← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 4726–4765 · переход к 4731.

стр. 4726

إلى الله فقال: أي رب، حتى متى تعبد هذه الأصنام حولي دونك، فأوحى الله إلى البيت: إني سأحدث لك نوبة جديدة، فأملأك خدودا سجدا، يدفون إليك دفيف النسور، يحنون إليك حنين الطير إلى بيضها. لهم عجيج حولك بالتلبية. ولما نزلت هذه الآية يوم الفتح قال جبريل ﵇ لرسول الله ﷺ : خذ مخصرتك ثم ألقها، فجعل يأتى صنما صنما وهو ينكت بالمخصرة في عينه ويقول: جاء الحق وزهق الباطل، فينكب الصنم لوجهه حتى ألقاها جميعا، وبقي صنم خزاعة فوق الكعبة وكان من قوارير صفر فقال: يا على، ارم به، فحمله رسول الله ﷺ حتى صعد فرمى به فكسره، فجعل أهل مكة يتعجبون ويقولون: ما رأينا رجلا أسحر من محمد ﷺ . وشكاية البيت والوحي إليه: تمثيل وتخييل. (وَزَهَقَ الْباطِلُ) ذهب وهلك، من قولهم: زهقت نفسه، إذا خرجت. والحق: الإسلام. والباطل: الشرك (كانَ زَهُوقا): ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (يدفون)، الجوهري: الدفيف: الدبيب، وهو السير اللين. قوله: (مخصرتك)، الجوهري: المخصرة: كالسوط، وكل ما اختصر الإنسان بيده فأمسكه من عصا ونحوها. روى الإمام أحمد بن حنبل والبخاري ومسلم والترمذي، عن ابن مسعد: دخل رسول الله ﷺ مكة يوم الفتح وحول البيت ثلاث مئة وستون صنماً، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: (جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً). وفي "مسند الإمام أحمد بن حنبل"، عن علي ﵁ قال: كان على الكعبة أصنامٌ، فذهبتُ لأحمل النبي ﷺ فلم أستطع، فحملني فجعلتُ أقطعها، ولو شئتُ لنلتُ السماء.

стр. 4727

كان مضمحلا غير ثابت في كل وقت. [(وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَساراً)]. (وَنُنَزِّلُ) قرئ بالتخفيف والتشديد (مِنَ الْقُرْآنِ) من للتبيين، كقوله: (من الأوثان)] الحج: ٣٠ [. أو للتبعيض، أي: كل شيء نزل من القرآن فهو شفاء للمؤمنين، يزدادون به إيماناً، ويستصلحون به دينهم، فموقعه منهم موقع الشفاء من المرضى. وعن النبي ﷺ : «من لم يستشف بالقرآن فلا شفاه الله ولا يزداد به الكافرون ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كان مضمحلاً)، الراغب: زهقت نفسه من الأسف على الشيء، قال : (وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ) بالتوبة: ٥٥]. قوله: ((وَنُنَزِّلُ) قرأ بالتخفيف: أبو عمرو. قوله: ("مِن" للتبيين، كقوله: (مِنْ الأَوْثَانِ) [الحج: ٣٠])، يعني: "من القرآن" بيان لمفعول "نُنَزْلُ"، وهو "ما هو شفاءٌ" وحال منه، كما أن (مِنْ الأَوْثَانِ) في قوله: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ): حال من الرجس وبيانه، وعلى أن يكون تبعيضاً يكون (مِنْ الْقُرْآنِ): مفعولاً به، و (مَا هُوَ شِفَاءٌ): بدلاً منه، ولذلك قال: "كل شيء نزل من القرآن فهو شفاء" أي: كل حصة ونصيب وبعض. فالتفسير الأول نازلٌ منزلة الجنس من حيث هوهو، والثاني منزلة الاستغراق، فـ"الكل" في كلام المصنف أفرادي. قوله: (فموقعه منهم موقع الشفاء من المرضى)، الراغب: إن الله تعالى جعل لنا

