَبِّهِمْ)، للإشعار بالتربية واللطف والفضل، وبأن الهداية لطف محض، وفيه: أن الكتاب والرسول والدعوة لا تجدي دون الله، كما قال تعالى: (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) [القصص: ٥٦].

стр. 4271

(إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) بدل من قوله: (إلى النور) بتكرير العامل، كقوله: (لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ) [الأعراف: ٧٥]، ويجوز أن يكون على وجه الاستئناف، كأنه قيل: إلى أي: نور؟ فقيل: إلى صراط العزيز الحميد. وقوله: (اللَّهِ) عطف بيانٍ لـ (لعزيز الحميد)؛ لأنه جرى مجرى الأسماء الأعلام لغلبته واختصاصه بالمعبود الذي تحق له العبادة كما غلب "النجم" في الثريا. وقرئ بالرفع على: هو الله. الويل: نقيض الوأل؛ وهو النجاة اسم معنى، كالهلاك؛ إلا أنه لا يشتق منه فعل، إنما يقال: ويلا له، فينصب نصب المصادر، ثم يرفع رفعها لإفادة معنى الثبات، فيقال: ويل له، كقوله سلام عليك. ولما ذكر الخارجين من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان توعد الكافرين بالويل. فإن قلت: ما وجه اتصال قوله (مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ) بـ"الويل"؟ قلت: لأنّ المعنى أنهم يولولون من عذاب شديد، ويضجون منه، ويقولون: يا ويلاه! ........ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (بدل من قوله: (إِلَى النُّورِ) بتكرير العامل)، قال القاضي: "إضافة "الصراط" إلى الله: إما لأنه مقصده أو المظهر له. وتخصيص الوصفين- أعني: (الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) - للتنبيه على أنه لا يذل سالكه ولا يخيب سائله". قوله: (لأنه جرى مجرى الأسماء الأعلام لغلبته، كما غلب "النجم" في "الثريا")، فيه بحث على ما سبق في أول الكتاب. قوله: (وقرئ بالرفع؛ على: هو الله)، نافع وابن عامر، والباقون: بالجر. قوله: (ما وجه اتصال [قوله]: (مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ) بـ "الويل")، يعني: أن الظاهر يمنع

стр. 4272

كقوله: (دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً) [الفرقان: ١٣]. (الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ) مبتدأ خبره: (أولئك في ضلال بعيد)، ويجوز أن يكون مجروراً صفة للكافرين، ومنصوباً على الذمّ، أو مرفوعاً على: أعني الذين يستحبون أو: هم الذين يستحبون. والاستحباب: الإيثار والاختيار، وهو استفعال من المحبة، لأنّ المؤثر للشيء على غيره كأنه يطلب من نفسه أن يكون أحبّ إليها وأفضل عندها من الآخر. وقرأ الحسن: "ويصدّون" بضم الياء وكسر الصاد. يقال: صدّه عن كذا، وأصدّه. قال: أُنَاسٌ اصَدُّوا النَّاسَ بِالسَّيْفِ عَنْهُمُ والهمزة فيه داخلة على: صدّ صدوداً، لتنقله من غير التعدّى إلى التعدّي ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ من الاتصال: قال أبو البقاء: " (ويل) مبتدأ و (لِلْكَافِرِينَ) خبره، و (مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ) صفة "الويل" بعد الخبر، وهو جائز، ولا يجوز أن يتعلق بـ "ويل" لأجل الفصل بينهما بالخبر". وأجاب: أنه يجوز، لأنه اتصل به معنى لا لفظاً، لأن المعنى أنهم يولولون ويضجون منه، وقوله: "ويقولون: يا ويلاه" تفسير لقوله: "يولولون". قوله: (أناس أصدوا الناس بالسيف عنهم)، تمامه: صدود السوافي عن أنوف الخرائم

стр. 4273

وليست بفصيحةٍ كـ"أوقفه"؛ لأنّ الفصحاء استغنوا بـ"صدّه" و"وقفه" عن تكلف التعدية بالهمزة. (وَيَبْغُونَها عِوَجاً) ويطلبون لسبيل الله زيغاً واعوجاجاً، وأن يدلوا الناس على أنها سبيل ناكبة عن الحق غير مستوية، والأصل: ويبغون لها، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ "أصد": جاء بمعنى: صد، وهي لغة كلب، و"السوافي": الرياح، و"الخرم"- بالخاء المعجمة والراء المهملة: أنف الجبل، يقول: هم أناس صدوا الأعداء عن أنفسهم كما تصد الريح عن أنوف الجبال. قوله: (وليست بفصيحة)، يمكن أن يراد: وليست قراءة الحسن بفصيحة، لأن المشهورة- وهي "يصدون" بفتح الياء- هي الفصيحة، ونحن مستغنون بها عن تكلف جعل "يصدون" منقولاً من: صد صدوداً، كما استغنينا عن "أوقفه" للتعدية، لأنه جاء "وقفه"، وهذا مبني على عادته بأن القراءة ليست بموقوفة على السماع، بل على الاجتهاد. قوله: (وأن يدلوا الناس على أنها سبيل ناكبة)، قيل: هو عطف على "زيغاً"، أي: يطلبون لسبيل الله أن يدلوا الناس. والوجه أن يكون عطفاً على "يطلبون"، لأن ما يطلبونه معدوم محال، فلا يكون طلبهم إلا هذه الدلالة، ووصفهم بأنها سبيل ناكبة، وقدحهم فيه: عناد وتعنت.

