Полный текст (9 345 стр.). Показаны 4516–4555 · переход к 4521.
стр. 4516
وفيه وجهان: أحدهما: أن تكون منسوخة. وممن قال بنسخها: الشعبي والنخعي.
والثاني: أن يجمع بين العتاب والمنة. وقيل: السكر: النبيذ، وهو عصير العنب والزبيب والتمر إذا طبخ حتى يذهب ثلثاه، ثم يترك حتى يشتدّ، وهو حلال عند أبى حنيفة إلى حدّ السكر، ويحتج بهذه الآية، وبقوله ﷺ : «الخمر حرام لعينها .......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وسفه، أراد بصحوهم: علمهم بعجزهم عن مقاومتنا، "سكَر": مبتدأٌ، و"بهم" خبرٌ مقدمٌ عليه، و"علينا": متعلقٌ بـ"سَكَر"، والجملة: حال، فأجلى بمعنى جلى، أي: انكشف، قيل: استشهد بالبيت على أن السكر مصدرٌ في الأصل.
قوله: (وفيه وجهان)، أي: في الجمع بين السكر والرزق الحسن، من عليهم قبل النسخ بتمكينهم على أن يتخذوا منه السكر والرزق الحسن كسائر ما عدد عليهم من النعم لقوله: "لأنهم كانوا يأكلون بعضها ويتخذون من بعضها السكر" ثم نسخ السكر.
قوله: (أن يجمع بين العتاب والمنة)، يعني: خلقنا لكم ثمرات النخيل والأعناب، بأن تجعلوها ذريعة إلى الطاعات، فجعلتم بعضاً منها مادة المعاصي، ولهذا قيد إحدى القرينتين بقوله: (حَسَناً).
قوله: (وهو حلالٌ عند أبي حنيفة، ﵁ إلى حد السُّكر، ويحتج بهذه الآية)، وعن محيي السنة: وأولى الأقاويل قولُ من قال: إنها منسوخة؛ لأنها نازلة قبل تحريم الخمر، وإلى هذا ذهب ابن مسعود وابن عمر وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد، وقلتُ: في الآية نفسها دلالة على قبح تناولها تعريضاً، وذلك من عطف قوله: (وَرِزْقاً حَسَناً) عليه، وقد فُسر بالخل والرُّب.
قوله: (الخمرُ حرامٌ لعينها)، فيحرم قليلها وكثيرها.
стр. 4517
والسكر من كل شراب»، وبأخبار جمة. ولقد صنف شيخنا أبو على الجبائي قدّس الله روحه غير كتاب في تحليل النبيذ، فلما شيخ وأخذت منه السنّ العالية قيل له: لو شربت منه ما تتقوى به، فأبى. فقيل له: فقد صنفت في تحليله، قال: تناولته الدعارة فسمج في المروءة. وقيل: السكر: الطعم، وأنشد:
جَعَلْتُ أَعْرَاضَ الكِرَامِ سَكَرَا
أي: تنقلت بأعراضهم. وقيل هو من الخمر، وإنه إذا ابترك في أعراض الناس، فكأنه تخمر بها. والرزق الحسن: الخل والرب والتمر والزبيب وغير ذلك. ويجوز أن يجعل السكر رزقاً حسناً، كأنه قيل: تتخذون منه ما هو سكر ورزق حسن.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والسكر من كل شراب)، أي: السكر أيضاً حرامٌ من كل شراب، فلا يحرم شربه إلا إذا انتهى إلى حد السكر فيحرم.
قوله: (تناولته الدعارة)، الأساس: رجلٌ داعر: خبيث فاجر، وفيه دعارة، فهو على حذف المضاف، أي: طعمه أصحاب الدعارة، فقبح في المروءة التشبه بهم.
قوله: (أي: تنقلت)، أي: جعلت أعراضهم نُقلا. "وقيل: هو" أي: "سكراً" في البيت.
قوله: (إذا ابترك)، قيل: ابترك فلانٌ في عرض فلان: إذا اعتمد في ذمه.
الأساس: وابترك الفرس في عدوه: اعتمد فيه واجتهد.
قوله: (ويجوز أن يُجعل السكر رزقاً حسناً)، عطفٌ على قوله: "أن يجمع بين العتاب والمنة"، فعلى هذا العطف من باب البيان والتفسير.
стр. 4518
[(وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ* ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)].
الإيحاء إلى النحل: إلهامها والقذف في قلوبها وتعليمها على وجه هو أعلم به، لا سبيل لأحد إلى الوقوف عليه، وإلا فنيقتها في صنعتها، ولطفها في تدبير أمرها، وإصابتها فيما يصلحها، دلائل بينة شاهدة على أنّ الله أودعها علماً بذلك وفطنها، كما أولى أولي العقول عقولهم. وقرأ يحيى بن وثاب: (إِلَى النَّحْلِ) بفتحتين. وهو مذكر كالنحل، وتأنيثه على المعنى. (أَنِ اتَّخِذِي) هي (أن) المفسرة؛ لأنّ الإيحاء فيه معنى القول. وقرئ: «بيوتا» بكسر الباء؛ لأجل الياء. و (يَعْرِشُونَ) بكسر الراء وضمها: يرفعون من سقوف البيوت. وقيل: ما يبنون للنحل في الجبال والشجر والبيوت من الأماكن التي تتعسل فيها. والضمير في (يَعْرِشُونَ) للناس. فإن قلت: ما معنى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وإلا فنيقتها)، أي: حُسنُ صُنعها، وعن بعضهم: أي: إن لم يقل: بعلمها وإدراكها، لم يصح؛ لأن نيقتها دليل ظاهر على علمها، فأقام سبب الجواب مقام الجواب، أو يُقال (إنْ) شرطية، ولذلك دخلت الفاء في الجزاء، أي: وإن لم تصدقني على ما ذكرتُ فنيقتها ولطفها وإصابتها دلائل بينة على أن الله تعالى أودعها علماً، أما نيقتها في صنعتها فهي ما ترى في بنائها البيوت المسدسة من أضلاع متساوسة لا يزيد بعضها على بعض، فإنها لو كانت مربعة بقيت فُرجٌ ضائعة عند دخولها فيها، ولو كانت مستديرة بقيت الفرج بين البيوت ضائعة، وأما فطنتها كما أعطى أولي العلم، فهي ما ذكره الإمام: أنلها مقدماً كالرئيس يكون أعظم جثة منها، نافذ الحكم بينها، وأنها إذا نفرت عن أوكارها، ذهبت بأجمعها، ثم إذا أريد عودها ضربوا لها آلات الملاهي والموسيقا، وبواسطة تلك الألحان ترد إلى أوكارها.
стр. 4519
(من) في قوله: (أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ)؟ وهلا قيل: في الجبال وفي الشجر؟ قلت: أريد معنى البعضية، وأن لا تبنى بيوتها في كل جبل وكل شجر وكل ما يعرش ولا في كل مكان منها. (مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ) إحاطة بالثمرات التي تجرسها النحل وتعتاد أكلها، أي ابني البيوت، ثم كلى من كل ثمرة تشتهينها، فإذا أكلتها (فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ) أي: الطرق التي ألهمك وأفهمك في عمل العسل. أو: فاسلكي ما أكلت في سبل ربك، أي: في مسالكه التي يحيل فيها بقدرته النور المرّ عسلا من أجوافك ومنافذ مآكلك. أو: إذا أكلت الثمار في المواضع البعيدة من
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ): إحاطة بالثمرات)، مبتدأ وخبر، أي: هذا اللفظ مفيد للإحاطة العرفية، كقوله تعالى: (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) [النمل: ٢٣].
قوله: (تجرسها النحل)، الجوهري: الجرس: الصوت الخفي، ويقال: سمعت جرس الطير: إذا سمعت صوت مناقيرها على شيء تأكله.
قوله: (من أجوافك ومنافذ مآكلك)، فيه إشارة إلى الخلاف في أن العسل هل يخرج من بطونها أو من منافذ مآكلها كالأفواه؟ قال القاضي: واحتج بالآية من زعم أن النحل تأكل الأزهار والأوراق العطرة فتستحيل في باطنها عسلاً، ثم تقيء ادخاراً للشتاء، ومن زعم أنها تتلقط بأفواهها أجزاء طلية حلوةً صغيرة متفرقة على الأوراق والأزهار وتضعها في بيوتها ادخاراً، فإذا اجتمع في بيوتها شيء كثير منها كان العسل، فسر البطون بالأفواه وكذا عن الإمام، وقال: يُسمى كل تجويف داخل البدن بطناً، ألا تراهم يقولون: بطون الدماغ، والذي يدل على أنها تحاول بما تفعل الادخار، أن صاحبها بعدما يشتار منه يترك لغذائها بقية في بيوتها.
стр. 4520
بيوتك، فاسلكي إلى بيوتك راجعة سبل ربك، لا تتوعر عليك ولا تضلين فيها، فقد بلغني أنها ربما أجدب عليها ما حولها فتسافر إلى البلد البعيد في طلب النجعة. أو أراد بقوله: (ثُمَّ كُلِي): ثم اقصدي أكل الثمرات فاسلكي في طلبها في مظانها سبل ربك (ذُلُلًا) جمع ذلول، وهي حال من السبل، لأنّ الله ذللها لها ووطأها وسهلها، كقوله: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا) [الملك: ١٥] أو من الضمير في (فَاسْلُكِي)، أي: وأنت ذلل منقادة لما أمرت به غير ممتنعة. (شَرابٌ): يريد العسل؛ لأنه مما يشرب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أو أراد بقوله: (ثُمَّ كُلِي) ثم اقصدي)، عطفٌ على قوله: "كلي من كل ثمرة تشتهينها"، وهو على أسلوب قوله: (فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ) [النحل: ٩٨]، وعلى الأول: أي: على غير هذا الأسلوب، الفاء جواب شرط محذوف. وعلى الثاني: سلوك السبيل على الحقيقة قطعاً، وعلى الأول تحتمل المجاز أيضاً، وهو على وجهين، أحدهما: المرادُ: استعمال الصنعة الغريبة في العمل، ومنه سلوك العارف، ومن ثم قال: الطرق التي ألهمك، وثانيهما: المراد استعمال المأكول في أجوافها ومسالكها التي تُحيل فيها النور المر عسلاً، ومنه: سلكت الخيط في الإبرة. وأما الحقيقة فهو قوله: "فاسلكي إلى بيوتك راجعة (سُبُلَ رَبِّكِ) "، والفرق بين هذا الوجه وبين قوله: ثم اقصدي، أن السلوك على هذا من مراعيها إلى البيوت راجعة، وعلى ذلك: من بيوتها إلى مراعيها قاصدة.
