Полный текст (9 345 стр.). Показаны 4551–4590 · переход к 4556.
стр. 4551
ابن تيم وكانت خرقاء؛ اتخذت مغزلا قدر ذراع وصنارة مثل أصبع وفلكة عظيمة على قدرها، فكانت تغزل هي وجواريها من الغداة إلى الظهر، ثم تأمرهنّ فينقضن ما غزلن. (تَتَّخِذُونَ) حال، و (دَخَلًا): أحد مفعولي اتخذ. يعنى: ولا تنقضوا أيمانكم متخذيها
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
على الحال من (غَزْلَهَا)، ويجوزُ أن يكون مفعولاً ثانياً على المعنى؛ لأن معنى (نَقَضَتْ): صيرت.
وفي الحاشية: (أَنكَاثاً): نصب على المصدر؛ لأن معنى "نكثت": نقضت، وعلى ما في الكتاب: هو مفعولٌ به لفعل محذوف، لقوله: "فجعلته أنكاثاً"، وهذا أولى الوجوه، وأدخلُ في معنى التمثيل؛ لأن التركيب من باب: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا) [المائدة: ٦]، ولذلك قد أنحت على غزلها، وجاء بالفاء في "فجعلته" فجمع بين القصد والفعل، والتشبيه التمثيليُّ كلما كان أكثر تفصيلاً وأوفر تصويراً كان أحسن، ولذلك أوثر الجمع في: (أَنكَاثاً) على الإفراد لتنويع النكوث، وأقيم الوصف في قوله: (كَالَّتِي نَقَضَتْ) منزلة الموصوف ليشعر بأن الناقضة جامعة لمعانٍ، توجبُ انحطاط شأنها من كونها خرقاء عاجزة عجوزاً إلى غير ذلك.
وهذا التمثيل بجملته توكيدٌ لقوله: (وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا)، وهو إما استعارة مكنية بأن تكون الاستعارة في الأيمان، والنقض القرينة، وتوكيدها الترشيح، أو تمثيلية، والتمثيلان، أعني: "لا تنقضوا"، و (وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا)، وأراد أن على الأمر بوفاء العهد، أعني: وأوفوا بالعهد، على اطرد والعكس؛ لأن منطوق الأمر بإيفاء العهد مؤكدٌ لمفهوم النهي عن النقض وبالعكس، فظهر أن الغرض من التشبيه إبراز حال ناقض العهد، وأنه خارج من جملة الرجال الكملة والعقلاء المراجيح، داخل في زمرة النساء، بل في أدونها حالاً وأنقصها عقلاً.
قوله: (صُنارة)، الجوهري: "الصُّنارة: رأسُ المغزل".
стр. 4552
دخلاً، (بَيْنَكُمْ) أي: مفسدة ودغلاً، (أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ): بسبب أن تكون أمة، يعنى: جماعة قريش، (هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ): هي أزيد عدداً وأوفر مالا. من أمة من جماعة المؤمنين، (إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ) الضمير لقوله: (أن تكون أمة)، لأنه في معنى المصدر، أى: إنما يختبركم بكونهم أربى، لينظر أتتمسكون بحبل الوفاء بعهد الله وما عقدتم على أنفسكم ووكدتم من أيمان البيعة لرسول الله ﷺ ، أم تغترون بكثرة قريش وثروتهم وقوّتهم وقلة المؤمنين وفقرهم وضعفهم، (وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ) إنذار وتحذير من مخالفة ملة الإسلام.
[(وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)].
(وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً) حنيفة مسلمة على طريق الإلجاء والاضطرار، وهو قادر على ذلك، (وَلكِنْ) الحكمة اقتضت أن يضلّ (مَنْ يَشاءُ)؛ وهو أن يخذل من علم أنه يختار الكفر ويصمم عليه، (وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ) وهو أن يلطف بمن علم أنه يختار الإيمان. يعني: أنه بني الأمر على الاختيار وعلى ما يستحق به اللطف والخذلان، والثواب والعقاب، ولم يبنه على الإجبار الذي لا يستحق به شيء من ذلك، وحققه بقوله: (وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) ولو كان هو المضطرّ إلى الضلال والاهتداء، لما أثبت لهم عملاً يسألون عنه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((دَخَلاً بَيْنَكُمْ) أي: مفسدةً ودغلاً)، الراغبُ: الدخلُ كنايةٌ عن الفساد والعداوة المستبطنة، كالدغل، وعن الدعوة في النسب، يقال: دخل دخلاً، ويقال: دُخِلَ فلانٌ فهو مدخول، كناية عن بلهٍ في عقله، وفسادٍ في أصله، ومنه قيل: شجرة مدخولة.
قوله: (ولو كان هو المضطر إلى الضلال والاهتداء لما أثبت لهم عملا يُسألون عنه)، "المُضطر": اسم فاعل. وقلتُ: إثبات العمل لهم على طريق الكسب، لا يدفع السؤال.
стр. 4553
[(وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ)].
ثم كرر النهى عن اتخاذ الأيمان دخلا بينهم، تأكيداً عليهم، وإظهاراً لعظم ما يركب منه، (فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها) فتزلّ أقدامكم عن محجة الإسلام بعد ثبوتها عليها، (وَتَذُوقُوا السُّوءَ) في الدنيا بصدودكم (عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) وخروجكم من الدين. أو: بصدّكم غيركم، لأنهم لو نقضوا أيمان البيعة وارتدّوا، لاتخذوا نقضها سنة لغيرهم يستنون بها، (وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ) في الآخرة.
[(وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً إِنَّما عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ)].
كأن قوماً ممن أسلم بمكة زين لهم الشيطان لجزعهم مما رأوا من غلبة قريش واستضعافهم المسلمين، وإيذائهم لهم، ولما كانوا يعدونهم إن رجعوا من المواعيد أن ينقضوا ما بايعوا عليه رسول الله ﷺ ، فثبتهم الله، (وَلا تَشْتَرُوا) ولا تستبدلوا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال الإمام: اعلم أنه تعالى لما كلف القوم بالوفاء بالعهد وتحريم نقضه، أتبعه ببيان أنه تعالى قادرٌ على أن يجمعهم على هذا الوفاء بالعهد وعلى سائر أبواب الإيمان، ولكنه تعالى بحكم الإلهية يُضل من يشاء، ويهدي من يشاء. يريد أن قوله: (لَوْ شَاءَ اللَّهُ) الآية، دخلت معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه، أعني قوله: (وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ) توكيد لمعنى الابتلاء، وأنه بحم الإلهية يختبر القليل الضعيف القديم بالقوي الكثير ذي الشوكة كما أشار إليه بقوله: "هي أزيدُ عدداً وأوفر مالاً" إلى آخره، كما أنه بحكم الإلهية يُضل من يشاء ويهدي من يشاء، فقوله: (وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) مقابل لقوله: (وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ).
قوله: (أن ينقضوا ما بايعوا)، متعلق بقوله: "زين لهم الشيطانُ".
стр. 4554
(بِعَهْدِ اللَّهِ) وبيعة رسول الله ﷺ (ثَمَناً قَلِيلًا): عرضاً من الدنيا يسيراً، وهو ما كانت قريش يعدونهم ويمنونهم إن رجعوا، (إِنَّما عِنْدَ اللَّهِ) من إظهاركم وتغنيمكم، ومن ثواب الآخرة (خَيْرٌ لَكُمْ).
[(ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ)].
(ما عِنْدَكُمْ) من أعراض الدنيا (يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّه) من خزائن رحمته (باقٍ) لا ينفد. وقرئ: (لَنَجْزِيَنَّ) بالنون والياء، (الَّذِينَ صَبَرُوا) على أذى المشركين ومشاقّ الإسلام. فإن قلت: لم وحدت القدم ونكرت؟ قلت: لاستعظام أن تزلّ قدم واحدة عن طريق الحق بعد أن ثبتت عليه، فكيف بأقدام كثيرة؟
[(مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ)].
فإن قلت: (مَنْ) متناول في نفسه للذكر والأنثى، فما معنى تبيينه بهما؟ قلت: هو مبهم صالح على الإطلاق للنوعين، إلا أنه إذا ذكر كان الظاهر تناوله للذكور، فقيل (مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى) على التبيين، ليعمّ الموعد النوعين جميعاً (حَياةً طَيِّبَةً) يعني:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((لَنَجْزِيَنَّ) بالنون والياء)، بالنون: ابن كثير وعاصم.
قوله: (ليعم الموعدُ النوعين جميعاً)، قال صاحب "الفرائد": لو لم يذكر الأنثى لكانت داخلة في الحكم بطريق التغليب، ألا ترى إلى قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) دخلت
стр. 4555
في الدنيا، وهو الظاهر، لقوله: (وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ)، وعده الله ثواب الدنيا والآخرة، كقوله: (فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ) [آل عمران: ١٤٨]؛ وذلك أنّ المؤمن مع العمل الصالح موسراً كان أو معسراً يعيش عيشاً طيباً؛ إن كان موسراً، فلا مقال فيه. وإن كان معسراً، فمعه ما يطيب عيشه؛ وهو القناعة والرضا بقسمة الله. وأمّا الفاجر فأمره على العكس: إن كان معسراً؛ فلا إشكال في أمره، وإن كان موسراً؛ فالحرص لا يدعه أن يتهنأ بعيشه. وعن ابن عباس ﵄: الحياة الطيبة: الرزق الحلال. وعن الحسن: القناعة. وعن قتادة: يعنى في الجنة. وقيل: هي حلاوة الطاعة والتوفيق في قلبه.
[(فَإِذا قَرَاتَ الْقُرْآنَ (فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ* إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ* إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ)].
لما ذكر العمل الصالح ووعد عليه، وصل به قوله: (فَإِذا قَرَاتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ) إيذاناً بأن الاستعاذة من جمله الأعمال الصالحة التي يجزل الله عليها الثواب.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
النساء في الخطاب بطريق التغليب؟ ولما كان المراد من (مَن) العموم والاستيعاب لحصول التسوية بينهما في الحكم، لا بطريق التغيب بين بقوله: (مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى).
وقال الإمام: إنه تعالى لما رغب المؤمنين في الصبر على ما التزموه من فعل الواجبات والمندوبات دون المباحات بقوله: (وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا) ثم رغبهم في الإيمان بكل ما كان من شرائع الإسلام بقوله: (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً)، أتبع ذلك بقوله: (مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى) تقريراً للوعد وإزالة لوهم التخصيص كرماً وفضلاً.
قوله: (لما ذكر العمل الصالح ووعد عليه، وصل به قوله: (فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ) إيذاناً بأن الاستعاذة من جملة الأعمال الصالحة)، قال القاضي: وفيه دليلٌ على أن
стр. 4556
والمعنى: فإذا أردت قراءة القرآن فاستعذ، كقوله: (إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) [المائدة: ٦]، وكقولك: إذا أكلت فسمّ الله. فإن قلت: لم عبر عن إرادة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصلي يستعيذ في كل ركعة؛ لأن الحكم المترتب على شرط يتكرر بتكرره قياساً.
