Полный текст (9 345 стр.). Показаны 4621–4660 · переход к 4626.
стр. 4621
مَنْشُورًا) صفتان للكتاب. أو (يَلْقاهُ) صفة (ومَنْشُورًا) حالٌ من يلقاه (اقْرَا) على إرادة القول. وعن قتادة: يقرأ ذلك اليوم من لم يكن في الدنيا قارئا. (وبِنَفْسِكَ) فاعل (كفى). (وحَسِيبًا) تمييز وهو بمعنى حاسب كضريب القداح بمعنى ضاربها وصريم بمعنى صارم ذكرهما سيبويه. وعلى متعلق به من قولك حسب عليه كذا. ويجوز أن يكون بمعنى الكافي وضع موضع الشهيد فعدّى بـ"على"؛ لأنّ الشاهد يكفى المدّعى ما أهمه. فإن قلت: لم ذكر (حَسِيبًا)؟ قلت: لأنه بمنزلة الشهيد والقاضي والأمير، لأنّ الغالب أنّ هذه الأمور يتولاها الرجال، فكأنه قيل: كفى بنفسك رجلا حسيبا. ويجوز أن يتأوّل النفس بالشخص، كما يقال: ثلاثة أنفس. وكان الحسن إذا قرأها قال: يا ابن آدم، أنصفك والله من جعلك حسيب نفسك.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أحدهما مقام الفاعل، وعليه قوله تعالى: (وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاماً).
قوله: (كضريب القداح)، الجوهري: الضريب الذي يضرب بالقداح وهو الموكل بها، والقدحُ، بالكسر: السهم قبل أن يُراش ويُركب نصله، وقدح الميسر أيضاً، والجمع: قداح.
قوله: (بمعنى: الكافي)، أي: الحسيب، بمعنى: الكافي. الأساس: احتسبت بكذا: اكتفيت، واحتسبني: كفاني، وعلاقة المجاز أن الكافي كما يكفي الشخص مما أهمه، كذلك الشاهد يكفي المدعي ما أهمه.
قوله: (فكأنه قيل: كفى بنفسك رجلاً حسيباً)، يعني: جرد من النفس رجلاً شاهداً، وهو هي.
قوله: (يا ابن آدم، أنصفك - والله- من جعلك حسيب نفسك)، وفي "شرح السُّنة": قال الحسن في قوله تعالى: (كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً): لكل آدمي في عنقه قلادة يكتب فيها نسخة عمله، فغذا مات طويت، وقلدها، وإذا بُعث نُشرت، وقيل له: (اقْرَا كِتَابَكَ كَفَى
стр. 4622
[(مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا)].
أي: كل نفس حاملة وزرا، فإنما تحمل وزرها لا وزر نفس أخرى (وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ) وما صحّ منا صحة تدعو إليها الحكمة أن نعذب قوما إلا بعد أن (نَبْعَثَ) إليهم (رَسُولًا) فتلزمهم الحجة. فإن قلت: الحجة لازمة لهم قبل بعثة الرسل، لأنّ معهم أدلة العقل التي بها يعرف الله، وقد أغفلوا النظر وهم متمكنون منه، واستيجابهم العذاب لإغفالهم النظر فيما معهم، وكفرهم لذلك، لا لإغفال الشرائع التي لا سبيل إليها إلا بالتوقيف، والعمل بها لا يصح إلا بعد الإيمان. قلت: بعثة الرسل من جملة التنبيه على النظر والإيقاظ من رقدة الغفلة، لئلا يقولوا: كنا غافلين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً). يا ابن آدم، أنصفك من جعلك حسيب نفسك.
قوله: (والحجة لازمة لهم قبل بعثه الرسل؛ لأن معهم أدلة العقل)، ثم قوله: (بعثة الرسل من جملة التنبيه على النظر). الانتصاف: هذا مذهبٌ باطلٌ اعتزاليٌ، ومذهب أهل السنة أنه لا حكم قبل الشرع ولا تكاليف إلا به، ولا تجب الحجة إلا بالبعثة، والآية دالة عليه، فلا معنى لتحريفها. وقال محيي السنة: وفي الآية دليل على أن ما وجب، وجب بالسمع لا بالعقل، وكذا عن الواحدي.
قلت: يؤيده قوله تعالى: (رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ) [النساء: ١٦٥]؛ لأن البشارة والنذارة إنما يكونان بالجنة والنار، والعقل لا مجال له في إثباتهما.
стр. 4623
فلولا بعثت إلينا رسولا ينبهنا على النظر في أدلة العقل.
[(وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا)].
(وَإِذا أَرَدْنا) وإذا دنا وقت إهلاك قوم ولم يبق من زمان إمهالهم إلا قليل، أمرناهم (فَفَسَقُوا) أي أمرناهم بالفسق ففعلوا، والأمر مجاز، لأن حقيقة أمرهم بالفسق أن يقول لهم: افسقوا، وهذا لا يكون فبقى أن يكون مجازًا، ووجه المجاز أنه صب عليهم النعمة صبًا، فجعلوها ذريعة إلى المعاصي واتباع الشهوات، فكأنهم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
واعلم أن قوله تعالى: (مَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا) توكيدٌ لمعنى تلك الآية، وأن كل مكلفٍ مرهونٌ بعمله، وعمله كالقلادة في عنقه غير منفك عنه لا يفارقه ولا يتعدى إلى غيره، ثم جاء: (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) تقريراً لهذا المعنى، ومفهوم ذلك كله أنه تعالى بين للمكلف ما عليه وما له وما يحتاج إليه وما خُلق لأجله، غزالة للأعذار، ثم أتى بقوله: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) تذييلاً لها وتقريراً لإزالة الأعذار.
قوله: ((وَإِذَا أَرَدْنَا): وإذا دنا وقت إهلاك قوم)، جعل الإرادة التي هي السبب في الإهلاك تابعة لدنو الوقت. قال القاضي: إذا تعلقت إرادتنا بإهلاك قوم لإنفاذ قضائنا السابق، أمرنا متنعميها بالطاعة على لسان رسول بعثناه إليهم، أو إذا دنا وقته المقدر، كقولهم: إذا أراد المريض أن يموت ازداد مرضه شدة.
قوله: (كأنهم) إشارة إلى انه من باب التمثيل، شبه إيلاء النعمة عليهم وجعلهم ذلك ذريعة إلى الفسق، بالمأمور الذي ورد عليه أمر الآمر المطاع، فامتثل لأمره من غير توقف، ثم أخرج مخرج الاستعارة لطي ذكر المشبه، والجامع ترتب الثاني على الأول لفظ الأمر.
стр. 4624
مأمورون بذلك لتسبب إيلاء النعمة فيه، وإنما خولهم إياها ليشكروا ويعملوا فيها الخير ويتمكنوا من الإحسان والبرّ، كما خلقهم أصحاء أقوياء، وأقدرهم على الخير والشرّ، وطلب منهم إيثار الطاعة على المعصية فآثروا الفسوق، فلما فسقوا حق عليهم القول وهو كلمة العذاب فدمّرهم. فإن قلت: هلا زعمت أن معناه أمرناهم بالطاعة ففسقوا؟ قلت: لأن حذف ما لا دليل عليه غير جائز، فكيف بحذف
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لأن حذف ما لا دليل عليه غير جائز)، يعني: إذا كان لفعل متعلقٌ غير مذكور، فإن وُجد في اللف ما يدل على ذلك المقدر، وكان مناسباً له، قيد المطلق به، كقولك: أمرته فقام، فإن قوله: "فقام" دليلٌ على أن المأمور به القيام، وعلى هذا: أمرناهم ففسقوا، معناه: أمرناهم بالفسق ففسقوا، كما قُدر، وعلى هذا القياس يقال في قولهم: أمرته فعصاني، لكنه لا يستقيم؛ لأن الأمر والعصيان متقابلان من حيث التضاد، وإليه الإشارة بقوله: "ولا تكون ما يناقض الأمر مأموراً به"، فإذن ليس في اللفظ ما يقيد به المطلق، فيترك على إطلاقه ويُجعل تمثيلاً، كما قال. فكأنهم مأمورون بذلك.
قال الإمام: ولقائل أن يقول: كما أن قوله: أمرته فعصاني، يدل على أن المأمور به شيء غير المعصية من حيث إن المعصية منافية للأمر ومناقضة له، فكذلك: أمرته ففسقن يدل على أن المأمور به شيء غير الفسق؛ لأن الفسق عبارة عن الإتيان بضد المأمور به، فكونه فسقاً ينافي كونه مأموراً به. وهذا الكلام في غاية الظهور، فلا أدري لم أصر صاحب "الكشاف" على قوله!
وقلتُ: هذا هو الحق، لقوله تعالى: (كَانَ مِنْ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ)، وتفسير المصنف الفاسق بالخارج عن أمر الله، والمعنى: أمرناهم على لسان الرسول ﷺ بالأعمال الصالحة وهم خالفوا الأمر وأقدموا على الفسق، فالآية من باب الطباق المعنوي، قال
стр. 4625
ما الدليل قائم على نقيضه، وذلك أن المأمور به إنما حذف لأن فسقوا يدل عليه، وهو كلام مستفيض.
يقال: أمرته فقام، وأمرته فقرأ لا يفهم منه إلا أن المأمور به قيام أو قراءة، ولو ذهبت تقدّر غيره فقد رمت من مخاطبك علم الغيب، ولا يلزم على هذا قولهم: أمرته فعصاني، أو فلم يمتثل أمري؛ لأنّ ذلك مناف للأمر مناقض له، ولا يكون ما يناقض الأمر مأمورًا به، فكان محالا أن يقصد أصلا حتى يجعل دالا على المأمور به، فكان المأمور به في هذا الكلام غير مدلول عليه ولا منوي، لأن من يتكلم بهذا الكلام فإنه لا ينوى لأمره مأمورًا به، وكأنه يقول: كان منى أمر فلم تكن منه طاعة، كما أن من يقول: فلان يعطى ويمنع، ويأمر وينهى، غير قاصد إلى مفعول. فإن قلت: هلا كان ثبوت العلم بأن الله لا يأمر بالفحشاء وإنما يأمر بالقصد والخير، دليلا على أن المراد أمرناهم بالخير ففسقوا؟ قلت: لا يصحّ ذلك، لأن قوله (فَفَسَقُوا) يدافعه، فكأنك أظهرت شيئًا وأنت تدعى إضمار خلافه، فكان صرف الأمر إلى المجاز هو الوجه، ونظير «أمر» شاء: في أن مفعوله استفاض فيه الحذف، لدلالة ما بعده عليه، تقول: لو شاء لأحسن إليك، ولو شاء لأساء إليك. تريد: لو شاء الإحسان ولو شاء الإساءة، فلو ذهبت تضمر خلاف ما أظهرت - وقلت: قد دلت حال من أسندت إليه المشيئة أنه من أهل الإحسان أو من أهل الإساءة، فاترك الظاهر المنطوق به وأضمر ما دلت عليه حال صاحب المشيئة - لم تكن على سداد. وقد فسر بعضهم (أَمَرْنا)
بـ (كثرنا)، وجعل أمرته فأمر من باب فعلته ففعل،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ .....