الانتصاف: وكل الأكل إلى شهوتها فلم يحجر عليها، كما حجر في البيوت؛ لأن مصلحة الأكل حاملة على الإطلاق. وأما البيوت، فلايحصل مصلحتها في كل موضع، ولذلك دخلت (ثُم) لتفاوت الأمر في الحجر في البيوت، والإطلاق في الأكل، كما تقول: راعِ الحلال فيما تأكله، ثم كل مما شئت.
وقلتُ: إنما عدل من خطابها إلى الغيبة في قوله: (يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا) للتخلص إلى امتنان الناس؛ لأن المقصود من خلق النحل وإلهامه: انتفاعهم به.
قوله: (وأنت ذللٌ)، جمع الخبر، والمبتدأ مفرد؛ لأن الخطاب في قوله تعالى: (فَاسْلُكِي
стр. 4521
(مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ) منه أبيض وأسود وأصفر وأحمر، (فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ)؛ لأنه من جملة الأشفية والأدوية المشهورة النافعة، وقلّ معجون من المعاجين لم يذكر الأطباء فيه العسل، وليس الغرض أنه شفاء لكل مريض، كما أن كل دواء كذلك. وتنكيره: إمّا لتعظيم الشفاء الذي فيه، أو لأن فيه بعض الشفاء، وكلاهما محتمل. وعن النبي ﷺ أن رجلا جاء إليه فقال: إن أخي يشتكى بطنه، فقال: «اذهب واسقه العسل» فذهب ثم رجع، فقال: قد سقيته فما نفع، فقال: «اذهب واسقه عسلا، فقد صدق الله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سُبُلَ رَبِّكِ) لجنس النحل بدليل قوله: (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ)، وقوله: "وتأنيثه على المعنى"، الجوهري: النحل والنحلة: الدبر، يقع على الذكر والأنثى، ونظيره قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ * فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ) [الانشقاق: ٦ - ٧]، ويجوز أن يكون الخطاب لكل واحدةٍ منها فجمع الخبر للمبالغة في الذلة كجمع الوصف في قوله تعالى: (شِهَاباً رَصَداً) [الجن: ٩]، وقوله: "ومعي جياعاً" والأول هو الوجه.
قوله: (أن رجلاً جاء إليه فقال: إن أخي) الحديث، رواه البخاري ومسلم والترمذي، عن أبي سعيد، مع تغيير فيهن وليس في آخره: "كأنما أنشط من عقال".
النهاية: أنشط، أي: حل، يقال: نشطت العقدة: إذا عقدتها، وأنشطتها وأنشطتها: إذا حللتها، وكثيراً ما يجيء: كأنما نشط من عقال، وليس بصحيح لما ذكرنا.
стр. 4522
وكذب بطن أخيك)، فسقاه فشفاه الله فبرأ، كأنما أنشط من عقال. وعن عبد الله بن مسعود:
العسل شفاء من كل داء، والقرآن شفاء لما في الصدور، فعليكم بالشفاءين: القرآن والعسل.
ومن بدع تأويلات الرافضة: أن المراد بالنحل علىّ وقومه. وعن بعضهم: أنه قال عند المهدي:
إنما النحل بنو هاشم، يخرج من بطونهم العلم، فقال له رجل: جعل الله طعامك وشرابك مما يخرج من بطونهم. فضحك المهدي وحدث به المنصور، فاتخذوه أضحوكة من أضاحيكهم.
[(وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ)].
(إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ): إلى أخسه وأحقره، وهو خمس وسبعون سنة، عن علىّ ﵁، وتسعون سنة، عن قتادة؛ لأنه لا عمر أسوأ حالا من عمر الهرم (لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وكذب بطن أخيك)، النهاية: الكذب هاهنا مجازٌ، حيث هو ضد الصدق، والكذب يختص بالأقوال، فجعل بطن أخيه حيث لم ينجع فيه العسل كاذباً؛ لأن الله تعالى قال: (فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ) يريد أنه من المقابلة والمشاكلة، فلما قال: صدق الله، حسن أن يقول: كذب بطن أخيك.
قوله: (وعن عبد الله بن مسعود: العسل شفاء)، الحديث، رواه ابن ماجه عن عبد الله مرفوعاً، رزين أيضاً.
قوله: (أنه قال عند المهدي)، هو أبو عبد الله محمد بن أبي جعفر المنصور، ثالث خلفاء بني العباس، كان أبوه أبو جعفر المنصور خليفة، عمه أبو العباس السفاح خليفة، وأخوه موسى الهادي، وابنه هارون الرشيد وإخوته وأولاده كلهم خلفاء.
стр. 4523
عِلْمٍ شَيْئاً): ليصير إلى حالة شبيهة بحال الطفولة في النسيان، وأن يعلم شيئا ثم يسرع في نسيانه فلا يعلمه إن سئل عنه. وقيل: لئلا يعقل من بعد عقله الأوّل شيئاً: وقيل: لئلا يعلم زيادة علم على علمه.
[(وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَة ِاللَّهِ يَجْحَدُونَ)].
أي: جعلكم متفاوتين في الرزق، فرزقكم أفضل مما رزق مماليككم وهم بشر مثلكم وإخوانكم، فكان ينبغي أن تردوا فضل ما رزقتموه عليهم، حتى تتساووا في الملبس والمطعم، كما يحكى عن أبى ذرّ: أنه سمع النبي ﷺ يقول: (إنما هم إخوانكم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ليصير إلى حالة شبيهة بحال الطفولة)، يعني: قوله: (لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً) كناية عن النسيان؛ لأن الناسي يعلمُ الشيء ثم ينساه، فلا يعلمه بعد ما علمه، وهذه صفة الأطفال. قال تعالى: (وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ)، والعلم بمعنى الإدراك والتعقل، المعنى: لا يترقى في إدراك عقله الأول؛ لأن الشاب في الترقي، والشيخ في التوقف والنقصان، وعلى هذا إذا أجرى العلم على معناه، كما في الوجه الأخير، وإنما خص الزيادة به؛ لان العلم يزداد بالترداد. قال الشيخ الشاطبي:
وخيرُ جليس لايمل حديثه … وترداده يزداد فيه تجملا
قوله: (كما يُحكى عن أبي ذر ﵁، الحديث من رواية البخاري ومسلم، قال
стр. 4524
فاكسوهم مما تلبسون، وأطعموهم مما تطعمون)، فما رؤي عبده بعد ذلك إلا ورداؤه رداؤه وإزاره إزاره من غير تفاوت. (أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) فجعل ذلك من جملة جحود النعمة. وقيل: هو مثل ضربه الله للذين جعلوا له شركاء، فقال لهم: أنتم لا تسوّون بينكم وبين عبيدكم فيما أنعمت به عليكم، ولا تجعلونهم فيه شركاء، ولا ترضون ذلك لأنفسكم، فكيف رضيتم أن تجعلوا عبيدي لي شركاء؟ ! وقيل: المعنى: أنّ الموالي والمماليك أنا رازقهم جميعاً، فهم في رزقي سواء، فلا تحسبن الموالي أنهم يردون على مماليكهم من عندهم شيئاً من الرزق، فإنما ذلك رزقي أجريه إليهم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المعرور بن سويد: رأيت أبا ذر وعليه حلة، وعلى غلامه حُلة مثلها، فسألته عن ذلك، فذكر انه ساب رجلاً فقال له النبي ﷺ : "إنك امرؤ فيك جاهلية"، قلت: على ساعتي هذه من كير السن؟ فقال: "نعم، هم إخوانكم وخولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم".
قوله: (فجعل ذلك)، أي: عدم المساواة أو الرد بفضل ما رزقوهم عليه، المعنى: الله الذي فضل بعضكم على بعض في الرزق، فشكر ذلك أن تواسوا إخوانكم فيه، فما بالكم لا تواسون، أولا تردون رزقكم عليهم فتستووا في الرزق؟ فسر الآية بوجوه، أحدها: بين فيه حكم حسن الملكة كما سبق. وثانيها: أن يكون تمثيلاً، والممثل به ما تُعورف بين الناس من أحوال السادات مع المماليك، فذكره لتوبيخ المشركين. وثالثها: بين أن جميع النعم التي عدها من أول السورة، واصلة من الله تعالى إلى العبيد، سواء كانوا أحراراً أو مماليك، لئلا يمن أحدٌ على أحد.
فإن قلت: لا يجوز أن يكون تمثيلاً لخلو الكلام عن القرينة الداعية إلى التمثيل؟
قلت: يمكن أن تُجعل القرينة كون الآية تخلصاً إلى نوع آخر من بيان قبائح الكفار وكفرانهم نعم الله المتواترة، وهو قوله: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) إلى قوله: (فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ)، والتنبيه على القرينة قوله: (أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ).
стр. 4525
على أيديهم. وقرئ: (يجحدون) بالتاء والياء.
[(وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ)].
(مِنْ أَنْفُسِكُمْ): من جنسكم. وقيل: هو خلق حواء من ضلع آدم. والحفدة: جمع حافد؛ وهو الذي يحفد، أي: يسرع في الطاعة والخدمة. ومنه قول القانت: وإليك نسعى ونحفد. وقال:
حَفَدَ الْوَلَائِدَ بَيْنَهُنَّ وَأُسْلِمَتْ … بِأَكُفِّهِنَّ أزِمَّةَ الأَجْمَالِ
واختلف فيهم؛ فقيل: هم الأختان على البنات، وقيل: أولاد الأولاد، وقيل: أولاد المرأة من الزوج الأوّل، وقيل: المعنى: وجعل لكم حفدة، أي: خدما يحفدون
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: (يَجْحَدُونَ) بالياء والتاء)، الفوقانية: أبو بكر، والباقون: بالياء.
قوله: (وهو الذي يحفد، أي: يسرع في الطاعة)، الراغب: الحافد: المتحرك المتبرع بالخدمة، أقارب كانوا أو أجانب. قال المفسرون: هم الأسباط ونحوهم، وذلك أن خدمتهم أصدق، وفلان محفود، أي: مخدوم، وسيفٌ محتفد، أي: سريع القطع. قال الأصمعي: أصل الحفد: مقاربة الخطو.
قوله: (حفد الولائد) البيت، الولائد: الإماء، يقول: إن الإماء يسرعن بينهن، وأزمة الجمال أسلمت بأكفهن، يريد أنهن متنعمات مخدومات ذوات الإماء والأجمال.
