← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 4271–4310 · переход к 4276.

стр. 4271

(إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) بدل من قوله: (إلى النور) بتكرير العامل، كقوله: (لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ) [الأعراف: ٧٥]، ويجوز أن يكون على وجه الاستئناف، كأنه قيل: إلى أي: نور؟ فقيل: إلى صراط العزيز الحميد. وقوله: (اللَّهِ) عطف بيانٍ لـ (لعزيز الحميد)؛ لأنه جرى مجرى الأسماء الأعلام لغلبته واختصاصه بالمعبود الذي تحق له العبادة كما غلب "النجم" في الثريا. وقرئ بالرفع على: هو الله. الويل: نقيض الوأل؛ وهو النجاة اسم معنى، كالهلاك؛ إلا أنه لا يشتق منه فعل، إنما يقال: ويلا له، فينصب نصب المصادر، ثم يرفع رفعها لإفادة معنى الثبات، فيقال: ويل له، كقوله سلام عليك. ولما ذكر الخارجين من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان توعد الكافرين بالويل. فإن قلت: ما وجه اتصال قوله (مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ) بـ"الويل"؟ قلت: لأنّ المعنى أنهم يولولون من عذاب شديد، ويضجون منه، ويقولون: يا ويلاه! ........ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (بدل من قوله: (إِلَى النُّورِ) بتكرير العامل)، قال القاضي: "إضافة "الصراط" إلى الله: إما لأنه مقصده أو المظهر له. وتخصيص الوصفين- أعني: (الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) - للتنبيه على أنه لا يذل سالكه ولا يخيب سائله". قوله: (لأنه جرى مجرى الأسماء الأعلام لغلبته، كما غلب "النجم" في "الثريا")، فيه بحث على ما سبق في أول الكتاب. قوله: (وقرئ بالرفع؛ على: هو الله)، نافع وابن عامر، والباقون: بالجر. قوله: (ما وجه اتصال [قوله]: (مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ) بـ "الويل")، يعني: أن الظاهر يمنع

стр. 4272

كقوله: (دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً) [الفرقان: ١٣]. (الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ) مبتدأ خبره: (أولئك في ضلال بعيد)، ويجوز أن يكون مجروراً صفة للكافرين، ومنصوباً على الذمّ، أو مرفوعاً على: أعني الذين يستحبون أو: هم الذين يستحبون. والاستحباب: الإيثار والاختيار، وهو استفعال من المحبة، لأنّ المؤثر للشيء على غيره كأنه يطلب من نفسه أن يكون أحبّ إليها وأفضل عندها من الآخر. وقرأ الحسن: "ويصدّون" بضم الياء وكسر الصاد. يقال: صدّه عن كذا، وأصدّه. قال: أُنَاسٌ اصَدُّوا النَّاسَ بِالسَّيْفِ عَنْهُمُ والهمزة فيه داخلة على: صدّ صدوداً، لتنقله من غير التعدّى إلى التعدّي ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ من الاتصال: قال أبو البقاء: " (ويل) مبتدأ و (لِلْكَافِرِينَ) خبره، و (مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ) صفة "الويل" بعد الخبر، وهو جائز، ولا يجوز أن يتعلق بـ "ويل" لأجل الفصل بينهما بالخبر". وأجاب: أنه يجوز، لأنه اتصل به معنى لا لفظاً، لأن المعنى أنهم يولولون ويضجون منه، وقوله: "ويقولون: يا ويلاه" تفسير لقوله: "يولولون". قوله: (أناس أصدوا الناس بالسيف عنهم)، تمامه: صدود السوافي عن أنوف الخرائم

стр. 4273

وليست بفصيحةٍ كـ"أوقفه"؛ لأنّ الفصحاء استغنوا بـ"صدّه" و"وقفه" عن تكلف التعدية بالهمزة. (وَيَبْغُونَها عِوَجاً) ويطلبون لسبيل الله زيغاً واعوجاجاً، وأن يدلوا الناس على أنها سبيل ناكبة عن الحق غير مستوية، والأصل: ويبغون لها، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ "أصد": جاء بمعنى: صد، وهي لغة كلب، و"السوافي": الرياح، و"الخرم"- بالخاء المعجمة والراء المهملة: أنف الجبل، يقول: هم أناس صدوا الأعداء عن أنفسهم كما تصد الريح عن أنوف الجبال. قوله: (وليست بفصيحة)، يمكن أن يراد: وليست قراءة الحسن بفصيحة، لأن المشهورة- وهي "يصدون" بفتح الياء- هي الفصيحة، ونحن مستغنون بها عن تكلف جعل "يصدون" منقولاً من: صد صدوداً، كما استغنينا عن "أوقفه" للتعدية، لأنه جاء "وقفه"، وهذا مبني على عادته بأن القراءة ليست بموقوفة على السماع، بل على الاجتهاد. قوله: (وأن يدلوا الناس على أنها سبيل ناكبة)، قيل: هو عطف على "زيغاً"، أي: يطلبون لسبيل الله أن يدلوا الناس. والوجه أن يكون عطفاً على "يطلبون"، لأن ما يطلبونه معدوم محال، فلا يكون طلبهم إلا هذه الدلالة، ووصفهم بأنها سبيل ناكبة، وقدحهم فيه: عناد وتعنت.

стр. 4274

فحذف الجار وأوصل الفعل (فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ) أي: ضلوا عن طريق الحق، ووقفوا دونه بمراحل. فإن قلت: فما معنى وصف الضلال بالبعد؟ قلت: هو من الإسناد المجازي، والبعد في الحقيقة للضالّ، لأنه هو الذي يتباعد عن الطريق، فوصف به فعله، كما تقول: جدّ جدّه. ويجوز أن يراد: في ضلال ذي بعدٍ، أو: فيه بعدٌ، لأنّ الضالّ قد يضلّ عن الطريق مكاناً قريباً وبعيداً. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (في ضلال ذي بعد، أو: فيه بعد)، قال صاحب "الفرائد": فعلى هذا "البعد" صفة للمكان، لا صفة للضلال. وقلت: هذا حق، وأما تحرير هذا المقام فأن يقال: إن أصل الكلام أنهم ضلوا عن طريق الحق ضلالاً أي ضلال، فاستعير له البعد، وقيل: بعدوا فيه، فالبعد من صفتهم، فوصف بالضلال الذي هو فعلهم وملتبس بهم، نحو: طريق سائر، وهو المراد من قوله: "فوصف به فعله"، أو أن الضلال كأنه مكان واسع ذو أطراف ومسافات، وهو من الكناية المطلوب بها تخصيص الصفة بالموصوف، لأن القرب والبعد مما يضاف إلى المكان، فنبه به أن محل الضلال محل ذو بعد، والضلال معنى لابد له أن يقوم بذات يكون هذا المحل مكانه ومستقره، قال: إن السماحة والمروءة والندى … في قبة ضربت على ابن الحشرج وأما قوله: "أو: فيه بعد": فهو تمثيل، كأنه مثل طريق مستقيم، وصور أن العدول عن الجادة يمنة ويسرة ضلالة، وحينئذ تتفاوت الضلالات بحسب المعاصي والبدع والكفر، وإلى التمثيل الإشارة بقوله: "لأن الضال قد يضل عن الطريق مكاناً قريباً وبعيداً".

стр. 4275

[(وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)]. (إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) أي: ليفقهوا عنه ما يدعوهم إليه، فلا يكون لهم حجة على الله ولا يقولوا: لم نفهم ما خوطبنا به، كما قال: (وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ) [فصلت: ٤٤]. فإن قلت: لم يبعث رسول الله ﷺ إلى العرب وحدهم، وإنما بعث إلى الناس جميعاً (قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً) [الأعراف: ١٥٨]، بل إلى الثقلين، وهم على ألسنة مختلفةٍ، فإن لم تكن للعرب حجه فلغيرهم الحجة وإن لم تكن لغيرهم حجة فلو نزل بالعجمية، لم تكن للعرب حجة أيضاً. قلت: لا يخلو إمّا أن ينزل بجميع الألسنة أو بواحد منها، فلا حاجة إلى نزوله بجميع الألسنة، لأن الترجمة تنوب عن ذلك وتكفى التطويل، فبقى أن ينزل بلسان واحد، فكان أولى الألسنة لسان قوم الرسول، لأنهم أقرب إليه، فإذا فهموا عنه وتبينوه وتنوقل عنهم وانتشر. قامت التراجم ببيانه وتفهيمه، كما ترى الحال وتشاهدها من نيابة التراجم في كل أمّة من أمم العجم، مع ما في ذلك من اتفاق أهل البلاد المتباعدة، والأقطار المتنازحة، والأمم المختلفة والأجيال المتفاوتة، على كتاب واحد، واجتهادهم في تعلم لفظه وتعلم معانيه، وما يتشعب من ذلك من جلائل الفوائد، وما يتكاثر في إتعاب النفوس وكدّ القرائح فيه، من القرب والطاعات المفضية إلى جزيل الثواب، ...... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فلو نزل بالعجمية)، جواب الشرط على التأويل، أي: ولئن منع أن يكون حجة لغير العرب فنحن نقول أيضاً: لو نزل، إلى آخره.

