← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 4656–4695 · переход к 4661.

стр. 4656

وقرئ: (فلا تسرف)، على خطاب الولي أو قاتل المظلوم. وفي قراءة أبىّ: فلا تسرفوا، ردّه على: (ولا تقتلوا) (إِنَّهُ كانَ مَنْصُورًا) الضمير إمّا للولي، يعنى حسبه أنّ الله قد نصره بأن أوجب له القصاص فلا يستزد على ذلك، وبأنّ الله قد نصره بمعونة السلطان وبإظهار المؤمنين على استيفاء الحق، فلا يبغ ما وراء حقه. وإمّا للمظلوم، لأنّ الله ناصره وحيث أوجب القصاص بقتله، وينصره في الآخرة بالثواب. وإما للذي يقتله الولي بغير حق ويسرف في قتله، فإنه منصور بإيجاب القصاص على المسرف. [(وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا)]. (بالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) بالخصلة أو الطريقة التي هي أحسن، وهي حفظه عليه وتثميره (إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا) أي مطلوبا يطلب من المعاهد أن لا يضيعه ويفي به، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (إِنَّهُ كَانَ مَنصُوراً) للمقتول، أي: لا يُسرف القاتل المبتدئ؛ لأن من قُتل مظلوماً كان منصوراً بأن يقتص له وليه أو السلطان. قوله: (وقرئ: "فلا تسرف" على خطاب الولي): حمزة والكسائي، والباقون: بالياء. قوله: (إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً)، أي: مطلوباً، يطلب من المعاهد أن لا يضيعه ويفي به)، الانتصاف: هذا التأويل أرح، ويحذف الجار والمجرور الذي هو (عنه) تخفيفاً كما جاء في قوله: (كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً)، ويعضد سؤال العهد على وجه التمثيل وقوف الرحم بين يدي الله وسؤالها عمن وصلها أو قطعها في الحديث الصحيح. وقلت: الثاني أبلغ عند أرباب البلاغة وفرسان الطراد، وكان ترك (عنه) هنا دون الآية

стр. 4657

ويجوز أن يكون تخييلا، كأنه يقال للعهد: لم نكثت؟ وهلا وفي بك؟ تبكيتا للناكث، كما يقال للموءودة: (بأي ذنب قتلت)؟ ويجوز أن يراد أنّ صاحب العهد كان مسؤولاً. [(وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلًا)]. وقرئ (بِالْقِسْطاسِ) بالضم والكسر، وهو القرسطون. وقيل: كل ميزان صغر أو كبر من موازين الدراهم وغيرهما (وَأَحْسَنُ تَاوِيلًا) وأحسن عاقبة، وهو تفعيل، من آل إذا رجع، وهو ما يؤول إليه. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المستشهد به دليلاً عليه، والحديث المذكور، وسؤال الموءودة معاضدين له. قوله: (ويجوز أن يكون تخييلاً) أي: المسؤول، فحينئذ يكون "العهد" استعارة مكنية، و (كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً) استعارة تخييلية، شُبه العهد المنكوث بإنسان ظُلم عليه تشبيهاً بليغاً، وتوهم أنه هو، ثم أطلق اسم المشبه على المشبه به، ثم خُيل للمشبه ما يُلازم المشبه به من السؤال عنه تعريضاً، فقيل له: لم نكثت. قوله: (ويجوز أن يُراد) على تقدير السؤال على التبكيت، بأن يُقال: لم نكثت العهد؟ فعلى هذا يكون الإسناد مجازياً، وعلى الأول ليس في الكلام توبيخ، وعلى الثاني: توبيخ على سبيل التعريض به. وعلى الثالث: توبيخٌ على التصريح. قوله: (قرئ: (بِالْقِسْطَاسِ)): حفص وحمزة والكسائي: (بِالْقِسْطَاسِ) هنا وفي "الشعراء": بكسر القاف، والباقون بضمها. الراغب: القسطاس يُعبر به عن العدالة، كما يعبر بالميزان عنها، قال تعالى: (وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ) [الإسراء: ٣٥].

стр. 4658

[(وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا)]. (وَلا تَقْفُ) ولا تتبع. وقرئ: ((ولا تقف)، يقال: قفا أثره وقافه، ومنه: القافة، يعنى: ولا تكن في اتباعك ما لا علم لك به من قول أو فعل، كمن يتبع مسلكا لا يدرى أنه يوصله إلى مقصده فهو ضال. والمراد: النهى عن أن يقول الرجل ما لا يعلم، وأن يعمل بما لا يعلم، ويدخل فيه النهى عن التقليد دخولا ظاهرا. لأنه اتباع لما لا يعلم صحته من فساده. وعن ابن الحنفية: شهادة الزور وعن الحسن: لا تقف أخاك المسلم إذا مرّ بك، فتقول: هذا يفعل كذا، ورأيته يفعل، وسمعته، ولم تر ولو تسمع. وقيل: القفو شبيه بالعضيهة. ومنه الحديث «من قفى مؤمنا بما ليس فيه حبسه الله في ردغة الخبال حتى يأتي بالمخرج» وأنشد: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (القافة). النهاية: القائف: الذي يتتبع الآثار ويعرفُ شبه الرجل بأخيه وأبيهن والجمع: القافة. قوله: (شبيه بالعضيهة). الجوهري: هي البهيتة، وهي الإفك والبهتان. قوله: (ردغة الخبال)، الحديث من رواية أبي داود، عن يحيى بن راشد: "من قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه الله ردغة الخبال حتى يخرج مما قال". النهاية: ومنه حديث حسان بن عطية: "من قفا مؤمناً بما ليس فيه وقفه الله في ردغة الخبال". جاء في تفسيرها: أنها عُصارة أهل النار، والردغة بسكون الدال وفتحها: طين

стр. 4659

وَمِثْلُ الدُّمى شُمُّ الْعَرَانِينِ سَاكِنٌ … بِهِنَّ الحَيَاءُ لَا يُشِعْنَ التَّقَافِيَا أى التقاذف. وقال الكميت: وَلَا أرْمِي البَرِيَّ بِغَيْرِ ذَنْبٍ … وَلَا أَقْفُو الحَوَاصِنَ إنْ قُفِينَا وقد استدل به مبطل الاجتهاد ولم يصح، لأنّ ذلك نوع من العلم، فقد أقام الشرع غالب الظن مقام العلم، وأمر بالعمل به أُولئِكَ إشارة إلى السمع والبصر والفؤاد، كقوله: وَالْعَيْشَ بَعْدَ (أُولَئِكَ) الأَيَّامِ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ووحلٌ كثير، وفي الحديث: "إن الخبال: عُصارة أهل النار"، وهو في الأصل: الفسادُ، وقوله: "حتى يخرج مما قال" أي: يخرج من عهدة قوله، يريد، والله أعلم: أنه يحملُ عليه من ذنوب المغتاب فيعذب في النار على مقداره، ثم يخرج منها. قوله: (ومثل الدُّمَى)، البيت. الدُّمَى: جمع دمية، وهي: الصنم والصور المنقوشة، والشمم: ارتفاع الأنف، وشُم العرانين: كناية عن التكبر، لا يُشعن، أي: لا يظهرن، التقافيا، أي: التقاذف. الأساس: يقال: ومالك تقفو صاحبك؟ أي: تقذفه، وإياك والقفو، وماهجا فلانٌ ولا قفا. يصف جماعة من النساء بالجمال والتكبر والحياء، وصون لسانهن عن القذف، مثله قول حسان في أم المؤمنين عائشة ﵂ حصانٌ رزانٌ ما تُزن بريبة … وتصبح غرثى من لحوم الغوافل قوله: (ولا أرمي) البيت، الحواصن: النساء العفائف، قُفينا: أصله قفين. قوله: (والعيش بعد أولئك الأيام)، أوله: ذُم المنازل بعد منزلة اللوى

стр. 4660

(وعَنْهُ) في موضع الرفع بالفاعلية، أى: كل واحد منها كان مسئولا عنه، فمسئول: مسند إلى الجار والمجرور، كالمغضوب في قوله (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) [الفاتحة: ٧]، يقال ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ذُم: أمرٌ أي: العيشة الطيبة: ما مضى بمنزلة اللوى، وما سوى ذلك مذمومٌ في جنبه. والغرض من الاستشهاد أن لفظة: أولاء ليست مخصوصة بالعقلاء، بل تقع على جماعة الرجال والنساء والحيوان والجماد والأعراض، قال الكواشي: "أولئك": غالب لمن يعقلُ، وقال القاضي: الأصل: كل هذه الأعضاء، فأجراها مُجري العقلاء، لما كانت مسؤولة عن أحوالها شاهدة على صاحبها، أو إن "أولاءِ" وإن غلب في العقلاء لكنه من حيث إنه اسم جمع لـ "ذا" وهو يعم القبيلين، جاء لغيرهم. قوله: (فمسؤول: مسند إلى الجار والمجرور)، قال أبو البقاء: ما ذكره الزمخشري غلط؛ لأن الجار والمجرور يقام مقام الفاعل إذا تقدم الفعلُ، أو ما يقوم مقامه، فأما إذا تأخر فلا يصح ذلك فيه؛ لأن الاسم إذا تقدم على الفعل صار مبتدأ، وحرفُ الجر إذا كان لازماً مبتدأ لا يكون مبتدأ، ونظيره قولك: بزيدٍ انطلق، ويدلك على ذلك انك لو ثنيت لم تقل: بالزيدين انطلقا، ولكن تصحيح المسألة أن يُجعل الضمير في "مسؤول" للمصدر، فيكون (عنه) في موضع نصبٍ كما يُقدر في قولك: بزيدٍ انطلق. وقال صاحب "التقريب": وإنما جاز تقديمه مع أنه فاعل لمحاً لأصالة ظرفيته لا لعروض فاعليته، ولأن الفاعل لا يتقدم لالتباسه بالمبتدأ ولا التباس هاهنا؛ لو أنه ليس بفاعل حقيقة، وجاز أن يكون فاعله ضمير كل لحذف المضاف، أي: كان مسؤولاً صاحبها عنه. وجاز أن تكون مرفوعة المصدر، وهو السؤال. سأل ابن جني أبا علي عن قولهم: فيك يُرغبُ، فقال: فيك لا يرتفع بما بعده، فأين المرفوع؟ فقال: المصدر، أي: فيك يرغبُ

стр. 4661

للإنسان: لم سمعت ما لم يحل لك سماعه، ولم نظرت إلى ما لم يحل لك النظر إليه، ولم عزمت على ما لم يحل لك العزم عليه؟ وقرئ وَالْفُؤادَ بفتح الفاء والواو، قلبت الهمزة واوا بعد الضمة في الفؤاد، ثم استصحب القلب مع الفتح. [(وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا* كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا)]. (مَرَحًا) حال، أي: ذا مرح ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الراغب، وفيك: ظرفٌ لا فاعل. وفي "شرح ابن المعطي في الألفية": إن كان مفعول المجهول جاراً ومجروراً فلا يتقدم على الفعل؛ لأنه لو تقدم اشتغل الفعل بضميره، ولا يمكن جعله مبتداً لأجل حرف الجر. ومنهم من أجاز محتجاً بهذه الآية؛ لأن ما لم يسم فاعله مفعولٌ في المعنى. قوله: ٠ وقرئ: "والفواد")، قال ابن جني: قرأها الجراح: "والبصر والفواد"، وأنكر أبو حاتم فتح الفاء ولم يذكر هو ولا ابن مجاهد الهمز ولاتركه، وقد يجوز ترك الهمز مع فتح الفاء، كأنه كان (الْفُؤَادُ) بضمها والهمز ثم خففت، فخلصت في اللفظ واواً، وفتحت الفاء على ما في ذلك فبقيت واواً.