قلت: ويمكن أن يُقال: إن قوله: (فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ) متصل بالفاء بما سق من قوله: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ)، وذلك أنه تعالى لما من عليه صلوات الله عليه بإنزال كتاب جامع لصفات الكتاب، وأنه تبيان لكل شيء، ونبه على كونه تبياناً لكل شيء بالكلمة الجامعة، وهي قوله: (إِنَّ اللَّهَ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ) الآية، وعطف عليه: (أَوْفُوا بِالْعَهْدِ) وأكده ذلك التأكيد، قال بعد ذلك: (فَإِذَا قَرَاتَ) أي: إذا شرعت في قراءة هذا الكتاب الشريف الجامع الذي نُبهت على بعض ما اشتمل عليه، ونازعك فيه الشيطان بهمزه ونفخه ونفثه، فاستعذ بالله، والمقصود: إرشاد الأمة، ويظهر بهذا فائدة وضع القرآن موضع المضمر؛ لأن القرآن: الجمع والضم، ولهذا قلنا: الكتاب الشريف الجامع، وينتظم معه قوله: (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ)، فإن ذلك من منشأ النزع الذي يورده حزب الشيطان، ويقول: لو كان من عند الله لما تطرق إليه النسخ والتبديل، والله أعلم.
قوله: (كقوله: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) [المائدة: ٦]، قال صاحب "الفرائد": المستشهد ليس من قبيل ما نحن فيه؛ لأن هناك تركاً للظاهر بدليل، وهنا بغير دليل.
قلت: دليله إجماع الفقهاء، وسنده ما رواه أبو داود وابن ماجه، عن جبير بن مطعم، أنه رأى النبي ﷺ يقول بعد تكبير الصلاة: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، من نفخه ونفثه وهمزه".
стр. 4557
الفعل بلفظ الفعل؟ قلت: لأن الفعل يوجد عند القصد والإرادة بغير فاصل وعلى حسبه، فكان منه بسبب قوىّ وملابسة ظاهرة. وعن عبد الله بن مسعود ﵁: قرأت على رسول الله ﷺ ، فقلت: أعوذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم، فقال لي: «يا ابن أمّ عبد. قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، هكذا أقرأنيه جبريل ﵇ عن القلم عن اللوح المحفوظ» (لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ) أى: تسلط وولاية على أولياء الله، يعنى:
أنهم لا يقبلون منه ولا يطيعونه فيما يريد منهم من اتباع خطواته. (إِنَّما سُلْطانُهُ) على من يتولاه ويطيعه (بِهِ مُشْرِكُونَ) الضمير يرجع إلى (ربهم). ويجوز أن يرجع إلى (الشيطان)، على معنى: بسببه وغروره ووسوسته.
[(وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ)].
تبديل الآية مكان الآية: هو النسخ، والله تعالى ينسخ الشرائع بالشرائع؛ لأنها مصالح، وما كان مصلحة أمس يجوز أن يكون مفسدة اليوم، وخلافه مصلحة. والله تعالى عالم بالمصالح والمفاسد، فيثبت ما يشاء وينسخ ما يشاء بحكمته. وهذا معنى قوله: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ) (قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ) وجدوا مدخلاً للطعن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (تبديل الآية مكان الآية هو النسخ)، يعني: أنه تعالى عبر عن النسخ بهذه العبارة. قال الإمام: التبديل: رفع الشيء مع وضع غيره مكانه، وتبديل الآية رفعها بآية أخرى مكانها، وهو نسخها بآية سواها. وقلت: فيكون التبديل مضمناً معنى الوضع، أي: وضعنا آية مكان آية تبديلا. وقال القاضي: وإذا بدلنا آية بالنسخ فجعلنا الآية الناسخة مكان المنسوخة.
قوله: (وهذا معنى قوله: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ))، قال الإمام: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ
стр. 4558
فطعنوا، وذلك لجهلهم وبعدهم عن العلم بالناسخ والمنسوخ، وكانوا يقولون: إن محمدا يسخر من أصحابه: يأمرهم اليوم بأمر وينهاهم عنه غدا، فيأتيهم بما هو أهون، ولقد افتروا؛ فقد كان ينسخ الأشق بالأهون، والأهون بالأشق، والأهون بالأهون، والأشق بالأشق، لأنّ الغرض المصلحة، لا الهوان والمشقة. فإن قلت: هل في ذكر تبديل الآية بالآية دليل على أن القرآن إنما ينسخ بمثله، ولا يصح بغيره من السنة والإجماع والقياس؟ قلت: فيه أن قرآناً ينسخ بمثله، وليس فيه نفى نسخه بغيره، على أن السنة المكشوفة المتواترة مثل القرآن في إيجاب العلم، فنسخه بها كنسخه بمثله، وأمّا الإجماع والقياس والسنة غير المقطوع بها فلا يصح نسخ القرآن بها.
[(قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ)].
في (يُنَزِّلُ) و (نَزَّلَهُ) وما فيهما من التنزيل شيئاً فشيئاً على حسب الحوادث والمصالح: إشارة إلى أن التبديل من باب المصالح، كالتنزيل، وأنّ ترك النسخ بمنزلة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بِمَا يُنَزِّلُ) اعتراض دخل بين الشرط وجزائه، أي: هو أعلم بما يُنزل من الناسخ والمنسوخ والتغليظ والتخفيف لمصالح العباد، وهذا توبيخ لكفار على قولهم: (إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ) أي: إذا كان هو أعلم بما يُنزل فما بالهم ينسبون محمداً إلى الافتراء لأجل التبديل والنسخ، وقوله: (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ) معناه: لا يعلمون حقيقة القرآن، وفائدة النسخ والتبديل، كما أن الطبيب الحاذق يأمر المريض بشربة، ثم بعد ذلك ينهاه عنها ويأمر بضد تلك الشربة.
قوله: (إن السنة المكشوفة المتواترة مثل القرآن)، وقد سبق الكلام عليه في سورة البقرة.
стр. 4559
إنزاله دفعة واحدة في خروجه عن الحكمة. و (رُوحُ الْقُدُسِ): جبريل ﵇، أضيف إلى القدس؛ وهو الطهر، كما يقال: حاتم الجود، وزيد الخير، والمراد: الروح المقدّس، وحاتم الجواد، وزيد الخير. والمقدّس: المطهر من المآثم. وقرئ: بضم الدال وسكونها. (بِالْحَقِّ) في موضع الحال، أي نزله ملتبساً بالحكمة، يعنى: أن النسخ من جملة الحق؛ (لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا): ليبلوهم بالنسخ، حتى إذا قالوا فيه: هو الحق من ربنا والحكمة، حكم لهم بثبات القدم وصحة اليقين وطمأنينة القلوب، على أن الله حكيم فلا يفعل إلا ما هو حكمة وصواب، (وَهُدىً وَبُشْرى) مفعول لهما
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (حكم لهم بثبات القدم)، جزاء لقوله: "إذا قالوا فيه، وحتى: داخلة على الجملة الشرطية"، وهي غاية لمقدر هو تعليل لقوله: (نزَلَهُ) في الحقيقة.
وقوله: (على أن الله حكيم)، متعلق بـ"قالوا"، أي قالوا فيه ذلك، بناء على معتقدهم أن الله حكيم. وقيل: متعلق بثبات القدم، وفيه ضعف. المعنى: (نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ) ملتبساً بالحق، ليبلو المؤمنين بالنسخ فيجتهدوا، ويعلموا أنه لمصالح العباد حتى إذا قالوا فيه: هو الحق من ربنا، حكم لهم بثبات القدم، ويمكن أن يقال: إن من عرف أن الله تعالى أنزل كلامه المجيد على سيد المرسلين بواسطة الروح المقدسة، علم أن ذلك لا يكون إلا نوراً وهدى، وإن لم يقف على حقيقة المراد، حتى إذا قال: هو الحق من ربنا، وآمن به ووكل علمه إلى الله تعالى، سواء كان من قسم المتشابه، أو تبديل آية مكان آية، فحينئذ حُكم له بثبات القدم والرسوخ في العلم، كقوله تعالى: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) [آل عمران: ٧].
ويعضد هذا التأويل مجيء قوله: (وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) عقيب هذا، أي: هُدى وبُشرى للذين ينقادون لحكم ربهم ويتسلمون لما ورد من جنابه الأقدس، لا كالزائغين الذين يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وكالذين يطعنون في النسخ،
стр. 4560
معطوفان على محل (ليثبت). والتقدير: تثبيتا لهم وإرشادا وبشارة، وفيه تعريض بحصول أضداد هذه الخصال لغيرهم. وقرئ: (ليثبت)، بالتخفيف.
[(وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ)].
أرادوا بالبشر: غلاما كان لحويطب بن عبد العزى قد أسلم وحسن إسلامه اسمه عائش أو يعيش، وكان صاحب كتب. وقيل: هو جبر، غلام رومي كان لعامر بن الحضرمي. وقيل عبدان: جبر ويسار، كانا يصنعان السيوف بمكة ويقرآان التوراة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هذا مُوافق لما ذهب إليه القاضي في "المنهاج" في الناسخ والمنسوخ: أن حُكمه أن يتبع المصالح فيتغير بتغيرها، وغلا فله كيف يشاء.
قوله: (وفيه تعريض) أي: في إثبات التثبيت والهدى والبشارة للمؤمنين تعريض بحصول أضدادها في المشركين والزائغين، وذلك أن قوله: (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ) الآية جواب عن قول المشركين: (إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ)، وهو قريب من باب الأسلوب الحكيم، فإنهم أرادوا بقولهم: (إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ): أن هذا ليس من كلام الله تعالى؛ لأن الله تعالى لا يسخر من أحد، يأمرهم اليوم بشيء وينهاهم غداً عنه، بل هو من تلقاء نفسك، فأجيبوا بان هذا من الله، فزيد في التصوير بأن قيل: (نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ) ثم زيد قوله: (بِالْحَقِّ) لينبه على الدفع عن الطعن بألطف الوجوه، أي: تنزيله ملتبس بالحق والحكمة ومصالح الخلق، ثم النعي على قبح أفعالهم بأن قيل: (لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا) إلى آخره تعريضاً بأن أضداد هذه الخصال حاصلة فيهم، وأنهم متزلزلون ضالون موبخون منذرون بالخزي والنكال واللعن في الدنيا والآخرة، وأن أعداءهم على خلاف ذلك، ليزيد في غيظهم وحنقهم، ما أحسن هذا البيان! لله دره.
