← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 4691–4730 · переход к 4696.

стр. 4691

لعنت حيث لعن طاعموها من الكفرة والظلمة، لأنّ الشجرة لا ذنب لها حتى تلعن على الحقيقة، وإنما وصفت بلعن أصحابها على المجاز. وقيل: وصفها الله باللعن، لأن اللعن الإبعاد من الرحمة، وهي في أصل الجحيم في أبعد مكان من الرحمة. وقيل: تقول العرب لكل طعام مكروه ضار: ملعون، وسألت بعضهم فقال: نعم الطعام الملعون القشب الممحوق. وعن ابن عباس: هي الكشوث التي تتلوى بالشجر يجعل ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عبد شمس بن عبد منافٍ، وولده الذين ملكوا بعد معاوية: يزيدُ بن معاوية بن أبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس، أولهم: مروان بن الحكم، ثم عبد الملك ابنه، ثم ابنه الوليد، ثم أخوه سليمان بن عبد الملك، ثم عمر بن عبد العزيز، ثم يزيد بن عبد الملك، ثم هشام بن عبد الملك، ثم الوليد بن يزيد، ثم يزيد بن الوليد بن عبد الملك، ثم إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك، وآخرُهم مروان بن محمد الحمار. قوله: (لُعنت حيث لُعن طاعموها من الكفرة)، أي: أي موضع من القرآن وُجدت فيه لعنة الكافرين، فهي ملعونة هناك؛ لأن المراد بالشجرة الملعونة أن طاعمها ملعونٌ؛ لأن الشجرة لا ذنب لها. قوله: (وسألتُ بعضهم) عن صحة نقل المعنى، فقلت: هل تُسمى العرب كل طعام مكروه ملعوناً؟ قال: نعم. وزاد في الجواب أن الطعام الملعون هو المذموم الذي لا خير فيه. قوله: (القشب الممحوق)، الفائق: القشب: القذر، والقشبُ: الذي خالطه قذر، قيل: القشب أيضاً: السم، والجمع أقشابٌ، وقشبه أيضاً: إذا ذكره بسوء. قوله: (الممحوق): محقه يمحقه محقاً، أي: أبطله ومحاه، والكشوث: نبتٌ يتعلق بأغصان الشجر من غير أن يضرب بعرقٍ في الأرض.

стр. 4692

في الشراب. وقيل: أبو جهل. وقرئ: والشجرة الملعونة بالرفع، على أنها مبتدأ محذوف الخبر، كأنه قيل: والشجرة الملعونة في القرآن كذلك. [(وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ قالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا* قالَ أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلًا* قالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُورًا* وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاَّ غُرُورًا* إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا)]. (طِينًا) حال إما من الموصول والعامل فيه أسجد، على: أأسجد له وهو طين، أى أصله طين. أو من الراجع إليه من الصلة على: أأسجد لمن كان في وقت خلقه طينا (أَرَأَيْتَكَ) الكاف للخطاب. وهذَا مفعول به. والمعنى: أخبرنى عن هذا (الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ) أي فضلته، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقيل: هي الشيطانُ)، أي: الشجرة الملعونة. الانتصاف: يُبعده قوله: (طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ) [الصافات: ٦٥]، وقوله: (فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا) [الصافات: ٦٦]. قلت: هو القائل لم يذهب إلى أن هذه الشجرة المذكورة هنا على هذا التأويل هي شجرة الزقوم بل ذهب إلى المجاز وسمي الشيطان بالشجرة وأن الله تعالى لعنه في كتابه المجيد في غير موضع. قوله: (أو من الراجع)، والفرق أنه إذا كان حالاً من المفعول يكون قيداً لـ"أسجد"، وإذا كان حالاً من الراجع، كان قيداً لـ (خَلَقْتُ) فيختلف التقديران، والأول أبلغُ؛ لأنه من باب المجاز باعتبار ما كان، أي: أسجد للطين، والطين لا يسجد له. والمعنى على الثاني: أأسجدُ لمن كان في وقت خلقه طيناً، أي: أصله طين.

стр. 4693

لم كرمته علي وأنا خير منه؟ فاختصر الكلام بحذف ذلك، ثم ابتدأ فقال (لَئِنْ أَخَّرْتَنِ) واللام موطئة للقسم المحذوف (لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ) لأستأصلتهم بالإغواء، من احتنك الجراد الأرض إذا جرد ما عليها أكلا، وهو من الحنك. ومنه ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لم كرمته عليَّ وأنا خيرٌ منه؟ فاختصر الكلام بحذف ذلك)، أي: السؤال عن العلة، ويمكن أن يُقال: إن اللعين لما أنكر أن يسجد له تحقيراً لشأنه، وجعلُه طيناً مشاهداً ترقى منه إلى أبلغ، أي: أخبرني عن حال هذا المشاهد المحسوس المكون من الطين والصلصال كالفخار، المجبول بالشهوات، أي: كيف يرتفع عليَّ وأنا أقهره بالوساوس، وأجعله مطواعاً لي، سيما ذريته، فأستأصلهم إغواء؟ ومن ثم أتى بالجملة المؤكدة بلام القسم في قوله: (لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)، (لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ)، ولفظة "هذا" مثلُها في قوله: تقول ووقت نحرها بيمينها … أبعلي هذا بالرحى المتقاعس ويؤيده قول الإمام: (هذا): مبتدأ محذوفٌ عنه حرف الاستفهام، و"الذي" مع صلته: الخبر، أي: أخبرني: أهذا الذي كرمته عليَّ؟ وذلك على وجه الاستصغار، وإنما حذف الاستفهام؛ لأن حصوله في قوله: (أَرَأَيْتَكُ) أغنى عن تكراره. قوله: (وهو من الحنك). الراغب: الحنكُ: حنك الإنسان والدابة، وقيل لمنقار الغُراب: حنكٌ، لكونه كالحنك من الإنسان، وقيل: أسود مثل حنك الغراب، وحلك الغراب، فحنكه: منقاره، وحلكه: سواء ريشه. وقوله: (لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً) يجوزُ أن يكون من: حنكتُ الدابة: أصبتُ حنكها باللجام والرسن، فيكون كقولك: لألجمن فلاناً ولأرسنَنَّه، ويجوز أن يكون من قولهم: احتنك الجراد الأرض، أي: استولى بحنكه عليها،

стр. 4694

ما ذكر سيبويه من قولهم: أحنك الشاتين أي أكلهما. فإن قلت: من أين علم أن ذلك يتسهل له وهو من الغيب؟ قلت: إما أن سمعه من الملائكة وقد أخبرهم الله به، أو خرجه من قولهم: (أتجعل فيها من يفسد فيها) [البقرة: ٣٠]، أو نظر إليه فتوسم في مخايله أنه خلق شهوانى. وقيل: قال ذلك لما علمت وسوسته في آدم، والظاهر أنه قال ذلك قبل أكل آدم من الشجرة اذْهَبْ ليس من الذهاب للذي هو نقيض المجيء، إنما معناه: امض لشأنك الذي اخترته خذلانا وتخلية، وعقبه بذكر ما جرّه سوء اختياره في قوله (فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ) كما قال موسى ﵇ للسامري (فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ) [طه: ٩٧] فإن قلت: أما كان من حق الضمير في الجزاء أن يكون على لفظ الغيبة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فأكلها واستأصلها، فيكون المعنى: استولى عليهم استيلاءه على ذلك، وفلانٌ حنكه الدهر، كقولك: نجذه وقرع سنه وافتره، ونحو ذلك من الاستعارات في التجربة. قوله: (والظاهر أنه قال ذلك)، أي: (لَئِنْ أَخَّرْتَنِي)، إلى آخره، داخلٌ في حيز القول، فيكون صدور هذا القول بعد الإباء عن السجود، ومكان الوسوسة الجنة، وهو مختلفٌ عن هذا بزمان، أي: هذا القول مردودٌ. قوله: (كما قال موسى ﵇ للسامري)، يعني: كما رتب موسى ﵇ على قوله: (فَاذْهَبْ) قوله: (فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لا مِسَاسَ) [طه: ٩٧] للإيذان بأن المراد من الأمر الخذلان، لتعقبه بالعقاب، كذلك هاهنا، فقوله: "وعقبه" عطفٌ على محذوف، وهو معللٌ لقوله: "خذلاناً وتخليةً"، وقوله: (فَمَنْ تَبِعَكَ) ظرف لقوله: "تذكرة له"، أي: قال الله تعالى لإبليس: امض لشأنك خذلاناً وتخلية، وعقبه بذكر ما جره سوء اختياره، حتى يقال في حقه: (فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ).

стр. 4695

ليرجع إلى من تبعك؟ قلت: بلى، ولكن التقدير: فإنّ جهنم جزاؤهم وجزاؤك، ثم غلب المخاطب على الغائب فقيل: (جزاؤكم). ويجوز أن يكون للتابعين على طريق الالتفات، وانتصب (جَزاءً مَوْفُوراً) بما (في فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ) من معنى تجازون. أو بإضمار تجازون. أو على الحال، لأنّ الجزاء موصوف بالموفور، والموفور الموفر. يقال: فر لصاحبك عرضه فرة. استفزّه: استخفه. والفز: الخفيف (وَأَجْلِبْ) ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لأن الجزاء موصوفٌ بالموفور)، هذا تصحيح وقوع الجزاء حالاً، وهو كقوله تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً) [يوسف: ٢]، وقيل: التقدير: ذوي جزاء موفور، فيكون حالاً من الضمير في "تجازون"، وهو معنى جزاؤكم، وإلا فالعامل مفقودٌ، والأظهر أنه حالٌ مؤكدة، كقولك: زيدٌ حاتمٌ جُوداً. قال أبو البقاء: هو حالٌ موطئة. وقيل: هو تمييز. قوله: (فر لصاحب عرضه)، مثله في قول زهير: ومن يجعل المعروف من دون عرضه … يفره، ومن لا يتق الشتم يُشتم قال الزوزني: وفرتُ الشيء وفرة ووفراً: أكثرته، ووفرته وفوراً، تقول: ومن يجعل معروفه ذاباً عن عرضه وفر مكارمه. الراغب: الوفر: المال التام. يقال: وفرتُ كذا: تممته، أفرهُ وفراً ووفوراً ووفرةً، ووفرتُه: على التكثير، والوفرة: الشعر الوافر، ومزادة وفراءُ، وسقاءٌ أوفرُ: لم ينقص من أديمها شيءٌ، ورأيت فلاناً ذا وفارة وفرةً، أي: تام المروءة والعقل. قوله: (والفزُّ: الخفيف). الراغب: قال تعالى: (وَاسْتَفْزِزْ مَنْ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ)