стр. 4662

وقرئ (مَرَحًا) وفضل الأخفش المصدر على اسم الفاعل لما فيه من التأكيد (لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ): لن تجعل فيها خرقا بدوسك لها وشدّة وطأتك. وقرئ. (لن تخرق)، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرئ: "مرحاً") وهي شاذة. الراغب: المرح: شدة الفرح والتوسع فيه، ومرحى: كلمة تعجب. قال أبو البقاء: "مرحاً" بكسر الراء: حالٌ، وبفتحها: مصدرٌ في موضع الحال أو مفعول له. وفي كلام المصنف تسامح؛ لأنه قال: وفضل الأخفش المصدر على اسم الفاعل بعدما أول المصدر بقوله: ذا مرح، وبعد القراءة الدالة على أنه اسم فاعل، وإنما يكون المصدر مفيداً للمبالغة إذا تُرك على حاله، نحو: رجلٌ عدل. قوله: (لن تجعل فيها خرقاً بدوسك)، الراغب: الخرقُ: قطع الشيء على سبيل الفساد من غير تفكرٍ وتدبر، قال تعالى: (أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا) [الكهف: ٧١]، وهو ضد الخلق، لأنه فعل الشيء بتقدير ورفق، والخرقُ بغير تقدير، قال تعالى: (وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ) [الأنعام: ١٠٠] أي: حكموا بذلك على سبيل الخرق، وباعتبار القطع قيل: خرق الثوب وتخرقه، وباعتبار ترك التقدير، قيل: رجلٌ أخرق وخرقٌ وامرأة خرقاء، ومنه الحديث: "ما دخل الخرق في أمر إلا شانه"، ومن الخرق استعيرت المخرقة، وهو إظهار الخرق توصلاً إلى حيلة، والمخراق: شيء يلعب به، كأنه يخرق لإظهار الشيء بخلافه.

стр. 4663

بضم الراء. (وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا) بتطاولك. وهو تهكم بالمختال. قرئ (سيئة) و (سيئاً)، على إضافة سيئ إلى ضمير كل، (وسيئاً) في بعض المصاحف. (وسيئات). وفي قراءة أبى بكر الصديق رضى الله عنه: كان شأنه. فإن قلت: كيف قيل سيئه مع قوله (مكروها)؟ قلت: السيئة في حكم الأسماء بمنزلة الذنب والإثم زال عنه حكم الصفات، فلا اعتبار بتأنيثه. ولا فرق بين من قرأ سيئة وسيئا. ألا تراك تقول: الزنا سيئة، كما تقول: السرقة سيئة، فلا تفرق بين إسنادها إلى مذكر ومؤنث. فإن قلت: فما ذكر من الخصال بعضها سيئ وبعضها حسن، ولذلك قرأ من قرأ (سَيِّئُهُ) بالإضافة، فما وجه من قرأ سيئة؟ قلت: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وهو تهكم بالمختار). الانتصاف: لقد حرس الله عوام زماننا من هذه المشية المنهي عنها، ووقع فيها قراؤنا وفقهاؤنا، إذا حفظ أحدهم مسألتين، وجلس بين يديه طالبان، أو نال طرفاً من رئاسة مشي خيلاء، وود لو حَك بيافوخه السماء، يمرون بهذه الآية وهم عنها معرضون، وماذا يفيد أن يقرأ القرآن، أو يُقرأ عليه، وقلبُه عن تدبره بمراحل. قوله: (وقرئ: "سيئة" و (سَّيِّئَةِ)): الكوفيون وابن عامر: (كَانَ سَيِّئُهُ)، بضم الهمزة والهاء على التذكير، والباقون: بفتحها مع التنوين على التأنيث. قال أبو البقاء: "سيئة" يُقرأ بالتأنيث والنصب، أي: كل ما ذُكر من المناهي وذُكر: (مَكْرُوهاً) على لفظ "كُل"، أو لأن التأنيث غير حقيقي. ويُقرأ بالرفع، أي: سيء ما ذُكر.

стр. 4664

كل ذلك إحاطة بما نهى عنه خاصة لا بجميع الخصال المعدودة. [(ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا)]. (ذلِكَ) إشارة إلى ما تقدم من قوله لا (تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ) [الإسراء: ٢٢ [إلى هذه الغاية. وسماه حكمة لأنه كلام محكم لا مدخل فيه للفساد بوجه. وعن ابن عباس: هذه الثماني عشرة آية كانت في ألواح موسى، أوّلها، لا تجعل مع الله إلها آخر، قال الله تعالى (وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً)] الأعراف: ١٤٥ [وهي عشر آيات في التوراة. ولقد جعل الله فاتحتها ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كل ذلك إحاطة بما نُهي عنه خاصة، لا بجميع الخصال المعدودة)، قال صاحب "الفرائد": يمكن أن يُقال: الإحاطة بالجميع، إلا أن المراد فيما يكون حسناً ما يقابله كنقض العهد، وهو قوله تعالى: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ) ثم قال: (أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً) [الأنعام: ١٥١]. قال المصنف في تفسيرها: "لما وردت هذه الأوامر مع النواهي وتقدمهن جميعاً فعل التحريم واشتركن في الدخول تحت حكمه، علم أن التحريم راجع إلى أضدادها. وهي الإساءة إلى الوالدين وبخس الكيل والميزان" إلى آخره. قوله: ((ذَلِكَ) إشارة إلى ما تقدم)، وقال القاضي: (كُلُّ ذَلِكَ): إشارة إلى الخصال الخمسة والعشرين المذكورة في قوله: (وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ). قوله: (كلام محكم لا مدخل فيه للفساد بوجه)، أي: هي مما لا تنسخ ولا تحمل على وجه من وجوه التأويل التي يدخل فيها الفساد كالمتشابه. قوله: (وهي عشر آيات في التوراة) بعد قوله: "هذه الثماني عشرة آية"، فيه إشكال،

стр. 4665

وخاتمتها النهي عن الشرك، لأن التوحيد هو رأس كل حكمة وملاكها، ومن عدمه لم تنفعه حكمه وعلومه وإن بذ فيها الحكماء وحك بيافوخه السماء، وما أغنت عن الفلاسفة أسفار الحكم، وهم عن دين الله أضل من النعم. [(أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا)]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ولعل المراد بالآيات في التنزيل: الكلام المميز بالفواصل، وبالآيات العشر في التوراة: المعاني المستقلة، وبالخصال الخمسة والعشرين: كل خصلة مأمور بها، ومنهي عنها، وروينا عن الترمذي، والنسائي، عن صفوان، أن يهوديين أتيا رسول الله ﷺ فسألا عن تسع آيات بينات، فقال رسول الله ﷺ : "لا تشركوا بالله شيئاً ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله … الحديث". قوله: (ما أغنت عن الفلاسفة- خذلهم الله - أسفار الحكم)، قيل: وُجد بخط المصنف ﵁: كان في زمن نبي حكيم صنف في الحكمة ثلاث مئة وستين تصنيفاً، فأوحى الله إلى نبي زمانه: قد ملأت الدنيا بقاقاً، وإن الله لم يقبل من بقاقك شيئاً. كذا ذكره حجة الإسلام ﵀ في كتابه "الإحياء"، والبقاق، بالباء الموحدة: كثرة الكلام. قال الشهرستاني في "الملل والنحل": الفلسفة باليونانية: محبة الحكمة، والفيلسوف: هو فيلاسوفاً، وفيلا: هو المحب، وسُوفا: هو الحكمة، أما قوله: "أضل من النعم" فمقتبس من قوله تعالى: (أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ) [الأعراف: ١٧٩].

стр. 4666

(أَفَأَصْفاكُمْ) خطاب للذين قالوا الملائكة بنات الله والهمزة للإنكار. يعنى: أفخصكم ربكم على وجه الخلوص والصفاء بأفضل الأولاد وهم البنون، لم يجعل فيهم نصيبًا لنفسه، واتخذ أدونهم وهي البنات؟ وهذا خلاف الحكمة وما عليه معقولكم وعادتكم، فإن العبيد لا يؤثرون بأجود الأشياء وأصفاها من الشوب، ويكون أردأها وأدونها للسادات (إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا) بإضافتكم إليه الأولاد وهي خاصة بالأجسام، ثم بأنكم تفضلون عليه أنفسكم حيث تجعلون له ما تكرهون، ثم بأن تجعلوا الملائكة وهم أعلى خلق الله وأشرفهم أدون خلق الله وهم الإناث. [(وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَما يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُورًا)]. (وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ) يجوز أن يريد (هذَا الْقُرْآنِ) إبطال إضافتهم إلى الله البنات، لأنه مما صرفه وكرّر ذكره، والمعنى: ولقد صرفنا القول في هذا المعنى. أو أوقعنا التصريف فيه وجعلناه مكانا للتكرير. ويجوز أن يشير بهذا القرآن إلى التنزيل ويريد. ولقد صرفناه، يعنى هذا المعنى في مواضع من التنزيل، فترك الضمير لأنه معلوم. وقرئ: (صَرَّفْنا) بالتخفيف وكذلك (لِيَذَّكَّرُوا) قرئ مشدّدا ومخففًا، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ويجوز أن يريد بـ (هَذَا الْقُرْآنُ) إبطال إضافتهم إلى الله البنات)، وهو من باب إطلاق الحال على المحل؛ لأنه تعالى لما كرر هذا الإبطال في هذا القرآن الكريم، سُمي الإبطال باسم القرآن لهذه الملابسة، أو أوقعنا التصريف فيه وجعلنا مكاناً للتكرير، يريد أنه من باب: يجرح في عراقيبها نصلي. والأول أبلغ لأنه جعل المعنى ظرفاً والقرآن مظروفاً، نحو قوله تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ). قوله: ((لِيَذَّكَّرُوا)، قرئ مخففاً ومشدداً): حمزة والكسائي: مخففاً بإسكان الذال وضم الكاف، والباقون: بفتحهما مشدداً، فالمعنى على التشديد: التدبر، كقوله تعالى: (كِتَابٌ