стр. 4274

فحذف الجار وأوصل الفعل (فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ) أي: ضلوا عن طريق الحق، ووقفوا دونه بمراحل. فإن قلت: فما معنى وصف الضلال بالبعد؟ قلت: هو من الإسناد المجازي، والبعد في الحقيقة للضالّ، لأنه هو الذي يتباعد عن الطريق، فوصف به فعله، كما تقول: جدّ جدّه. ويجوز أن يراد: في ضلال ذي بعدٍ، أو: فيه بعدٌ، لأنّ الضالّ قد يضلّ عن الطريق مكاناً قريباً وبعيداً. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (في ضلال ذي بعد، أو: فيه بعد)، قال صاحب "الفرائد": فعلى هذا "البعد" صفة للمكان، لا صفة للضلال. وقلت: هذا حق، وأما تحرير هذا المقام فأن يقال: إن أصل الكلام أنهم ضلوا عن طريق الحق ضلالاً أي ضلال، فاستعير له البعد، وقيل: بعدوا فيه، فالبعد من صفتهم، فوصف بالضلال الذي هو فعلهم وملتبس بهم، نحو: طريق سائر، وهو المراد من قوله: "فوصف به فعله"، أو أن الضلال كأنه مكان واسع ذو أطراف ومسافات، وهو من الكناية المطلوب بها تخصيص الصفة بالموصوف، لأن القرب والبعد مما يضاف إلى المكان، فنبه به أن محل الضلال محل ذو بعد، والضلال معنى لابد له أن يقوم بذات يكون هذا المحل مكانه ومستقره، قال: إن السماحة والمروءة والندى … في قبة ضربت على ابن الحشرج وأما قوله: "أو: فيه بعد": فهو تمثيل، كأنه مثل طريق مستقيم، وصور أن العدول عن الجادة يمنة ويسرة ضلالة، وحينئذ تتفاوت الضلالات بحسب المعاصي والبدع والكفر، وإلى التمثيل الإشارة بقوله: "لأن الضال قد يضل عن الطريق مكاناً قريباً وبعيداً".

стр. 4275

[(وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)]. (إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) أي: ليفقهوا عنه ما يدعوهم إليه، فلا يكون لهم حجة على الله ولا يقولوا: لم نفهم ما خوطبنا به، كما قال: (وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ) [فصلت: ٤٤]. فإن قلت: لم يبعث رسول الله ﷺ إلى العرب وحدهم، وإنما بعث إلى الناس جميعاً (قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً) [الأعراف: ١٥٨]، بل إلى الثقلين، وهم على ألسنة مختلفةٍ، فإن لم تكن للعرب حجه فلغيرهم الحجة وإن لم تكن لغيرهم حجة فلو نزل بالعجمية، لم تكن للعرب حجة أيضاً. قلت: لا يخلو إمّا أن ينزل بجميع الألسنة أو بواحد منها، فلا حاجة إلى نزوله بجميع الألسنة، لأن الترجمة تنوب عن ذلك وتكفى التطويل، فبقى أن ينزل بلسان واحد، فكان أولى الألسنة لسان قوم الرسول، لأنهم أقرب إليه، فإذا فهموا عنه وتبينوه وتنوقل عنهم وانتشر. قامت التراجم ببيانه وتفهيمه، كما ترى الحال وتشاهدها من نيابة التراجم في كل أمّة من أمم العجم، مع ما في ذلك من اتفاق أهل البلاد المتباعدة، والأقطار المتنازحة، والأمم المختلفة والأجيال المتفاوتة، على كتاب واحد، واجتهادهم في تعلم لفظه وتعلم معانيه، وما يتشعب من ذلك من جلائل الفوائد، وما يتكاثر في إتعاب النفوس وكدّ القرائح فيه، من القرب والطاعات المفضية إلى جزيل الثواب، ...... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فلو نزل بالعجمية)، جواب الشرط على التأويل، أي: ولئن منع أن يكون حجة لغير العرب فنحن نقول أيضاً: لو نزل، إلى آخره.
следующие страницы →