قوله: (وقيل: المعنى: وجعل لم حفدة، أي: خدماً)، عطفٌ على قوله: "وهو الذي
стр. 4526
في مصالحكم ويعينونكم، ويجوز أن يراد بالحفدة: البنون أنفسهم؛ كقوله: (سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً) كأنه قيل: وجعل لكم منهنّ أولاداً هم بنون وهم حافدون، أي: جامعون بين الأمرين (مِنَ الطَّيِّباتِ): يريد بعضها، لأنّ كل الطيبات في الجنة، وما طيبات الدنيا إلا أنموذج منها. (أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ) وهو ما يعتقدون من منفعة الأصنام وبركتها وشفاعتها، وما هو إلا وهم باطل لم يتوصلوا إليه بدليل ولا أمارة، فليس لهم إيمان إلا به، كأنه شيء معلوم مستيقن. ونعمة الله المشاهدة المعاينة التي لا شبهة فيها لذي عقل وتمييز: هم كافرون بها منكرون لها كما ينكر المحال الذي لا يتصوره العقول. وقيل: الباطل ما يسوّل لهم الشيطان من تحريم البحيرة والسائبة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يحفد، أي: يُسرع في الطاعة"، فعلى الأول: الحفدة عام فيمن يسرع في الطاعة والخدمة من القرائب، وعلى هذا: في معنى الخدم نفسه، وعلى الوجه الأخير يون العطف من باب قوله تعالى: (إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) [الأنفال: ٤٩].
قوله: (إلا أنموذج منها)، المغرب: النموذج - بالفتح- والأنموذج- بالضم- تعريب نموذجه.
قوله: ((أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ) وهو ما يعتقدون)، إلى آخره، فيه إنكار وتوبيخ على ما آمنوا وعلى ما كفروا، وفي التركيب الأول تقديم، فيفيد التخصيص، وتكرير فيؤذن بالتأكيد والتحقيق؛ لأن الفاء تستدعي فعلاً يُعطف المذكور عليه، أي: كفروا بالحق فآمنوا بالباطل، وإلى التخصيص الإشارة بقوله: "فليس لهم يمان إلا به"، وإلى التحقيق بقوله: "كأنه شيء معلوم مستيقن". والتركيب الثاني أيضاً كذلك: التأكيد من بناء يكفرون على هم، وإلى التخصيص الإشارة بقوله: "ونعمة الله المشاهدة المعاينة التي لا شبهة فيها لذي عقل وتمييز هم كافرون بها"؛ لأنهم إذا كفروا نعمة الله مع وجود ما يوجب الشكر من جلائها وظهورهان وأنها كالمحسوس المشاهد، فكأنهم أنكروا أنها نعمةٌ، أو أنها من الله، وإليه الإشارة بقوله:
стр. 4527
وغيرهما. ونعمة الله: ما أحل لهم.
[(وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ)].
الرزق يكون بمعنى المصدر، وبمعنى ما يرزق، فإن أردت المصدر نصبت به (شَيْئاً): كقوله (أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ* يَتِيماً) [البلد: ١٤]، على: لا يملك أن يرزق شيئاً. وإن أردت المرزوق؛ كان (شيئاً) بدلاً منه بمعنى قليلاً. ويجوز أن يكون تأكيداً لـ (لا يملك)، أي: لا يملك شيئاً من الملك. و (مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) صلة للرزق إن كان مصدراً، بمعنى: لا يرزق من السماوات مطرا، ولا من الأرض نباتاً. أو صفة إن كان اسما لما يرزق. والضمير في (وَلا يَسْتَطِيعُونَ) لـ (ما)؛ لأنه في معنى الآلهة، بعد ما قيل: (لا يَمْلِكُ) على اللفظ. ويجوز أن يكون للكفار، يعني:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"منكرون لها كما ينكر المحال" وإلى التأكيد الإشارة بقوله: "هم يكفرون بها ومنكرون لها"، وقوله: "نعمة الله": مبتدأ، وقوله: "هم كافرون بها": خبره، وفيه ضرب من التأكيد.
قوله: (ونعمة الله ما أحل لهم)، قيل: "ما": مصدرية، أي: إحلال الله، أو موصولة، أي: أحله الله، والأولى الثاني؛ لأنه مقابل لقوله: "الباطل ما يسول لهم الشيطان"، وهي موصولة؛ لأن "مِن" في قوله: "من تحريم البحيرة" بيان لها.
قوله: (تأكيداً لـ (لا يَمْلِكُ) ") أي: (شَيْئاً) مفعول مطلق، ولذلك بينه بقوله: "من الملك" بكسر الميم، كما تقول: ضربت نوعاً منا لضرب.
قوله: (بعدما قيل: (لا يَمْلِكُ)) على اللفظ إشارة إلى خلاف ذكرناه عن ابن جني. قال صاحب "الانتصاف" فيما سبق: إن العود إلى المعنى بعد الحمل على اللفظ أنكره بعضهم، لما يلزم من الإجمال بعد البيان، وهو خلاف البلاغة. وهو مردود لمجيئه في أفصح الكلام.
стр. 4528
ولا يستطيع هؤلاء - مع أنهم أحياء متصرفون أولو ألباب - من ذلك شيئاً، فكيف بالجماد الذي لا حس به! فإن قلت: ما معنى قوله: (وَلا يَسْتَطِيعُونَ) بعد قوله: (لا يَمْلِكُ)؟ وهل هما إلا شيء واحد؟ قلت: ليس في (ولا يَسْتَطِيعُونَ) تقدير راجع، وإنما المعنى: لا يملكون أن يرزقوا، والاستطاعة منفية عنهم أصلا؛ لأنهم موات، إلا أن يقدر الراجع ويراد بالجمع بين نفى الملك والاستطاعة للتوكيد، أو يراد: أنهم لا يملكون الرزق ولا يمكنهم أن يملكوه، ولا يتأتى ذلك منهم ولا يستقيم.
[(فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)].
(فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ): تمثيل للإشراك بالله والتشبيه به؛ لأنّ من يضرب الأمثال مشبه حالا بحال وقصة بقصة، (إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ) كنه ما تفعلون وعظمه، وهو معاقبكم عليه بما يوازيه في العظم؛ لأنّ العقاب على مقدار الإثم، (وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) كنهه وكنه عقابه، فذاك هو الذي وجرّكم إليه وجرأكم عليه، فهو تعليل للنهي عن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ما معنى قوله: (وَلَا يَسْتَطِيعُونَ)؟ )، وجه السؤال أن مفعول (وَلَا يَسْتَطِيعُونَ) محذوف، وهو الضمير الراجع إلى الرزق، بدليل سياق الكلام عليه، فيلزم عطف الشيء على نفسه. وأجاب: "ليس في (وَلَا يَسْتَطِيعُونَ) " أي: لا نسلم اشتماله على الراجع، بل هو مطلق من باب: فلانٍ يُعطي ويمنع، فيكون "فلا يستطيعون" تذييلاً للكلام السابق، ثم قال: "إلا أن يقدر"، أي: ولن سُلم اشتماله على الراجع فيكون من باب التأكيد، نحو قوله تعالى: (لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [التحريم: ٦] أو من باب الترقي، فإن قوله تعالى: (لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً) دل على نفي مُلك الرزق عنهم مطلقاً، وقوله: (لا يَسْتَطِيعُونَ) على نفي استطاعة أن يكونوا مالكين، وإليه الإشارة بقوله: "لا يملكون الرزق ولا يمكنهم أن يملكوه"، ولا يتأتى ذلك فيهم. ويجوز أن يكون تتميماً.
قوله: (وجرأكم عليه)، الجوهري: الجُرأة: الشجاعة، وتقول: جرأتك على فلان حتى اجترأت عليه.
стр. 4529
الشرك. ويجوز أن يراد: فلا تضربوا لله الأمثال، إنّ الله يعلم كيف يضرب الأمثال، وأنتم لا تعلمون.
[(ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ)].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ويجوز أن يُراد: (فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ)، عطف على قوله: (فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ): تمثيل"، وعلى التمثيل لا قول ثمة، ولا مثل، ولا ضرب، لأن الفاء في: (فَلا تَضْرِبُوا) رتب النهي على قوله تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) الآية، كأن حالهم في مزاولة عبادة الأصنام المستلزم لتشبيه حالها بحال المعبود الحق في استحقاق العبادة، حالُ من يحاول انتزاع أمور متعددة غير حقيقية بين المشبه والمشبه به ليلحقه به ويقيمه مقام تشبيه، وإليه الإشارة بقوله: "لأن من يضرب الأمثال مشبه حالاً بحال"، وقوله: (وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ): تعليل للنهي، كأنه قيل: لا تُشركوا بالله شيئاً وانتم قومٌ جهلة، ولذلك صدر منكم هذه الغفلة. وإليه الإشارة بقوله: "فذاك هو الذي جركم إليه". وقوله: (إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ): اعتراض وارد على الوعيد والتهديد، وهو المراد من قوله: "إن الله يعلم كنه ما تعملون، وهو معاقبكم عليه".
وعلى الثاني: النهي واردٌ على مثل ضربوه، وتشبيه انتحلوه، وقوله: (إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) برمته: تعليل، أي: ضربُ الأمثال من العلوم الدقيقة يستدعي لطف إدراك وخبرة لا سيما في ذات الله ، فلا يقدر على الشروع فيه إلا الله والراسخون في العلم. ومن ثم عقبه بقوله: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً)، وأشار المصنف إليه بقوله: "ثم علمهم كيف تُضرب". وأما بيان اتصاله على الوجه الأول، فإنه تعالى لما نهاهم عن ضرب المثل الفعلي، وهو الإشراك بالله المستلزم له، عقبه بما يكشف لذي البصيرة عن حالهم في تلك الفعلة، وحال من يخالفهم فيها من قوله تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً) الآية.