стр. 4276

ولأنه أبعد من التحريف والتبديل، وأسلم من التنازع والاختلاف، ولأنه لو نزل بألسنة الثقلين كلها - مع اختلافها وكثرتها، وكان مستقلاً بصفة الإعجاز في كل واحد منها، وكلم الرسول العربيّ كل أمّةٍ بلسانها كما كلم أمّته التي هو منها يتلوه عليهم معجزاً - لكان ذلك أمراً قريباً من الإلجاء. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أبعد من التحريف والتبديل، وأسلم من النزاع والاختلاف)، قال صاحب "الفرائد": وذلك أن الرسول إذا لم يكن له لسان مخالف للسان قومه تبين لهم كلهم ما أرسل به إليهم بلسانهم هم، ثم هم ينقلون ذلك إلى من سواهم من الأمم، وهلم جرا، فيحصل التواتر، وبه يحصل اليقين، وأما إذا كان لسانه مخالفاً للسان المبعوث إليهم، فيحتاجون إلى الترجمان والمبين، فيضعف النقل، فلم يحصل لهم اليقين، فيقع الاختلاف. ألا ترى أن رسول الله ﷺ لم يقبض حتى صار النقل تواتراً. قوله: (وكلم الرسول العربي كل أمة بلسانها، كما كلم أمته) إلى قوله: (لكان ذلك أمراً قريباً من الإلجاء)، قال في "الانتصاف": "وفي هذا نظر؛ إذ يتضمن أن إعجاز القرآن بلفظه خاصة، حتى لو قدر منزلاً بكل لغة لكان إلجاء إلى الإيمان، وهو بعيد، لأن الإيمان عند حصول العلم بالمعجزة ليس إلجائياً، ولا فرق بين حصوله بلغة واحدة ولغات كثيرة". وقلت: ولعل مراد المصنف من الإلجاء أن رجلاً واحداً عربياً إذا تكلم بالألسن التي لا تكاد تنحصر كثرة، ويكون كل منها مستقلاً بالإعجاز، كان ذلك مما يخرج عن حد المعجزة التي يصح أن يتحدى بها، فيكون كالأمور التي تلجئ إلى الإيمان، كالكشف عن قوارع الساعة، وحضور ملك الموت، وغير ذلك، ومن ثم قال: "قريباً من الإلجاء".

стр. 4277

ومعنى (بِلِسانِ قَوْمِهِ): بلغة قومه. وقرئ: "بلسن قومه". واللسن واللسان: كالريش والرياش، بمعنى اللغة. وقرئ: «بلسن قومه» بضم اللام، والسين مضمومةٌ أو ساكنة، وهو جمع لسان، كعماد وعمد وعمد على التخفيف. وقيل: الضمير في (قومه) لمحمد ﷺ ، ورووه عن الضحاك. وأن الكتب كلها نزلت بالعربية، ثم أدّاها كل نبيّ بلغة قومه، وليس بصحيح، لأنّ قوله (لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) ضمير القوم وهم العرب، فيؤدّى إلى أن الله أنزل التوراة من السماء بالعربية ليبين للعرب، وهذا معنى فاسد (فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ) كقوله: (فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ) [التغابن: ٢]، لأنّ الله لا يضلّ إلا من يعلم أنه لن يؤمن، ولا يهدي إلا من يعلم أنه يؤمن. والمراد بالإضلال: التخلية ومنع الألطاف، وبالهداية: التوفيق واللطف، فكان ذلك كناية عن الكفر والإيمان (وَهُوَ الْعَزِيزُ) فلا يغلب على مشيئته الْحَكِيمُ فلا يخذل إلا أهل الخذلان، ولا يلطف إلا بأهل اللطف. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (التي هو منها)، الضمير المرفوع للرسول ﷺ ، والمجرور للأمة. وقوله: "يتلوه" حال من المرفوع في "كلم". قوله: (لأن قوله: (لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) ضمير القوم، وهم العرب)، وللضحاك أن يقول: الضمير لكل قوم، كأنه قيل: وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قوم محمد ﷺ ليبين الرسول لقومه الذي أرسل إليهم؛ لدلالة السياق. قوله: ((فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ): كقوله تعالى: (فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ))، يريد: أن الفاء في (فَيُضِلُّ) تفصيلية، يعني: أن الله تعالى أرسل الرسول إلى القوم ليبين لهم طريق الهداية وطريق الضلالة، فعند ذلك حصل الاختلاف؛ فبعضهم اختاروا الهداية وبعضهم الضلالة، كقوله تعالى: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ

стр. 4278

[(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ)]. (أَنْ أَخْرِجْ) بمعنى أي: أخرج، لأنّ الإرسال فيه معنى القول، كأنه قيل: أرسلناه وقلنا له أخرج. ويجوز أن تكون "أن" الناصبة للفعل، وإنما صلح أن توصل بفعل الأمر، لأنّ الغرض وصلها بما تكون معه في تأويل المصدر وهو الفعل والأمر، وغيره سواء في الفعلية. والدليل على جواز أن تكون الناصبة للفعل: قولهم أو عز إليه بأن افعل، فأدخلوا عليها حرف الجر. وكذلك التقدير بأن أخرج قومك، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ) إلى قوله: (لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ) [البقرة: ٢١٣]، لكن لما كان الإضلال والهداية مترادفين لمنع الألطاف ومنح التوفيق، والمنع والمنح لازمين للكفر والإيمان، كنى بها عنهما على التلويحية. وعندنا: الفاء ليست للتفصيل، لأن المعنى: ما كان إرسال الرسل إلا للبيان وإلزام الحجة وإزاحة العلة وتمييز الضال من المهتدي، لا ليوجدوا فيهم الهداية، ويزيلوا عنهم الضلالة، فإن ذلك من الله تعالى، يضل من يشاء ويهدي من يشاء، لأنه عزيز قوي لا يغالب، يفعل ما يشاء، حكيم لا يدرك أحد كنه حكمته، يحكم ما يشاء، هذا ظاهر لا تعقيد فيه ولا تعسف، وموافق لفاتحة السورة، والله أعلم. قوله: (أوعز إليه)، الجوهري: "أوعزت إليه في كذا وكذا؛ أي: تقدمت، وكذلك: وعزت إليه توعيزاً، وقد يخفف فيقال: وعزت إليه وعزاً". وفي الحاشية: "أوعز؛ أي: أمر". قوله: (فأدخلوا عليها حرف الجر)، ودخول حرف الجر مشعر بأن "أن" مصدرية، لأنه من خواص الاسم، ولو كانت مفسرة لزم خلاف ذلك، لأن حرف الجر لا يدخل على الحرف ولا على الفعل.

стр. 4279

(وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ) وأنذرهم بوقائعه التي وقعت على الأمم قبلهم: قوم نوح وعاد وثمود. ومنه أيام العرب لحروبها وملاحمها، كيوم ذي قار، ويوم الفجار، ويوم قضة وغيرها، وهو الظاهر. وعن ابن عباس ﵄: نعماؤه وبلاؤه؛ فأما نعماؤه فإنه ظلل علل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المنَّ والسلوى، وفلق لهم البحر، وأما بلاؤه فإهلاك القرون. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وملاحمها)، الجوهري: الملحمة: الوقعة العظيمة في الفتنة. "يوم ذي قار": يوم لبني شيبان، وكان أبرويز أغزاهم جيشاً، وهو أول يوم انتصرت فيه العرب من العجم. و"الفجار": يوم من أيامهم، وهي أربعة أفجرة؛ كانت بين قريش ومن معها من كنانة وبين قيس عيلان في الجاهلية، وكانت الدبرة على قيس، وإنما سميت هذه الحرب فجاراً؛ لأنها كانت في الأشهر الحرم. و"يوم قضة"- بكسر القاف وفتح الضاد المعجمة المخففة: موضع كانت به وقعة تحلاق اللمم. قوله: (وهو الظاهر)، أي: وحمل "الأيام" على معنى الوقائع هو الظاهر، لأن التذكير بالأيام أكثر ما يستعمل في التخويف والإنذار كما سبق. وأما دليل ابن عباس على قوله: "نعماؤه وبلاؤه": فهو قوله: (صَبَّارٍ شَكُورٍ)، وكذا

стр. 4280

(لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) يصبر على بلاء الله ويشكر نعماءه، فإذا سمع بما أنزل الله من البلاء على الأمم، أو أفاض عليهم من النعم، تنبه على ما يجب عليه من الصبر والشكر واعتبر. وقيل: أراد لكل مؤمن، لأنّ الشكر والصبر من سجاياهم، تنبيهاً عليهم. [(وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ)]. (إِذْ أَنْجاكُمْ) ظرفٌ للنعمة بمعنى الإنعام، أي: إنعامه عليكم ذلك الوقت. فإن قلت: هل يجوز أن ينتصب بـ (عليكم)؟ قلت: لا يخلو من أن يكون صلة للنعمة بمعنى الإنعام، أو غير صلة إذا أردت بالنعمة العطية، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ جمع "الأيام"؛ فإنها تقتضي اختلاف أنواعها، وقوله: (اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ)، وقوله: (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ)، لأنه كالتفصيل لهذا الإجمال. قوله: (وقيل: أراد لكل مؤمن)، عطف من حيث المعنى على قوله: "يصبر على بلاء الله"، فعلى الأول: "الصبار" و"الشكور" مراد بهما كل من قام به الصبر والشكر، وعلى الثاني: عبارتان عن معبر واحد، كما تقول في الكناية عن الإنسان: حي مستوي القامة عريض الأظفار. هو من قوله: "الإيمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر". قوله: (تنبيهاً عليهم)، مفعول له، أي: قال الله تعالى: (لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ)، وأراد: لكل مؤمن؛ لينبه السامع على مكان الشكر والصبر، وأنهما من سجية المؤمنين، وكشف عن حقيقتهم، كأنه قيل: المؤمن هو الذي يصبر ويشكر.

