Полный текст (9 345 стр.). Показаны 4481–4520 · переход к 4486.
стр. 4481
رسولا يأمرهم بالخير الذي هو الإيمان وعبادة الله، وباجتناب الشر الذي هو طاعة الطاغوت (فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ) أي لطف به لأنه عرفه من أهل اللطف و (مِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ) أي ثبت عليه الخذلان والترك من اللطف، لأنه عرفه مصمما على الكفر لا يأتي منه خير فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا ما فعلت بالمكذبين حتى لا يبقى لكم شبهة في أنى لا أقدّر الشر ولا أشاؤه، حيث أفعل ما أفعل بالأشرار.
[(إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ)].
ثم ذكر عناد قريش وحرص رسول الله ﷺ على إيمانهم، وعرّفه أنهم من قسم من حقت عليه الضلالة، وأنه (لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ) أي لا يلطف بمن يخذل، لأنه عبث، والله تعالى متعال عن العبث، لأنه من قبيل القبائح التي لا تجوز عليه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا) إلى آخره، نسبة أفعال السوء إلى قدر الله تعالى، ثم أمد ذلك الإبطال بقوله: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً).
الانتصاف: وجه استدلاله بها أن الله قسم العباد قسمين، والأمر والنهي يرجعان إلى المشيئة، بناء على زعمهم في إنكار كلام النفس، فعنده أن الله شاء أن تعبدوه وشاء أن يجتنبوا الطاغوت، ولم يشأ إشراكهم، ومبنى استدلاله على إنكار كلام النفس، والعجب غفلته عن قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ)، كما قال في الأنعام: (فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ) [الأنعام: ١٤٩]، وتقدم هناك ما فيه كفاية.
قوله: (في أني لا أقدر الشر ولا أشاؤه حيث أفعل ما أفعل بالأشرار)، يريد أن النظر في أحوال الأشرار من الهلاك والدمار، يدل على أني ما قدرت الشر فيهم ولا قضيته عليهم، لأني لو فعلت ذلك، ثم عاقبتهم به، لم أكن عادلاً، لكنهم إنما استحقوا ذلك لأنهم هم الذين فعلوا ما استحقوا به الهلاك، وعُلم من قبل أن ما ذكره خارج عن مقتضى المقام.
стр. 4482
وقرئ: (لا يهدى)، أي: لا تقدر أنت ولا أحد على هدايته وقد خذله الله. وقوله (وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ) دليل على أنّ المراد بالإضلال: الخذلان الذي هو نقيض
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: "لا يُهدى")، على ما لم يُسم فاعله، الكوفيون: (لا يَهْدِي) بفتح الياء وكسر الدال. والباقون بضم الياء وفتح الدال، قال أبو البقاء: في قراءة الضم وجهان، أحدهما: أن (مَنْ يُضِلُ) مبتدأ، و (لا يَهْدِي): خبره. والثاني: أن (لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ) بأسره: خبر (إنَّ)، كقولك: إن زيداً لا يُضربُ أبوه يعني: أن التركيب سببين ومعناه: أن زيداً بمكان من الشرف والكرامة بحيث استحق أن يُكرم أبوه ولا يُهان بالضرب، ونظيره في المعنى: خولان فانكح، ثُم ما في التنزيل مع ذلك التقدير واقع جزاء للشرط ولم يكن يصلح جزاء إلا بتأويل الإعلام والإخبار، وقد تقرر أن مثل هذا الأسلوب غنما يردُ للتقريع، أو التنبيه على أمر خطير خفي على السامع، ولا سيما في جعل اسم "عن" الاسم الجامع للأسماء الحسنى، كأنه قيل: (إِنْ تَحْرِصْ) أنت وكل مخلوق على هداية من أراد الله إضلاله، فاعلم وتنبه أنك قد حاولت مزاولة أمر لا يُرام، ومُحالٍ لا يُستطاع، هذا معنى قوله: "لا تقدرُ أنت ولا أحدٌ على هدايته"، ووجدتُ لبعض الفضلاء على الحاشية: هذه كلمة حق، وقد أخرجها الله تعالى من فمه بلا اختيار منه.
قوله: ((وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ) دليل على أن المراد بالإضلال الخذلان)، كأنه قيل: (إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ)، فاعلم أن الله لا يهدي من يخذله، وما له من ناصر ينصره.
وقلتُ: ليس تأويل (مَنْ يُضِلُ) بالخذلان أولى من تأويل (مِنْ نَاصِرِينَ) بالهادين، أي: (إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ)، فاعلم أن الله لا يهدي من يضله وما له من هاد قط، لا أنت
стр. 4483
النصرة. ويجوز أن يكون (لا يَهْدِي) بمعنى: لا يهتدي. يقال: هداه الله فهدى. وفي قراءة أبىّ: فإنّ الله لا هادى لمن يضل، ولمن أضلّ، وهي معاضدة لمن قرأ (لا يَهْدِي) على البناء للمفعول. وفي قراءة عبد الله: يهدى، بإدغام تاء يهتدى، وهي معاضدة للأولى. وقرئ «يضل» بالفتح. وقرأ النخعي: إن تحرص، بفتح الراء، وهي لغية.
[(وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ* ِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ)].
(وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ) معطوف على (وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا)] النحل: ٣٥ [إيذاناً
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ولا غيرك، وهذا أولى؛ لأن أول الكلام في الهداية لا في النصرة والخذلان، وأما الختم بعد النصرة فللمبالغة في عدم توخي الهداية والخيبة فيه وعدم الاهتداء.
قوله: (ويجوز أن يكون (لا يَهْدِي) بمعنى: لا يهتدي)، الجوهري: هدى واهتدى بمعنى، قوله تعالى: (فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ)، قال الفراء: يريد: "لا يهتدي"، يعني: "لا يهتدي من يُضله".
قوله: (هداه الله فهدى)، أي: "هدى" مطاوع "هداه"، كما أن "اهتدى" مطاوعه.
قوله: (وهي مُعاضدة لمن قرأ: "لا يُهدى"، أي: لا هادي موجود لمن يُضله، فإذا لم يكن هاديه موجوداً فلا يُهدي أبداً.
قوله: (وهي معاضدة للأولى)، أي: قراءة من قرأ: "لا يهدي" بمعنى: لا يهتدي.
стр. 4484
بأنهما كفرتان عظيمتان موصوفتان، حقيقتان بأن تحكيا وتدوّنا: توريك ذنوبهم على مشيئة الله، وإنكارهم البعث مقسمين عليه. وبَلى إثبات لما بعد النفي، أي: (بلى) يبعثهم. ووعد الله: مصدر مؤكد لما دلّ عليه بلى. لأن يبعث موعد من الله، وبين أنّ الوفاء بهذا الموعد حق واجب عليه في الحكمة (وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) أنهم يبعثون أو أنه وعد واجب على الله، لأنهم يقولون: لا يجب على الله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كفرتان)، الجوهري: الكفر، بالفتح: التغطية، قال ابن السكيت: ومنه سُمي الكافر؛ لأنه يستر نعم الله تعالى عليه، وفي التخصيص فائدة، وهي أن الكفار يحاولون تغطية ما هو في غاية الظهور والجلاء، والأولى أن يعطف الجملة كما هي على جملة الشرط والجزاء، كأنه تعالى يخبر عن مبالغة حرص النبي ﷺ على هدايتهم، وعن تناهي ضلالهم مفوضاً ترتب إحدى الجملتين على الأخرى إلى فهم السامع.
قوله: (أو أنه وعد واجب)، أي: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) أنه وعد واجب على الله، لأنهم يقولون: "لا يجب على الله شيء، لا ثواب عامل ولا غيره"، وفيه تعريض بأهل السنة، قال صاحب "الفرائد": لا دلالة في الآية على ما قال، لكن المعنى: لا يعلمون كمال قدرته، وبالغ حكمته في بعثه بعد إماتته.
وقلت: الذي دل عليه السياق أن معناه: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) ذلك الوعد الحق والقول الصدق لقوله: (وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً) كقوله تعالى: (إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللَّهِ حَقّاً إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ) [يونس: ٤]، فالمقدر الوعد الواجب بحسب أنه تعالى لا يخلف الميعاد، لا أن العبد يوجب عليه ذلك بسبب عمله. وأما الجزاء من الثواب والعقاب، فهو تابع للبعث، أو (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) أنه تعالى يبعثهم، أي: بمسألة البعث التي مبناها على كونه تعالى عالماً بكل المعلومات، قادراً على كل المقدورات، كالفلاسفة وأضرابهم خذلهم الله.
стр. 4485
شيء، لا ثواب عامل ولا غيره من مواجب الحكمة. (لِيُبَيِّنَ لَهُمُ) متعلق بما دل عليه «بلى» أى يبعثهم (ليبين) لهم. والضمير لمن يموت، وهو عام للمؤمنين والكافرين، والذي اختلفوا فيه هو الحق (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ) كذبوا في قولهم: (لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء)، وفي قولهم: لا يبعث الله من يموت. وقيل: يجوز أن يتعلق بقوله (وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا) أي بعثناه ليبين لهم ما اختلفوا فيه، وأنهم كانوا على الضلالة قبله، مفترين على الله الكذب.
[(إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)].
(قَوْلُنا) مبتدأ، (وأَنْ نَقُولَ) خبره. (كُنْ فَيَكُونُ) من كان التامة التي بمعنى الحدوث والوجود، أي: إذا أردنا وجود شيء فليس إلا أن نقول له: أحدث، فهو يحدث عقيب ذلك لا يتوقف، وهذا مثل لأنّ مراداً لا يمتنع عليه، وأنّ وجوده عند إرادته تعالى غير متوقف، كوجود المأمور به عند أمر الآمر المطاع إذا ورد على المأمور المطيع الممتثل، ولا قول ثم، والمعنى: أنّ إيجاد كل مقدور على الله تعالى بهذه السهولة،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ويؤيد أن الكلام في البعث قوله: (لِيُبَيِّنَ لَهُمْ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ) أي: في البعث، (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ) أي: في قولهم: (لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ)، وكذا قوله: (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)؛ لأن فيه إثبات القدرة الكاملة والإرادة الشاملة، وإليه الإشارة بقوله: "والمعنى: أن إيجاد كل مقدور على الله بهذه السهولة، فكيف يمتنع عليه البعث الذي هو من شق المقدورات؟ ".
قوله: (لأن مراداً)، نكرة، واللام متصل بـ "مثل"، أي: أي مراد يكون؟
وقوله: (وأن وجوده عند إرادته غير متوقف)، عطف تفسيري، على أن مراداً لا يمتنع عليه.
стр. 4486
فكيف يمتنع عليه البعث الذي هو من شق المقدورات. وقرئ: (فيكون)، عطفاً على (نَقُولَ).
[(وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ* الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)].