стр. 4667

أي: كررناه ليتعظوا ويعتبروا ويطمئنوا إلى ما يحتج به عليهم (وَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا) عن الحق وقلة طمأنينة إليه. وعن سفيان: كان إذا قرأها قال. زادني لك خضوعا ما زاد أعداءك نفوراً. [(قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذًا لابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢) سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا)]. قرئ: (كما تقولون)، بالتاء والياء. (وإِذًا) دالة على أن ما بعدها وهو (لَابْتَغَوْا) جواب عن مقالة المشركين وجزاء ل (لو). ومعنى (لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا): ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَاَركٌ لِيَّدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ) [ص: ٢٩]، وعلى التخفيف: معنى قوله تعالى: (خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ) [البقرة: ٦٣]، وفي هذا بعثٌ على النظر فيه والتدبر. قوله: (ليتعظوا ويعتبروا ويطمئنوا إلى ما يحتج به عليهم)، إنما فُسِّرَ: (لِيَتَذّّكَّرُوا) بذلك ليُطابِقَ قوله: (وَمَا يَزِيدُهُمّ إلاَّ نُفُورًا)، فإن النفور يقابل الاطمئنان، ووضع ما يحتج به عليهم موضع الراجع إلى المشار إليه بقوله: هذا المعنى كأنه قيل: كررناه ليطمئنوا إليه كما قال: وقلة طمأنينةٍ إليه، وفيه تعكيسٌ، أي: كررنا عليهم هذا المعنى ليطمئنوا فعكسوا وزادوا نفوراً. قوله: (وقرئ (كَمَا يَقُولُونَ) بالياء والتاء): ابنُ كثيرٍ وحَفْصٌ: بالياء التحتانية، والباقون: بالتاء. قوله: (و (إذًا) دالةٌ على أنّ ما بعدها .. جوابٌ … وجزاء)، مضى بيانه في سورة يوسف ﵇. قال صاحب "الفرائد": إن في ذكر (إذًا) ها هنا- مع الاستغناء عنها لقيام ما بعدها جواباً وجزاءً لما قبلها- فائدة، وهي أن (إذًا) مشعرةٌ بأن الجزاء لا يكون إلا المذكور، فإن قولك لصاحبك: إنك ما أعطيتني، فيجيبك: لو أتيتني إذًا لأعطيتك، فهم منه

стр. 4668

لطلبوا إلى من له الملك والربوبية سبيلا بالمغالبة، كما يفعل الملوك بعضهم مع بعض، كقوله (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا) [الإسراء: ٧] وقيل: لتقرّبوا إليه، كقوله (أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ). (عُلُوًّا) في معنى تعاليا. والمراد البراءة عن ذلك والنزاهة. ومعنى وصف العلوّ بالكبر: المبالغة في معنى البراءة والبعد مما وصفوه به. [(تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا)]. والمراد أنها تسبح له بلسان الحال، حيث تدل على الصانع وعلى قدرته وحكمته، فكأنها تنطلق بذلك، وكأنها تنزه الله مما لا يجوز عليه من الشركاء وغيرها. فإن قلت: فما تصنع بقوله (وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) وهذا التسبيح مفقوه معلوم؟ قلت: الخطاب للمشركين، وهم وإن كانوا إذا سئلوا عن خالق السموات والأرض قالوا: الله، إلا أنهم لما جعلوا معه آلهة مع إقرارهم، فكأنهم لم ينظروا ولم يقرّوا، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أن الإعطاء مخصوص بإتيانه غير مرجو بدونه، فلو لم يُذكر لم يُفهم الاختصاص. قوله: (إلى من له الملك والربوبية)، وضع المُلك والربوبية موضع العرش على الكناية، كما سيجيء في سورة "طه" في قوله: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) [طه: ٥]. قوله: (كقوله: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا) [الأنبياء: ٢٢]، وحاصله يرجع إلى دليل التمانع، كما سيجيء في سورة الأنبياء. قوله: (لتقربوا إليه)، أي: معنى (لابْتَغَوْا): لتقربوا إلى ذي العرش، قال صاحب "الفرائد": من تقرب إلى الغير وطلب الوسيلة لم يصلح لأن يُطلق عليه لفظ الإله، ومعنى كونهم آلهة منافٍ لذلك المعنى، على هذا، لو كان معه آلهة لم يكونوا آلهةً، بل عباد محتاجون إليه، فيلزم عدم الشيء على تقدير وجوده، ويُمكن أن يُجاب: لما كان عدم الشيء على تقدير وجوده مُحالاً، وهو لازم للتقدير، وهو كون الآلهة معه، فكان مُحالاً

стр. 4669

لأنّ نتيجة النظر الصحيح والإقرار الثابت خلاف ما كانوا عليه، فإذا لم يفقهوا التسبيح ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فإذا لم يفقهوا)، أي: جُعلوا في أن نظرهم لم يُثمر التوحيد، كأنهم نظروا ولم يفقهوا، وتحريره أن المشركين لما نظروا إلى ملكوت السماوات والأرض وعلموا أن الله خالقه، ومع هذا الإقرار جعلوا معه آلهة، فكأنهم بالحقيقة ما فقهوا، وهو على هذا تجريد لاستعارة التسبيح للدلالة. ويمكن أن يُجرى على الترشيح لها على أن معنى: (لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) لا يفقهون نُطقهم به، كقوله تعالى: (وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْماً لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً) [الكهف: ٩٣]، كأنه قيل: الكائنات تنطق بلسانها تنزيه ذات الباري عز شأنه وجل سلطانه عن الشريك، والمشركون صُمٌّ لا يسمعون ذلك. والأصل: ودلت الموجودات على توحيد صانعها، وهم لا يعقلون ذلك. قال صاحب "الانتصاف": إن كان الخطاب للمشركين، فما تصنع بقوله: (إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً)؟ وإنما يُخاطب بالحلم والمغفرة المؤمن، والظاهر أن الخطاب للمؤمنين، وأما عدم فقهنا لتسبيح الجمادات، فكناية عن عدم العمل بمقتضى تسبيحها، ولو تفطن الإنسان إلى أن النملة والبعوضة وكل ذرة في الكون تنزه الله تعالى وتشهد لجلاله وكبريائه وقهره، لشغله عن قوته، فضلاً عن فضولا لكلام والغيبة. والظاهر أن الآية وردت على الغالب من أحوال الغافلين، وإن كانوا مؤمنين، فالحمد لله الذي كان حليماً غفوراً. وقلت: أخطأ في جعل الخطاب للمؤمنين؛ لأن معنى النزاهة والبراءة في قوله: (سُبْحَانَهُ)، ومعنى العلو والكبرياء في قوله تعالى: (عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً) راجع على ما وصفوه من اتخاذ الملائكة بنات في قوله: (وَاتَّخَذَ مِنْ الْمَلائِكَةِ إِنَاثاً) ومن اتخاذ الآلهة شُركاء في قوله: (قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ)، وأن مجيء قوله: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ) لتأكيد التنزيه وتذييله، فكيف يُقال: الخطاب للمؤمنين؟ وأما معنى قوله: (إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً) فعلى التعجب، فكأنه قيل: ما أحلمه وأشد غفرانه! حيثُ يعلمُ من هؤلاء المعاندة

стр. 4670

ولم يستوضحوا الدلالة على الخالق. فإن قلت: من فيهنّ يسبحون على الحقيقة وهم الملائكة والثقلان، وقد عطفوا على السموات والأرض، فما وجهه؟ قلت: التسبيح المجازى حاصل في الجميع فوجب الحمل عليه، وإلا كانت الكلمة الواحدة في حالةٍ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ذلك، ولا يعاجلهم بالعقوبة، وإليه أشار بقوله: (إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً) حين لا يعاجلكم بالعقوبة على سوء نظركم وجهلكم بالتسبيح وشرككم. ويؤيده قوله تعالى: (قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً) [الفرقان: ٦]. قال المصنف رحمه الله تعالى: "نبه على أنهم استوجبوا بمكابرتهم هذه، أن يُصب عليهم العذاب صباً، ولكن صرف ذلك عنهم: "أنه غفور رحيم" يُمهلُ ولا يعاجل". قوله: (التسبيح المجازي حاصلٌ في الجميع، فوجب الحمل عليه). الانتصاف: تقدم منه منعُ هذا عند سجدة النحل، لكن ذكر هناك أنه يشملها الانقياد بطريق التواطؤ، وههنا جعله مجازا، ومن الجائز أنه أراد ثمة التواطؤ مع المجاز، وكما يتفق التواطؤ مع الحقيقة، فقد يتفق مع المجاز. الراغب: هذه الآية، وقوله تعالى: (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً) [الرعد: ١٥]، (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ) [النحل: ٤٩] يقتضي أن يكون تسبيحاً على الحقيقة، وسُجوداً له على وجه لا يفقه، بدلالة قوله: (وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ)، ودلالة قوله: (وَمَنْ فِيهِنَّ) بعد ذكر السماوات والأرض، ولايصح أن يكون تقديره يسبح له من في السماوات ويسجد له من في الأرض؛ لأن هذا مما نفقهه، ولأنه مُحال أن يكون ذلك تقديره، ثم يعطفُ عليه بقوله: (وَمَنْ فِيهِنَّ) والأشياء كلها تسبح له، ويسجد بعضها بالتسخير، وبعضها بالاختيار، ولا خلاف أن السماوات والأرض والدواب مسبحاتٌ بالتسخير من حيث إن أحوالها تدل على حكمة الله تعالى، وإنما الخلاف في السماوات والأرض: هل تُسبح بالاختيار؟ والآية تقتضي ذلك بما ذكرت، والله أعلم.