стр. 4281

فإذا كان صلةً لم يعمل فيه، وإذا كان غير صلةٍ بمعنى اذكروا نعمة الله مستقرّة عليكم عمل فيه، ويتبين الفرق بين الوجهين أنك إذا قلت: نعمة الله عليكم، فإن جعلته صلة لم يكن كلاماً حتى تقول فائضة أو نحوها، وإلا كان كلاماً. ويجوز أن يكون (وإذ) بدلاً من (نعمة الله)، أي: اذكروا وقت إنجائكم، وهو من بدل الاشتمال. فإن قلت: في سورة البقرة (يُذَبِّحُونَ)، وفي الأعراف: (يُقَتِّلُونَ) وهاهنا (وَيُذَبِّحُونَ) مع الواو، فما الفرق؟ قلت: الفرق أنّ التذبيح حيث طرح الواو جعل تفسيراً للعذاب وبياناً له، وحيث أثبت جعل التذبيح لأنه أو في على جنس العذاب، وزاد عليه زيادة ظاهرة كأنه جنس آخر. فإن قلت: كيف كان فعل آل فرعون بلاء من ربهم؟ قلت: تمكينهم وإمهالهم، حتى فعلوا ما فعلوا ابتلاء من الله. ووجه آخر وهو أن ذلك إشارة إلى الإنجاء وهو بلاء عظيم، والبلاء يكون ابتلاء بالنعمة والمحنة جميعاً، قال تعالى: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً) [الأنبياء: ٣٥]، وقال زهير: فَأَبْلَاهُمَا خَيرَ البَلَاءِ الذِى يَبْلُوا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كيف كان فعل آل فرعون بلاء من ربهم)، يريد: كيف نسب البلاء الصادر من آل فرعون إلى الله تعالى؟ وأجاب: أن ما صدر منهم لما كان من تمكين الله تعالى نسب إليه، وهذا تحريف؛ لأن لفظة التنزيل: (وَفِي ذَلِكُم) أي: وفي أفعالهم اختبار من الله، أي: أنه تعالى خلق فيهم تلك الأفعال؛ ليكون ابتلاء منه. قوله: (فأبلاهما خير البلاء الذي يبلو)، أوله: جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم

стр. 4282

[(وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ)]. (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ) من جملة ما قال مومى لقومه، وانتصابه للعطف على قوله: (نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) كأنه قيل: وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم، واذكروا حين تأذن ربكم. ومعنى (تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ): أذن ربكم. ونظير تأذن وأذن: توعد وأوعد، تفضل وأفضل. ولا بدّ في "تفعل" من زيادة معنى ليس في "أفعل"، كأنه قيل: وإذ أذن ربكم إيذاناً بليغاً تنتفي عنده الشكوك، وتنزاح الشبه. والمعنى: وإذ تأذن ربكم فقال (لَئِنْ شَكَرْتُمْ) أو أجرى (تَأَذَّنَ) مجرى، "قال"، لأنه ضرب من القول. وفي قراءة ابن مسعود: «وإذ قال ربكم لئن شكرتم»، أي: لئن شكرتم يا بني إسرائيل ما خولتكم من نعمة الإنجاء وغيرها من النعم ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مضى شرحه في الأنفال. قوله: (ولابد في "تفعل" من زيادة معنى)، ومن ذلك قيل: تكلف فلان فيما فعل: أي: كدح فيه وتعمل. قوله: (أي: لئن شكرتم- يا بني إسرائيل- ما خولتكم من نعمة الإنجاء) إلى آخره، ولما كان اللفظان مطلقين- أعني: (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ) - غير مقيدين بأي شيء يشكرون، وما تلك النعمة التي وجب عليهم شكرها، وما تلك الزيادة التي يستزيدونها بالشكر، قيد كلاً بما يناسبه المقام، قال محيي السنة: "قيل: الشكر قيد الموجود وصيد المفقود".

стр. 4283

بالإيمان الخالص والعمل الصالح (لَأَزِيدَنَّكُمْ) نعمة إلى نعمة، ولأضاعفن لكم ما آتيتكم (وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ) وغمطتم ما أنعمت به عليكم إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ لمن كفر نعمتي. [(وَقالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ)]. (وَقالَ مُوسى): إن كفرتم أنتم - يا بني إسرائيل- والناس كلهم، فإنما ضررتم أنفسكم وحرمتموها الخير الذي لا بدّ لكم منه وأنتم إليه محاويج، واللَّهَ غَنِيٌّ عن شكركم (حَمِيدٌ) مستوجبٌ للحمد بكثرة أنعمه وأياديه، وإن لم يحمده الحامدون. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (بالإيمان الخالص)، الباء متعلقة بقوله: (لَئِنْ شَكَرْتُمْ). قوله: (وغمطتم)، أي: حقرتم، الجوهري: "غمط الناس: الاحتقار لهم والإزراء بهم". قوله: (فإنما ضررتم أنفسكم وحرمتموها الخير الذي لابد لكم منه، وأنتم إليه محاويج)، هذه المعاني إنما تستفاد من إيقاع قوله: (فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ) جزاء لقوله: (إِن تَكْفُرُوا)، فإنه على سبيل التقريع والتوبيخ، يعني: إني أنبهكم- أيها الجهلة- بسبب كفرانكم نعمة الله؛ على أنكم إنما ضررتم أنفسكم وحرمتموها الخير الذي لابد لمك منه، لأنه تعالى ما كلفكم إلا ليجزيكم على أعمالكم، فتنتفعوا بها يوم القيامة؛ يوم تحتاجون غليه، إذ لا يرجع نفعها ولا ضرها إليه، لأنه غني حميد، سواء حمدتموه أو كفرتم به، ولابد من الجزاء، وليس ذلك إلا في يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم، وهو المراد من قوله: "وأنتم إليه محاويج"، أي: إلى الخير الذي يصل إليكم بسبب أعمالكم في ذلك اليوم.

стр. 4284

[(أَلَمْ يَأتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللَّهُ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ وَقالُوا إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ)]. (وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ) جملةٌ من مبتدأ وخبرٍ وقعت اعتراضاً، أو: عطف "الذين من بعدهم" على (قوم نوح)، و (لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ) اعتراض. والمعنى: أنهم من الكثرة بحيث لا يعلم عددهم إلا الله. وعن ابن عباس ﵄: بين عدنان وإسماعيل ثلاثون أبا لا يعرفون، وكان ابن مسعود إذا قرأ هذه الآية قال: كذب النسابون، يعني أنهم يدّعون علم الأنساب، وقد نفى الله علمها عن العباد. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أو عطف "الذين من بعدهم" على (قَوْمِ نُوحٍ)، و (لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللهُ) اعتراض)، هذا أحسن من الاعتراض الأول، لأن الاعتراض من التحاسين في الكلام، وحسن موقعه أن يكون مع التأكيد، كما قال: "والمعنى: [أنهم] من الكثرة بحيث لا يعلم عددهم إلا الله". وعلى الأول: والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله، ليس فيه رائحة من ذلك. قوله: (بين عدنان وإسماعيل)، قال صاحب "الجامع": "اختلف في نسب النبي ﷺ بعد اتفاقهم أنه من ولد إسماعيل ﵇، وأنه من ولد معد بن عدنان، وإنما الاختلاف في الأسماء التي قبل عدنان، ولا يكاد يصح لأحد الرواة رواية ولا ضبط الأسماء". وأما اتصال هذه الآية بما قبلها: فإنه لما أجمل الكلام في قوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ

стр. 4285

(فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ) فعضوها غيظاً وضجراً مما جاءت به الرسل، كقوله (عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ) [آل عمران: ١١٩]، أو ضحكاً واستهزاء كمن غلبه الضحك فوضع يده على فيه. أو: وأشاروا بأيديهم إلى ألسنتهم وما نطقت به من قولهم (إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ) أي: هذا جوابنا لكم ليس عندنا غيره، إقناطاً لهم من التصديق. ألا ترى إلى قوله (فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ وَقالُوا إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ) وهذا قول قوي. أو: وضعوها على أفواههم يقولون للأنبياء: أطبقوا أفواهكم واسكتوا. أو ردّوها في أفواه الأنبياء، ........ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ)، وفصله مبتدئاً بقصة موسى ﵇، عقبه مجملاً بقوله: (أَلَمْ يَاتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللَّهُ) توبيخاً وتهديداً. قوله: (ألا ترى إلى قوله: (فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ))، يعني: الذي ينصر أن المراد من قوله: (فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ): أنهم أشاروا بأيديهم إلى ما نطقت به ألسنتهم؛ عطف قوله: (إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ)، أي: أشاروا إلى أفواههم، ثم تكلموا به، لتتصل الإشارة بالقول، ومنه قولهم: أقول قولي هذا. وهذا أقوى الوجوه؛ وذلك أنه تعالى عطف "قالوا" على (فَرَدُّوا)، والفاء للتعقيب، فكأنهم لما جاءتهم الرسل بالبينات ما أمهلوا، بل عقبوه بالتكذيب، وأكدوه غاية التأكيد، وما تفكروا في الآيات، وما قصروا في الرد. الانتصاف: "أقوى الوجوه هذا، لأن إقناطهم قولاً وفعلاً هو المناسب لحدهم، ومن ثم صدروا الجملة بـ "إن" المؤكدة، وواجهوا بالخطاب، وكرروا "إنا"، ولا يناسب