صاحب "الانتصاف": قول الزمخشري حسنٌ، إلا قوله: أنعم عليهم ليشكروا، والحق أنهم خولوا النعمة وأمروا بالشكر ففسقوا وكفروا مخالفة للأمر لا للإرادة.
قوله: (وقد فسر بعضهم (أَمْرِنَا): بـ"كثرنا")، قال ابن جني: وكان أبو علي يستحسن قول الكسائي في قوله تعالى: (لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً) [الكهف: ٧١]، أي: كثيراً، من قوله
стр. 4626
كـ"ثبرته فثبر". وفي الحديث: "خير المالك سكة مأبورة ومهرة مأمورة" أي كثيرة النتاج. وروى أن رجلا من المشركين قال لرسول الله ﷺ : إني أرى أمرك هذا حقيرًا، فقال ﷺ : إنه سيأمر. أي سيكثر وسيكبر. وقرئ: (آمرنا) من أمر وأمره غيره. (وأمّرنا) بمعنى أمرنا، أو من أمر إمارة، وأمره الله.
أي: جعلناهم أمراء وسلطناهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تعالى: (أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا)، ومن قولهم: أمر الشيء، إذا كثُر، ومنه قوله: "خيرُ المال سكة مأبورةٌ ومُهرةٌ مأمورة"، السكة: الطريقة المصطفة من النخل، مأبورة: ملقحة، مأمورة: مُكثرِةُ النسل، والأصل: مؤمرة؛ لأنه من أمرها الله، لكن أتبعها قوله: مأبورة للسجع، وأما قوله: (أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا) فمنقول من: أمر القوم، أي: كثروا، كعلم وعلمته، وسلم وسلمته. ورُوي عن المصنف، أنه قال: ما عول من زعم أن "أمرته" بمعنى: كثرته، إلا على قوله: ومهرة مأمورة، وما هو إلا من الأمر الذي هو نقيض النهي، وهو مجاز أيضاً كما في الآية، لأن الله تعالى قال لها: كوني كثيرة النتاج، فكانت، فهي إذن مأمورة على ما تهبه.
قوله: كـ (ثبرته)، الجوهري: الثبور: الهلاك.
قوله: ("آمرنا" من: أمر)، الجوهري: آمرته- بالمد- وأمرته: لغتان بمعنى: كثرته.
قوله: ("وأمرنا" بمعنى: آمرنا)، قال أبو البقاء: ويُقرأ بالتشديد والقصر، أي: جعلناهم أمراء، وقيل: هو بمعنى الممدودة؛ لأنه تارة يُعدى بالهمزة وأخرى بالتضعيف، واللازم منه: أمر القوم، أي: كثروا.
стр. 4627
[(وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً)].
كَمْ مفعول (أَهْلَكْنا) و (مِنَ الْقُرُونِ) بيان لكم وتمييز له، كما يميز العدد بالجنس، يعني عاد وثموداً وقروناً بين ذلك كثيرا. ونبه بقوله (وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا) على أن الذنوب هي أسباب الهلكة لا غير، وأنه عالم بها ومعاقب عليها.
[(مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُومًا مَدْحُورًا* وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا)].
من كانت العاجلة همه ولم يرد غيرها كالكفرة وأكثر الفسقة، تفضلنا عليه من
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (على أن الذنوب هي أسباب الهلكة لا غيرُ)، ولك من ترتب قوله: (كَمْ أَهْلَكْنَا) على قوله تعالى: (خَبِيراً بَصِيراً)، أي: خبيراً بذنوب العباد وبصيراً بها، لما يعلم أن الذنوب نتائجها الكفر والكفران وتكذيب آيات الله، وقتل الأنبياء وغير ذلك، قال الله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا)، فصح قوله: "إن الذنوب هي أسباب الهلكة لا غير"، والذي يدل على فظاعة شأنها قوله: (وَكَفَى بِرَبِّكَ).
قوله: (من كانت العاجلة همه ولم يُرد غيرها)، يدل على القيد معنى الإرادة، فإن الإرادة هي: عقد القلب بالشيء وخلوص همه فيه، وإنما قال: كالكفرة "والفسقة"؛ لأن الآية قوبلت بها. قوله تعالى: (وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ)، فإن الكافر ينكر الأجل، والفاسق وإن لم ينكر لكنه منهمك في الشهوات، فكأنه معرض عن الآخرة، وفيه إيماء إلى مذهبه.
стр. 4628
منافعها بما نشاء لمن نريد، فقيد الأمر تقييدين، أحدهما: تقييد المعجل بمشيئته. والثاني: تقييد المعجل له بإرادته، وهكذا الحال: ترى كثيرا من هؤلاء يتمنون ما يتمنون ولا يعطون إلا بعضًا منه، وكثيرا منهم يتمنون ذلك البعض وقد حرموه، فاجتمع عليهم فقر الدنيا وفقر الآخرة، وأمّا المؤمن التقى فقد اختار مراده وهو غنى الآخرة، فما يبالى: أوتى حظا من الدنيا أو لم يؤت فإن أوتى فيها وإلا فربما كان الفقر خيرا له وأعون على مراده. وقوله (لِمَنْ نُرِيدُ) بدل من (له)، وهو بدل البعض من الكل، لأن الضمير يرجع إلى «من» وهو في معنى الكثرة. وقرئ: (يشاء). وقيل: الضمير لله تعالى، فلا فرق إذًا بين القراءتين في المعنى ويجوز أن يكون للعبد، على أنّ للعبد ما يشاء من الدنيا، وأن ذلك لواحد من الدهماء يريد به الله ذلك.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فإن أوبي فبها)، النهاية: وفي الحديث: "من توضأ للجمعة فبها"، والباء متعلقة بفعل مضمر، أي: فبهذه الخصلة والفعلة يعني الوضوء، ينالُ الفضل.
قوله: (لأن الضمير يرجع إلى "مَن")، أي: الضمير والمجرور في قوله: يرجعُ إلى (مَن) في قوله: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ) ن وهو يقتضي العموم لأن مريدي العاجلة لا حصر فيهم. وأما المعجل له فمحصورون.
قوله: (فلا فرق إذن بين القراءتين)، أي: قراءة "يشاءُ" بالياء، والضمير لله، والقراءة المشهورة بالنون في كون المشيئة لله تعالى، فدل النون على التعظيم، والياء على التجريد، كأنه قيل: (عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ) من له المشيئة المطلقة وبيده أزمة كل الأمور يفعلُ بمشيئته ما أراد، لا يمنعه مانعٌ.
قوله: (الدهماء)، الجوهري: الدهم: العدد الكثير، ودهماء الناس: جماعتهم.
قوله: (يريد به الله)، ذلك الضمير للعبد، والمشار إليه ما يشاء من الدنيا، والجملة صفة لـ "واحد".
стр. 4629
وقيل: هو من يريد الدنيا بعمل الآخرة، كالمنافق، والمرائي، والمهاجر للدنيا، والمجاهد للغنيمة والذكر، كما قال ﷺ «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه (مَدْحُورًا) مطروداً من رحمة الله (سَعْيَها) حقها من السعي وكفاءها من الأعمال الصالحة. اشترط ثلاث شرائط في كون السعي مشكوراً: إرادة الآخرة بأن يعقد بها همه ويتجافى عن دار الغرور، والسعي فيما كلف من الفعل والترك، والإيمان
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فمن كانت هجرته إلى الله)، الحديث مشهور، أخرجه الأئمة، وهو من باب قولهم: من أدرك الصمان فقد أدرك.
قوله: ((مَدْحُوراً): مطروداً)، الراغب: الدحرُ: الطرد والإبعاد، يقال: دحره دحوراً، قال تعالى: (فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً) [الإسراء: ٣٩]، وقال: (وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ) [الصافات: ٩]، ولم يذكر الدحر في "الصحاح".
قوله: (ويتجافى عن دار الغرور)، مقتبس مما روى المفسرون، أنه ﷺ سُئل: ما علامة شرح الصدر؟ قال: "التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود".
قوله: (والسعي فيما كُلف من الفعل والترك)، استفاده من إقران الإيمان بالسعي ليكون على وزان قوله: (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) [العصر: ٣] والظاهر أن المراد من قوله: (وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ): السعي المختص بها، وما يُنسب إليها، وعرف أن ذلك السعي ما هو، وهو قمع الهوى وترك زينة الدنيا ومراقبة الأحوال بين يدي المولى، كما قال
стр. 4630
الصحيح الثابت. وعن بعض المتقدّمين: من لم يكن معه ثلاث لم ينفعه عمله: إيمان ثابت، ونية صادقة، وعمل مصيب. وتلا هذه الآية. وشكر الله: الثواب على الطاعة.
[(كُلًا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا)].
(كُلًّا) كل واحد من الفريقين، والتنوين عوض من المضاف إليه (نُمِدُّ) هم: نزيدهم من عطائنا، ونجعل الآنف منه مدداً للسالف لا نقطعه، فنرزق المطيع والعاصي جميعا على وجه التفضل (وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ) وفضله (مَحْظُورًا) أي:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ .....
تعالى: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَاوَى) [النازعات: ٤٠ - ٤١]، وفي الألفاظ النبوية: "ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا"، ولما كانت هذه الخصلة واسطة القلادة، جُعلت مقدمتها الإرادة، وقاعدتها الاستقامة على الإيمان، وبنى الجواب عليها. وقيل: (فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً).
الراغب: السعي: المشي السريع، وهو دون العدو، ويستعمل للجد في الأمر، خيراً كان أو شراً. قال تعالى: (وَسَعَى فِي خَرَابِهَا) [البقرة: ١١٤]، (وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى) [النجم: ٣٩]، وأكثر ما يستعمل في الأفعال المحمودة، قال الشاعر:
إن أجز علقمة بن سعد سعيه … لا اجزه ببلاء يوم واحد
وقال تعالى: (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ) [الصافات: ١٠٢]، أي: أدرك ما سعى في طلبه، وخُص المسعاة بطلب المكرمة والسعاية بأخذ الصدقة، وبكسب المُكاتب لعتق رقبتهن وبالنميمة والمساعاة بالفجور.
قوله: (الآنف). الجوهري: الاستئناف: الابتداء، وكذلك الائتناف.
стр. 4631
ممنوعا، لا يمنعه من عاصٍ لعصيانه.
[(انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا)].