стр. 4671

واحدة محمولة على الحقيقة والمجاز. (إِنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا) حين لا يعاجلكم بالعقوبة على غفلتكم وسوء نظركم وجهلكم بالتسبيح وشرككم. [(وَإِذا قَرَاتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا* وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُورًا* نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلًا مَسْحُورًا* انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا)]. (حِجابًا مَسْتُورًا): ذا ستر كقولهم. سيل مفعهم ذو إفعام. وقيل: هو حجاب لا يرى فهو مستور. ويجوز أن يراد أنه حجاب من دونه حجاب أو حجب، فهو مستور بغيره. أو حجاب يستر أن يبصر، فكيف يبصر المحتجب به، وهذه حكاية لما كانوا يقولونه: (وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ) [فصلت: ٥]، كأنه قال: وإذا قرأت القرآن جعلنا على زعمهم (أَنْ يَفْقَهُوهُ) كراهة أن يفقهوه. أو لأنّ قوله (وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً) فيه معنى المنع من الفقه، فكأنه قيل: ومنعناهم أن يفقهوه. يقال: وحد يحد وحدا وحدة، نحو ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (سيلٌ مفعمٌ)، بفتح العين، يعني جعل اسم المفعول بمعنى الفاعل، فإن الحجاب هو الساتر، والمستور ما وراءه، نحو: سيلٌ مفعمٌ، فإن السيل مفعمٌ والوادي مفعمٌ، فعكس مبالغة في ذلك، فهو من الإسناد المجازي. قوله: (فيه معنى المنع من الفقه)، يعني: (أَنْ يَفْقَهُوهُ)، إما مفعولٌ له على تقدير مضاف، أو مفعولٌ به على تأويل الجملة، بمعنى المنع، كقوله تعالى: (فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ) [البقرة: ٢٤٩]، فإنه في معنى: لم يُطيعوه. قال القاضي: ولما كان القرآن مُعجزاً من حيث اللفظ والمعنى أثبت لمنكريه ما يمنع عن فهم المعنى بقوله: (وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ)، وعن إدراك اللفظ بقوله: (وَإِذَا

стр. 4672

وعد يعد وعدا وعدة، (ووَحْدَهُ) من باب رجع عوده على بدئه، وافعله جهدك وطاقتك في أنه مصدر سادّ مسدّ الحال، أصله: يحد وحده بمعنى واحدا، وحده. والنفور: مصدر بمعنى التولية. أو جمع نافر كقاعد وقعود، أي: يحبون أن تذكر معه آلهتهم لأنهم مشركون، فإذا سمعوا بالتوحيد نفروا (بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ) من الهزؤ بك وبالقرآن، ومن اللغو: كان يقوم عن يمينه إذا قرأ رجلان من عبد الدار، ورجلان منهم عن يساره، فيصفقون ويصفرون ويخلطون عليه بالأشعار. (وبِهِ) في موضع الحال كما تقول يستمعون بالهزؤ، أي هازئين. (وإِذْ يَسْتَمِعُونَ) نصب بـ (أعلم)، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قَرَأتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَاباً مَسْتُوراً). قوله: (و (وَحْدَهُ) من باب رجع عوده على بدئه)، أي: أنه مصدرٌ سادٌ مسد الحال، كأنه قال: عائداً على بدئه، فإن الأصل رجع عائداً على بدئه، ثم أقيم يعود مقام عائداً، ثم عوده مقام يعود. قوله: (وافعله جهدك) الجهدُ بالضم: الطاقة، وبالفتح: من قولهم: اجهد جهدك في هذا الأمر، أي: ابلُغ غايتك، فهو أيضاً مصدرٌ أقيم مقام الحال. قوله: (أصله: يحد وحده) يعني: أصل الآية: (ذَكَرْتَ رَبَّكَ) يحد وحده، بمعنى: واحداً وحده، ثم حذف "يحد" وأقيم المصدر مقامه. قوله: (والنفور مصدر)، قال أبو البقاء: (نُفُوراً)، جمعُ نافر، ويجوز أن يكون مصدراً كالقعود، فإن شئت جعلته حالاً، وإن شئت جعلته مصدراً لـ (ولُوا)؛ لأنه بمعنى: "نَفَروا". قوله: (و (بِهِ): في موضع الحال)، أي: يستمعون ملتبسين بالهزء، قال أبو البقاء:

стр. 4673

أي: أعلم وقت استماعهم بما به يستمعون (وَإِذْ هُمْ نَجْوى): وبما يتناجون به، إذ هم ذو ونجوى (إِذْ يَقُولُ) يدل من إذ هم (مَسْحُورًا) سحر فجنّ. وقيل: هو ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قيل: الباء بمعنى اللام، وقيل: هي على بابها، أي: يستمعون بقلوبهم أم بظاهر أسماعهم. وقال القاضي: (بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ)، أي: بسببه ولأجله من الهُزء بك وبالقرآن، وهو مأخوذٌ من قول المصنف أولاً: (بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ) من الهزء بك وبالقرآن، ولابد من تقرير الهزء؛ لأن قوله: (نَحْنُ أَعْلَمُ) وعيدٌ وتهديدٌ على ما كانوا عليه عند سماعهم بالقرآن من الهزء بالنبي ﷺ وبالقرآن على ما قال: "كان يقومُ عن يمينه إذا قرأ … إلى آخره". قوله: ((إِذْ يَقُولُ): بدلٌ من (إذ هُم))، وقال أبو البقاء: هو بدلٌ من (إذْ) الأولى. اعلم أن (إِذْ يَسْتَمِعُونَ) ظرفٌ لقوله: (أَعْلَمُ)، و (بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ): متعلق به، و (وَإِذْ هُمْ نَجْوَى): عطفٌ على الظرف، على أن يُقدر له ما يلائمه مما قُرن بالمعطوف عليه ليستقيم المعنى، فالتقدير: نحنُ أعلمُ بما به يستمعون وبما به يتناجون وقت استماعهم ووقت تناجيهم، وإنما قدم المصنف الظرف على المفعول به في قوله: بـ (أَعْلَمُ) بوقت استماعهم بما به يستمعون ليؤذن بأن (إِذْ يَسْتَمِعُونَ) متعلق بـ (أَعْلَمُ) لا بـ (يَسْتَمِعُونَ بِهِ)؛ لأن تعلق (إذ) به يوهم فساد المعنى من حيث المفهوم، ثم المناسب أن يكون قوله: (إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ): بدلاً من المعطوف، لا المعطوف عليه؛ لأن قولهم: (إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُوراً) كان خطاباً منهم مع أصحابهم على الحديث. وأما الاستماع عن النبي ﷺ كان على سبيل الهزء فبينهما تنافٍ. قال القاضي: (إِذْ يَقُولُ): بدلٌ من (وَإِذْ هُمْ نَجْوَى) على وضع (الظَّالِمُونَ) موضع الضمير للدلالة على أن تناجيهم كان ظُلماً، ولبيان أن تناجيهم هو قوله: (إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُوراً).

стр. 4674

من السحر وهو الرئة، أي: هو يشر مثلكم (ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ): مثلوك بالشاعر ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (من السحر، وهو الرئة). المعنى: هو بشرٌ مثلكم، في كونه ذا رئةٍ، قال القاضي: المعنى: إن تتبعون إلا رجلاً يتنفس، ويأكل ويشرب، كقوله تعالى: (مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَاكُلُ الطَّعَامَ) [الفرقان: ٧] أي: ليس بملك، والمناسب أن يُراد به الوجه الأول، أي: سُحر فجُن ليلائم قوله: (انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ) كما قال: مثلوك بالشاعر والساحر والمجنون. الراغب: السحر: طرف الحلقوم والرئة، وقيل: انتفخ سحره، وبعيرٌ سحيرٌ: عظيم السحر، والسحارة: ما يُنتزع من السحر عند الذبح، فيرمى به، وجُعل بناءه بناء النفاية والسقاطة. وقيل: منه اشتق السحر، وهو إصابة السحر، والسحر يقال على معانٍ: الأول: خداعُ، وتخييلات لا حقيقة لها نحو ما يفعله المشعبذة من صرف الأبصار عما يفعله بخفةِ يدِ، وما يفعله النمام، بقول مزخرفٍ عائقٍ للأسماع، وعلى ذلك قوله تعالى: (سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ) [الأعراف: ١١٦]، وقال: (يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى) [طه ٦٦]، وبهذا النظر سموا موسى ﵇ ساحراً، فقالوا: (يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ) [الزخرف: ٤٩]. والثاني: استجلاب معاونة الشيطان بضرب من التقرب إليه، كقوله تعالى: (هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ) [الشعراء: ١٢١ - ١٢٢]، وعليه دل قوله تعالى: (وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ) [البقرة: ١٠٢]. والثالث: ما يذهب إليه الأغتامُ، وهو اسمٌ لفعل يزعمون أنه من قوته يغير الصور والطبائع، فيجعلُ الإنسان حماراً، ولا حقيقة لذلك عند المحصلين، وقد تصور من اسحر حسنه، فقيل: إن من البيان لسحراً، وتارة دقة فعله حتى قالت الأطباء: الطبيعة ساحرة،

стр. 4675

والساحر والمجنون (فَضَلُّوا) في جميع ذلك ضلال من يطلب في التيه طريقا يسلكه فلا يقدر عليه، فهو متحير في أمره لا يدرى ما يصنع. [(وَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظامًا وَرُفاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا* قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيدًا* أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا)]. لما قالوا: (أَإِذا كُنَّا عِظامًا) قيل لهم (كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيدًا) فردّ قوله: كونوا، على قولهم: (كُنَّا)، كأنه قيل: كونوا حجارة أو حديدا ولا تكونوا عظاما، فإنه يقدر ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وسموا الغذاء سحراً من حيث إنه يدق ويلطف تأثيره، قال تعالى: (بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ) [الحجر: ١٥] أي: مصروفون عن معرفتنا بالسحر، وعليه قوله تعالى: (إِنَّمَا أَنْتَ مِنْ الْمُسَحَّرِينَ) [الشعراء: ١٥٣]، قيل: ممن جُعل له سحرٌ، تنبيهاً أنه محتاج إلى الغذاء، كقوله تعالى: (مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَاكُلُ الطَّعَامَ) [الفرقان: ٧]، ونبه على أنه بشرٌ كما قال: (مَا أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا) [الشعراء: ١٥٤]، وقيل: معناه: ممن جُعل له سحرٌ يتوصل بلطفه وبدقته إلى ما يأتي به ويدعيه، وعلى الوجهين حُمل قوله تعالى: (إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُوراً) [الإسراء: ٤٧]، وقوله تعالى: (فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُوراً)، وعلى الثاني دل قوله تعالى: (إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ) [سبأ: ٤٣]. قوله: ((فُضِّلُوا) في جميع ذلك ضلال من يطلُب)، إشارة إلى أن قوله: (فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً) تمثيلٌ، مثل حال هؤلاء في تحيرهم وضلالهم فيما يجادلونه في أمر النبي ﷺ بحال من ضل في التيه ويطلب طريقاً يسلكه فلا يقدر عليه والجامع التحير وعدم الدراية فيما يصنع. قوله: (فرد قوله: (كُونُوا) على قولهم: (كُنَّا)، أي: أطبقه جواباً على طريقة المشاكلة، المعنى: أورد هذا القول على قولهم: وقذف بالحق على باطلهم، فإنهم لما استبعدوا أن يُبعثوا خلقاً جديداً بعد كونهم عظاماً قيل لهم: (كُونُوا) الآن أبعد شيء من الحياة، فإنكم

