Полный текст (9 345 стр.). Показаны 4586–4625 · переход к 4591.
стр. 4586
للنبوّة، (وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيم) إلى ملة الإسلام. (حَسَنَةً) عن قتادة: هي تنوبه الله بذكره، حتى ليس من أهل دين إلا وهم يتولونه. وقيل: الأموال والأولاد، وقيل: قول المصلى منا: كما صليت على إبراهيم (لَمِنَ الصَّالِحِينَ) لمن أهل الجنة.
[(ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)].
(ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ) في «ثم» هذه ما فيها من تعظيم منزلة رسول الله» ﷺ ، وإجلال محله، والإيذان بأنّ أشرف ما أوتى خليل الله إبراهيم من الكرامة، وأجلّ ما أولى من النعمة: اتباع رسول الله ﷺ ملته، من قبل أنها دلت على تباعد هذا النعت في المرتبة من بين سائر النعوت التي أثنى الله عليه بها.
[(إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ)].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (هي تنويه الله بذكره)، وهو من إضافة المصدر إلى الفاعل، ناه ينوه: إذا ارتفع، ونوهته تنويها: إذا رفعته، ونوهت باسمه: إذا رفعت بذكره.
قوله: (في (ثُمَّ) هذه ما فيها)، إبهامية، نحوها في قوله: (فَغَشِيَهُمْ مِنْ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ) [طه: ٧٨]، وفيها تكرير للظرف، نحو قولهم: فيك زيدٌ راغبٌ فيك، أي: حصل من إتيان (ثم) التي تُعطي معنى التراخي في علو الرتبة مجازاً، تعظيم منزلة رسول الله ﷺ ، وإيذان أن أشرف ما أوتي خليل الله اتباع رسول الله ملته، يعني: لما أُمر حبيب الله باتباع ملة خليل الله حصلت لخليل الله منزلة عالية لا يُدانيها ما وُصف به من ابتداء قوله: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً) إلى هنا.
قال صاحب "الانتصاف": كأنه قال: وههنا ما هو أعلى من ذلك قدراً ورتبة، وهو أن سيد البشر مأمور بالوحي باتباعه، ونصيب النبي ﷺ في هذا التعظيم أوفر وأكبر.
стр. 4587
(السَّبْتُ) مصدر سبتت اليهود؛ إذا عظمت سبتها. والمعنى: إنما جعل وبال السبت؛ وهو المسخ (عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ) واختلافهم فيه: أنهم أحلوا الصيد فيه تارة وحرّموه تارة، وكان الواجب عليهم أن يتفقوا في تحريمه على كلمة واحدة بعد ما حتم الله عليهم الصبر عن الصيد فيه وتعظيمه. والمعنى في ذكر ذلك، نحو المعنى في ضرب القرية التي كفرت بأنعم الله مثلا، وغير ما ذكر، وهو الإنذار من سخط الله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وبالُ السبت)، أي: وبالُ ترك تعظيم السبت. قال محيي السنة: قيل: معناه إنما جُعل السبتُ لعنةً على الذين اختلفوا فيه، أي: خالفوا فيه، وقيل: معناه: ما فرض الله تعظيم السبت إلا على الذين اختلفوا فيه.
قوله: (والمعنى في ذكر ذلك نحو المعنى في ضرب القرية التي كفرت بأنعم الله مثلاً وغير ما ذُكر)، عطفٌ على أنعم الله، أي: كفرتُ بأنعمِ الله وبغيرِ أنعم الله، ويأباهُ بيان غير ما ذُكر بقوله: "وهو الإنذار من سخط الله" إلى آخره؛ لأن مثل هذا الإنذار من أجل النعم. ويُمكنُ أن يقال: إنه عطفٌ على قوله: "في ضربِ القرية" من حيث المعنى، يريد: المعنى في ذكر هذه الآية نحو المعنى المذكور في قوله: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً) الآية، وهو الاعتبار، وإيتاء النعمة والأمن والاطمئنان وكُفرانها، ثم استئصالها في الدنيا، ونحو غير ما ذُكر فيه، وهو أن أهل هذه القرية أنذرتهم أنبياؤهم بأن يُعظموا أمر السبت ولا يتعرضوا لسخط الله بهتك حرمته، فخالفوهم وخلعوا ربقة الطاعة عن أعناقهم، فيجبُ أن يقدر فيها هذا المعنى لكون الآيتين واردتين في الفريقين من المشركين واليهود، بعدما نعى عليهما تحريم ما أحله الله وتحليل ما حرمه، وبعدما أُنذروا وكفروا بنعم الله وادعوا أنهم متبعون ملة إبراهيم، فكُذبوا بقوله: إن إبراهيم ﵇ كان حنيفاً وشاكراً، وهؤلاء مشركون يعبدون من دون الله، واليهود يكفرون نعمه، ولم يكن متابعاً له إلا هذا النبي كما قال: (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ) [آل عمران: ٦٨].
стр. 4588
على العصاة والمخالفين لأوامره والخالعين ربقة طاعته. فإن قلت: ما معنى الحكم بينهم إذا كانوا جميعاً محلين أو محرّمين؟ قلت: معناه أنه يجازيهم جزاء اختلاف فعلهم في كونهم محلين تارة ومحرّمين أخرى ووجه آخر: وهو أنّ موسى ﵇ أمرهم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فما معنى الحُكم بينهم؟ )، يعني: إنما يحسنُ إطلاقُ الاختلافِ والحكمُ بين الفريقين إذا وقع التنازعُ بينهم، بأن كان بعضهم مُحلين، وبعضهم محرمين. وأما إذا كانوا جميعاً محلين تارة، ومحرمين أخرى، فلا يقع التنازع والاختلاف، فما معنى قوله تعالى: (لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ)؟ ووجه الجواب أن الاختلاف ما يقع بين المتنازعين، يقع أيضاً بين فعلين وإن لم يقع التنازع بين القوم.
قوله: (ووجه آخرُ، وهو أن موسى ﵇ أمرهم)، إلى آخره، هذا الوجه رواه الإمام عن ابن عباس، وقال: معنى "اختلفوا على نبيهم" حيثُ أمرهم بالجمعة فاختاروا السبت، لأن اختلافهم في السبت كان اختلافهم على نبيهم في ذلك اليوم.
وينصر هذا التأويل، ما رواه البخاري ومسلم وابن ماجه والنسائي، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "نحنُ الآخرونَ السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، ثُمّ هذا يومهم الذي فُرض عليهم، يعني: الجمعة، فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، وأضل الناس عنه، فالناس لنا فيه تبع، اليهود يوم السبت، والنصارى يوم الأحد، إن فيه لساعة لا يوافقها مؤمن يُصلي يسأل الله شيئاً إلا أعطاه".
стр. 4589
أن يجعلوا في الأسبوع يوما للعبادة، وأن يكون يوم الجمعة، فأبوا عليه وقالوا: نريد اليوم الذي فرغ الله فيه من خلق السموات والأرض؛ وهو السبت، إلا شر ذمة منهم قد رضوا بالجمعة، فهذا اختلافهم في السبت؛ لأن بعضهم اختاره وبعضهم اختار عليه الجمعة، فأذن الله لهم في السبت وابتلاهم بتحريم الصيد فيه، فأطاع أمر الله الراضون بالجمعة، فكانوا لا يصيدون فيه، وأعقابهم لم يصبروا عن الصيد فمسخهم الله دون أولئك، وهو يحكم (بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ) فيجازى كل واحد من الفريقين بما يستوجبه. ومعنى (جعل السبت): فرض عليهم تعظيمه وترك الاصطياد فيه. وقرئ: إنما جعل السبت، على البناء للفاعل. وقرأ عبد الله: (إنا أنزلنا السبت).
[(ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)].
(إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ): إلى الإسلام (بِالْحِكْمَةِ): بالمقالة المحكمة الصحيحة، وهي الدليل الموضح للحق المزيل للشبهة (وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) وهي التي لا يخفى عليهم أنك تناصحهم بها وتقصد ما ينفعهم فيها. ويجوز أن يريد القرآن، أي: ادعهم بالكتاب الذي هو حكمة وموعظة حسنة، (وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ): بالطريقة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقال الإمام: إنهُ تعالى أمر محمداً صلوات الله عليه بمتابعة إبراهيم ﵇، وهذه المتابعة إنما تحصلُ إذا قلنا: إن إبراهيم ﵇ قد اختار يوم الجمعة. وعند هذا للسائل أن يسأل: فلم اختار اليهود السبت؟ فأجيب: (إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ).
قوله: (ومعنى (جُعِلَ السَّبْتُ): فُرض عليهم تعظيمه)، فعلى هذا ضمن (جُعِلَ) معنى: فُرض، فأوجب باستعانة (عَلَى)، وعلى الوجه الأول قدر مضافاً لتعلق الجار به، وهو قوله: "جُعِلَ وبالُ السبت على الذين اختلفوا فيه".
стр. 4590
التي هي أحسن طرق المجادلة من الرفق واللين، من غير فظاظة ولا تعنيف (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ) بهم، فمن كان فيه خير كفاه الوعظ القليل والنصيحة اليسيرة، ومن لا خير فيه عجزت عنه الحيل، وكأنك تضرب منه في حديد بارد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ)، إلى آخره، وضع المُضمر موضع قوله: (مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)، ثم فصله بفحوى القرينتين، ليؤذن بان المدعو في قوله: (إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ) عام، وكذلك المجادل في قوله: (وَجَادِلْهُمْ)، كأنه تعالى يسليه صلوات الله عليه وسلامه على إذهاب نفسه حسراتٍ على إيمان القوم، أي: ما عليك إلا الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة على طريق اللين. وأما الهداية والإيمان فلا عليك. وأشار إلى التسلية بالإياس في قوله: "وكأنك تضربُ منه في حديد بارد"، وإنما قدم في التنزيل ذكر الضالين؛ لأن الكلام فيهم، وبه تقع التسلية، وأخره المصنف بناء على قضية النظم ظاهراً، ثُم إنه صلوات الله عليه لما جد في الإبلاغ، وبالغ فيه وفي مجادلتهم حرصاً منه على إيمانهم، وظناً منه أنه المسيطر على الكل، والقادر على إيجاد الهداية فيهم، أُمر بالدعوة إلى الله بالحكمة والمجادلة باللين والرفق، وعلل الأمرين بقوله: (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ)، وكرر العلم، أي: ما عليك إلا البلاغ بالحكمة والمجادلة باللين، فمن علم الله فيه خيراً كفاه ذلك البلاغُ، ومن عَلِمَ أنه لا خير فيه، لا تُجديه تلك المبالغة.