стр. 4530
ثم علمهم كيف تضرب فقال: مثلكم في إشراككم بالله الأوثان: مثل من سوّى بين عبد مملوك عاجز عن التصرف، وبين حرّ مالك قد رزقه الله مالا فهو يتصرف فيه وينفق منه كيف شاء. فإن قلت: لم قال: (مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ) وكل عبد مملوك، وغير قادر على التصرف؟ قلت: أما ذكر المملوك؛ فليميز من الحرّ؛ لأن اسم العبد يقع عليهما جميعا؛ لأنهما من عباد الله. وأما (لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ)؛ فليجعل غير مكاتب ولا مأذون له؛ لأنهما يقدران على التصرف. واختلفوا في العبد: هل يصح له ملك؟ والمذهب الظاهر: أنه لا يصحّ له.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (واختلفوا في العبد: هل يصح له ملك؟ والمذهب الظاهر أنه لا يصح له)، الانتصاف: مالك ﵀ يرى أنه يملك، والآية تعضده، أي: مملوكاً ليس ممن ملكه سيده فملك، بل هو على أصل الملكة، عاجزٌ، فلو لم يتصور له مُلكٌ، لكان قوله: (لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ) تكراراً، وقوله: "احترازا من المكاتب" بعيدٌ من فصاحة القرآن، إذ لو لم يملك من العبيد إلا مكاتب لكانت إرادته باللفظ إيجازاً مع إخلال لا يليق بالبلاغة. وأنكر إمام الحرمين حمل قوله ﷺ : "أيما امرأة نُكحت بغير إذن وليها" على المكاتبة، لبُعد القصد إليها على شذوذها. وأما المأذون فينبني على القول بان المراد بعدم القدرة عدم المكنة من التصرف أوالملك، وبُعد الأول عن مطابقة قوله: (وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً). ولقائل أن يقول: إن قوله: (لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ) صفة لازمة، كالإيضاح لفائدة ضرب المثل، أي: إنما ضربت المثل به؛ لأن حقيقته اللازمة له المعروفة به أنه لا يقدر على شيء، ومنه: (وَمَنْ
стр. 4531
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ) [المؤمنون: ١١٧]، وكل مدعو مع الله لا برهان له به، إنما المراد به أنه من لوازم دعائه مع الله إلها. ولنا أن نقول في دفعه: الأصل في الصفة والحال التخصيص والتقييد، وما ورد بخلاف ذلك فهو خلاف الأصل.
وقال الإمام: احتج الفقهاء بهذه الآية على أن العبد لا يُملكُ شيئاً، فإن قالوا: ظاهر الآية يدل على أن عبداً من العبيد لا يقدر على شيء، فلم قلتم: إن كل عبدٍ كذلك؟ فنقول: الذي يدل عليه وجهان، الأول: أنه ثبت في أصول الفقه أن الحكم المذكور عقيب الوصف المناسب يدل على كون ذلك الوصف علة لذلك الحكم، كونه عبداً وصفٌ مشعرٌ بالذل والمقهورية، وقوله: (لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ) حُكمٌ مذكور عقيبه، فهذا يقتضي أن العلة لعدم القدرة على الشيء، هو كونه عبداً، وبهذا الطريق ثبت العموم. والثاني: أنه تعالى قال بعده: (وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً) فميز هذا القسم الثاني على القسم الأول، وهو العبد بهذه الصفة، وهو أنه يرزقه رزقاً، فوجب ألا يحصل هذا الوصف للعبد حتى يحصل الامتياز بين القسم الثاني وبين القسم الأول، ولو مُلك العبدُ لكان الله قد آتاه رزقاً حسناً؛ لان الملكَ الحلالَ رزقٌ حسن، سواء كان قليلاً أو كثيراً.
وقلت: لا شك أن قوله: (وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَجَهْراً) مقابل لقوله: (عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ)، والمقصود من ذكرهما الحجرُ والمنعُ والإطلاق والتوسعة؛ لأن التمثيل في الأصنام والملك العلام، فلابد من تصور العجز التام، فإذا أجريناه على ما قال، لزم التصرف المحذور. والحاصل أن إتيان صفتين لمزيد التصوير والكشف عن حالة العجز لا للتمييز والتفصلة، ألا ترى كيف ترقى في التمثيل الثاني، وزاد البكم والكل، وعدم الإنجاح في المهمات ليدل على كمال ذلك المعنى؟ وكذا في
стр. 4532
فإن قلت: (مَنْ) في قوله: (وَمَنْ رَزَقْناهُ) ما هي؟ قلت: الظاهر أنها موصوفة، كأنه قيل: وحراً رزقناه؛ ليطابق عبداً. ولا يمتنع أن تكون موصولة. فإن قلت: لم قيل (يَسْتَوُونَ) على الجمع؟ قلت: معناه: هل يستوي الأحرار والعبيد؟
[(وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَاتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ)].
الأبكم: الذي ولد أخرس، فلا يَفهم ولا يُفهم. (وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ) أي: ثقل وعيال على من يلي أمره ويعوله، (أَيْنَما يُوَجِّهْهُ): حيثما يرسله ويصرفه في مطلب حاجة أو كفاية مهم، لم ينفع ولم يأت بنجح، (هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ) هو سليم الحواس نفاع ذو كفايات، مع رشد وديانة، فهو (يَامُرُ) الناس (بِالْعَدْلِ) والخير،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جانب المشبه به، فإنه ترقى من تصرفه كيف شاء إلى كونه آمراً بالعدل، ومن كونه مرزوقاً، إلى كونه مهدياً إلى صراط مستقيم.
قوله: (ولا يمتنعُ أن تكون موصولة) يريد أن الآية من باب التضاد والطباق، فيحتمل من أن تكون موصوفة، كما يُقال: عبداً مملوكاً وحراً مرزوقاً، وأن تكون موصولة، بأن يقال: والحر الذي رزقناه، لكن المطابع ممن رُزق الذوق السليم لا يعرج عنه إليه، وهذا ينظر إلى قول المصنف في قوله تعالى: (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ) [البقرة: ٨]: "و"مَن" في (مَنْ يَقُولُ) [موصوفة] إن جعلت اللام للجنس، وإن جعلتها للعهد فموصولة".
قوله: ((هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ) هو سليم الحواس؟ )، يعني: لابد من المقابل بين العدل وما سبق، ولا يأمر بالعدل إلا من يكون موصوفاً بصفات الكمال، وتخصيص المذكورات للتقابل.
стр. 4533
(وَهُوَ) في نفسه (عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ): على سيرة صالحة ودين قويم. وهذا مثل ثان ضربه الله لنفسه ولما يفيض على عباده ويشملهم من آثار رحمته وألطافه ونعمه الدينية والدنيوية، وللأصنام التي هي أموات لا تضر ولا تنفع وقرئ: (أينما يوجه)، بمعنى: أينما يتوجه، من قولهم: (أينما أوجه ألق سعداً). وقرأ ابن مسعود: (أينما يوجه)، على البناء للمفعول.
[(وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)].
(وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) أي: يختصّ به علم ما غاب فيهما عن العباد وخفي عليهم علمه. أو: أراد بغيب السموات والأرض: يوم القيامة، على أن علمه غائب عن أهل السموات والأرض لم يطلع عليه أحد منهم. (إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ) أي: هو عند الله وإن تراخى، كما تقولون أنتم في الشيء الذي تستقربونه: هو كلمح البصر أو هو أقرب، إذا بالغتم في استقرابه. ونحوه قوله: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) [الحج: ٤٧] أي: هو
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أينما أوجه ألق سعداً)، يُضربُ لمن يتلقى الشر أية سلك، وعن بعض: أصله أن أضبط كان سيد قومه، فأصابه منهم جفوة، فارتحل عنهم إلى آخرين، فرآهم يصنعون بساداتهم مثل صنيع قومه، فقال: "أينما أوجه ألق سعداً"، وسعد كان شريراً.
قوله: (ونحوه قوله: (يَسْتَعْجِلُونَكَ))، أي: نحوه في استعمال الله تعالى ما يستقرب المدة فيما هو بعيد عند الناس، قوله تعالى: (وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) [الحج: ٤٧]، أي: ألف سنةٍ عندكم بعيدٌ، وعند الله مقدار يومٍ على عرفكم وعادتكم.
стр. 4534
عنده دان وهو عندكم بعيد. وقيل: المعنى: أن إقامة الساعة وإماتة الأحياء وإحياء الأموات من الأولين والآخرين، يكون في أقرب وقت وأوحاه، (إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فهو يقدر على أن يقيم الساعة ويبعث الخلق؛ لأنه بعض المقدورات. ثم دل على قدرته بما بعده.
[(وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)].
قرئ (أُمَّهاتِكُمْ) بضم الهمزة وكسرها، والهاء مزيدة في أمهات، كما زيدت في أراق، فقيل: أهراق. وشذت زيادتها في الواحدة، قال:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وأوحاه)، أي: أسرعه، الأساس: استوحيته: استعجلته.
"النهاية": في الحديث: "إذا أردت أمراً فتدبر عاقبته، فإن كان شراً فانته، وإن كان خيراً فتوحه" أي: أسرع غليه، والهاء للسكت.
قوله: ((إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فهو يقدر على أن يقيم الساعة)، إشارة إلى أنه كالتعليل لإثبات أمر الساعة وسهولة تأتيها. ولما كان البعث والحشر موقوفاً على مسألتي العلم والقدرة، عطف جملة (أَمْرُ السَّاعَةِ) على جملة (غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) عطف "جبريل" على "الملائكة"، ثم علله بقوله: (إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، فكما عطف ذلك عقب قوله: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ) قوله: (إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) وأتى بالواو إيذاناً بأن مقدور الله لا نهاية له، والمذكور بعض منها. وإليه أشار بقوله: "ثم دل على قدرته بما بعده".
قوله: (قرئ (أُمَّهَاتِكُمْ) بضم الهمزة)، كلهم إلا حمزة والكسائي.
стр. 4535
أُمَّهَتِي خِنْدِفٌ وَالْيَاسُ أبي
(لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً) في موضع الحال، ومعناه: غير عالمين شيئاً من حق المنعم الذي خلقكم في البطون، وسوّاكم وصوّركم، ثم أخرجكم من الضيق إلى السعة. وقوله: (وَجَعَلَ لَكُمُ) معناه: وما ركب فيكم هذه الأشياء إلا آلات لإزالة الجهل الذي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أمهتي خندف والياس أبي)، لقُصي بن كلاب، قبله:
إني لدى الحرب رخي اللبب … معتزم الصولة عالي النسب
يقال: فلان في لبيبٍ رخي، أي: في حال واسعة، "الاعتزام": لزوم القصد.
قوله: (وما ركب فيكم هذه الأشياء إلا آلات لإزالة الجهل)، الحصر مستفاد من فحوى الكلام وانصبابه في قالب جوامع الكلم، وهو أنه تعالى ما خلق الخلق إلا ليعبد، ويُعرف لقوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات: ٥٦]، فأخبر تعالى أنه أخرجهم من ظلمات الرحم إلى فضاء عالم التكليف وهم غير عالمين لما خلقوا له، كما قال: غير عالمين شيئاً من حق المنعم، فخلق لهم السمع ليسمعوا آياته البينات، وبصراً لينظروا إلى الدلائل الدالة على وجوده، وفؤاداً ليتفكروا في آلائه وحكمته، فيجعلوها وسيلة إلى ما خُلقوا له من الشكر والعبادة، كما قال: (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) فظهر أن هذه آلات ما خُلقت إلا لاجتلاب العلم والعمل به، فمن جعلها آلات لغير ذلك فقد أبطل حكمة الله في خلقها، وانخرط في سلك (أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ) [الأعراف: ١٧٩].