стр. 4676

على إحيائكم والمعنى: أنكم تستبعدون أن يجدد الله خلقكم، ويردّه إلى حال الحياة وإلى رطوبة الحىّ وغضاضته بعد ما كنتم عظاما يابسة، مع أنّ العظام بعض أجزاء الحي، بل هي عمود خلقه الذي يبنى عليه سائره، فليس ببدع أن يردّها الله بقدرته إلى حالتها الأولى، ولكن لو كنتم أبعد شيء من الحياة ورطوبة الحىّ ومن جنس ما ركب منه البشر - وهو أن تكونوا حجارة يابسة أو حديدا مع أن طباعها الجسارة والصلابة - لكان قادرا على أن يردّكم إلى حال الحياة (أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ) يعنى أو خلقا مما يكبر عندكم عن قبول الحياة ويعظم في زعمكم على الخالق إحياؤه فإنه يحييه. وقيل: ما يكبر في صدورهم الموت. وقيل: السموات والأرض (فَسَيُنْغِضُونَ) فسيحرّكونها نحوك تعجبا واستهزاء. [(يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلًا)]. والدعاء والاستجابة كلامهما مجاز. والمعنى: يوم يبعثكم فتنبعثون مطاوعين منقادين لا تمتنعون. وقوله (بِحَمْدِهِ) حال منهم، أي حامدين، وهي مبالغة في ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ستبعثون، والأمر للتسخير، وإنما فسره بقوله: (لَوْ كُنتُمْ) ليُعلم أن المراد بالعبارة الفرض والتقدير، إذ لو أريد به حقيقة التسخير لصاروا حجارةً من غير ريب وانقلبوا حديداً من غير مُكث، فيقولُ المصنف: لكان قادراً على أن يردكم إلى حال الحياة، لا يطابق ظاهراً قوله: (فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا)؛ لأن الكلام أولاً في حصول البعث لا القادر على البعث، ولذلك سألوا ثانياً عن الباعث بقولهم: (مَنْ يُعِيدُنَا) فأجيبوا بقوله: (الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ)، فإنه من الأجوبة الدامغة، فلذلك أنغضوا رؤوسهم قائلين ثالثا: (مَتَى هُوَ)؟ وقيل: ما يكبر في صدورهم الموت، وهو مرويٌّ عن ابن عباس ﵄، ومعناه: لو كنتم نفس الموت لأحياكم، على المبالغة، كما يقالُ: لو كنتم عين الحياة لأماتكم الله، وإلا فالموت عرضٌ لا ينقلبُ الجسمُ إليه، ولا هو ينقلبُ إلى ضده الذي هو الحياة. قوله: (والمعنى: يوم يبعثكم فتنبعثون مطاوعين منقادين)، إشارة إلى أن قوله:

стр. 4677

انقيادهم للبعث، كقولك لمن تأمره بركوب ما يشقّ عليه فيتأبى ويتمنع، ستركبه وأنت حامد شاكر، يعنى: أنك تحمل عليه وتفسير قسرا حتى أنك تلين لين المسمح الراغب فيه الحامد عليه، وعن سعيد بن جبير: ينفضون التراب عن رؤوسهم ويقولون: سبحانك اللهم وبحمدك وَتَظُنُّونَ وترون الهول، فعنده تستقصرون مدّة لبثكم في الدنيا، وتحسبونها يوما أو بعض يوم. وعن قتادة: تحاقرت الدنيا في أنفسهم حين عاينوا الآخرة. [(وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِينًا* رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَا يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَا يُعَذِّبْكُمْ وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا)]. (وَقُلْ لِعِبادِي) وقل للمؤمنين (يَقُولُوا) للمشركين الكلمة (الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) وألين ولا يخاشنوهم، كقوله: (وجادلهم بالتي هي أحسن) [النحل: ١٢٥]. وفسر ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ) تمثيل، على منوال قوله تعالى: (كُنْ فَيَكُونُ) في أن لا دُعاء ثم. قال القاضي: استعار لهما الدعاء والاستجابة للتنبيه على سرعتهما وتيسر أمرهما، وأن المقصود منهما الإحضار للمحاسبة والجزاء. قوله: (تلين لين المُسمح) أي: المنقاد، يقال: أسمحت قرونته، أي: ذلت نفسه وتابعت. "الأساس": أسمحت قرونته: إذا تبعته نفسه وأطاعته. قوله: (لين المسمح) فيه تمثيل مع رائحة من التهكم. قوله: ((يَقُولُوا) للمشركين الكلمة (الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) وألين)، والذي يدُلُّ على أن المراد منه المشركون أنه تعالى لما أمر نبيه ﷺ في أن لا يخاشن المشركين في الرد عليهم ويجادلهم بالتي هي أحسن في الأجوبة الثلاثة في أمر البعث، أمره بأن يُعلم بأنْ يُعلم المؤمنين سلوك هذه

стр. 4678

(التي هي أحسن) بقوله (رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَا يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَا يُعَذِّبْكُمْ) يعنى يقولوا لهم هذه الكلمة ونحوها، ولا يقولوا لهم: إنكم من أهل النار وإنكم معذبون وما أشبه ذلك مما يغيظهم ويهيجهم على الشر. وقوله (إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ) اعتراض، يعنى يلقى بينهم الفساد ويغرى بعضهم على بعض ليقع بينهم المشارّة والمشاقة (وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا) أي ربا موكولا إليك أمرهم تقسرهم على الإسلام وتجبرهم عليه، وإنما أرسلناك بشيرا ونذيرا فدارهم ومر أصحابك بالمداراة والاحتمال وترك المحاقة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الطريقة، وأن يستنوا بسنته، وذلك أنهم لما أنكروا البعث إنكاراً بليغاً بقولهم: (أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً) أمره بأن يجيبهم بقوله: (قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً)، أي: لابد من البعث للجزاء الموعود، ولا مجال للاستبعاد، إذ لو صرتم أبعد شيء من الحياة فإنكم مبعوثون له، كقوله تعالى: (إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا) [يونس: ٤] إلى آخره، وعند ذلك لابد أن يقولوا: هب أنه كذلك، فمن الذي يقدر على هذا الأمر العظيم؟ فأُمر بأن يجيبهم بقوله: هو الذي شاهدتم منه أعظم من هذا، وهو إخراجكم من العدم إلى الوجود. ثم إنهم إذا قالوا مستهزئين: سلمنا ذلك، فمتى إرساؤها؟ فقل لهم: (عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي) ولعل مجيئها قد قرُب، لكن أمارتها: (يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ) له. وأما حُسنُ هذه الأجوبة وسلوك طريقة اللين فيها فإنهم ما أوردوا تلك الأسئلة للاسترشاد، بل للعناد والاستهزاء البليغ والانحراف عن الطريق المستقيم، لكن أخرجت الأجوبة على منوال الجد والطريق السوي، وعدم المبالاة بالاستهزاء أو الإنكار. قوله: (المشارة)، المفاعلة، من الشر. الجوهري: المشارة: المخاصمة. قوله: (وترك المحاقة)، الجوهري: حاقه: إذا خاصمه وادعى كل واحدٍ منهما الحق، فإذا غلبه قيل: حقه.

стр. 4679

والمكاشفة، وذلك قبل نزول آية السيف. وقيل: نزلت في عمر ﵁: شتمه ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (والمكاشفة) هي من كاشفه العداوة، أي: بادأه بها. قوله: ((وَكِيلاً) أي: ربا موكولاً إليك أمرهم)، إلى قوله: "فدارهم ومُر أصحابك بالمداراة" إشارة إلى نظم الآيات، وفي سلوكه صعوبة، قد رمز إليه رمزاً خفيا لا يكاد يدرك في بدء الفكرة. فقوله تعالى: (رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَا يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَا يُعَذِّبْكُمْ) مقول لقوله: (يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) توطئة وتمهيد له. وقوله: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ) الآية، اعتراضٌ بين المفسر والمفسَّر. وقوله: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً) كالتذييل لمجموع مجادلته مع المشركين، وأمره المؤمنين بها من لدن قوله: (وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً) إلى هاهنا. وقوله: (وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَوَاتِ) [الإسراء: ٥٥] كما قال، رد على المشركين في إنكارهم واستبعادهم أمر النبوة بعد الرد على استبعادهم أمر البعث بقولهم: (وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً)، وذلك أنه تعالى لما استجهلهم بقوله: (انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ) وأراد قولهم: إنك شاعرٌ وساحرٌ ومجنون، وحكى عنهم مجادلاتهم، أتى بنوع آخر من الكلام الدال على ردهم استبعادهم نبوة محمد صلوات الله عليه وسلم، وأنه كيف يكون يتيم أبي طاب نبيا، وأن يكون العُراة والجياعُ أصحابه، فقيل له: إن كانوا لا يعلمون كيفية نبوتك، وتقدم أصحابك في الدين، فاعلم أن ربك عالمٌ بأحوال من في السماوات والأرض وبمقاديرهم وبما يستأهل كل واحد منهم من الفضل، ولذلك تفاوتت مراتبُ الأنبياء، فبعضهم أفضلُ من بعض، ألا ترى كيف اصطفيناك من بينهم وجعلناك خاتماً لهم، وجعلنا أمتك خير المم، وهذه المنقبة ثابتة لك في الكتب السالفة، منها الزبور، قال الله تعالى: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ) [الأنبياء: ١٠٥]، ومثله قوله تعالى: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ) [البقرة: ٢٥٣]. قوله: (وقيل: نزلت في عمر ﵁: عطفٌ على قوله: "وقل للمؤمنين:

стр. 4680

رجل فأمره الله بالعفو. وقيل: أفرط إيذاء المشركين للمسلمين، فشكوا إلى رسول الله ﷺ فنزلت. وقيل: الكلمة التي هي أحسن: أن يقولوا يهديكم الله، يرحمكم الله. وقرأ طلحة: (ينزغ)، بالكسر وهما لغتان، نحو يعرشون ويعرشون. [(وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا)]. هو ردّ على أهل مكة في إنكارهم واستبعادهم أن يكون يتيم أبى طالب نبيا، وأن تكون العراة الجوّع أصحابه، كصهيب وبلال وخباب وغيرهم، دون أن يكون ذلك في بعض أكابرهم وصناديدهم، يعنى: وربك أعلم بمن في السموات والأرض وبأحوالهم ومقاديرهم وبما يستأهل كل واحد منهم. وقوله (وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ) إشارة إلى تفضيل رسول الله ﷺ وقوله (وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا) دلالة على وجه تفضيله، وهو أنه خاتم الأنبياء، وأن أمته خير الأمم، لأنّ ذلك مكتوب في زبور ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يقولوا للمشركين"، فعلى هذا (رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ) لا يكون تفسيراً (الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)، ويكون معناه نحو ما قال: "يهديكم الله، يرحمكم الله". قوله: (وقيل: الكلمة التي هي أحسن: أن يقولوا: يهديكم الله)، فعلى هذا قوله: (إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ) يكون تعليلاً للأمر بقوله: (قُلْ)، أي: قل لهم أن يجاملوا في القول ولا يخاشنوا ولا يبالغوا في الجدال؛ لئلا تُنفرَ المشركين بنزغه ويُلبسهم جلد النمر ولا يورث المؤمنين الخيلاء؛ لأن المجادلة الباطلة مما تفسد ذات البين، فيكون قوله: ((رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ)) خطاباً للمؤمنين ليتركوا المراء، ويؤيده قوله: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً) يعني: إذا لم تكن أنت وكيلاً على المشركين فالمؤمنون أحرى به. قوله: ((وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً) دلالة على وجه تفضيله) إلى قوله: (وإن أمته خيرُ الأمم)،