(وَالَّذِينَ هاجَرُوا) هم رسول الله ﷺ وأصحابه، ظلمهم أهل مكة ففرّوا بدينهم إلى الله، منهم من هاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة فجمع بين الهجرتين. ومنهم من هاجر إلى المدينة. وقيل: هم الذين كانوا محبوسين معذبين بعد هجرة رسول الله ﷺ ،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (في شق المقدورات)، فيه توهين لأمر البعث، "الأساس": قعد في شق الدار: في ناحية منها، وخُذ من شق الثياب، من عُرضها ولا تختر.
قوله: (وقرئ: "فيكون")، ابن عامر والكسائي: بالنصب، والباقون: بالرفع، قال الزجاج: فالرفع: على فهو يكون، أي ما أراد الله فهو يكون، والنصب: إما على: (إِنْ نَقُولُ)؛ أي: نقول فيكون، أو على أنه جواب (كُن). و (قَوْلُنَا): رفع بالابتداء، وخبره (إِنْ نَقُولُ) معناه: ماذا أراد الله فهو كائن على كل حال، ولو أراد خلق الدنيا والسماوات والأرض في قدر لمح البصر لقدر، لكن العباد خوطبوا بما يعقلون، فأعلمهم الله سهولة خلق الأشياء، فُعلِم أنه متى أراد الشيء كان، وليس أن الشيء قبل أن يُخلق موجودٌ.
وقال أبو علي: (كُن) وإن كان على لفظ الأمر، فليس القصد هنا الأمر وإنما هو والله أعلم: الإخبار عن كون الشيء وحدوثه، وإلى هذا ذهب أبو العباس، وسيجيء تمام بحثه في "يس".
стр. 4487
وكلما خرجوا تبعوهم فردّوهم: منهم بلال، وصهيب، وخباب، وعمار. وعن صهيب أنه قال لهم: أنا رجل كبير، إن كنت معكم لم أنفعكم، وإن كنت عليكم لم أضرّكم، فافتدى منهم بماله وهاجر، فلما رآه أبو بكر ﵁ قال له: ربح البيع يا صهيب. وقال له عمر: نعم الرجل صهيب، لو لم يخف الله لم يعصه، وهو ثناء عظيم: يريد لو لم يخلق الله ناراً لأطاعه، فكيف وقد خلق! (فِي اللَّهِ) في حقه ولوجهه حَسَنَةً صفة للمصدر، أي لنبو أنهم تبوئه حسنة. وفي قراءة على ﵁: (لنثوّينهم). ومعناه: أثوأة حسنة. وقيل: لتنزلنهم في الدنيا منزلة حسنة، وهي الغلبة على أهل مكة الذين ظلموهم، وعلى العرب قاطبة، وعلى أهل المشرق والمغرب. وعن عمر ﵁ أنه كان إذا أعطى رجلا من المهاجرين عطاء قال: خذ بارك الله لك فيه، هذا ما وعدك ربك في الدنيا، وما ذخر لك في الآخرة أكثر. وقيل: لنبوّئنهم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فكيف)، متعلقة بمحذوف، تقديره: لو لم يخلق الله ناراً لأطاعه، فكيف وقد خلق، أي: لا يُطيع الله لخوف النار فتكون طاعته لأغراض وعلل، والعارف من يطيع الله لله، ومعنى (لو) في الحديث ليس لامتناع الشيء لامتناع غيره، بل لمجرد الفرض والتقدير.
قوله: ((فِي اللَّهِ): في حقه)، أي: الذين هاجروا مخلصين لوجه الله، لا لأمر آخر دنيوي، كقوله صلوات الله عليه: "فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها، فهجرته إليه"، رواه الشيخان وغيرهما.
قوله: (لننزلنهم في الدنيا منزلة حسنة)، يريد أن التبوئة في المكان بمعنى إعطاء المنزلة، فيجوز أن يُستعمل في التمكين في الأرض، نحو: (وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ) [الأعراف: ١٠]، ولذلك قال: وهي "الغلبة على أهل مكة" إلى قوله: "وعلى أهل المشرق المغرب"، ولا يبعدُ أن يُقال: إن هذا هو الوعد المذكور في قوله تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ) الآية [النور: ٥٥]، والله أعلم.
стр. 4488
مباءةً حسنة وهي المدينة، حيث آواهم أهلها ونصروهم (لَوْ كانُوا يَعْلَمُون) الضمير للكفار، أي: لو علموا أنّ الله يجمع لهؤلاء المستضعفين في أيديهم الدنيا والآخرة، لرغبوا في دينهم. ويجوز أن يرجع الضمير إلى المهاجرين، أي: لو كانوا يعلمون ذلك لزادوا في اجتهادهم وصبرهم الَّذِينَ صَبَرُوا على: هم (الذين صبروا). أو أعنى الذين صبروا، وكلاهما مدح، أي: صبروا على العذاب وعلى مفارقة الوطن الذي هو حرم الله المحبوب في كل قلب، فكيف بقلوب قوم هو مسقط رؤسهم، وعلى المجاهدة وبذل الأرواح في سبيل الله.
[(وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ* بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)].
قالت قريش: الله أعظم من أن يكون رسوله بشراً، فقيل: (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ) على ألسنة الملائكة (فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ) وهم أهل الكتاب، ليعلموكم أن الله لم يبعث إلى الأمم السالفة إلا بشراً. فإن قلت: بم تعلق قوله (بِالْبَيِّناتِ)؟ قلت: له متعلقات شتى، فإما أن يتعلق بـ (ما أرسلنا) داخلاً تحت حكم الاستثناء مع رجالاً أي: وما أرسلنا إلا رجالاً بالبينات، كقولك: ما ضربت إلا زيداً بالسوط،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (و (الَّذِينَ صَبَرُوا) على: هم الذين صبروا)، أي: (الَّذِينَ صَبَرُوا) واردٌ على: هم الذين صبروا، أو: أعني، كلاهما لإرادة المدح.
قوله: (قالت قريش: الله أعظم من أن يكون رسوله بشراً)، هذا التقرير يقتضيه قوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً) من جهة "ما" و"إلا"، لأنهما إنما يتلقى بهما المخطئ المُصرُّ على خطابه، المبالغُ في إنكاره.
стр. 4489
لأن أصله: ضربت زيداً بالسوط وإما بـ (رجالاً)، صفة له: أي رجالا ملتبسين بالبينات. وإما بـ (أرسلنا) مضمراً، كأنما قيل: بم أرسلوا؟ فقلت بالبينات، فهو على كلامين، والأوّل على كلام واحد. وإما بـ (يوحى)، أي:
يوحى إليهم بالبينات. وإما بـ (لا تعلمون)، على أن الشرط في معنى التبكيت والإلزام، كقول الأجير: إن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لأن أصله: ضربت بالسوط)، يعني: "إلا" من حيثُ اللفظ لغوٌ، والاستثناء على خلاف المشهور، عن بعضهم، التقدير: لم يوجد ضرب منه أصلاً، لا بالسوط ولا غيره. وقال أبو البقاء: في تعلق (بِالْبَيِّنَاتِ) بـ (أَرْسَلْنَا) بمعنى: أرسلناهم بالبينات ضعفٌ؛ لأن ما قبل إلا لا يعملُ فيما بعدها إذا تم الكلام على (إِلاَّ) وما يليها، إلا انه قد جاء في قول الشاعر:
نبئتهم عذبوا بالنار جارتهم … ولا يُعذب إلا الله بالنار
وقال صاحب "المفتاح": لك أن تقول: ما ضرب إلا عمراً زيدٌ، وما ضرب إلا زيدٌ عمراً، فتقدم وتؤخر، إلا أن هذا التقديم والتأخير لما استلزم قصر الصفة قبل تمامها على الموصوف، قل دوره في الاستعمال.
قوله: (والأول)، قال: في الأولين والأول، نظراً إلى أنه لا إضمار فيه.
قوله: (وإما بـ (لا تَعْلَمُونَ))، على أن الشرط في معنى التبكيت والإلزام، لأن (إن) استعملت في أمر مقطوع معلوم، وذلك أن الكلام مع قريش كما قال: "قالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشراً"، فقيل: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا
стр. 4490
كنت عملت لك فأعطني حقي. وقوله (فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ) اعتراض على الوجوه المتقدّمة، وأهل الذكر: أهل الكتاب. وقيل للكتاب الذكر، لأنه موعظة وتنبيه للغافلين ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ يعنى ما نزل الله إليهم في الذكر مما أمروا به ونهوا عنه ووعدوا وأوعدوا (وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) وإرادة أن يصغوا إلى تنبيهاته فيتنبهوا ويتأملوا.
[(أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَاتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ* أَوْ يَاخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ* أَوْ يَاخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ)].
مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أي: المكرات السيئات، وهم أهل مكة، وما مكروا به
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ * بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ)، وقد علم وحقق أن قريشاً لم يكونوا عالمين بالبينات والزبر، فتعليقه بالسؤال يفيد التبكيت والإلزام، يعني: لا ارتياب في أنكم غير عالمين بها، ولستم أيضاً مما تسألون عنهم، لأنكم تعلمون أنهم لا يجبونكم إلا بما ذكرنا، من أنا ما أرسلنا من قبله إلا رجالاً يُوحى إليهم، فلم يبق لكم طريق سوى التسليم والإذعان، وعليه قوله: "إن كنتُ عملتُ لك فأعطني حقي"، وصاحب "المفتاح" أخرج هذا المثال في معرض النفي، حيث قال: ومنه ما قد يقول العامل عند القاضي بالعمالة إذا امتد التسويف وأخذ يُترجم عن الحرمان: إن كنتُ لم أعمل فقولوا: أقطع الطمع، نزلهم لتوهم أن يحرموه منزلة من لا يعتقد أنه عمل مُجهلاً.
قوله: ((فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ): اعتراض على الوجوه المتقدمة)، يعني: في هذا الوجه، ليس باعتراض وليس بجواب للشرط، لتقدمه عليه، لكنه دال عليه.
قوله: (وهم أهل مكة وما مكروا به)، أي: الضمير في (مَكَرُوا) لأهل مكة، والمراد
стр. 4491
رسول الله ﷺ (فِي تَقَلُّبِهِمْ) متقلبين في مسايرهم ومتاجرهم وأسباب دنياهم (عَلى تَخَوُّفٍ) متخوفين، وهو أن يهلك قوما قبلهم فيتخوّفوا فيأخذهم بالعذاب وهم متخوفون متوقعون، وهو خلاف قوله (مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ) وقيل: هو من قولك: تخوفنه وتخونته، إذا تنقصته: قال زهير:
تَخَوَّفَ الرَّحْلُ مِنْهَا تَامِكاً قَرِداً … كَمَا تَخَوَّفَ عُودَ النّبْعة السَّفَنُ
أي يأخذهم على أن يتنقصهم شيئاً بعد شيء في أنفسهم وأموالهم حتى يهلكوا. وعن عمر رضى الله عنه. أنه قال على المنبر: ما تقولون فيها؟ فسكتوا فقام شيخ من هذيل فقال: هذه لغتنا: التخوّف التنقص. قال: فهل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟ قال: نعم، قال شاعرنا. وأنشد البيت. فقال عمر: أيها الناس، عليكم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بالمكر: ما مكروا به في دار الندوة، الراغب: المكرُ: صرفُ الغير عما يقصده بحيلة.