قال القاضي: (لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً) جُهالاً مستحصبين جهل الجمادية (وَجَعَلَ لَكُمْ) أداة تعلمون بها فتحسون بمشاعركم جزئيات الأشياء فتدركونها، ثم تتنبهون بقلوبكم لمشاركات ومباينات بينها بتكرير الإحساس، حتى تحصل لكم العلوم البديهية وتتمكنوا من
стр. 4536
ولدتم عليه، واجتلاب العلم والعمل به؛ من شكر المنعم، وعبادته، والقيام بحقوقه، والترقي إلى ما يسعدكم. والأفئدة في فؤاد، كالأغربة في غراب، وهو من جموع القلة التي جرت مجرى جموع الكثرة، والقلة إذا لم يرد في السماع غيرها، كما جاء: شسوع في جمع شسع لا غير، فجرت ذلك المجرى.
[(أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللَّهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)].
قرئ: (لم يروا) بالتاء والياء. (مُسَخَّراتٍ): مذللات للطيران بما خلق لها من الأجنحة والأسباب المواتية لذلك. والجوّ: الهواء المتباعد من الأرض في سمت العلوّ والسكاك أبعد منه، واللوح مثله (ما يُمْسِكُهُنَّ) في قبضهن وبسطهن ووقوفهن (إِلَّا اللَّهُ) بقدرته.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تحصيل المعالم الكسبية بالنظر فيها لكي تعرفوا ما أنعم عليكم طوراً بعد طور فتشكروه.
وفي هذا التقرير إشعارٌ بأن قوله: (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) تعليل للجعل لا للإخراج، فيفيد معنى الحصر الذي قرره المصنف، كأنه قيل: خلقكم وأنتم كالجماد، ثم جعل لكم أدوات لتتميزوا عنه.
قوله: (جرت مجرى جموع الكثرة والقلة)، أي: هي مشتركة تستعمل تارة في القلة وأخرى في الكثرة، واستعملت هنا في الكثرة؛ لأن الخطاب في (أَخْرَجَكُمْ) عام.
قوله: ((مَا يُمْسِكُهُنَّ) في قبضهن وبسطهن ووقوفهن (إلا الله))، كقوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمَنُ) [الملك: ١٩]، قال القاضي: إن ثقل جسدها يقتضي سقوطها، ولا علاقة فوقها، ولا دعامة تحتها تمسكها، وخلق الجو بحيث يمكن الطيران فيه.
стр. 4537
[(وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثاً وَمَتاعاً إِلى حِينٍ)].
(مِنْ بُيُوتِكُمْ) التي تسكنونها من الحجر والمدر والأخبية وغيرها. والسكن: فعل بمعنى مفعول، وهو ما يسكن إليه وينقطع إليه من بيت أو إلف. (بُيُوتاً) هي القباب والأبنية من الأدم والأنطاع، (تَسْتَخِفُّونَها): ترونها خفيفة المحمل في الضرب والنقض والنقل (يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ) أي: يوم ترحلون خف عليكم حملها ونقلها، ويوم تنزلون وتقيمون في مكان لم يثقل عليكم ضربها. أو: هي خفيفة عليكم في أوقات السفر والحضر جميعاً،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((مِنْ بُيُوتِكُمْ) التي تسكنونها)، الراغب: أصل البيت: مأوى الإنسان بالليل، ثم قد يقال بغير اعتبار الليل، وجمعه أبيات وبيوت، والبيوت بالسكن أخص، والأبيات بالشعر، وشبه به بيت الشعر، وصار "البيت" مطلقاً متعارفاً في آل النبي ﷺ ، ونبه ﷺ بقوله: "سلمان منا أهل البيت" أن مولى القوم يصح نسبته إليهم، كما قال: "مولى القوم منهم، وابنه من أنفسهم".
قوله: (خفيفة المحمل) الراغب: الخفيف بإزاء الثقيل، ويقال ذلك باعتبار المضايفة بالقرن، وقياس أحد الشيئين إلى الآخر، تقول: درهم خفيف ودرهم ثقيل، وباعتبار مضايفة الزمان، نحو: فرس خفيف وفرس ثقيل، إذا عدا أحدهما أكثر في زمان واحد، وقد مر مبسوطاً في سورة التوبة.
стр. 4538
على أنّ اليوم بمعنى الوقت. (وَمَتاعاً): وشيئاً ينتفع به (إِلى حِينٍ): إلى أن تقضوا منه أوطاركم. أو: إلى أن يبلى ويفنى، أو: إلى أن تموتوا. وقرئ: (يوم ظعنكم) بالسكون.
[(وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَاسَكُمْ كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ)].
(مِمَّا خَلَقَ): من الشجر وسائر المستظلات. (أَكْناناً): جمع كنّ، وهو ما يستكنّ به من البيوت المنحوتة في الجبال والغيران والكهوف. (سَرابِيلَ): هي القمصان والثياب من الصوف والكتان والقطن وغيرها، (تَقِيكُمُ الْحَرَّ) لم يذكر البرد؛ لأنّ الوقاية من الحرّ أهمّ عندهم، وقلما يهمهم البرد؛ لكونه يسيراً محتملا. وقيل: ما يقي من الحرّ يقي من البرد، فدل ذكر الحرّ على البرد، (وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (على أن اليوم بمعنى الوقت)، أي: الزمان الممتد؛ لأن عادتهم إما الإقامة أو الظعن، كقوله تعالى: (وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً) [مريم: ٦٢]، وإليه الإشارة بقوله: "في أوقات السفر والحضر جميعاً". الانتصاف: الوجه الأول أولى، إذ ظهور المنة في خفتها في السفر أتم، أما المقيم فلا عليه من ثقلها.
قوله: (وقرئ: (يَوْمَ ظَعْنِكُمْ): بالسكون)، ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي.
قوله: (وقيل: ما يقي من الحر يقي من البرد)، الانتصاف: الوجه الأول أولى؛ لأنه قدم المنة بالظلال الواقية من الضحى بقوله: (مِمَّا خَلَقَ ظِلالاً)، فالأهم إذن وقاية الحر، وليس ل ما يقي الحر يقي البرد كشفوف القمصان، بل لو لبس إنسان لبوس الحر في البرد أو عكس لعد من الثقلاء.
стр. 4539
بَاسَكُمْ) يريد الدروع والجواشن، والسربال عامّ يقع على كل ما كان من حديد وغيره. (لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ) أي: تنظرون في نعمه الفائضة فتؤمنون به وتنقادون له. وقرئ: (تسلمون) من السلامة، : أي تشكرون فتسلمون من العذاب. أو: تسلم قلوبكم من الشرك. وقيل: تسلمون من الجراح بلبس الدروع.
[(فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ * يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ)].
(فَإِنْ تَوَلَّوْا) فلم يقبلوا منك فقد تمهد عذرك بعد ما أدّيت ما وجب عليك من التبليغ، فذكر سبب العذر، وهو البلاغ؛ ليدل على المسبب. (يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ) التي عددناها حيث يعترفون بها وأنها من الله (ثُمَّ يُنْكِرُونَها) بعبادتهم غير المنعم بها، وقولهم: هي من الله ولكنها بشفاعة آلهتنا. وقيل: إنكارهم: قولهم: ورثناها من آبائنا. وقيل: قولهم: لولا فلان ما أصبت كذا، لبعض نعم الله. وإنما لا يجوز التكلم بنحو هذا إذا لم يعتقد أنها من الله، وأنه أجراها على يد فلان وجعله سبباً في نيلها (وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ) أي: الجاحدون غير المعترفين. وقيل: (نِعْمَتَ اللَّهِ) نبوّة محمد عليه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((تُسْلِمُونَ) أي: تنظرون)، أي: الإسلام هاهنا بمعنى الاستسلام والانقياد، وضع موضع سببيه، وهو ينظرون ويتفكرون، المعنى: مُنحوا كذا وكذا من النعم الظاهرة والباطنة يتفكروا وينظروا ويعرفوا المنعم فينقادوا له، يدل عليه قوله تعالى: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ)؛ لأن من تولى أبي الانقياد، ثم ترقى إلى بيان عنادهم وأنهم يعرفون المنعم المولى، ثم ينكرونها.
قوله: (فذر سبب العُذر … ، ليدل على المسبب)، يعني: كان من الظاهر أن يقال: فإن لم ينقادوا لله تعالى بعد تذكيرك إياهم آيات الله، فقد تمهد عذرك، لأنك قد أديت ما عليك من الواجب، فوضع موضع المذكور قوله: (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ) وضعا للسبب موضع المسبب، ففي العدول الإشعار بإلزام الحجة واستئهال العقاب، وفي الظاهر تمهيدٌ للعذر.
стр. 4540
الصلاة والسلام، كانوا يعرفونها ثم ينكرونها عناداً، وأكثرهم الجاحدون المنكرون بقلوبهم. فإن قلت: ما معنى ثم؟ قلت: الدلالة على أن إنكارهم أمر مستبعد بعد حصول المعرفة، لأنّ حق من عرف النعمة أن يعترف لا أن ينكر.
[(وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ* وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ)].
(شَهِيداً) نبيا يشهد لهم وعليهم بالإيمان والتصديق، والكفر والتكذيب، (ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا) في الاعتذار، والمعنى: لا حجة لهم، فدل بترك الإذن على أن لا حجة لهم ولا عذر، وكذا عن الحسن ﵀. (وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ): ولا هم يسترضون، أي: لا يقال لهم: أرضوا ربكم؛ لأن الآخرة ليست بدار عمل. فإن قلت: فما معنى (ثم) هذه؟ قلت: معناها أنهم يمنون بعد شهادة الأنبياء بما هو أطم منها، وهو أنهم يمنعون الكلام فلا يؤذن لهم في إلقاء معذرة ولا إدلاء بحجة. وانتصاب اليوم بمحذوف، تقديره: واذكر يوم نبعث، أو: يوم نبعث وقعوا فيما وقعوا فيه، وكذلك إذا رأوا العذاب بغتهم وثقل عليهم (فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ) كقوله: (بَلْ تَاتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ) الآية [الأنبياء: ٤٠].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لا يقالُ لهم: أرضوا ربكم)؛ لأن الاستعتاب: طلب إزالة العتاب، وعتاب الله عبارة عن سخطه وعدم رضاه، أي: لا يطلب منهم غزالة سخط الله عنهم.