قوله: (كأنك تضرب منه في حديد بارد)، قال الميداني: هذا مثل يُضربُ لمن طمع في غير مطمع. قال الشاعر:
فإذا تساعدت النفوس على الهوى … فالخلقُ يضرب في حديد بارد
(مِن) فيقوله: "مِنهُ": تجريدية؛ لأنه جرد منه مثل الديد البارد، و"في حديد" كـ"في" في قوله تعالى: (وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي) [الأحقاف: ١٥].
стр. 4591
[(وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ* وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ* إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ)].
سمي الفعل الأول باسم الثاني؛ للمزاوجة. والمعنى: إن صنع بكم صنيع سوء؛ من قتل أو نحوه، فقابلوه بمثله ولا تزيدوا عليه. وقرئ: وإن عقبتم فعقبوا، أى: وإن قفيتم بالانتصار فقفوا بمثل ما فعل بكم.
روى أن المشركين مثلوا بالمسلمين يوم أحد: بقروا بطونهم وقطعوا مذاكيرهم، ما تركوا أحداً غير ممثول به إلا حنظلة بن الراهب، فوقف رسول الله ﷺ على حمزة وقد مثل به، وروى: فرآه مبقور البطن،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (سُمي الفعل الأول)، أي: (فَعَاقِبُوا) باسم الثاني، وهو: (بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ)، وهو من باب المشاكلة، سماه المزاوجة لغة، وإنما المزاوجة: بين معنيين في الشرط والجزاء، كقول الشاعر:
إذا ما نهى الناهي فلج بي الهوى … أصاخ إلى الواشي فلج به الهجر
قوله: (إن صُنع بكم صنيع سوء من قتل أو نحوه، فقابلوه بمثله)، قال القاضي: لما أمره ﷺ بالدعوة وبين له طرُقها، أشار إليه وإلى من يُتابعه بترك المخالفة، ومراعاة العدل مع من يناصبهم، فإن الدعوة لا تنفك عنه، من حيث إنها تتضمن رفع العادات وترك الشهوات، والقدح في دين الأسلاف، والحكم عليهم بالكفر والضلال.
قوله: (حنظلة بن الراهب)، وفي "الاستيعاب": هو حنلة بن أبي عامر، الراهب الأنصاري، أبوه: أبو عامر، يُعرف بالراهب في الجاهلية، قدم مع قريش يوم أحد محارباً، فسماه رسول الله ﷺ أبا عامر الفاسق، مات بالروم كافراً.
стр. 4592
فقال: «أما والذي أحلف به، لئن أظفرني الله بهم لأمثلن بسبعين مكانك»؛ فنزلت، فكفر عن يمينه وكفّ عما أراده. ولا خلاف في تحريم المثلة. وقد وردت الأخبار بالنهى عنها حتى بالكلب العقور. إما أن رجع الضمير في (لَهُوَ) إلى صبرهم وهو مصدر (صبرتم). ويراد بالصابرين: المخاطبون، أي: ولئن صبرتم لصبركم خير لكم، فوضع (الصابرون) موضع الضمير؛ ثناء من الله عليهم بأنهم صابرون على
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأما ابنه حنظلة فهو المعروف بغسيل الملائكة، قُتل يوم أحدٍ شهيداً. قالت امرأته: حنظلة أجنب وغسلت إحدى شقي رأسه، فلما سمع الهيعة خرج، فقُتل، فقال رسول الله ﷺ : "رأيت الملائكة تُغسله".
قوله: (فوضع "الصابرون" موضع الضمير ثناء من الله)، الراغب: الصبر: الإمساك في ضيق، يقال: صبرت الدابة؛ حبستها بلا علف، وصبرتُ فلاناً: خلفته خلفةً لا خروج له منها، والصبر: حبس النفس على ما يقتضيه العقل أو الشرع أو كلاهما، فالصبر: لفظ عام، وربما خولف بين أسمائه بحسب اختلاف مواقعه، فإن كان حبس النفس لمصيبة، سُمي صبراً لا غير، ويُضاده الجزع، وإن كان في محاربة سُمي شجاعة، ويُضاده الجُبن، وإن كان في نائبة مضجرة، سُمي رحبَ الصدر، ويُضاده الضجر، وإن كان في إمساك الكلام سُمي كتماناً، ويُضاده المذلُ، وقد سمى الله تعالى كل ذلك صبراً، ونبه عليه بقوله: (وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَاسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَاسِ) [البقرة: ١٧٧]، يقالث: رجُلٌ مذلٌ، أي: باذل لما عنده من مال أو سر.
стр. 4593
الشدائد. أو وصفهم بالصفة التي تحصل لهم إذا صبروا عن المعاقبة. وإما أن يرجع إلى جنس الصبر - وقد دل عليه (صبرتم) - ويراد بالصابرين جنسهم، كأنه قيل: وللصبر خير للصابرين. ونحوه قوله تعالى (فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ)] الشورى: ٤٠ [، (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى)] البقرة: ٢٣٧ [ثم قال لرسول الله ﷺ : (وَاصْبِرْ) أنت فعزم عليه بالصبر (وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ) أى بتوفيقه وتثبيته وربطه على قلبك (وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ) أي على الكافرين، كقوله (فَلا تَاسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ)] المائدة: ٦٨ [أو على المؤمنين وما فعل بهم الكافرون (وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ) وقرئ:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أو وصفهم بالصفة)، عطفٌ على قوله: "ثناء عليهم من الله"، يعني: وضع "الصابرين" موضع ضمير المخاطبين مجازاً؛ لأنهم عند الخطاب ما كانوا صابرين، فسماهم الله به، إما لمجرد المدح والثناء؛ لأن الصبر من أعم أوصاف المتقين، وإما لاكتسائهم بلباس الصبر جُعلوا صابرين ترغيباً على الصبر، وعلى أن يُراد بالصابرين الجنس لا يكون من وضع المظهر موضع المضمر، فلا يكون مجازاً بل يكون من باب الكناية، فيدخل في هذا العام المخاطبون دخولاً أولياً.
قوله: (كأنه قيل: وللصبر خير للصابرين)، حاصل الوجوه: أن معنى التركيب أن الصبر عن المعاقبة وترك المقابلة خير من استيفائها، كقوله تعالى: (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) [البقرة: ٢٣٧]، (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) [الشورى: ٤٠].
قوله: (فعزم عليه بالصبر)، الأساس: عزمتُ عليك لما فعلت كذا، بمعنى: أقسمت، أي: وكد عليه أمر الصبر بأن أمره وحده بالصبر، بعدما حثهم عليه بالتركيب القسمي؛ لأن اللام في (وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ) موطئة للقسم، وفيه معنى الأمر، ثم بين بأداة الحصر أن الصبر عليه سهل لكونه بتوفيق الله وتسديده.
قوله: (وما فعل بهم الكافرون)، أي: من المثلة.
стр. 4594
و (لا تكن في ضيق)، أي: ولا يضيقن صدرك من مكرهم. والضيق: تخفيف الضيق، أي: في أمر ضيق. ويجوز أن يكون الضيق والضيق مصدرين، كالقيل والقول. (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا) أي هو ولىّ الذين اجتنبوا المعاصي وَولى (الَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) في أعمالهم. وعن هرم بن حيان أنه قيل له حين احتضر: أوص. فقال: إنما الوصية من المال ولا مال لي، وأوصيكم بخواتيم سورة النحل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ولا يضيقن صدرك)، وهو من باب "لا أرينك هاهنا"، أي: ولا تكن بحيثُ يضيق صدرك إذا نابك منهم مكروه، أي: لا تباشر القلق والضجر، وذلك مستفاد من نهي كينونته في ضيقن والعدول من: "ولا يضيق صدرك".
قوله: (والضيق تخفيف الضيق)، قال أبو البقاء: (ضَيْقٍ)، بفتح الضاد، فيه وجهان: أحدهما: أنه مصدر ضاق، مثل: سار سيراً، والثاني: هو مخفف من الضيق، أي: في أمر ضيق، مثل سيد وميت.
قوله: (أي: هو وليُّ الذي اجتنبوا المعاصي، وولي (الَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) في أعمالهم)، راعى المطابقة في تفسير الصلتين، ففسر الفعلية بالفعلية، والاسمية بالاسمية.
فإن قلت: ما الوجه في تخصيص إحدى الصلتين في كونها فعلية، والأخرى اسمية؟ قلت: ليؤذن بأن التقوى مقدمة الإحسان، فمن حاول ملازمة الإحسان والمواظبة عليه يجب استحداث التقوى قبله؛ لأن التحلية بعد التصفية، ثم تخصيص الإحسان بالذكر، وإيراد الجملة اسمية، وبناء (مُحْسِنُونَ) على (هُمْ) على سبيل تقوى الحكم: مؤذن باستدامة الإحسان واستحكامه، وهو مستلزم لاستمرار التقوى؛ لأن الإحسان إنما يتم إذا لم يعد إلى ما كان عليه من الإساءة. وإليه الإشارة بما ورد "من حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه"، وقطعُ متعلقِ التقوى والإحسان - على طريقة قوله: "فلانٌ يعطي ويمنع - مشعرٌ باتحاد حقيقتهما، فلا تختص بمُتقٍ دون متقٍن وبمحسنٍ دون محسن، فيجبُ أن
стр. 4595
عن رسول الله ﷺ : "من قرأ سورة النحل لم يحاسبه الله بما أنعم عليه في دار الدنيا، وإن مات في يوم تلاها أو ليلته، كان له من الأجر كالذي مات وأحسن الوصية".
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يتناول جميع ما يجب أن يُتقى منه، وما يجب أن يؤتى به من الإحسان، ومن ثم قدر المصنفُ متعلقهما جمعاً محلى باللام الاستغراقي، ومضافاً إلى المعرفة.
والمعني بهذه المعية: معية المحبة كما ورد: "فإذا أحببته كنتُ سمعه … " الحديث.
وهذه التقوى بمنزلة التوبة للعارف، والإحسان بمنزلة السير والسلوك في الأحوال والمقامات إلى أن ينتهي إلى محو الوهم والوصول إلى مخدع الإنسان.
وأما بيانُ النظم فإن الله تعالى لما أمر حبيبه بالصبر على أذى المخالفين، ونهاه عن الحزن على عنادهم وإبائهم الحق، وعما يلحقه من مكرهم وخداعهم، علله بقوله: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا) الآية، أي: لا تُبال بهم وبمكرهم؛ لأن الله وليك ومحبك وناصرك، ومبغضهم وخاذلهم، فعم الحكم إرشاداً للمحسنين المتقين اقتداء بسيد المرسلين صلوات الله عليه، وفيه تعريض بالمخالفين وبخذلانهم، كما صرح تعالى في قوله: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ) [محمد: ١١].