(انْظُرْ) بعين الاعتبار (كَيْفَ) جعلناهم متفاوتين في التفضل. وفي الآخرة التفاوت أكبر، لأنها ثواب وأعواض وتفضل، وكلها متفاوتة. وروى أن قوما من الأشراف فمن دونهم اجتمعوا بباب عمر ﵁، فخرج الإذن لبلالٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لأنها ثواب وأعواض وتفضل، وكلها متفاوتة)، الضمير في "أنها" مبهم، يفسره ما بعده، كقوله تعالى: (إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا) [الأنعام: ٢٩]، قال: "هذا ضميرٌ لا يعلم ما يعني به إلا ما يتلوه من بيانه"، إلى قوله: "لأن الخبر يدل عليها". ويجوز أن يكون المضاف محذوفاً، أي: أفعال الآخرة، يعني: أفعال الله في الآخرة مع العبد ثواب وأعواض وتفضل.
وفي بعض الحواشي الوارد على أصولهم: أفعال الله تعالى اليوم لا تخلو من صلا وإصلاح ولطف، وأفعاله غداً على سبيل الجزاء إما ثواب أو عوض أو تفضل، فالصلاح ضد الفساد، وكل ما عري عن الفساد سُمي صلاحاً، وهو: الفعل المتوجه إلى الخير من قوام العالم، وبقاء النوع عاجلاً، والمؤدي إلى السعادة السرمدية آجلاً. والأصلح، وهو إذا كان صلاحان أو خيران، وكان أحدهما أقرب على الخير المطلق فهو الأصلح. واللطف: هو وجه التيسير إلى الخير، وهوا لفعل الذي علم الرب أن العبد يطيع عندهن وليس في مقدور الله لطف وفعل لو فعله لأمن الكفار. ثم الثواب هو: الجزاء على أعمال الخير، والعوض هو: البدل عن الفائت، كالسلامة التي هي بدل الألم، والنعم التي هي في مقابلة البلايا والمحن والرزايا والفتن، والتفضل هو: إيصال منفعة خالصة إلى الغير من غير استحقاق، يستحق، أي: الله، بذلك حمداً وثناء ومدحاً وتعظيماً، ووصف بأنه محسن مجمل، وإن لم يفعله لم يستوجب بذلك ملاماً وذماً.
قوله: (وروي أن قوماً من الأشراف فمن دونهم اجتمعوا بباب عمر ﵁،
стр. 4632
وصهيب، فشق على أبي سفيان، فقال سهيل بن عمرو: إنما أُتينا من قبلنا، إنهم دعوا ودعينا يعنى إلى الإسلام، فأسرعوا وأبطأنا، وهذا باب عمر، فكيف التفاوت في الآخرة، ولئن حسدتموهم على باب عمر لما أعدّ الله لهم في الجنة أكثر. وقرئ: (وأكثر تفضيلاً). وعن بعضهم: أيها المباهي بالرفع منك في مجالس الدنيا، أما ترغب في المباهاة بالرفع في مجالس الآخرة وهي أكبر وأفضل؟ !
[(لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا)].
(فَتَقْعُدَ) من قولهم شحذ الشفرة حتى قعدت، كأنها حربة بمعنى صارت،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وروى ابن عبد البر في "الاستيعاب"، عن الحسن: حضر جماعة من الناس بباب عمر ﵁، وفيهم سُهيل بن عمرو القرشي، وكان أحد الأشراف في الجاهلية، وأبوسفيان بن حرب وأولئك الشيوخ من قريش، فأذن لصهيب وبلال وأهل بدر، وكان يحبهم، وكان قد أوصى بهم، فقال أبو سفيان: ما رأيت كاليوم قط! إنه ليؤذن لهؤلاء العبيد ونحن جلوس لا يلتفت إلينا، فقال سهيل، وكان أعقلهم: أيها القوم، إني والله قد أرى الذي في وجوهكم، فإن كنتم غضاباً فاغضبوا على أنفسكم، دُعي القوم ودعيتم، فأسرعوا وأبطأتم، أما والله لما سبقوكم به من الفضل أشد عليكم فوتاً من بابكم هذا الذي تنافسون عليه.
وروى أيضاً: أن الحارث بن هشام وسهيلاً هذا دخلا على عمر ﵁ فجلسا وهو بينهما، فجعل المهاجرون الأولون يأتون فيقول: هاهنا يا سهيل، هاهنا يا حارث، فينحيهما عنه، وجعل الأنصار يأتون فينحيهما حتى صارا في آخر الناس، فلما خرجا قال الحارث لسهيل: ألم تر ما صنع بنا؟ فقال سهيل: إن الرجل لا لوم عليه، ينبغي أن نرجع باللوم على أنفسنا، دُعي القوم فاسرعوا ودُعينا فأبطأنا، تمامه ذُكر في سورة التوبة.
стр. 4633
يعني: فتصير جامعا على نفسك الذم وما يتبعه من الهلاك من إلهك، والخذلان والعجز عن النصرة ممن جعلته شريكاً له.
[(وَقَضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيمًا* وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا)].
(وَقَضى رَبُّكَ) وأمر أمرًا مقطوعا به (أَلَّا تَعْبُدُوا) أن مفسرة ولا تعبدوا نهى. أو بأن لا تعبدوا (وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا) وأحسنوا بالوالدين إحساناً. أو بأن تحسنوا بالوالدين إحسانا وقرئ: (وأوصى) وعن ابن عباس ﵄: ووصى. وعن بعض ولد معاذ بن جبل: (وقضاء ربك). ولا يجوز أن يتعلق الباء في بالوالدين بالإحسان، لأن المصدر لا يتقدّم عليه صلته (إِمَّا) هي «إن»
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (جامعاً على نفسك الذم وما يتبعه من الهلاك من إلهك)، يعني: أن المشرك قد ذمه الله، ومن ذمه الله يهلكه، وما يتبعه تفسير الذم. الخذلان: عطفٌ على الذم وإنما دل على الجمع إيقاع (مَذْمُوماً مَخْذُولاً) خبراً بعد خبر لقوله: (فَتَقْعُدَ). قال القاضي: ومفهومه أن الموحد يكون ممدوحاً منصوراً.
قوله: ((وَقَضَى رَبُّكَ)، وأمر أمراً مقطوعاً به)، ضمن "قضى" معنى الأمر؛ ليكون جامعاً للمعنيين: الأمر والقضاء الذي هو القطع، ولذلك كان "أن" في قوله: (أَلاَّ تَعْبُدُوا) مفسرة، وكأن النهي في معنى الأمر، أي: اعبدوا، ليناسب عطف "وأحسنوا" عليه، وسبق في "الأنعام" عند قوله: (أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ) [الأنعام ١٥١] الآية، ما يقرب من هذا العطف.
قوله: (أو: بأن تُحسنوا بالوالدين إحسانا)، هذا على أن تكون "أنْ" موصولة لا مفسرة، ففيه لف ونشر.
стр. 4634
الشرطية زيدت عليها «ما» تأكيدا لها، ولذلك دخلت النون المؤكدة في الفعل، ولو أفردت «إن» لم يصح دخولها، لا تقول: إن تكرمن زيدًا يكرمك، ولكن إما تكرمنه. (وأَحَدُهُما) فاعل (يبلغنّ)، وهو فيمن قرأ يبلغان بدل من ألف الضمير الراجع إلى الوالدين. وكِلاهُما عطف على أحدهما فاعلا وبدلا. فإن قلت: لو قيل إما (يبلغان) كلاهما، كان (كلاهما) توكيدا لا بد لا، فمالك زعمت أنه بدل؟ قلت: لأنه معطوف على ما لا يصح أن يكون توكيدا للاثنين، فانتظم في حكمه، فوجب أن يكون مثله. فإن قلت: ما ضرّك لو جعلته توكيدًا مع كون المعطوف عليه بدلا، وعطفت التوكيد على البدل؟ قلت: لو أريد توكيد التثنية لقيل: كلاهما، فحسب،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وهو فيمن قرأ: "يبلغان")، بالتشديد، حمزة والكسائي: "إما يبلغان" بسر النون والألف قبلها، والباقون بفتحها من غير ألف. قال أبو البقاء: ألفُ "يبلغان" بالتشديد: فاعل، و (أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا): بدلٌ منه، وقال أبو علي: هو توكيد. ويجوز أن يكون (أَحَدُهُمَا) مرفوعاً لفعل محذوف، أي: إن بلغ أحدهما أو كلاهما، وفائدته التوكيد أيضاً. ويجوز أن تكون الألف حرفاً للتثنية، والفاعل (أَحَدُهُمَا).
قوله: (لو قيل: إما يبلغان كلاهما، كان (كِلاهُمَا) توكيداً لا بدلاً)؛ لأنه مثلُ قول: جاءني الزيدان كلاهما، فإن كلاهما: توكيد باتفاق؛ لأنه يدل على ما دل عليه الزيدان، فكذا يُفهم من كلاهما ما يفهم من ضمير الأبوين. قال صاحب "التقريب": وفيه نظر، إذ جاز كونه تأكيداً.
وقوله: (لو أريد توكيد التثنية لقيل: كلاهما، فحسب)، ممنوعٌ، وأنه إنما يلزم لو أريد التأكيد فحسب من غير تقدم ذكر أحدهما، فكأنه قال: إما يبلغان أحدهما، أو يبلغان كلاهما، والأول: بدلٌ، والثاني: تأكيد.
стр. 4635
فلما قيل: (أحدهما أو كلاهما)، علم أنّ التوكيد غير مراد، فكان بدلاً مثل الأول (أُفٍّ) صوت يدل على تضجر. وقرئ: (أُفٍّ)، بالحركات الثلاث منونًا وغير
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقلت: كلام المصنف مبني على أن (كِلاهُمَا) عطفٌ على "أحدهما"، لا على التقديرين، فإنه يعود إلى عطف الجملة على الجملة، والمقصود أحد الأمرين لإفادة الشمول والإحاطة في أحدهما دون الآخر. وأيضاً، لو كان أريد الشمول لم يقل: أحدهما، لكونه منافياً للشمول والإحاطة، فنه لدفع التجوز في إرادة الوحدة.
وقال صاحب "الفرائد": لما كان (أَحَدُهُمَا) لم يصلح أن يكون توكيداً للتثنية وهو ضمير "يبلغان"، وجب أن يكون بدلاً، والبدل في حكم تكرير العامل، فلزم أن يكون التقدير: يبلغ أحدهما، ولما كان (كِلاهُمَا) عطفاً على (أَحَدُهُمَا)، انقطع عن الضمير، فلم يُمكن أن يكون مؤكداً له؛ لأنه فاعل فعل آخر، والمؤكد لا فعل له إلا الفعل المذكور.
قوله: (وقرئ (أفٍ) بالحركات الثلاث)، نافع وحفص: بالتنوين وكسر الفاء، وابن كثير وابن عامر: بفتح الفاء من غير تنوين، والباقون بكسرها من غير تنوين.
وقال ابن جني: قرأ أبو السمال"أُفُّ" مضمومة غير منونة، وقرأ ابن عباس: "أف" خفيفة، وقال هارون النحوي: ويُقرأ "أفٌّ" بالتنوين، ولو قرئت "أفاً" لجاز، ولكن ليس في الكتاب ألفٌ.