стр. 4728

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ … طِبين: بدنيا ودينياً، وكلٌّ منهما إما إعادة للصحة أو حفظ لها، والطب البدني الذي تُعادُ به الصحة: العقاقير والأدوية، والذي يُحفظ بها الصحة: الغذاء والأطعمة. وأما الطبُّ الديني، فالذي تعودُ به الصحة صقل العقل واستعماله في تدبر الدلالات وتعرف المعجزات ومعرفة النبوات، والقرآن مشحون به، والذي تعود به الصة تدبرُ الكتاب المنزل، وتتبع سنن النبي المرسل، والعمل بمقتضاهما، وعلى ذلك قوله: (وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَاراً). وقلت: لمح في قوله: "تعود به الصحة" إلى قوله صلوات الله عليه: "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه … " الحديث. وروينا عن الدارمي، عن قتادة "ما جالس القرآن أحدٌ، فقام إلا بزيادة أو نقصان" ثم قرأ: " وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ) الآية. وعن الدارمي أيضاً: قال أبو موسى: "إن هذا القرآن كائن لكم أجراً، وكائن لكم ذكراً، وكائن عليكم وزراً، اتبعوا القرآن ولا يتبعكم القرآن، فإنه من يتبع القرآن يهبط

стр. 4729

(إِلَّا خَساراً) أي نقصانا لتكذيبهم به وكفرهم، كقوله تعالى: (فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ) [التوبة: ١٢٥]. [(وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُساً* قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلاً)]. (وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ) بالصحة والسعة (أَعْرَضَ) عن ذكر الله، كأنه مستغن عنه مستبدّ بنفسه (وَنَأى بِجانِبِهِ) تأكيد للإعراض، لأنّ الإعراض عن الشيء: أن ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ به في رياض الجنة، ومن اتبعه القرآن يزخ في قفاه فيقذفه في جهنم". يقال: زخه، أي: دفعه في وهده. ولما فرغ من بيان علمه شرع في بيان معجزاته صلوات الله عليه، وأنه مما لم يؤت أحدٌ من الأنبياء، قال: (قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَاتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ) الآية، تخلصاً إلى ذكر حديث قومه بقوله: (وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ) الآية، ولهذا أخره عن سائر أنواع الإفضال والإكرام، والله أعلم. ولما احتوى القرآن علماً ومعجزةً قال ﷺ : "ما من نبي من الأنبياء إلا أُعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة"، أخرجه البخاري ومسلمٌ عن أبي هريرة.

стр. 4730

يوليه عرض وجهه. والنأي بالجانب: أن يلوى عنه عطفه ويوليه ظهره، وأراد الاستكبار، لأنّ ذلك من عادة المستكبرين (وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ) من فقر أو مرض أو نازلة من النوازل (كانَ يَؤُساً) شديد اليأس من روح الله (إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ)] يوسف: ٨٧ [. وقرئ: وناء بجانبه، بتقديم اللام على العين، كقولهم «راء» في «رأى» ويجوز أن يكون من «ناء» بمعنى «نهض» (قُلْ) كُلٌّ أحد (يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ) أى على مذهبه وطريقته التي تشاكل حاله في الهدى والضلالة، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أو أراد الاستكبار)، يريد: قوله: (وَنَأَى بِجَانِبِهِ) إما أن يكون كناية عن الإعراض؛ لأن من يلوي عن الشيء عطفه ويولي ظهره فقد حاول الإعراض عنه، فيكون تأكيداً لمعنى (أَعْرَضَ) ودخلت الواو بين المؤكَّدِ والمؤكّد، وإما أن يكون كناية عن الاستكبار؛ لأن ذلك من عادة المتكبرين، فيكون تكميلاً لكون مفهومه غير مفهوم الإعراض، فقد جمعوا بين الهيئتين. قوله: (وقرئ: "وناء بجانبه")، قرأها ابن ذكوان. الراغب: ناء بجانبه ينوء ويناءُ، أي: ينهض، قال تعالى: (مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ) [القصص: ٧٦]، ويقال: ناء بجانبه ينأى نأياً، مثل: نعى: أعرض. قال أبو عبيدة: تباعد، وقرئ: "وفاء بجانبه"، أي: تباعد، ومنه: النؤيُ؛ لحفيرة حول الخباء تُباعد الماء عنه. وقيل: نأي بجانبه مل نعين أي: نهض بهن عبارة عن التكبر كقولك شمخ بأنفه وازور بجانبه، وانتأى: افتعل، منه، والمنتأى: الموضع البعيد. قوله: (وطريقته التي تُشاكلث حاله في الهدى والضلالة)، إشارة إلى اتصال هذه الآية بقوله: (وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَاراً). الراغب: على شاكلته، أي: سجيته التي قيدته، من شكلت الدابة، وذلك أن سلطان