стр. 4696

من الجلبة وهي الصياح. والخيل: الخيالة. ومنه قول النبي ﷺ : (يا خيل الله اركبي). والرجل اسم جمع للراجل. ونظيره: الركب والصحب. وقرئ: (ورجلك)، على ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [الإسراء: ٦٤] أي: أزعج، وفزني فلانٌ: أزعجني، والفزُّ: ولدُ البقرة، سُمي به لما تُصور فيه من الخفة، كما سُمي عجلاً لما فيه من العجلة. قوله: (من الجلبة، وهي الصياح). الراغب: أجلبتُ عليه: صحتُ عليه بقهرٍ. قوله: (ياخيل الله اركبي)، النهاية: أي: يا أصحاب خيل الله. قوله: (وقرئ: (وَرَجِلِكَ)). قرأ حفص: بكسر الجيم، والباقون: بإسكانها قال ابن جني: رويناها عن قُطرُب، عن أبي عبد الرحمن، وقال: الرجِلُ: والرجال، وعليه قراءة عكرمة وقتادة: "رجالك"، ويقالُ: رجل: جمع راجل، [تاجر وتجرٍ، وهذا عند سيبويه اسم للجمع غير مكسر بمنزلة الباقر. الراغب: الرجُلُ يختص بالذكر من الناس، ويقالُ رجُلَةُ للمرأة إذا كانت متشبهة بالرجل في بعض أحوالها، وفلانٌ أرجلُ الرجلين، واشتق من الرجل رجلٌ] وراجلٌ للماشي بالرجل بين الرُّجلة، فجمع الراجل رجالةٌ ورجلٌ نحو ركب، ورجالٌ نحو: ركاب لجمع الراكب، ويقالُ: رجلٌ راجل، أي: قويٌّ على المشين وجمعه رجالٌ، نحو قوله: (فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً) [البقرة: ٢٣٩]، وكذا رجيلٌ ورجلةٌ. والأرجلُ: الأبيض الرجل من الفرس، والعظيم الرجلِ، واستعير الرجلُ للقطعة من الجراد ولزمان الإنسان، يقال: كان

стр. 4697

أن فعلا بمعنى فاعل، نحو: تعب وتاعب. ومعناه: وجمعك الرجل، وتضم جيمه أيضا، فيكون مثل حدث وحدث، وندس وندس، وأخوات لهما. يقال: رجل رجل. وقرئ: (ورجالك) (ورجالك). فإن قلت: ما معنى استفزاز إبليس بصوته وإجلابه بخيله ورجله؟ قلت: هو كلام ورد مورد التمثيل، مثلت حاله في تسلطه على من يغويه بمغوار أوقع على قوم فصوّت بهم صوتا يستفزهم من أماكنهم ويقلقهم عن ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ذلك على رجل فلان، كقولك: على رأس فلان، وترجلَ الرجلُ: نزل عن دابته، وترجلَ النهارُ: انحطت الشمسُ عن الحيطان، كأنها ترجلتْ، ورجل شعره، كأنه أنزله إلى حيث الرجلُ، والمرجلُ: القدرُ المنصوب، وأرجلتُ الفصيل: أرسلته مع أمه، كأنما جعلتَ له بذلك رجلاً. قوله: (حدث): أي: حسنُ الحديثُ والندسُ: الفطن. قوله: (ورد مورد التمثيل)، وهو على وجهين: أحدهما: التمثيل المحض بأن مُثلتْ حالُ الشيطان في تسلطه وإغوائه من غير تصور استفزاز وصوتٍ وخيلٍ ورجلٍ بحالة مغوارٍ مقدرة فيها هذه المذكورات، فاستعمل في تلك الحال ما يستعمل في هذه، نحوه قوله تعالى: (وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ) [الزمر: ٦٧]. وثانيهما: التمثيل غير المحض، وذلك بأن يتصور له استفزاز وصوت ورجلٌ وخيل مجازي، كما قال: "بدعائه إلى الشر"، ورجله: كل راكب وماشٍ من أهل العبث. قوله: (بمغوار). الجوهري: رجلٌ مغوارٌ ومغاورٌ، أي: مقاتل، وقومٌ مغاوير، وخيلٌ مُغيرة.

стр. 4698

مراكزهم، وأجلب عليهم بجنده من خيالة ورجالة حتى استأصلهم. وقيل: بصوته، بدعائه إلى الشر. وخيله ورجله: كلّ راكب وماش من أهل العيث. وقيل: يجوز أن يكون لإبليس خيل ورجال. وأما المشاركة في الأموال والأولاد فكل معصية يحملهم عليها في بابهما، كالربا والمكاسب المحرّمة، والبحيرة والسائبة، والإنفاق في الفسوق، والإسراف، ومنع الزكاة، والتوصل إلى الأولاد بالسبب الحرام، ودعوى ولد بغير سبب، والتسمية بعبد العزى وعبد الحرث، والتهويد والتنصير، والحمل على الحرف الذميمة والأعمال المحظورة، وغير ذلك (وَعِدْهُمْ) المواعيد الكاذبة، من شفاعة الآلهة والكرامة على الله بالأنساب الشريفة، وتسويف التوبة ومغفرة الذنوب بدونها، والاتكال على الرحمة، وشفاعة الرسول في الكبائر والخروج من النار بعد أن يصيروا حمما، وإيثار العاجل على الآجل إِنَّ عِبادِي يريد الصالحين لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ أى لا تقدر أن تغويهم (وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا) لهم يتوكلون به في الاستعاذة منك، ونحوه قوله (إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) فإن قلت: كيف جاز أن يأمر الله إبليس بأن يتسلط على عباده مغويا مضلا، داعيا إلى ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وتسويف التوبة ومغفرة الذنوب بدونها والاتكال على الرحمة وشفاعة الرسول ﷺ في الكبائر)، الانتصاف: "وعد الله المغفرة وعلقها بالمشيئة من غير توبة، وجعلها الزمخشري من وعد الشيطان، وكذلك جعل وعد الصادق المصدوق بالشفاعة من مواعيد الشيطان، وأقل عقوبته في ذلك حرمانها". قوله: (ونحوه قوله: (إِلاَّ عِبَادَكَ))، أي: نحو قوله: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً) [الإسراء: ٦٥]. قوله: ((إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ))؛ لأن من كفاه مالك اللعين والقادر عليه وكيلاً، لا يكون إلا عبداً مكرماً مخلصاً.

стр. 4699

الشر، صادّا عن الخير؟ قلت: هو من الأوامر الواردة على سبيل الخذلان والتخلية، كما قال للعصاة: (اعملوا ما شئتم)] فصلت: ٤٠ [. [(رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيماً* وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً)]. (يُزْجِي) يجرى ويسبر. والضرّ: خوف الغرق (ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ) ذهب عن أوهامكم وخواطركم كلّ من تدعونه في حوادثكم إلا إياه وحده، فإنكم لا تذكرون سواه، ولا تدعونه في ذلك الوقت ولا تعقدون برحمته رجاءكم، ولا تخطرون ببالكم أنّ غيره يقدر على إغاثتكم، أو لم يهتد لإنقاذكم أحد غيره من سائر المدعوّين. ويجوز أن يراد: ضلّ من تدعون من الآلهة عن إغاثتكم، ولكنّ الله وحده هو الذي ترجونه وحده على الاستثناء المنقطع. [(أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلاً (٦٨) أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفاً مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعاً)]. (أَفَأَمِنْتُمْ) الهمزة للإنكار، والفاء للعطف على محذوف تقديره: أنجوتم فأمنتم، فحملكم ذلك على الإعراض. فإن قلت: بم انتصب جانِبَ الْبَرِّ؟ قلت: بيخسف مفعولا به، كالأرض في قوله فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ) [القصص: ٨١]. و (بِكُمْ) ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (على الاستثناء المنقطع)، أي: على الوجه الأخير، ويُفهم أنه على الأول والثاني متصل، أما على الأول فـ" (ضَلَّ) مضمن لمعنى "ذهب"، وفاعله الذكر، أي: ذهب عن اوهامكم ذكرُ كل من تدعونه إلا ذكر الله، يدل عليه قوله: "لا يذكرون سواه"، وعلى الثاني: "ضَلَّ" مُجرى على حقيقته، ولذلك قال: أولم يهتد لإنقاذكم؟

стр. 4700

حال. والمعنى: أن يخسف جانب البر، أى يقلبه وأنتم عليه. فإن قلت. فما معنى ذكر الجانب؟ قلت: معناه أنّ الجوانب والجهات كلها في قدرته سواء، وله في كل جانب برا كان أو بحرا سبب مرصد من أسباب الهلكة، ليس جانب البحر وحده مختصا بذلك، بل إن كان الغرق في جانب البحر، ففي جانب البر ما هو مثله وهو الخسف، لأنه تغييب تحت التراب كما أنّ الغرق تغييب تحت الماء، فالبرّ والبحر عنده سيان يقدر في البر على نحو ما يقدر عليه في البحر، فعلى العاقل أن يستوي خوفه من الله في جميع الجوانب وحيث كان (أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً) وهي الريح التي تحصب أي ترمى بالحصباء، يعني: أو إن لم يصبكم بالهلاك من تحتكم بالخسف، أصابكم به من فوقكم بريح يرسلها عليكم فيها الحصباء يرجمكم بها، فيكون أشدّ عليكم من الغرق في البحر (وَكِيلًا) من يتوكل بصرف ذلك عنكم (أَمْ أَمِنْتُمْ) أن يقوّى دواعيكم ويوفر حوائجكم إلى أن ترجعوا فتركبوا البحر الذي نجاكم منه ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فما معنى ذكر الجانب؟ ). دلت الفاء في السؤال على السببية، يعني: ذكرت أن (جَانِبَ الْبَرِّ): مفعولٌ به، كـ (الأَرْضِ) في قوله: (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ) [القصص: ٨١]، فما معنى زيادة الجانب في هذه الآية؟ وأجاب عنه: أن الزيادة دلت على أن الكلام في هذا المقام في الجانب، وأن جانبي البر والبحر سيان تحت قهره وسلطانه ، وذلك أنهم قطعوا أن الهلاك مختص بجانب البحر، وأن جانب البر مكان المن ومنزلُ الرفاهية ومهبط البطر والأشر، دل على ذلك فِعلُهم: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ) [العنكبوت: ٦٥]. قوله: (أن يُقوي دواعيكم ويوفر حوائجكم)، إعلام بأن "أمْ" في قوله: (أَمْ أَمِنتُمْ) منقطعة، والهمزة فيها للإنكار والتوبيخ، ويؤيده تقديره "نجوتُم" بعد الهمزة، وعطفُ (أَمِنتُمْ) عليه في القرينة الأولى، يعني: هبوا أنكم تخلصتم من الغرق في البحر، فكيف تتخلصون من الخسف في البر؟ ثم أضرب عنه، أي: دعوا الخسف، بل كيف تأمنون أن الله يقوي دواعيكم فتورث البخل الخالع والحرص الهالع، فتعودون إلى ما نجوتم منه فيغرقكم به. وفي تذييل كل من الآيتين معنى الترقي؛ ذُيلت الأولى بقوله: (ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ

стр. 4701

فأعرضتم، فينتقم منكم بأن يرسل عَلَيْكُمْ (قاصِفاً) وهي الريح التي لها قصيف وهو الصوت الشديد، كأنها تتقصف أي تتكسر. وقيل: التي لا تمرّ بشيء إلا قصفته (فَيُغْرِقَكُمْ) وقرئ بالتاء، أي الريح. وبالنون، وكذلك: (نخسف)، (ونرسل)، (ونعيدكم). قرئت بالياء والنون. التبيع: المطالب، من قوله (فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ)] البقرة: ١٧٨ [أي مطالبة. قال الشماخ: كَمَا لَاذَ الْغَرِيمُ مِنَ التَّبِيعِ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ..... وَكِيلاً)، أي: من يتوكل بصرف ذلك عنكم؟ والثانية بقوله: (ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعاً) أي: مطالبنا يُطالبنا بما فعلنا دركاً للثأر؛ لأن طلب الثأر بعد الهلاك والتوكل قبله. قوله: (فأعرضتم فينتقم منكم، بأن يُرسل) الفاء في "فأعرضتم" عاطفةٌ عقبت "نجاكم" بـ"أعرضتُم"؛ وفي "فينتقم" مؤذنة بأن الفاء في قوله تعالى: (فَيُرْسِلَ) فصيحةٌ مقتضية لتقرير "فينتقم"؛ لأن مجرد إعادتهم في البحر ليس موجباً لإرسال ما يُغرقهم، بل سببٌ ذلك إرادةٌ الانتقام من الإعراض السابق بواسطة الريح القاصف. قوله: ((فَيُغْرِقَكُمْ)، وقرئ بالتاء): ابن كثير وأبو عمرو: بالنون، والباقون: بالياء التحتانية، وبالتاء: شاذة، وعلى هذا (نُعِيدُكُمْ). قوله: (كما لاذ الغريم من التبيع)، لاذ: أي التجأ. الأساس: ما وجدت لي على فلان تبيعاً، أي: متابعاً ناصراً لي عليه.

стр. 4702

يقال: فلان على فلان تبيع بحقه، أي مسيطر عليه مطالب له بحقه. والمعنى: أنا نفعل ما نفعل بهم، ثم لا تجد أحدا يطالبنا بما فعلنا انتصارا منا ودركا للثأر من جهتنا. وهذا نحو قوله (وَلا يَخافُ عُقْباها)] الشمس: ١٥ [(بِما كَفَرْتُمْ): بكفرانكم النعمة، يريد: إعراضهم حين نجاهم. [(وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلاً)]. قيل في تكرمة ابن آدم: كرّمه الله بالعقل، والنطق، والتمييز، والخط، والصورة الحسنة والقامة المعتدلة، وتدبير أمر المعاش والمعاد. وقيل بتسليطهم على ما في الأرض وتسخيره لهم. وقيل: كل شيء يأكل بفيه إلا ابن آدم. وعن الرشيد: أنه أحضر طعاما فدعا بالملاعق وعنده أبو يوسف، فقال له: جاء في تفسير جدك ابن عباس قوله تعالى (وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ) جعلنا لهم أصابع يأكلون بها، فأحضرت الملاعق فردّها وأكل بأصابعه (عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا) هو ما سوى الملائكة، وحسب بني آدم تفضيلا أن ترفع عليهم الملائكة وهم هم ومنزلتهم عند الله ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وهذا نحو قوله: (وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا) [الشمس: ١٥]، أي لايخاف الله عاقبتها وتبعتها، كما يخاف كل معاقبٍ من الملوك فيُبقي بعض الإبقاء. قوله: (وحسبُ بني آدم تفضيلا)، يعني: دل قوله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) على كرامتهم، ويكفيهم من هذه الكرامة أن يكونوا دون الملائكة فيها ونازلين عن منزلة الذين هم المشهورون الكاملون وبقرب من الله معروفون، أو يكونوا مفضلين على غيرهم، كما تقول: يكفيك من الشرف أن تكون ثاني الأمير في المنزلة. قوله: (وهُم هُم)، وقوله: "ومنزلتُهم منزلتهم"، مثلُ قول أبي النجم:

стр. 4703

منزلتهم، والعجب من المجبرة كيف عكسوا في كل شيء وكابروا، حتى جسرتهم عادة المكابرة على العظيمة التي هي تفضيل الإنسان على الملك، وذلك بعد ما سمعوا تفخيم الله أمرهم وتكثيره مع التعظيم ذكرهم، وعلموا أين أسكنهم، وأنى قربهم، وكيف نزلهم من أنبيائه منزلة أنبيائه من أممهم، ثم جرّهم فرط التعصب عليهم إلى أن ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أنا أبو النجم وشعري شعري أي: أنا ذلك المشهور الموصوف بالكمال، وشعري هو الموصوف المشهور بالبلاغة. قوله: (وتكثيره مع التعظيم ذكرهم)، أي: تكثير الله ذكرهم مع التعظيم في كتابه، "مع التعظيم" حالٌ من الفاعل والمفعول. قال صاحب "التقريب": ولقد تشنع هاهنا حتى أفحش، فالقول بتفضيل الملك احد قولي أهل السنة، ومذهب ابن عباس واختيار الزجاج، وأيضاً غايته التمسك بالمفهوم، وهو أن تخصيص الكثير يدل على أن القليل يضاد ذلك، واختلف في كونه حجة على أبي حنيفة ﵁ يقول بالمفهوم، ثم المفهوم إنما يدل على أنه ليس مفضلاً على القليل، ولا يلزم منه مذهبه، وهو تفضيل القليل، فقد يستويان، ثم ليحتمل أن يُراد بـ (كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا): الملائكة، إذ هم كثيرٌ من العقلاء المخلوقين، فيكون بنو آدم أفضل منهم. وعلى الجملة فذلك التشنيع شنيع.

стр. 4704

لفقوا أقوالا وأخبارا منها؛ قالت الملائكة: ربنا إنك أعطيت بني آدم الدنيا يأكلون منها ويتمتعون ولم تعطنا ذلك، فأعطناه في الآخرة. فقال: وعزتي وجلالي، لا أجعل ذرّية من خلقت بيدي كمن قلت له كن فكان. ورووا عن أبى هريرة أنه قال: لمؤمن أكرم على الله من الملائكة الذين عنده. ومن ارتكابهم أنهم فسروا كثِيراً) بمعنى «جميع» في هذه الآية، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ربنا إنك أعطيت بني آدم الدنيا يأكلون منها ويتمتعون) الحديث، نحوه رواه محيي السنة في "المصابيح"، وفي "المعالم": وروى شيخي في "المعتمد"، والبيهقي في "شُعب الإيمان"، عن جابر أن النبي ﷺ قال: "لما خلق الله آدم وذريته قالت الملائكة: يا رب، خلقتهم يأكلون ويشربون وينكحون ويركبون، فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة. قال الله تعالى: لا أجعلُ من خلقته بيدي ونفخت فيه من رُوحي كمن قلت له: كن، فكان". وأما الحديث الآخر فقد رواه ابن ماجه، عن أبي هريرة، يقول: قال رسول الله ﷺ : "المؤمن أكرم على الله من بعض ملائكته". قوله: (فسروا "كثيراً" بمعنى: جميع) قال محيي السنة: وظاهر الآية أنه فضلهم على

стр. 4705

وخذلوا حتى سلبوا الذوق ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كثير ممن خلقه، لا على الكل، وقال قومٌ: فضلوا على جميع الخلق وعلى الملائكة كلهم، وقد يوضع الأكثر موضع الكل، كما قال تعالى: (هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ) إلى قوله: (وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ) [الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٣]، وفسر المصنف في قوله: (وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّاً) [يونس: ٣٦] الأكثر: بالجميع. قوله: (سبوا الذوق)، أراد بالذوق: ما تجده نفس الفطن الذكي من التفاوت بين اللفظين، ووضع جميع موضع كثير، فإن هذا التركيب من باب تعليق الحكم بإحدى صفتي الذات للدلالة على نفي الحكم عما عداه، ومعناه: أنه حصل في المخلوقات ما لا يكون الإنسان أفضل منه، وهم الملائكة، وهذا تقدير الإمام، وإلا فأي فائدة في العدول من لفظ الكل والجميع إليه؟ ونحوه ما رُوي عن أبي عبيدة - وهو من علماء العربية- أنه قال في مثل قولهم: الميتُ اليهودي لا يُبصر، أنه يتبادر منه إلى الفهم أن الميت المسلم يبصر، ولذلك يتعجب ويضحك منه كل أحد، وألا لم يكن لذلك الضحك والتعجب وجه. ولعل إحالته إلى الذوق تعريض بأصحابه الذين منعوا القول بالمفهوم، فنقول: الظاهر أن المفضل عليه كثيرٌ، و (مِمَّنْ خَلَقْنَا): بيان له، وفي الحقيقة بالعكس على ما سبق في قوله تعالى: (كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنْ اللَّيْلِ مُظْلِماً) [يونس: ٢٧]، قال: عامل (مُظْلِماً)