وقال ابن جني: فيها ثماني لغات: أفِّ، وأُفٍّ، وأفاً، وأُفٌّ، وأفي ممالٌ، وأفْ خفيفة ساكنة. وأما قوله: "والتشديد كثُمَّ" فمعناه أنه على وزنه.
وقال أبو البقاء: من كسر بناه على الأصل؛ لأنه: اسم فعل، ومعناه التضجر والكراهة، أي: لاتقل لهما: كُفا، أو: اتركا. وقيل: هي: اسمٌ للجمل الخبرية، أي: كرهت، أو ضجرت من مداراتكما. ومن فتح طلب التخفيف مثل رب، ومن ضم أتبع، ومن نون أراد التنكير، ومن لم ينون أراد التعريف، ومن خفف الفاء حذف أحد المثلين تخفيفاً.
стр. 4636
منون: الكسر على أصل البناء، والفتح تخفيف للضمة والتشديد كـ"ثم"، والضم إتباع كـ"منذ". فإن قلت: ما معنى عندك؟ قلت: هو أن يكبرا ويعجزا، وكانا كلا على ولدهما لا كافل لهما غيره، فهما عنده في بيته وكنفه، وذلك أشق عليه وأشدّ احتمالاً وصبراً، وربما تولى منهما ما كانا يتوليان منه في حال الطفولة، فهو مأمور بأن يستعمل معهما وطأة الخلق ولين الجانب والاحتمال، حتى لا يقول لهما إذا أضجره ما يستقذر منهما أو يستثقل من مؤنهما: أف، فضلا عما يزيد عليه. ولقد بالغ سبحانه في التوصية بهما حيث افتتحها بأن شفع (وبالوالدين إحسانا) الإحسان إليهما بتوحيده، ونظمهما في سلك القضاء بهما معاً، ثم ضيق الأمر في مراعاتهما حتى لم يرخص في أدنى كلمة تنفلت من المتضجر مع موجبات الضجر ومقتضياته، ومع أحوال لا يكاد يدخل صبر الإنسان معها في استطاعة (وَلا تَنْهَرْهُما) ولا تزجرهما عما يتعاطيانه مما لا يعجبك. والنهى والنهر والنهم: أخوات (وَقُلْ لَهُما) بدل التأفيف والنهر (قَوْلًا كَرِيمًا) جميلا، كما يقتضيه حسن الأدب والنزول على المروءة. وقيل: هو أن يقول: يا أبتاه، يا أماه، كما قال إبراهيم لأبيه: (يا أبت) [مريم: ٤٢]، مع كفره، ولا يدعوهما بأسمائهما فإنه من الجفاء وسوء الأدب وعادة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقال ابن جني: وكان القياس إذا خففت أن تُسكن آخرها؛ لأنه لم يلتق فيها ساكنان فتُحرك، لكنهم بقوا الحركة مع التخفيف أمارة ودلالة على أنها قد كانت مثقلة مفتوحة.
الراغب: أصل الألف: كل مستقذر من وسخ وقلامة ظفر ونحوهما، ويقالُ ذلك لكل مستخف به استقذاراً له، نحو: (أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) [الأنبياء: ٦٧]، وقد أففت لكذا، إذا قلت ذلك استقذاراً له، ومنه قيل للضجر من استقذار شيء: أفف فلان.
قوله: (هو أن يكبرا ويعجزا)، يعني: معنى (عِنْدِكَ) هاهنا: كناية عن العجز وعن كونهما كلا على ولدهما.
стр. 4637
الدعار، قالوا: ولا بأس به في غير وجهه، كما قالت عائشة ﵂: نحلني أبو بكر كذا. وقرئ (جَناحَ الذُّلِّ)، والذل: بالضم والكسر فإن قلت: ما معنى قوله (جَناحَ الذُّلِّ)؟ قلت: فيه وجهان، أحدهما: أن يكون المعنى: واخفض لهما جناحك كما قال (وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ)] الحجر: ٨٨ [فأضافه إلى الذل أو الذلّ، كما أضيف حاتم إلى الجود على معنى: واخفض لهما جناحك الذليل أو الذلول. والثاني: أن تجعل لذله أو لذله لهما جناحاً خفيضًا، كما جعل لبيد للشمال يدًا، وللقرة زماماً،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (الدعار)، الجوهري: الدعارة: الفسق والخبث، يقال: هو خبيث داعرٌ بين الدعارة.
قوله: (نحلني أبو بكر كذا)، تمامه: ما ذُكر في النسائي من حديث أبي بكر ﵁: إني كنتم نحلتك جداد عشرين وسقاً بالعالية.
قوله: (وقرئ: (جَنَاحَ الذُّلِّ) و"الذل" بالضم والكسر)، بالضم: السبعة، والكسر: قرأه ابن عباس وعروة بن الزبير، قال ابن جني: الذل بالكسر في الدابة: ضد الصعوبة، وبالضم للإنسان، وهو ضد العز، كأنهم إنما فرقوا لان ما يلحق الإنسان أكثر قدراً مما يلحق الدابة، فاختاروا الضمة لقوتها للإنسان، والكسرة لضعفها للدابة، ولاتستنكر مثل هذا ولا تنب عنه، فإنه من عرف أنسن ومن جهل استوحش، وفي قول المصنف: جناحك الذليل أو الذلول، لمحة من هذا المعنى.
قوله: ٠ جعل لبيدٌ لشمال يداً، وللقرة زماماً؛ مبالغة)، يعني: في قوله:
стр. 4638
مبالغة في التذلل والتواضع لهما (مِنَ الرَّحْمَةِ): من فرط رحمتك لهما وعطفك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وغداة ريح قد كشفت وقرة … إذ أصبحت بيد الشمال زمامها
شبه الشمال بالإنسان، ثم خيل أنها إنسانٌ بعينه، ثم أضيف إليه على سبيل الاستعارة التخيلية ما يُلازم الإنسان ند التصرف، وهو اليد قائلاً: بيد الشمال، وحكم الزمام مع القرة حكم اليد مع الشمال عند التصرف، كذا هاهنا: شبه الذل بالطائر، ثم أثبت له ما يلازم الطائر عند انحطاطه وانخفاضه من الجناح. وعلى الأول خفض الجناح كناية عن التواضع، وكان في الأصل استعارة تمثيلية، شبه ما يتصور من الإنسان في حال التواضع من الانخفاض، بما يشاهد من الطائر عند انحطاطه من الجو، ثم كثر استعماله فيه حتى صار عبارة عن مجرد التواضع، ثم أضيف إلى الذل تتميماً لإرادة التواضع.
الراغب: الجناح: جناح الطائر، يقال: جنح الطائر: إذا كُسر جناحه، وسُمي جانبا الشيء جناحيه، كجناحي العسكر والسفينة والوادي. وقال تعالى: (وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ) أي: جانبكن وقوله: (إِلَيْكَ جَنَاحَكَ) عبارة عن اليد لكون الجناح كاليد. وقوله: (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ) استعارة، وذلك أن الذل ضربان: ضرب يضع الإنسان، وضربٌ يرفعه، وقصد في هذا المكان إلى ما يرفعه، فكأنه قيل: استعمل الذل الذي يرفعك عند الله تعالى من أجل اكتسابك الرحمة أو من اجل رحمتك لهما. وجنح الليل: إذا أظل بظلامه، والجنح: قطعة من الليل مظلمة، وجنحت السفينة: إذا مالت إلى أحد جانبيها، وسُمي الإثم المائل بالإنسان عن الحق جناحا، ثم سمي كل إثم جناحاً، وجوانح الصدر: الأضلاع المتصلة رؤوسها في وسط الزور، الواحدة جانحة، لما فيها من الميل.
قوله: (مبالغة في التذلل والتواضع لهما)، أي: للوالدين.
قوله: ((مِنْ الرَّحْمَةِ) من فرط رحمتك لهما)، جعل (مِن) في (مِنْ الرَّحْمَةِ) ابتدائية
стр. 4639
عليهما، لكبرهما وافتقارهما اليوم إلى من كان أفقر خلق الله إليهما بالأمس، ولا تكتف برحمتك عليهما التي لا بقاء لها وادع الله بأن يرحمهما رحمته الباقية، واجعل ذلك جزاء لرحمتهما عليك في صغرك وتربيتهما لك. فإن قلت: الاسترحام لهما إنما يصح إذا كانا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لا بيانية، إذ لو بين الجناح بها لرجعت الاستعارة إلى التشبيه التجريدي، كقوله تعالى: (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ) [البقرة: ١٨٧]، قال أبو البقاء: من أجل رفقك بهما، فـ"مِن" متعلقة بـ"اخفض"، ويجوز أن تكون حالاً من جناح، وقال صاحب "الفرائد": التواضعُ والتذللُ ربما يكونان لأمرٍ آخر لا للرحمة والعطف، فقوله: (مِنْ الرَّحْمَةِ) معناه: من أجل الرحمة، يعني ينبغي أن لا يكون ذلك التذلل للخوف أو لأمر آخر.
قوله: (وادع الله بأن يرحمهما رحمته الباقية، واجعل ذلك جزاءً لرحمتهما عليك في صغرك وتربيتهما لك)، هذا المعنى يعطيه معنى كاف التشبيه. قال أبو البقاء: (كَمَا): نعت مصدرٍ محذوف، أي: رحمة مثل رحمتها لي، وقال القاضي: ارحمهما رحمةً مثل رحمتهما عليَّ وتربيتهما وإرشادهما لي في صغري وفاءً بوعدك للراحمين. وقلتُ: "ما" في (كَما): مصدرية، والوقت فيه مقدر، أي: ارحمهما في وقت أحوج ما يكونان إلى الرحمة من جميع الأوقات، كوقت رحمتهما علي وأنا في حالة الصغر كلحم على وضم وليس ذلك إلا في القيامة، والرحمة هي الجنة. ولهذا قال: رحمته الباقية. هذا هو التحقيق.
ونقل صاحب "اللباب" عن بعضهم: أنا لكاف في (كَمَا رَبَّيَانِي): لتأكيد الوجود. وذكر الشارح في توجيهه أنه ليس الكاف فيه للقران في الوقوع، كما في قولك: كما حضر زيدٌ قام عمرو، لأن التربية من الوالدين واقعة والرحمة لهما مطلوب الوقوع؛ لأنها مذكورة بصيغة الأمر في (رَّبِّ ارْحَمْهُمَا)، فالكاف ليس للمقارنة في الوقوع، بل لتاكيد وجود الرحمة،
стр. 4640
مسلمين. قلت: وإذا كانا كافرين فله أن يسترحم لهما بشرط الإيمان، وأن يدعو الله لهما بالهداية والإرشاد، ومن الناس من قال: كان الدعاء للكفار جائزًا ثم نسخ. وسئل ابن عيينة عن الصدقة عن الميت فقال: كل ذلك واصل إليه، ولا شيء أنفع له من الاستغفار. ولو كان شيء أفضل منه لأمركم به في الأبوين. ولقد كرّر الله سبحانه في كتابه الوصية بالوالدين. وعن النبيّ ﷺ رضا الله في رضا الوالدين، وسخطه في سخطهما
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أي: أوجد رحمتهما إيجاداً مؤكداً محققاً كما أوجد الوالدان التربية إيجاداً محققاً في الزمان الماضي.