стр. 4561
والإنجيل، فكان رسول الله ﷺ إذا مرّ وقف عليهما يسمع ما يقرآان، فقالوا: يعلمانه، فقيل لأحدهما، فقال: بل هو يعلمني. وقيل: هو سلمان الفارسي. واللسان: اللغة. ويقال: ألحد القبر ولحده، وهو ملحد وملحود، إذا أمال حفره عن الاستقامة، فحفر في شق منه، ثم استعير لكل إمالة عن استقامة، فقالوا:
ألحد فلان في قول، وألحد في دينه. ومنه الملحد، لأنه أمال مذهبه عن الأديان كلها، لم يمله عن دين إلى دين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فقيل لأحدهما)، يعني: قيل لأحد هذين العبدين: أتعلمه أنت؟ فقال: بل هو يعلمني. وقيل: هذا المجيب هو سلمان الفارسي، وهو غير صحيح؛ لأن سلمان أتى النبي ﷺ بالمدينة، والآية مكية.
قوله: (ثم استعير لكل إمالة عن استقامة)، الراغب: الإلحاد ضربان: إلحاد إلى الشرك بالله، وإلحاد إلى الشرك بالأسباب، فالأول ينافي الإيمان ويبطله، والثاني يوهن عُراه ولا يبطله، وقال: (الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ) والإلحاد في أسمائه على وجهين، أحدهما: أن يوصف بما لا يصح وصفه به، والثاني: أن يتأول أوصافه بما لا يليق به.
قوله: (ومنه الملحد؛ لأنه أمال مذهبه عن الأديان كلها). قال الشهرستاني في كتاب "الملل والنحل": "وفرق الباطنية أوردهم أصحاب التصانيف في كتب المقالات إما خارجة عن الفرق وإما داخلة فيها، وبالجملة هم قوم مخالفون، اثنين وسبعون فرقة، ثم إن الباطنية القديمة خلطوا كلامهم ببعض كلام الفلاسفة وصنفوا كتبهم على ذلك المنهاج، وسموا باطنية لأنهم يقولون: لكل ظاهر باطن، ولكل تنزيل تأويل، ولهم ألقاب كثيرة، فبالعراق: يسمون الباطنية والقرامطة والمزدكية، وبخراسان: التعليمية والملحدة، وهم يقولون: نحن إسماعيلية؛ لأنا تميزنا عن فرق الشيعة بهذا الاسم وبهذا الشخص، وقال: الإسماعيلية امتازت عن الموسوية والاثني عشرية بإثبات الإمامية لإسماعيل بن جعفر، وهو ابنه الكبر المنصوص عليه في بدء الأمر".
стр. 4562
والمعنى: لسان الرجل الذي يميلون قولهم عن الاستقامة إليه لسان (أَعْجَمِيٌّ): غير بين، (وَهذا) القرآن (لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ): ذو بيان وفصاحة ردّا لقولهم وإبطالا لطعنهم. وقرئ (يُلْحِدُونَ) بفتح الياء والحاء. وفي قراءة الحسن: (اللسان الذي يلحدون إليه) بتعريف اللسان. فإن قلت: الجملة التي هي قوله: (لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ) ما محلها؟ قلت: لا محل لها، لأنها مستأنفة جواب لقولهم. ومثله قوله: (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ) بعد قوله: (وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ) [الأنعام: ١٢٤].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: "يلحدون" بفتح الياء والحاء)، قرأها حمزة.
قوله: (مستأنفة: جواب لقولهم)، فإنه تعالى لما قال: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ) ومرجعه أنه مُفترٍ، وأن ما جاء به ليس من عند الله، اتجه لقائل أن يقول: فماذا أجاب الله عن ذلك؟ فقيل: قال: (لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ).
قوله: (ومثله قوله: (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) [الأنعام: ١٢٤]، وجه التشبيه: هو أن قولهم: (لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ) [الأنعام: ١٢٣] كقولهم: (إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ) في إثبات الشيء على خلاف ما ينبغي أن يكون عليه، ومرجعهما: أن رسول الله ﷺ مفتر، وأن ما جاء به ليس من عند الله، بل من قبل غيره، ألا ترى كيف عقبه بقوله: (إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ)؟ وخلاصة الردين: تجهيل القوم، وعدم تمييزهم بين الحق الصُّراح والباطل المحض، وأن كلامهم من الجُزاف الذي يُرمى من غير فكر وروية، ألا ترى إلى قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمْ اللَّهُ) كأنه قيل: عن النبوة ليست بالمال والحسب، وإنما هي بفضائل نفسانية يختص بها من يمثله من عباده، فيجتبي لرسالته من علم أنه يصلح لها؟ فكيف تؤتونها وأنتم لستم بمكانها، بل تستحقون أن يُفعل بكم كل هوان وخزي ونكال بقولكم: (إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ)؛ لأن المتعلم إنما يستفيد من المعلم ما هو أعلم به، وأقدم منه، وما أتى به صلوات الله عليه كلامٌ
стр. 4563
[(إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ * إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ)].
(إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّه) أى: يعلم الله منهم أنهم لا يؤمنون (لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ) لا يلطف بهم، لأنهم من أهل الخذلان في الدنيا والعذاب في الآخرة، لا من أهل اللطف والثواب (إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ) ردّ لقولهم: (إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ) يعنى: إنما يليق افتراء الكذب بمن لا يؤمن، لأنه لا يترقب عقاباً عليه، (وَأُولئِكَ) إشارة إلى قريش (هُمُ الْكاذِبُونَ) أي: هم الذين لا يؤمنون، فهم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عربي مبين: أي: بليغٌ فصيحٌ بلغ غايته في البلاغة والفصاحة، حيث عجزتم عن الإتيان بسورة من مثله، فكيف يؤخذ من عجمي ألكن جاهل؟
قوله: ((لا يَهْدِيهِمْ اللَّهُ): لا يلطف بهم)، وعند أهل السنة على الحقيقة.
قوله: ((وَأُوْلَئِكَ) إشارة إلى قريش)، اعلم أن المشار إليه بقوله: (وَأُوْلَئِكَ) إما قوله: (الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) لأنه المذكور، أو قريش؛ لأن سياق الكلام فيهم، لأنهم هم الذين قالوا: (إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ)، وقالوا: (إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ).
فعلى الأول عام في قريش وغيرهم، وحينئذ يكون التعريف في (الْكَاذِبُونَ) للجنس، وإليه الإشارة بقوله: (هُمْ الْكَاذِبُونَ) على الحقيقة، الكاملون في الكذب، فيدخل في هذا العام قريش دخولاً أولياً، يعني: المفتري مطلقاً من لا يؤمن بالله ولا بآياته، وهو الكامل فيه؛ لأن تكذيب آيات الله لا شيء أعظم منه.
وأما الثاني فعلى وجهين: أحدهما: (الْكَاذِبُونَ): مطلق فلا يقدر في أي شيء كذبوا، وهو أيضاً على وجهين: إما أن يكون قوله: (إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) عاماً والكلام واردٌ على الاستدراج، المعنى: اعلموا أن المفتري منا ومنكم: الذي لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر ولا بعقابه، فلا يبالي بالكذب، وقد ظهر أنكم الموصوفون بذلك، فيلزم أنكم الكاذبون، ودل على هذا الاستلزام الفاء في قوله: "فهم الكاذبون". وإما أن يُراد
стр. 4564
الكاذبون، أو: إلى الذين لا يؤمنون، أي: أولئك هم الكاذبون على الحقيقة الكاملون في الكذب، لأنّ تكذيب آيات الله أعظم الكذب. أو: أولئك هم الذين عادتهم الكذب لا يبالون به في كل شيء، لا تحجبهم عنه مروءة ولا دين. أو: أولئك هم الكاذبون في قولهم: (إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ) [النحل: ١٠١].
[(مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ* ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ* أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ* لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ)].
(مَنْ كَفَرَ) بدل من (الذين لا يؤمنون بآيات الله) [سورة النحل: ١٠٥]، على
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بالذين لا يؤمنون: قريش، وكان من حق الظاهر: لم يؤمنوا، فعدل إلى: (لا يُؤْمِنُونَ) لإفادة الاستمرار، أي: المفتري: من استمر على الكفر ولم يتوقع منه تجدد الإيمان، فيستمر على الكذب ويصير دأبه وعادته؛ لأن الرادع من الكذب المروءة، ومن لا إيمان له لا مروءة له، وإليه الإشارة بقوله: "أولئك هم الذين عادتهم الكذب" لا يحجبهم عنه مروءة ولا دين.
وثانيهما: (الْكَاذِبُونَ) مقيدٌ بحسب اقتضاء المقام، وهو المراد من قوله: (أُوْلَئِكَ هُمْ الْكَاذِبُونَ) في قولهم: (إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ).
قوله: ((مَنْ كَفَرَ): بدل من: (الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ))، فإن قلت: كيف يصح البدل، وأن قوله: (إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ) رد لقول قريش: (إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ) وهم ما كفروا بعد الإيمان؟ قلت: كلما كان الرد أبلغ كان في الإفحام أدخل.
وإنما عدل من ظاهر قوله: "بل أنتم مفترون" إلى قوله: (إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ
стр. 4565
أن يجعل (وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ) [النحل: ١٠٥] اعتراضاً بين البدل والمبدل منه. والمعنى: إنما يفترى الكذب من كفر بالله من بعد إيمانه. واستثنى منهم المكره فلم يدخل تحت حكم الافتراء، ثم قال (وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً) أي: طاب به نفسا واعتقده، (فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ) ويجوز أن يكون بدلا من المبتدأ الذي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لا يُؤْمِنُونَ) ليكون إشعاراً بأن بين الإيمان وبين الكذب منافاة، والكذب من شيمة من عدم الإيمان، تعريضاً بهم، وبعثاً على التفكر في أن الكاذب منه ومنهم من هو، ثم إذا ذهب إلى إبدال: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ) [النحل: ١٠٦] منه على أن المراد: من كان متمكناً من الإيمان، ثم أعرض للعناد والتمرد، كقوله: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى) [البقرة: ١٦] بلغ الغاية القُصيا في المطلوب، وأيضاً جعل ذلك سُلماً وتخلصاً إلى ما فعلوا بأولئك السادة من المثلة، والصد عن الدين، فإنه أشنع وأقبح.
قوله: ((شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً) أي: طاب به نفساً)، بين بهذا مآل معناه وإعرابه، أما المعنى، فلأن الشرح هو الكشف، تقول: شرحت الغامض: إذا فسرته، فإن الغامض مما يضيق به الصدر ولا تطيب به النفس. وأما الإعراب، فلأن (نَفْساً): منصوب على التمييز، كذا (صَدْراً)، وفي "اللباب"، أي: شرح صدره، فصرف الفعل إلى المضاف فانتصب على التمييز، فكأنه قال: شرحه صدراً، أي: قبله على اختيار.