стр. 4706

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ … (أُغْشِيَتْ) من قبل أن (مِنْ اللَّيْلِ): صفة لقوله: (قِطَعاً)، فكان إفضاؤه إلى الموصوف كإفضائه إلى الصفة. وحققه شيخي المغفور [له] أمين الدين الشرفشاهي بأن قال: إن نسبة (أُغْشِيَتْ) إلى (قِطَعاً) إنما هي باعتبار ذاتها المبهمة المفسرة بالليل، لا باعتبار مفهوم القطع في نفسها، وإنما ذُكرت لبيان مقدار ما أغشيت به، وهو الليل، كما إذا قيل: اشتريت أرطالاً من الزيت، فإن المشترى الزيت، والأرطال مبينة لمقدار ما اشترى، وهاهنا المفضل عليه ممن (خَلَقْنَا) و (كَثِيرٍ) مبينٌ لمقدار كميته، وعليه قولك: رأيت أسداً منك، على التجريد، فإن المرئي المخاطب، والأسد: لبيان كيفية حال المرئي من الجرأة والشجاعة، ولا شك أن (مِمَّنْ خَلَقْنَا) متناولٌ لمن يعقلُ من المخلوقات، وهو منحصر في الملائكة والثقلين، وخرج منه بنو آدم؛ لأن الشيء لا يُفضل على نفسه، فيبقى الملائكة والجن. فظهر أن فائدة استجلاب الوصف ليس إلا لبيان كمية المفضل عليه الذي يقتضيه مقام المدح للمفضل، فلا يحمل على المفهوم، نحو: "في سائمة الغنم زكاة"، إذ لا فائدة فيه للوصف سوى التخصيص. وأما كونُ المقام مقام مدحٍ فإن الآية أُخرجت مخرج القسيمة، وكرر فيها ما يُنبئ عن غاية المدح من ذكر الكرامة والتفضيل وتسخير الأشياء على سبيل الترقي، كأنه قيل: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) برامة أبيهم، ثم سخرنا لهم الأشياء (وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ)، ثم فضلناهم تفضيلاً أي تفضيل، ولهذا عقب بها قوله: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا)، وهو لبيان كرامة أبيهم، بجعل سُجود الملائكة المقربين بعد ذكرهم فيه (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا) [البقرة: ٣٠] ن ومن ثم طُرد اللعين حيثُ قاس الفضل بالعقل وامتنع عن السجود

стр. 4707

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ … الذي يدُل على فضله وكرامته، وما توسطت بينهما من الآيات كالاستطراد والاعتراض يدل عليه الاتفاق بين قوله: (وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ)، وقوله: (رَبُّكُمْ الَّذِي يُزْجِي لَكُمْ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ) [الإسراء: ٦٦] كما بين هذه الكرامة والكرامة بالسجود. ويعضده الحديث المروي عن جابر كما مر. هذا على أن يكون (مِن) بياناً، وإذا جُعل تبعيضاً كان (مِمَّنْ خَلَقْنَا): بدلاً، أي: فضلناهم على بعض المخلوقين، وذكرُ البعض في هذا المقام يدل على تعظيم المفضل عليه، كما سبق في قوله تعالى: (وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ) [الأنعام: ١٦٥]، وأي مدح لبني آدم وإثبات للفضل والكرامة بالجملة القسمية، إذ جُعلوا مفضلين على الشياطين والجن؟ على أن صفة الكثرة، إذا جُعلت مخصصة لإخراج البعض، كانت بالملائكة أولى من الجن والشياطين؛ لأنهم هم الموصوفون بالكثرة، وإليه ينظرُ قول صاحب "التقريب". ثم يحتمل أن يُراد بـ (كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا): الملائكة، إذ هم كثيرٌ من العقلاء المخلوقين. روينا عن الترمذي، عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : إني أرى ما لا ترون، وأسمعُ ما لا تسمعون، أطتِ السماء وحُق لها أن تئط، ما فيها موضعُ أربع أصابع إلا وملكٌ واضعٌ جبهته لله ساجداً"، الحديث. وذكر شيخُنا شيخُ الإسلام في كتاب "الرشف"، أنه ورد أن البيت المعمور يطوفُ به كل يوم سبعون ألفاً لا يعودون إليه إلى يوم القيامة. وورد أن كل قطرةٍ تنزلُ منَ

стр. 4708

فلم يحسوا ببشاعة قولهم: وفضلناهم على جميع ممن خلقنا، على أن معنى قولهم «على جميع ممن خلقنا» أشجى لحلوقهم وأقذى لعيونهم، ولكنهم لا يشعرون. فانظر إلى تمحلهم وتشبثهم بالتأويلات البعيدة في عداوة الملأ الأعلى، كأنّ جبريل ﵇ غاظهم حين أهلك مدائن قوم لوط، فتلك السخيمة لا تنحل عن قلوبهم. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ السحاب إلى الأرض يصحبها ثلاثة أملاكن فظهر أن ليس المراد من قولنا: "فُضلوا على الجميع"، أنه وضع "الكثير" موضع "الجميع" في التلاوة ليلزم البشاعة التي ذكرها، بل الجميع لازم المعنى. وأما قوله: (أشجى لحلوقهم) فلعل مراده أنهم إنما فروا من دلالة المفهوم وفسروا "الكثير" بـ"الجميع" لئلا يلزم فضلُ الملائكة عليهم، لكن لزمهم من هذا ما هو أفظع منه، وهو فضل الحدادين والحياكين، بل الكافرين، على النفوس الطاهرة الزكية. وأجيب عنه: أنه كما لا يلزم من قولنا: "الرجال أفضل من النساء" فضلُ كل فردٍ على كل فرد، كذلك لا يلزم ذلك. وفي حديث أبي هريرة: "المؤمن أكرمُ على الله من بعض الملائكة"، إشارة إلى تفضيل الآية، وحديث جابر، وهو ما قيل: خواص الإنسان مثل الأنبياء أفضلُ من خواصهم، وبعضُ عوام الإنسان من المؤمنين أفضل من عوامهم، والله أعلم. قوله: (السخيمة)، أي: الضغينة والموجدة في النفس. قاله الجوهري.

стр. 4709

[(يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً)]. قرئ) نَدْعُوا)، بالياء والنون. (ويدعى كل أناس)، على البناء للمفعول. وقرأ الحسن: يدعوا كل أناس، على قلب الألف واوا في لغة من يقول: افعوا. والظرف نصب بإضمار اذكر. ويجوز أن يقال: إنها علامة الجمع، كما في (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا)] الأنبياء: ٣ [والرفع مقدّر كما في: (يدعى)] الصف: ٧ [، ولم يؤت بالنون، قلة مبالاة بها، لأنها غير ضمير، ليست إلا علامة ب (ِإِمامِهِمْ) بمن ائتموا به من نبي أو مقدّم في الدين، أو كتاب، أو دين، فيقال: يا أتباع فلان، يا أهل دين كذا وكتاب كذا. وقيل: بكتاب أعمالهم، فيقال: يا أصحاب كتاب الخير، ويا أصحاب كتاب الشرّ. وفي قراءة الحسن: بكتابهم. ومن بدع التفاسير: أن الإمام جمع (أمّ)، وأن الناس يدعون يوم القيامة بأمهاتهم، وأن الحكمة في الدعاء بالأمهات دون الآباء رعاية حق عيسى ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (قرئ: (نَدْعُوَا)، بالياء والنون) بالنون: السبعة، وبالياء: شاذ. قوله: (وقرأ الحسن: "يُدعَو")، أي: بضم الياء وفتح العين، قال ابن جني: هذا على لغة من أبدل الألف في الوصل واواً، نحو: "أفعو" و"حُبلو"، ذكر ذلك سيبويه، وأكثر هذا القلب إنما هو في الوقف؛ لأن الوقف من مواضع التغيير، وهو أيضاً في الوصل محكي على حاله في الوقف. ومنهم من يبدلها ياء. قوله: (ولم يؤت بالنون؛ قلة مبالاة بها، لأنها غير ضمير). قال صاحب "التقريب": وفيه نظرٌ، لأنها علامة الرفع، ولا موجب لحذفها. قوله: (ومن بدع التفاسير: أن "الإمام" جمعُ "أمُ")، روى محيي السُّنة، عن محمد بن كعب (بِإِمَامِهِمْ): الإمامُ: جمعُ أمٍّ، كخُف وخفافٍ، وفيه ثلاثة أوجه من الحكمة، أحدها:

стр. 4710

عليه السلام، وإظهار شرف الحسن والحسين، وأن لا يفتضح أولاد الزنا. وليت شعري أيهما أبدع؟ أصحة لفظه أم بهاء حكمته؟ (فَمَنْ أُوتِيَ) من هؤلاء المدعوّين (كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ) قيل أولئك، لأن من أوتى في معنى الجمع. فإن قلت: لم خص أصحاب اليمين بقراءة كتابهم؟ كأن أصحاب الشمال لا يقرؤن كتابهم. قلت: بلى، ولكن إذا اطلعوا على ما في كتابهم، أخذهم ما يأخذ المطالب بالنداء على جناياته، والاعتراف بمساويه، أما التنكيل به والانتقام منه، من الحياء والخجل والانخزال، وحبسة اللسان، والتتعتع، والعجز عن إقامة حروف الكلام، والذهاب عن تسوية القول، فكأن قراءتهم كلا قراءة. وأما أصحاب ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لأجل عيسى ﵇، والثاني: لشرف الحسن والحسين، والثالث: لئلا يُفتضح أولادُ الزنى. الانتصاف: وأما بدع لفظه، فإن جمع الأم المعروف: أمهات، وأما رعاية عيسى بذكر أمهات الخلائق لذكر أمه، فيوهم أن خلق عيسى من غير أب غضٌّ من منصبه، وهو عكس الحقيقة، بل ذلك ذكرٌ له وشرف. قوله: (ما يأخذ المُطالب)، وهو بفتح اللام، وفاعل "يأخذ" ضميرٌ يرجع إلى "ما"، و"مِن" في "مَن الحياء" بيانُ "ما" الثانية، والباء في "بالنداء" سببية متعلقة بـ"يأخذ"، و"أمام التنكيل" ظرفُ "يأخذُ"، المعنى: يأخذهم الخجل والانخزال وحبسة اللسان أخذاً مثل أخذ من طولب بجناياته ومساوئه وأوقف بين يدي جبار من الجبابرة، فيأخذه الحياء والخجل والحبسة بسبب النداء على جناياته، وبسبب اعترافه بمساوئه، والحال أنه مشاهد لتهيؤ أسباب نكاله وهلاكه.