تمت السورة بحمد الله وعونه وحسن توفيقه
والله أعلم
стр. 4596
سورة بني إسرائيل
مكية، وآياتها إحدى عشرة ومئة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[(سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)].
(سُبْحانَ): علم للتسبيح كعثمان للرجل، وانتصابه بفعل مضمر متروك إظهاره، تقديره: أسبح الله سبحان، ثم نزل سبحان منزلة الفعل فسد مسدّه،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سورة بني إسرائيل
مكية، وهي مئة وإحدى عشرة آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: ((سُبْحَانَ): علم للتسبيح، كعُثمان)، الراغب: السبحُ: المر السريع في الماء، أو الهواء، يقال: سبح سبحاً وسباحةً، واستُعير لمر النجوم في الفلك، نحو: (وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) [يس: ٤٠]، ولمجرى الفرس، نحو: (وَالسَّابِحَاتِ سَبْحاً) [النازعات: ٣] ولسرعة الذهاب في العمل: (إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحاً طَوِيلاً) [المزمل: ٧]. والتسبيح: أصله التنزيه للباري سبحانه، وأصله المرُّ السريع في عبادة الله، وجُعل ذلك في فعل الخير، كما جُعل الإبعادُ في الشر فقيل: أبعده الله، ثم جُعل التسبيح عاماً في العبادات، قولاً كان أو فعلاً أو نيةً،
стр. 4597
ودل على التنزيه البليغ من جميع القبائح التي يضيفها إليه أعداء الله و (أَسْرى) و ((سرى))
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال تعالى: (فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ) [الصافات: ١٤٣]، وقال: (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ) [البقرة: ٣٠]، و (سُبْحَانَ): أصله مصدرٌ كغفران.
قال أبو البقاء: سُبحان: اسم واقعٌ موقع المصدر، وقد اشتق منه: سبحتُ والتسبيحُ، ولا يكادُ يستعملُ إلا مضافاً؛ لأن الإضافة تبينُ من المعظم، فإذا أُفرد عن الإضافة كان اسماً علماً للتسبيح لا ينصرفُ للتعريف، والألف والنون في آخره مثل عثمان.
وقال ابن الحاجب: والدليل على أن سُبحان علمٌ للتسبيح قولُ الشاعر:
قد قلتُ لما جاءني فخره … سبحان من علقمة الفاخر
ولولا أنه عَلمٌ لوجب صرفه؛ لأن الألف والنون في غير الصفات إنما يُمنع مع العلمية، ولا تستعمل علماً إلا شاذاً، وأكثر استعماله مضافاً، وليس بعلم؛ لأن الأعلام لا تضاف. والتسبيح مصدر سبح، أي: قال: سبحان الله، ومدلول سبحان: تنزيهٌ لا لفظ، لكن ورد التسبيح بمعنى التنزيه.
قوله: (ودل على التنزيه البليغ)، وذلك في جلب هذا المصدر في أصل التركيب للتوكيد، وهو أسبحُ تسبيحاً، ثم أسبح سبحاناً، ثم في حذف العامل وإقامته مقام الدلالة على أن المطلوب بالذات المصدر، والفعل تابعٌ، فيفيد الإخبار بسرعة وجود التنزيه.
وأما قوله: "التنزيه البليغ من جميع القبائح التي يُضيفها إليه أعداء الله"، مما يأباه مقامُ "الإسراء" إباء العيوف الورد، وهو مزيفٌ، بل معناه التعجب، كما قال في "النور":
стр. 4598
لغتان. و (لَيْلًا) نصب على الظرف. فإن قلت: الإسراء لا يكون إلا بالليل، فما معنى ذكر الليل؟ قلت: أراد بقوله (لَيْلًا) بلفظ التنكير: تقليل مدّة الإسراء، وأنه أسرى به في بعض الليل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأصل في ذلك أن يُسبح الله عند رؤية العجيب من صنائعه، ثم كثُرَ حتى استعمل في كل متعجب منه.
قوله: (أراد بقوله: (لِيلاً) بلف التنكير: تقليل مُدة الإسراء، وأنه أسري به ﷺ في بعض الليل). قال صاحب "الفرائد": قوله: أراد بقوله: (لِيلاً) بلفظ التنكير تقليل المدة مسلمٌ، وأما قوله: "في بعض الليل"، فغيرُ مسلم؛ لأن (لِيلاً) يحتمل الكُل، لا يلزمُ البعضُ، فالبعضية بحسب العدد لا بحسب الجزء؛ ولأنه لو لم يذكر (لِيلاً) بعد الإسراء لم يُعلم مقدارُ الإسراء، لأنه يمكنُ أنه أسرى به ليالي، كقوله تعالى: (سِيرُوا فِيهَا لَيَالِي) [سبأ: ١٨].
ومن قال: إن ذكره للتأكيد ليس بشيء؛ لأنه لابد من ذكره، وقراءة عبد الله وحُذيفة لو كانت بدون لام التعريف، أعني: بعض ليل، لكانت شاهدة لذلك؛ لأن بعض الليل يُمكنُ أن يكون المراد به بعض الليالي، فيكون الذي أسرى به ليلاً. وأجيب أن الاسم الحامل لمعنى التنكير محتمل لأن يكون المراد به شخصاً أو نوعاً، ويحتملُ أن يكون للتعظيم والتهويل، أو التكثير، أو التقليل، فهو إذا كاللفظ المشترك، وإنما يتبينُ معناه بقيام قرينة مبينة، فقوله: (لِيلاً) يحتملُ أحد هذه المعاني، وغنما يتعين بمقيد. ولا خلاف أن الإسراء لم يكن أكثر من ليلة، فجيء بليل وقلل ليدُل على أنها كانت في بعض من تلك الليلة المعلومة، على أن تصدير السورة بالكلمة الدالة على التعجب البليغ، مُنادٍ بحدوث أمر خارق للعادة وآية عظيمة لا يقدر عليها إلا الله ، وهي كما قال: "أسرى به في بعض الليل من مكة إلى الشام مسيرة أربعين ليلة". وكذا دلالة قراءة عبد الله وحُذيفة، وما ذهب إليه أن
стр. 4599
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعض الليل يُمكن أن يكون المراد به بعض الليالي بعيدٌ جداً، ولا يخفى على أحدٍ أن قوله: (وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ) [الإسراء: ٧٩] ليس المراد ما قاله.
وقال في "الانتصاف": وقد جرى ذكرُ الليل في موضع لا يليق به الجواب الذي ذكره الزمخشري، وهو قوله: (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنْ اللَّيْلِ) [هود: ٨١] والظاهر أن ذكر الليل لتصوير السُّرى بصورته، أو لأن السُّرى دل على أمرين: السير وكونه ليلاً، فأفرد أحدهما بالذكر تقوية له في ذهن المخاطب، مثله قوله تعالى: (لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ) [النحل: ٥١]، فإن الاسم الحامل للتثنية دالٌ عليها وعلى الجنسية، فأكد التثنية لأنها مقصودة بالإبطال كما مر.
وأجيب: أن بين المقامين بوناً بعيداً؛ لأنه ما وقع النزاع في أن عروجه صلوات الله عليه كان ليلاً أو نهاراًن كما وقع في اتخاذ الإله والعدد في تلك الآية، وإنما هو بيان إبداء أمر غريب خارق للعادات.
وأما قوله: (بِقِطْعٍ مِنْ اللَّيْلِ) فهو له لا عليه، لأنه أتى بالليل هناك، ونُكر ليُضمن المعنى المقصود في الإيراد من التبعيض. وجيء بقوله: (مِنْ اللَّيْلِ) هنا ليبين أن البعض ما هون فهذا مقصودٌ منصوصٌ فيه البعضية، وذاك مُضمن. والحاصل أن إعادة الشيء لإناطة أمر زائد أسلوبٌ من الأساليب.
وأقول- والعلمُ عند الله-: ويُمكن أن يُراد بالتنكير التعظيم والتفخيم، والمقامُ يقتضيه، ألا ترى كيف افتتحت السورة بالكلمة المنبئة عنه؟ ثُم وصف المسري به بالعبودية، ثم أردف تعظيم المكانين بالحرام وبالبرة لما حوله تعظيماً للزمان، ثم تعظيم الآيات
стр. 4600
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ …
بإضافتها إلى صيغة التعظيم وجمعها ليشمل جميع أنواع الآيات، وكل ذلك شاهدُ صدقٍ على ما نحن بصدده، والمعنى: ما أعظم شأن من أسرى به بمن حقق له مقام العبودية، وحقق استئهاله للعناية وصحح له النعمة السرمدية.
(لِيلاً)، أي: ليل له شأن جليل، ليلٌ دنا فيه الحبيبُ من المحبوب، وفاز في مقام الشهود بالمطلوب، (فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى* فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى) [النجم: ٨ - ١١]، فحينئذ ينطبق عليه التعليل بقوله: (إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)، أي: السميع بأحوال ذلك العبد، والبصير لأفعاله، العالمُ بكونها مهذبة خالصة من شوائب الهوى، مقرونة بالصدق والصفا، مُستأهلة للقرية والزلفى. ولا بُعد أن يرجع الضمير إلى العبد، كما نقل أبو البقاء عن بعضهم، قال: إنه السميع لكلامنا، والبصير لذاتنا.
وأما توسيطُ ضمير الفصل فللإشعار باختصاصه بهذه الكرامة وحده. ولهذا عقبه بقوله: (وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ)؛ لأنه جاء مستطرداً لحديث الإسراء، وسماع الكلام ومنح القربة والزلفى، والجامع أن موسى ﵇ إنما أُعطي التوراة عند مسيره إلى الطور، وهو بمنزلة معراجه ﵇؛ لأنه هنالك شُرف بالكلام، ومُنح التكليم، وطلب الرؤية. وسيجيء في سورة النجم إن شاء الله تعالى الكلام في إثبات الرؤية لسيدنا صلوات الله عليه، وأقوال الصحابة والعلماء فيه مستوفى.
стр. 4601
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ولعل السر في مجيء الضمير مُجملاً محتملاً للأمرين: الإشارة إلى المطلوب، وأنه صلوات الله عليه وسلم إنما رأى رب العزة وسمع كلامه به.
روينا في "صحيح البخاري"، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "قال الله تعالى: من عادى لي ولياً فقد آذنته بحرب، وما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إليّ من أداء ما افترضتُ عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنتُ سمعه الذي يسمعُ به، وبصره الذي يُبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني أعطيته، وإن استعاذني أعذته" الحديث.