قوله: (فقال: كل ذلك واصل إليه)، يعني: لا يسأل عن الصدقة وحدها، فإن كلا مما تعورف من الميراث واصلٌ إليه.
قوله: (ولا شيء أنفع [له] من الاستغفار)، يؤيده ما روينا عن أبي داود وابن ماجه، عن أسيد الساعدي قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ ، إذ جاءه رجلٌ فقال: يا رسول الله هل بقي من بر والدي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ قال: "نعم، الصلاة عليهما والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما".
قوله: (لأمركم به في الأبوين): أي: المأمور به الاستغفار. وفي الآية المأمور به الاسترحام لقوله: (وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا)؛ لأن الاسترحام بمعنى الاستغفار.
قوله: (رضا الله في رضا الوالدين) عن ابن عمرو بن العاص: أن رسول الله ﷺ قال: "رضا الرب في رضا الوالد، وسخط الرب في سخط الوالد"، أخرجه الترمذي.
стр. 4641
وروي: «يفعل البارّ ما يشاء أن يفعل فلن يدخل النار، ويفعل العاق ما يشاء أن يفعل فلن يدخل الجنة».
وروى سعيد بن المسيب: إنّ البارّ لا يموت ميتة سوء. وقال رجل لرسول الله ﷺ : إنّ أبويّ بلغا من الكبر أني ألي منهما ما وليا مني في الصغر، فهل قضيتهما؟ قال: لا، فإنهما كان يفعلان ذلك وهما يحبان بقاءك، وأنت تفعل ذلك وأنت تريد موتهما»، وشكا رجل إلى رسول الله أباه وأنه يأخذ ماله، فدعا به فإذا شيخ يتوكأ على عصا، فسأله فقال: إنه كان ضعيفًا وأنا قوى، وفقيرًا وأنا غنيّ، فكنت لا أمنعه شيئًا من مالي، واليوم أنا ضعيف وهو قوي، وأنا فقير وهو غنيّ، ويبخل عليّ بماله، فبكى رسول الله ﷺ وقال: ما من حجر ولا مدر يسمع هذا إلا بكى، ثم قال للولد: أنت ومالك لأبيك، أنت ومالك لأبيك. وشكا إليه آخر سوء خلق أمّه فقال: لم تكن سيئة الخلق حين حملتك تسعة أشهر؟ قال: إنها سيئة الخلق. قال: لم تكن كذلك حين أرضعتك حولين؟ قال إنها سيئة الخلق. قال: لم تكن كذلك حين أسهرت لك ليلها وأظمأت نهارها؟
قال: لقد جازيتها. قال: ما فعلت؟ قال: حججت بها على
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ورُوي: يفعل البارُّ)، إن رُوي بضم اللام يكون خبراً في معنى الطلب، كقوله تعالى: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ) [البقرة: ٢٣٣]، وإن رُوي بكسرها، يكون من قبيل: محمد تفد نفسك كل نفس، أي: لتفد.
قوله: (أنت ومالك لأبيك)، روى أبو داود، عن ابن عمرو بن العاص، أن رسول الله ﷺ أتاه رجلٌ فقال: يا رسول الله، إن لي مالاً وولداً، وإن والدي يجتاح مالي، قال: "أنت ومالك لأبيك". النهاية: يجتاح مالي، أي: يستأصله، ويأتي عليه أخذاً وإنفاقاً، والاجتياح من الجائحة، وهي الآفة التي تهلك الثمار والأموال وتستأصلها.
стр. 4642
عاتقي. قال: ما جزيتها ولو طلقة وعن ابن عمر أنه رأى رجلاً في الطواف يحمل أمّه ويقول:
إنِّي لَهَا مَطِيَّةٌ لَا تُذْعَرُ … إذَا الرِّكَابُ نَفَرَتْ لَا تَنْفِرُ
مَا حَمَلَتْ وَأَرْضَعَتْنِي أَكْثَرُ … اللَّهُ رَبِّي ذُو الْجَلَالِ الأَكْبَرُ
تظنني جازيتها يا ابن عمر؟ قال: لا ولو زفرة واحدة. وعنه ﵊ «إياكم وعقوق الوالدين، فإنّ الجنة توجد ريحها من مسيرة ألف عام ولا يجد ريحها عاق ولا قاطع رحم ولا شيخ زان ولا جارّ إزاره خيلاء، إنّ الكبرياء لله رب العالمين».
وقال الفقهاء: لا يذهب بأبيه إلى البيعة، وإذا بعث إليه منها ليحمله فعل، ولا يناوله الخمر. ويأخذ الإناء منه إذا شربها. وعن أبي يوسف: إذا أمره أن يوقد تحت قدره وفيها لحم الخنزير أوقد. وعن حذيفة أنه استأذن النبيّ ﷺ في قتل أبيه وهو في صف المشركين، فقال: دعه يليه غيرك. وسئل الفصيل بن عياض عن برّ الوالدين فقال: أن لا تقوم إلى خدمتهما عن كسل. وسئل بعضهم فقال: أن لا ترفع صوتك عليهما، ولا تنظر شررًا إليهما، ولا يريا منك مخالفة في ظاهر ولا باطن، وأن تترحم عليهما ما عاشا، وتدعو لهما إذا ماتا، وتقوم بخدمة أودّائهما من بعدهما. فعن النبيّ ﷺ :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ولو طلقة). النهاية: وفي حديث ابن عمر، أن رجلاً حج بأمه فحملها على عاتقه فسأله: هل قضى حقها؟ قال: "لا، ولا طلقة واحدة". الطلقة: وجع الولادة. والطلقة: المرة الواحدة.
قوله: (لاتذعر)، الذعر: الفزع.
قوله: (ولو زفرة واحدة). الأساس: على ظهره زفرٌ من الأزفار: حملٌ ثقيلٌ، يزفر منه وقد زفره يزفره: حمله.
стр. 4643
"إنّ من أبر البرّ أن يصل الرجل أهل ودّ أبيه".
[(رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا)].
(بِما فِي نُفُوسِكُمْ) بما في ضمائركم من قصد البر إلى الوالدين واعتقاد ما يجب لهما من التوقير إِنْ (تَكُونُوا صالِحِينَ) قاصدين الصلاح والبر، ثم فرطت منكم - في حال الغضب، وعند حرج الصدر وما لا يخلو منه البشر، أو لحمية الإسلام - هنة تؤدّى إلى أذاهما، ثم أنبتم إلى الله واستغفرتم منها، فإن الله غفور
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (إن من أبر البر) الحديث من رواية مسلم والترمذي وأبي داود، عن ابن عمر، وقال: قال رسول الله ﷺ : "إن من أبر البر صلة الرجل أهل وُد أبيه بعد أن تولى",
قوله: (من قصد البر)، بيان لـ"ما في ضمائركم"، وإنما خصه ببر الوالدين، وهو عام، لما سبق من التوصية بهما، وفصل قوله: (رَبُّكُمْ أَعْلَمُ) عما قبله للاستئناف على سبيل التعليل، أي: أحسنوا إليهما؛ لأن ربكم أعلمُ بما في نفوسكم من قصد البر فلا تقصروا فيه، وابذلوا جُهدكم وطاقتكم، فإنه يجازيكم على إحسانكم، ثم اتجه لهم أن يقولوا: نحن بشرٌ ربما يفرط منا فرطات وتسبق هنات من غير اختيار منا في بعض الأوقات، فكيف يكون حالنا؟ فقيل: (إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ)، أي: قاصدين الصلاح، فإن الله غفور بكم.
ولما كان قوله: (فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً) جزاء لقوله: (إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ) ولم يستقم بظاهره أن يكون مسبباً عنه؛ لأن الغفران يستدعي الذنب، لا جرم قدر ما يقتضيه المقام منقوله: "ثم فرطت منكم" إلى قوله: "ثم أبتم إلى الله تعالى واستغفرتم منها".
قوله: (هنه). الجوهري: في فلانٍ هناتٌ، أي: خصلات شر، ولا يقال ذلك في الخير.
стр. 4644
(لِلْأَوَّابِينَ) للتوّابين. وعن سعيد بن جبير: هي في البادرة تكون من الرجل إلى أبيه لا يريد بذلك إلا الخير. وعن سعيد بن المسيب: الأوّاب الرجل كلما أذنب بادر بالتوبة. ويجوز أن يكون هذا عامًّا لكل من فرطت منه جناية ثم تاب منها، ويندرج تحته الجاني على أبويه التائب من جنايته، لوروده على أثره.
[(وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا* إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا)].
(وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ) وصى بغير الوالدين من الأقارب بعد التوصية بهما، وأن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((لِلأَوَّابِينَ): للتوابين)، الراغب: الأوبُ: ضربٌ من الرجوع، ولا يقالُ إلا في الحيوان الذي له إرادة، والرجوع عام، والأواب كالتواب، وهو الراجع إلى الله تعالى من المعاصي، وفعل الطاعات، ومنه قيل للتوبة: أوبةٌ.
قوله: (في البادرة). الجوهري: هي الحدة.
الراغب: يُعبر عن الخطأ الذي يقع عن حدة: بادرة، يقال: كانت من فلان بوادر في هذا الأمر.
قوله: (كلما أذنب): صفة للرجل لإرادة الجنسية منه.
قوله: (ويجوز أن يكون هذا عاماً): عطفٌ على قوله: "فرطت، أي: فرطت هنة تؤدي إلى أذاهما"، وفُسرت بقوله: "هي البادرة تكون من الرجل إلى أبيه".
قوله: (وصى بغير الوالدين). الأساس: وصيتك بفلان أن تبره، ووصى الشيء بالشيء: وصله له.
стр. 4645
يؤتوا حقهم: وحقهم إذا كانوا محارم كالأبوين والولد،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وحقهم إذا كانوا محارم كالأبوين) بعد قوله: "وصى بغير الوالدين من الأقارب"، يوهم التناقض، وكذلك قوله: "وإن كانوا مياسير فحقهم صلتهم بالمودة"، مخالفٌ لقوله: "وهذا دليل على أن المراد بما يؤتي ذوي القربى من الحق هو تعهدهم بالمال"، ويمكن أن يقال: إن ذا القربى مطلق شائع [فيمن يوجد فيه معنى القرابة من الوالدين والولد وغيرهم، فقيد بغير الوالدين لعطف هذه التوصية على التوصية بالوالدين، وهو المراد بقوله: "وصى بغير الوالدين بعد التوصية بهما".
وأما قوله: "وأن يؤتوا حقهم"، فعطف على مجموع قوله بغير الوالدين من الأقارب بعد التوصية بهما.