стр. 4286

يشيرون لهم إلى السكوت. أو وضعوها على أفواههم يسكتونهم ولا يذرونهم يتكلمون. وقيل: الأيدي، جمع يدٍ، وهي النعمة بمعنى: الأيادي، أي: ردوا نعم الأنبياء التي هي أجل النعم من مواعظهم ونصائحهم وما أوحى إليهم من الشرائع والآيات (في أفواههم)، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ السياق الضحك والغيظ، ولا التصميت، إذ لم ينكروا عودهم إلى المجادلة". قوله: (أو وضعوها على أفواههم يسكتونهم)، أي: يسكتونهم قسراً بوضع الأيدي على شفاهم، وفي الوجه السابق: لم يكن الوضع للقسر بل للإشارة. قال صاحب "الفرائد": الواجب أن يكون المراد منعهم من التحدث بما جاؤوا بقدر استطاعتهم، لأنه إن حمل على الحقيقة لزم أن يكون الكل وضعوا أيديهم على أفواههم، ومعلوم أنه غير واقع. وقلت: لا يلزم ذلك، لأنه حينئذ من باب "قتل بنو تميم فلاناً"، وإنما قتله واحد منهم. قوله: (وقيل: "الأيدي": جمع "يد"، وهي النعمة، بمعنى: الأيادي)، إنما قال: "بمعنى: الأيادي"؛ لأن "الأيادي" غلبت في النعم، و"الأيدي" في الجوارح، قال: سأشكر عمراً إن تراخت منيتي … أيادي لم تمنن وإن هي جلت

стр. 4287

لأنهم إذا كذبوها ولم يقبلوها، فكأنهم ردوها في أفواههم ورجعوها إلى حيث جاءت منه على طريق المثل (مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ) من الإيمان بالله. وقرئ: «تدعونا»، بإدغام النون (مُرِيبٍ) موقع في الريبة أو ذى ريبة، من أرابه، وأراب الرجل، وهي قلق النفس وأن لا تطمئن إلى الأمر. [(قالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَاتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ)]. (أَفِي اللَّهِ شَكٌّ) أدخلت همزة الإنكار على الظرف، لأن الكلام ليس في الشك، إنما هو في المشكوك فيه، وأنه لا يحتمل الشك لظهور الأدلة وشهادتها عليه (يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ) أي: (يدعوكم) إلى الإيمان (ليغفر لكم)، أو يدعوكم لأجل المغفرة، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (على طريق المثل)، أي: مثل ما جاء به الأنبياء من المصالح والنصائح والمواعظ، وأنهم ردوها أبلغ رد، وما قبلوها، بما يحاول رده إلى حيث جاء منه؛ من الكلام الخارج من الفم، فقيل: (فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ)، نحوه قوله تعالى: (نَبَذَ فَرِيقٌ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ) [البقرة: ١٠١]، قال المصنف: "نبذه وراء ظهورهم مثل لتركهم وأعراضهم عنه بما يرمى به وراء الظهر استغناء عنه وقلة التفات إليه"، فإذن لا يد ولا فم هناك. قوله: (لأن الكلام ليس في الشك)، يعني: من حق حرف الاستفهام أن يدخل على فعل الشك، لا على الظرف الذي هو متعلقه، وإنما أدخل عليه لأن التردد إنما وقع في المشكوك فيه، لأن الشك موجود لا كلام فيه. قوله: (أي: (يَدْعُوكُمْ) إلى الإيمان (لِيَغْفِرَ لَكُم)، أو: يدعوكم لأجل المغفرة)، وعلى الثاني: الدعوة مطلقة أو المدعو إليه عام، قال القاضي: " (يَدْعُوكُمْ) إلى الإيمان (لِيَغْفِرَ

стр. 4288

كقوله: دعوته لينصرني، ودعوته ليأكل معي، وقال: دَعَوْتُ لِمَا نَابَنِى مِسْوَرا … فَلَبَّى فَلَبَّى يَدَيْ مِسْوَرِ فإن قلت: ما معنى التبعيض في قوله: (من ذنوبكم)؟ قلت: ما علمته جاء هكذا إلا في خطاب الكافرين، كقوله: (وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ* يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ) [نوح: ٣ - ٤]، (يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ) [الأحقاف: ٣١]، وقال في خطاب المؤمنين: (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ) [الصف: ١٠] إلى أن قال (يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) [الصف: ١٢]، وغير ذلك مما يقفك عليه الاستقراء، وكان ذلك للتفرقة بين الخطابين، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لَكُم)، أو يدعوكم إلى المغفرة، كقولك: دعوته لينصرني؛ على إقامة المفعول له مقام المفعول به"، أراد: أن المدعو إليه في الأول: الإيمان، و (لِيَغْفِرَ لَكُم) تعليل قصداً، وفي الثاني: المدعو إليه المغفرة، والتعليل لازم لكن من غير قصد. قوله: (دعوت لما نابني مسوراً فلبا فلبي يدي مسور)، روي عن المصنف: أن ذكر "اليدين" على سبيل الإقحام، وأضاف "لبي" إلى المظهر، كما يضاف إلى المضمر، وفي حاشية "الصحاح": "قال أبو تمام: البيت لأعرابي من بني أسد، استشهد به على أن "لبيك" مثنى، والياء علامة التثنية، وليست مثل: عليك وإليك. وكتب ابن الحبيب الكاتب". فـ "لبا" الأولى بالألف، والثانية بالياء على إضافتها إلى "يدي" إضافة للمصدر إلى المفعول، وصححه الصغاني، والأول فعل وإن كانت الألف رابعة، ولعل ذلك للتمييز، والفاء الثانية سببية على حذف الفعل، وإقامة المصدر مقامه، دعا له أن يكون مجاباً كما كان مجيباً و"يدي" تأكيد.

стр. 4289

ولئلا يسوي بين الفريقين في الميعاد، وقيل: أريد أنه يغفر لهم ما بينهم وبين الله، بخلاف ما بينهم وبين العباد من المظالم ونحوها. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال الجوهري: "قولهم: هذا كما قدمت يداك، وهو تأكيد، كما يقال: هذا ما جنت يداك، أي: جنيته أنت". يقول: دعوت مسوراً لينصرني لما نابني من الشدائد، فأجابني، فأجاب الله دعاءه ونصره الله نصراً. قوله: (وقيل: أريد أنه يغفر لهم ما بينهم وبين الله تعالى، بخلاف ما بينهم وبين العباد من المظالم)، قال صاحب "التقريب": وفيه نظر، لأنه مشترك بين الفريقين، أي: المؤمنين إذا تابوا، والكافرين إذا آمنوا. وقلت: الذي عليه الحديث الصحيح الذي رويناه في "صحيح مسلم" عن عمرو ابن العاص قال: "لما جعل الله الإسلام في قلبي، أتيت النبي ﷺ فقلت: ابسط يمينك فلأبايعك، فبسط يمينه، قال: فقبضت يدي، فقال: ما لك يا عمرو؟ قلت: أردت أن أشترط، قال: تشترط ماذا؟ قلت: أن يغفر لي، قال: أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله"، يرد نظره وهذا القول أيضاً. قال التوربشتي: "اعلم أن الفضائل المرتبة بعضها على بعض مختلفة لا يجوز التسوية بينها في الحكم، وذلك أن الإسلام يهدم ما كان قبله على الإطلاق، مظلمة كانت أو غير مظلمة، كبيرة كانت أو صغيرة، فأما الهجرة والحج فإنهما لا يكفران المظالم، ولا يقطع فيهما أيضاً بغفران الكبائر التي بين الله وبين العباد، فيحمل الحديث على أن الهجرة والحج يكفران الصغائر والكبائر أيضاً فيما لا يتعلق بحقوق العباد، كما عرفنا ذلك من أصول الدين".

стр. 4290

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقلت: وروينا في "سنن ابن ماجة" عن عباس بن مرداس: "أن النبي ﷺ دعا عشية عرفة لأمته بالمغفرة والرحمة، فأكثر الدعاء، فأجيب: أني قد غفرت لهم ما خلا المظالم، فإني آخذ للمظلوم منه. قال: أي رب، إن شئت أعطيت المظلوم من الجنة، وغفرت للظالم. فلم يجب عشيته، فلما أصبح بالمزدلفة أعاد الدعاء فأجيب إلى ما سأل. قال: فضحك رسول الله ﷺ أو تبسم-، فقال له أبو بكر ﵁: فما الذي أضحكك، أضحك الله سنك؟ قال: إن عدو الله إبليس لما علم أن الله استجاب دعائي، وغفر لأمتي، أخذ التراب، فجعل يحثوه على رأسه، ويدعو بالويل والثبور، فأضحكني ما رأيت من جزعه". قال صاحب "الفرائد": "من": زائدة للتأكيد، كما هو مذهب الأخفشن فيكون مبالغة واستغراقاً في غفران الذنوب الماضية من الكفر وغيره، وذلك أليق بأهل الكفر حين دعوا إلى الإيمان والعمل الصالح؛ لبعدهم عن ذلك وإنكارهم، فخصوا لذلك بذلك. ونقل عن الأصم: أن "من" للتبعيض، والمعنى: أنكم إذا تبتم يغفر الله لكم الذنوب التي هي الكبائر، فأما الصغائر فلا حاجة إلى غفرانها، لأنها في نفسها مغفورة. وقلت: والذي يقتضيه المقام هذا، لأن الدعوة عامة، لقوله تعالى: (قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ)، كأنه قيل: أيها الشاكون الملوثون بأوضار الشرك والكفر والمعاصي، إن الله يدعوكم إلى الإيمان والتوحيد ليطهركم من أجناس أنجاس الذنوب، فلا وجه للتخصيص، وقد ورد: (إِن