قوله: (أنهم يمنون)، أي: يبتلون، الجوهري: منوته ومنيته، أي: ابتليته.
قوله: (وكذلك إذا رأوا العذاب)، قيل: "إذا رأوا العذاب" أيضاً منصوب بمحذوف، ويقال: إن وجه الشبه يقتضي أيضاً تأخير المحذوف في التقدير، أي: يوم يُبعث وقعوا فيما وقعوا، وكذلك إذا رأوا العذاب وقعوا فيما وقعوا أيضاً، وإليه أشار بقوله: "بغتهم" وكذا وكذا، وفي تركيبه- أعني: إذا راوا العذاب بغتهم وثقل عليهم، فلا يُخفف-إيذانٌ
стр. 4541
[(وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ* وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ)].
إن أرادوا بالشركاء آلهتهم؛ فمعنى (شُرَكاؤُنَا): آلهتنا التي دعوناها شركاء. وإن أرادوا الشياطين؛ فلأنهم شركاؤهم في الكفر وقرناؤهم في الغيّ: (ونَدْعُوا): بمعنى نعبد. فإن قلت: لم قالوا (إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ) وكانوا يعبدونهم على الصحة؟ قلت: لما كانوا غير راضين بعبادتهم فكأن عبادتهم لم تكن عبادة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بأن قوله: (الَّذِينَ ظَلَمُوا)، مُظهر وُضع موضع المضمر للإشعار بأن العذاب إنما لم يخفف عنهم؛ لأنهم ظلموا، وأن الفاء في: (فَلا يُخَفَّفُ) فصيحة، وليست بجواب "إذا"، والجزاء المقدر، هو قوله: "بغتهم وثقل عليهم"، والشاهد على المقدر قوله: (بَلْ تَاتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلا هُمْ يُنظَرُونَ) [الأنبياء: ٤٠]، فقوله: "بغته" مثل (تَاتِيهِمْ بَغْتَةً)، وقوله: "ثقل عليهم" مثل (فَتَبْهَتُهُمْ)، وقوله: (فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ) مثل (فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا)، وقوله: (وَلا هُمْ يُنظَرُونَ) مثله في الآية المستشهد [بها].
قوله: (لما كانوا غير راضين)، يعني: المراد بالشركاء في قوله: (وَإِذَا رءا الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ)، وهم كل من عُبد من دون الله من الملائكة والمسيح وعُزير والجن والإنس والشياطين كما سبق آنفاً، إذ المقامُ يقتضي العموم لقوله تعالى: (وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً)، ومن هو مثل الملائكة يكذبونهم لوجهين: أحدهما: يكذبونهم لما أنهم كانوا معرضين غير راضين بعبادتهم. وثانيهما: التكذيب راجعٌ على تسميتهم شركاء، وقولهم: (هَؤُلاء شُرَكَاؤُنَا) وعلى الأول إلى فعلهم وعبادتهم لهم، وإنما قلنا: مثلُ الملائكة لاستشهاده بقوله: (كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ).
стр. 4542
والدليل عليه: قول الملائكة: (كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ) [سبأ: ٤١] يعنون: أن الجن كانوا راضين بعبادتهم لا نحن، فهم المعبودون دوننا. أو كذبوهم في تسميتهم شركاء وآلهة؛ تنزيها لله من الشريك. وإن أريد بالشركاء الشياطين؛ جاز أن يكون كاذبين في قولهم: (إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ) كما يقول الشيطان: (إنى كفرت بما أشركتمون من قبل) [إبراهيم: ٢٢]، (وَأَلْقَوْا): يعنى: الذين ظلموا. وإلقاء السلم: الاستسلام لأمر الله وحكمه بعد الإباء والاستكبار في الدنيا، (وَضَلَّ عَنْهُمْ): وبطل عنهم (ما كانُوا يَفْتَرُونَ) من أن لله شركاء، وأنهم ينصرونهم ويشفعون لهم حين كذبوهم وتبرؤوا منهم.
[(الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ)].
(الَّذِينَ كَفَرُوا) في أنفسهم، وحملوا غيرهم على الكفر: يضاعف الله عقابهم كما ضاعفوا كفرهم. وقيل في زيادة عذابهم: حيات أمثال البخت وعقارب أمثال البغال تلسع إحداهن اللسعة فيجد صاحبها حمتها أربعين خريفا. وقيل: يخرجون من النار إلى الزمهرير فيبادرون من شدة برده إلى النار (بِما كانُوا يُفْسِدُونَ) بكونهم مفسدين الناس بصدّهم عن سبيل الله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (جاز أن يكونوا كاذبين)، أي: الشياطين قالوا للمشركين: إنكم لكاذبون فيما تقولون علينا، فالشياطين كاذبون في هذا التكذيب؛ لأنهم في الدنيا زينوا وسولوا ووسوسوا وما قصروا فيه: (وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ) [الأعراف: ٢٠٢]، كما قال: (إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ) [إبراهيم: ٢٢]، وكذب في هذا القول، وهذا لا يصح في حق الملائكة.
قوله: (حُمَتَها)، الجوهري: حُمةُ العقرب: سُمها وضُرها، وأصلها حموٌ وحُمى، والهاءُ عوض.
стр. 4543
[(وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ)].
(شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) يعنى: نبيهم؛ لأنه كان يبعث أنبياء الأمم فيهم منهم، (وَجِئْنا بِكَ) يا محمد (شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ): على أمتك. (تِبْياناً): بيانا بليغاً ونظير، «تبيان»: «تلقاء» في كسر أوله، وقد جوز الزجاج فتحه في غير القرآن. فإن قلت: كيف كان القرآن تبيانا لِكُلِّ شَيْءٍ؟ قلت: المعنى: أنه بين كل شيء من أمور الدين، حيث كان نصا على بعضها وإحالة على السنة، حيث أمر فيه بإتباع رسول الله ﷺ وطاعته. وقيل: (وما ينطق عن الهوى) (النجم: ٣). وحثاً على الإجماع في قوله: (وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ) [النساء: ١١٥]، وقد رضي رسول الله ﷺ لأمته اتباع أصحابه، والاقتداء بآثارهم في قوله ﷺ : «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم»، وقد اجتهدوا وقاسوا ووطؤوا طرق القياس والاجتهاد، فكانت السنة والإجماع والقياس والاجتهاد، مستندة إلى تبيان الكتاب، فمن ثمّ كان تبيانا لكل شيء.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقيل: (وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى) [النجم: ٣]، عطفٌ على قوله: "أمر فيه باتباع الرسول وطاعته"، يعني: أُحيل البيان على السنة بوجهين حيث أمر فيه، أي: في قوله تعالى: (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) [النور: ٥٤] ن وحيث قيل في حقه: (وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى).
قوله: (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم)، مثله في "جامع الأصول"، رواه رزين العبدري عن ابن المسيب، وفي رواية "أخبار الشهاب": "أصحابي مثلُ النجوم من اقتدى بشيء منها اهتدى"، وذكره الصغاني في قسم الحِسان.
стр. 4544
[(إِنَّ اللَّهَ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)].
العدل: هو الواجب؛
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (العدلُ هو الواجب)، فيه إيماءٌ إلى مذهبه، فكنى عن الواجب بالعدل؛ لأن الواجب ملزوم العدل؛ لأن الله تعالى جعل ما فرض على عباده واقعاً تحت طاقتهم، أي: لا يلفهم فوق طاقتهم، لئلا يون جوراً، ومن ثم سموا أنفسهم بالعدلية. هذا تخصيص من غير دليل، سيما المقام يقتضي العموم، ولهذا قال ابن مسعود: اجمع آية في القرآن هذه الآية.
وقال القاضي: لو لم يكن في القرآن غير هذه الآية لصدق عليه أنه تبيان لكل شيء وهُدى ورحمة للعالمين، ولعل إيرادها عقيب قوله: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ) للتنبيه عليه.
وقال الإمام: إنما يحسن تفسيرُ اللفظ بمعنى إذا حصل بينهما مناسبة، وإلا كان فاسداً، وبناء على مجرد التحكم، فإن الله تعالى أمر بالعدل والإحسان، فالعدل عبارة على المتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط، وذلك أمرٌ واجبٌ في جميع ما يصح فيه هذا المعنى، والواجبات إما في الاعتقتاد، وغما في الأعمال، أو في الخلاق، فالعدل في الاعتقاد: أما في التوحيد فيجب أن يعتقد أن الإله موصوفٌ بصفات الكمال، فهذا وسطٌ بين التعطيل والتشبيه. وأما في الأفعال: فيجب أن يعتقد أن العبد يصدر عنه الفعل كسباً بواسطة داعية وقدرة يخلقها الله تعالى؛ لأنه وسطٌ بين الجبر والقدر. أما الأعمال: فالعدل فيها أن يأتي بالطاعات علاى الطريق السوي. قال الله تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا) [البقرة: ٢٨٦].
стр. 4545
لأن الله تعالى عدل فيه على عباده، فجعل ما فرضه عليهم واقعاً تحت طاقتهم. وَالْإِحْسانِ: الندب؛ وإنما علق أمره بهما جميعاً؛ لأنّ الفرض لابدّ من أن يقع فيه تفريط فيجبره الندب؛ ولذلك قال رسول الله ﷺ لمن علمه الفرائض فقال: والله لا زدت فيها ولا نقصت: «أفلح إن صدق»، فعقد الفلاح بشرط الصدق والسلامة من
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
روينا عن البخاري ومسلم، عن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: "أيها الناس: خُذوا من الأعمال ما تطيقون، فإن الله تعالى ما يملُّ حتى تملوا".
وعن أبي داود، عن سهل، عن رسول الله ﷺ قال: "لا تُشددوا على أنفسكم فيشدد عليكم … الحديث.
وأما الأخلاق: فالعدل في الجود: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً) [الفرقان: ٦٧]، وفي الشجاعة: (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) [الفتح: ٢٩] (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) [المائدة: ٥٤]، ثُم الزيادةُ على العدل قد تكون إحساناً، وقد تكون إساءة، والإحسان إما أن يكون بحسب الكمية أو الكيفية. فالكمية: كالتطوع بالنوافل، والكيفية: كالاستغراق في شهود مقامات العبودية والربوبية، قال ﷺ : "الإحسان أن تعبُد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنهُ يراك"، وهذه الآية استئناف، كالبيان لكون الكتاب تبياناً لكل شيء.
قوله: (فقال: والله لا زدتُ فيها ولا نقصت)، وفي رواية البخاري ومسلم: "لا أزيدُ على هذا ولا أنقص".
قوله: (فعقد الفلاح)، أي: قيده، من قولهم: عقدتُ الحبل والبيع.