وفي "حقائق السُّلمي": قال ابن عطاء: طهُرَ مكانُ القربةِ وموقف الدنوِّ عن أن يكون فيه تأثير لمخلوق بحالٍ، فسار بنفسه، وسرى بروحه، وسير بسره، فلا السر عَلِمَ ما فيه الروح، ولا الروح علم ما يُشاهد السر، ولا النفس عندها شيء من خبرهما، وما هما فيه، وكل واقفٌ مع حده، مشاهدٌ للحق متلقياً عنه بلا واسطة ولا بقاء بشرية، بل حق تحقق بعبده، فحققه وأقامه حيث لا مقام، وأوحى إليه ما أوحى جل ربنا وتعالى.
وقال: قال رجل لجعفر بن محمد: صف لي المعراج، قال: كيف أصف لك مقاماً لم يسمع فيه جبريل مع عظم محله؟
وقال النصراباذي: أسقط العلل والاعتراضات بقوله: (أَسْرَى)، ولم يقُلْ: "سرى"؛ لأن القدرة تحتملُ كل شيء.
стр. 4602
من مكة إلى الشام مسيرة أربعين ليلة، وذلك أنّ التنكير فيه قد دلّ على معنى البعضية. ويشهد لذلك قراءة عبد الله
وحذيفة: (من الليل)، أي: بعض الليل، كقوله (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً)] الإسراء: ٧٩ [يعني: الأمر بالقيام في بعض الليل. واختلف في المكان الذي أسرى منه فقيل: هو المسجد الحرام بعينه، وهو الظاهر. وروي عن النبي ﷺ «بينا أنا في المسجد الحرام في الحجر عند البيت بين النائم واليقظان إذ أتاني جبريل ﵇ بالبراق وقيل: أسرى به من دار أم هانئ بنت أبى طالب والمراد بالمسجد الحرام: الحرم، لإحاطته بالمسجد والتباسه به. وعن ابن عباس: الحرم كله مسجد. وروى أنه كان نائمًا في بيت أم هانئ بعد صلاة العشاء فأسرى به ورجع من ليلته، وقص القصة على أم هانئ، وقال: مثل لي النبيون فصليت بهم وقام ليخرج إلى المسجد فتشبثت أم هانئ بثوبه فقال: مالك؟ قالت: أخشى أن يكذبك قومك إن أخبرتهم، قال: وإن كذبوني، فخرج فجلس إليه أبو جهل فأخبره رسول الله ﷺ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقال بعضهم: قيل: (لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا) فغمض عينه عن الآيات شُغلاً منه بالحق، ولم يلتفت إلى شيء من الآيات والكرامات، فقيل له: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) [القلم: ٤]، حيث لم يشغلك ما لنا عنا. انتهى ما في "الحقائق".
قوله: (فقيل: هو المسجد الحرام بعينه)، وهو الظاهر، لما روينا عن البخاري ومسلم والترمذي النسائي، عن قتادة، عن أنس بن مالك بن صعصعة، أن نبي الله حدثهم عن ليلة أُسري به، قال: بينا أنا في الحطيم، وربما قال: في الحجر، مضطجع، ومنهم من قال: بين النائم واليقظان، إذ أتاني آتٍ، وفي رواية أخرى للبخاري ومسلم، عن أنس قال: كان أبو ذر يُحدثُ أن رسول الله ﷺ قال: "فُرجَ سقفُ بيتي وأنا بمكة".
قوله: (قال: "وإن كذبوني")، أي: أنا اخبرهم وإن كذبوني.
стр. 4603
بحديث الإسراء، فقال أبو جهل: يا معشر بني كعب بن لؤي، هلم فحدّثهم، فمن بين مصفق وواضع يده على رأسه تعجبًا وإنكارًا. وارتد ناس ممن كان قد آمن به، وسعى رجال إلى أبى بكر ﵁ فقال: إن كان قال ذلك لقد صدق. قالوا: أتصدقه على ذلك؟ قال: إني لأصدقه على أبعد من ذلك، فسمى الصدّيق. وفيهم من سافر إلى ما ثمّ، فاستنعتوه المسجد فجلي له بيت المقدس، فطفق ينظر إليه وينعته لهم، فقالوا: أمّا النعت فقد أصاب، فقالوا: أخبرنا عن عيرنا، فأخبرهم بعدد جمالها وأحوالها، وقال: "تقدم يوم كذا مع طلوع الشمس، يقدمها جمل أورق"، فخرجوا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (هلُمَّ، فحدثهم)، أي: قال: هلُم فجاؤوا واستمعوا لحديثه فحدثهم، فالفاء فصيحة.
قوله: (تعجباً وإنكاراً)، يشير لقوله: "مصفق وواضعٌ" من غير ترتيب، وتقديره: فلما سمعوا هذا الكلام افترقوا فرقتين من غير ترتيب، فبعضهم مصفقٌ منكر، وبعضهم واضعٌ يده على رأسه متعجباً.
قوله: (من سافر إلى ما ثَمَّ)، ثَمَّ: عبارةٌ عن المسجد الأقصى، وما: كنايةٌ عن المواضع التي حول المسجد الأقصى.
قوله: (فاستنعتوه المسجد)، روينا في "صحيح البخاري" عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : لما كذبني قُريشٌ حين أُسرى بي إلى بيت المقدس، قمتُ في الحجر، فجلى الله تعالى بيت المقدس، فطفقت أُخبرهم عن أبوابه وأنا انظر إليه".
قوله: (جملٌ أورق)، قال الأصمعي: الأورق من الإبل: الذي في لونه بياضٌ إلى سواد.
стр. 4604
يشتدون ذلك اليوم نحو الثنية، فقال قائل منهم: هذه والله الشمس قد شرقت، فقال آخر: وهذه والله العير قد أقبلت يقدمها جمل أورق كما قال محمد، ثم لم يؤمنوا وقالوا: ما هذا إلا سحر مبين، وقد عرج به إلى السماء في تلك الليلة، وكان العروج به من بيت المقدس وأخبر قريشًا أيضًا بما رأى في السماء من العجائب وأنه لقي الأنبياء وبلغ البيت المعمور وسدرة المنتهى.
واختلفوا في وقت الإسراء فقيل كان قبل الهجرة بسنة. وعن أنس والحسن أنه كان قبل البعث.
واختلف في أنه كان في اليقظة أم في المنام، فعن عائشة ﵂ أنها قالت: «والله ما فقد جسد رسول الله ﷺ ولكن عرج بروحه» وعن معاوية: إنما عرج بروحه. وعن الحسن، كان في المنام رؤيا رآها. وأكثر الأقاويل بخلاف ذلك. والمسجد الأقصى: بيت المقدس، لأنه لم يكن حينئذ وراءه مسجد (بارَكْنا حَوْلَهُ) يريد: بركات
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وكان العروج به من بيت المقدس)، روى البخاري ومسلم عن أنس، أن رسول الله ﷺ قال: "قد أتيتُ بالبراق" إلى قوله: "فركبته حتى أتيت بيت المقدس" إلى قوله: "ثُم عُرج بنا إلى السماء" الحديث.
قوله: (وأكثر الأقاويل بخلاف ذلك)، وقال الشيخ محيي الدين النواوي في "شرح صحيح مسلم": قد لخص القاضي عياض ﵀ في الإسراء جُملاً حسنةً نفيسةً، فقال: اختلف الناس في الإسراء برسول الله ﷺ ، فقيل: إنما كان جميع ذلك في المنام. والحق الذي عليه أكثر الناس ومعظمُ السلف وعامةُ المتأخرين من الفقهاء والمحدثين
стр. 4605
الدين والدنيا، لأنه متعبد الأنبياء من وقت موسى ومهبط الوحي، وهو محفوف بالأنهار الجارية والأشجار المثمرة. وقرأ الحسن: (ليريه) بالياء، ولقد تصرف الكلام على لفظ الغائب والمتكلم؛ فقيل: (أسرى) ثم (باركنا) ليريه، على
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والمتكلمين، أنه أُسري بجسده ﷺ ، والآثار تدل عليه لمن طالعها، ولا يعدل عن ظواهرها إلا بدليل، ولا استحالة في حملها عليه، فيحتاج إلى تأويل.
وقال محي السنة في "المعالم": والأكثرون على أنه صلوات الله عليه أُسري بجسده في اليقظة، وتواترت الأخبار الصحيحة على ذلك.
وقلتُ: وروينا عن البخاري والترمذي، عن ابن عباس في قوله تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ) [الإسراء: ٦٠]، قال: هي رؤيا عينٍ أريها رسولُ الله ﷺ ليلة أُسري به إلى بيت المقدس.
وفي "مسند الإمام أحمد بن حنبل" عن ابن عباس ﵁، قال: شيء أريه النبي ﷺ في اليقظة، رآه بعينه حين ذُهب به إلى البيت، ولأنه قد أنكرته قريش وارتدت جماعة ممن كانوا أسلموا حين سمعوه، وإنما يُنكر إذا كان في اليقظة، فإن الرؤيا لا يُنكر منها ما هو أبعد من ذلك، على أن الحق أن المعراج مرتان، مرة بالنوم وأخرى باليقظة. قال محيي السنة: رُؤيا أراه الله تعالى قبل الوحي، بدليل قول من قال: فاستيقظ وهو في المسجد الحرام، ثم عُرج به في اليقظة بعد الوحي قبل الهجرة بسنةٍ تحقيقاً لرؤياه، كما أنه رأى فتح مكة في المنام سنة ست من الهجرة، ثم كان تحقيقه سنة ثمانٍ.
стр. 4606
قراءة الحسن، ثم (من آياتنا)، ثم (إنه هو)، وهي طريقة الالتفات التي هي من طرق البلاغة (إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ) لأقوال محمد (الْبَصِيرُ) بأفعاله، العالم بتهذبها وخلوصها، فيكرمه ويقرّبه على حسب ذلك.
[(وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْدًا) شَكُورًا)].
(أَلَّا تَتَّخِذُوا) قرئ بالياء على: لئلا يتخذوا، وبالتاء على: أي لا تتخذوا، كقولك: كتبت إليه أن أفعل كذا، (وَكِيلًا): ربا تكلون إليه أموركم. (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا) نصب على الاختصاص. وقيل: على النداء فيمن قرأ: (ألا تتخذوا)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (هي من طُرق البلاغة)، وذلك أن قوله: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً) يدل على مسيره من عالم الشهادة إلى عالم الغيب، فهو بالغيبة أنسبُ، وقوله: (الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ) دل على إنزال البركات، وتعظيم شأن المُنزل، فهو بالحكاية على التفخيم أحرى، قوله: (لِيُرِيَهُ) بالياء: إعادةٌ إلى مقام السر والغيبوبة من هذا العالم، فالغيبة بها أليق، وقوله: (مِنْ آيَاتِنَا): عودٌ إلى التعظيم على ما سبق، وقوله: (إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)، أشار به إلى مقام اختصاصه بالمنح والزلفى وغيبة شُهوده فيعين "بي يسمع وبي يُبصر"، فالعود إلى الغيبة أولى.