стр. 4291

(وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى) إلى وقت قد سماه الله وبين مقداره، يبلغكموه إن آمنتم، وإلا عاجلكم بالهلاك قبل ذلك الوقت. (إِنْ أَنْتُمْ) ما أنتم (إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا) لا فضل بيننا وبينكم، ولا فضل لكم علينا، فلم تخصون بالنبوّة دوننا، ولو أرسل الله إلى البشر رسلاً لجعلهم من جنسٍ أفضل منهم وهم الملائكة، (بِسُلْطانٍ مُبِينٍ) بحجة بينة، وقد جاءتهم رسلهم بالبينات والحجج، وإنما أرادوا بالسلطان المبين آية قد اقترحوها تعنتاً ولجاجاً. [(قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَما كانَ لَنا أَنْ نَاتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) [الأنفال: ٣٨]، و"ما" للعموم، سيما في الشرط، ومقام الكافر عند ترغيبه في الإسلام بسط لا قبض، ولأن الكفار إذا أسلموا إنما اهتمامهم في الشرك ونحوه، لا في الصغائر. يؤيده ما روى المصنف: أن أهل مكة قالوا: يزعم محمد أن من عبد الأوثان وقتل النفس التي حرم الله لم يغفر له، فكيف ولم نهاجر، وعبدنا الأوثان، وقتلنا النفس التي حرم الله؟ ! فنزلت: (قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ) [الزمر: ٥٣] الآية، وقصة وحشي مشهورة. على أن الزجاج نص في بعض المواضع من "تفسيره": أن "من" للبيان. قوله: (لجعلهم من جنس أفضل منهم، وهم الملائكة)، الانتصاف: "تهالك في مذهبه حتى اعتقد أن الكفار كانوا يعتقدون تفضيل الملك".

стр. 4292

وَما لَنا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ)]. (إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) تسليم لقولهم، وأنهم بشر مثلهم، يعنون: أنهم مثلهم في البشرية وحدها، فأما ما وراء ذلك فما كانوا مثلهم، ولكنهم لم يذكروا فضلهم تواضعاً منهم، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (تسليم لقولهم، وأنهم بشر مثلهم) إلى قوله: (فأما ما وراء ذلك فما كانوا مثلهم)، وهو كالقول بالموجب، لأن فيه إطماعاً بالموافقة، وكذا إلى إجابتهم بالإبطال بقوله: (وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ)، أي: إنما اختصنا الله بالرسالة بفضل منه وامتنان، والبشرية غير مانعة لمشيئته، وفي قول المصنف: "إلا وهم أهل لاختصاصهم" شائبة من الميل إلى المذهب، وفي قول موسى ﵇: (فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنْ الْمُرْسَلِينَ) [الشعراء: ٢١] دلالة على أن الرسالة موهبة محضة من الله، لا مدخل لعمل العبد فيها.

стр. 4293

واقتصروا على قولهم: (وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ) بالنبوّة، لأنه قد علم أنه لا يختصهم بتلك الكرامة إلا وهم أهل لاختصاصهم بها، لخصائص فيهم قد استأثروا بها على أبناء جنسهم (إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) أرادوا أن الإتيان بالآية التي اقترحتموها ليس إلينا ولا في استطاعتنا، وما هو إلا أمر يتعلق بمشيئة الله (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) أمرٌ منهم للمؤمنين كافة بالتوكل، وقصدوا به أنفسهم قصدا أوليا وأمروها به، كأنهم قالوا: ومن حقنا أن نتوكل على الله في الصبر على معاندتكم ومعاداتكم وما يجرى علينا منكم. ألا ترى إلى قوله (وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ) ومعناه: وأي: عذر لنا في أن لا نتوكل عليه (وَقَدْ هَدانا) وقد فعل بنا ما يوجب توكلنا عليه، وهو التوفيق لهداية كل واحد منا سبيله الذي يجب عليه سلوكه في الدين. فإن قلت: كيف كرّر الأمر بالتوكل؟ قلت: الأول لاستحداث التوكل، وقوله (فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ) معناه فليثبت المتوكلون على ما استحدثوا من توكلهم وقصدهم إلى أنفسهم على ما تقدّم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وأمروها به)، الضمير راجع إلى "الأنفس"، وهو عطف على "قصدوا". قوله: (الأول)، أي: الأول لاستحداث التوكل، والثاني: للثبات عليه، وذلك أن قوله: (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ) تذييل للجواب عن قول القوم: (إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا)، كأنهم قالوا: من حقنا أن نتوكل على الله في الصبر على معاندتكم هذه، فلما ذكروا رفع الموانع من التوكل، وأثبتوا السبب فيه، وهو الهداية، وتصريح الصبر على أذى القوم، كروا إلى اختصاص التوكل عليه، فاللام في (الْمُتَوَكِّلُونَ) للعهد التقديري، بدلالة قوله: (فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ)، أي: الواجب علينا في اختصاصنا التوكل على الله أن نشمر له عن ساق الجد، وكلما تجدد الموجب نستجد توكلاً على التوكل.

стр. 4294

[(وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ* وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ)]. (لَنُخْرِجَنَّكُمْ)، (أَوْ لَتَعُودُنَّ) ليكونن أحد الأمرين لا محالة، إما إخراجكم وإما عودكم حالفين على ذلك. فإن قلت: كأنهم كانوا على ملتهم حتى يعودوا فيها؟ قلت: معاذ الله، ولكن العود بمعنى الصيرورة، وهو كثير في كلام العرب كثرة فاشية؛ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ليكونن أحد الأمرين لا محالة)، وقد استقصينا الكلام [فيه] في قوله: (تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ) [الفتح: ١٦] بسورة (إِنَّا فَتَحْنَا). قوله: (حالفين على ذلك)، هو حال، وعاملها مضمر، أي: قالوا: لابد من الإخراج أو العود حالفين، والدليل على القسم اللامان في "لنخرجن" و (لَتَعُودُنَّ). قوله: (ولكن "العود" بمعنى: الصيرورة)، قال صاحب "الفرائد": ولو كان "عاد" بمعنى: صار، لقيل: لتعودن إلى ملتنا، أي: لتصيرن إليها، فملا عدي بـ "في" ضمن معنى: دخل، كقوله: (فَادْخُلِي فِي عِبَادِي) [الفجر: ٢٩]، أي: لتدخلن في أهل ملتنا. وقلت: إنما يلزم ذلك أن لو كان (فِي مِلَّتِنَا) صلة (لَتَعُودُنَّ)، وليس كذلك، لأن "عاد" إذا كان بمعنى: صار، لم يكن "في" من صلة "العود"، بل يكون خبراً لـ "عاد"، لأن أخوات "كان" و"صار" من دواخل المبتدأ والخبر، ويمكن أن يقال: إنهم قالوا ذلك لظنهم الفاسد وجهلهم بأحواله، كقول فرعون: (وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنْ الْكَافِرِينَ) [الشعراء: ١٩]، قال: "أو جهل أمره، لأنه كان يعايشهم بالتقية".

стр. 4295

لا تكاد تسمعهم يستعملون "صار"، ولكن "عاد"، ما عدت أراه عاد لا يكلمني، ما عاد لفلانٍ مال. أو خاطبوا به كل رسول ومن آمن به، فغلبوا في الخطاب الجماعة على الواحد. (لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ) حكاية تقتضي إضمار القول، أو إجراء الإيحاء مجرى القول، لأنه ضرب منه. وقرأ أبو حيوة: «ليهلكنّ»، و «ليسكننكم» بالياء اعتباراً لـ"أوحى"، وأن لفظه لفظ الغيبة، ونحوه قولك: أقسم زيد ليخرجن ولأخرجن. والمراد بـ"الأرض": أرض الظالمين وديارهم، ونحوه: (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا) [الأعراف: ١٢٧]، (وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ) [الأحزاب: ٢٧]. وعن النبي ﷺ : «من آذى جاره ورثه الله داره» ولقد عاينت هذا في مدة قريبة: كان لي خالٌ يظلمه عظيم القرية التي أنا منها ويؤذيني فيه، فمات ذلك العظيم وملكني الله ضيعته، فنظرت يوماً إلى أبناء خالي يتردّدون فيها ويدخلون في دورها ويخرجون ويأمرون وينهون فذكرت قول رسول الله ﷺ ، وحدّثتهم به، وسجدنا شكراً لله (ذلِكَ) إشارة إلى ما قضى به الله من إهلاك الظالمين إسكان المؤمنين ديارهم، أي: ذلك الأمر حق (لِمَنْ خافَ مَقامِي) موقفي وهو موقف الحساب، لأنه موقف الله الذي يقف فيه عباده يوم القيامة، أو على إقحام المقام. وقيل: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أو على إقحام المقام)، وهو كقوله: .... ونفيت عنه … مقام الذئب ...... وسبق بيانه في أنه كناية.

стр. 4296

خاف قيامي عليه وحفظي لأعماله. والمعنى أنّ ذلك حق للمتقين، كقوله: (وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) [الأعراف: ١٢٨]. [(وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ* مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ* يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ وَيَاتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ)]. (وَاسْتَفْتَحُوا) واستنصروا الله على أعدائهم (إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ) [الأنفال: ١٩]، أو: استحكموا الله وسألوه القضاء بينهم؛ من الفتاحة وهي الحكومة، كقوله تعالى: (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ) [الأعراف: ٨٩]، وهو معطوف على (فَأَوْحى إِلَيْهِمْ). وقرئ: «واستفتحوا»، بلفظ الأمر، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (والمعنى: أن ذلك حق للمتقين، كقوله: (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ))، يريد: موقع قوله: (لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ) - الذي هو كناية عن "المتقين" في هذه الآية- بعد قوله: (وَلَنُسْكِنَنَّكُمْ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ) موقع قوله: (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) في قصة موسى ﵇، حيث قال: (قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) [الأعراف: ١٢٨]، ولهذا شبه قوله: (وَلَنُسْكِنَنَّكُمْ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ) بقوله: (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا) [الأعراف: ١٣٧]، (وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ) [الأحزاب: ٢٧]، وهو في تلك القصة. قوله: (وقرئ: "واستفتحوا" بلفظ الأمر)، قال ابن جني: "قرأها ابن عباس ومجاهد وابن محيصن".