الراغب: أصل الشرح: بسط اللحم ونحوه، يقال شرحت اللحم وشرحته، ومنه شرح الصدر، أي: بسطه بنور إلهي وسكينة من جهة الله (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) [الشرح: ١]، وشرح المشكل من الكلام: بسطه وإظهار معانيه.
قوله: (ويجوز أن يكون بدلاً من المبتدأ)، عطف على قوله: " (وَمَنْ كَفَرَ): بدل من (الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ) ".
стр. 4566
هو (أُولئِكَ) على: ومن كفر بالله من بعد إيمانه هم الكاذبون. أو من الخبر الذي هو (الكاذبون)، على: وأولئك هم من كفر بالله من بعد إيمانه. ويجوز أن ينتصب على الذمّ. وقد جوّزوا أن يكون (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ) شرطاً مبتدأ، ويحذف جوابه، لأنّ جواب (مَنْ شَرَحَ) دال عليه، كأنه قيل: من كفر بالله فعليهم غضب، إلا من أكره، ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب. روى: أنّ ناساً من أهل مكة فتنوا فارتدوا عن الإسلام بعد دخولهم فيه، وكان فيهم من أكره فأجرى كلمة الكفر على لسانه وهو معتقد للإيمان، منهم عمار، وأبواه ياسر وسمية، وصهيب، وبلال،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقد جوزوا أن يكون (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ) شرطاً مبتدأ)، وهو قول أبي علي الجبائي، أي: من كفر استحق الغضب والعقاب إلا من أكره.
قوله: (رُوي أن ناساً من أهل مكة فُتنوا) إلى آخره، ذكر ابن عبد البر في "الاستيعاب": عن ابن عمر: كان عمار وأمه سمية ممن عُذب في الله، ثم أعطاهم عمار ما أرادوا بلسانه واطمأن قلبه بالإيمان، فنزلت الآية، وهذا مما اجتمع عليه أهل التفسير.
وروى النسائي، عن عمر بن شرحبيل، عن رجل من الصحابة، قال: قال رسول الله ﷺ : "مُلئ عمارٌ إيماناً إلى مُشاشه". المُشاش، بالضم: جمعُ مشاشةٍ، وهي رؤوس العظام اللينة.
قوله: (منهم عمارٌ)، مبتدأ وخبرٌ، "وأبواه" مع ما بعده معطوف على "عمار"، وقوله: "عُذبوا": جملة مستأنفة، فكأنه قيل: ما فُعل بهم؟ فقيل: عُذبوا، ونظيره قوله تعالى: (مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا) [الأحزاب: ٢٣] إلا أن صدقوا: صفة لرجال، هذا على أن عماراً ممن عُذب على ما روي في "الاستيعاب"، فقوله: "فأما سُمية وأما عمارٌ" تفصيلٌ لقوله: "عُذبوا"، وقيل أبواه: مبتدأ والخبر: "عُذبوا"، وأن عماراً ما عُذبَ على ما عليه ظاهر كلام المصنف.
стр. 4567
وخباب، وسالم: عذبوا، فأمّا سمية: فقد ربطت بين بعيرين ووجيء في قبلها بحربة، وقالوا: إنك أسلمت من أجل الرجال. فقتلت، وقتل ياسر، وهما أول قتيلين في الإسلام، وأما عمار فقد أعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرها. فقيل: يا رسول الله، إن عماراً كفر، فقال: «كلا، إنّ عماراً مليء إيماناً من قرنه إلى قدمه، واختلط الإيمان بلحمه ودمه» فأتى عمار رسول الله ﷺ وهو يبكى، فجعل النبي ﷺ يمسح عينيه، وقال: «مالك؟ ! إن عادوا لك فعد لهم بما قلت» ومنهم جبر مولى الحضرمي، أكرهه سيده فكفر، ثم أسلم مولاه وأسلم، وحسن إسلامهما، وهاجرا. فإن قلت: أي الأمرين أفضل، أفعل عمار أم فعل أبويه؟ قلت: بل فعل أبويه، لأنّ في ترك التقية والصبر على القتل إعزازاً للإسلام. وقد روى: أنّ مسيلمة أخذ رجلين فقال لأحدهما: ما تقول في محمد؟ قال رسول الله. قال: فما تقول في؟ قال: أنت أيضا، فخلاه. وقال للآخر: ما تقول في محمد؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (إعزازاً للإسلام)؛ لأن المخالف إذا رأى أن المسلم يبذلُ ماله وروحه دون دينه أيقن أن مثل هذا الدين لا يكون إلا حقاً، ينصره قوله تعالى: (وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)، أي: يشكون في دينهم، يقولون: ما رجعوا، وهم أهل كتاب وعلم إلا لأمرٍ قد تبين لهم. يؤيده ما روينا في "صحيح البخاري" و"مسلم"، عن أبي سفيان: أن هرقل سأله عن رسول الله ﷺ وأصحابه: "هل يرتد أحدٌ منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطة له؟ قال: قلت: لا. قال: … وكذلك الإيمانُ إذا خالط بشاشته القلوب … " الحديث.
стр. 4568
قال: رسول الله. قال: فما تقول فيّ؟ قال: أنا أصمّ. فأعاد عليه ثلاثاً، فأعاد جوابه، فقتله، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: «أما الأوّل فقد أخذ برخصة الله. وأمّا الثاني فقد صدع بالحق فهنيئاً له» (ذلِكَ) إشارة إلى الوعيد، وأنّ الغضب والعذاب يلحقانهم بسبب استحبابهم الدنيا على الآخرة، واستحقاقهم خذلان الله بكفرهم، (وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ): الكاملون في الغفلة، الذين لا أحد أغفل منهم، لأنّ الغفلة عن تدبر العواقب هي غاية الغفلة ومنتهاها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (واستحقاقهم خذلان الله بكفرهم)، جعل سبب وعيد من شرح بالكفر صدراً - وهم الذين ارتدوا بعدما دخلوا في الإسلام - شيئين؛ أحدهما: استحباب الحياة الدنيا على الآخرة، وفيه إشارة إلى فضل ما فعل أبو عمار على عمار. وثانيهما: استحقاق خذلان الله بكفرهم، وإنما علل الخذلان بالكفر؛ لأن قوله: (لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) من وضع المظهر موضع المضمر للعلية.
ثم آذن بأنهم أحقاء بأن يطبع على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم لذلك الوصفين بقوله: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ)، وتمم بقوله: (وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ)، واللام للجنس، ليفيد ما قال: "أولئك هم الكاملون في الغفلة"، أي: إن تصور حقيقة الغافلين، فهم لا يعدون تلك الحقيقة، ومن ثم قال: "الذين لا أحد أغفل منهم، ثم لما أراد أن يبين البون بين الفريقين والبُعد بين المرتبتين، أعني: الثابتين على الإسلام، والناكصين عنه، قيل: (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا) الآية، وإليه الإشارة بقوله: "دلالة على تباعد حال هؤلاء من حال أولئك".
وقوبل تلك التوكيدات السابقة بمجرد اللام في قوله: (لِلَّذِينَ هَاجَرُوا) حيث أوقعه خبراً لـ "إن"، على ما قال: "إنه لهم لا عليهم، بمعنى أنه وليهم وناصرهم لا عدوهم وخاذلهم"، يدل على المقابلة تفسير المؤلف قوله: (وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) بقوله: "واستحقاقهم خذلان الله بكفرهم"، ووضع المظهر موضع المضمر في المتقابلين؛ لأن قوله: (لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا) وُضع موضع الراجع إلى قوله: (إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ)، ففي الآيات جمعٌ مع التقسيم والتفريق، فالجمع:
стр. 4569
[(ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ* يَوْمَ تَاتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ)].
(ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ) دلالة على تباعد حال هؤلاء من حال أولئك، وهم عمار وأصحابه. ومعنى: إنّ ربك لهم، أنه لهم لا عليهم، بمعنى أنه وليهم وناصرهم لا عدوّهم وخاذلهم، كما يكون الملك الرجل لا عليه، فيكون محمياً منفوعاً غير مضرور. (مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا) بالعذاب والإكراه على الكفر.
وقرئ: (فُتِنُوا) على البناء للفاعل، أي: بعد ما عذبوا المؤمنين، .....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ)، والتقسيم: (إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ)، (وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً)، والتفريق: (وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي)، و (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا)، والله أعلم بمراده من كلامه.
ونحن إنما ساعدنا تفسيره (لا يَهْدِي) بالخذلان، وتعليله بالكفر، ليقابله قوله: (لِلَّذِينَ هَاجَرُوا) إلى قوله: (لَغَفُورٌ رَحِيمٌ)؛ لأن الغفران مقابل للخذلان؛ لأنا نثبت للعبد أيضاً قدرة تميز بين الفعل الاختياري والقسري لتقوم حجة الله على عباده، وعُلم من مفهوم كلامه أن قوله: (ِلَّذِينَ هَاجَرُوا): خبرُ "إن"، والمقدر نحو ناصرٌ وولي للذين هاجروا، لقرينة قوله: خذلان الله بكفرهم، لأنه مقابل له، كما سبق.
وقال أبو البقاء: خبر "إن": (لَغَفُورٌ رَحِيمٌ)، و"إن" الثانية واسمها: تكرير للتوكيد، ومثله في هذه السورة: (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ) [النحل: ١١٩] الآية. وقيل: خبره محذوف؛ لأن خبر الثانية أغنى عن ذلك.
قوله: (وقرئ: "فتنوا"، على البناء للفاعل)، قرأها ابن عامر.
стр. 4570
كالحضرمي وأشباهه. (مِنْ بَعْدِها): من بعد هذه الأفعال؛ وهي الهجرة والجهاد والصبر. (يَوْمَ تَاتِي) منصوب بـ (رحيم). أو بإضمار: اذكر. فإن قلت: ما معنى النفس المضافة إلى النفس؟ قلت: يقال لعين الشيء وذاته: نفسه، وفي نقيضه غيره، والنفس: الجملة كما هي، فالنفس الأولى: هي الجملة، والثانية عينها وذاتها، فكأنه قيل: يوم يأتي كل إنسان يجادل عن ذاته لا يهمه شأن غيره، كل يقول: نفسي نفسي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كالحضرمي وأشباهه)، بيان للفاعل في"عذبوا"، فإن الحضرمي كما سبق في "الكشاف" عذب عبده جبراً وأكرهه على الكفر، ثم أسلم الحضرمي.
قوله: ((مِنْ بَعْدِهَا) من بعد هذه الأفعال، وهي الهجرة والجهاد والصبر)، بناء على أن الثانية ليست بتكرير، وعلى قول أبي البقاء: التقدير (إِنَّ رَبَّكَ) من بعد الفتنة والجهاد والصبر.