стр. 4711

اليمين فأمرهم على عكس ذلك، لا جرم أنهم يقرؤن كتابهم أحسن قراءة وأبينها، ولا يقنعون بقراءتهم وحدهم حتى يقول القارئ لأهل المحشر: (هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ) [الحاقة: ١٩]. (وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا) ولا ينقصون من ثوابهم أدنى شيء، كقوله (وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً)، (فَلا يَخافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً) [طه: ١١٢]. [(وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلاً)]. معناه: ومن كان في الدنيا أعمى، فهو في الآخرة أعمى كذلك (وَأَضَلُّ سَبِيلًا) من الأعمى. والأعمى مستعار ممن لا يدرك المبصرات لفساد حاسته، لمن لا يهتدي إلى طريق النجاة: أما في الدنيا فلفقد النظر. وأما في الآخرة، فلأنه لا ينفعه الاهتداء إليه، وقد جوزوا أن يكون الثاني بمعنى التفضيل ومن ثم قرأ أبو عمرو الأوّل مما لا، والثاني مفخماً لأن أفعل التفضيل تمامه بمن، فكانت ألفه في حكم ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ولا ينقصون من ثوابهم أدنى شيء)، الراغب: الفتيل: المفتول، وسُمي ما يكون في شق النواة فتيلاً لكونه على هيئته، وقيل هو ما تفتله بين أصابعك من خيط أو وسخ، ويُضرب به المثل في الشيء الحقير. قوله: (ومن ثم قرأ أبو عمرو الأول ممالاً، والثاني مفخماً)، قال الزجاج: (فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى) وهذا من عمى القلب، أي: هو في الآخرة أشد عمى. وقال أبو علي في "الحجة": وأما قراءة أبي عمرو: (أَعْمَى) الأول ممالاً والثاني مفخماً، فإنه يجوز أن لا يجعل الثاني عبارة عن العيوب في الجارحة، ولكنه جعله من

стр. 4712

الواقعة في وسط الكلام، كقولك: أعمالكم وأما الأوّل فلم يتعلق به شيء، فكانت ألفه واقعة في الطرف معرضة للإمالة. [(وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذاً ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ باب: أبله من فلان، فجاز أن يكون فيه: أفعَل من كذا، وإن لم يُجز أن يُقال ذلك في المصاب ببصره، فإذا جعله كذلك لم يقع الألف في آخر الكلمة؛ لأن آخرها هو من كذا، وإنما تحسن الإمالة في الأواخر، وقد حُذف من أفعل الذي هو للتفضيل، الجار والمجرور، وهما مرادان في المعنى مع الحذف، كقوله تعالى: (يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى) [طه: ٧]، أي: أخفى من السر، كذلك قوله: (أَعْمَى)، أي: أعمى منه في الدنيا، ومعنى العمى في الآخرة: أنه لا يهتدي إلى طريق الثواب، ويؤكد لك ظاهر ما عُطف عليه من قوله: (وَأَضَلُّ سَبِيلاً)، فكما أن هذا لا يكون إلا على أفعل، كذلك المعطوف عليه، ومعنى (وَأَضَلُّ سَبِيلاً) في الآخرة أن ضلاله في الدنيا قد كان يُمكن الخروجُ منه، وضلاله في الآخرة لا سبيل له إلى الخروج منه. قال صاحب "الانتصاف": هذه الآية قسيمةٌ، لقوله: (فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ) [الإسراء: ٧١]، فهو يتبصره ويقرؤه، ومن كان في الدنيا أعمى غير متبصر ولا ناظر في معاده فهو في الآخرة غير متبصر في كتابه، بل أعمى عنه أو أشد عمى على اختلاف التأويلين، فعلى هذا لا يكون قول المصنف: "لم خص أصحاب اليمين بقراءة كتابهم متوجها؟ ". وقال القاضي: وتعليق القراءة بإيتاء الكتاب باليمين يدل على أن من أوتي كتابه بشماله إذا اطلع على ما فيه غشيهم من الخجل والحيرة ما يحبس ألسنتهم عن القراءة، ولذلك لم يذكرهم مع أن قوله تعالى: (وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى) أيضاً مُشعرٌ بذلك، فإن الأعمى لا يقرأ الكتاب.

стр. 4713

لاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً * وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً* إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً)]. روى أنّ ثقيفاً قالت للنبي ﷺ : لا ندخل في أمرك حتى تعطينا خصالا نفتخر بها على العرب: لا نعشر، ولا نحشر، ولا نجبى في صلاتنا، وكل ربا لنا فهو لنا، وكل ربا علينا فهو موضوع عنا، وأن تمتعنا باللات سنة، ولا نكسرها بأيدينا عند رأس الحول، وأن تمنع من قصد وادينا وجّ فعضد شجره، فإذا سألتك العرب: لم فعلت ذلك؟ فقل: إن الله أمرني به، وجاءوا بكتابهم فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم: هذا كتاب من محمد رسول الله لثقيف: لا يعشرون ولا يحشرون، فقالوا: ولا يجبون. فسكت ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لا نُعشر، ولا نحشر، ولا نجبي)، النهاية: في الحديث: "أن وفد ثقيف اشترطوا أن لا يُحشروا ولا يُعشروا ولا يُجبوا"، أي: لا يؤخذ عُشر أموالهم. وقيل: أرادوا به الصدقة الواجبة، وإنما فسح لهم في تركها لأنها لم تكن واجبة يومئذ عليهم، وإنما تجب بتمام الحول، وسُئل جابر عن اشتراط ثقيف أن لا صدقة عليهم، ولا جهاد، فقال: علم أنهم سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلموا وقال: يجوز أن يُسمى آخذُ ما يجب على المسلمين من ربع العُشر: عاشراً، لإضافة ما يأخذه إلى العشر ونصف العشر، كيف وهو يأخذ العشر جميعه، وهو زكاة ما سقته السماء؟ وقوله: "ولا يُحشروا"، أي: لا يندبوا إلى المغازي ولا تُضرب عليهم البعوث. قوله: (ولا نُجبي)، النهاية: أصل التجبية: أن يقوم الإنسان قيام الراكع، وقيل: هو أن يضع يديه على ركبتيه وهو قائم، وقيل: هو السجود، والمراد: لا يُصلون، ولفظ الحديث يدل على الركوع، لقوله في جوابهم "لاخير في دين ليس فيه ركوع"، فسمى الصلاة ركوعاً، لأنه بعضها.

стр. 4714

رسول الله ﷺ ثم قالوا للكاتب: اكتب: ولا يجبون، والكاتب ينظر إلى رسول الله، فقام عمر بن الخطاب ﵁ فسل سيفه وقال: أسعرتم قلب نبينا يا معشر ثقيف أسعر الله قلوبكم نارا، فقالوا: لسنا نكلم إياك، إنما نكلم محمدا فنزلت. وروى أنّ قريشا قالوا له: اجعل آية رحمة آية عذاب، وآية عذاب آية رحمة، حتى نؤمن بك. فنزلت (وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ) إن مخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية. والمعنى: أن الشأن قاربوا أن يفتنوك أي يخدعوك فاتنين (عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ) من أوامرنا ونواهينا ووعدنا ووعيدنا (لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا) لتقول علينا ما لم نقل، يعنى ما أرادوه عليه من تبديل الوعد وعيدا والوعيد وعدا، وما اقترحته ثقيف من أن يضيف إلى الله ما لم ينزله عليه (وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ) أي ولو اتبعت مرادهم لاتخذوك (خَلِيلًا) ولكنت لهم وليا وخرجت من ولايتي (وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ) ولولا تثبيتنا لك وعصمتنا (لقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ) لقاربت أن تميل إلى خدعهم ومكرهم، وهذا تهييج من الله له وفضل تثبيت، وفي ذلك لطف للمؤمنين. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لسنا نُكلمُ إياك)، بالياء تحتها نقطتان، ويروى: "أباك"، بالباء الموحدة، أي: لسنا نُكلم أباك حتى تتعصب لهن ولعل وجه فصل الضمير المنصوب للإبهام والتبيين تأكيداً، ولذلك قالوا: إنما نكلمُ محمداً. قوله: (أي: يخدعوك فاتنين)، إشارة إلى أن قوله: (لَيَفْتِنُونَكَ)، مضمن معنى الخداع ومُعدى تعديته. قوله: (ما أداروه عليه)، أي: على الافتراء والتقول، والضمير في "عليه": لـ"ما"، والمنصوب لرسول الله ﷺ . و"ما" عبارةٌ عن الافتراء والتقول، أي: أداروا رسول الله ﷺ على الافتراء. الأساس: ومن المجاز: أدرته على هذا الأمر: حاولتُ منه أن يفعله، وأدرته عنه: حاولت منه أن يتركه.

стр. 4715

(إِذاً) لو قاربت تركن إليهم أدنى ركنة (لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ) أي لأذقناك عذاب الآخرة وعذاب القبر مضاعفين. فإن قلت: كيف حقيقة هذا الكلام؟ قلت: أصله لأذقناك عذاب الحياة وعذاب الممات، لأن العذاب عذابان: عذاب في الممات وهو عذاب القبر، وعذاب في حياة الآخرة وهو عذاب النار. والضعف يوصف به، نحو قوله (فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ) بمعنى مضاعفا، فكان أصل الكلام: لأذقناك عذابا ضعفا في الحياة، وعذابا ضعفا في الممات ثم حذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه وهو الضعف. ثم أضيفت الصفة إضافة الموصوف فقيل: (ضعف الحياة وضعف الممات)، كما لو قيل: لأذقناك أليم الحياة وأليم الممات. ويجوز أن يراد بضعف الحياة: عذاب الحياة الدنيا، وبضعف الممات: ما يعقب الموت من عذاب القبر وعذاب النار. والمعنى: لضاعفنا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((إذاً)، لو قاربت تركن إليهم أدنى ركنة (لأَذَقْنَاكَ))، وهو صريح في أنه ﷺ ما هم بإجابتهم مع قوة الداعي إليها، ودليل على أن العصمة بتوفيق الله وحفظه. قوله: (ويجوز أن يُراد بضعف الحياة: عذاب الحياة الدنيا)، الفرق بين هذا الوجه والوجه الأول بعد إجراء الضعف على المضاعفة أن عذاب الممات في الأول عذاب القبر، وعذاب الحياة في الآخرة وهنا المراد بعذاب الممات عذاب القبر، وبعذاب الحياة: عذابُ الحياة الدنيا"، قال القاضي: أي: عذبناك ضعف ما نُعذب به في الدارين بمثل هذا الفعل غيرك؛ لأن خطأ الخطير أخطر. وقيل: الضعفُ من أسماء العذاب. الراغب: الضعف من الألفاظ المتضايفة التي يقتضي وجودُ أحدهما وجود الآخر، كالنصف والزوج، وهو تركب زوجين متساويين، ويختص بالعدد، فإذا قيل: أضعفت