стр. 4546
التفريط، وقال ﷺ : «استقيموا ولن تحصوا» فما ينبغي أن يترك ما يجبر كسر التفريط ممن النوافل. والفواحش: ما جاوز حدود الله. وَالْمُنْكَرِ: ما تنكره العقول
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (استقيموا ولن تُحصوا)، الحديث، من رواية مالك وأحمد بن حنبل وابن ماجه، عن ثوبان، قال: قال رسول الله ﷺ : "استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن".
النهاية: أي: استقيموا في كل شيء حتى لا تملوا، ولن تطيقوا الاستقامة، من قوله تعالى: (عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ) [المزمل: ٢٠] أي: تطيقوا عده وضبطه.
قوله: (فما ينبغي أن يُترك ما يجبُرُ كسر التفريط من النوافل)، هذا متصلٌ بقوله: "ولذلك قال"؛ وهو تعليلٌ قوله: "ولابد من أن يقع تفريط فيجبره الندب، أي: ولن تطيقوا، وجيء بـ"لن" التي للتوكيد، وإذا كان الأمر على هذا فلابد مما يجبر به هذا التفريط، وليس ذلك إلا النوافل، لما روينا في "مسند الإمام أحمد بن حنبل"، عن رجلٍ من أصحاب النبي ﷺ : "أول ما يُحاسب به العبدُ صلاتُه، فإن كان أتمها كُتبت له تامة، فإن لم يكن أتمها قال الله تعالى: انظروا هل تجدون لعبدي من تطوع، فتُكملوا بها فريضته؟ ثم الزكاة كذلك، ثم تؤخذ الأعمالُ على حسب ذلك"، ورواه أبو داود عن أنس بن حكيم.
قوله: (والمنكر: ما تُنكره العقول)، الانتصاف: هذا اعتزالٌ، والمنكر: ما أنكره الشرع.
стр. 4547
وَالْبَغْيِ: طلب التطاول بالظلم، وحين أسقطت من الخطب لعنة الملاعين على أمير
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الراغب: المنكر: كل فعلٍ تحكم العقول السليمة بقبحه أو تتوقف في استقباحه، فتحكم بقبحه الشريعة، وإلى ذلك قصد بقوله تعالى: (الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنْ الْمُنكَرِ) [التوبة: ١١٢]، وقال في قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ) يحثُّ على فعل الخير، وينهى عن الشر، وذلك بعضه بالشرع الذي شرعه لنا وبعضه بالعقل الذي ركبه فينا؛ والنهي حينئذ أعمُّ من حيث اللفظ والمعنى، فأما المعنى فكما في قوله: (وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى) [النازعات: ٤٠] لأنه لم يعن أن يقول لنفسه: لا نفعلُ، بل أراد قمعها عن شهوتها ودفعها عما نزعت إليه، وهمت به، وكذا النهيُ عن المنكر يكون تارة باليد وتارة باللسان وتارة بالقلب. وأما اللفظ فكما تقول: اجتنب كذا، وأصل النهي: الزجرُ عن الشيء، وهو من حيث المعنى لا فرق بين أن يكون بالقول أو بغيره.
قوله: (والبغي: طلب التطاول بالظلم)، الانتصاف: البغي أصله الطلب، ومنه (ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ) [البقرة: ٢٠٧]، وإطلاقه في العُرف مخصوص بالظلم.
قوله: (وحين أسقطت من الخُطب لعنة الملاعين)، ذكر صاحبُ "الكامل في التاريخ": كان بنو أمية يسبون أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، إلى أن وُليَّ عمر بنُ عبد العزيز الخلافة، فترك ذلك وكتب إلى العُمال في الآفاق بتركه، وكان سببث محبته علياً أنه قال: كنتُ بالمدينة أتعلمُ العلم، وكنتُ الزمُ عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ﵁، فبلغه عني شيء من ذلك، فأتيته يوماً وهو يصلي، فأطال الصلاة، فقعدت أنتظرُ فراغه، فلما فرغ التفت إليّ، وقال: متى علمت أن الله تعالى غضب على أهل بدر وبيعة الرضوان
стр. 4548
المؤمنين عليّ ﵁؛ أقيمت هذه الآية مقامها. ولعمري إنها كانت فاحشة ومنكراً وبغياً، ضاعف الله لمن سنها غضباً ونكالا وخزيا؛ إجابة لدعوة نبيه: «وعاد من عاداه»
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد أن رضي عنهم؟ قلتُ: لم أسمع بذلكن قال: فما الذي بلغني عنك في علي؟ فقلت: معذرة إلى الله وإليك، وتركتُ ما كنتُ عليه. وكان أبي إذا خطب فنال من علي تلجلج في كلامه، فقلت: يا أبتِ، إنك تمضي في خُطبتك فإذا أتيت إلى ذر عليٍّ عرفتُ منك تقصيراً. قال: أو فطنت ذلك؟ قلتُ: نعمْ. فقال: يا بُني، إن الذين حولنا لو يعلمون من علي ما نعلم لتفرقوا عنا إلى أولاده، فلما وُلي الخلافة لم تكن عنده من الرغبة في الدنيا ما يرتكب هذا الأمر العظيم لأجلها، فترك ذلك، وكتب بتركه، وقرأ عوضه: (إِنَّ اللَّهَ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ) الآية، فحل هذا الفعل عند الناس محلا عظيماً، وأكثروا مدحهُ، فمنه قول كُثير:
وليت فلم تشتم عليا ولم تُخف … بريا ولم تتبع مقالة مجرم
تكلمت بالحق المبين وإنما … تبين آيات الهدى بالتكلم
فصدقت معروف الذي قلت بالذي … فعلت فأضحى راضياً كل مسلم
ألا إنما يكفي الفتى بعد زيغه … من الأود البادي ثقاف المقوم
فقال عمر ﵀ حين أنشده هذا الشعر: أفلحنا إذن.
قوله: (وعاد من عاداه)، ذكر ابن عبد البر في "الاستيعاب"، قال: روى بريدة وأبو هريرة وجابر والبراء بن عازب وزيد بن أرقم، كل واحد منهم، عن النبي ﷺ أنه قال يوم غدير خم: "من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم والِ من والاه وعاد من عاداه"، وبعضُهم
стр. 4549
وكانت سبب إسلام عثمان بن مظعون.
[(وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ* وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ)].
عهد الله: هي البيعة لرسول الله ﷺ على الإسلام، (إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لا يزيد على: "من كنتُ مولاه فعلي مولاه". ورواه أحمد بن حنبل عن البراء وحده.
قوله: (وكانت سبب إسلام عثمان بن مظعون)، وروى الإمام في "تفسيره" عن ابن عباس: أن عثمان بن مظعون الجُمحي قال: ما أسلمت أولاً إلا حياء من رسول الله ﷺ ، ولم يتقرر الإسلام في قلبين فحضرته ذات يوم، فبينا هو يحدثني غذ رأيت بصره شخص إلى السماء، ثم خفضه عن يمينه ثم عاد لمثل ذلك، فسألته، فقال: بينا أنا أحدثك إذ نزل جبريل عن يميني فقال: (إِنَّ اللَّهَ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ) إلى آخره، فقال عثمان: فوقع الإيمان في قلبي، وأتيت أبا طالب فأخبرته، فقال: يا معشر قريش: اتبعوا ابن أخي، إن كان صادقاً أو كاذباً فنه ما يأمركم إلا بمكارم الأخلاق.
ونحوه رأيت بخط مولاي المرحوم بهاء الدين القاشي ﵀.
قوله: (عهد الله: هي البيعة لرسول الله ﷺ ، وإنما أسند إلى الله لأن عهد رسول الله ﷺ عهدُ الله، لقوله: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ) [الفتح: ١٠] وهو مستشهد لفظاً ومعنى؛ لأنه في أهل بيعة الرضوان، وإنما خصه ببيعة الرضوان لأن قوله: (أَنْ تَكُونَ
стр. 4550
يُبايِعُونَ اللَّهَ) [الفتح: ١٠]. (وَلا تَنْقُضُوا) أيمان البيعة (بَعْدَ تَوْكِيدِها) أي: بعد توثيقها باسم الله. وأكد ووكد: لغتان فصيحتان، والأصل الواو، والهمزة بدل. (كَفِيلًا): شاهداً ورقيباً؛ لأن الكفيل مراع لحال المكفول به مهيمن عليه. (وَلا تَكُونُوا) في نقض الأيمان كالمرأة التي أنحت على غزلها بعد أَن أحكمته وأبرمته فجعلته (أَنْكاثاً) جمع نكث؛ وهو ما ينكث فتله. قيل: هي ريطة بنت سعد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ) في قريش يعني: أوفوا بما عاهدتم الله، ولاتنقضوه مخافة الأعداء من قريش، وتوفر عددهم وعُددهم، وإنما جعلكم مستضعفين، وأعداءكم أقوياء، ليتميز الثابت منكم والناكص على عقبيه، وإليه أشار بقوله: (إِنَّمَا يَبْلُوكُمْ اللَّهُ بِهِ)، وقوله: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ): عطفٌ من حيث المعنى على قوله: (إِنَّ اللَّهَ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ)، الآية، عطف الخاص على العام اهتماماً بوفاء العهد والثبات عليه، ولذلك عقبه بالتمثيلين، وجيء بقوله: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً) اعتراضاً بين المعطوف والمعطوف عليه.
قوله: ((بَعْدَ تَوْكِيدِهَا)، أي: بعد توثيقها)، الراغب: وكدتُ القول والعهد وأكدته بمعنى أحكمته. والسير الذي يُشد به القربوس يُسمى التأكيد، ولا يقال: توكيدٌ، قال الخليل: "أكدتُ في عقد الأيمان" أجود، و"وكدتُ في القول" أجود، تقول: إذا عقدت فأد، وإذا حلفت فوكد. ووكد وكده: إذا قصد قصده وتخلق بخلُقِه.
قوله: (أنحت على غزلها)، الأساس: أنحى عليه بالسوط: أقبل عليه.
قوله: ((أَنكَاثاً): جمع نكث)، الأساس: نكث الحبل، ومن المجاز: نكث العهد والبيعة. الراغب: نكث الأكسية والغزل قريب من النقص، واستعير لنقض العهد، والنكث كالنقض، والنكيثة كالنقيضة، وكل خصلةٍ ينكث فيها القوم، يقال لها: نكيثة.