стр. 4681

داود. قال الله تعالى: (وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ) وهم محمد وأمته. فإن قلت: هلا عرّف الزبور كما عرّف في قوله (وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُور) [الأنبياء: ١٠٥]؛ قلت: يجوز أن يكون الزبور وزبور كالعباس وعباس، والفضل وفضل، وأن يريد: وآتينا داود بعض الزبر؛ وهي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ووجه الدلالة أنه عطف (وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً) على قوله: (فَضَّلْنَا) على طريق الوجود والحصول وعول التعليل إلى ذهن البليغ، كأنه تعالى قال: نحن أجملنا بيان تفضيل بعضهم على بعض، ونحن فصلناه بأن بينا ذلك فيما أعطينا عبدنا داود من الزبور، وفيه أن الأرض يرثها عبادي الصالحون، وإلى التعليل الإشارة بقوله: لأن ذلك مكتوب في زبور داود ﵇، ونحوه في التعويل إلى الذهن: ما رُوي أن المنصور وعد الهُذلي بجائزة ونسي، وحجا معاً، ومرا في المدينة ببيت عاتكة، فقال: يا أمير المؤمنين، هذا بيت عاتكة الذي يقول فيه الأحوص: يا بيت عاتكة الذي أتعزلُ فأنكر عليه ذلك، فلما رجع أمر القصيدة التي فيها هذا المصراعُ على قلبه، فإذا فيها: وأراك تفعل ما تقول وبعضهم … مذق اللسان يقول ما لا يفعل فذكر المواعيد وأنجز له واعتذر إليه، ويُسمى هذا الأسلوب بالتلميح. قوله: (كالعباس وعباس)، قال أبو البقاء: إنه علمٌ، يقال: زبور والزبور، كما يقال: عباس والعباس، أو هو نكرة، أي: كتاباً من جملة الكتب، وقال القاضي: الزبور في

стр. 4682

الكتب، وأن يريد ما ذكر فيه رسول الله ﷺ من الزبور، فسمى ذلك زبورا، لأنه بعض الزبور، كما سمى بعض القرآن قرآناً. [(قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا* أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا)]. (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ) هم الملائكة. وقيل: عيسى بن مريم، وعزير. وقيل نفر من الجن، عبدهم ناس من العرب ثم أسلم الجن ولم يشعروا، أي: ادعوهم فهم لا يستطيعون أن يكشفوا عنكم الضر من مرض أو فقر أو عذاب، ولا أن يحولوه من واحد إلى آخر أو يبدلوه. (وأُولئِكَ) مبتدأ، (والَّذِينَ يَدْعُونَ) صفته، (ويَبْتَغُونَ) خبره، يعنى: أن آلهتهم أولئك يبتغون الوسيلة وهي القربة إلى الله تعالى. (وأَيُّهُمْ) بدل من واو يبتغون، وأي موصولة، أي: يبتغى من هو أقرب منهم وأزلف الوسيلة إلى الله، فكيف بغير الأقرب. أو ضمن يبتغون الوسيلة معنى يحرصون، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الأصل فعول للمفعول، كالحلوب، أو المصدر كالقبول، ويؤيده قراءة حمزة بالضم، فهو كالعباس والفضل. قوله: (أو ضمن "يبتغون الوسيلة" معنى: يحرصون)، معنى الجملة كما هي بمعنى: يحرصون. قال صاحب "التقريب": أي: موصولة، وهو بدل من واو يبتغون، أي: آلهتهم أولئك يبتغي من هو أقرب منهم الوسيلة إلى الله، فكيف بغير الأقرب، أو (أَيُّهُمْ) استفهام، وضُمن يبتغون الوسيلة معنى يحرصون، أي: يحرصون أيهم يكون أقرب إلى الله بالطاعة وزيادة الخير، فعلى الأول: يطلب من هو أقرب الوسيلة، وعلى الثاني: يطلب آلهتهم أي:

стр. 4683

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ … أن يكونوا أقرب إلى الله بما هو وسيلة. وقال أبو البقاء: (أَيُّهُمْ): مبتدأ، و (أَقْرَبَ): خبره، وهو استفهام، والجملة في موضع نصب بـ (يَدْعُونَ)، ويجوز أن يكون (أَيُّهُمْ) بمعنى الذي، وهو بدلٌ من الضمير في (يَدْعُونَ). واعلم أن لهم في مثل هذا مذهبين: أحدهما: أن (أَيُّهُمْ) استفهام، وهو مذهب الخليل. وثانيهما: هي موصولة، وصدر الصلة محذوف، وإليه ذهب سيبويه، وسيجيء تمام تقريره في قوله: (ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيّاً) فالوجه الأول في "الكشاف" محمولٌ على مذهب سيبويه، ولذلك صرح بذكر صدر الصلة، وقال: "يبتغي من هو أقرب منه". والثاني على مذهب الخليل، حيث قال: "يحرصون أيهم"، ولابد من تقدير متعلق بـ "يحرصون"، كقوله تعالى: (حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ) [التوبة: ١٢٨]، (إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ) [النحل: ٣٧]، ومن تأويل الإنشائي لتصحيح استقامته بأن يقال: يحرصون على ما يقال فيهم: أيهم أقرب إلى الله: بسببه من الطاعة ازدياد الخير، ففي الآية تقديم وتأخير؛ لأن قوله: (إِلَى رَبِّهِمْ) حينئذ متعلقٌ بـ (أَقْرَبُ)، كما قُدر في قوله: "تحرصون أيهم أقرب إلى الله". وأما قول أبي البقاء: والجملة نصب بـ "يدعون" فتقديره: أن آلهتهم أولئك يدعون إلى الله، الذين يقالُ فيهم: أيهم أقرب إلى الله؛ لأنهم الذين ينتفعون بالدعوة، كقوله: (وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ) [الأنعام: ٥١]، وقوله: (إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا) [عبس: ٤٥]، وقوله: (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) [البقرة: ٢]. ويجوز أن يُقدر: أولئك يدعون إلى الهدى، وإلى ما يقال فيه: أيهم أقربُ إلى الله بسببه من العبادة والطاعة يبتغون إلى ربهم الوسيلة بتلك الدعوة، فقُدم "يبتغون" اهتماماً، والله أعلم.

стр. 4684

فكأنه قيل: يحرصون أيهم يكون أقرب إلى الله، وذلك بالطاعة وازدياد الخير والصلاح، ويرجون، ويخافون، كما غيرهم من عباد الله فكيف يزعمون أنهم آلهة؟ إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ حقيقا بأن يحذره كل أحد من ملك مقرّب ونبيّ مرسل، فضلا عن غيرهم. [(وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوها عَذابًا شَدِيدًا كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُورًا)]. (نَحْنُ مُهْلِكُوها) بالموت والاستئصال أَوْ (مُعَذِّبُوها) بالقتل وأنواع العذاب. وقيل: الهلاك للصالحة، والعذاب للطالحة. وعن مقاتل: وجدت في كتب الضحاك بن مزاحم في تفسيرها: أما مكة فيخربها الحبشة، وتهلك المدينة بالجوع، والبصرة بالغرق، والكوفة بالترك، والجبال بالصواعق والرواجف. وأما خراسان فعذابها ضروب، ثم ذكرها بلدا بلدا (فِي الْكِتابِ) في اللوح المحفوظ. [(وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلاَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا)]. استعير المنع لترك إرسال الآيات من أجل صارف الحكمة. و (أن) الأولى: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كما غيرهم)، أي: كغيرهم، "ما": كافةٌ، أي: كما هو غيرهم. قوله: (بأن يحذره كل أحدٍ من ملك مقرب)، هذا العمومُ يعطيه معنى التعليل، والعموم الذي في إطلاق قوله: (مَحْذُوراً). قوله: (والجبال بالصواعق)، وفي الحاشية: الجبال: من الري إلى بغداد. قوله: (استعير المنع لترك إرسال الآيات)؛ لأن أصل المعنى: وما تركنا إرسال الآيات التي اقترحتها قريش، إلا لأجل علمنا السابق والتقدير الماضي، وهو تأخير أمر من بُعثت إليهم إلى يوم القيامة، ولما كان الصارف وهو العلمُ والتقديرُ قوياً، استُعير المنعُ للترك، وذلك أن المنع حقيقة هو صرف الغير عن فعل يفعله، وذلك في حق الفاعل المختار مُحال، فوجب الحملُ على المجاز.

стр. 4685

منصوبة والثانية مرفوعة، تقديره: وما منعنا إرسال الآيات إلا تكذيب الأولين. والمراد: الآيات التي اقترحتها قريش من قلب الصفا ذهبا ومن إحياء الموتى وغير ذلك: وعادة الله في الأمم أن من اقترح منهم آية فأجيب إليها ثم لم يؤمن أن يعاجل بعذاب الاستئصال، فالمعنى: وما صرفنا عن إرسال ما يقترحونه من الآيات إلا أن كذب بها الذين هم أمثالهم من المطبوع على قلوبهم كعاد وثمود، وأنها لو أرسالات لكذبوا بها تكذيب أولئك وقالوا هذا سحر مبين كما يقولون في غيرها، واستوجبوا العذاب المستأصل. وقد عزمنا أن نؤخر أمر من بعثت إليهم إلى يوم القيامة. ثم ذكر من تلك الآيات - التي اقترحها الأولون ثم كذبوا بها لما أرسالات فأهلكوا - واحدة: وهي ناقة صالح، لأن آثار هلاكهم في بلاد العرب قريبة من حدودهم يبصرها صادرهم وواردهم (مُبْصِرَةً) بينة. وقرئ: مبصرة، بفتح الميم (فَظَلَمُوا بِها) فكفروا بها (وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ) إن أراد بها الآيات المقترحة فالمعنى لا نرسلها (إِلَّا تَخْوِيفًا) من نزول العذاب العاجل كالطليعة والمقدّمة له، فإن لم يخافوا: وقع ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أن من اقترح)، "أن" مع اسمها وخبرها: خبرُ "وعادة الله"، وخبرُ "أن": "أنْ يعاجل". قوله: (وأنها لو أرسلت): عطفٌ على قوله: "إن كذب بها الأولون الذين هم أمثالهم"، على منوال: أعجبني زيدٌ وكرمه. قوله: (وقرئ: "مبصرة" بفتح الميم). قال أبو البقاء: أي: تبصرة. قوله: (لا نرسلها (إِلاَّ تَخْوِيفاً) من نزول العذاب العاجل). الراغب: الآيات هاهنا قيل: إشارة إلى الجراد والقُمل ونحوهما من الآيات التي أرسلت إلى الأمم المتقدمة،

стр. 4686

عليهم وإن أراد غيرها فالمعنى: وما نرسل ما نرسل من الآيات كآيات القرآن وغيرها إلا تخويفا وإنذارا بعذاب الآخرة. [(وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيانًا كَبِيرًا)]. (وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ) واذكر إذ أوحينا إليك أن ربك أحاط بقريش، يعنى: بشرناك بوقعة بدر وبالنصرة عليهم. وذلك قوله سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ [القمر: ٤٥]، (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ) [آل عمران: ١٢] وغير ذلك، فجعله كأن قد كان ووجد، فقال: (أحاط بالناس) على عادته في إخباره، وحين تزاحف الفريقان يوم بدر والنبي ﷺ في العريش مع أبي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فنبه أن ذلك إنما يُفعل بمن يفعله تخويفاً، وذلك أخسُّ المنازل للمأمورين، فإن الإنسان يتحرى فعل الخير لأحد ثلاثة أشياء: إما أن يتحراه لرغبة أو لرهبة، وهو أدنى منزلة، وإما أن يتحراه لمحمدة، وإما أن يتحراه للفضيلة، وهو أن يكون ذلك الشيء في نفسه فاضلاً، وذلك أشرف المنازل، فلما كانت هذه الأمة خير أمة رفعهم عن هذه المنزلة، ونبه أنه لا يعمهم بالعذاب، وإن كانت الجهلة منهم كانوا يقولون: (فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنْ السَّمَاءِ أَوْ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) [الأنفال: ٣٢]، وقيل: الآيات إشارة إلى الأدلة، ونبه أنه يقتصر معهم على الأدلة ويصانون عن العذاب الذي يستعجلونه. قوله: (ورسول الله ﷺ في العريش)، الجوهري: العريش: ما يُستظل به. روينا في "صحيح البخاري"، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ قال وهو في قبة يوم بدر: "اللهم أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن تشأ لا تُعبد اليوم"، فأخذ أبو بكر ﵁ بيده، فقال: حسبُك.