قوله: ((أَلاَّ تَتَّخِذُوا) قرئ بالياء)، أبو عمرو، والباقون: بالتاء الفوقانية.
قال أبو البقاء: أما تقدير الياء التحتانية، فهو (وَجَعَلْنَاهُ هُدًى)؛ لئلا يتخذوا، أو: (وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ) لئلا يتخذوا، وأما تقدير التاء ففيه وجهان، أنّ "أن" بمعنى: أي، وهي مفسرة لما تضمنه الكتاب من الأمر والنهي، وثانيهما: أن "لا" زائدة، والتقدير: مخافة أن تتخذوان وقد رجع في هذا من الغيبة إلى الخطاب.
стр. 4607
بالتاء على النهي، يعني: قلنا لهم لا تتخذوا من دوني وكيلا يا (ذرية من حملنا مَعَ نُوحٍ) وقد يجعل (وَكِيلًا * ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا) مفعولي (تتخذوا)، أي: لا تجعلوهم أربابًا كقوله: (وَلا يَامُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبابًا)] آل عمران: ٨٠ [ومن ذرية المحمولين مع نوح عيسى وعزير ﵈. وقرئ: (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا) بالرفع بدلا من واو (تَتَّخِذُوا) وقرأ زيد بن ثابت: (ذِرِّيَّة)، بكسر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أي: لا تجعلوهم أرباباً)، يريد أن في اختصاص هذا الوصف، وهو كونهم ذُرية المحمولين مع نوحٍ، وترتيب حكم النهي عن الإشراك على ذلك إشعاراً بأنهم لا يصلحون أن يكونوا أرباباً من دون الله؛ لأنهم عاجزون محصورون في ذات ألواح ودُسُرٍ، فكيف يصح أن تتخذوا وكيلاً من دون الله؟ !
قوله: (وقرئ: "ذرية من حملنا" بالرفع، بدلا من واو (تَتَّخِذُوا))، قال أبو البقاء: هذا على القراءة بالياء، لأنهم غُيَّب. قال صاحب "التخمير": إنما لم يجز إبدالُ المظهر من المضمر المتكلم والمخاطب؛ لأن ضمير المتكلم والمخاطب لا يكون لغير واحد، بخلاف ضمير الغيبة، والإبدال للتبيين، فيختص بموضع فيه احتمالٌ، فلذا جاز: مررت به زيد، ولم يجز: مر بي المسكين، ولا عليك الكريم.
فإن قلت: فما تقولُ في قول الله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو) [الأحزاب: ٢١] فقد أُبدلَ فيه الغائبُ من المخاطب؟ قلتُ: لأن الخطاب ليس لقوم بأعيانهم، فنزلوا منزلة الغائب؛ لأن المعنى: لقد كان للناس فيهم أسوةٌ حسنةٌ لمن كان يرجو الله.
وذكر الركسي: أن الكوفيين والأخفش أجازوا إبدال المُظهر من المضمر الحاضر
стр. 4608
الذال. وروي عنه أنه قد فسرها بولد الولد، ذكرهم الله النعمة في إنجاء آبائهم من الغرق (إِنَّهُ): إن نوحًا ﵇ (كانَ عَبْدًا شَكُورًا) قيل: كان إذا أكل قال: الحمد لله الذي أطعمني، ولو شاء أجاعني. وإذا شرب قال: الحمد لله الذي سقاني، ولو شاء أظمأني. وإذا اكتسى قال: الحمد لله الذي كساني، ولو شاء أعراني. وإذا احتذى قال: الحمد لله الذي حذاني، ولو شاء أحفاني. وإذا قضى حاجته قال: الحمد لله الذي أخرج عنى أذاه في عافية، ولو شاء حبسه. وروى أنه كان إذا أراد الإفطار عرض طعامه على من آمن به، فإن وجده محتاجًا آثره به. فإن قلت: قوله (إنه كان عبدًا شكورًا) ما وجه ملاءمته لما قبله؟ قلت: كأنه قيل: لا تتخذوا من دوني وكيلا، ولا تشركوا بي، لأنّ نوحاً ﵇ كان عبدا شكورا، وأنتم ذرية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مطلقاً، تمسكاً بقوله تعالى: (لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ) [الأنعام: ١٢]، فإن (الَّذِينَ): بدلُ البعض، وأما غير بدل الكل، فيجوزُ لفقدان المانع، وهو أن يكون المقصود بالنسبة أقل دلالة، فإن بدل البعض والاشتمال ليس مدلولهما مدلول الأول، فيجوز: اشتريتك نصفك، وأعجبني علمُك، ومنه قول الشاعر:
ذريني إن أمرك لن يُطاعا … وما ألفيتني حلمي مُضاعا
وهاهنا مفهوم قوله تعالى: (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ) أبين دلالة من مفهوم الضمير في (تتخذوا) المُعبر عن بني إسرائيل.
قوله: (ولا تشركوا بي)، عطفٌ تفسيري لقوله: "لا يتخذوا من دوني وكيلاً".
قوله: (إن نوحاً كان عبداً شكوراً)، أي: إنه كان موحداً؛ لأن الشاكر من يقوم بجملته وشراشره في خدمة المُنعم عليه. قال:
стр. 4609
من آمن به وحمل معه، فاجعلوه أسوتكم كما جعله آباؤكم أسوتهم. ويجوز أن يكون تعليلا لاختصاصهم والثناء عليهم بأنهم أولاد المحمولين مع نوح، فهم متصلون به، فاستأهلوا لذلك الاختصاص. ويجوز أن يقال ذلك عند ذكره على سبيل الاستطراد.
[(وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا * فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِبادًا لَنا أُولِي بَاسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْدًا مَفْعُولًا * ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا)].
(وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ): وأوحينا إليهم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أفادتكم النعماءُ منِّي ثلاثةً
فإذا توهم أدنى شركٍ فيه لم يكن شاكراً حقاً، لا سيما والشكور من أبنية المبالغة.
قوله: (فاجعلوه أسوتكم)، الراغبُ: الأسوة والإسوة كالقُدوة والقِدوة: وهي الحالة التي يكون عليها الإنسان في اتباع غيره، إن حُسناً أو قبحاً، وإن سارا أو ضارا؛ ولهذا قال تعالى: (أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) [الأحزاب: ٢١]، فوصفها بالحسنة.
قوله: (ويجوز أن يكون تعليلاً)، مبني على أن "ذرية" منصوب على الاختصاص والمدح، يعني: إنما خصصناكم بهذا الخطاب لأنكم أولادُ آباء مكرمين، كقوله تعالى: (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً) [الكهف: ٨٢]، قال القاضي: فيه إيماء بأن إنجاءه ومن معه كان ببركة شُكره، وحث للذرية على الاقتداء به.
وقلتُ: اعتبر اختصاص الحمل بالذكر وأدمج هذا المعنى فيه.
قوله: (على سبيل الاستطراد)، فعلى هذا لا يكون تعليلاً.
стр. 4610
وحياً مقضياً، أي: مقطوعاً مبتوتًا بأنهم يفسدون في الأرض لا محالة، ويعلون، أي: يتعظمون ويبغون. (فِي الْكِتَبِ) في التوراة، و (لَتُفْسِدُنَّ) جواب قسم محذوف. ويجوز أن يجرى القضاء المبتوت مجرى القسم، فيكون (لَتُفْسِدُنَّ) جواباً له، كأنه قال: وأقسمنا لتفسدن. وقرئ: لَتُفْسَدُنّ، على البناء للمفعول. و (لَتَفْسُدُنَّ)، بفتح التاء من: فسد، (مَرَّتَيْنِ) أولاهما: قتل زكريا وحبس أرميا حين أنذرهم سخط الله، والآخرة: قتل يحيى بن زكريا وقصد قتل عيسى ابن مريم. (عِبادًا لَنا) وقرئ: (عبيدًا لنا). وأكثر ما يقال: عباد الله وعَبِيدُ الناس: سَنْحَارِيبَ وجنودَه،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وحياً مقضياً أي: مقطوعاً)، الراغب: القضاء: فصلُ الأمر قولاً كان أو فعلاً، وكل منهما على وجهين: إلهي وبشري، فمن القول الإلهي: (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ)، فهذا قضاء بالإعلام والفصل في الحكم، أي: أعلمناهم وأوحينا إليهم وحياً جزماً، ومن الفعل الإلهي: (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ) [فصلت: ١٢]؛ لأنه إشارة إلى إيجاده الإبداعي والفراغ منه.
قوله: (وقرئ: "لتفسدن" على البناء للمفعول، و"لتفسدن" بفتح التاء؛ من: فسد)، قال أبو البقاء: المعنى على الأول: يُفسدكم غيركم، وعلى الثاني: تفسدُ أموركم.
قوله: (وأكثر ما يقالُ: عباد الله)، قال ابن جني: أكثر اللغة أن يُستعمل العبيد للناس والعباد لله تعالى: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) [الحجر: ٤٢]، (يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ) [الزمر: ١٦]، وهو كثير، وقال: (وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ) [فصلت: ٤٦].
قوله: (سنحاريب) نصبٌ عطفُ بيانٍ لـ"عباداً"، ويُروى بالرفع، أي: هم سنحاريب وجنوده.
стр. 4611
وقيل بختنصر. وعن ابن عباس: جالوت. قتلوا علماءهم وأحرقوا التوراة، وخربوا المسجد، وسبوا منهم سبعين ألفًا. فإن قلت: كيف جاز أن يبعث الله الكفرة على ذلك ويسلطهم عليه. قلت: معناه: خلينا بينهم وبين ما فعلوا ولم نمنعهم، على أنّ الله عزّ وعلا أسند بعث الكفرة عليهم إلى نفسه، فهو كقوله تعالى: (وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ)] الأنعام: ١٢٩ [وكقول الداعي. وخالف بين كلمهم. وأسند الجوس وهو التردّد خلال الديار بالفساد إليهم، فتخريب المسجد وإحراق التوراة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (معناه: خلينا بينهم وبين ما فعلوا)، يعني: معنى تسليط الكفرة على ذلك، أي: قتل العلماء وإحراق التوراة وتخريب المسجد والسبي. الانتصاف: السؤال يتوجه على القدرية، وأما السني فيقول: (لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ) [الأنبياء: ٢٣].
قوله: (على أن الله عز وعلا أسند بعث الكفرة عليهم)، يعني أن البعث مجازٌ، على أن الحقيقة جائزة أيضاً؛ لأن الله تعالى أسند بعث الكفرة عليهم إلى نفسه؛ لأنهم ظلموا بقتل زكريا ويحيى، وقصد قتل عيسى ﵇، فهو كقوله تعالى: (وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [الأنعام: ١٢٩].