стр. 4716

لك العذاب المعجل للعصاة في الحياة الدنيا، وما نؤخره لما بعد الموت. وفي ذكر الكيدودة وتقليلها، مع إتباعها الوعيد الشديد بالعذاب المضاعف في الدارين - دليل بين على أن القبيح يعظم قبحه بمقدار عظم شأن فاعله وارتفاع منزلته، ومن ثم استعظم مشايخ العدل والتوحيد رضوان الله عليهم نسبة المجبرة القبائح إلى الله - تعالى عن ذلك علوا كبيرا - وفيه دليل على أن أدنى مداهنة للغواة مضادة لله وخروج ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الشيء وضعفته وضاعفته: ضممت إليه مثله فصاعداً، قال بعضهم: ضاعفت أبلغ من ضعفت، ولهذا قرأ أكثرهم: (يُضَاعَفْ) [الأحزاب: ٣٠]، وقال تعالى: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا) [الأنعام: ١٦٠]، فالمضاعفة على قضية هذا القول تقتضي أن يكون عشر أمثالها. وقيل: ضعفته، - بالتخفيف- ضعفاً، فهو مضعوفٌ، فالضعف مصدرٌ، والضعف: اسم كالثني والثني، فضعفُ الشيء هو الذي يثنيه، ومتى أضيف إلى عددٍ اقتضى ذلك العدد ومثله، نحو أن يُقال: ضعفُ العشرة، فذلك عشرون بلا خلاف، وإذا قيل: أعطهِ ضعفي واحد، فإن ذلك اقتضى الواحد ومثليه، وذلك ثلاثة؛ لأن معناه: الواحد واللذان يزاوجانه، هذا إذا كان الضعف مضافاً، فأما إذا لم يكن مضافاً، فقلت: الضعفين، فإن ذلك يجري مجرى الزوجين في أن كلا منهما يزاوج الآخر فيقتضي ذلك اثنين؛ لان كلاً منهما يضاعف الآخر، فلا يخرجان عن الاثنين، بخلاف ما إذا أضيف الضعفان إلى واحدٍ فيثلثهما، نحو: ضعفي الواحد، قال الله تعالى: (فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ) [سبأ: ٣٧]. قوله: (وفي ذكر الكيدودة وتقليلها)، إلى قوله: (دليل بينٌ على أن القبيح يعظم قبحه بمقدار عم شأن فاعله، ومن ثم استعظم مشايخ العدل نسبة المجبرة القبائح إلى الله تعالى)، الانتصاف: أما تقليلُ الكيدودة فيحمل على كون الله تعالى يعلمُ ما لم يكن لو كان كيف يكون، فعلم تعالى أن الركون الذي كاد يحصل لو كان قليلاً فهو عظيم، وهو خبر

стр. 4717

عن ولايته، وسبب موجب لغضبه ونكاله. فعلى المؤمن إذا تلا هذه الآية أن يجثو عندها ويتدبرها، فهي جديرة بالتدبر، وبأن يستشعر الناظر فيها الخشية وازدياد التصلب في دين الله. وعن النبي ﷺ أنها لما نزلت كان يقول: «اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين». [(وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً* سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلاً)]. (وَإِنْ كادُوا) وإن كاد أهل مكة (لَيَسْتَفِزُّونَكَ) ليزعجونك بعداوتهم ومكرهم مِنَ الْأَرْضِ من أرض مكة وَإِذاً لا (يَلْبَثُونَ) لا يبقون بعد إخراجك (إِلَّا) زمانا (قَلِيلًا) فإن الله مهلكهم وكان كما قال، فقد أهلكوا ببدر بعد ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عن الواقع في علمه، فلا يليق حمله على المبالغة، فإنها لا تليق في الأخبار، فإنه لو كان الواقع كيدودة ركون كثير، كان تقليله خُلفاً في الخبر، والذنبُ يعظمُ بحسب فاعله. وأما تعظيم مشايخ المعتزلة نسبة القبائح إلى الله تعالى فقد استعظموا عظيماً، ولكن جهلوا في اعتقادهم القبح وصفاً ذاتياً للقبيح، وكل ما استقبحوه من العبد استقبحوه من الله تعالى، والقبيح عندنا: ما نهى الله عنه، ولله أن يفعله، لا يُسأل عما يفعلُ، فالملكُ يستقبح من عبده أن يجلس على كرسي الملك، ولا يقبح ذلك منه، ولقد كان لمشايخه شُغلٌ بما لزمهم من الإشراك عن هذان لكن زين لهم سوء اعتقادهم فرأوه حسناً. في أول كلامه نظر، وفي قول المصنف- أعني: "وفي ذكر الكيدودة وتقليلها"- إشكالٌ؛ لأن (شَيْئاً قَلِيلاً) مصدر (تَرْكْنُ) ظاهر، فيلزم التقليل فيه لا في الكيدودة، ويمكن أن يُقال: إن "كاد" لما كانت لمقاربة الخبر في الوجود فجُعلت القلة التي في الخبر فيها مجازاً. قله: ((إلا) زماناً (قَلِيلاً))، اعلم أن إخراج الكفار رسول الله ﷺ يحتملُ وجوها

стр. 4718

إخراجه بقليل. وقيل: معناه ولو أخرجوك لاستؤصلوا عن بكرة أبيهم. ولم يخرجوه، بل هاجر بأمر ربه. وقيل: من أرض العرب. وقيل: من أرض المدينة، وذلك أن رسول الله ﷺ لما هاجر حسدته اليهود وكرهوا قربه منهم، فاجتمعوا إليه وقالوا: يا أبا القاسم، إن الأنبياء إنما بعثوا بالشام وهي بلاد مقدّسة وكانت مهاجر إبراهيم، فلو خرجت إلى الشام لآمنا بك واتبعناك، وقد علمنا أنه لا يمنعك من الخروج إلا خوف الروم، فإن كنت رسول الله فالله مانعك منهم، فعسكر رسول الله ﷺ على أميال من المدينة وقيل بذي الحليفة، حتى يجتمع إليه أصحابه ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ من التأويل بحسب تفسير الأرض، فإذا فُسرت بأرض مكة فالتأويل على وجهين: أحدهما: أن (قَلِيلاً): صفة موصوفٍ محذوف، فقد حصل الإخراج وعدم لُبثهم وهلاكهم بعد حقيقة، وهو المراد من قوله: "فقد أهلكوا ببدرٍ بعد إخراجه بقليل"، وأن (قَلِيلاً) يعني العدم، كقوله تعالى: (قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ) [الحاقة: ٤١] وإليه الإشارة بقوله: "لاستؤصلوا عن بكرة أبيهم"، لكن لم يحصل الإخراج على الحقيقة، ولذلك لم يحصل هذا الاستئصال، وإذا فُسرت بأرض العرض فلم يحصل هذا الإخراج لا حقيقة ولا مجازاً، فلم يحصل الاستئصال أيضاً، وإذا فُسرت بأرض المدينة يعود معنى القليل على التقديرين. قوله: (لاستؤصلوا عن بكرة أبيهم)، قال الميداني: أصلُ المثل: "جاءوا على بكرة أبيهم"، قال أبو عبيد: أي: جاءوا جميعاً لم يتخلف منهم أحدٌ، وليس هناك بكرةٌ في الحقيقة، والبكرة تأنيث البكر، وهو الفتى من الإبل، وقيل: البكرة هاهنا: التي يُستقى عليها، أي: جاءوا بعضهم على أثر بعض كدوران البكرة على نسق واحد لم ينقطع. والبكرة إذا كانت لأبيهم اجتمعوا عليها مستقين لا يمنعهم عنها أحدٌ، فشبه اجتماع القوم في المجيء باجتماع أولئك على بكرة أبيهم.

стр. 4719

ويراه الناس عازما على الخروج إلى الشام لحرصه على دخول الناس في دين الله، فنزلت، فرجع. وقرئ: لا يلبثون. وفي قراءة أبىّ: لا يلبثوا على إعمال «إذا». فإن قلت: ما وجه القراءتين؟ قلت: أما الشائعة فقد عطف فيها الفعل على الفعل، وهو مرفوع لوقوعه خبر كاد، والفعل في خبر كاد واقع موقع الاسم. وأما قراءة أبىّ ففيها الجملة برأسها التي هي (إذا لا يلبثوا)، عطف على جملة قوله: (وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ). وقرئ: (خلافك). قال: ...... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أما الشائعة)، يعني: القراءة المشهورة، وهي (لا يَلْبَثُونَ) بإثبات النون: مرفوعٌ، عطفٌ على (لَيَسْتَفِزُّونَكَ): خبر كاد، وهو مرفوعٌ، نحو: كاد زيدٌ يخرجُ، وفي "المفصل": خبرها مشروطٌ فيه أن يكون فعلاً مضارعاً، متأولاً باسم الفاعل. قال ابن الحاجب: إنما شرط أن يكون فعلاً مضارعاً، للتنبيه على أنه المقصود بالقرب، فعلى هذا: (إذاً) واقعةٌ في أثناء الكلام، لا جواب لها، لأن (إذاً) لا تعملُ إذا كان معتمداً ما بعدها على ما قبلها، قال أبو البقاء: وإثبات النون إلغاء (إذاً)؛ أن الواو العاطفة تُصير الجملة مختلطة بما قبلها، فتكون (إذاً) حشواً. قوله: (الجملة برأسها) إلى قوله: (عطفٌ على جملة قوله: (وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ)، قال نور الدين الحكيم: فيه نظرٌ؛ لأنه على هذا التقدير لا يتحقق معنى قول سيبويه: إذاً: جوابٌوجزاء. قلت: ولا يمكنُ أن يُفهم كونه جواباً وجزاءً من حيث المعنى، نحو: وإذا كان كذلك إذاً لا يلبثوا. قوله: (وقرئ: (خِلافَكَ))، قال القاضي: قرأ ابن عامرٍ وحمزة والكسائي ويعقوب

стр. 4720

عفت الدّيار خلافهم فكأنّما … بسط الشّواطب بينهنّ حصيرا أي بعدهم (سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا يعنى أن كل قوم أخرجوا رسولهم من بين ظهرانيهم، فسنة الله أن يهلكهم، ونصبت نصب المصدر المؤكد، أي: سن الله ذلك سنة. [(أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً* وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً)]. دلكت الشمس: غربت. وقيل: زالت. وروى عن النبي ﷺ : أتاني جبريل ﵇ لدلوك الشمس حين زالت الشمس، فصلى بى الظهر. واشتقاقه من الدلك، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وحفصٌ: (خِلافَكَ)، وهو لغةٌ. قوله: (عفت الديار خلافهم)، البيت، "عفت": اندرست، "خلافهم": بعدهم، "الشواطبُ": النساءُ اللواتي يشتققن الجريد ليُعمل منه الحُصر، والشطبُ: سعفُ النخل الأخضر. يصفُ دروس ديار الأحباب بعدهم، وأنها غير مسكونة، كأنما بُسط فيها سُعفُ النخل. قوله: (دلكت الشمسُ: غربت)، الراغب: دُلوكُ الشمس: ميلها إلى الغروب، وهو من قولهم: دلكت الشمس: دفعتها بالراح، ومنه: دلكتُ الشيء في الراحة، ودالكت الرجل: إذا ماطلته، والدلوك: ما دلكته من طيب، والدليك: طعامٌ يتخذ من زُبدٍ وتمر.