стр. 4297

وعطفه على (لَنُهْلِكَنَّ) أي: أوحى إليهم ربهم وقال لهم لنهلكنّ، وقال لهم: استفتحوا. (وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) معناه: فنصروا وظفروا وأفلحوا (وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ)، وهم قومهم. وقيل: واستفتح الكفار على الرسل، ظناً منهم بأنهم على الحق والرسل على الباطل، (وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) منهم ولم يفلح باستفتاحه. (مِنْ وَرائِهِ) من بين يديه. قال: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وعطفه على (لَنُهْلِكَنَّ) داخلة في حكم الموحى- أي: الموحى إليه- لبيان الوعد بالإهلاك والأمر بطلب الفتح، ثم قوله: (وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) على التقديرين: إخبار عن مآل الحال، وهو معطوف على مقدر هو مرتب على الوعد بالاستفتاح، وإليه الإشارة بقوله: "فنصروا وظفروا وأفلحوا وخاب كل جبار عنيد". فإن قلت: قوله: (وَاسْتَفْتَحُوا) طلب النصرة- سواء كان خبراً أو طلباً- موقعه قبل الوعد بالإهلاك، فما الحكمة في تأخيره؟ قلت: الواو للجمع المطلق، كأنه تعالى أخبر عن وجودهما، وعول الترتيب إلى ذهن السامع. قوله: (وقيل: واستفتح الكفار)، عطف على " (وَاسْتَفْتَحُوا) واستنصروا"، لا على "استفتحوا؛ بلفظ الأمر"، لأنه لا يدخل تحت الموحى، بل تحت الإخبار، فعلى هذا: (وَخَابَ) عطف على (وَاسْتَفْتَحُوا).

стр. 4298

عَسَى الْكَرْبُ الَّذِى أَمْسَيْتَ فِيهِ … يَكُونُ وَرَاءَهُ فَرَجٌ قَرِيبُ وهذا وصف حاله وهو في الدنيا، لأنه مرصد لجهنم، فكأنها بين يديه وهو على شفيرها أو وصف حاله في الآخرة حين يبعث ويوقف. فإن قلت: علام عطف (وَيُسْقى)؟ قلت: على محذوف تقديره: من ورائه جهنم يلقى فيها ما يلقى ويسقى من ماء صديد، كأنه أشد عذابها، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (عسى الكرب الذي) البيت، صح "أمسيت" على الخطاب، لأن القائل يبشر رجلاً محزوناً بالفرج القريب، وزوال الحزن، ووشك انكشافه، وحذف "أن" من الفعل بعد "عسى"، وهو قليل. قوله: (مرصد بجهنم)، بفتح الميم وبالباء، وفي نسخة: "مرصد لجهنم" بضم الميم وباللام. النهاية: "يقال: رصدته؛ إذا قعدت له على طريقه تترقبه، وأرصدت له العقوبة؛ إذا أعددتها له، وحقيقته: جعلتها على طريقه كالمترقبة له". قوله: (أو وصف حاله في الآخرة حيث يبعث)، عطف على قوله: "من بين يديه"، فسر "الوراء" بكلا معنييه لأنه من الأضداد، قال الجوهري: "وراء: بمعنى: خلف، وقد يكون بمعنى: قدام". قوله: (من ورائه جهنم يلقى فيها ما يلقى ويسقى من ماء)، قال صاحب "الفرائد": "ويمكن أن يقال: هو عطف على المقدر في قوله: (مِن وَرَائِهِ جَهَنَّمُ)، أي: يحصل له من ورائه جهنم، ويسقى فيها من ماء صديد". وما قدره المصنف أبلغ، والمقام له أدعى،

стр. 4299

فخصص بالذكر مع قوله (وَيَاتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ). فإن قلت: ما وجه قوله تعالى (مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ)؟ قلت: (صديد) عطف بيان لـ (ماء)، قال: (وَيُسْقى مِنْ ماءٍ) فأبهمه إبهاماً ثم بينه بقوله (صَدِيدٍ)، وهو ما يسيل من جلود أهل النار. (يَتَجَرَّعُهُ) يتكلف جرعه (وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ) دخل "كاد" للمبالغة. يعني: ولا يقارب أن يسيغه، فكيف تكون الإساغة، كقوله (لَمْ يَكَدْ يَراها) [النور: ٤٠]، أي: لم يقرب من رؤيتها فكيف يراها؟ (وَيَاتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ) كأنّ أسباب الموت وأصنافه كلها قد تألبت عليه وأحاطت به من جميع الجهات، تفظيعا لما يصيبه من الآلام. وقيل: (مِنْ كُلِّ مَكانٍ) من جسده حتى من إبهام رجله. وقيل: من أصل كل شعرة ......... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والعاطف إذا جيء بغير معطوف عليه دل على فخامة الأمر، ومن ثم قدر: "يلقى ما يلقى"، أي: لا يدخل تحت الوصف، والجملة استئنافية. قوله: (فخصص بالذكر مع قوله: (وَيَاتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ))، وإنما جمعهما ليؤذن بالجمع بين الذوقين؛ ذوق مرارة الصديد، وذوق مرارة الغصص وما الموت دونه؛ تفظيعاً للأمر. فظهر من هذا أن قول المصنف: "تفظيعاً لما يصيبه من الآلام" على لمقدر، أي: إنما خصه بالذكر وجمعه مع قوله: (وَيَاتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ) تفظيعاً لما يصيبه. قوله: (قد تألبت)، الجوهري: "تألبوا: اجتمعوا، وهم ألب: إذا كانوا مجتمعين".

стр. 4300

(وَمِنْ وَرائِهِ) ومن بين يديه (عَذابٌ غَلِيظٌ) أي: في كل وقت يستقبله يتلقى عذاباً أشدّ مما قبله وأغلظ. وعن الفضيل: هو قطع الأنفاس وحبسها في الأجساد. ويحتمل أن يكون أهل مكة قد استفتحوا - أي: استمطروا، والفتح المطر - في سني القحط التي أرسلت عليهم بدعوة رسول الله ﷺ فلم يسقوا، فذكر سبحانه ذلك، وأنه خيب رجاء كل جبار عنيد وأنه يسقى في جهنم بدل سقياه ماء آخر، وهو صديد أهل النار. و"اسْتَفْتَحُوا" على هذا التفسير: كلامٌ مستأنفٌ منقطعٌ عن حديث الرسل وأممهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((مِنْ وَرَائِهِ) ومن بين يديه (عَذَابٌ غَلِيظٌ)، أي: في كل وقت يستقبله)، (مِنْ وَرَائِهِ) في الآية الأولى: ظرف مكان؛ يدل عليه قوله: "فكأنها بين يديه وهو على شفيرها"، وفي هذه: ظرف زمان؛ يدل عليه قوله: "في كل وقت"، وإنما فسره بالوقت لإردافه بقوله: (مِن كُلِّ مَكَانٍ) ليشمل الأمكنة والأزمنة. قوله: (ويحتمل أن يكون أهل مكة)، عطف على قوله: "واستفتح الكفار على الرسل". قوله: (كلام مستأنف منقطع)، فإن قلت: قد تقرر أن الاستئناف مناف لإدخال العاطف، فما هذه الواو إذن؟ قلت: قد ذكر أن الجملة منقطعة عن حديث الرسل وأممهم، ولم يذكر أنها منقطعة على الإطلاق، لأنها متصلة بقوله في مفتتح السورة: (وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ* الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً) [إبراهيم: ٢ - ٣]، والمراد منهم أهل مكة، ووسطت قصص الأنبياء بين الكلامين؛ ليذكرهم بأيام الله، فيعتبروا بعاقبة الذين من قبلهم وكانوا أشد منهم قوة وأكثر أموالاً، ولإرشاد الرسول ﷺ وتسليته ليهتدي بهديهم، ويقتفي آثارهم في الصبر على أذى القوم، والتشمر في الدعوة إلى الدين الحق. ألا ترى كيف طابق بين الإرشادين- أعني: قوله: (لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى

стр. 4301

[(مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ)]. هو مبتدأ محذوف الخبر عند سيبويه، تقديره: وفيما يقص عليك (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ) و"المثل" مستعار للصفة التي فيها غرابة وقوله (أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ) جملةٌ مستأنفةٌ على تقدير سؤال سائل يقول: كيف مثلهم؟ فقيل: (أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ). ويجوز أن يكون المعنى: مثل أعمال الذين كفروا بربهم. أو هذه الجملة خبرا للمبتدأ؛ ......... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ النُّورِ) [إبراهيم: ١] في خطاب الرسول ﷺ ، وقوله: (أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) [إبراهيم: ٥] من خطاب موسى عليه السالم، ووافق بين التذكيرين، أعني: تذكير هذه الأمة بالأنبياء والأمم، وتذكير أمة موسى ﵇ بقوله: (وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ) [إبراهيم: ٥]. وإنما أخر المصنف هذا الوجه، وفصل بينه وبين الوجوه السابقة، وأطال الكلام بينها، لأنه- بالنظر إلى الظاهر- بعيد التعلق، وعليه النظم المعجز كما ترى. وأما إيراده في هذا المقام فعلى سبيل الاستطراد، فإنه تعالى لما ذكر خيبة الجبارين الذين تجبروا على الرسل، فإنهم لما قالوا: (لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا) [إبراهيم: ١٣] خيبهم بقوله: (لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ* وَلَنُسْكِنَنَّكُمْ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ) [إبراهيم: ١٣ - ١٤]، كما استفتح أهل مكة بالمطر، وخيبهم بالسقي من الماء الصديد. والمراد بـ "سني القحط": ما أكلوا فيها الجيف والعلهز، وهي الدخان في قوله: (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَاتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ* يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَليمٌ) [الدخان: ١٠ - ١١]. قوله: (أو: هذه الجملة خبر للمبتدأ)، عطف على قوله: "ويجوز أن يكون المعنى"، يعني: قوله: (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ) مبتدأ، والخبر: (أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ) على تقدير