قوله: (وهو خلاف قوله: (مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ))، كأنه قيل: أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون ومن حيث يشعرونه.
قوله: (من قولك: تخوفته وتخونته)، الراغب: تخوفناهم: تنقصناهم تنقصاً اقتضاه الخوف منه، والتخوف: ظهور الخوف من الإنسان، قال الله : (أَوْ يَاخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ).
قوله: (تخوف الرحل منها)، البيت: تامكا: أي: سناما مُشرفاً. الأساس: صوفٌ قردٌ: ملتصق متلبد. الجوهري: سحابٌ قردٌ: يركب بعضه بعضاً، والنبع: شجر يتخذ منه القسي، والسفن، بالتحريك: المبرد، يصف ناقة أثر الرحل في سنامها، وتنقصن كما ينقص المبرد من العود.
стр. 4492
بديوانكم لا يضل. قالوا: وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية، فإن فيه تفسير كتابكم (فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ) حيث يحلم عنكم، ولا يعاجلكم مع استحقاقكم.
[(أوَ لَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ)].
قرئ: (أولم يروا) و (يتفيؤا)، بالياء والتاء. و (ما) موصولة بـ (خلق الله)، وهو مبهم بيانه: (مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ). واليمين: بمعنى الأيمان. (وسُجَّداً) حال من الظلال. وَهُمْ داخِرُونَ حال من الضمير في (ظلاله)، لأنه في معنى الجمع؛
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (بديوانكم)، المُغرب: الديوان: الجريدة، من دون الكتُبَ: إذا جمعها، لأنه قطعٌ من القراطيس مجموعة. ويُروى أن عمر ﵁ أول من دون الدواوين، أي: رتب الجرائد للولاة والقُضاة.
قوله: (لا يضل)، مجزومٌ؛ لأنه جواب لقوله: عليكم، وهو بمعنى الأمر، وفي "اللباب": عليكم بديوانكم لا تضلوا.
قوله: (قرئ: "أولم يروا" و"يتفيؤا")، "أو لم تروا" بالتاء الفوقاني: حمزةُ والكسائي، والباقون: بالياء.
أبو عمرو: "تتقيأ" بالتاء الفوقاني، والباقون: بالياء.
قوله: ((سُجَّداً): حال من الظلام، (وَهُمْ دَاخِرُونَ): حال من الضمير في (ظِلالُهَ))، فالمعنى: ظلالهم ساجدة، وهم في أنفسهم متواضعون صاغرون، فيتفق الباطن مع الظاهر.
فإن قلت: لم جعل الحال الثانية حالاً من الضمير في (ظِلالُهَ)، ولم يُجعل من الضمير المرفوع المحذوف العائد إلى الموصول؟
стр. 4493
وهو ما خلق الله من كل شيء له ظل، وجمع بالواو، لأن الدخور من أوصاف العقلاء، أو لأن في جملة ذلك من يعقل فغلب. والمعنى: أو لم يروا إلى ما خلق الله من الأجرام التي لها ظلال متفيئة عن أيمانها وشمائلها، أي عن جانبي كل واحد منها. وشقيه استعارة من يمين الإنسان وشماله لجانبي الشيء، أي: ترجع الظلال من جانب إلى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قلت: لأنه حال مؤكدة، فإذا جعلت الظلال ساجدة، يلزم منه المبالغة في سجود الأجرام بالطريق الأولى، وهو معنى الدخور، فيقع الحال تأكيداً، كما في قوله: (ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ) [التوبة: ٢٥] ولايفيد الأول هذا المعنى، وفيه إدماج لمعنى تسخير الأجرام العلوية، لأن الظل إنما يحصل من حركات الكواكب والشمس، ولما بين ذلك، وأراد أن يُبين الاختصاص وأنها تسجد لله لا لغيره، قال: (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ)، قال القاضي: قوله: (سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ) هما حالان من الضمير في (ظِلالهُ)، والمراد من السجود الاستسلام، سواء كان بالطبع أو الاختيار، يقال: سجدت النخلة: إذا مالت لكثرة الحمل، وسجد البعير إذا طأطأ رأسه ليُركب، والمعنى: ترجعُ الظلالُ بارتفاع الشمس وانحدارها منقادة لما قُدر لها من التفيؤ، أو واقعة على الأرض ملتصقة بها على هيئة الساجد، والأجرام في أنفسها أيضاً صاغرة منقادة لأفعال الله فيها.
قال أبو البقاء: (سُجَّداً) حال من الظلال، (وَهُمْ دَاخِرُونَ) حال من الضمير في (سُجَّداً)، ويجوز أن يكون حالاً ثانية معطوفة.
قوله: (وجُمع بالواو؛ لأن الدخور من أوصاف العقلاء)، وذلك أن من لا يعقل إذا وُصف بصفة العقلاء أجرى مجرى العقلاء في الاستعمال، وإذا حُكم على العقلاء، وغير العقلاء، تغلب العقلاء على غيرهمز
قوله: (استعارة)، خبر مبتدأٍ محذوف، أيمان الظلال وشمائل الظلال في قوله تعالى:
стр. 4494
جانب منقادة لله، غير ممتنعة عليه فيما سخرها له من التفيؤ، والأجرام في أنفسها داخرة أيضاً، صاغرة منقادة لأفعال الله فيها، لا تمتنع.
[(وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ* يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ)].
(مِنْ دابَّةٍ) يجوز أن يكون بيانا لما في السموات وما في الأرض جميعا، على أنّ في السموات خلقا لله يدبون فيها كما يدب الأناسي في الأرض، وأن يكون بيانا لما في الأرض وحده، ويراد بما في السموات: الملائكة. وكرّر ذكرهم على معنى: والملائكة خصوصا من بين الساجدين، لأنهم أطوع الخلق وأعبدهم. ويجوز أن يراد بما في السموات: ملائكتهنّ. وبقوله (والملائكة): ملائكة الأرض من الحفظة وغيرهم، فإن قلت: سجود المكلفين مما انتظمه هذا الكلام خلاف سجود غيرهم، فكيف
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(عَنْ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ): استعارة من يمين الإنسان وشماله لجانبي الشيء.
قوله: (من التفيؤ)، بيان ما سخرها له، تتفيأ: تنفعل من الفيء، يقال: فاء يفيء فيئاً، إذا رجع.
قوله: (الخلق الذي يُقال له: الروح)، فعلى هذا الروح غير الملائكة، وقال فيه: الروح جبريل، أو أفرده عنهم لشرفه، لقوله تعالى (تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ) وقيل: خلقٌ من الملائكة لا تراهم الملائكة إلا تلك الليلة.
قوله: (والملائكة خصوصاً من بين الساجدين)، يريد أنه تعالى لما عم من يتأتى منه السجود في قوله: (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ)، ثم خص من بينهم هذا الجنس من المكلفين في قوله: (وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ)، دل على أنهم أولى وأقدم في هذا النوع من العبادة، ثم تممه بقوله: (وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ).
стр. 4495
عبر عن النوعين بلفظ واحد؟ قلت: المراد بسجود المكلفين: طاعتهم وعبادتهم، وبسجود غيرهم: انقياده لإرادة الله وأنها غير ممتنعة عليها، وكلا السجودين يجمعها معنى الانقياد فلم يختلفا، فلذلك جاز أن يعبر عنهما بلفظ واحد. فإن قلت: فهلا جيء بمن دون (ما) تغليباً للعقلاء من الدواب على غيرهم؟ قلت: لأنه لو جيء بمن لم يكن فيه دليل على التغليب، فكان متناولا للعقلاء خاصة،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وكلا السجودين يجمعهما معنى الانقياد فلم يختلفا)، "الانتصاف": استدل بالآية من أجاز استعمال المشترك في معنييه وفي حقيقته ومجازه شمولاً، والزمخشري يُنكره في مواضع من كتابه، فحمله على القدر المشترك وجعله متواطئاً ليسلم من الجمع بين الحقيقة والمجاز، ويبطله أن الآية آية سجدة، وفيه دليل على أن المراد من السجود المذكور: ما هو منسوب إلى المكلف من الفعل المتعارف شرعاً، فيبطل القول بالقدر المشترك.
قلت: ويمكن أن يقال: إن قوله: (يَسْجُدُ) واردٌ على عموم المجاز الذي يكون كل من الحقيقة والمجاز فرداً من أفراده، والمكلف إنما يسجدُ لمقتضى ما يناسبه.
الراغب: السجود أصله: التطامن والتذلل، وجُعل ذلك عبارة عن التذلل لله وعبادته، وهو عام في الإنسان وغيره، وذلك ضربان: اختياري: وليس ذلك إلا للإنسان وبه يستحق الثواب، قال الله تعالى: (فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا). وتسخيري، وهو للإنسان وغيره، وعلى ذلك قوله تعالى: (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً) [الرعد: ١٥] الآية، وهو الدلالة الصامتة الناطقة المنبهة على كونها مخلوقة، وأنها خلق فاعل حكيم، قوله تعالى: (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ) ينطوي على النوعين.
قوله: (لم يكن فيه دليل على التغليب)، قلت: ما أبينه من دليل، فإنه لو جيء
стр. 4496
فجيء بما هو صالح للعقلاء وغيرهم، إرادة العموم (يَخافُونَ) يجوز أن يكون حالا من الضمير في لا (يَسْتَكْبِرُونَ) أي: لا يستكبرون خائفين، وأن يكون بيانا لنفى الاستكبار وتأكيداً له، لأنّ من خاف الله لم يستكبر عن عبادته مِنْ فَوْقِهِمْ إن علقته بـ (يخافون)، فمعناه: يخافونه أن يرسل عليهم عذابا من فوقهم، وإن علقته بربهم حالا منه فمعناه: يخافون ربهم عالياً لهم قاهراً، كقوله (وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بـ "مِن"، وبُيِّنَ بقوله: (مِنْ دَابَّةٍ)، والدابة كما صرح في قوله تعالى: (فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ) الآية، بقوله: "ولما كان اسم الدابة موقعاً على المميز وغير المميز" لكفى به دليلاً ظاهراً على التغليب، ولكن إنما اختير "ما" للوصفية المشعرة بالتواضع والاستصغار، لاقتضاء السجود ذلك، كما في قوله تعالى: (لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ) كأنه جاء بت "ما" دون "مَن" تحقيراً لهم وتصغيراً لشأنهم. ومما يعضده أن هذه الآية معطوفة على الآية السابقة عطف الخاص على العام، وقد فُصلت السابقة بقوله: (وَهُمْ دَاخِرُونَ). وأما تكرير ذكر الملائكة على الوجه الثاني في الكتاب فتعريض بمن عند الملائكة، وأنهم أحرياء بأن يخضعوا لله تعالى، ويتضاءلوا لجلاله ، ومن ثمة: أتبعه بقوله: (لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ). والله أعلم.