وأما قوله: "وحقهم"، فالضمير فيه راجعٌ إلى الأبوين وذوي القربى؛ وكذلك حقه مطلق شائع] فيما يجب فيه مراعاة حق الأقرباء من النفقة، والزكاة والمودة وحُسن المعاشرة، فيفيد أيضاً بالزكاة، لعطف (وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ) على ذي القربى، وهو الذي عني بقوله: "آت هؤلاء حقهم من الزكاة، وهذا دليلُ" إلى آخره.
قال الإمام: "آت ذا القربى" مجمل، وليس فيه أن ذلك الحق ما هو؟ وعند الشافعي ﵁: لا يجب الإنفاق إلا على الوالد والولد بقدر الحاجة، واتفقوا على أن من لم يكن من المحارم كأبناء العم، لا حق لهم إلا المودة وحسن المعاشرة. وأما المسكين وابن السبيل فقد تقدم حكمهما في سورة التوبة.
وقلت: ويمكن أن يُترك (ذَا الْقُرْبَى) و (حَقَّهُ) على إطلاقهما، ويُحمل (وَآتِ) على عموم المجاز، لتكون الآية من الجوامع، فيدخل فيه الإنفاق على الوالدين وبرهما فيها دخولاً أولياً، والله أعلم.
стр. 4646
وفقراء عاجزين عن الكسب، وكان الرجل موسرًا: أن ينفق عليهم عند أبى حنيفة. والشافعي لا يرى النفقة إلا على الولد والوالدين فحسب. وإن كانوا مياسير، أو لم يكونوا محارم: كأبناء العمّ، فحقهم صلتهم بالمودّة والزيارة وحسن المعاشرة والمؤالفة على السراء والضراء والمعاضدة ونحو ذلك.
(وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيل) يعني: وآت هؤلاء حقهم من الزكاة. وهذا دليل على أن المراد بما يؤتى ذوى القرابة من الحق: هو تعهدهم بالمال. وقيل: أراد بذي القربى أقرباء رسول الله ﷺ .
التبذير. تفريق المال فيما لا ينبغي. وإنفاقه على وجه الإسراف. وكانت الجاهلية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وفقراء عاجزين) عطفٌ على محارم"، و"أن يُنفق عليهم": خبرُ "حقهم".
قوله: (وإن كانوا مياسير أو لم يكونوا محارم … فحقهم): الجملة معطوفة على قوله: "وحقهم إذا كانوا محارم"، إلى آخره.
قوله: (أراد بذي القربى: أقرباء الرسول ﷺ ، قال الإمام: (وَآتِ) خطابٌ مع من؟ فيه قولان: أحدهما: أنه خطابٌ للرسول ﷺ ، فأُمر أن يُؤتي أقاربه الحقوق التي وجبت لهم في الفيء والغنيمة، وأوجب عليه أيضاً إخراج حق المسكين وأبناء السبيل من هذين المالين. وثانيهما: أنه خطاب للكل لدلالة عطفه على قوله: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا).
قوله: (التبذير: تفريق المال فيما لا ينبغي). الراغب: وأصله إلقاء البذر وطرحه، فاستعير لكل مضيع لماله، فتبذير البذر تضييع في الظاهر لمن لم يعرف مآل ما يُلقيه، قال تعالى: (وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً).
стр. 4647
تنحر إبلها وتتياسر عليها وتبذر أموالها في الفخر والسمعة، وتذكر ذلك في أشعارها، فأمر الله بالنفقة في وجوهها مما يقرّب منه ويزلف. وعن عبد الله: هو إنفاق المال في غير حقه. وعن مجاهد: لو أنفق مدّا في باطل كان تبذيراً وقد أنفق بعضهم نفقة في خير فأكثر، فقال له صاحبه: لا خير في السرف، فقال: لا سرف في الخير. وعن عبد الله بن عمرو: مرّ رسول الله ﷺ بسعد وهو يتوضأ فقال: ما هذا السرف يا سعد؟ قال: أو في الوضوء سرف؟ قال. نعم وإن كنت على نهر جار (إِخْوانَ الشَّياطِينِ) أمثالهم في الشرارة وهي غاية المذمّة، لأنه لا شرّ من الشيطان. أو هم إخوانهم وأصدقاؤهم لأنهم يطيعونهم فيما يأمرونهم به من الإسراف. أو هم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (مر رسول الله ﷺ بسعدٍ وهو يتوضأ) الحديث مخرج في "مسند الإمام أحمد بن حنبل"، عن ابن عمر ﵁.
قوله: (أمثالهم في الشرارة)، يريد أن (إِخْوَانَ) في قوله: (إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ) إما محمول على معنى التشبيه، كما جاء في الحديث: "كأخي السرار"، أي: كمثله، وهو المراد من قوله: "أمثالهم"، ولما كان هذا التشبيه من باب إلحاق الناقص بالكامل قال: "لأنه شرٌ من الشياطين"، وإما مجاز، كما في "الأساس": بين السماحة والشجاعة تآخ، ولقيته بأخي الشر، أي: بالخير، فهو إما بمعنى الصديق، وذلك في الدنيا؛ لأنهم يطيعونهم فيما يأمرونهم. أو بمعنى القرين، وذلك في النار، وهذا وارد على الوعيد والتهديد، والوجهان على الذم والتقبيح.
قوله: (لأنه لاشر من الشيطان)، عن بعضهم: الأولى: لا شراً؛ لأن "مِن" صلة "شرا" فيكون مشابهاً للمضاف، نحو: لا خيراً من زيد عندنا.
стр. 4648
قرناؤهم في النار على سبيل الوعيد (وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا* فما ينبغي أن يطاع، فإنه لا يدعو إلا إلى مثل فعله. وقرأ الحسن: (إخوان الشيطان).
[(وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا)].
وإن أعرضت عن ذى القربى والمسكين وابن السبيل حياء من الردّ (فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا* فلا تتركهم غير مجابين إذا سألوك. وكان النبي ﷺ إذا سئل شيئًا وليس عنده أعرض عن السائل وسكت حياء. قوله (ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ) إمّا أن يتعلق بجواب الشرط مقدّما عليه، أي: فقل لهم قولاً سهلاً لينًا وعدهم وعدًا جميلا، رحمة لهم وتطييبًا لقلوبهم، ابتغاء رحمة من ربك، أي: ابتغ رحمة الله التي ترجوها برحمتك عليهم. وإما أن يتعلق بالشرط، أي: وإن أعرضت عنهم لفقد رزق من ربك ترجو أن يفتح لك، فسمى الرزق رحمة، فردّهم ردًّا جميلا، فوضع الابتغاء موضع الفقد، لأنّ فاقد الرزق مبتغ له، فكان الفقد سبب الابتغاء والابتغاء مسببًا عنه، فوضع المسبب موضع السبب. ويجوز أن يكون معنى (وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ) وإن لم تنفعهم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فما ينبغي أن يُطاع)، يعني قوله: "وكان الشيطان لربه كفورا" تذييل للكلام، ولذلك أجراهُ مجرى التعليل.
قوله: (أي: ابتغ رحمة الله)، فسر المفعول له بالأمر ليؤذن بأنه داخلٌ في حيز الجزاء، عطفٌ على "قُلْ" مِن حيثُ المعنى، فيكون مأموراً بإنشاء القول اللين وإنشاء طلب الرمة.
قوله: (ويجوز أن يكون معنى (وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمْ): وإن لم تنفعهم): عطفٌ على: "وإن أعرضت عن ذي القربى والمساكين وابن السبيل حياءً من الرد"، وقوله: "كناية بالإعراض عن ذلك" خبرُ: "أن يكونَ"، والإعراضُ عن الأول مُجرى على صراحته لقوله: "أعرض عن السائل وسكت حياءً"، ثم قوله: (ابْتِغَاءَ) على الأول: إما أن يتعلق بقوله: (فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً)، والإضافة إلى المفعول لقوله: "ابتغ رحمة الله"، وإما أن يتعلق بالإعراض،
стр. 4649
ولم ترفع خصاصتهم لعدم الاستطاعة، ولا يريد الإعراض بالوجه كناية بالإعراض عن ذلك، لأن من أبى أن يعطى: أعرض بوجهه. يقال: يسر الأمر وعسر، مثل سعد الرجل ونحس فهو مفعول، وقيل معناه: فقل لهم رزقنا الله وإياكم من فضله، على أنه دعاء لهم ييسر عليهم فقرهم، كأن معناه: قولا ذا ميسور، وهو اليسر، أي:
دعاء فيه يسر.
[(وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا)].
هذا تمثيلٌ لمنع الشحيح وإعطاء المسرف، وأمر بالاقتصاد الذي هو بين الإسراف والتقتير (فَتَقْعُدَ مَلُومًا) فتصير ملوما عند الله، لأنّ المسرف غير مرضى عنده وعند
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وعلى أن يكون كناية يختص تعلقه بالشرط، ويكون الابتغاء موضوعاً موضع عدم الاستطاعة وضعاً للمسبب موضع السبب.
قوله: (خصاصتهم)، الأساس: أصابته خصاصةٌ: خلة، واختص الرجل: اختل، أي: افتقر، وسددت خصاصة فلان: جبرتُ فقره.
قوله: (ولا يريد الإعراض) بالنصب، عطفٌ على "أن يكون".
قوله: (فهو مفعولٌ)، أي: ميسوراً، والمعنى: قل لهم قولاً ليناً، وعدهم وعداً جميلاً. ويجوز أن يُراد بالقول الميسور الدعاء لهم باليسر، أي: يذكر فيه معنى اليسر وما أشبهه مثل: أغناكم الله ورزقنا الله وإياكم، فعلى هذا يكون مصدراً، وإليه الإشارة بقوله: قولاً ذا ميسور، وهو اليسر.
قوله: (تمثيل لمنع الشحيح وإعطاء المُسرف) مثل حال من يمنع لشحه بحال من يده مغلولة إلى عنقه، فلا يقدر على شيء من التصرف، وحال من يسرف بحال من بسط كفه كل البسط لا يثبت شيء في كفه، ثم استعمل ألفاظ الممثل به في الممثل.
стр. 4650
الناس، يقول المحتاج: أعطى فلانًا وحرمني. ويقول المستغنى: ما يحسن تدبير أمر المعيشة. وعند نفسك:
إذا احتجت فندمت على ما فعلت (مَحْسُورًا): منقطعًا بك لا شيء عندك، من حسره السفر إذا بلغ منه وحسره بالمسألة، وعن جابر: بينا رسول الله ﷺ جالس أتاه صبى فقال: إنّ أمي تستكسيك درعاً، فقال من ساعة إلى ساعة يظهر، فعد إلينا، فذهب إلى أمّه فقالت له قل له: إن أمي تستكسيك الدرع
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وعند نفسك إذا احتجت): معطوفٌ على قوله: "عند الله"، أي: هو ملومٌ عند الله لأنه غيرُ راضٍ عنه، وملومٌ عند الناس، الفقير يلومه ويقول: أعطى فلاناً وحرمني، والغني يقول: ما تحسن تدبير المعيشة، وملومٌ عند نفسه: إذا احتاج ندم على ما فعل، والحاصل أن (مَلُوماً) قُطع عن متعلقه ليُعلم التقدير.