قال أبو البقاء: (أَنكَاثاً): جمعُ نكث، بمعنى: المنكوث، أي: المنقوض، ونُصبَ
стр. 4551
ابن تيم وكانت خرقاء؛ اتخذت مغزلا قدر ذراع وصنارة مثل أصبع وفلكة عظيمة على قدرها، فكانت تغزل هي وجواريها من الغداة إلى الظهر، ثم تأمرهنّ فينقضن ما غزلن. (تَتَّخِذُونَ) حال، و (دَخَلًا): أحد مفعولي اتخذ. يعنى: ولا تنقضوا أيمانكم متخذيها
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
على الحال من (غَزْلَهَا)، ويجوزُ أن يكون مفعولاً ثانياً على المعنى؛ لأن معنى (نَقَضَتْ): صيرت.
وفي الحاشية: (أَنكَاثاً): نصب على المصدر؛ لأن معنى "نكثت": نقضت، وعلى ما في الكتاب: هو مفعولٌ به لفعل محذوف، لقوله: "فجعلته أنكاثاً"، وهذا أولى الوجوه، وأدخلُ في معنى التمثيل؛ لأن التركيب من باب: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا) [المائدة: ٦]، ولذلك قد أنحت على غزلها، وجاء بالفاء في "فجعلته" فجمع بين القصد والفعل، والتشبيه التمثيليُّ كلما كان أكثر تفصيلاً وأوفر تصويراً كان أحسن، ولذلك أوثر الجمع في: (أَنكَاثاً) على الإفراد لتنويع النكوث، وأقيم الوصف في قوله: (كَالَّتِي نَقَضَتْ) منزلة الموصوف ليشعر بأن الناقضة جامعة لمعانٍ، توجبُ انحطاط شأنها من كونها خرقاء عاجزة عجوزاً إلى غير ذلك.
وهذا التمثيل بجملته توكيدٌ لقوله: (وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا)، وهو إما استعارة مكنية بأن تكون الاستعارة في الأيمان، والنقض القرينة، وتوكيدها الترشيح، أو تمثيلية، والتمثيلان، أعني: "لا تنقضوا"، و (وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا)، وأراد أن على الأمر بوفاء العهد، أعني: وأوفوا بالعهد، على اطرد والعكس؛ لأن منطوق الأمر بإيفاء العهد مؤكدٌ لمفهوم النهي عن النقض وبالعكس، فظهر أن الغرض من التشبيه إبراز حال ناقض العهد، وأنه خارج من جملة الرجال الكملة والعقلاء المراجيح، داخل في زمرة النساء، بل في أدونها حالاً وأنقصها عقلاً.
قوله: (صُنارة)، الجوهري: "الصُّنارة: رأسُ المغزل".
стр. 4552
دخلاً، (بَيْنَكُمْ) أي: مفسدة ودغلاً، (أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ): بسبب أن تكون أمة، يعنى: جماعة قريش، (هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ): هي أزيد عدداً وأوفر مالا. من أمة من جماعة المؤمنين، (إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ) الضمير لقوله: (أن تكون أمة)، لأنه في معنى المصدر، أى: إنما يختبركم بكونهم أربى، لينظر أتتمسكون بحبل الوفاء بعهد الله وما عقدتم على أنفسكم ووكدتم من أيمان البيعة لرسول الله ﷺ ، أم تغترون بكثرة قريش وثروتهم وقوّتهم وقلة المؤمنين وفقرهم وضعفهم، (وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ) إنذار وتحذير من مخالفة ملة الإسلام.
[(وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)].
(وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً) حنيفة مسلمة على طريق الإلجاء والاضطرار، وهو قادر على ذلك، (وَلكِنْ) الحكمة اقتضت أن يضلّ (مَنْ يَشاءُ)؛ وهو أن يخذل من علم أنه يختار الكفر ويصمم عليه، (وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ) وهو أن يلطف بمن علم أنه يختار الإيمان. يعني: أنه بني الأمر على الاختيار وعلى ما يستحق به اللطف والخذلان، والثواب والعقاب، ولم يبنه على الإجبار الذي لا يستحق به شيء من ذلك، وحققه بقوله: (وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) ولو كان هو المضطرّ إلى الضلال والاهتداء، لما أثبت لهم عملاً يسألون عنه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((دَخَلاً بَيْنَكُمْ) أي: مفسدةً ودغلاً)، الراغبُ: الدخلُ كنايةٌ عن الفساد والعداوة المستبطنة، كالدغل، وعن الدعوة في النسب، يقال: دخل دخلاً، ويقال: دُخِلَ فلانٌ فهو مدخول، كناية عن بلهٍ في عقله، وفسادٍ في أصله، ومنه قيل: شجرة مدخولة.
قوله: (ولو كان هو المضطر إلى الضلال والاهتداء لما أثبت لهم عملا يُسألون عنه)، "المُضطر": اسم فاعل. وقلتُ: إثبات العمل لهم على طريق الكسب، لا يدفع السؤال.
стр. 4553
[(وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ)].
ثم كرر النهى عن اتخاذ الأيمان دخلا بينهم، تأكيداً عليهم، وإظهاراً لعظم ما يركب منه، (فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها) فتزلّ أقدامكم عن محجة الإسلام بعد ثبوتها عليها، (وَتَذُوقُوا السُّوءَ) في الدنيا بصدودكم (عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) وخروجكم من الدين. أو: بصدّكم غيركم، لأنهم لو نقضوا أيمان البيعة وارتدّوا، لاتخذوا نقضها سنة لغيرهم يستنون بها، (وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ) في الآخرة.
[(وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً إِنَّما عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ)].
كأن قوماً ممن أسلم بمكة زين لهم الشيطان لجزعهم مما رأوا من غلبة قريش واستضعافهم المسلمين، وإيذائهم لهم، ولما كانوا يعدونهم إن رجعوا من المواعيد أن ينقضوا ما بايعوا عليه رسول الله ﷺ ، فثبتهم الله، (وَلا تَشْتَرُوا) ولا تستبدلوا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال الإمام: اعلم أنه تعالى لما كلف القوم بالوفاء بالعهد وتحريم نقضه، أتبعه ببيان أنه تعالى قادرٌ على أن يجمعهم على هذا الوفاء بالعهد وعلى سائر أبواب الإيمان، ولكنه تعالى بحكم الإلهية يُضل من يشاء، ويهدي من يشاء. يريد أن قوله: (لَوْ شَاءَ اللَّهُ) الآية، دخلت معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه، أعني قوله: (وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ) توكيد لمعنى الابتلاء، وأنه بحم الإلهية يختبر القليل الضعيف القديم بالقوي الكثير ذي الشوكة كما أشار إليه بقوله: "هي أزيدُ عدداً وأوفر مالاً" إلى آخره، كما أنه بحكم الإلهية يُضل من يشاء ويهدي من يشاء، فقوله: (وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) مقابل لقوله: (وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ).
قوله: (أن ينقضوا ما بايعوا)، متعلق بقوله: "زين لهم الشيطانُ".
стр. 4554
(بِعَهْدِ اللَّهِ) وبيعة رسول الله ﷺ (ثَمَناً قَلِيلًا): عرضاً من الدنيا يسيراً، وهو ما كانت قريش يعدونهم ويمنونهم إن رجعوا، (إِنَّما عِنْدَ اللَّهِ) من إظهاركم وتغنيمكم، ومن ثواب الآخرة (خَيْرٌ لَكُمْ).
[(ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ)].
(ما عِنْدَكُمْ) من أعراض الدنيا (يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّه) من خزائن رحمته (باقٍ) لا ينفد. وقرئ: (لَنَجْزِيَنَّ) بالنون والياء، (الَّذِينَ صَبَرُوا) على أذى المشركين ومشاقّ الإسلام. فإن قلت: لم وحدت القدم ونكرت؟ قلت: لاستعظام أن تزلّ قدم واحدة عن طريق الحق بعد أن ثبتت عليه، فكيف بأقدام كثيرة؟
[(مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ)].
فإن قلت: (مَنْ) متناول في نفسه للذكر والأنثى، فما معنى تبيينه بهما؟ قلت: هو مبهم صالح على الإطلاق للنوعين، إلا أنه إذا ذكر كان الظاهر تناوله للذكور، فقيل (مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى) على التبيين، ليعمّ الموعد النوعين جميعاً (حَياةً طَيِّبَةً) يعني:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((لَنَجْزِيَنَّ) بالنون والياء)، بالنون: ابن كثير وعاصم.
قوله: (ليعم الموعدُ النوعين جميعاً)، قال صاحب "الفرائد": لو لم يذكر الأنثى لكانت داخلة في الحكم بطريق التغليب، ألا ترى إلى قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) دخلت
стр. 4555
في الدنيا، وهو الظاهر، لقوله: (وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ)، وعده الله ثواب الدنيا والآخرة، كقوله: (فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ) [آل عمران: ١٤٨]؛ وذلك أنّ المؤمن مع العمل الصالح موسراً كان أو معسراً يعيش عيشاً طيباً؛ إن كان موسراً، فلا مقال فيه. وإن كان معسراً، فمعه ما يطيب عيشه؛ وهو القناعة والرضا بقسمة الله. وأمّا الفاجر فأمره على العكس: إن كان معسراً؛ فلا إشكال في أمره، وإن كان موسراً؛ فالحرص لا يدعه أن يتهنأ بعيشه. وعن ابن عباس ﵄: الحياة الطيبة: الرزق الحلال. وعن الحسن: القناعة. وعن قتادة: يعنى في الجنة. وقيل: هي حلاوة الطاعة والتوفيق في قلبه.
[(فَإِذا قَرَاتَ الْقُرْآنَ (فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ* إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ* إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ)].
لما ذكر العمل الصالح ووعد عليه، وصل به قوله: (فَإِذا قَرَاتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ) إيذاناً بأن الاستعاذة من جمله الأعمال الصالحة التي يجزل الله عليها الثواب.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
النساء في الخطاب بطريق التغليب؟ ولما كان المراد من (مَن) العموم والاستيعاب لحصول التسوية بينهما في الحكم، لا بطريق التغيب بين بقوله: (مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى).
وقال الإمام: إنه تعالى لما رغب المؤمنين في الصبر على ما التزموه من فعل الواجبات والمندوبات دون المباحات بقوله: (وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا) ثم رغبهم في الإيمان بكل ما كان من شرائع الإسلام بقوله: (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً)، أتبع ذلك بقوله: (مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى) تقريراً للوعد وإزالة لوهم التخصيص كرماً وفضلاً.
قوله: (لما ذكر العمل الصالح ووعد عليه، وصل به قوله: (فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ) إيذاناً بأن الاستعاذة من جملة الأعمال الصالحة)، قال القاضي: وفيه دليلٌ على أن
следующие страницы →