قوله: (وكقول الداعي: وخالف بين كلمهم)، يعني: مثلُ هذا الإسناد جائزٌ بل مندوبٌ إليه، يقولون في الدعاء على الكفرة: اللهم زلزل أقدامهم ونكس أعلامهم، وخالف بين كلمتهم، وهو من قوله تعالى: (وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى) [التوبة: ٤٠]، وكلمتهم: دعوتهم إلى الكفر واتفاقهم عليه.
قوله: (وأسند الجوس)، إلى آخره، مراده: أنه تعالى أسند إلى نفسه ما يصح أن يُسند إليه من بعث الكفرة عليهم؛ لأجل فسادهم، وأسند ما لا يصح أن يُسند إليه من الكفرة من تخريب المسجد وإحراق التوراة. فيقال له: لولا بعثه وتمكينه إياهم كيف قدروا على ذلك؟ فهو كإعطاء سيف باتٍ ظالماً يقطع الطريق ويسبي الحريم، فوقع فيما فر منه.
стр. 4612
من جملة الجوس المسند إليهم. وقرأ طلحة «فحاسوا» بالحاء. وقرئ: فَحَوّسُوا. وخلل الديار. فإن قلت:
ما معنى (وَعْدُ أُولاهُما)؟ قلت: معناه: وعد عقاب أولاهما. (وَكانَ وَعْدًا مَفْعُولًا) يعنى: وكان وعد العقاب وعدا لا بد أن يفعل. (ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ) أي: الدولة والغلبة على الذين بعثوا عليكم حين تبتم ورجعتم عن الفساد والعلو. قيل: هي قتل بختنصر واستنقاذ بني إسرائيل أسراهم وأموالهم ورجوع الملك إليهم، وقيل: هي قتل داود جالوت. (أَكْثَرَ نَفِيرًا) مما كنتم. والنفير، من ينفر مع الرجل من قومه، وقيل: جمع نفر كالعبيد والمعيز.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرأ طلحة: "فحاسُوا")، قال ابنُ جني: قال أبو زيد أو غيره، قلتُ له: إنما هو فجاسوا بالجيم، قال: جاسوا وحاسوا واحدٌ، وهذا يدل على أن بعض القراء يتخير بلا رواية، ولذلك نظائر.
قوله: (وقرئ "فحوسوا")، في "الموضح": "حوسوا" بالحاء غير المعجمة مشدد الواو. الراغب: (فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ)، أي: توسطوها وترددوا بينها، ويُقارب ذلك "جاسوا" و"داسوا"، وقيل: الجوسُ: طلب ذلك الشيء باستقصاء، والخللُ: فرجةٌ بين الشيئين، وجمعه خلال، نحو: خلال الديار والسحاب والرماد، قال تعالى: (فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ) [الروم: ٤٨]، وعن بعضهم: خللٌ إما مُفرد جمعه: خلالٌ، كجبل، وإما بمعنى الخلال، والخلال حينئذ مفرد.
قوله: (واستنقاذ بني إسرائيل أسراهم)، قال القاضي: وذلك بأن ألقى الله في قلب بهمن بن أسفنديار لما ورث مُلك كشتاسف بن لهراسف شفقة عليهم، فرد أسراهم إلى الشام وملك دانيال عليهم، فاستولوا على من كان فيها من اتباع بخت نصر، والله أعلم بحقيقة ذلك.
стр. 4613
[(إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَاتُمْ فَلَها فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤًا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا)].
أي: الإحسان والإساءة: كلاهما مختص بأنفسكم، لا يتعدى النفع والضرر إلى غيركم. وعن عليّ ﵁: ما أحسنت إلى أحد ولا أسأت إليه، وتلاها (فَإِذا جاءَ وَعْدُ) المرّة (الْآخِرَةِ) بعثناهم (لِيَسُوؤًا وُجُوهَكُمْ) حذف؛ لدلالة ذكره أوّلا عليه، ومعنى (لِيَسُوؤًا وُجُوهَكُمْ): ليجعلوها بادية آثار المساءة والكآبة فيها، كقوله (سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا) [الملك: ٢٧]، وقرئ: (ليسوء)، والضمير لله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لدلالة ذكره أولاً)، يعني: جواب (إذا) قوله: "بعثناهم"، بدليل قوله: (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ)، فعلى هذا قوله: (وَلِيَدْخُلُوا) عطفٌ على (لِيَسُوءُوا) لاتفاقهما.
فإن قلت: لا ارتياب أن قوله تعالى: (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ) عطفٌ على قوله: (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا) وهما تفصيلٌ لقوله: (لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ)، وكان من حق الظاهر أن يترك القرينة الثانية عن الفاء إلى الواو، فما وجهُه؟ قلتُ - والله اعلم-: إن مدخول الفاء وإن كان قسيماً لقوله ((فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا) لكن تخلل بين المعطوفين، قوله: (إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَاتُمْ فَلَهَا)، فجره إلى نفسه، كأنه قيل: وإن أسأتم فلها، وقد حصل منكم الإساءة والإفساد مرة أخرى، وهما السبب ف يمجيء الوعد في الآخرة: (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ). ألا ترى كيف وصل قوله: (وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا) بما ذيل به هذا الوعد الآخرة، وهو قوله: (عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ) أي: إن تبتم.
قوله: (وقرئ: "ليسوء")، أبو بكر وابن عامر وحمزة: بالياء ونصب الهمزة على التوحيد، والكسائي: بالنون ونصب الهمزة على الجمع، والباقون: بالياء وهمزة مضمومة
стр. 4614
عز وجل، أو للوعد، أو للبعث. (ولنسوء): بالنون. وفي قراءة علىّ: (لنسوأنّ): وليسوأنّ وقرئ لنسوأن، بالنون الخفيفة. واللام في (لِيَدْخُلُوا) على هذا متعلق بمحذوف وهو: وبعثناهم ليدخلوا. ولنسوأن: جواب إذا جاء ما (عَلَوْا) مفعول (ليتبروا)، أي ليهلكوا كل شيء غلبوه واستولوا عليه. أو بمعنى: مدة علوّهم.
[(عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا)].
(عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ) بعد المرّة الثانية إن تبتم توبة أخرى وانزجرتم عن المعاصي، (وَإِنْ عُدْتُمْ) مرة ثالثة (عُدْنا) إلى عقوبتكم وقد عادوا، فأعاد الله إليهم النقمة بتسليط الأكاسرة وضرب الإتاوة عليهم. وعن الحسن: عادوا فبعث الله محمدًا ﷺ ،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بين واوين على الجمع"، قال أبو البقاء: التقديرُ على الجمع: ليسوء العبادُ، أو النفيرُ. ويُقرأُ "ليسوء" بغير واو، أي: ليسوء البعث أو المبعوث أو النفير أو الله تعالى.
قوله: ("لنسوء"، بالنون) الخفيفة. قال ابن جني: قرأ أبي بن كعب: "لنسوءاً" بالتنوين، فطريق القول فيه أن يكون أراد ألفاً فحذفها، أي: فليسوءا وجوهكم، على لفظ الأمر، كما تقول: إذا سألتني فلأعطك، كأنك تأمر نفسك، ومعناه: فلأعطينك، واللامان بعده للأمر أيضاً، وهما (وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا). يُقوي ذلك أنه لم يأتِ لـ"إذا" جوابٌ فيما بعدُ، فالتقدير: فلنسوءاً وجوهكم، أي: فلنسوءن. وهذا يدل على أن في "فلنسوءن" ألفاً مقدرة.
قوله: (وضرب الإتاوة عليهم)، أي: الخراج، فإن قلت: ما وجه استقامة هذا الوجه، وهو تسليط الأكاسرة عليهم، وقد مضى، مع قوله: (وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا) وهو للاستقبال؟
стр. 4615
فهم يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون. وعن قتادة: ثم كان آخر ذلك أن بعث الله عليهم هذا الحيّ من العرب، فهم منهم في عذاب إلى يوم القيامة (حَصِيرًا) محبسا يقال للسجن محصر وحصير. وعن الحسن:
بساطا كما يبسط الحصير المرمول.
[(إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا* وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا)].
(لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) للحالة التي هي أقوم الحالات وأسدّها. أو للملة. أو للطريقة. وأينما قدرت لم تجد مع الإثبات ذوق البلاغة الذي تجده مع الحذف، لما في إبهام الموصوف بحذفه من فخامة تفقد مع إيضاحه. وقرئ: ويبشر، بالتخفيف، فإن قلت: كيف ذكر المؤمنين الأبرار والكفار ولم يذكر الفسقة؟ قلت: كان الناس حينئذ إما مؤمن تقي، وإما مشرك، وإنما حدث أصحاب المنزلة بين المنزلتين بعد ذلك.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قلت: استقامته من حيث إن هذه المذكورات كلها كانت مثبتة في التوراة مقضية عليهم، لقوله تعالى: (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ)، والكتاب: التوراة، كما نص عليه المصنف.
قوله: (المرمول)، الجوهري: رملتُ الحصير، أي: سففته، بمعنى نسجته، وأرملته: مثله.
قوله: (لما في إبهام الموصوف بحذفه من فخامة تفقد مع إيضاحه)، فإنك إذا أضربت عن ذكر إحدى هذه المقدرات صفحاً بقي اللفظ مجملاً يصلحُ أن يتناول كلاً منها وما شاكلها، فإذا قيدتها بواحدة منها اختص بها، فكأنك قلت: يهدي لما لا يدخل تحت الوصف والحصر مما ذُكر في الكتاب، ومما لم يُذكر، كقولك: جاء بعد اللتيا والتي.
قوله: ("ويبشر"، بالتخفيف): حمزة والكسائي.
قوله: (وإنما حدث أصحاب المنزلة بين المنزلتين بعد ذلك)، قيل: هذا من أبي حُذيفة
стр. 4616
فإن قلت: علام عطف (وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ)؟ قلت: على (أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا) على معنى: أنه بشر المؤمنين ببشارتين اثنتين: بثوابهم، وبعقاب أعدائهم ويجوز أن يراد: ويخبر بأن الذين لا يؤمنون معذبون.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
واصل بن عطاء. وقلتُ: هذا من جملة البدع المنهي عنها في قوله ﷺ : "خيرُ الهدي هديُ محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة". أخرجه مسلمٌ، والترمذي عن جابر.