قوله: ((يَوْمَ تَاتِي): منصوب بـ (رَّحِيمُ) أو بإضمار: اذكر)، والأول أدخل في تأليف النظم، ليقابل قوله: (لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمْ الأَخْسَرُونَ) [النحل: ١٠٩].
قوله: (فكأنه قيل: يوم يأتي كل إنسان يجادل عن ذاته)، قال صاحب "الفرائد": المغايرة شرط بين المضاف والمضاف إليه لامتناع النسبة بدون المنتسبين، فلذلك قالوا: يمتنع إضافة الشيء إلى نفسه، إلا أن المغايرة قبل الإضافة كافية، وهي محققة هاهنا؛ لأن من مطلق النفس لا يلزم نفسك، ومن نفسك يلزم النفس، فلما أضيف ما لا يلزم أن يكون نفسك إلى نفسك، ومن نسك يلزم النفس، فلما أضيف ما لا يلزم أن يكون نفسك إلى نفسك صحت الإضافة، وإن اتحدتا بعد الإضافة، فلهذا جاز "عين الشيء"، و"نفس الشيء"، و"كل الشيء"، ونحوها، ولما لم تكن المغايرة قبل الإضافة في الأسد والليثن والحبس والمنع، لم يجز: أسد الليث: وحبس المنع، وإنما قلنا: إن الاتحاد بعد الإضافة لا
стр. 4571
ومعنى المجادلة عنها: الاعتذار عنها، كقوله: (هؤُلاءِ أَضَلُّونا) [الأعراف: ٣٨]، (ما كُنَّا مُشْرِكِينَ) [الأنعام: ٢٣]، ونحو ذلك.
[(وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَاتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ* وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَهُمْ ظالِمُونَ)].
(وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً) أي جعل القرية التي هذه حالها مثلا لكل قوم أنعم الله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يُخل بالإضافة؛ لأن الاتحاد يحصل بالاختصاص، والاختصاص يحصل بالإضافة، فيكون الاتحاد أثر الإضافة، فكيف يكون مانعاً للإضافة؟
وقلت: قول المصنف: "فالنفس الأولى هي الجملة، والثانية عينها، معناه: أن اعتبار الماهية غير اعتبار الجملة، فإن الجملة يقع فيها اعتبار الماهية مع اعتبار أفرادها.
قوله: (أي: جعل القرية التي هذه حالها مثلاً)، ضمن (ضَرَبَ) معنى (جعلَ) ليصح المعنى؛ لأن معنى ضرب المثل: اعتماده وصنعهن من ضرب اللبن والخاتم، كأنه جعل القرية الموصوفة بما يليها مفعولاً أولاً، و"مثلاً": مفعولاً ثانياً، وقريبٌ منه ذكر مكي في قوله تعالى: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ) [يس: ١٣] قال: أصح ما يعطي القياس والنظر في "مثل" و"أصحاب" أنهما مفعولان لـ"اضرب"، دليله قوله تعالى: (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ) [يونس: ٣٤]، فلا اختلاف أن (مَثَلَ الْحَيَاةِ): ابتداء و (كَمَاءٍ): خبره. وقال في موضع آخر: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ) [الكهف: ٤٥]، فدخل "اضرب" على الابتداء والخبر، فعمل فيهما، فقد تعدى "اضرب" الذي هو لتمثيل الأمثال إلى مفعولين بلا خلاف في هذا، فوجب أن يجري في غير هذا الموضع على ذلك.
والفاء في قوله: "فيجوز أن يُراد قرية" تفصيلية، والفاء في "فضربها الله مثلاً" متعلق بقوله: "أن يكون في قرى الأولين قرية".
стр. 4572
عليهم فأبطرتهم النعمة، فكفروا وتولوا، فأنزل الله بهم نقمته. فيجوز أن تراد قرية مقدرة على هذه الصفة، وأن تكون في قرى الأوّلين قرية كانت هذه حالها، فضربها الله مثلا لمكة؛ إنذاراً من مثل عاقبتها (مُطْمَئِنَّةً): لا يزعجها خوف، لأن الطمأنينة مع الأمن، والانزعاج والقلق مع الخوف. (رَغَداً): واسعاً. والأنعم: جمع نعمة، على ترك الاعتداد بالتاء، كدرع وأدرع. أو: جمع نعم، كبؤس وأبؤس. وفي الحديث: نادى منادى النبي ﷺ بالموسم بمنى: «إنها أيام طعم ونعم فلا تصوموا». فإن قلت: الإذاقة واللباس استعارتان، فما وجه صحتهما؟ والإذاقة المستعارة موقعة على اللباس المستعار، فما وجه صحة إيقاعها عليه؟ قلت: أما الإذاقة فقد جرت عندهم مجرى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (إنها أيام طُعم ونُعم)، وفي رواية لمسلم: أنه صلوات الله عليه أمر خادمه أن ينادي أيام التشريق: إنها أيام أكل وشرب.
قوله: (الإذاقة واللباس استعارتان)، خلاصة السؤال: أنه سأل عن بيان استعارة (فَأَذَاقَهَا) واستعارة (لِبَاسَ الْجُوعِ)، وعن نسبة أحداهما إلى الأخرى، فإنه تعالى أوقع إحدى الاستعارتين مفعولاً للأخرى.
قوله: (أما الإذاقة)، يريد أن الإذاقة بعدما كانت مستعارة للإدراك والإصابة، صارت حقيقة في الإصابة بسبب كثرة استعمالها وشيوعها فيها، ثم انتهض لبيان الجواب عن الاستعارة الأولى على سبيل الاستئناف، بأن قال: شبه ما يدرك، أي: شبه ما يدرك الإنسان من أثر الضرر بما يحس من طعم أمر والبشع، ثم أدخل المشبه في جنس ما يدرك من الطعم ثم أطلق ما يدرك بالفعل على اسم ما يحس بالفم، هذا تقرير أصل الاستعارة، وأنها مسبوقة لمثل هذا التشبيه، لا بيان أنها استعارة تبعية؛ لأن قوله: "ما يدرك من أثر الضرر"، بفتح
стр. 4573
الحقيقة؛ لشيوعها في البلايا والشدائد وما يمسّ الناس منها، فيقولون: ذاق فلان البؤس والضر، وأذاقه العذاب؛ شبه ما يدرك من أثر الضرر والألم بما يدرك من طعم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الراء، اسم مفعول، وهو مثل الفعل في امتناع إيقاع الاستعارة فيه لامتناع وقوعه موصوفاً، ولو أريد تقرير التبعية لقيل: شُبهت إصابة العذاب ولحوقه بهم بإذاقة الطعم البشع المر، ثم سرت الاستعارة من الإذاقة إلى "أذاق"، فيكون استعارة مصرحة تبعية؛ لأن المشبه المتروك أمرٌ عقلي، وإنما اضطر إلى هذا التأويل، لأن الاستعارة وقعت في لباس الجوع، وقد فرع عليها (فَأَذَاقَهَا)، وهو لا يناسبها ترشيحاً ولا تجريداً فيُجعل بمعنى الإصابة ليكون تجريداً.
الراغب: الذوق: وجود الطعم بالفم، وأصله فيما يقل تناوله دون ما يكثر، فإن ما يكثر منه يقال له: الأكل، واختير في التنزيل لفظ الذوق في العذاب لأن ذلك وإن كان في التعاريف للقليل فهو مستصلح للكثير، فخصه بالذكر ليعم الأمرين، وكثر استعماله في العذاب نحو: (لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ) [النساء: ٥٦]، وقد جاء في الرحمة نحو: (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً) [هود: ٩] ويعبر به عن الاختبار، فيقال: أذقته كذا فذاق. ويقال: فلان ذاق كذا، وأنا أكلته، أي: خبرته أكثر مما خبر.
وقال: الطعم: تناول الغذاء، ويسمى ما يتناول منه طعم وطعام، ورجل طاعم: حسن الحال. وقوله تعالى: (فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ)، فاستعمال الذوق مع اللباس من أجل أنه أريد به التجربة والاختبار، أي: فجعلها بحيث تمارس الجوع والخوف. وقيل: إن ذلك على تقدير كلامين، كأنه قيل: أذاقها الجوع والخوف وألبسها لباسهما.
стр. 4574
المرّ والبشع. وأما اللباس فقد شبه به؛ لاشتماله على اللابس: ما غشى الإنسان والتبس به من بعض الحوادث. وأما إيقاع الإذاقة على لباس الجوع والخوف، فلأنه لما وقع عبارة عما يغشى منهما ويلابس، فكأنه قيل: فأذاقه ما غشيهم من الجوع والخوف، ولهم في نحو هذا طريقان لا بد من الإحاطة بهما، فإن الاستنكار لا يقع إلا لمن فقدهما، أحدهما: أن ينظروا فيه إلى المستعار له، كما نظر إليه هاهنا، ونحوه قول كثير: ....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وأما اللباس)، هذا هو الجواب عن بيان الاستعارة الثانية، أي: شبه ما يغشى الإنسان ويتلبس به من أثر الجوع والخوف باللباس الحقيقي، والجامع: كونهما مشتملين على الإنسان وغاشيين له، ثم أطلق اسم اللباس على ما يغشى الإنسان من أثرهما، وجعل إضافته إليهما قرينة مانعة عن إرادة الحقيقة، فهي استعارة مصرحة أصلية تحقيقية، لكون المشبه المتروك عقلياً.
قوله: (وأما إيقاعُ)، هو الجواب عن نسبة إحدى الاستعارتين إلى الأخرى، وتقريره أن نسبة الاستعارة الأولى إلى الثانية بعدما جُعلت حقيقة في الإصابة والإدراك بسبب كثرة الاستعمال نسبة تفريع شيء على أصلن ولما كانت الإذاقة التي هي بمعنى الإصابة صفة ملائمة لغشيان الجوع والخوف المشبه باللباس جُعلت تجريداً لها، وهذا هو المراد من قوله: "فلأنه لما وقع عبارة عما يغشى-أي: فلان اللباس لما وقع عبارة عما يغشى - منهما" فكأنه قيل: فأذاقهم، أي: أصابهم ما غشيهم.