قوله: ((يَخَافُونَ) يجوز أن يكون حالاً)، وأن يكون بياناً لنفي الاستكبار وتأكيداً له، الانتصاف: الثاني أصح؛ لأن الحال تُعطي انتقالاً وتوهم تقييداً، والواقع عدم استكبارهم مطلقاً غير مقيد بحال.
قوله: (إن علقته بـ (يَخَافُونَ))، أي: جعلته متصلاً به وتتمة لمعناه، ولم تُرد به تعلق المعمول بالعامل، فعلى هذا (مِنْ فَوْقِهِمْ): متعلق بمتعلق (يَخَافُونَ)، يدل عليه جعل المصنف "أن يُرسل" بدلاً من الضمير في "يخافونه"، ويمكن أن يُقدر: ويخافون عذاب ربهم كائناً من فوقهم.
стр. 4497
عِبادِهِ) [الأنعام: ١٨، ٦١]، (وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ) [الأعراف: ١٢٧] وفيه دليل على أنّ الملائكة مكلفون مدارون على الأمر والنهى والوعد والوعيد كسائر المكلفين، وأنهم بين الخوف والرجاء.
[(وَقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ)].
فإن قلت: إنما جمعوا بين العدد والمعدود فيما وراء الواحد والاثنين، فقالوا عندي رجال ثلاثة وأفراس أربعة، لأن المعدود عار عن الدلالة على العدد الخاص. وأما رجل ورجلان وفرس وفرسان، فمعدودان فيهما دلالة على العدد، فلا حاجة إلى أن يقال: رجل واحد ورجلان اثنان، فما وجه قوله (إلهين اثنين)؟ قلت: الاسم الحامل لمعنى الإفراد والتثنية دال على شيئين: على الجنسية والعدد المخصوص، فإذا أريدت الدلالة على أنّ المعنىّ به منهما، والذي يساق إليه الحديث هو العدد شفع بما يؤكده، فدل به على القصد إليه والعناية به. ألا ترى أنك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (دال على شيئين، على الجنسية والعدد)، وفيه أن العدد عار عن الدلالة على ماهية المعدود، فيجوز أن يكون بياناً لأحد مفهوميه.
قوله: (والذي يُساق غليه الحديث هو العدد)، "هو العدد": خبر "أنَّ"، و"الذي يُساق إليه الحديث" تفسير لقوله: "المعنى به"، و"شُفع": جواب "إذا".
قوله: (شُفع بما يؤكده)، لا ينافي قول صاحب "المفتاح": ففسر (إِلَهَيْنِ) بـ (اثْنَيْنِ) و (إِلَهٍ) بـ (وَاحِدَ)، بياناً لما هو الأصل في الغرض، فإن التأكيد أيضاً بيان من وجه، ألا ترى إلى قول المصنف قبيل هذا في قوله: (يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ): "هو بيان لقوله: (وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ) وتأكيدٌ له؛ لأن من خاف الله لم يستكبر عن عبادته".
стр. 4498
لو قلت: (إنما هو إله)، ولم تؤكده بـ (واحد): لم يحسن، وخيل أنك تثبت الإلهية لا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لو قلت: (إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ)، ولم تؤكده بـ (وَاحِدٌ)، لم يحسنْ، وخيل أنك تثبتُ الإلهية لا الوحدانية)، قال صاحب "التقريب": فيه نظرٌ، إذ "إلهٌ" يُطلقُ على الجنس مجرداً عن العدد، فجاء فيه التخييل، وأما (إِلَهَيْنِ) فلا يتخيل فيه غير التثنية، مع أنه المبحث، وفي حاشية "التقريب": وفي الأصل نظرٌ؛ لأن نحو إلهٍ وُضع للجنسية، والوحدة لا يجيء التخيل أيضاً إذا جُرد عن الواحد، وإن وُضع للجنسية المطلقة لم يكن شفعه بالواحد تأكيداً، إذ التأكيد: تقوية ما فهم من الأول، والمقدر عدم دلالته على الوحدة.
وقلت: إن المصنف لما بين دلالة الوضع أولاً، وأن مثل رجل ورجلين معدودان فيهما دلالة على العدد، بُني عليه معنى التأكيد، واستدل باستواء مؤدى اللفظين-أعني: ثلاثة رجال، ورجلين-في المقصود من إرادة المعدود من العدد، فلو لم يحمل شفعة بالواحد على التأكيد وبيان الغرض، لكان زائداً، فوجب المصير إلى التأكيد، ولأن التأكيد إنما يصار إليه لاحتمال ما عسى أن يتوهم السامع خلاف المقصود، وكل لفظٍ أخلي عن التأكيد لا يمنع الاحتمال، وقد نص الزجاج: أن (اثْنَيْنِ): توكيد لقوله: (إِلَهَيْنِ)، كـ"الواحد" في قوله: (إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ).
وقال الإمام: إن (إِلَهَيْنِ): لفظ واحد يدل على أمرين: ثبوت الإله، وثبوت التعدد، فإذا قيل: (لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ) لم يعرف منه أن النهي وقع عن إثبات الإله أو عن إثبات التعدد أو عن مجموعهما، فلما شُفع بقوله: (اثْنَيْنِ) ثبت أن النهي عن إثبات التعدد فقط، وكذا عن صاحب "المفتاح".
стр. 4499
الوحدانية (فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) نقل للكلام عن الغيبة إلى التكلم، وجاز لأنّ الغالب هو المتكلم، وهو من طريقة الالتفات، وهو أبلغ في الترهيب من قوله: وإياه فارهبوه، ومن أن يجيء ما قبله على لفظ المتكلم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأما بيان النظم فإن قوله: (وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ) الآية، معطوف على قوله: (مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ)، على منوال قوله: "متقلداً سيفاً ورمحاً"، أي: أولم ينظروا إلى ما خلق الله من الدلائل المنصوبة الشاهدة على وحدانية الله تعالى، وأنه لا معبود سواه، وأولم يسمعوا إلى ما قال وأوحاه الله في الكتب المنزلة، من بيان التوحيد، ونفي الشركاء؟
قوله: (وجاز لأن الغائب)، أي: وجاز انقل؛ لأن الغائب في قوله: (إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ) هو بعينه المتكلم في قوله: (فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ)؛ لأن شريطة الالتفات هو الانتقال من إحدى الصيغ الثلاث إلى الأخرى، لمفهوم واحد.
قوله: (وهو أبلغ في الترهيب من قوله: فإياه فارهبون)، لما أنك تجدُ في الانتقال من الغيبة إلى المواجهة هازاً من نفس المخاطب ما لا تجدُ إذا استمررت على لفظ الغيبة.
وقوله: (ومن أن يجيء ما قبله على لفظ المتكلم)، أي: هذا الانتقال والاختلاف أبلغ من أن يُجاء به على سنن واحد، وهو أن يجيء على لفظ الغيبة ما يقال: إنما هو إلهٌ واحدٌ فإياه فارهبون، وأن يجيء ما قبله على لفظ التكلم، كما يقال: إنما أنا إلهٌ واحدٌ فإياي فارهبون. قال صاحب "الفرائد": فائدة الالتفات أن يُعلم أن ذلك الواحد هو المتكلم، لا غيره؛ لأنه لما أفاد قوله: (لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ)، وأفاد قوله: (إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ) الأمر باتخاذ الواحد، وجب أن يبين أن ذلك الواحد هو المتكلم، فعبر عن ذلك بقوله: (فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ).
стр. 4500
[(وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ واصِباً أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ)].
الدِّينُ الطاعة واصِباً حال عمل فيه الظرف. والواصب: الواجب الثابت، لأنّ كل نعمة منه فالطاعة واجبة له على كل منعم عليه. ويجوز أن يكون من الوصب، أي: وله الدين ذا كلفة ومشقة، ولذلك سمى تكليفا. أو: وله الجزاء ثابتا دائما سرمدا لا يزول، يعنى الثواب والعقاب.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقلتُ: وتحريره أن قوله تعالى: (وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ) إلى آخر الآيات، مفرغٌ في قالب واحد؛ لأن أصل الكلام: لا تُشركوا بي شيئاً في العبادة؛ لأن المعبود واحد، فانظروا بنظر الإنصاف أنه مَن هو؟ فإذا أدّاكُم النظرُ إلى أن ذلك المعبود أنا، فخصوني بالرهبة، مثله في الانتقال والتخصيص قوله تعالى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) [الفاتحة ٤] بعد قوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ)، وإجراء الصفات عليه تعالى. ثُم عطف قوله: (وَلَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) على قوله: (إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ) بعدما رتب عليه التقوى، ليؤذن بأن عظمة الإلهية، كما تقتضي الخوف، كذلك المالكية، فعلق به قوله: (أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ)، ثم وبخهم وأنكر عليهم بعد الشرك كُفرانهم نعم الله تعالى بقوله: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْ اللَّهِ)، ثم استبعده بقوله: (ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمْ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ) قال ابن الحاجب: الآية جيء بها لإخبار قوم استقرت بهم نعمٌ جهلوا معطيها، أو شكوا فيه، أو فعلوا ما يؤدي إلى أن يكونوا شاكين، فاستقرارها مجهولة أو مشكوكة سببٌ للإخبار بكونها من الله تعالى.
قوله: (أو: ولهُ الجزاء [ثابتاً] دائماً) ن عطفٌ على قوله: " (الِدَيْنِ): الطاعةُ … والواصب: الواجب الثابت"، والدين إذا فُسر بالطاعة، والواصب يجوز أن يكون بمعنى الواجب، فيكون المعنى: الطاعة واجبة لله تعالى؛ لأن كل نعمة منهُ، وأن يكون بمعنى الكلفة والمشقة، ويكون المعنى: وله الطاعة التي فيها كلفة ومشقة، ابتلاء للعباد ليتميز المخلص من غيره، وإذا فُسر بالجزاء كقوله تعالى (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) [الفاتحة: ٣] فالواجب
стр. 4501
[(وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ* ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ* لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ*)].