стр. 4687

بكر ﵁ كان يدعو ويقول: «اللهم إني أسألك عهدك ووعدك» ثم خرج وعليه الدرع يحرض الناس ويقول (سيهزم الجمع ويولون الدبر) ولعلّ الله تعالى أراه مصارعهم في منامه، فقد كان يقول حين ورد ماء بدر «والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم» وهو يومئ إلى الأرض ويقول: هذا مصرع فلان، هذا مصرع فلان، فتسامعت قريش بما أوحى إلى رسول الله ﷺ من أمر يوم بدر وما أرى في منامه من مصارعهم، فكانوا يضحكون ويستسخرون ويستعجلون به استهزاء وحين سمعوا بقوله: (إن شجرة الزقوم طعام الأثيم) [الدخان: ٤٣ - ٤٤] ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وهو يومئ إلى الأرض، ويقول: هذا مصرع فلان). روى مسلمٌ وأبو داود، عن أنسن قال: قال رسول الله ﷺ : "هذا مصرعُ فلان"، ويضعُ يده على الأرض هاهنا وهاهنا. قال: فما ماط ادهم عن موضع يد رسول الله ﷺ . ماط، أي: بعُدَ وذهب. قوله: (فتسامعت)، هو متصلٌ بقوله: "ولعل الله" وما عُطف عليه من قوله: "وحين تزاحف الفريقان" بدليل قوله من أمر بدرٍ، وما أُري في منامه، والمعطوف والمعطوف عليه تفسيران لقوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ)، ولقوله: (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ)، "وجعلوها سخرية": عاملُ" حين سمعوا"، وهو تأويل لقوله: (وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ). وأما قوله: "حين تزاحف"، فظرفٌ لقوله: "يدعو ويقولُ"، كما أن قوله: "حين ورد ماء بدر": ظرفُ "يقول"، أي: كان يدعو ويقول حين تزاحف الفريقان: اللهم إني أسألك، وقد كان حين ورد ماء بدر: والله لكأني انظرُ، وإنما جمع المعنيين في قرانٍ واحدٍ وأفرز الثالث لاتحاد قصتهما واختلاف الثالث، فقوله: "وحين سمعوا" عطفٌ على جملة قوله: "حين تزاحف الفريقان" مع ما عُطف عليه، وهو قوله: "ولعل الله"، ثم إنه لخص المعاني الثلاث في قوله: "والمعنى أن الآيات إنما نُرسل بها تخويفاً للعباد" إلى آخره.

стр. 4688

جعلوها سخرية وقالوا: إن محمدا يزعم أن الجحيم تحرق الحجارة، ثم يقول ينبت فيها الشجر. وما قدر الله حق قدره من قال ذلك، وما أنكروا أن يجعل الله الشجرة من جنس لا تأكله النار! فهذا وبر السمندل وهو دويبة ببلاد الترك تتخذ منه مناديل، إذا اتسخت طرحت في النار فذهب الوسخ وبقي المنديل سالما لا تعمل فيه النار. وترى النعامة تبتلع الجمر وقطع الحديد الحمر كالجمر بإحماء النار فلا تضرها، ثم أقرب من ذلك أنه خلق في كل شجرة نارا فلا تحرقها، فما أنكروا أن يخلق في النار شجرة لا تحرقها. والمعنى: أنّ الآيات إنما يرسل بها تخويفا للعباد، وهؤلاء قد خوفوا بعذاب الدنيا وهو القتل يوم بدر. فما كان ما أَرَيْناكَ منه في منامك بعد الوحي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وما قدر الله حق قدره من قال ذلك)، "مَن": فاعلُ "قدروا". الانتصاف: العمدة في ذلك أن النار لا تؤثر إحراقاً، إلا أن الله تعالى أجرى العادة أن يخلُقَ الإحراق عقيب ملاقاتها بعض الأجسام. قوله: (وما أنكروا)، قيل: "ما" يجوز أن يكون منصوباً على أنه مفعولٌ مطلق، أي: أي إنكار أنكروا؟ و"ما" استفهامية إنكارية. ويجوز أن تكون شرطية، والجزاء قوله: "فهذا وبرُ السمندل"، على طريق الإخبار والإنكار لقوله تعالى: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْ اللَّهِ) [النحل: ٥٣]، والمعنى متصلٌ بقوله: "ثم أقربُ من ذلك" أي: أقرب مما ذكرنا، أنه خلق في كل شجرة ناراً فلا تحرقها، وهم يشاهدونها، فأي إنكارٍ أنكروا هذا؟ قوله: (في كل شجرة ناراً)، وفي المثل: في كل شجر نار، واستمجد المرخُ والعفار، شبههما بمن يُكثر العطاء طلباً للمجد؛ لأنهم يُسرعان الوري، خلاف سائر الأشجار.

стр. 4689

إليك إِلَّا فِتْنَةً لهم حيث اتخذوه سخريا وخوّفوا بعذاب الآخرة وشجرة الزقوم فما أثر فيهم، ثم قال فيهم (وَنُخَوِّفُهُمْ) أي نخوفهم بمخاوف الدنيا والآخرة فَما (يَزِيدُهُمْ) التخويف إِلَّا (طُغْيانًا كَبِيرًا) فكيف يخاف قوم هذه خالهم بإرسال ما يقترحون من الآيات. وقيل: الرؤيا هي الإسراء، وبه تعلق من يقول: كان الإسراء ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وخوفوا بعذاب الآخرة): عطفٌ على قوله: "وقد خوفوا بعذاب الدنيا". والفاء في: "فما أثر فيهم" هي الفاء في قوله تعالى: (فَمَا يَزِيدُهُمْ)، والتخويف بعذاب الدنيا حصل من شيئين: من الوحي بإحاطة الناس، ومن الرؤيا التي أراها في مصارع القوم، والتخويف بعذاب الآخرة حصل من إنزال شجرة الزقوم في القرآن، ولذلك جعل المصنف عطف قوله: (وَمَا جَعَلْنَا) على (وَإِذْ قُلْنَا) بمنزلة شيء واحد، وأتى بالفاء، حيث قال: "فما كان ما أريناك منه في منامك بعد الوحي إليك (إِلاَّ فِتْنَةً) ". قوله: (فكيف يُجاب قومٌ) بالجيم والباء، وفي أكثر النسخ: "يخاف"، بالخاء والفاء، وفيه إيماءٌ إلى اتصال قوله تعالى: (وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَاناً كَبِيراً) بقوله: (وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ)، يعني: ما تركنا إرسال تلك الآيات التي اقترحتها قريش من قلب الصفا ذهباً وإحياء الموتى وغيرها إلا لنزول عذاب الاستئصال، وقد عزمنا تأخير أمرهم. ثم قال: (وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً) أي: وما نُرسل بآيات القرآن إلا تخويفاً وإنذاراً مما نزل بالأولين كعاد وثمود وفرعون من الاستئصال بسبب اقتراحهم على أنبيائهم لينزجروا ويعتبروا وتخويفاً مما حل بهؤلاء يوم بدر، وما يحل بهم يوم القيامة من أكل الشجرة الملعونة ليتعظوا، فما يزيدهم كل ذلك إلا طغياناً، فإذا كان الأمر على هذا فكيف يُجابوا إلى ما اقترحوا بإرسال الآيات، فوضع موضع ضمير يُجابوا قومٌ هذه حالهم، إيذاناً بأنهم قوم معاندة مكابرة، أو يقال: كيف يجابون بإرسال ما يقترحون من الآيات، وإنها كالطليعة المقدمة لعذاب الآجل، وقد خوفوا هذه التخويفات فما اتعظوا والله أعلم.

стр. 4690

في المنام، ومن قال: كان في اليقظة، فسر الرؤيا بالرؤية. وقيل: إنما سماها رؤيا على قول المكذبين حيث قالوا له: لعلها رؤيا، رأيتها، وخيال خيل إليك، استبعادًا منهم، كما سمى أشياء بأساميها عند الكفرة، نحو قوله: (فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ) [الصافات: ٩١]، (أَيْنَ شُرَكائِيَ) [النحل: ٢٧]، (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ) [الدخان: ٤٩] وقيل: هي رؤياه أنه سيدخل مكة. وقيل: رأى في المنام أن ولد الحكم يتداولون منبره كما يتداول الصبيان الكرة. فإن قلت: أين لعنت شجرة الزقوم في القرآن؟ قلت: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ومن قال: كان في اليقظة، فسر الرؤيا بالرؤية)، يعني: على الأصل، قال المصنف في سورة يوسف: والرؤيا بمعنى الرؤية، إلا أنها مختصة بما كان فيها في المنام دون اليقظة. وفرق بينهما بحرفي التأنيث، كما قيل: القربة والقُربى، مثله استعمال الوعْدِ والوعيد. وروينا عن البخاري وأحمد بن حنبل والترمذي، عن ابن عباس في قوله تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ) قال: "هي رؤيا عينٍ أريها النبي ﷺ ليلة أُسري به إلى بيت المقدس". قوله: (وقيل: إنما سماها رؤيا على قول المكذبين)، يعني: على زعمهم والتهكم بهم، ويُمكن أن يكون هاهنا من باب المشاكلة. قوله: (كما سمي أشياء بأساميها عند الكفرة)، سمي أصنامهم بالآلهة والشركاء في الآيتين، وأنفسهم بالعزيز الكريم في الآخرة على زعمهم، وكما هو عندهم. قوله: (فراغ)، الجوهري: راغ إلى كذا، أي: مال إليه سراً، (فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ) [الصافات: ٩٣]، أي: أقبل. قال الفراء مال عليهم. قوله: (رأى في المنام أن ولد الحكم يتداولون منبره). الحكم هو ابن العاص بن أمية بن