قوله: (ويجوز أن يُراد: ويُخبر بأن الذين)، يعني: هو عطفٌ على قوله: (يَهْدِي) أي: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) ويخبر أن الذين لا يؤمنون معذبون، هذا أوجه من الأول وأحسن التئاماً، كأنه قيل: بشيرٌ للمؤمنين ونذيرٌ للكافرين. ويمكن أن يكون معطوفاً من حيث المعنى على قوله: (وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ)، أي: يُبشر المؤمنين وينذر الكافرين.
وأما اتصالُ الآية بما قبلها، فقد قال الإمام: إنه قال لما شرح ما فعله في حق عباده المخلصين، وهو الإسراء برسول الله ﷺ ، وإيتاء التوراة لموسى ﵇، وما فعله في حق العصاة والمتمردين، وهو تسليط أنواع البلاء عليهم، كان ذلك تنبيهاً على ان طاعة الله تُوجب كل خيروكرامة، ومعصيته توجب كل بلية وغرامة، لا جرم قال: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) ثم عطف عليه: (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ) الآية، لجامع دليلي السمع والعقل، أو نعمتي الدين والدنيا، وأما اتصال قوله: (وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ) فهو أنه تعالى لما وصف القرآن حتى بلغ به الدرجة القُصيا في الهداية أتى بذكر من أفرط في كفران هذه البُغية الأسنى والنعمة العظمى، قائلاً: (اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنْ السَّمَاءِ) [الأنفال: ٣٢]، فظهر أن الذي ذهب إليه ابن عباس: "هو النضر بن الحارث" هو المذهب.
стр. 4617
[(وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا)].
أي: ويدعو الله عند غضبه بالشر على نفسه وأهله وماله، كما يدعوه لهم بالخير، كقوله (وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ)] يونس: ١١ [. (وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا) يتسرع إلى طلب كل ما يقع في قلبه ويخطر بباله، لا يتأنى فيه تأنى المتبصر. وعن النبي ﷺ أنه دفع إلى سودة بنت زمعة أسيراً، فأقبل يئن بالليل، فقالت له: مالك تئن؟ فشكا ألم القدّ، فأرخت من كتافه، فلما نامت أخرج يده وهرب، فلما أصبح النبي ﷺ دعا به فأعلم بشأنه، فقال ﷺ «اللهم اقطع يديها» فرفعت سودة يديها تتوقع الإجابة، وأن يقطع الله يديها، فقال النبي ﷺ : "إني سألت الله أن يجعل لعنتي ودعائي على من لا يستحق من أهلي رحمة لأني بشر أغضب كما يغضب البشر فلتردّ سودة يديها" ويجوز أن يريد بالإنسان الكافر، وأنه يدعو بالعذاب استهزاء ويستعجل به، كما يدعو بالخير إذا مسته الشدّة. (وكان الإنسان عجولاً): يعني
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كما يدعوه لهم)، أي: يدعو الله لأجل نفسه وماله وأهله، ففي الضمير تغليبٌ. قال: وجه النظم: أن الإنسان بعد إنزال الله هذا القرآن واختصاصه بهذه النعمة الجسيمة والمكرمة العظيمة، قد يعدل عن التمسك بشرائعه، ويقدم على ما لا فائدة فيه.
قوله: (لا يستحق) أي: لايستحقها، يعني اللعنة. "من أهلي": بيانُ "مِن". و"رحمة": مفعول ثانٍ لـ"يجعل".
قوله: (لأني بشرٌ أغضب ما يغضب البشر)، روينا عن البخاري ومسلم، عن أبي هريرة قال: قال ﷺ : "إنما أنا بشرٌ أغضب كما يغضب البشر، فأيما رجل من المسلمين سببته أو لعنته أو جلدته فاجعلها له صلاة وزكاة وقربة"، وزاد أحمد: "تقربه بها يوم القيامة".
стр. 4618
أن العذاب آتيه لا محالة، فما هذا الاستعجال، وعن ابن عباس رضى الله عنهما: هو النضر بن الحرث قال: (اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك) الآية [الأنفال: ٣٢ [، فأجيب له، فضربت عنقه صبراً.
[(وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا)].
فيه وجهان، أحدهما: أن يراد أن الليل والنهار آيتان في أنفسهما، فتكون الإضافة في آية الليل وآية النهار للتبيين، كإضافة العدد إلى المعدود، أي: فمحونا الآية التي هي الليل وجعلنا الآية التي هي النهار مبصرة. والثاني: أن يراد: وجعلنا نيري الليل والنهار آيتين، يريد الشمس والقمر. (فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ): أي جعلنا الليل ممحوّ الضوء مطموسه مظلما، لا يستبان فيه شيء كما لا يستبان ما في اللوح الممحوّ، وجعلنا النهار مبصراً أي تبصر فيه الأشياء وتستبان. أو فمحونا آية الليل التي هي القمر حيث لم يخلق لها شعاعا كشعاع الشمس، فترى به الأشياء رؤية بينة، وجعلنا الشمس ذات شعاع يبصر في ضوئها كل شيء (لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ) لتتوصلوا ببياض النهار إلى استبانة أعمالكم والتصرف في معايشكم (وَلِتَعْلَمُوا) باختلاف
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فضربت عنقه صبراً)، يقال: قُتل فلانٌ صبراً: إذا حُبس عن القتل حتى قُتل، وقد مضت قصة النضر.
قوله: (ممحو الضوء مطموسه)، الراغب: المحو: إزالة الأثر، ومنه قيل للشمال محوة؛ لأنها تمحو السحاب والأثر، قال الله تعالى: (يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ) [الرعد: ٣٩].
قوله: (فترى به الأشياء)، جواب لقوله: "لم يخلق له شعاعاً"ن كقولك: ما تأتينا فتحدثنا.
стр. 4619
الجديدين (عَدَدَ السِّنِينَ) وَجنس الْحِسابَ وما تحتاجون إليه منه ولولا ذلك لما علم أحد حسبان الأوقات، ولتعطلت الأمور (وَكُلَّ شَيْءٍ) مما تفتقرون إليه في دينكم ودنياكم (فَصَّلْناهُ) بيناه بيانا غير ملتبس، فأزحنا عللكم، وما تركنا لكم حجة علينا.
[(وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنْشُورًا* اقْرَا كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا)].
(طائِرَهُ) عمله وقد حققنا القول فيه في سورة النمل. وعن ابن عيينة: هو من قولك: طار له سهم، إذا خرج، يعني: ألزمناه ما طار من عمله. والمعنى أنّ عمله لازم له لزوم القلادة أو الغل لا يفك عنه، ومنه مثل العرب: "تقلدها طوق
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقد حققنا القول فيه في سورة النمل)، والمذكور فيها هو: كان الرجل يخرج مسافراً فيمر بطائر فيزجره، فإن مر سانحاً تيمن، وإن مر بارحاً تشاءم، فلما نسبوا الخير والشر إلى الطائر، استعير لما كان سببهما من قدر الله وقسمته، ومن عمل العبد الذي هو السبب في الرحمة والنقمة، ومنه قالوا: طائر الله لا طائرك، أي: قدر الله الغالب الذي يُنسبُ إليه الخير والشر، لا طائرك الذي يتشاءم به ويتيمن به.
قوله: (والمعنى أن عمله لازم له لزوم القلادة أو الغُل لا يفك عنه)، قال الإمام: إنما خص العنق من بين سائر الأعضاء؛ لأن الذي يكون عليه إما أن يكون خيراً يزينه، أو شراً يشينه، مايزين يكون كالطوق والحلي، وما يشين يكون كالغل.
واعلم أن هذا من أدل الدلائل على أن كل ما قدره الله تعالى للإنسان وحكم به في سابق علمه واجب الوقوع ممتنع العدم؛ لأن قوله: (أَلْزَمْنَاهُ) صريح في أن ذلك الإلزام
стр. 4620
الحمامة". وقولهم: الموت في الرقاب. وهذا ربقة في رقبته. عن الحسن: يا ابن آدم بسطت لك صحيفة إذا بعثت قلدتها في عنقك: وقرئ (فِي عُنُقِهِ) بسكون النون. وقرئ (نُخْرِجُ) بالنون. ويخرج، بالياء، والضمير لله .
ويخرج، على البناء للمفعول. ويخرج من خرج، والضمير للطائر. أى: يخرج الطائر كتابًا، وانتصاب (كتابًا) على الحال. وقرئ: يلقاه، بالتشديد مبنيا للمفعول. (ويَلْقاهُ)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الذي لا ينفك عنه صدر منه تعالى، وأن كل ما حكم به في الأزل لابد أن يظهر أثره في الأبد، ويؤيده ما رويناه، عن أبي داود والترمذي، عن عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أول ما خلق الله القلم، قال له: اكتب، فقال: يا رب، ما أكتب؟ قال: اكتُبْ مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة".
قوله: (وقرئ: (َنُخْرِجُ) بالنون) وهي المشهورة، الراغب: خرج: برز من مقره أو حاله، سواء كان مقره داراً أو بلداً أو ثوباًن وسواء كان حاله حالة في نفسه أو أسبابه الخارجة، قال تعالى: (فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ) وقال: (فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ) [الأعراف: ١٣]، وقال: (وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا) [فصلت: ٤٧]، (يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ النَّارِ) [المائدة: ٣٧]، والإخراج: أكثر ما يقال في الأعيان، كقوله تعالى: (أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمْ) [الأنعام: ٩٣]، وقال: (أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ) [النمل: ٥٦]، ويقال في التكوين الذي هو من فعل الله، نحو: (أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ) [النحل: ٧٨]، والتخريج: أكثر ما يُقال في العلوم والصناعات.
قوله: ("يلقاه"، بالتشديد): ابن عامر، والباقون: مخففاً والياء مفتوحة، قيل هو من: لقيتُ الكتابَ، فإذا ضعفتَ، قلت: لقانيه زيدٌ، فيتعدى إلى مفعولين، فإذا بُني للمفعول قام
стр. 4621
مَنْشُورًا) صفتان للكتاب. أو (يَلْقاهُ) صفة (ومَنْشُورًا) حالٌ من يلقاه (اقْرَا) على إرادة القول. وعن قتادة: يقرأ ذلك اليوم من لم يكن في الدنيا قارئا. (وبِنَفْسِكَ) فاعل (كفى). (وحَسِيبًا) تمييز وهو بمعنى حاسب كضريب القداح بمعنى ضاربها وصريم بمعنى صارم ذكرهما سيبويه. وعلى متعلق به من قولك حسب عليه كذا. ويجوز أن يكون بمعنى الكافي وضع موضع الشهيد فعدّى بـ"على"؛ لأنّ الشاهد يكفى المدّعى ما أهمه. فإن قلت: لم ذكر (حَسِيبًا)؟ قلت: لأنه بمنزلة الشهيد والقاضي والأمير، لأنّ الغالب أنّ هذه الأمور يتولاها الرجال، فكأنه قيل: كفى بنفسك رجلا حسيبا. ويجوز أن يتأوّل النفس بالشخص، كما يقال: ثلاثة أنفس. وكان الحسن إذا قرأها قال: يا ابن آدم، أنصفك والله من جعلك حسيب نفسك.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أحدهما مقام الفاعل، وعليه قوله تعالى: (وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاماً).