(ما بِكُمْ مِنْ نِعْمَة) وأي شيء حل بكم، أو اتصل بكم من نعمة، فهو من الله (فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ) فما تتضرعون إلا إليه، والجؤار: رفع الصوت بالدعاء والاستغاثة. قال الأعشى يصف راهبا:
يُرَاوِحُ مِنْ صَلَوَاتِ الْمَلِيـ … ـكِ طَوْراً سُجُوداً وَطَوْراً جُؤَارَا
وقرئ: (تجرون)، بطرح الهمزة وإلقاء حركتها على الجيم. وقرأ قتادة: كاشف الضرّ على: فاعل بمعنى فعل، وهو أقوى من كشف، لأن بناء المغالبة يدل على المبالغة. فإن قلت: فما معنى قوله (إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ)؟ …
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بمعنى: الثابت فقط، والمعنى: وله الجزاء دائماً ثابتاً، والضمير في قوله: "ولذلك سُمي" (الدِّينِ) المفسر بالطاعة.
الراغب: الوصب: السُّقْم الدائم، وقد وصب فهو وصبٌ، وأوصبته كذا فهو يتوصب، نحو: يتوجع، قال تعالى: (وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ) [الصافات: ٩]، وقوله: (وَلَهُ الدِّينُ وَاصِباً) فتوعد لمن اتخذ إلهين، تنبيه أن جزاء من فعل ذلك لازم شديد، ومعنى الواصب: الدائم، أي: حق الإنسان أن يطيعه دائماً في جميع أحواله.
قوله: (يُراوحُ من صلوات)، البيت، يصف راهباً. المراوحة في العملين: أني عمل هذا مرة وهذا مرة.
قوله: (فما معنى قوله: (إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ)؟ )، أتى في السؤال بالفاء للإيذان بالإنكار
стр. 4502
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ …
على الكلام السابق، يعني: مقتضى قوله: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْ اللَّهِ) الإخبار عن قوم استقرت بهم نعم جهلوا مُعطيها، وقد ذكرت أن قوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً) ردٌّ لطعن قريش في رسالته صلوات الله عليه، وقولهم: "الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا"، وذكرتُ ثانياً أن قوله: (أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ) نازلة فيهم، وهي متصلة بتلك الآية، بمعنى: أفأمن منكرو الرسالة الباذلون جهدهم في المكر بإبطالها أن يخسف بهم وكيت وكيت؟ وقوله: (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ) عطف على قوله: (أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا)، وقوله: (وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ) عطفٌ على (أَوَلَمْ يَرَوْا) على منوال قوله: مُتقلداً سيفاً ورمحاً، أي: أو لم يروا إلى دلائله الدالة على القدرة القاهرة المسخرة لكل شيء، وأولمْ يسمعوا بآياته الشافية في إثبات التوحيد، وأن له الملك الواسع، والدين الواصب، ليعرفوا أن لابد من رسول ليقرر لهم تلك الدلائل، ويبلغ إليهم ذلك القول البليغ، ويُمهد لهم ذلك الدين الواصب، وان يضع الشريعة المستقيمة ليوضح منهاج الطريقة القويمة، وخصوصاً توبيخ هؤلاء أولاً على ما هم فيه من الإشراك بقوله: (أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ)، وثانياً على كفرانهم نعمة الله بقوله: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْ اللَّهِ)، وثالثاً على تعكيسهم الأمر بقوله: (ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمْ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ).
وإذا كان كذلك فكيف يدخلُ في المعنى ذكرُ فريق وكأن بعضاً من أولئك الموبخين ما أشركوا؟ وأجاب بأنه يجوز أن يكون الخطاب (بِكُمْ) عاماً ويُرادُ بالفريق أولئك المشركون، على أن الناس كلهم فعلوا ما يؤدي إلى أن يستجهلوا أو يُنسبوا إلى الكفران، خصوصاً هؤلاء المشركين؛ ضموا مع الجهل والكفران ما هو أعظم منها، من أنهم إذا مسهم الضر تضرعوا إلى الله، ثم إذا كشف الله عنهم ذلك الضر ليوحدوه بدلوا بالشرك، وأن يكون الخطاب خاصاً في أولئك المشركين، ثم (مِنْ) إما بيانٌ، والمعنى على التجريد، وإليه الإشارة بقوله: "وهم أنتُم"، أو: تبعيض، على أن المراد من لم يصدر منه ذلك الإشراك الخاص فهو المقتصد المتوسط الذي خفض من غلوائه في الكفر، فظهر من هذا البيان أن (ثُمَّ) في قوله: (ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمْ الضُّرُّ) للتراخي في المرتبة. والثانية: على حقيقتها.
стр. 4503
قلت: يجوز أن يكون الخطاب في قوله (وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) عاماً، ويريد بالفريق: فريق الكفرة وأن يكون الخطاب للمشركين (ومنكم) للبيان، لا للتبعيض، كأنه قال فإذا فريق كافر، وهم أنتم. ويجوز أن يكون فيهم من اعتبر، كقوله (فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ)] لقمان: ٣٢ [، (لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ) من نعمة الكشف عنهم،
كأنهم جعلوا غرضهم في الشرك كفران النعمة (فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) تخلية ووعيد. وقرئ: (فيمتعوا)، بالياء مبنيا للمفعول، عطفا على (لِيَكْفُرُوا) ويجوز أن يكون: (ليكفروا) فيمتعوا، من الأمر الوارد في معنى الخذلان والتخلية، واللام لام الأمر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأما قطعُ قوله: (لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ) فلأنه جملة طبية واردة كالطبع على جملة الكلام، وكالتخلص إلى نوع آخر من قبائح المشركين، ولذلك عدل من الخطاب على الغيبة إيذاناً بالإياس عن إيمانهم، ونعياً عليهم بسوء الخاتمة، وبان يقال لهم: دوموا على كفركم فسوف تعلمون وخامة عاقبة أمركم.
ولله دَرُّ فاءٍ فائقة، جلبت هذه المعاني الرائقة، رحم الله واضعها في هذا المقام، والله أعلم.
قوله: (تخلية ووعيدٌ)، نشر لقوله: (فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ)، يعني: خليناكم وأمهلناكم ونمتعكم بالدنيا ولذاتها، وعن قريب يظهر لكم سوء مغبته ووخامة عاقبته. قال أبو البقاء: الجمهور (فَتَمَتَّعُوا): على أنه أمرٌ، ويُقرأ بالياء، وهو معطوف على (لِيَكْفُرُوا) ثم رجع إلى الخطاب فقال: (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ)، وقُرئ بالياء أيضاً.
قوله: (من الأمر الوارد في معنى الخذلان والتخلية)، وهو كقوله تعالى: (قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً) [الزمر: ٨].
стр. 4504
[(وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمَّا رَزَقْناهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ)].
(لِما لا يَعْلَمُونَ) أي: لآلهتهم. ومعنى لا يعلمونها: أنهم يسمونها آلهة، ويعتقدون فيها أنها تضر وتنفع وتشفع عند الله، وليس كذلك. وحقيقتها أنها جماد لا يضر ولا ينفع، فهم إذاً جاهلون بها. وقيل: الضمير في (لا يَعْلَمُونَ) للآلهة. أي: لأشياء غير موصوفة بالعلم، ولا تشعر اجعلوا لها نصيباً في أنعامهم وزروعهم أم لا؟ وكانوا يجعلون لهم ذلك تقربا إليهم (لَتُسْئَلُنَّ) وعيد (عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ) من الإفك في زعمكم أنها آلهة، وأنها أهل للتقرب إليها.
[(ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ* وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ* يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ)].
كانت خزاعة وكنانة تقول: الملائكة بنات الله (سُبْحانَهُ) تنزيه لذاته من نسبة الوالد إليه. أو تعجب من قولهم. (وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ) يعني البنين. ويجوز في (ما يَشْتَهُونَ) الرفع على الابتداء، والنصب على أن يكون معطوفاً على البنات، أي: وجعلوا لأنفسهم ما يشتهون من الذكور. و (ظَلَّ) بمعنى صار كما يستعمل بات
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقيل: الضمير في: (لا يَعْلَمُونَ) للآلهة)، يعني: لما نفوا عنها ما يصح أن يُنفى عن ذوي العلم، أجروها مجرى أولي العلم، وعلى الأول: الضمير للمشركين، ومفعول (لا يَعْلَمُونَ): ضمير "ما" المعبر عن الأصنام، وعلى الثاني: مفعول (لا يَعْلَمُونَ) غير منوي، ولذلك قال: "لأشياء غير موصوفة بالعلم"، وقوله: "لا تشعر، أجعلوا لها نصيباً": صفة أخرى لأشياء، وعلى هذا الراجع إلى الموصول ضمير الفاعل في (لا يَعْلَمُونَ).
قوله: (الرفع على الابتداء، والنصب على أن يكون معطوفاً على (الْبَنَاتُ)، أي: وجعلوا لأنفسهم ما يشتهون من الذكور)، نقل الإمامُ عن الفراء أنه قال: المختار الرفع؛ لأنه لو كان
стр. 4505
وأصبح وأمسى بمعنى الصيرورة. ويجوز أن يجيء ظل، لأن أكثر الوضع يتفق بالليل، فيظل نهاره مغتما مربد الوجه من الكآبة والحياء من الناس (وَهُوَ كَظِيمٌ) مملوء
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نصباً لقال: لأنفسهم ما يشتهون، لأنك تقول: جعلت لنفسك كذا ولا تقول: جعلت لك كذا، وقال الزجاج: لا يجوز النصب؛ لأن العرب تقول: جعل لنفسه ما يشتهي، [ولا تقولُ: جعلَ لهُ ما يشتهي]، وهو يعني نفسه، وقال أبوا لبقاء: وضعف قومٌ هذا الوجه، وقالوا: لو كان ذلك لقال: ولأنفسهم، وفيه نظرٌ. وقال القاضي: يجوز النصب عطفاً على البنات، على أن الجعل بمعنى الاختيار، وهو وإن أفضى إلى أن يكون ضمير الفاعل والمفعول لشيء واحد، لكنه لا يبعد تجويزه في المعطوف.
قوله: (ويجوز أن يجيء: ظل)، أي: بمعناه، الجوهري: ظللت اعمل كذا، بالكسر ظلولاً: إذا عملته بالنهار دون الليل، قال صاحب "الانتصاف": وكذا الاحتمال في قوله: (فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ) [الحجر: ١٤] إما صاروا، وإما أن يُراد نهاراً لقصد المبالغة في الوضوح.
قوله: (فيظل نهاره)، "نهاره": بالنصب والرفع، بالنصب: ظرف، وبالرفع: على الإسناد المجازي، نحو: نهاره صائم.
قوله: (مربد الوجه)، الجوهري: تربد وجه فلان، أي: تغير من الغضب، وتربد أيضاً: تعبس.
قوله: (من الكآبة)، الكآبة: سوء الحال والانكسار من الحزن.