قوله: (ولهم في نحو هذا)، أي: العرب في نحو تفريع أذاقها على لباس الجوع، طريقان: طريق التجريد، وهو أن يُفرع على الاستعارة بعد تمامها صفة ملائمة للمستعار له كما نحن بصدده. وطريق الترشيح، وهي أن يُقرع عليها صفة ملائمة للمستعار منه كما في المثال الآتي,
стр. 4575
غَمْرُ الرِّدَاءِ إذَا تَبَسَّمَ ضَاحِكاً … غَلِقَتْ لِضِحْكَتِهِ رِقَابُ المَالِ
استعارة الرداء للمعروف، لأنه يصون عرض صاحبه صون الرداء لما يلقى عليه. ووصفه بالغمر الذي هو وصف المعروف والنوال، لا صفة الرداء، نظر إلى المستعار له. والثاني: أن ينظروا فيه إلى المستعار، كقوله:
يُنَازِعُنِي رِدَائِي عَبْدُ عَمْرٍو … رُوَيْدَكَ يَا أَخَا عَمْرِو بْنِ بَكْر
لِيَ الشّطْرُ الَّذِى مَلَكَتْ يَمِينِى … وَدُونَكَ فَاعْتَجِرْ مِنْهُ بِشَطْرِ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (غمرُ الرداء إذا تبسم) البيت، "غمر الرداء" أي: كثيرُ العطاء، يقال: غلق الرهن: إذا استحقه المرتهن، وذلك إذا لم يفتك في الوقت المشروط. قال زهير:
وفارقتك برهن لا فكاك له … يوم الوداع فأمسى الرهن قد غلقا
أي: ارتهنت قلبه فذهبت به، يقول: إذا ضحك ضحكة أيقن السائل أنه بذلك التبسم استغلق رقاب ماله ويعطي بلا خلاف.
قوله: (ووصفه بالغمر الذي هو وصف للمعروف)، أي: فرع على المستعار له، لأن الغمر مناسب للمعروف لا على المستعار؛ لأن الغمر غير مناسب للرداء. وقلت: وفيه عدول عن الظاهر؛ لأن الغمر ليس صفة حقيقية للنوال والمعروف، بل هو وصف للبحر المستعار أولاً للمعروف، يقال: غمره الماء يغمره غمراً، أي: علاه، والغمر: الماء الكثير، فهو هاهنا تجريد للاستعارة بعد أن كان ترشيحاً، وهذا المثال المستشهد به يشبه استعماله استعمال الآية في أن التجريد ليس تجريداً محضاً.
قوله: (ينظروا فيه إلى المستعار)، أي: المستعار منه.
قوله: (ينازعني ردائي)، البيتين، الاعتجار: لف العمامة من غير إدارة تحت الحنك.
стр. 4576
أراد بردائه سيفه، ثم قال: (فاعتجر منه بشطر)، فنظر إلى المستعار في لفظ الاعتجار، ولو نظر إليه فيما نحن فيه لقيل: فكساهم لباس الجوع والخوف، ولقال كثير: ضافي الرداء إذا تبسم ضاحكا. (وَهُمْ ظالِمُونَ) في حال التباسهم بالظلم، كقوله: (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ) [النحل: ٢٨] نعوذ بالله من مفاجأة النقمة والموت على الغفلة. وقرئ: (وَالْخَوْفِ) عطفاً على اللباس، أو على تقدير حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه. أصله: ولباس الخوف. وقرئ: (لباس الخوف والجوع).
[(فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ* إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)].
لما وعظهم بما ذكر من حال القرية وما أوتيت به من كفرها وسوء صنيعها،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الجوهري: الاعتجار: لف العمامة على الرأس. قال الراجز:
جاءت به معتجراً ببرده
يقول: يجاذبني سيفي عبد عمرو، يريد أن يأخذه مني، فقلت: رويدك! فلي النصف الأعلى منه الذي هو في يميني، وخُذ أنت النصف الأخير منه، فلف على راسك. ومثله قول الآخر:
تقاسمهم أسيافنا شر قسمة … ففينا غواشيها وفيهم صدورها
قوله: (ضافي الرداء)، أي: سابغه.
قوله: (وما أوتيت به من كفرها)، أي: أهلكت، الضمير في (به) للموصول، يقال: أتى عليهم الدهر، أي: اهلكهم وأفناهم، وأصله من إتيان العدو.
стр. 4577
وصل بذلك بالفاء في قوله: (فَكُلُوا)؛ صدّهم عن أفعال الجاهلية ومذاهبهم الفاسدة التي كانوا عليها، بأن أمرهم بأكل ما رزقهم الله من الحلال الطيب، وشكر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وصل بذلك بالفاء في قوله: (فَكُلُوا) صدهم عن أفعال الجاهلية ومذاهبهم الفاسدة)، بيان لربط الآيات من لدن مفتتح السورة، ولقد أسلفنا أن هذه السورة في بيان سوء أفعال قريش وقبائحهم، وفي تذكارهم ما خول الله لهم من أنواع النعم، وفي إنذارهم بنقم الله، وما حل بمن سبق من الأمم الخالية، ولما عدد عليهم النعم المتكاثرة من ذكر الأنعام وفوائدها وثمرات النخيل ومنافع ما يصل إليهم من النحل، وأنذرهم بأنواع من النذر، ثم نعى عليهم ما كانوا يفترون على الله من اتخاذ البنات، وقال: (وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمْ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمْ الْحُسْنَى) [النحل: ٦٢]، وأراد أن يذكر نوعاً آخر من أفعالهم، وهو تحليلهم بأهوائهم ما حرم الله من أكل الميتة والدم ولحم الخنزير، وتحريمهم ما أحله الله من البحائر والسوائب والوصائل والحام، وقولهم: (مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا) [الأنعام: ١٣٩]، عقب ذلك ضرب المثل بقوله: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً) الآية، ليكون التخلص إلى قوله: (فَكُلُوا)، فردف بقوله: (وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمْ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ)، ويدل عليه تكرير قوله: (تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمْ الْكَذِبَ).
فظهر من هذا التقرير أن المأمور به هو ما عدد الله من أول السورة من المأكول والمشروب. أما المأكول فمنها قوله: (وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ) إلى (وَمِنْهَا تَاكُلُونَ) [النحل: ٥] ومنها قوله: (يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ) [النحل: ١١]، ومنها قوله: (وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَاكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً) [النحل: ١٤]، وأما المشروب فمنها قوله: (أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ) [النحل: ١٠]، ومنها قوله: (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ) [النحل: ٦٦]،
стр. 4578
إنعامه بذلك، وقال: (إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) يعنى: تطيعون. أو إن صحّ زعمكم أنكم تعبدون الله بعبادة الآلهة، لأنها شفعاؤكم عنده. ثم عدد عليهم محرمات الله، ونهاهم عن تحريمهم وتحليلهم بأهوائهم وجهالاتهم، دون اتباع ما شرع الله على لسان أنبيائه.
[(وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ* مَتاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ)].
وانتصاب (الْكَذِبَ) بـ (لا تقولوا)، على: ولا تقولوا الكذب لما تصفه ألسنتكم من البهائم بالحل والحرمة في قولكم: (ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا) من غير استناد ذلك الوصف إلى وحى من الله أو إلى قياس مستند إليه. واللام مثلها في قولك: ولا تقولوا لما أحل الله هو حرام. وقوله: (هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ) بدل من (الكذب). ويجوز أن يتعلق بـ (تصف) على إرادة القول، أى: ولا تقولوا الكذب لما تصفه ألسنتكم، فتقول: هذا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ومنها: (وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً) [النحل: ٦٧]، ومنها: (يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ) [النحل: ٦٩]، والله أعلم.
قوله: (أو إن صح زعمكم أنكم تعبدون الله)، يعني: جاءت الشرطية مؤكدة للكلام، فإما أن تُحمل العبادة على الطاعة ليطابق الأمر، وهو: (فَكُلُوا)، أو أن تُجرى على حقيقتها، لكن على الزعم الكاذب.
قوله: (وانتصاب "الكذب" بـ (لا تَقُولُوا))، وهو يحتمل أن يكون مفعولاً به، وأن يكون مفعولاً مطلقاً، وقد مضى عن ابن الحاجب أن مثل هذا يبتني على أن القول يتعدى أو لا يتعدى، ففيه قولان: فإن تعدى فهو مفعول به، وإلا فمفعول مطلق.
قوله: (ويجوز أن يتعلق- أي: (هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ) - بـ (تَصِفُ) على إرادة القول)،
стр. 4579
حلال وهذا حرام. ولك أن تنصب (الكذب) بـ (تصف)، وتجعل «ما» مصدرية، وتعلق (هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ) بـ (لا تقولوا)، على: ولا تقولوا: هذا حلال وهذا حرام؛ لوصف ألسنتكم الكذب، أى: لا تحرموا ولا تحللوا لأجل قول تنطق به ألسنتكم ويجول في أفواهكم، لا لأجل حجة وبينة، ولكن قول ساذج ودعوى فارغة. فإن قلت: ما معنى وصف ألسنتهم الكذب؟ قلت: هو من فصيح الكلام وبليغه، جعل قولهم كأنه عين الكذب ومحضه، فإذا نطقت به ألسنتهم فقد حلت الكذب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فالفاء في: "فتقول" في الكتاب كالفاء في قوله: (فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ) [البقرة: ٥٤].
قوله: (ولك أن تنصب (الْكَذِبَ) بـ (تَصِفُ)، عطف على قوله: "وانتصاب الكذب بـ (لا تَقُولُوا) "، و (مَا): مصدرية، واللام بمعنى: لأجل، وعلى الأول موصولة، واللام صلة لقوله: (لا تَقُولُوا).
قوله: (جعل قولهم كأنه عينُ الكذب ومحضه)، قال الإمام والقاضي: كأن ماهية الكذب وحقيقته مجهولة، وكلامهم يكشف عن حقيقة الكذب ويوضح ماهيته، أراد أن قوله: (تَصِفُ) بمعنى: توضح وتبين؛ لأن بعض الصفات بمنزلة الكاشف عن المحدود، والتعريف في الكذب للجنس، فكأن ألسنتهم إذا أخذت في النطق وصفت ذلك الجنس وكشفت عن حقيقته، عليه قول أبي العلاء:
سرى برق المعرة بعد وهن … فبات برامة يصف الكلالا
هذا، وأما ما عليه ظاهر كلام المصنف، فهو أن أصل الكلام لا تقولوا: هذا حلال وهذا حرامٌ، لأجل قولكم الكذب. فالقول وصف بالكذب في قوله: "لأجل قول تنطق به ألسنتكم" ليؤذن بأن ذلك تفوه وتقول من غير تحقيق، كقوله: (ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ) [الأحزاب: ٤]، وإليه الإشارة بقوله "لا لأجل حجة وبينة"، ثم زيد في المبالغة بأن قيل: (تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمْ الْكَذِبَ) ليُعلم أن قولهم- لكثرة اتصافه بالكذب- صار بمنزلة
стр. 4580
بحليته وصوّرته بصورته، كقولهم: ووجهها يصف الجمال. وعينها تصف السحر، وقرئ: «الكذب» بالجرّ صفة لـ (ما) المصدرية، كأنه قيل: لوصفها الكذب، بمعنى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الواصف له، فإذا نطقت ألسنتهم بالكذب، فقد حلت الكذب بحليته، ونحوه في المبالغة: نهاره صائم وليله قائم، فوصف اليوم الذي يصوم فيه هذا الشخص بصفته، لكثرة صدور هذا الفعل فيه، ولذلك وجهها كان موصوفاً بالجمال الفائق، ثم صار حقيقة الجمال ومنبعه، بحيث هو الذي يصف الجمال، كقول القائل:
أضحت يمينك من جود مصورة … لا بل يمينك منها صورة الجود
فالأسلوب من الإسناد المجازي. أو تقول: إن وجهها يصف الجمال بلسان الحال، على الاستعارة المكنية، بأن تقول: إنما بي من الشكل والغنج والدلال والملاحة، هو الجمال بعينه، وقريب منه:
وبي ظبي أنس كمل الله حسنه … وقال لأبصار الخلائق عوذي
وعن بعضهم: يعني وجهه يذكر ويظهر فيه شيئاً فيه الجمال، وهو الملاحة التي هي سبب الجمال.