الراغب: اللوم: عذلُ الإنسان بنسبته إلى ما فيه لوم، قال تعالى: (فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ) [المؤمنون: ٦] ن ذكر اللوم تنبيهاً على أنه إذا لم يُلاموا لم يفعل بهم ما فوق اللوم، ورجٌ لومةٌ: يلوم الناس، ولومةٌ: يلومه الناس، واللائمة: الأمر يلام عليه الإنسان.
قوله: (منقطعاً بك)، انقطع بالمسافر، على بناء المفعول: إذا أعطبت دابته أو نفد زاده، فانقطع به السفر دون طيته، فهو منقطع به، مثله في "الأساس".
قوله: (إذا بلغ منه)، يقال: بلغ منه المرض، أي: أثر فيه تأثيراً بليغاً.
قوله: (وحسره)، الجوهري: حسر البعير يحسر حسوارً: أعياه، وحسرته أنا حسراً، يتعدى ولا يتغدى.
قوله: (من ساعة إلى ساعة)، قيل: من: متعلقٌ بمحذوف، أي: أخر سؤالك من ساعة ليس لنا يها درعٌ إلى ساعة يظهر لنا درع. ودرعُ المرأة: قميصها، ويمن أن يتعلق بقوله: يظهر.
стр. 4651
الذي عليك، فدخل داره ونزع قميصه وأعطاه وقعد عريانًا، وأذن بلال وانتظروا فلم يخرج للصلاة. وقيل أعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل وعيينة بن حصن، فجاء
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قلت: يمكن أن يقال: إنه لما طلب الدرع قال ﷺ : مطلوبك لا يحضرنا الآن، لكن تترقبه ونرجو حصوله وظهوره من ساعة إلى ساعة، وينطبق على هذا معنى قوله تعالى: (وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمْ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً)، وبهذا اقتدى الفضل حين أجاب عن سؤال سائل: أكره أن أقول: نعم، فأكون ضامناً، أو لا، فأكون مؤيسا، ولكن ننظر فيسهلُ اللهُ.
قوله: (وقيل أعطى الأقرع بن حابس)، الحديث من رواية مسلم، عن رافع بن خديج، قال: أعطى رسول الله ﷺ أبا سفيان بن حرب يوم حنين وصفوان بن أمية وعيينة بن حصن والأقرع بن حابس وعلقمة بن علاثة كل إنسان منهم مئة من الإبل، وأعطى عباس بن مرداس دون ذلك، فقال عباس الأبيات الثلاثة المذكورة. وفيه: "فما كان بدرٌ ولاحابسٌ"، و"من تخفض ايوم": بدل "تضع"، قال: فأتم له رسول الله ﷺ مئة.
ورواية ابن عبد البر: قال رسول الله ﷺ : "اذهبوا فاقطعوا عني لسانه"، فأعطوه حتى رضي.
النهاية: العبيد- بضم العين وفتح الباء الموحدة-: اسمُ فرس العباس بن مرداس السلمي. ومعنى: "اقطعوا عني لسانه": أعطوه حتى يسكتن فكنى بالقطع عن السكوت، ومنه أتاه رجلٌ فقال: إني شاعر، فقال: يا بلال، اقطع لسانه، فأعطاه أربعين درهماً. قال الخطابي: يشبه أن يكون هذا ممن له حق في بيت المال، كابن السبيل وغيره، فتعرض له بالشعر فأعطاه لحقه أو لحاجته، لا لشعره.
стр. 4652
عباس بن مرداس، وأنشأ يقول:
أَتَجْعَلُ نَهْبِى وَنَهْبَ الْعَبِيـ … ـدِ بَيْنَ عُيَيْنَةَ وَالأَقْرَعِ وَمَا كَانَ حِصْنٌ وَلَا حَابِسٌ
وما كان حصنٌ ولا حابسٌ … وَمَنْ تَضَعِ الْيَوْم لَا يُرْفَعِ
وما كنت دون امرئ منهما … ومن تضع اليوم لا يرفع
فقال: يا أبا بكر، اقطع لسانه عنى، أعطه مائة من الإبل فنزلت.
[(إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا)].
ثم سلى رسول الله ﷺ عما كان يرهقه من الإضافة، بأنّ ذلك ليس لهوان منك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (يرهقه من الإضافة)، أي: يغشاه، النهاية: أرهقني فلان إثما حتى رهقته، أي: حملني إثماً حتى حملته له، جعل قوله: (إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ) تعليلاً له لقوله: (وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمْ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا)، يعني: إن أعرضت عن العفاة لفقد رزق من ربك ترجو أن يفتح لك (فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً) ولا تهتم بذلك، فإن ذلك ليس لهوان منك عليه، ولكن بيد الله مقاليد الرزق، وهو يقبض ويبسط كيف يشاء، وحكمته تابعة لمشيئته، لا بالعكس كما قال، ففوض الأمر إليه، فيكون قوله: (وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ) معترضة تأكيداً لمعنى ما يقتضيه حكمة الله من القبض والبسط، وأمراً بالتأسي بسنة الله، كما هو في الوجه الثالث، وهو أن يُراد بالنهي عن البسط والقبض الأمر بالاقتصاد، على الوجهين الآخرين، تعليلٌ للأمر بالاقتصاد، وعلى الوجه الثاني التعليل مخالف لما ينبغي أني فعله العبد، يعني: البسط المفرط والقبض المفرط مختص بالله فاقتصد أنت واترك ما هو مختص بالله تعالى من البسط المفرط والقبض المفرط، وعلى الثالث موافق له، يعني أنكم إذا تحققتم فيما بسط الله تعالى وقبض، وأمعنتم النظر فيه وجدتموه مقتصداً، فاقتصدوا واستنوا بسنته.
стр. 4653
عليه، ولا لبخل به عليك ولكن لأنّ مشيئته في بسط الأرزاق وقدّرها تابعة للحكمة والمصلحة. ويجوز أن يريد أن البسط والقبض إنما هما من أمر الله الذي الخزائن في يده، فأما العبيد فعليهم أن يقتصدوا. ويحتمل أنه عزّ وعلا بسط لعباده أو قبض، فإنه يراعى أوسط الحالين، لا يبلغ بالمبسوط له غاية مراده، ولا بالمقبوض عليه أقصى مكروهه، فاستنوا بسنته.
[(وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطًْا كَبِيرًا)].
قتلهم أولادهم: هو وأدهم بناتهم، كانوا يئدونهنّ خشية الفاقة وهي الاملاق، فنهاهم الله وضمن لهم أرزاقهم. وقرئ (خَشْيَةَ) بكسر الخاء. وقرئ (خِطْئا) وهو الإثم، يقال: خطئ خطأ، كاثم إثما، وخطأ وهو ضدّ الصواب، اسم من أخطأ. وقيل: هو والخطء كالحذر والحذر، وخطاء بالكسر والمدّ. وخطاء بالفتح والمد. (وخطأ) بالفتح والسكون. وعن الحسن: خطا بالفتح وحذف الهمزة كالخب. وعن أبى رجاء: بكسر الخاء غير مهموز.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (و"خطاء" بالكسر والمد)، قال أبو علي: قرأها ابن كثير، ويحتمل أن يكون مصدر "خاطأ"، وإن لم يُسمع. قال أبو عبيد: هو من قولهم:
تخاطأة النبل أحشاءه
يدل على خاطأ؛ لأن تفاعل مطاوع فاعل، وقرأ ابن عامر: "خطأ" بفتح الخاء والطاء من غير مد، وقرأ الباقون: (خِطْئاً) بكسر الخاء وسكون الطاء وقصرها.
قوله: (أن تغصب على غيرك امراته). الأساس: غُصب على عقله، واغتصبت فلانة نفسها: جُومعت مقهورة.
стр. 4654
[(وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا)].
(فاحِشَةً) قبيحة زائدة على حد القبح (وَساءَ سَبِيلًا) وبئس طريقا طريقه، وهو أن تغصب على غيرك امرأته أو أخته أو بنته من غير سبب، والسبب ممكن وهو الصهر الذي شرعه الله.
[(وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُورًا)].
(إِلَّا بِالْحَقِّ) إلا بإحدى ثلاث: إلا بأن تكفر، أو تقتل مؤمنا عمدا، أو تزنى بعد إحصان. (مَظْلُومًا) غير راكب واحدة منهنّ (لِوَلِيِّهِ) الذي بينه وبينه قرابة توجب المطالبة بدمه، فإن لم يكن له ولى فالسلطان وليه (سُلْطانًا) تسلطا على القاتل في الاقتصاص منه. أو حجة يثب بها عليه (فَلا يُسْرِفْ) الضمير للولي. أى: فلا يقتل غير القاتل، ولا اثنين والقاتل واحد، كعادة الجاهلية: كان إذا قتل منهم واحد قتلوا به جماعة، حتى قال مهلهل حين قتل بجير بن الحارث بن عباد: .....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (إلا بإحدى ثلاث)، يريد الحديث الذي رواه عبد الله بن مسعود: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمفارق لدينه التارك للجماعة"، أخرجه الشيخان والترمذي وأبو داود والنسائي.
قوله: (حتى قال مهلهل حين قتل بُجير بن الحارث) قصته سبقت في "البقرة" عند قوله تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) [البقرة: ١٧٩] مستقصى.
стр. 4655
بؤ بشسع نعل كليب. وقال:
كُلُّ قَتِيلٍ فِى كُلَيْبٍ غُرَّهْ … حَتَّي يَنَالَ الْقَتْلُ آلَ مُرَّهْ
وكانوا يقتلون غير القاتل إذا لم يكن بواء. وقيل: الإسراف المثلة. وقرأ أبو مسلم صاحب الدولة: فلا يسرف، بالرفع على أنه خبر في معنى الأمر. وفيه مبالغة ليست في الأمر. وعن مجاهد: أنّ الضمير للقاتل الأوّل. .....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (بؤ بشسع). الأساس: باء فلانٌ بفلان: صار كفؤا له، وأبأت فلاناً بفلان: قتلته به، يعني: قم مقام شسعه، فإنك لست كفؤاً له.
قوله: (كل قتيل في كليب غره)، الغرة: من يفدي به في قتل الجنين، عبداً كان أو أمة، المعنى: كل قتيل يُقتل فداء لكليب كلا فداء؛ لأنه لا يساويه.
قوله: ("فلا يُسرفُ" بالرفع)، قال ابن جني: رُفع هذا على لفظ الخبر، بمعنى الأمر، كقولهم: يرحم الله زيداً، ويجوز أن يكون معناه دون الأمر، أي: ينبغي أن لا يسرف، وعليه قوله:
على الحكم المأتي يوماً إذا قضى … قضيته ألا يجور ويقصد
فرفعه على الاستئناف، ومعناه: أن يقصد.