стр. 4721

لأن الإنسان يدلك عينه عند النظر إليها، فإن كان الدلوك الزوال فالآية جامعة للصلوات الخمس، وإن كان الغروب فقد خرجت منها الظهر والعصر. والغسق: الظلمة، وهو وقت صلاة العشاء (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ) صلاة الفجر، سميت قرآنا وهو القراءة، لأنها ركن، كما سميت ركوعاً وسجوداً وقنوتاً. وهي حجة على ابن علية والأصم في زعمهما أن القراءة ليست بركن (مَشْهُوداً) يشهده ملائكة الليل ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وهي حجةٌ على ابن عُلية والأصم … أن القراءة ليست برُكن) في صلاة الفجر، قال القاضي: واستدل به على وجوب القراءة فيها، ولا دليل فيه لجواز أن يكون التجوز؛ لكونها مندوبة فيها، نعم، لو فسرنا بالقراءة في صلاة الفجر، دل الأمر بإقامتها على الوجوب فيها نصاً، وفي غيرها قياساً. والجواب عن الأول: أنه لو لم تكن ركناً لم يجز إطلاقه عليها، كالركوع والسجود والقيام؛ لأنه من باب إطلاق معظم الشيء على كله. والمندوب ليس كذلك. والجواب عن الأول: أنه لو لم تكن رُكناً لم يجز إطلاقه عليها، كالركوع والسجود والقيام؛ لأنهُ من باب إطلاق مُعظم الشيء على كله. والمندوب ليس كذلك. وقال أبو البقاء: (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ) فيه وجهان: أحدههما: هو معطوفٌ على (الصَّلاةَ)، أي: وأقم الصلاة صلاة الفجر، وعليه قوله: سُميت صلاةُ الفجر قُرآنا، لأنها رُكن. وثانيهما: هو على الإغراء، أي: عليك قرآن الفجر، أو: الزم. وعليه قوله: "ويجوز أن يكون (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ) حثاً على طول القراءة في صلاة الفجر"، كأنه قيل: الزم قراءة القرآن في صلاة الفجر، أي: القرآن المنسوب إلى الفجر.

стр. 4722

والنهار، ينزل هؤلاء، ويصعد هؤلاء، فهو في آخر ديوان الليل وأول ديوان النهار. أو يشهده الكثير من المصلين في العادة. أو من حقه أن يكون مشهوداً بالجماعة الكثيرة. ويجوز أن يكون (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ) حثا على طول القراءة في صلاة الفجر، لكونها مكثوراً عليها، ليسمع الناس القرآن فيكثر الثواب، ولذلك كانت الفجر أطول الصلوات قراءة (وَمِنَ اللَّيْلِ) وعليك بعض الليل (فَتَهَجَّدْ بِهِ) والتهجد ترك الهجود للصلاة، ونحوه التأثم والتحرّج. ويقال أيضا في النوم: تهجد (نافِلَةً لَكَ) عبادة زائدة لك على الصلوات الخمس، وضع (نافلة) موضع (تهجدا)، لأن ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فهو في آخر ديوان الليل وأول ديوان النهار). روى الإمام أحمد بن حنبل في "مسنده"، عن أبي هريرة، في صلاة الفجر وصلاة العصر، قال رسول الله ﷺ : "يجتمعون في صلاة الفجر فتصعد ملائكة الليل، وتثبت ملائكة النهار، ويجتمعون في صلاة العصر، فيصعد ملائكة النهار وتثبت ملائكة الليل فيسألهم ربهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون". وفي رواية البخاري ومسلم: قال أبو هريرة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ويجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر"، ثم قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً). قوله: (مكثوراً عليها)، أي: مغلوباً عيها بالكثرة. الجوهري: عن ابن السكيت: فلانٌ مكثور عليه: إذا نفد ما عنده وكثُرت عليه الحقوق. قوله: (ونحوه التأثم التحرج) أي: ترك الإثم والحرج. قوله: (وضع (نَافِلَةً) موضع "تَهجُّداً"، أي: (نَافِلَةً): مفعول مطلق، من حيث

стр. 4723

التهجد عبادة زائدة فكان التهجد والنافلة يجمعهما معنى واحد. والمعنى أن التهجد زيد لك على الصلوات المفروضة فريضة عليك خاصة دون غيرك، لأنه تطوع لهم (مَقاماً مَحْمُوداً) نصب على الظرف، أي: عسى أن يبعثك يوم القيامة فيقيمك مقاما محمودا. أو ضمن (يبعثك) معنى يقيمك. ويجوز أن يكون حالا بمعنى أن يبعثك ذا مقام محمود. ومعنى المقام المحمود: المقام الذي يحمده القائم فيه، وكل من رآه وعرفه وهو مطلق في كل ما يجب الحمد من أنواع الكرامات. وقيل: المراد الشفاعة، وهي نوع واحد مما يتناوله. وعن ابن عباس ﵄: مقام يحمدك فيه الأولون والآخرون، وتشرف فيه على جميع الخلائق: تسأل فتعطى، وتشفع فتشفع، ليس أحد إلا تحت لوائك. وعن أبى هريرة عن النبي ﷺ : هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي وعن حذيفة يجمع الناس في صعيد واحد، فلا تتكلم نفس، فأوّل مدعوّ محمد ﷺ فيقول: «لبيك وسعديك والشرّ ليس إليك، والمهدىّ من هديت، وعبدك بين يديك وبك وإليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، تباركت وتعاليت، سبحانك رب البيت» قال: فهذا قوله (عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً). ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المعنى، وفائدة العُدول ما ذكره: أن التهجد زيدَ لك على الصلاة المفروضة فريضة عليك خاصة. قوله: (فيقيمك مقاماً محموداً)، قال أبو البقاء: هُو على هذا نصبٌ على المصدر. قوله: (ليس أحدٌ إلا تحت لوائك)، وفي حديث أبي سعيد عن الترمذي: "وما من نبي يومئذ، آدم فمن سواه، إلا تحت لوائي"، وأما الحديث بطوله فمشهورٌ من رواية أهل هذه الصناعة.

стр. 4724

[(وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً)]. قرئ: (مدخل) و (مخرج) بالضم والفتح: بمعنى المصدر. ومعنى الفتح: أدخلني فأدخل مدخل صدق، أي: أدخلني القبر مدخل صدق: إدخالا مرضيا على طهارة وطيب من السيئات، وأخرجني منه عند البعث إخراجاً مرضياً، ملقى بالكرامة، آمنا من السخط، يدل عليه ذكره على أثر ذكر البعث. وقيل: نزلت حين أمر بالهجرة، يريد إدخال المدينة والإخراج من مكة. وقيل: إدخاله مكة ظاهرا عليها بالفتح، وإخراجه منها آمنا من المشركين. وقيل: إدخاله الغار وإخراجه منه سالماً. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((مُدْخَل) و (مُخْرَجُ)، بالضم)، القراءة الشائعة، والفتح: شاذ. قال الزجاج: فمن قرأ بضم الميم فهو مصدر "أدخلته مدخلاً"، ومن فتح فهو على: أدخلته فدخل مدخَلَ صدق، وإنما ترك المصنفُ تقدير الضم لأنه ظاهرٌ لا يحتاج إلى تقدير فعلٍ مطابق للمصدر، كما في الفتح. قوله: (إدخالاً مرضياً على طهارة)، معنى الإضافة في (مُدْخَلَ صِدْقٍ) و (مُخْرَجَ صِدْقٍ) نحو الإضافة في "رجُل صدق" و"رجل سوء"، والصدق إنما هو من أوصاف ذوي العلم، فإذا وُصف غيره كان دالاً على أن ذلك الشيء مرضيٌّ في بابه. قال المصنف في قوله تعالى: (كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ) [الشعراء: ٧]: "وصف الزوج من النبات بالكرم، والكرمُ صفة لكل ما يُرضي ويحمد في بابه". ولما عقب هذه الآية قوله: (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً) وجب اختصاص الوصف بما يناسب المقام، وكأن ما ذكره، وإليه أشار بقوله: "يدل عليه ذكره على أثر ذكر البعث"، وعلى هذا تجري جميع الوجوه المذكورة من تقدير وصف الإدخال والإخراج في كل مقام بحسب ما يناسبه.