стр. 4506
حنقاً على المرأة (يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ) يستخفى منهم (مِنَ) أجل (سُوءِ) المبشر به، ومن أجل تعييرهم ويحدث نفسه وينظر أيمسك ما بشر به عَلى هُونٍ على هوان وذل (أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ) أم يئده؟ وقرئ: (أيمسكها على هون أم يدسها)، على التأنيث. وقرئ: (على هوان). (أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ) حيث يجعلون الولد الذي هذا محله عندهم لله، ويجعلون لأنفسهم من هو على عكس هذا الوصف.
[(لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)].
(مَثَلُ السَّوْءِ) صفة السوء: وهي الحاجة إلى الأولاد الذكور وكراهة الإناث ووأدهن خشية الإملاق، وإقرارهم على أنفسهم بالشح البالغ (وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى) وهو الغنى عن العالمين، والنزاهة عن صفات المخلوقين وهو الجواد الكريم.
[(وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَاخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ)].
(بِظُلْمِهِمْ) بكفرهم ومعاصيهم ما (تَرَكَ عَلَيْها) أي على الأرض (مِنْ دَابَّةٍ) قط ولأهلكها كلها بشؤم ظلم الظالمين. وعن أبى هريرة: أنه سمع رجلا يقول: إن الظالم لا يضرّ إلا نفسه، فقال: بلى والله، حتى إنّ الحبارى لتموت في وكرها بظلم الظالم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وهو الغني عن العالمين)، مقابل لقوله: "وهي الحاجة إلى الأولاد"، وقوله: "والنزاهة عن صفات المخلوقين" في مقابل: "ووأدهن خشية الإملاق"، وقوله: "وهو الجواد الكريم" في مقابل: "وإقرارهم على أنفسهم بالشح البالغ"، وكل ذلك نتيجة قوله: (وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ)، وقوله: (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى) إلى قوله: (سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ).
قوله: (فقال: بلى والله، حتى إن الحُبارى لتموتُ في وكرها)، النهاية: وفي حديث أنس:
стр. 4507
وعن ابن مسعود ﵁: كاد الجعل يهلك في جحره بذنب ابن آدم أو من دابة ظالمة. وعن ابن عباس (مِنْ دَابَّةٍ) من مشرك يدب عليها. وقيل: لو أهلك الآباء بكفرهم لم تكن الأبناء.
[(وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ)].
(وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ) لأنفسهم من البنات ومن شركاء في رياستهم، ومن الاستخفاف برسلهم والتهاون برسالاتهم، ويجعلون له أرذل أموالهم ولأصنامهم أكرمها (وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ) مع ذلك (أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى) عند الله كقوله (وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى)] فصلت: ٥٠ [، وعن بعضهم أنه قال لرجل من ذوى اليسار: كيف تكون يوم القيامة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"إن الحُبارى تموتُ هزلاً بذنب بني آدم"، يعني: أن الله تعالى يحبس القطر بشؤم ذنوبهم، إنما خصها بالذكر لأنها أبعدُ الطير نجعة، فربما تُذبح بالبصرة ويوجدُ في حوصلتها الحبة الخضراء، وبين البصرة وبن منابتها أيام.
وقلت: "بلى" إيجابٌ لما بعد النفي، والنفي هاهنا مستفاد من دليل الحصر، كأنه قيل: يضُر نفسه، ولا يتعدى الضرر إلى غيره، فأجاب: بلى والله، يتعدى الضرر إلى غيره حتى الحبارى، فظهر أن "حتى" غاية تتعدى المقدر.
قوله: (أو من دابة ظالمة)، عطفٌ على قوله: "من دابة قط"، فعلى الأول التنكير فيها للجنس، وعلى هذا للنوع.
قوله: (ومن الاستخفاف برسلهم)، أي: برسل المشركين الذين كانوا يرسلونهم.
стр. 4508
إذا قال الله تعالى: هاتوا ما دفع إلى السلاطين وأعوانهم، فيؤتى بالدواب والثياب وأنواع الأموال الفاخرة. وإذا قال: هاتوا ما دفع إلىّ فيؤتى بالكسر والخرق ومالا يؤبه له، أما تستحيي من ذلك الموقف؟ وقرأ هذه الآية. وعن مجاهد: أنّ لهم الحسنى، هو قول قريش: لنا البنون، (وأن لهم الحسنى): بدل من الكذب. وقرئ (الْكَذِبَ) جمع كذوب، صفة للألسنة (مُفْرَطُونَ) قرئ مفتوح الراء ومكسورها مخففاً ومشدّداً، فالمفتوح بمعنى مقدّمون إلى النار معجلون إليها، من أفرطت فلانا، وفرّطته في طلب الماء، إذا قدمته. وقيل. منسيون متروكون، من أفرطت فلانا خلفي إذا خلفته ونسيته. والمكسور المخفف، من الإفراط في المعاصي. والمشدّد، من التفريط في الطاعات وما يلزمهم.
[(تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ)].
(فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ): حكاية الحال الماضية التي كان يزين لهم الشيطان أعمالهم فيها. أو فهو وليهم في الدنيا فجعل اليوم عبارة عن زمان الدنيا. ومعنى (وَلِيُّهُمُ) قرينهم وبئس القرين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (إذا قال الله: هاتُوا)، أي: قال للحفظة: هاتوا.
قوله: ((مُفْرَطُونَ)، قرئ مفتوح الراء)، نافع: "مفرطون" بكسر الراء، والباقون: بفتحها مُشدداً ومخففاً، والمشدد شاذ، فالمفتوح بمعنى: مقدمون، يريد مخففاً ومشدداً.
стр. 4509
أو يجعل (فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ) حكاية للحال الآتية، وهي حال كونهم معذبين في النار، أي فهو ناصرهم اليوم لا ناصر لهم غيره، نفياً للناصر لهم على أبلغ الوجوه. ويجوز أن يرجع الضمير إلى مشركي قريش، أنه زين للكفار قبلهم أعمالهم، فهو
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أو يُجعل (فَهُوَ وَلِيُّهُمْ الْيَوْمَ)، عطف على قوله: " (فَهُوَ وَلِيُّهُمْ الْيَوْمَ) حكاية الحال الماضية"، بناء على أن هذا الكلام إما أن يُقال: في الآخرة أو في الدنيا. أما الأول: فعلى وجهين، أحدهما: أن يُراد باليوم: يوم الآخرة استحضاراً لما جرى على الكفرة في الدنيا من متولي أمورهم، الذي هو الشيطان وما زين لهم من سوء أعمالهم، وسول لهم من المعاصي والكفر، كأن السامع حينئذ يستحضر يوم الدنيا وتلك الحالة فيتعجب منها. وثانيهما: أن يُراد باليوم حينئذ: الزمان الممتد في الدنيا، فالتعريف في اليوم: للعهد، والمعنى بالولي: القرين، الذي هو قرينهم في الدنيا، وليس في هذا الوجه ذلك الاستحضار، بل مجرد الإخبار.
وأما الثاني: فعلى أن إخبار الله عن الكائن بمنزلة الواقع الثابت، فيستحضر الآن ما يجري عليهم في القيامة، وهذا على عكس الوجه الأول. والوليُّ حينئذ بمعنى: الناصر، وإثبات النصرة على سبيل التهكم، وإليه أشار بقوله: "نفياً للناصر لهم على أبلغ الوجوه"، ومثله قوله تعالى: (وَلَوْ تَرَى إِذْ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ) [سبأ: ٣١]، والغرض استحضار صورة الظالمين موقوفين عند ربهم متقاولين تلك المقالة.
قوله: (ويجوز أن يرجع الضمير)، يعني في قوله: (وَلِيُّهُمَ)، وهو عطفٌ على قوله: (فَهُوَ وَلِيُّهُمْ الْيَوْمَ) حكاية الحال الماضية؛ لأن الضمير على الأول، لكل من والاه الشيطان، المعني الشيطان قبل قريش، زين للأمم الماضية من الكفار أعمالهم، فهو الآن ولي هؤلاء الخلف؛ لأنهم متصلون بهم في الدينن كقوله تعالى: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ) [التوبة: ٦٧].
стр. 4510
ولي هؤلاء، لأنهم منهم. ويجوز أن يكون على حذف المضاف، أى: فهو ولى أمثالهم اليوم.
[(وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ* وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ)].
(وَهُدىً وَرَحْمَةً) معطوفان على محل (لِتُبَيِّنَ) إلا أنهما انتصبا على أنهما مفعول لهما، لأنهما فعلا الذي أنزل الكتاب. ودخل اللام على (لِتُبَيِّنَ): لأنه فعل المخاطب لا فعل المنزل. وإنما ينتصب مفعولا له ما كان فعل فاعل الفعل المعلل. والذي اختلفوا فيه: البعث، لأنه كان فيهم من يؤمن به، ومنهم عبد المطلب، وأشياء من التحريم والتحليل والإنكار والإقرار (لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ) سماع إنصاف وتدبر، لأنّ من لم يسمع بقلبه، فكأنه أصم لا يسمع.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقلت: هذا هو الوجه، وعليه النظم الفائق؛ لأن في تصدر القسمية بقوله: (تَاللَّهِ) بعد إنكارهم الرسالة، وتعداد قبائحهم، الإشعار بأنها كالتسلية لرسول الله ﷺ ، فإن الأمم الخالية مع الرسل السالفة لم تزل على هذه الوتيرة فلك أسوة بتلك الأنبياء، وقومك خلفٌ لتلك الأمم، فلا تهتم لذلك، فإن ربك ينتقم لك منهم بالقتل والدمار في الدنيا، وبعذاب النار في العقبى، فاشتغل أنت عنهم بتبليغ ما أُنزل عليك من الكتاب الفيصل بين الحق والباطل، الهادي إلى الصراط المستقيم، والرحمة للمؤمنين، وبتقرير أنواع الدلائل المنصوبة على الوحدانية، وبالتنبيه على إقامة الشكر على نعم الله المتظاهرة، وهذا التقرير يؤاخي التقرير في فاتحة هذه السورة الكريمة، والله أعلم.
قوله: (وإنما ينتصب مفعولاً له)، قوله: "مفعولاً له" تمييزٌ، والفاعل "ما" في "ما كان".
قوله: (وأشياء من التحريم)، عطفٌ على قوله: "البعث".
стр. 4511
[(وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشَّارِبِينَ)].
ذكر سيبويه الأنعام في باب مالا ينصرف في الأسماء المفردة الواردة على أفعال، كقولهم: ثوب أكياش، ولذلك رجع الضمير إليه مفرداً. وأمّا (فِي بُطُونِها في) سورة المؤمنين، فلأنّ معناه الجمع. ويجوز أن يقال: في (الأنعام) وجهان: أحدهما: أن يكون تكسير نعم، كأجبال في جبل، وأن يكون اسماً مفرداً مقتضياً لمعنى الجمع، كنعم، فإذا ذكر فكما يذكر «نعم» في قوله:
في كُلِّ عَامٍ نَعَمٌ تَحْوُونَه … يُلْقِحُهُ قَوْمٌ وَتَنْتِجُونَهْ
وإذا أنث؛ ففيه وجهان: أنه تكسير نعم، وأنه في معنى الجمع. وقرئ: (نسْقِيكُم) بالفتح والضم، وهو استئناف، كأنه قيل: كيف العبرة؟ فقيل نسقيكم. (مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ثوب أكياش)، وفي الحاشية: الأكياش: ضربٌ من الثياب تُغزل مرتين.