стр. 4691

لعنت حيث لعن طاعموها من الكفرة والظلمة، لأنّ الشجرة لا ذنب لها حتى تلعن على الحقيقة، وإنما وصفت بلعن أصحابها على المجاز. وقيل: وصفها الله باللعن، لأن اللعن الإبعاد من الرحمة، وهي في أصل الجحيم في أبعد مكان من الرحمة. وقيل: تقول العرب لكل طعام مكروه ضار: ملعون، وسألت بعضهم فقال: نعم الطعام الملعون القشب الممحوق. وعن ابن عباس: هي الكشوث التي تتلوى بالشجر يجعل ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عبد شمس بن عبد منافٍ، وولده الذين ملكوا بعد معاوية: يزيدُ بن معاوية بن أبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس، أولهم: مروان بن الحكم، ثم عبد الملك ابنه، ثم ابنه الوليد، ثم أخوه سليمان بن عبد الملك، ثم عمر بن عبد العزيز، ثم يزيد بن عبد الملك، ثم هشام بن عبد الملك، ثم الوليد بن يزيد، ثم يزيد بن الوليد بن عبد الملك، ثم إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك، وآخرُهم مروان بن محمد الحمار. قوله: (لُعنت حيث لُعن طاعموها من الكفرة)، أي: أي موضع من القرآن وُجدت فيه لعنة الكافرين، فهي ملعونة هناك؛ لأن المراد بالشجرة الملعونة أن طاعمها ملعونٌ؛ لأن الشجرة لا ذنب لها. قوله: (وسألتُ بعضهم) عن صحة نقل المعنى، فقلت: هل تُسمى العرب كل طعام مكروه ملعوناً؟ قال: نعم. وزاد في الجواب أن الطعام الملعون هو المذموم الذي لا خير فيه. قوله: (القشب الممحوق)، الفائق: القشب: القذر، والقشبُ: الذي خالطه قذر، قيل: القشب أيضاً: السم، والجمع أقشابٌ، وقشبه أيضاً: إذا ذكره بسوء. قوله: (الممحوق): محقه يمحقه محقاً، أي: أبطله ومحاه، والكشوث: نبتٌ يتعلق بأغصان الشجر من غير أن يضرب بعرقٍ في الأرض.

стр. 4692

في الشراب. وقيل: أبو جهل. وقرئ: والشجرة الملعونة بالرفع، على أنها مبتدأ محذوف الخبر، كأنه قيل: والشجرة الملعونة في القرآن كذلك. [(وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ قالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا* قالَ أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلًا* قالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُورًا* وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاَّ غُرُورًا* إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا)]. (طِينًا) حال إما من الموصول والعامل فيه أسجد، على: أأسجد له وهو طين، أى أصله طين. أو من الراجع إليه من الصلة على: أأسجد لمن كان في وقت خلقه طينا (أَرَأَيْتَكَ) الكاف للخطاب. وهذَا مفعول به. والمعنى: أخبرنى عن هذا (الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ) أي فضلته، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقيل: هي الشيطانُ)، أي: الشجرة الملعونة. الانتصاف: يُبعده قوله: (طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ) [الصافات: ٦٥]، وقوله: (فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا) [الصافات: ٦٦]. قلت: هو القائل لم يذهب إلى أن هذه الشجرة المذكورة هنا على هذا التأويل هي شجرة الزقوم بل ذهب إلى المجاز وسمي الشيطان بالشجرة وأن الله تعالى لعنه في كتابه المجيد في غير موضع. قوله: (أو من الراجع)، والفرق أنه إذا كان حالاً من المفعول يكون قيداً لـ"أسجد"، وإذا كان حالاً من الراجع، كان قيداً لـ (خَلَقْتُ) فيختلف التقديران، والأول أبلغُ؛ لأنه من باب المجاز باعتبار ما كان، أي: أسجد للطين، والطين لا يسجد له. والمعنى على الثاني: أأسجدُ لمن كان في وقت خلقه طيناً، أي: أصله طين.

стр. 4693

لم كرمته علي وأنا خير منه؟ فاختصر الكلام بحذف ذلك، ثم ابتدأ فقال (لَئِنْ أَخَّرْتَنِ) واللام موطئة للقسم المحذوف (لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ) لأستأصلتهم بالإغواء، من احتنك الجراد الأرض إذا جرد ما عليها أكلا، وهو من الحنك. ومنه ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لم كرمته عليَّ وأنا خيرٌ منه؟ فاختصر الكلام بحذف ذلك)، أي: السؤال عن العلة، ويمكن أن يُقال: إن اللعين لما أنكر أن يسجد له تحقيراً لشأنه، وجعلُه طيناً مشاهداً ترقى منه إلى أبلغ، أي: أخبرني عن حال هذا المشاهد المحسوس المكون من الطين والصلصال كالفخار، المجبول بالشهوات، أي: كيف يرتفع عليَّ وأنا أقهره بالوساوس، وأجعله مطواعاً لي، سيما ذريته، فأستأصلهم إغواء؟ ومن ثم أتى بالجملة المؤكدة بلام القسم في قوله: (لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)، (لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ)، ولفظة "هذا" مثلُها في قوله: تقول ووقت نحرها بيمينها … أبعلي هذا بالرحى المتقاعس ويؤيده قول الإمام: (هذا): مبتدأ محذوفٌ عنه حرف الاستفهام، و"الذي" مع صلته: الخبر، أي: أخبرني: أهذا الذي كرمته عليَّ؟ وذلك على وجه الاستصغار، وإنما حذف الاستفهام؛ لأن حصوله في قوله: (أَرَأَيْتَكُ) أغنى عن تكراره. قوله: (وهو من الحنك). الراغب: الحنكُ: حنك الإنسان والدابة، وقيل لمنقار الغُراب: حنكٌ، لكونه كالحنك من الإنسان، وقيل: أسود مثل حنك الغراب، وحلك الغراب، فحنكه: منقاره، وحلكه: سواء ريشه. وقوله: (لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً) يجوزُ أن يكون من: حنكتُ الدابة: أصبتُ حنكها باللجام والرسن، فيكون كقولك: لألجمن فلاناً ولأرسنَنَّه، ويجوز أن يكون من قولهم: احتنك الجراد الأرض، أي: استولى بحنكه عليها،

стр. 4694

ما ذكر سيبويه من قولهم: أحنك الشاتين أي أكلهما. فإن قلت: من أين علم أن ذلك يتسهل له وهو من الغيب؟ قلت: إما أن سمعه من الملائكة وقد أخبرهم الله به، أو خرجه من قولهم: (أتجعل فيها من يفسد فيها) [البقرة: ٣٠]، أو نظر إليه فتوسم في مخايله أنه خلق شهوانى. وقيل: قال ذلك لما علمت وسوسته في آدم، والظاهر أنه قال ذلك قبل أكل آدم من الشجرة اذْهَبْ ليس من الذهاب للذي هو نقيض المجيء، إنما معناه: امض لشأنك الذي اخترته خذلانا وتخلية، وعقبه بذكر ما جرّه سوء اختياره في قوله (فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ) كما قال موسى ﵇ للسامري (فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ) [طه: ٩٧] فإن قلت: أما كان من حق الضمير في الجزاء أن يكون على لفظ الغيبة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فأكلها واستأصلها، فيكون المعنى: استولى عليهم استيلاءه على ذلك، وفلانٌ حنكه الدهر، كقولك: نجذه وقرع سنه وافتره، ونحو ذلك من الاستعارات في التجربة. قوله: (والظاهر أنه قال ذلك)، أي: (لَئِنْ أَخَّرْتَنِي)، إلى آخره، داخلٌ في حيز القول، فيكون صدور هذا القول بعد الإباء عن السجود، ومكان الوسوسة الجنة، وهو مختلفٌ عن هذا بزمان، أي: هذا القول مردودٌ. قوله: (كما قال موسى ﵇ للسامري)، يعني: كما رتب موسى ﵇ على قوله: (فَاذْهَبْ) قوله: (فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لا مِسَاسَ) [طه: ٩٧] للإيذان بأن المراد من الأمر الخذلان، لتعقبه بالعقاب، كذلك هاهنا، فقوله: "وعقبه" عطفٌ على محذوف، وهو معللٌ لقوله: "خذلاناً وتخليةً"، وقوله: (فَمَنْ تَبِعَكَ) ظرف لقوله: "تذكرة له"، أي: قال الله تعالى لإبليس: امض لشأنك خذلاناً وتخلية، وعقبه بذكر ما جره سوء اختياره، حتى يقال في حقه: (فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ).

стр. 4695

ليرجع إلى من تبعك؟ قلت: بلى، ولكن التقدير: فإنّ جهنم جزاؤهم وجزاؤك، ثم غلب المخاطب على الغائب فقيل: (جزاؤكم). ويجوز أن يكون للتابعين على طريق الالتفات، وانتصب (جَزاءً مَوْفُوراً) بما (في فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ) من معنى تجازون. أو بإضمار تجازون. أو على الحال، لأنّ الجزاء موصوف بالموفور، والموفور الموفر. يقال: فر لصاحبك عرضه فرة. استفزّه: استخفه. والفز: الخفيف (وَأَجْلِبْ) ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لأن الجزاء موصوفٌ بالموفور)، هذا تصحيح وقوع الجزاء حالاً، وهو كقوله تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً) [يوسف: ٢]، وقيل: التقدير: ذوي جزاء موفور، فيكون حالاً من الضمير في "تجازون"، وهو معنى جزاؤكم، وإلا فالعامل مفقودٌ، والأظهر أنه حالٌ مؤكدة، كقولك: زيدٌ حاتمٌ جُوداً. قال أبو البقاء: هو حالٌ موطئة. وقيل: هو تمييز. قوله: (فر لصاحب عرضه)، مثله في قول زهير: ومن يجعل المعروف من دون عرضه … يفره، ومن لا يتق الشتم يُشتم قال الزوزني: وفرتُ الشيء وفرة ووفراً: أكثرته، ووفرته وفوراً، تقول: ومن يجعل معروفه ذاباً عن عرضه وفر مكارمه. الراغب: الوفر: المال التام. يقال: وفرتُ كذا: تممته، أفرهُ وفراً ووفوراً ووفرةً، ووفرتُه: على التكثير، والوفرة: الشعر الوافر، ومزادة وفراءُ، وسقاءٌ أوفرُ: لم ينقص من أديمها شيءٌ، ورأيت فلاناً ذا وفارة وفرةً، أي: تام المروءة والعقل. قوله: (والفزُّ: الخفيف). الراغب: قال تعالى: (وَاسْتَفْزِزْ مَنْ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ)
следующие страницы →