стр. 4725

وقيل إدخاله فيما حمله من عظيم الأمر - وهو النبوّة - وإخراجه منه مؤديا لما كلفه من غير تفريط. وقيل: الطاعة. وقيل: هو عام في كل ما يدخل فيه وبلابسه من أمر ومكان (سُلْطاناً) حجة تنصرني على من خالفني، أو ملكا وعزا قويا ناصرا للإسلام على الكفر مظهرا له عليه، فأجيبت دعوته بقوله (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاس)] المائدة: ٦٧ [، (فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ)] المائدة: ٥٦ [، (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ)] التوبة: ٣٣ [، (لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ)] النور: ٥٥ [ووعده لينزعنّ ملك فارس والروم، فيجعله له. وعنه ﷺ : أنه استعمل عتاب بن أسيد على أهل مكة وقال «انطلق فقد استعملتك على أهل الله» فكان شديدا على المريب، لينا على المؤمن وقال: لا والله لا أعلم متخلفا يتخلف عن الصلاة في جماعة إلا ضربت عنقه، فإنه لا يتخلف عن الصلاة إلا منافق. فقال أهل مكة: يا رسول الله، لقد استعملت على أهل الله عتاب بن أسيد أعرابيا جافياً، فقال ﷺ : «إنى رأيت فيما يرى النائم كأنّ عتاب بن أسيد أتى باب الجنة، فأخذ بحلقة الباب فقلقلها قلقالاً شديداً حتى فتح له فدخلها، فأعز الله به الإسلام لنصرته المسلمين على من يريد ظلمهم، فذلك السلطان النصير». [(وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً)]. كان حول البيت ثلاثمائة وستون صنما صنم كل قوم بحيالهم. وعن ابن عباس ﵄: كانت لقبائل العرب يحجون إليها وينحرون لها، فشكا البيت ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقيل: هو عامٌ في كل ما يدخل فيه ويُلابسه من أمر ومكان)، هذا أقرب لسباق الكلام وسياقه. أما السباقُ. فكما قال: "يدل عليه ذكره على أثر ذكر البعث"، وأما السياق فعطفُ، (وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي) على (أَقِمْ الصَّلاةَ)، وعطفُ (وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً) على (أَدْخِلْنِي)، وكل ذلك يقتضي غير واحدةٍ من الحالات والأمكنة. قوله: (فأجيبت دعوته)، الفاء فصيحة، يعني: أمره الله تعالى بالدعاء، فامتثل أمره ودعا، فأجيبت دعوتُه.

стр. 4726

إلى الله فقال: أي رب، حتى متى تعبد هذه الأصنام حولي دونك، فأوحى الله إلى البيت: إني سأحدث لك نوبة جديدة، فأملأك خدودا سجدا، يدفون إليك دفيف النسور، يحنون إليك حنين الطير إلى بيضها. لهم عجيج حولك بالتلبية. ولما نزلت هذه الآية يوم الفتح قال جبريل ﵇ لرسول الله ﷺ : خذ مخصرتك ثم ألقها، فجعل يأتى صنما صنما وهو ينكت بالمخصرة في عينه ويقول: جاء الحق وزهق الباطل، فينكب الصنم لوجهه حتى ألقاها جميعا، وبقي صنم خزاعة فوق الكعبة وكان من قوارير صفر فقال: يا على، ارم به، فحمله رسول الله ﷺ حتى صعد فرمى به فكسره، فجعل أهل مكة يتعجبون ويقولون: ما رأينا رجلا أسحر من محمد ﷺ . وشكاية البيت والوحي إليه: تمثيل وتخييل. (وَزَهَقَ الْباطِلُ) ذهب وهلك، من قولهم: زهقت نفسه، إذا خرجت. والحق: الإسلام. والباطل: الشرك (كانَ زَهُوقا): ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (يدفون)، الجوهري: الدفيف: الدبيب، وهو السير اللين. قوله: (مخصرتك)، الجوهري: المخصرة: كالسوط، وكل ما اختصر الإنسان بيده فأمسكه من عصا ونحوها. روى الإمام أحمد بن حنبل والبخاري ومسلم والترمذي، عن ابن مسعد: دخل رسول الله ﷺ مكة يوم الفتح وحول البيت ثلاث مئة وستون صنماً، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: (جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً). وفي "مسند الإمام أحمد بن حنبل"، عن علي ﵁ قال: كان على الكعبة أصنامٌ، فذهبتُ لأحمل النبي ﷺ فلم أستطع، فحملني فجعلتُ أقطعها، ولو شئتُ لنلتُ السماء.

стр. 4727

كان مضمحلا غير ثابت في كل وقت. [(وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَساراً)]. (وَنُنَزِّلُ) قرئ بالتخفيف والتشديد (مِنَ الْقُرْآنِ) من للتبيين، كقوله: (من الأوثان)] الحج: ٣٠ [. أو للتبعيض، أي: كل شيء نزل من القرآن فهو شفاء للمؤمنين، يزدادون به إيماناً، ويستصلحون به دينهم، فموقعه منهم موقع الشفاء من المرضى. وعن النبي ﷺ : «من لم يستشف بالقرآن فلا شفاه الله ولا يزداد به الكافرون ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كان مضمحلاً)، الراغب: زهقت نفسه من الأسف على الشيء، قال : (وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ) بالتوبة: ٥٥]. قوله: ((وَنُنَزِّلُ) قرأ بالتخفيف: أبو عمرو. قوله: ("مِن" للتبيين، كقوله: (مِنْ الأَوْثَانِ) [الحج: ٣٠])، يعني: "من القرآن" بيان لمفعول "نُنَزْلُ"، وهو "ما هو شفاءٌ" وحال منه، كما أن (مِنْ الأَوْثَانِ) في قوله: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ): حال من الرجس وبيانه، وعلى أن يكون تبعيضاً يكون (مِنْ الْقُرْآنِ): مفعولاً به، و (مَا هُوَ شِفَاءٌ): بدلاً منه، ولذلك قال: "كل شيء نزل من القرآن فهو شفاء" أي: كل حصة ونصيب وبعض. فالتفسير الأول نازلٌ منزلة الجنس من حيث هوهو، والثاني منزلة الاستغراق، فـ"الكل" في كلام المصنف أفرادي. قوله: (فموقعه منهم موقع الشفاء من المرضى)، الراغب: إن الله تعالى جعل لنا

стр. 4728

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ … طِبين: بدنيا ودينياً، وكلٌّ منهما إما إعادة للصحة أو حفظ لها، والطب البدني الذي تُعادُ به الصحة: العقاقير والأدوية، والذي يُحفظ بها الصحة: الغذاء والأطعمة. وأما الطبُّ الديني، فالذي تعودُ به الصحة صقل العقل واستعماله في تدبر الدلالات وتعرف المعجزات ومعرفة النبوات، والقرآن مشحون به، والذي تعود به الصة تدبرُ الكتاب المنزل، وتتبع سنن النبي المرسل، والعمل بمقتضاهما، وعلى ذلك قوله: (وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَاراً). وقلت: لمح في قوله: "تعود به الصحة" إلى قوله صلوات الله عليه: "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه … " الحديث. وروينا عن الدارمي، عن قتادة "ما جالس القرآن أحدٌ، فقام إلا بزيادة أو نقصان" ثم قرأ: " وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ) الآية. وعن الدارمي أيضاً: قال أبو موسى: "إن هذا القرآن كائن لكم أجراً، وكائن لكم ذكراً، وكائن عليكم وزراً، اتبعوا القرآن ولا يتبعكم القرآن، فإنه من يتبع القرآن يهبط

стр. 4729

(إِلَّا خَساراً) أي نقصانا لتكذيبهم به وكفرهم، كقوله تعالى: (فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ) [التوبة: ١٢٥]. [(وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُساً* قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلاً)]. (وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ) بالصحة والسعة (أَعْرَضَ) عن ذكر الله، كأنه مستغن عنه مستبدّ بنفسه (وَنَأى بِجانِبِهِ) تأكيد للإعراض، لأنّ الإعراض عن الشيء: أن ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ به في رياض الجنة، ومن اتبعه القرآن يزخ في قفاه فيقذفه في جهنم". يقال: زخه، أي: دفعه في وهده. ولما فرغ من بيان علمه شرع في بيان معجزاته صلوات الله عليه، وأنه مما لم يؤت أحدٌ من الأنبياء، قال: (قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَاتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ) الآية، تخلصاً إلى ذكر حديث قومه بقوله: (وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ) الآية، ولهذا أخره عن سائر أنواع الإفضال والإكرام، والله أعلم. ولما احتوى القرآن علماً ومعجزةً قال ﷺ : "ما من نبي من الأنبياء إلا أُعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة"، أخرجه البخاري ومسلمٌ عن أبي هريرة.

стр. 4730

يوليه عرض وجهه. والنأي بالجانب: أن يلوى عنه عطفه ويوليه ظهره، وأراد الاستكبار، لأنّ ذلك من عادة المستكبرين (وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ) من فقر أو مرض أو نازلة من النوازل (كانَ يَؤُساً) شديد اليأس من روح الله (إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ)] يوسف: ٨٧ [. وقرئ: وناء بجانبه، بتقديم اللام على العين، كقولهم «راء» في «رأى» ويجوز أن يكون من «ناء» بمعنى «نهض» (قُلْ) كُلٌّ أحد (يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ) أى على مذهبه وطريقته التي تشاكل حاله في الهدى والضلالة، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أو أراد الاستكبار)، يريد: قوله: (وَنَأَى بِجَانِبِهِ) إما أن يكون كناية عن الإعراض؛ لأن من يلوي عن الشيء عطفه ويولي ظهره فقد حاول الإعراض عنه، فيكون تأكيداً لمعنى (أَعْرَضَ) ودخلت الواو بين المؤكَّدِ والمؤكّد، وإما أن يكون كناية عن الاستكبار؛ لأن ذلك من عادة المتكبرين، فيكون تكميلاً لكون مفهومه غير مفهوم الإعراض، فقد جمعوا بين الهيئتين. قوله: (وقرئ: "وناء بجانبه")، قرأها ابن ذكوان. الراغب: ناء بجانبه ينوء ويناءُ، أي: ينهض، قال تعالى: (مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ) [القصص: ٧٦]، ويقال: ناء بجانبه ينأى نأياً، مثل: نعى: أعرض. قال أبو عبيدة: تباعد، وقرئ: "وفاء بجانبه"، أي: تباعد، ومنه: النؤيُ؛ لحفيرة حول الخباء تُباعد الماء عنه. وقيل: نأي بجانبه مل نعين أي: نهض بهن عبارة عن التكبر كقولك شمخ بأنفه وازور بجانبه، وانتأى: افتعل، منه، والمنتأى: الموضع البعيد. قوله: (وطريقته التي تُشاكلث حاله في الهدى والضلالة)، إشارة إلى اتصال هذه الآية بقوله: (وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَاراً). الراغب: على شاكلته، أي: سجيته التي قيدته، من شكلت الدابة، وذلك أن سلطان
следующие страницы →