стр. 4302

أي: صفة الذين كفروا أعمالهم كرماد، كقولك صفة زيد عرضه مصون وماله مبذول، أو يكون (أعمالهم) بدلاً من (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا) على تقدير: مثل أعمالهم، و (كرماد): الخبر. وقرئ: (الرياح فِي يَوْمٍ عاصِفٍ) جعل العصف لليوم، وهو لما فيه، وهو الريح أو الرياح، كقولك: يوم ماطر وليلة ساكرة. وإنما السكور لريحها وقرئ: في يوم عاصف، بالإضافة. وأعمال الكفرة المكارم التي كانت لهم، من صلة الأرحام وعتق الرقاب، وفداء الأسارى، وعقر الإبل للأضياف، وإغاثة الملهوفين، والإجازة، وغير ذلك من صنائعهم، شبهها في حبوطها وذهابها هباء منثورا لبنائها على غير أساس من معرفة الله والإيمان به، وكونها لوجهه: برماد طيرته الريح العاصف. (لا يَقْدِرُونَ) يوم القيامة (مِمَّا كَسَبُوا) من أعمالهم (عَلى شَيْءٍ) أي: لا يرون له أثراً من ثوابٍ، كما لا يقدر من الرماد المطير في الريح على شيء، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ حذف مضاف؛ ليستقيم إيقاع (أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ) خبراً عنه، أو تكون هذه الجملة- أي: (أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ) - خبراً على التأويل المذكور، ولا تقدر شيئاً، لأنه حينئذ من التركيب السببي. قوله: (أو يكون (أَعْمَالُهُمْ) بدلاً من (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا)؛ على تقدير: مثل أعمالهم، و (كَرَمَادٍ): الخبر)، قال أبو البقاء: "وهو بدل اشتمال". قوله: (وليلة ساكرة)، أي: ساكنة، عن الجوهري. قوله: (الملهوفين)، الجوهري: "لهف- بالكسر- يلهف لهفاً؛ أي: حزن وتحسر، والملهوف: المظلوم يستغيث".

стр. 4303

(ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ) إشارة إلى بعد ضلالهم عن طريق الحق أو عن الثواب. (بِالْحَقِّ): بالحكمة والغرض الصحيح والأمر العظيم، ولم يخلقها عبثاً ولا شهوة. [(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَا يُذْهِبْكُمْ وَيَاتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ* وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ)]. وقرئ: "خالق السموات والأرض" (إِنْ يَشَا يُذْهِبْكُمْ) أي: هو قادرٌ على أن يعدم الناس ويخلق مكانهم خلقا آخر على شكلهم أو على خلاف شكلهم، إعلاما منه باقتداره على إعدام الموجود وإيجاد المعدوم، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (إشارة إلى بعد ضلالهم عن طريق الحق)، أي: هذا الكلام إشارة إلى أن ضلالهم قد بعد عن الطريق القويم، والمراد أنهم قد بعدوا؛ على الإسناد المجازي أو الاستعارة المكنية كما سبق قبل هذا، وفيه من المبالغات ما بلغت غايتها، وذلك من إيقاع اسم الإشارة مبتدأ، وتعريف الخبر، ووصفه بالبعد، وتوسيط ضمير الفصل. قوله: ((بِالْحَقِّ) بالحكمة والغرض الصحيح)، الانتصاف: "هذا اعتزال خفي، سبقت أمثاله، ثم قال: (وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ) لأنه قادر بالذات، لا اختصاص له بمقدور دون مقدور، فإذا خلص له الداعي وانتفى الصارف يكون من غير توقف، وصرح بما كان خفياً، وما أقبح قوله عن الله تعالى: خلص له الداعي وانتفى الصارف". قوله: (وقرئ: "خالق السماوات")، حمزة والكسائي.

стр. 4304

يقدر على الشيء وجنس ضده. (وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ) بمتعذرٍ، بل هو هين عليه يسير، لأنه قادر الذات لا اختصاص له بمقدور دون مقدور، فإذا خلص له الداعي إلى شيءٍ وانتفى الصارف تكوّن من غير توقف، كتحريك أصبعك إذا دعاك إليه داعٍ ولم يعترض دونه صارف. وهذه الآيات بيانٌ لإبعادهم في الضلال وعظيم خطئهم في الكفر بالله، لوضوح آياته الشاهدة له الدالة على قدرته الباهرة وحكمته البالغة وأنه هو الحقيق بأن يعبد، ويخاف عقابه ويرجى ثوابه في دار الجزاء. [(وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قالُوا لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ)]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وجنس ضده)، مبالغة في الاقتدار، يعني: أنه ليس بقادر على الضد فقط، بل هو قادر على الضد وأمثاله، كالتباين والتماثل والتقابل والنظير والند وغيرها. الجوهري: "يقال: لا ضد له ولا ند؛ أي: لا نظير له"، وقال المصنف: "معنى قولهم: ليس لله ند ولا ضد: نفي ما يسد مسده، ونفي ما ينافيه"، وفيه إدماج لإبطال قول الثنوية.

стр. 4305

(وَبَرَزُوا لِلَّهِ) ويبرزون يوم القيامة. وإنما جيء به بلفظ الماضي، لأنّ ما أخبر به عزّ وعلا لصدقه كأنه قد كان ووجد، ونحوه: (وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ) [الأعراف: ٤٤]، (وَنادى أَصْحابُ النَّارِ) [الأعراف: ٥٠]، ونظائر له. ومعنى بروزهم لله- والله تعالى لا يتوارى عنه شيء حتى يبرز له-: أنهم كانوا يستترون من العيون عند ارتكاب الفواحش، ويظنون أن ذلك خاف على الله، فإذا كان يوم القيامة انكشفوا لله عند أنفسهم وعلموا أنّ الله لا يخفى عليه خافية. أو خرجوا من قبورهم فبرزوا لحساب الله وحكمه. فإن قلت: لم كتب (الضعفؤا) بواو قبل الهمزة؟ قلت: كتب على لفظ من يفخم الألف قبل الهمزة فيميلها إلى الواو. ونظيره (علمؤا بني إسرائيل) [الشعراء: ١٩٧]. و(الضعفؤا): الأتباع والعوام، و (للذين استكبروا): ساداتهم وكبراؤهم، الذين استتبعوهم واستغووهم وصدورهم عن الاستماع إلى الأنبياء وأتباعهم (تَبَعاً) تابعين: جمع تابع على تبع، كقولهم: خادم وخدم وغائب وغيب أو ذوي تبع. والتبع: الأتباع، يقال: تبعه تبعاً. فإن قلت: أي: فرقٍ بين "من" في (مِنْ عَذابِ اللَّهِ) وبينه في (مِنْ شَيْءٍ)؟ قلت: الأولى للتبيين، والثانية للتبعيض، كأنه قيل: هل أنتم مغنون عنا بعض الشيء الذي هو عذاب الله. ويجوز أن تكونا للتبعيض معاً، بمعنى: هل أنتم مغنون عنا بعض شيء هو بعض عذاب الله، أى: بعض بعض عذاب الله. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (بعض الشيء الذي هو عذاب الله)، فإن قلت: كيف طابق هذا التقدير قوله: "من: الأولى للتبيين، والثانية: للتبعيض"؟ قلت: من حيث إن (مِن شَيْءٍ) حينئذ مفعول (مُغْنُونَ)، والتنكير للتقليل، و (مِنْ عَذَابِ اللهِ) حال منه قدمت؛ لأن ذا الحال نكرة، والحال وصاحبها في الحقيقة صفة وموصوف. قوله: (بعض شيء هو بعض عذاب الله)، فعلى هذا: (مِن شَيْءٍ) بدل (مِنْ عَذَابِ اللهِ)،

стр. 4306

فإن قلت: فما معنى قوله (لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ)؟ قلت الذي قال لهم الضعفاء كان توبيخاً لهم وعتابا على استتباعهم واستغوائهم. وقولهم (فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا) من باب التبكيت، لأنهم قد علموا أنهم لا يقدرون على الإغناء عنهم، فأجابوهم معتذرين عما كان منهم إليهم: بأن الله لو هداهم إلى الإيمان لهدوهم ولم يضلوهم، إما موركين الذنب في ضلالهم وإضلالهم على الله، كما حكى الله عنهم وقالوا: (لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا) [الأنعام: ١٤٨]، (لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ) [النحل: ٣٥] يقولون ذلك في الآخرة كما كانوا يقولونه في الدنيا. ويدل عليه قوله حكاية عن المنافقين (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ) [المجادلة: ١٨]. وإما أن يكون المعنى: لو كنا من أهل اللطف فلطف بنا ربنا واهتدينا لهديناكم إلى الإيمان. وقيل: معناه لو هدانا الله طريق النجاة من العذاب لهديناكم، أى: لأغنينا عنكم وسلكنا بكم طريق النجاة كما سلكنا بكم طريق الهلكة. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ على أن لا يكون المبدل مطرحاً، والبدل لما كان كالبيان للمبدل قال: "هو بعض عذاب الله" فيرجع حاصل المعنى إلى قوله: "مغنون عنا بعضَ بعضِ عذاب الله". قوله: (الذي قال لهم الضعفاء كان توبيخاً لهم)، أي: قولهم: (إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً) توبيخ، لأنهم أخبروهم بما لم يخف عليهم، فأفاد الإخبار في ذلك المقام التقريع والتوبيخ، فهو من لازم فائدة الخبر على المجاز. قوله: (إما موركين الذنب)، الجوهري: "وورك فلان ذنبه على غيره؛ أي: قرفه [به] "، ولفظة "إما" تستدعي قرينتها؛ لأنها تفصيلية، وقرينتها ما يدل عليه قوله: "ويجوز أن يكون المعنى"، فالتقدير: لو كنا من أهل اللطف فلطف بنا ربنا واهتدينا لهديناكم، قالوه إما موركين الذنب، وإما معلقين فقدان هدايتهم على فقدان اللطف.