قوله: (صفة لـ"ما" المصدرية)، وهي حرف، والحروف لا توصف، والمراد وصف "ما" مع مدخولها، وهو وصف ألسنتكم، ويُعلم منه أن "ما" مع ما بعدها معرفة؛ لأنها شبيهة بـ"أن" المصدرية وهي حرف والحروف لا توصف، وهي مع ما بعدها معرفة. قال أبو البقاء في قوله تعالى: (وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا): الجمهور على فتح اللام على أن اسم "كان" ما بعد "غلا"، وهو أقوى من أن يُجعل خبراً، والأول اسماً؛ لأن (أَنْ قَالُوا) يُشبه
стр. 4581
الكاذب، كقوله تعالى: (بدَمٍ كَذِبٍ) [يوسف: ١٨] والمراد بالوصف: وصفها البهائم بالحل والحرمة. وقرئ: «الكذب» جمع كذوب بالرفع، صفة للألسنة، وبالنصب على الشتم. أو بمعنى: الكلم الكواذب، أو هو جمع الكذاب من قولك: كذب كذابا، ذكره ابن جني. واللام في (لِتَفْتَرُوا) من التعليل الذي لا يتضمن معنى الغرض. (مَتاعٌ قَلِيلٌ) خبر مبتدأ محذوف، أى منفعتهم فيما هم عليه من أفعال الجاهلية منفعة قليلة وعقابها عظيم.
[(وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المضمر في أنه لا يوصف وهو أعرف، وذهب هنا إلى أن الكذب: بدل من "ما"، سواء جعلتها مصدرية أو بمعنى "الذي". وكذا عن ابن جني.
قوله: ((بِدَمٍ كَذِبٍ) [يوسف: ١٨]، قال أي: ذي كذب، أو وصفٌ بالمصدر مبالغة، كأنه نفس الكذب.
قوله: (أو هو جمع الكذاب)، قال أبو البقاء: ويقرأ بضم الكاف والذال وفتح الباء، وهو جمع كذاب، بالتخفيف، مثل: كتاب وكتب، وهو مصدرٌ. وهي معنى قراءة من قرأ بفتح الكاف والباء وكسر الذال، وهو منصوب بـ (تَصِفُ) و"ما" مصدرية.
قوله: (ذكره ابن جني)، وعن بعضهم: ابن جنين بسكون الياء، وليست بياء النسب، وهو في الأصل ك ني فعُرب وبُني بالسكون، وكذا وجدت بخط مولاي بهاء الدين القاشي ﵀.
قوله: (من التعليل الذي لا يتضمن معنى الغرض)، فيكون للعاقبة والصيرورة.
стр. 4582
(ما قَصَصْنا عَلَيْكَ) يعني: في سورة الأنعام.
[(ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ)].
(بِجَهالَةٍ) في موضع الحال، أى: عملوا السوء جاهلين غير عارفين بالله وبعقابه، أو: غير متدبرين للعاقبة؛ لغلبة الشهوة عليهم (مِنْ بَعْدِها) من بعد التوبة.
[(إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ* شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ* وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ)].
(كانَ أُمَّةً) فيه وجهان، أحدهما: أنه كان وحده أمّة من الأمم لكماله في جميع صفات الخير، كقوله:
وَلَيْسَ عَلَى اللَّهِ بِمُسْتَنْكَرٍ … أنْ يَجْمَعَ الْعَالَمَ فِى وَاحِدِ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (يعني: في سورة الأنعام)، أي: قوله: (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ) [الأنعام: ١٤٦] الآية، واتصال هذه بما قبلها كاتصالها به، وسيجيء بيان الربط إن شاء الله.
قوله: (ليس من الله بمستنكر) البيت، يروى "لله"، يعني: أن الله تعالى قادرٌ على أن يجمع في واحد ما في اناس من معاني الفضل والكمال.
стр. 4583
وعن مجاهد: كان مؤمناً وحده والناس كلهم كفار. والثاني: أن يكون (أمّة) بمعنى: مأموم، أي: يؤمّه الناس؛ ليأخذوا منه الخير، أو بمعنى: مؤتم به كالرحلة والنخبة، وما أشبه ذلك مما جاء من فعلة بمعنى مفعول، فيكون مثل قوله: (قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً) وروى الشعبي عن فروة بن نوفل الأشجعى عن ابن مسعود أنه قال: إنّ معاذاً كان أمّة قانتاً لله، فقلت: غلطت، إنما هو إبراهيم. فقال: الأمّة: الذي يعلم الخير. والقانت: المطيع لله ورسوله، وكان معاذ كذلك. وعن عمر ﵁ أنه قال حين قيل له: ألا تستخلف؟ -: لو كان أبو عبيدة حياً لاستخلفته، ولو كان معاذ حيا لاستخلفته. ولو كان سالم حيا لاستخلفته فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (بمعنى: مأموم)، أي: مقصود، "يؤمه الناس" أي: يقصدونه ليأخذوا منه الخير.
الجوهري: الأم، بالفتح: القصد. يقال: أمه وأممه وتأممه؛ إذا قصده.
قوله: (أو بمعنى: مؤتم به)، الجوهري: أممت القوم في الصلاة إمامة، وائتم به، أي: اقتدى به.
قوله: (كالرحلة النخبة)، الجوهري: الرحلة بالضم: الوجه الذي يريده، يقال: أنتم رحلتي، أي: الذين أرتحل إليهم، والانتخاب: الاختيار، والنخبة مثل النجبة، يقال: جاءني في نجب من أصحابه، أي: خيارهم.
قوله: (وروى الشعبي عن فروة بن نوفل)، الحديث بتمامه روى قريباً منه ابن عبد البر في "الاستيعاب".
قوله: (ولو كان سالمٌ حياً لاستخلفته)، وفي "الكامل" لابن الأثير: أن عمر ﵁ قيل له لو استخلفت؟ قال: لو كان أبو عبيدة حياً لاستخلفته، وقلت لربي إن سألني:
стр. 4584
«أبو عبيدة أمين هذه الأمّة، ومعاذ أمّة قانت لله، ليس بينه وبين الله يوم القيامة إلا المرسلون، وسالم شديد الحب لله، لو كان لا يخاف الله لم يعصه. وهو ذلك المعنى، أي: كان إماما في الدين، لأنّ الأئمة معلمو الخير. والقانت: القائم بما أمره الله. والحنيف: المائل إلى ملة الإسلام غير الزائل عنه. ونفى عنه الشرك تكذيبا لكفار
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سمعت نبيك يقول: "إنه أمين هذه الأمة"، ولو كان سالمٌ مولى أبي حذيفة حيا لاستخلفته، وقلت لربي إن سألني: سمعت نبيك يقول: "إن سالماً شديدُ الحب لله"، ولم يذكر فيه حديث معاذ.
وهذا مؤولٌ لما ذكر في "الاستيعاب"، عن عمر أنه قال: لو كان سالمٌ ما جعلته شورى، وذلك بعد أن طُعن، وهذا عندي أنه كان يصدر فيها عن رأيه، يريد أنه لم يكن ممن يستحق الخلافة؛ لأن الأئمة من قريش، وسالمٌ كان مولى.
قوله: (أبو عبيدة أمين هذه الأمة)، روينا عن البخاري ومسلم والترمذي، عن أنس، أن رسول الله ﷺ قال: "إن لكل أمة أميناً، وأمينُ هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح".
قوله: (وهو ذلك المعنى)، أي: قول عمر ﵁: "ومعاذ أمة، قانت لله، ليس بينه وبين الله يوم القيامة إلا المرسلون"، ذلك المعنى الذي قاله ابن مسعود، وهو الأمة الذي يُعلم الخير.
قوله: (والقانت: القائم بما أمره الله)، الراغب: القنوت: لزوم الطاعة مع الخضوع، وفُسر بكل واحد منهما في قوله: (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) [البقرة: ٢٣٨]، وقوله تعالى: (كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ) [البقرة: ١١٦] قيل: خاضعون، وقيل: طائعون، وقيل: ساكنون، ولم يعن به كل السكوت، وإنما عني به ما قال ﷺ : "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين، وإنما هي
стр. 4585
قريش في زعمهم أنهم على ملة أبيهم إبراهيم. (شاكِراً لِأَنْعُمِه) روى: أنه كان لا يتغدّى إلا مع ضيف، فلم يجد ذات يوم ضيفاً، فأخر غداءه، فإذا هو بفوج من الملائكة في صورة البشر، فدعاهم إلى الطعام فخيلوا له أنّ بهم جذاماً؟ فقال: الآن وجبت مواكلتكم شكراً لله على أنه عافاني وابتلاكم (اجْتَباهُ): اختصه واصطفاه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قرآن وتسبيح"، وعلى هذا سُل: أي الصلاة أفضل؟ فقال: "طول القنوت"، أي: الاشتغال بالعبادة ورفض كل ما سواه، وقال تعالى: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً).
قوله: (الآن وجبت مؤاكلتكم شُكراً لله تعالى)، يعني: إنما يصح الشكر في المؤاكلة إذا كان فيها التكلف والمشقة، ولا شك أن المؤاكلة مع المجذوم مما يتقزز منه الناس وتنفر منه النفس.
قوله: ((اجْتَبَاهُ): اختصه)، قال الراغب: جببت الماء في الحوض: جمعته، والاجتباء: الجمعُ على سبيل الاصطفاء، واجتباء العبد: تخصيصه إياه بفيض إلهي، يتحصل له منه أنواعٌ من النعم بلا سعي من العبد، وذلك للأنبياء ومن يقاربهم من الصديقين والشهداء، قال تعالى: (يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ) [الشورى: ١٣].
стр. 4586
للنبوّة، (وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيم) إلى ملة الإسلام. (حَسَنَةً) عن قتادة: هي تنوبه الله بذكره، حتى ليس من أهل دين إلا وهم يتولونه. وقيل: الأموال والأولاد، وقيل: قول المصلى منا: كما صليت على إبراهيم (لَمِنَ الصَّالِحِينَ) لمن أهل الجنة.