قوله: (كضريب القداح)، الجوهري: الضريب الذي يضرب بالقداح وهو الموكل بها، والقدحُ، بالكسر: السهم قبل أن يُراش ويُركب نصله، وقدح الميسر أيضاً، والجمع: قداح.
قوله: (بمعنى: الكافي)، أي: الحسيب، بمعنى: الكافي. الأساس: احتسبت بكذا: اكتفيت، واحتسبني: كفاني، وعلاقة المجاز أن الكافي كما يكفي الشخص مما أهمه، كذلك الشاهد يكفي المدعي ما أهمه.
قوله: (فكأنه قيل: كفى بنفسك رجلاً حسيباً)، يعني: جرد من النفس رجلاً شاهداً، وهو هي.
قوله: (يا ابن آدم، أنصفك - والله- من جعلك حسيب نفسك)، وفي "شرح السُّنة": قال الحسن في قوله تعالى: (كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً): لكل آدمي في عنقه قلادة يكتب فيها نسخة عمله، فغذا مات طويت، وقلدها، وإذا بُعث نُشرت، وقيل له: (اقْرَا كِتَابَكَ كَفَى
стр. 4622
[(مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا)].
أي: كل نفس حاملة وزرا، فإنما تحمل وزرها لا وزر نفس أخرى (وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ) وما صحّ منا صحة تدعو إليها الحكمة أن نعذب قوما إلا بعد أن (نَبْعَثَ) إليهم (رَسُولًا) فتلزمهم الحجة. فإن قلت: الحجة لازمة لهم قبل بعثة الرسل، لأنّ معهم أدلة العقل التي بها يعرف الله، وقد أغفلوا النظر وهم متمكنون منه، واستيجابهم العذاب لإغفالهم النظر فيما معهم، وكفرهم لذلك، لا لإغفال الشرائع التي لا سبيل إليها إلا بالتوقيف، والعمل بها لا يصح إلا بعد الإيمان. قلت: بعثة الرسل من جملة التنبيه على النظر والإيقاظ من رقدة الغفلة، لئلا يقولوا: كنا غافلين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً). يا ابن آدم، أنصفك من جعلك حسيب نفسك.
قوله: (والحجة لازمة لهم قبل بعثه الرسل؛ لأن معهم أدلة العقل)، ثم قوله: (بعثة الرسل من جملة التنبيه على النظر). الانتصاف: هذا مذهبٌ باطلٌ اعتزاليٌ، ومذهب أهل السنة أنه لا حكم قبل الشرع ولا تكاليف إلا به، ولا تجب الحجة إلا بالبعثة، والآية دالة عليه، فلا معنى لتحريفها. وقال محيي السنة: وفي الآية دليل على أن ما وجب، وجب بالسمع لا بالعقل، وكذا عن الواحدي.
قلت: يؤيده قوله تعالى: (رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ) [النساء: ١٦٥]؛ لأن البشارة والنذارة إنما يكونان بالجنة والنار، والعقل لا مجال له في إثباتهما.
стр. 4623
فلولا بعثت إلينا رسولا ينبهنا على النظر في أدلة العقل.
[(وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا)].
(وَإِذا أَرَدْنا) وإذا دنا وقت إهلاك قوم ولم يبق من زمان إمهالهم إلا قليل، أمرناهم (فَفَسَقُوا) أي أمرناهم بالفسق ففعلوا، والأمر مجاز، لأن حقيقة أمرهم بالفسق أن يقول لهم: افسقوا، وهذا لا يكون فبقى أن يكون مجازًا، ووجه المجاز أنه صب عليهم النعمة صبًا، فجعلوها ذريعة إلى المعاصي واتباع الشهوات، فكأنهم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
واعلم أن قوله تعالى: (مَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا) توكيدٌ لمعنى تلك الآية، وأن كل مكلفٍ مرهونٌ بعمله، وعمله كالقلادة في عنقه غير منفك عنه لا يفارقه ولا يتعدى إلى غيره، ثم جاء: (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) تقريراً لهذا المعنى، ومفهوم ذلك كله أنه تعالى بين للمكلف ما عليه وما له وما يحتاج إليه وما خُلق لأجله، غزالة للأعذار، ثم أتى بقوله: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) تذييلاً لها وتقريراً لإزالة الأعذار.
قوله: ((وَإِذَا أَرَدْنَا): وإذا دنا وقت إهلاك قوم)، جعل الإرادة التي هي السبب في الإهلاك تابعة لدنو الوقت. قال القاضي: إذا تعلقت إرادتنا بإهلاك قوم لإنفاذ قضائنا السابق، أمرنا متنعميها بالطاعة على لسان رسول بعثناه إليهم، أو إذا دنا وقته المقدر، كقولهم: إذا أراد المريض أن يموت ازداد مرضه شدة.
قوله: (كأنهم) إشارة إلى انه من باب التمثيل، شبه إيلاء النعمة عليهم وجعلهم ذلك ذريعة إلى الفسق، بالمأمور الذي ورد عليه أمر الآمر المطاع، فامتثل لأمره من غير توقف، ثم أخرج مخرج الاستعارة لطي ذكر المشبه، والجامع ترتب الثاني على الأول لفظ الأمر.
стр. 4624
مأمورون بذلك لتسبب إيلاء النعمة فيه، وإنما خولهم إياها ليشكروا ويعملوا فيها الخير ويتمكنوا من الإحسان والبرّ، كما خلقهم أصحاء أقوياء، وأقدرهم على الخير والشرّ، وطلب منهم إيثار الطاعة على المعصية فآثروا الفسوق، فلما فسقوا حق عليهم القول وهو كلمة العذاب فدمّرهم. فإن قلت: هلا زعمت أن معناه أمرناهم بالطاعة ففسقوا؟ قلت: لأن حذف ما لا دليل عليه غير جائز، فكيف بحذف
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لأن حذف ما لا دليل عليه غير جائز)، يعني: إذا كان لفعل متعلقٌ غير مذكور، فإن وُجد في اللف ما يدل على ذلك المقدر، وكان مناسباً له، قيد المطلق به، كقولك: أمرته فقام، فإن قوله: "فقام" دليلٌ على أن المأمور به القيام، وعلى هذا: أمرناهم ففسقوا، معناه: أمرناهم بالفسق ففسقوا، كما قُدر، وعلى هذا القياس يقال في قولهم: أمرته فعصاني، لكنه لا يستقيم؛ لأن الأمر والعصيان متقابلان من حيث التضاد، وإليه الإشارة بقوله: "ولا تكون ما يناقض الأمر مأموراً به"، فإذن ليس في اللفظ ما يقيد به المطلق، فيترك على إطلاقه ويُجعل تمثيلاً، كما قال. فكأنهم مأمورون بذلك.
قال الإمام: ولقائل أن يقول: كما أن قوله: أمرته فعصاني، يدل على أن المأمور به شيء غير المعصية من حيث إن المعصية منافية للأمر ومناقضة له، فكذلك: أمرته ففسقن يدل على أن المأمور به شيء غير الفسق؛ لأن الفسق عبارة عن الإتيان بضد المأمور به، فكونه فسقاً ينافي كونه مأموراً به. وهذا الكلام في غاية الظهور، فلا أدري لم أصر صاحب "الكشاف" على قوله!
وقلتُ: هذا هو الحق، لقوله تعالى: (كَانَ مِنْ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ)، وتفسير المصنف الفاسق بالخارج عن أمر الله، والمعنى: أمرناهم على لسان الرسول ﷺ بالأعمال الصالحة وهم خالفوا الأمر وأقدموا على الفسق، فالآية من باب الطباق المعنوي، قال
стр. 4625
ما الدليل قائم على نقيضه، وذلك أن المأمور به إنما حذف لأن فسقوا يدل عليه، وهو كلام مستفيض.
يقال: أمرته فقام، وأمرته فقرأ لا يفهم منه إلا أن المأمور به قيام أو قراءة، ولو ذهبت تقدّر غيره فقد رمت من مخاطبك علم الغيب، ولا يلزم على هذا قولهم: أمرته فعصاني، أو فلم يمتثل أمري؛ لأنّ ذلك مناف للأمر مناقض له، ولا يكون ما يناقض الأمر مأمورًا به، فكان محالا أن يقصد أصلا حتى يجعل دالا على المأمور به، فكان المأمور به في هذا الكلام غير مدلول عليه ولا منوي، لأن من يتكلم بهذا الكلام فإنه لا ينوى لأمره مأمورًا به، وكأنه يقول: كان منى أمر فلم تكن منه طاعة، كما أن من يقول: فلان يعطى ويمنع، ويأمر وينهى، غير قاصد إلى مفعول. فإن قلت: هلا كان ثبوت العلم بأن الله لا يأمر بالفحشاء وإنما يأمر بالقصد والخير، دليلا على أن المراد أمرناهم بالخير ففسقوا؟ قلت: لا يصحّ ذلك، لأن قوله (فَفَسَقُوا) يدافعه، فكأنك أظهرت شيئًا وأنت تدعى إضمار خلافه، فكان صرف الأمر إلى المجاز هو الوجه، ونظير «أمر» شاء: في أن مفعوله استفاض فيه الحذف، لدلالة ما بعده عليه، تقول: لو شاء لأحسن إليك، ولو شاء لأساء إليك. تريد: لو شاء الإحسان ولو شاء الإساءة، فلو ذهبت تضمر خلاف ما أظهرت - وقلت: قد دلت حال من أسندت إليه المشيئة أنه من أهل الإحسان أو من أهل الإساءة، فاترك الظاهر المنطوق به وأضمر ما دلت عليه حال صاحب المشيئة - لم تكن على سداد. وقد فسر بعضهم (أَمَرْنا)
بـ (كثرنا)، وجعل أمرته فأمر من باب فعلته ففعل،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ .....
صاحب "الانتصاف": قول الزمخشري حسنٌ، إلا قوله: أنعم عليهم ليشكروا، والحق أنهم خولوا النعمة وأمروا بالشكر ففسقوا وكفروا مخالفة للأمر لا للإرادة.
قوله: (وقد فسر بعضهم (أَمْرِنَا): بـ"كثرنا")، قال ابن جني: وكان أبو علي يستحسن قول الكسائي في قوله تعالى: (لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً) [الكهف: ٧١]، أي: كثيراً، من قوله
следующие страницы →