قوله: (وعن مجاهد أن الضمير للقائل الأول)، عطف على قوله: "الضمير للولي"، المعنى: لا يُسرف القاتل في القتل بأن يقتل من لا يحق قتله فيقتل، فيكون قد أسرف في القتل، حيث كان سبباً لهلاك نفسه وهلاك غيره، وفي الارتداع سلامة نفسه وسلامة نفس الغير، ففيه لمحة من معنى قوله تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ)، وعلى هذا الضمير في
стр. 4656
وقرئ: (فلا تسرف)، على خطاب الولي أو قاتل المظلوم. وفي قراءة أبىّ: فلا تسرفوا، ردّه على: (ولا تقتلوا) (إِنَّهُ كانَ مَنْصُورًا) الضمير إمّا للولي، يعنى حسبه أنّ الله قد نصره بأن أوجب له القصاص فلا يستزد على ذلك، وبأنّ الله قد نصره بمعونة السلطان وبإظهار المؤمنين على استيفاء الحق، فلا يبغ ما وراء حقه. وإمّا للمظلوم، لأنّ الله ناصره وحيث أوجب القصاص بقتله، وينصره في الآخرة بالثواب. وإما للذي يقتله الولي بغير حق ويسرف في قتله، فإنه منصور بإيجاب القصاص على المسرف.
[(وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا)].
(بالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) بالخصلة أو الطريقة التي هي أحسن، وهي حفظه عليه وتثميره (إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا) أي مطلوبا يطلب من المعاهد أن لا يضيعه ويفي به،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (إِنَّهُ كَانَ مَنصُوراً) للمقتول، أي: لا يُسرف القاتل المبتدئ؛ لأن من قُتل مظلوماً كان منصوراً بأن يقتص له وليه أو السلطان.
قوله: (وقرئ: "فلا تسرف" على خطاب الولي): حمزة والكسائي، والباقون: بالياء.
قوله: (إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً)، أي: مطلوباً، يطلب من المعاهد أن لا يضيعه ويفي به)، الانتصاف: هذا التأويل أرح، ويحذف الجار والمجرور الذي هو (عنه) تخفيفاً كما جاء في قوله: (كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً)، ويعضد سؤال العهد على وجه التمثيل وقوف الرحم بين يدي الله وسؤالها عمن وصلها أو قطعها في الحديث الصحيح.
وقلت: الثاني أبلغ عند أرباب البلاغة وفرسان الطراد، وكان ترك (عنه) هنا دون الآية
стр. 4657
ويجوز أن يكون تخييلا، كأنه يقال للعهد: لم نكثت؟ وهلا وفي بك؟ تبكيتا للناكث، كما يقال للموءودة: (بأي ذنب قتلت)؟ ويجوز أن يراد أنّ صاحب العهد كان مسؤولاً.
[(وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلًا)].
وقرئ (بِالْقِسْطاسِ) بالضم والكسر، وهو القرسطون. وقيل: كل ميزان صغر أو كبر من موازين الدراهم وغيرهما (وَأَحْسَنُ تَاوِيلًا) وأحسن عاقبة، وهو تفعيل، من آل إذا رجع، وهو ما يؤول إليه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المستشهد به دليلاً عليه، والحديث المذكور، وسؤال الموءودة معاضدين له.
قوله: (ويجوز أن يكون تخييلاً) أي: المسؤول، فحينئذ يكون "العهد" استعارة مكنية، و (كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً) استعارة تخييلية، شُبه العهد المنكوث بإنسان ظُلم عليه تشبيهاً بليغاً، وتوهم أنه هو، ثم أطلق اسم المشبه على المشبه به، ثم خُيل للمشبه ما يُلازم المشبه به من السؤال عنه تعريضاً، فقيل له: لم نكثت.
قوله: (ويجوز أن يُراد) على تقدير السؤال على التبكيت، بأن يُقال: لم نكثت العهد؟ فعلى هذا يكون الإسناد مجازياً، وعلى الأول ليس في الكلام توبيخ، وعلى الثاني: توبيخ على سبيل التعريض به. وعلى الثالث: توبيخٌ على التصريح.
قوله: (قرئ: (بِالْقِسْطَاسِ)): حفص وحمزة والكسائي: (بِالْقِسْطَاسِ) هنا وفي "الشعراء": بكسر القاف، والباقون بضمها.
الراغب: القسطاس يُعبر به عن العدالة، كما يعبر بالميزان عنها، قال تعالى: (وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ) [الإسراء: ٣٥].
стр. 4658
[(وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا)].
(وَلا تَقْفُ) ولا تتبع. وقرئ: ((ولا تقف)، يقال: قفا أثره وقافه، ومنه: القافة، يعنى: ولا تكن في اتباعك ما لا علم لك به من قول أو فعل، كمن يتبع مسلكا لا يدرى أنه يوصله إلى مقصده فهو ضال. والمراد: النهى عن أن يقول الرجل ما لا يعلم، وأن يعمل بما لا يعلم، ويدخل فيه النهى عن التقليد دخولا ظاهرا. لأنه اتباع لما لا يعلم صحته من فساده. وعن ابن الحنفية: شهادة الزور وعن الحسن: لا تقف أخاك المسلم إذا مرّ بك، فتقول: هذا يفعل كذا، ورأيته يفعل، وسمعته، ولم تر ولو تسمع. وقيل: القفو شبيه بالعضيهة. ومنه الحديث «من قفى مؤمنا بما ليس فيه حبسه الله في ردغة الخبال حتى يأتي بالمخرج» وأنشد:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (القافة). النهاية: القائف: الذي يتتبع الآثار ويعرفُ شبه الرجل بأخيه وأبيهن والجمع: القافة.
قوله: (شبيه بالعضيهة). الجوهري: هي البهيتة، وهي الإفك والبهتان.
قوله: (ردغة الخبال)، الحديث من رواية أبي داود، عن يحيى بن راشد: "من قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه الله ردغة الخبال حتى يخرج مما قال".
النهاية: ومنه حديث حسان بن عطية: "من قفا مؤمناً بما ليس فيه وقفه الله في ردغة الخبال".
جاء في تفسيرها: أنها عُصارة أهل النار، والردغة بسكون الدال وفتحها: طين
стр. 4659
وَمِثْلُ الدُّمى شُمُّ الْعَرَانِينِ سَاكِنٌ … بِهِنَّ الحَيَاءُ لَا يُشِعْنَ التَّقَافِيَا
أى التقاذف. وقال الكميت:
وَلَا أرْمِي البَرِيَّ بِغَيْرِ ذَنْبٍ … وَلَا أَقْفُو الحَوَاصِنَ إنْ قُفِينَا
وقد استدل به مبطل الاجتهاد ولم يصح، لأنّ ذلك نوع من العلم، فقد أقام الشرع غالب الظن مقام العلم، وأمر بالعمل به أُولئِكَ إشارة إلى السمع والبصر والفؤاد، كقوله:
وَالْعَيْشَ بَعْدَ (أُولَئِكَ) الأَيَّامِ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ووحلٌ كثير، وفي الحديث: "إن الخبال: عُصارة أهل النار"، وهو في الأصل: الفسادُ، وقوله: "حتى يخرج مما قال" أي: يخرج من عهدة قوله، يريد، والله أعلم: أنه يحملُ عليه من ذنوب المغتاب فيعذب في النار على مقداره، ثم يخرج منها.
قوله: (ومثل الدُّمَى)، البيت. الدُّمَى: جمع دمية، وهي: الصنم والصور المنقوشة، والشمم: ارتفاع الأنف، وشُم العرانين: كناية عن التكبر، لا يُشعن، أي: لا يظهرن، التقافيا، أي: التقاذف. الأساس: يقال: ومالك تقفو صاحبك؟ أي: تقذفه، وإياك والقفو، وماهجا فلانٌ ولا قفا. يصف جماعة من النساء بالجمال والتكبر والحياء، وصون لسانهن عن القذف، مثله قول حسان في أم المؤمنين عائشة ﵂
حصانٌ رزانٌ ما تُزن بريبة … وتصبح غرثى من لحوم الغوافل
قوله: (ولا أرمي) البيت، الحواصن: النساء العفائف، قُفينا: أصله قفين.
قوله: (والعيش بعد أولئك الأيام)، أوله:
ذُم المنازل بعد منزلة اللوى
стр. 4660
(وعَنْهُ) في موضع الرفع بالفاعلية، أى: كل واحد منها كان مسئولا عنه، فمسئول: مسند إلى الجار والمجرور، كالمغضوب في قوله (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) [الفاتحة: ٧]، يقال
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ذُم: أمرٌ أي: العيشة الطيبة: ما مضى بمنزلة اللوى، وما سوى ذلك مذمومٌ في جنبه.
والغرض من الاستشهاد أن لفظة: أولاء ليست مخصوصة بالعقلاء، بل تقع على جماعة الرجال والنساء والحيوان والجماد والأعراض، قال الكواشي: "أولئك": غالب لمن يعقلُ، وقال القاضي: الأصل: كل هذه الأعضاء، فأجراها مُجري العقلاء، لما كانت مسؤولة عن أحوالها شاهدة على صاحبها، أو إن "أولاءِ" وإن غلب في العقلاء لكنه من حيث إنه اسم جمع لـ "ذا" وهو يعم القبيلين، جاء لغيرهم.
قوله: (فمسؤول: مسند إلى الجار والمجرور)، قال أبو البقاء: ما ذكره الزمخشري غلط؛ لأن الجار والمجرور يقام مقام الفاعل إذا تقدم الفعلُ، أو ما يقوم مقامه، فأما إذا تأخر فلا يصح ذلك فيه؛ لأن الاسم إذا تقدم على الفعل صار مبتدأ، وحرفُ الجر إذا كان لازماً مبتدأ لا يكون مبتدأ، ونظيره قولك: بزيدٍ انطلق، ويدلك على ذلك انك لو ثنيت لم تقل: بالزيدين انطلقا، ولكن تصحيح المسألة أن يُجعل الضمير في "مسؤول" للمصدر، فيكون (عنه) في موضع نصبٍ كما يُقدر في قولك: بزيدٍ انطلق.
وقال صاحب "التقريب": وإنما جاز تقديمه مع أنه فاعل لمحاً لأصالة ظرفيته لا لعروض فاعليته، ولأن الفاعل لا يتقدم لالتباسه بالمبتدأ ولا التباس هاهنا؛ لو أنه ليس بفاعل حقيقة، وجاز أن يكون فاعله ضمير كل لحذف المضاف، أي: كان مسؤولاً صاحبها عنه. وجاز أن تكون مرفوعة المصدر، وهو السؤال. سأل ابن جني أبا علي عن قولهم: فيك يُرغبُ، فقال: فيك لا يرتفع بما بعده، فأين المرفوع؟ فقال: المصدر، أي: فيك يرغبُ
следующие страницы →