قوله: (في كل عام نعمٌ) البيت، وبعده:
هيهات هيهات لما يرجونه
أربابه نوكي، فلا يحمونه
ولا يلاقون طعاناً دونه
يروى: "أفي كل عام"، ذكر الضمير في "تحوونه"، الراجع إلى "نعم"؛ لأنه اسمٌ مفرد بمعنى الجمع، يخاطب لصوصاً، يقول لهم: تحوون كل عام نعماً لقوم ألقحوه، وأنتم تنتجونه في حكيم.
قوله: ((نُسْقِيكُمْ) بالفتح والضم)، بالضم: كلهم إلا نافعاً وابن عامر وأبا بكر،
стр. 4512
وَدَم) أي: يخلق الله اللبن وسيطاً بين الفرث والدم يكتنفانه، وبينه وبينهما برزخ من قدرة الله لا يبغى أحدهما عليه بلون ولا طعم ولا رائحة، بل هو خالص من ذلك كله. قيل: إذا أكلت البهيمة العلف فاستقرّ في كرشها طبخته، فكان أسفله فرثا، وأوسطه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال الزجاج: سقيته وأسقيته بمعنى. وقال سيبويه والخليل: سقيته- كقولك: ناولته- فشرب، وأسقيته: جعلت له سُقيا، وكذلك قول لبيد يحتمل المذهبين:
سقى قومي بني مجدٍ وأسقى … نُميراً والقبائل من هلال
وهذا البيتُ وضعهُ النحويون على أن "سقى" و"أسقى" بمعنى، وهو يحتمل التفسير الثاني.
وقيل: لا يريد الشاعر بسقي قومه: أن يروى عطاشهم، يريد: رزقهم الله سقياً لبلادهم يخصبون منها، وبعيدٌ أن يسأل لقومه ما يروي العطاش ولغيرهم ما يخصبون، ومعنى (نُسْقِيكُمْ) بالضم: جعلناه في كثرته وإدامته كالسقيا، فهو كقوله: أسقيته نهراً.
الجوهري: سقيته لشفته، وأسقيته لماشيته وأرضه، والاسم السقي بالكسر، والجمع الأسقية.
قوله: (قيل: إذا أكلت البهيمة العلف فاستقر في كرشها) إلى آخره. وقيل: الأطباء يزعمون على خلافه، قال الإمام: المراد من الآية هو أن اللبن إنما يتولد من بعض أجزاء الدم، والدم يتولد من الأجزاء اللطيفة التي في الفرث، وهي من الأشياء الحاصلة في الكرش، فاللبن يتولد من الأجزاء التي كانت حاصلة فيما بين الفرث أولاً ثم مما كانت حاصلة فيما بين الدم ثانياً، فصفاه الله تعالى عن تلك الجزاء الكثيفة الغليظة، فإذا تناول الحيوان الغذاء ووصل إلى معدته أو إلى كرشه، فإذا طُبخ وحصل الهضم الأول فيه، فما
стр. 4513
لبنا، وأعلاه دَمَاً. والكبد مسلطة على هذه الأصناف الثلاثة تقسمها، فتجرى الدم في العروق، واللبن في الضرع، وتبقى الفرث في الكرش. فسبحان الله ما أعظم قدرته وألطف حكمته لمن تفكر وتأمّل! وسئل شقيق عن الإخلاص فقال: تمييز العمل من العيوب، كتمييز اللبن من بين فرث ودم. (سائِغاً): سهل المرور في الحلق. ويقال: لم يغص أحد باللبن قط. وقرئ: (سيغاً) بالتشديد. و (سيغاً) بالتخفيف، كهين ولين. فإن قلت: أي فرق بين «من» الأولى والثانية؟ قلت: الأولى للتبعيض؛ لأن اللبن بعض ما في بطونها، كقولك: أخذت من مال زيد ثوباً. والثانية لابتداء الغاية؛ لأن بين الفرث والدم مكان الإسقاء الذي منه يبتدأ، فهو صلة لـ (نسقيكم)، كقولك: سقيته
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان صافياً انجذب إلى الكبد، وما كان كثيفاً نزل إلى الأمعاء، والحاصل في الكبد ينهضم ثانياً ويصير دماً، ثم الدم يدخل في الوردة، وهي العروق النابتة من الكبد، وهناك يحصل الهضم الثالث، وبين الكبد والضروع عروق، فيصب الدم منها إلى الضرع، وفيه لحمٌ غُدديٌّ رخوٌ أبيضُ، فينقلب الدم فيه إلى اللبن، وذلك تقدير العزيز العليم.
قال القاضي بعد ما ذكر نحواً من هذا: "ومن تدبر صُنع الله في إحداث الأخلاط والألبان وإعداد مقارها ومجاريها والأسباب المولدة لها والقوى المتصرفة فيها كل وقتٍ على ما يليق به، اضطر إلى الإقرار بكمال حمته وتناهي رحمته، وعلى هذا الأقرب أن يكون (مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ) حالاً من (لَبَناً خَالِصاً) ولا يكون ظرفاً لغواً.
قوله: (لأن بين الفرث والدم مكان الإسقاء)، رُوي: "مكان" بالرفع. وقيل: "بين": اسمٌ لا ظرف وانتصابه على الحكاية، وليس (أن) بعامل هذا النصب، وإنما هو عاملُ نصبٍ آخر مقدر، والتقدير: لأن محل الفرث والدم مكان الإسقاء، أو أن المتوسط والمتخلل بين الفرث والدم مكان الإسقاء، وفيه نظر، لأنه حينئذ: ظرفٌ لا اسم، والظاهر أن التقدير: أن
стр. 4514
من الحوض، ويجوز أن يكون حالا من قوله: (لَبَناً) مقدما عليه، فيتعلق بمحذوف، أي: كائناً من بين فرث ودم.
ألا ترى أنه لو تأخر فقيل: لبناً من بين فرث ودم كان صفة له؟ وإنما قدم؛ لأنه موضع العبرة، فهو قمن بالتقديم. وقد احتج بعض من يرى أن المنى طاهر على من جعله نجسا؛ لجريه في مسلك البول بهذه الآية، وأنه ليس بمستنكر أن يسلك مسلك البول وهو طاهر، كما خرج اللبن من بين فرث ودم طاهراً.
[(وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)].
فإن قلت: بم تعلق قوله: (وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ)؟ قلت: بمحذوف تقديره: ونسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب، أي: من عصيرها، وحذف لدلالة (نسقيكم) قبله عليه، وقوله (تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً) بيان وكشف عن كنه الإسقاء. أو تعلق بـ (تتخذون). و (منه) من تكرير الظرف للتوكيد، كقولك: زيد في الدار فيها. ويجوز أن يكون (تَتَّخِذُونَ) صفة موصوف محذوف، كقوله:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وسط الفرث والدم مكان الإسقاء، كقراءة من قرأ: "لقد تقطع بينكم" بالرفع.
قوله: (أو تعلق بـ (تَتَّخِذُونَ))، أي: قوله: (وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ)، وقلت: البيان والكشف أولى لمقابلته قوله: (نُسقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَ) وهو بيان لقوله: (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً)، ولذلك جعل (وَمِنْ ثَمَرَاتِ) متعلقاً بالمحذوف لا بهذا الظاهر، لكونه غير صالح للبيان. قال أبو البقاء: وقيل: التقدير: وتتخذون من ثمرات النخيل سكراً، وأعاد (مِن) لما قدم وأخر وذكر الضمير؛ لأنه عاد على شيء المحذوف، أو على معنى الثمرات، وهو الثمرُ، أو على النخل، أي: من ثمر النخل، أو على الجنس أو على البعض أو على المذكور.
قوله: (زيدٌ في الدار فيها)، قال في سورة "الأنبياء": "أورد سيبويه- في باب ما يُثنى فيه
стр. 4515
جادت بكفي كَانَ مِنْ أرْمَى الْبَشَرْ
تقديره: ومن ثمرات النخيل والأعناب ثمر تتخذون منه سكراً ورزقا حسناً؛ لأنهم يأكلون بعضها ويتخذون من بعضها السكر. فإن قلت: فإلام يرجع الضمير في (منه) إذا جعلته ظرفا مكرّراً؟ قلت: إلى المضاف المحذوف الذي هو العصير، كما رجع في قوله تعالى (أَوْ هُمْ قائِلُونَ) [الأعراف: ٤] إلى الأهل المحذوف. والسكر: الخمر، سميت بالمصدر من سكر سكراً وسكراً. نحو رشد رشداً ورشداً. قال:
وَجَاؤُونَا بهم سَكَرٌ عَلَيْنَا … فَأَجْلَى اليَوْمُ وَالسَّكْرَانُ صَاحِي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المستقر توكيداً: عليك زيدٌ حريص عليك، وغير ذلك".
قوله: (بكفي كان من أرمى البشر)، وقبله:
ما لك مني غير سهم وحجر … وغير كبداء شديدة الوتر
جادت بكفي كان من أرمى البشر
كبد القوس: مقبضها، والضمير في "جادت" راجعٌ إلى "كبداء"، أي: صارت جيدة، قوله: "بكفي كان"، أي: بكفي رجل كان من أرمى البشر.
قوله: (فإلام يرجع الضمير في (مِنْهُ)؟ )، في السؤال إنكار بشهادة الفاء، يعني: إذا جعلت (مِنْ ثَمَرَاتٍ) من باب: زيدٌ في الدار فيها، كان الضمير في "منه" لغير مدخول (مِن) والثمرات مؤنثة، وأجاب بأنها في تأويل العصير.
قوله: (إلى الأهل المحذوف)، أي: في قوله تعالى: (وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَاسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَائِلُونَ) أي: ومن عصير ثمرات النخيل.
قوله: (وجاؤونا بهم سكرٌ)، البيت، الضمير في "جاؤونا": للجنس، "سكرٌ": غضب
стр. 4516
وفيه وجهان: أحدهما: أن تكون منسوخة. وممن قال بنسخها: الشعبي والنخعي.
والثاني: أن يجمع بين العتاب والمنة. وقيل: السكر: النبيذ، وهو عصير العنب والزبيب والتمر إذا طبخ حتى يذهب ثلثاه، ثم يترك حتى يشتدّ، وهو حلال عند أبى حنيفة إلى حدّ السكر، ويحتج بهذه الآية، وبقوله ﷺ : «الخمر حرام لعينها .......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وسفه، أراد بصحوهم: علمهم بعجزهم عن مقاومتنا، "سكَر": مبتدأٌ، و"بهم" خبرٌ مقدمٌ عليه، و"علينا": متعلقٌ بـ"سَكَر"، والجملة: حال، فأجلى بمعنى جلى، أي: انكشف، قيل: استشهد بالبيت على أن السكر مصدرٌ في الأصل.