стр. 4307

(سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا) مستويان علينا الجزع والصبر. والهمزة و"أم" للتسوية. ونحوه: (فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ) [الطور: ١٦]. وروي أنهم يقولون: تعالوا نجزع، فيجزعون خمسمائة عام فلا ينفعهم، فيقولون: تعالوا نصبر، فيصبرون كذلك ثم يقولون: (سواء علينا). فإن قلت: كيف اتصل قوله (سواء علينا) بما قبله؟ قلت: اتصاله به من حيث أنّ عتابهم لهم كان جزعا مما هم فيه، فقالوا: (سواء علينا أجزعنا أم صبرنا)، يريدون أنفسهم وإياهم، لاجتماعهم في عقاب الضلالة التي كانوا مجتمعين فيها، يقولون: ما هذا الجزع والتوبيخ، ولا فائدة في الجزع كما لا فائدة في الصبر والأمر من ذلك أطمّ ...... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (مستويان علينا الجزع والصبر)، الراغب: "الجزع أبلغ من الحزن، فإن الجزع حزن يصرف الإنسان عما هو بصدده ويقطعه، وأصله: قطع الحبل من نصفه، يقال: جزعته فانجزع، ولتصور الانقطاع قيل: جزع الوادي؛ لمنعطفه، ولانقطاع اللون بتغيره قيل للخرز الملون: جزع". قوله: (كيف اتصل قوله: (سَوَاءٌ عَلَيْنَا) بما قبله؟ )، يعني: كان من الظاهر أن يقولوا: سواء عليكم أجزعتم أم صبرتم، لأنه جواب عن قولهم: (فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ)، وهو إظهار الجزع مما كانوا فيه؟ وأجاب: أنهم إنما شركوا أنفسهم معهم لاجتماعهم في عقاب الضلالة. وقلت: وفيه أنا كيف نغني عنكم ذلك ونحن معكم فيه سواء، ولو قيل على ما يقتضيه الظاهر لم يفده، وهو من باب الإيجاز. قوله: (أطم)، النهاية: "طم الشيء: إذا عظم، وطم الماء: إذا كثر، وهو طام، ومنه

стр. 4308

أو: لما قالوا (لو هدانا الله) طريق النجاة لأغنينا عنكم وأنجيناكم، أتبعوه الإقناط من النجاة فقالوا (ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ) أي: منجى ومهرب، جزعنا أم صبرنا. ويجوز أن يكون من كلام الضعفاء والمستكبرين جميعاً، كأنه قيل: قالوا جميعاً (سواء علينا)، كقوله: (ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بالغيب) [يوسف: ٥٢]. و"المحيص" يكون مصدراً كالمغيب والمشيب. ومكاناً كالمبيت والمصيف. ويقال: حاص عنه وجاض، بمعنى واحد. [(وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ)]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ حديث أبي بكر ﵁: "ما من طامة إلا وفوقها طامة"، أي: ما من عظيم إلا وفوقه ما هو أعظم منه". قوله: (كقوله: (ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ))، قال صاحب "التقريب": وفيه نظر؛ إذ الاحتمالان هناك على البدل، وها هنا على الجمع، إلا أن يريد بالتشبيه أنه من كلام الفريقين مع وروده ظاهراً عقيب قول المستكبرين، كما أن قوله: (ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ) [يوسف: ٥٢] ورد عقيب قول المرأة، مع أنه قيل: إنه من كلام يوسف ﵇. وقلت: وجه التشبيه هو أن هذا الكلام يحتمل أن يكون مقولاً للمستكبرين وحدهم، وأن يكون مقولاً للضعفاء والمستكبرين جميعاً، كما أن ذلك الكلام يحتمل أن يكون مقولاً

стр. 4309

﴿لما قضي الأمر﴾ لما قطع الأمر وفرغ منه، وهو الحساب، وتصادُر الفريقين ودخول أحدهما الجنة ودخول الآخر النار. وروي: أن الشيطان يقوم عند ذلك خطيبا في الأشقياء من الجن والإنس فيقول ذلك: ﴿إن الله وعدكم وعد الحق﴾ وهو البعث والجزاء على الأعمال، فوفى لكم بما وعدكم، ﴿ووعدتكم﴾ خلاف ذلك، ﴿فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان﴾ من تسلط وقهر فأقسركم على الكفر والمعاصي وألجئكم إليها، ﴿إلا أن دعوتكم﴾ إلا دعائي إياكم إلى الضلالة بوسوستي وتزييني، وليس الدعاء من جنس السلطان، ولكنه كقلك: ما تحيتهم إلا الضرب. ﴿فلا تلوموني ولوموا أنفسكم﴾ حيث اغتررتم بي وأطعتموني إذ دعوتكم، ولم تطيعوا ربكم إذ دعاكم، وهذا دليل على أن الإنسان هو الذي يختار الشقاوة أو السعادة ويحصلها لنفسه، وليس من الله إلا التمكين، ولا من الشيطان إلا التزيين. ولو كان الأمر كما تزعم المجبرة لقال: فلا تلوموني ولا أنفسكم، فإن الله قضى عليكم الكفر وأجبركم عليه. فإن قلت: قول الشيطان باطل لا يصح التعلق به؟ قلت: لو كان هذا القول منه … ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ليوسف ﵇، وأن يكون مقولاً لها، وهذا القدر كاف في صحة التشبيه. قوله: (ما تحيتهم إلا الضرب)، جعل "التحية" نوعين: متعارف؛ وهي ما يقال عند الملتقى، وغير متعارف؛ وهي الضرب على التهكمية والادعاء، فأخرج بالاستثناء أحد النوعين. قوله: (ولو كان الأمر كما تزعم المجبرة لقال: فلا تلوموني ولا أنفسكم، فإن الله قضى عليكم الكفر)، وقلت: غاية هذا الاستدلال أن الشيطان أضاف اللوم إلى أنفسهم، ونحن نقول بموجبه، لأن العتاب والعقاب متوجهان إلى المكلف بسبب كسبه ومباشرته، لأنه في الظاهر كالمختار، ولأن قول الشيطان معطوف على قول الضعفاء، وكلتا القضيتين حكاية لقول الفريقين، ومخاصمة جرت بين الحزبين، وهما تفصيلان لما أجمل في قوله: (وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً)، وذكر في الآية الأولى احتجاج المستكبرين على المستضعفين، وهو قولهم: (لَوْ هَدَانَا اللَّهُ

стр. 4310

باطلاً لبين الله بطلانه وأظهر إنكاره، على أنه لا طائل له في النطق بالباطل في ذلك المقام: ألا ترى إلى قوله (إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ) كيف أتى فيه بالحق والصدق، وفي قوله (وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ) وهو مثل قول الله تعالى: (إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ) [الحجر: ٤٢]، (ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ) لا ينجي بعضنا بعضاً من عذاب الله ولا يغيثه. والإصراخ: الإغاثة. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لَهَدَيْنَاكُمْ)، فكما دل قول الشيطان على ظاهر مذهبكم، دل قول المستكبرين على خلافه. ولعمري إنه تفسير بالرأي، وذلك أنه حين سمع أن قول المستكبرين مخالف لمذهبه قال: "إما موركين الذنب وإما معتذرين بعدم اللطف"، وحين رأي الشيطان يقول بما يوافق مذهبه شنع على أهل السنة. ثم إني بعد برهة من الزمان وقفت على كلام من جانب صاحب "الانتصاف"، وهو قوله: "حمل كلام الكفار في الأول على الإبطال؛ إذ لا يوافق مذهبه، واستشهد على أن الذنب غير ممتنع بقوله: (فَيَحْلِفُونَ لَهُ)، ولما وافق قول الشيطان معتقده صوبه اتباعاً لهواه، ونحن نعتقد أن الملامة إنما تتوجه على المكلف، وتعالى الله عن توجه تلك إليه، ولله الحجة البالغة، لأن الله تعالى خلق للعبد اختياراً يجده من نفسه في الأفعال الإرادية ضرورة، وبذلك قامت الحجة عليه، وإن سلبنا تأثير قدرة الخلق، لأن الله تعالى قدرته سارية في الفعل، فلا تناقض لأن توجه اللوم إلى المكلفين"، فعلمت توارد الخواطر.
следующие страницы →