[(ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)].
(ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ) في «ثم» هذه ما فيها من تعظيم منزلة رسول الله» ﷺ ، وإجلال محله، والإيذان بأنّ أشرف ما أوتى خليل الله إبراهيم من الكرامة، وأجلّ ما أولى من النعمة: اتباع رسول الله ﷺ ملته، من قبل أنها دلت على تباعد هذا النعت في المرتبة من بين سائر النعوت التي أثنى الله عليه بها.
[(إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ)].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (هي تنويه الله بذكره)، وهو من إضافة المصدر إلى الفاعل، ناه ينوه: إذا ارتفع، ونوهته تنويها: إذا رفعته، ونوهت باسمه: إذا رفعت بذكره.
قوله: (في (ثُمَّ) هذه ما فيها)، إبهامية، نحوها في قوله: (فَغَشِيَهُمْ مِنْ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ) [طه: ٧٨]، وفيها تكرير للظرف، نحو قولهم: فيك زيدٌ راغبٌ فيك، أي: حصل من إتيان (ثم) التي تُعطي معنى التراخي في علو الرتبة مجازاً، تعظيم منزلة رسول الله ﷺ ، وإيذان أن أشرف ما أوتي خليل الله اتباع رسول الله ملته، يعني: لما أُمر حبيب الله باتباع ملة خليل الله حصلت لخليل الله منزلة عالية لا يُدانيها ما وُصف به من ابتداء قوله: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً) إلى هنا.
قال صاحب "الانتصاف": كأنه قال: وههنا ما هو أعلى من ذلك قدراً ورتبة، وهو أن سيد البشر مأمور بالوحي باتباعه، ونصيب النبي ﷺ في هذا التعظيم أوفر وأكبر.
стр. 4587
(السَّبْتُ) مصدر سبتت اليهود؛ إذا عظمت سبتها. والمعنى: إنما جعل وبال السبت؛ وهو المسخ (عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ) واختلافهم فيه: أنهم أحلوا الصيد فيه تارة وحرّموه تارة، وكان الواجب عليهم أن يتفقوا في تحريمه على كلمة واحدة بعد ما حتم الله عليهم الصبر عن الصيد فيه وتعظيمه. والمعنى في ذكر ذلك، نحو المعنى في ضرب القرية التي كفرت بأنعم الله مثلا، وغير ما ذكر، وهو الإنذار من سخط الله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وبالُ السبت)، أي: وبالُ ترك تعظيم السبت. قال محيي السنة: قيل: معناه إنما جُعل السبتُ لعنةً على الذين اختلفوا فيه، أي: خالفوا فيه، وقيل: معناه: ما فرض الله تعظيم السبت إلا على الذين اختلفوا فيه.
قوله: (والمعنى في ذكر ذلك نحو المعنى في ضرب القرية التي كفرت بأنعم الله مثلاً وغير ما ذُكر)، عطفٌ على أنعم الله، أي: كفرتُ بأنعمِ الله وبغيرِ أنعم الله، ويأباهُ بيان غير ما ذُكر بقوله: "وهو الإنذار من سخط الله" إلى آخره؛ لأن مثل هذا الإنذار من أجل النعم. ويُمكنُ أن يقال: إنه عطفٌ على قوله: "في ضربِ القرية" من حيث المعنى، يريد: المعنى في ذكر هذه الآية نحو المعنى المذكور في قوله: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً) الآية، وهو الاعتبار، وإيتاء النعمة والأمن والاطمئنان وكُفرانها، ثم استئصالها في الدنيا، ونحو غير ما ذُكر فيه، وهو أن أهل هذه القرية أنذرتهم أنبياؤهم بأن يُعظموا أمر السبت ولا يتعرضوا لسخط الله بهتك حرمته، فخالفوهم وخلعوا ربقة الطاعة عن أعناقهم، فيجبُ أن يقدر فيها هذا المعنى لكون الآيتين واردتين في الفريقين من المشركين واليهود، بعدما نعى عليهما تحريم ما أحله الله وتحليل ما حرمه، وبعدما أُنذروا وكفروا بنعم الله وادعوا أنهم متبعون ملة إبراهيم، فكُذبوا بقوله: إن إبراهيم ﵇ كان حنيفاً وشاكراً، وهؤلاء مشركون يعبدون من دون الله، واليهود يكفرون نعمه، ولم يكن متابعاً له إلا هذا النبي كما قال: (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ) [آل عمران: ٦٨].
стр. 4588
على العصاة والمخالفين لأوامره والخالعين ربقة طاعته. فإن قلت: ما معنى الحكم بينهم إذا كانوا جميعاً محلين أو محرّمين؟ قلت: معناه أنه يجازيهم جزاء اختلاف فعلهم في كونهم محلين تارة ومحرّمين أخرى ووجه آخر: وهو أنّ موسى ﵇ أمرهم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فما معنى الحُكم بينهم؟ )، يعني: إنما يحسنُ إطلاقُ الاختلافِ والحكمُ بين الفريقين إذا وقع التنازعُ بينهم، بأن كان بعضهم مُحلين، وبعضهم محرمين. وأما إذا كانوا جميعاً محلين تارة، ومحرمين أخرى، فلا يقع التنازع والاختلاف، فما معنى قوله تعالى: (لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ)؟ ووجه الجواب أن الاختلاف ما يقع بين المتنازعين، يقع أيضاً بين فعلين وإن لم يقع التنازع بين القوم.
قوله: (ووجه آخرُ، وهو أن موسى ﵇ أمرهم)، إلى آخره، هذا الوجه رواه الإمام عن ابن عباس، وقال: معنى "اختلفوا على نبيهم" حيثُ أمرهم بالجمعة فاختاروا السبت، لأن اختلافهم في السبت كان اختلافهم على نبيهم في ذلك اليوم.
وينصر هذا التأويل، ما رواه البخاري ومسلم وابن ماجه والنسائي، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "نحنُ الآخرونَ السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، ثُمّ هذا يومهم الذي فُرض عليهم، يعني: الجمعة، فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، وأضل الناس عنه، فالناس لنا فيه تبع، اليهود يوم السبت، والنصارى يوم الأحد، إن فيه لساعة لا يوافقها مؤمن يُصلي يسأل الله شيئاً إلا أعطاه".
стр. 4589
أن يجعلوا في الأسبوع يوما للعبادة، وأن يكون يوم الجمعة، فأبوا عليه وقالوا: نريد اليوم الذي فرغ الله فيه من خلق السموات والأرض؛ وهو السبت، إلا شر ذمة منهم قد رضوا بالجمعة، فهذا اختلافهم في السبت؛ لأن بعضهم اختاره وبعضهم اختار عليه الجمعة، فأذن الله لهم في السبت وابتلاهم بتحريم الصيد فيه، فأطاع أمر الله الراضون بالجمعة، فكانوا لا يصيدون فيه، وأعقابهم لم يصبروا عن الصيد فمسخهم الله دون أولئك، وهو يحكم (بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ) فيجازى كل واحد من الفريقين بما يستوجبه. ومعنى (جعل السبت): فرض عليهم تعظيمه وترك الاصطياد فيه. وقرئ: إنما جعل السبت، على البناء للفاعل. وقرأ عبد الله: (إنا أنزلنا السبت).
[(ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)].
(إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ): إلى الإسلام (بِالْحِكْمَةِ): بالمقالة المحكمة الصحيحة، وهي الدليل الموضح للحق المزيل للشبهة (وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) وهي التي لا يخفى عليهم أنك تناصحهم بها وتقصد ما ينفعهم فيها. ويجوز أن يريد القرآن، أي: ادعهم بالكتاب الذي هو حكمة وموعظة حسنة، (وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ): بالطريقة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقال الإمام: إنهُ تعالى أمر محمداً صلوات الله عليه بمتابعة إبراهيم ﵇، وهذه المتابعة إنما تحصلُ إذا قلنا: إن إبراهيم ﵇ قد اختار يوم الجمعة. وعند هذا للسائل أن يسأل: فلم اختار اليهود السبت؟ فأجيب: (إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ).
قوله: (ومعنى (جُعِلَ السَّبْتُ): فُرض عليهم تعظيمه)، فعلى هذا ضمن (جُعِلَ) معنى: فُرض، فأوجب باستعانة (عَلَى)، وعلى الوجه الأول قدر مضافاً لتعلق الجار به، وهو قوله: "جُعِلَ وبالُ السبت على الذين اختلفوا فيه".
стр. 4590
التي هي أحسن طرق المجادلة من الرفق واللين، من غير فظاظة ولا تعنيف (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ) بهم، فمن كان فيه خير كفاه الوعظ القليل والنصيحة اليسيرة، ومن لا خير فيه عجزت عنه الحيل، وكأنك تضرب منه في حديد بارد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ)، إلى آخره، وضع المُضمر موضع قوله: (مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)، ثم فصله بفحوى القرينتين، ليؤذن بان المدعو في قوله: (إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ) عام، وكذلك المجادل في قوله: (وَجَادِلْهُمْ)، كأنه تعالى يسليه صلوات الله عليه وسلامه على إذهاب نفسه حسراتٍ على إيمان القوم، أي: ما عليك إلا الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة على طريق اللين. وأما الهداية والإيمان فلا عليك. وأشار إلى التسلية بالإياس في قوله: "وكأنك تضربُ منه في حديد بارد"، وإنما قدم في التنزيل ذكر الضالين؛ لأن الكلام فيهم، وبه تقع التسلية، وأخره المصنف بناء على قضية النظم ظاهراً، ثُم إنه صلوات الله عليه لما جد في الإبلاغ، وبالغ فيه وفي مجادلتهم حرصاً منه على إيمانهم، وظناً منه أنه المسيطر على الكل، والقادر على إيجاد الهداية فيهم، أُمر بالدعوة إلى الله بالحكمة والمجادلة باللين والرفق، وعلل الأمرين بقوله: (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ)، وكرر العلم، أي: ما عليك إلا البلاغ بالحكمة والمجادلة باللين، فمن علم الله فيه خيراً كفاه ذلك البلاغُ، ومن عَلِمَ أنه لا خير فيه، لا تُجديه تلك المبالغة.
قوله: (كأنك تضرب منه في حديد بارد)، قال الميداني: هذا مثل يُضربُ لمن طمع في غير مطمع. قال الشاعر:
فإذا تساعدت النفوس على الهوى … فالخلقُ يضرب في حديد بارد
(مِن) فيقوله: "مِنهُ": تجريدية؛ لأنه جرد منه مثل الديد البارد، و"في حديد" كـ"في" في قوله تعالى: (وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي) [الأحقاف: ١٥].
следующие страницы →