قوله: (وفيه وجهان)، أي: في الجمع بين السكر والرزق الحسن، من عليهم قبل النسخ بتمكينهم على أن يتخذوا منه السكر والرزق الحسن كسائر ما عدد عليهم من النعم لقوله: "لأنهم كانوا يأكلون بعضها ويتخذون من بعضها السكر" ثم نسخ السكر.
قوله: (أن يجمع بين العتاب والمنة)، يعني: خلقنا لكم ثمرات النخيل والأعناب، بأن تجعلوها ذريعة إلى الطاعات، فجعلتم بعضاً منها مادة المعاصي، ولهذا قيد إحدى القرينتين بقوله: (حَسَناً).
قوله: (وهو حلالٌ عند أبي حنيفة، ﵁ إلى حد السُّكر، ويحتج بهذه الآية)، وعن محيي السنة: وأولى الأقاويل قولُ من قال: إنها منسوخة؛ لأنها نازلة قبل تحريم الخمر، وإلى هذا ذهب ابن مسعود وابن عمر وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد، وقلتُ: في الآية نفسها دلالة على قبح تناولها تعريضاً، وذلك من عطف قوله: (وَرِزْقاً حَسَناً) عليه، وقد فُسر بالخل والرُّب.
قوله: (الخمرُ حرامٌ لعينها)، فيحرم قليلها وكثيرها.
стр. 4517
والسكر من كل شراب»، وبأخبار جمة. ولقد صنف شيخنا أبو على الجبائي قدّس الله روحه غير كتاب في تحليل النبيذ، فلما شيخ وأخذت منه السنّ العالية قيل له: لو شربت منه ما تتقوى به، فأبى. فقيل له: فقد صنفت في تحليله، قال: تناولته الدعارة فسمج في المروءة. وقيل: السكر: الطعم، وأنشد:
جَعَلْتُ أَعْرَاضَ الكِرَامِ سَكَرَا
أي: تنقلت بأعراضهم. وقيل هو من الخمر، وإنه إذا ابترك في أعراض الناس، فكأنه تخمر بها. والرزق الحسن: الخل والرب والتمر والزبيب وغير ذلك. ويجوز أن يجعل السكر رزقاً حسناً، كأنه قيل: تتخذون منه ما هو سكر ورزق حسن.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والسكر من كل شراب)، أي: السكر أيضاً حرامٌ من كل شراب، فلا يحرم شربه إلا إذا انتهى إلى حد السكر فيحرم.
قوله: (تناولته الدعارة)، الأساس: رجلٌ داعر: خبيث فاجر، وفيه دعارة، فهو على حذف المضاف، أي: طعمه أصحاب الدعارة، فقبح في المروءة التشبه بهم.
قوله: (أي: تنقلت)، أي: جعلت أعراضهم نُقلا. "وقيل: هو" أي: "سكراً" في البيت.
قوله: (إذا ابترك)، قيل: ابترك فلانٌ في عرض فلان: إذا اعتمد في ذمه.
الأساس: وابترك الفرس في عدوه: اعتمد فيه واجتهد.
قوله: (ويجوز أن يُجعل السكر رزقاً حسناً)، عطفٌ على قوله: "أن يجمع بين العتاب والمنة"، فعلى هذا العطف من باب البيان والتفسير.
стр. 4518
[(وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ* ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)].
الإيحاء إلى النحل: إلهامها والقذف في قلوبها وتعليمها على وجه هو أعلم به، لا سبيل لأحد إلى الوقوف عليه، وإلا فنيقتها في صنعتها، ولطفها في تدبير أمرها، وإصابتها فيما يصلحها، دلائل بينة شاهدة على أنّ الله أودعها علماً بذلك وفطنها، كما أولى أولي العقول عقولهم. وقرأ يحيى بن وثاب: (إِلَى النَّحْلِ) بفتحتين. وهو مذكر كالنحل، وتأنيثه على المعنى. (أَنِ اتَّخِذِي) هي (أن) المفسرة؛ لأنّ الإيحاء فيه معنى القول. وقرئ: «بيوتا» بكسر الباء؛ لأجل الياء. و (يَعْرِشُونَ) بكسر الراء وضمها: يرفعون من سقوف البيوت. وقيل: ما يبنون للنحل في الجبال والشجر والبيوت من الأماكن التي تتعسل فيها. والضمير في (يَعْرِشُونَ) للناس. فإن قلت: ما معنى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وإلا فنيقتها)، أي: حُسنُ صُنعها، وعن بعضهم: أي: إن لم يقل: بعلمها وإدراكها، لم يصح؛ لأن نيقتها دليل ظاهر على علمها، فأقام سبب الجواب مقام الجواب، أو يُقال (إنْ) شرطية، ولذلك دخلت الفاء في الجزاء، أي: وإن لم تصدقني على ما ذكرتُ فنيقتها ولطفها وإصابتها دلائل بينة على أن الله تعالى أودعها علماً، أما نيقتها في صنعتها فهي ما ترى في بنائها البيوت المسدسة من أضلاع متساوسة لا يزيد بعضها على بعض، فإنها لو كانت مربعة بقيت فُرجٌ ضائعة عند دخولها فيها، ولو كانت مستديرة بقيت الفرج بين البيوت ضائعة، وأما فطنتها كما أعطى أولي العلم، فهي ما ذكره الإمام: أنلها مقدماً كالرئيس يكون أعظم جثة منها، نافذ الحكم بينها، وأنها إذا نفرت عن أوكارها، ذهبت بأجمعها، ثم إذا أريد عودها ضربوا لها آلات الملاهي والموسيقا، وبواسطة تلك الألحان ترد إلى أوكارها.
стр. 4519
(من) في قوله: (أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ)؟ وهلا قيل: في الجبال وفي الشجر؟ قلت: أريد معنى البعضية، وأن لا تبنى بيوتها في كل جبل وكل شجر وكل ما يعرش ولا في كل مكان منها. (مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ) إحاطة بالثمرات التي تجرسها النحل وتعتاد أكلها، أي ابني البيوت، ثم كلى من كل ثمرة تشتهينها، فإذا أكلتها (فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ) أي: الطرق التي ألهمك وأفهمك في عمل العسل. أو: فاسلكي ما أكلت في سبل ربك، أي: في مسالكه التي يحيل فيها بقدرته النور المرّ عسلا من أجوافك ومنافذ مآكلك. أو: إذا أكلت الثمار في المواضع البعيدة من
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ): إحاطة بالثمرات)، مبتدأ وخبر، أي: هذا اللفظ مفيد للإحاطة العرفية، كقوله تعالى: (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) [النمل: ٢٣].
قوله: (تجرسها النحل)، الجوهري: الجرس: الصوت الخفي، ويقال: سمعت جرس الطير: إذا سمعت صوت مناقيرها على شيء تأكله.
قوله: (من أجوافك ومنافذ مآكلك)، فيه إشارة إلى الخلاف في أن العسل هل يخرج من بطونها أو من منافذ مآكلها كالأفواه؟ قال القاضي: واحتج بالآية من زعم أن النحل تأكل الأزهار والأوراق العطرة فتستحيل في باطنها عسلاً، ثم تقيء ادخاراً للشتاء، ومن زعم أنها تتلقط بأفواهها أجزاء طلية حلوةً صغيرة متفرقة على الأوراق والأزهار وتضعها في بيوتها ادخاراً، فإذا اجتمع في بيوتها شيء كثير منها كان العسل، فسر البطون بالأفواه وكذا عن الإمام، وقال: يُسمى كل تجويف داخل البدن بطناً، ألا تراهم يقولون: بطون الدماغ، والذي يدل على أنها تحاول بما تفعل الادخار، أن صاحبها بعدما يشتار منه يترك لغذائها بقية في بيوتها.
стр. 4520
بيوتك، فاسلكي إلى بيوتك راجعة سبل ربك، لا تتوعر عليك ولا تضلين فيها، فقد بلغني أنها ربما أجدب عليها ما حولها فتسافر إلى البلد البعيد في طلب النجعة. أو أراد بقوله: (ثُمَّ كُلِي): ثم اقصدي أكل الثمرات فاسلكي في طلبها في مظانها سبل ربك (ذُلُلًا) جمع ذلول، وهي حال من السبل، لأنّ الله ذللها لها ووطأها وسهلها، كقوله: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا) [الملك: ١٥] أو من الضمير في (فَاسْلُكِي)، أي: وأنت ذلل منقادة لما أمرت به غير ممتنعة. (شَرابٌ): يريد العسل؛ لأنه مما يشرب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أو أراد بقوله: (ثُمَّ كُلِي) ثم اقصدي)، عطفٌ على قوله: "كلي من كل ثمرة تشتهينها"، وهو على أسلوب قوله: (فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ) [النحل: ٩٨]، وعلى الأول: أي: على غير هذا الأسلوب، الفاء جواب شرط محذوف. وعلى الثاني: سلوك السبيل على الحقيقة قطعاً، وعلى الأول تحتمل المجاز أيضاً، وهو على وجهين، أحدهما: المرادُ: استعمال الصنعة الغريبة في العمل، ومنه سلوك العارف، ومن ثم قال: الطرق التي ألهمك، وثانيهما: المراد استعمال المأكول في أجوافها ومسالكها التي تُحيل فيها النور المر عسلاً، ومنه: سلكت الخيط في الإبرة. وأما الحقيقة فهو قوله: "فاسلكي إلى بيوتك راجعة (سُبُلَ رَبِّكِ) "، والفرق بين هذا الوجه وبين قوله: ثم اقصدي، أن السلوك على هذا من مراعيها إلى البيوت راجعة، وعلى ذلك: من بيوتها إلى مراعيها قاصدة.
الانتصاف: وكل الأكل إلى شهوتها فلم يحجر عليها، كما حجر في البيوت؛ لأن مصلحة الأكل حاملة على الإطلاق. وأما البيوت، فلايحصل مصلحتها في كل موضع، ولذلك دخلت (ثُم) لتفاوت الأمر في الحجر في البيوت، والإطلاق في الأكل، كما تقول: راعِ الحلال فيما تأكله، ثم كل مما شئت.
وقلتُ: إنما عدل من خطابها إلى الغيبة في قوله: (يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا) للتخلص إلى امتنان الناس؛ لأن المقصود من خلق النحل وإلهامه: انتفاعهم به.
قوله: (وأنت ذللٌ)، جمع الخبر، والمبتدأ مفرد؛ لأن الخطاب في قوله تعالى: (فَاسْلُكِي
следующие страницы →