стр. 4731

من قولهم «طريق ذو شواكل» وهي الطرق التي تتشعب منه، والدليل عليه قوله (فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا) أى أسدّ مذهبا وطريقة. [(وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً)]. الأكثر على أنه الروح الذي في الحيوان. سألوه عن حقيقته فأخبر أنه من أمر الله، أي مما استأثر بعلمه. وعن ابن أبي بريدة. لقد مضى النبي ﷺ وما يعلم الروح وقيل: هو ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ السجية على الإنسان قاهرٌ حسبما بينتُ في "الذريعة إلى مكارم الشريعة، هذا كما قال ﷺ : "كل مُيسرٌ لما خُلق له"، والأشكلة: الحاجة التي تقيد الإنسان. وقلتُ: الحديث هو ما روينا عن البخاري ومسلم وأحمد والترمذي وأبي داود وابن ماجه، عن علي ﵁، أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ما منكم من أحد غلا وقد كُتب مقعده من النار، ومقعده من الجنة"، قالوا: يا رسول الله، أفلا نتكلُ على كتابنا؟ فقال: "اعملوا، فكل ميسر لما خلق له؛ أما من كان من أهل السعادة فسيصير لعمل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة فسيصير لعمل الشقاء"، ثم قرأ (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى) [الليل: ٥] الآية. قوله: (من أمرِ الله)، أي: مما استأثر الله بعلمه، يعني: من أمر ربي لا من أمري، فلا أقول لكم ماهي؟ والأمر بمعنى الشأن، أي: معرفة الروح من شأن الله لا من شأن غيره، ولذلك طابقه قوله: (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً). قال الإمام: المختار: أنهم سألوه

стр. 4732

خلق عظيم روحانى أعظم من الملك. وقيل: جبريل ﵇. وقيل: القرآن. (ومِنْ أَمْرِ رَبِّي) أي: من وحيه وكلامه، ليس من كلام البشر، بعثت اليهود إلى قريش أن سلوه عن أصحاب الكهف، وعن ذي القرنين، وعن الروح، فإن أجاب عنها أو سكت فليس بنبىّ، وإن أجاب عن بعض وسكت عن بعض فهو نبىّ، فبين لهم القصتين وأبهم أمر الروح وهو مبهم في التوراة، فندموا على سؤالهم. (وَما أُوتِيتُمْ) الخطاب عام. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عن الروح، وأنه صلوات الله عليه أجاب عنه بأحسن الوجوه بقوله: (قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي)، يعني أنه موجود محدثٌ بأمر الله، وتكوينه، وتأثيره إفادة الحياة للجسد، ولا يلزمُ من عدم العلم بحقيقته المخصوصة نفيه، فإن أكثر حقائق الأشياء وماهياتها مجهولة، ولم يلزم من كونها مجهولة نفيها، ويؤيده قوله: (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً)، وقال القاضي: يجوز أن يكون السؤال عن قدمه وحدوثه، فأجيب: أنه وُجد بأمره وحدث بتكوينه. قوله: ((وَمَا أُوتِيتُمْ) الخطاب عامٌّ)، قال القاضي: يعني قوله: (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً) أنكم تستفيدونه بتوسط حواسكم، فإن اكتساب العقل للعلوم النظرية مستفادٌ من إحساس الجزئيات، ولذلك قيل: من فقد حسا فقد علما، ولعل أكثر الأشياء لا يدركه الحس ولا شيئاً من أحواله المعرفة لذاته، وهو إشارة إلى أن الروح مما لا يمكن معرفة ذاته إلا بعوارض تميزه عما يلتبس به، فلذلك اقتصر على هذا الجواب، كما اقتصر موسى ﵇ في جواب (وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ) [الشعراء: ٢٣] بذكر بعض صفاته. تم كلامه. فإن قلت: ما موقع هذا السؤال في هذا المقام قلت- والعلم عند الله-: الروح والعلمُ توأمان وموهبتان وعظيمتان لا سيما الوحي، ولذلك قُرن بقوله: (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً) وعقبه بقوله: (وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ)، وعقب به (وَنُنَزِّلُ

стр. 4733

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ … مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ)، وقد تقدم مراراً وأطواراً أن فواتح السور بمقتضى براعة الاستهلال مؤذنة باشتمال السور على ما تضمنت الفاتحة من المعنى، ولما افتتحت هذه السورة الكريمة بالكرامة السنية والموهبة الرفيعة لسيدنا صلوات الله عليه، وهي بيان مقام الدنو والزلفى، واستجلب ذلك حديث الكليم ﵇ وبني إسرائيل، ثم حديث الكفار من هذه الآية، وأريد العود إلى البدء، وتعداد كرائم وموانح أخرى، ابتدئ بما يناسب "الإسراء" من إقامة الصلوات مقرونة بذكر أوقاتها، فقيل: (أَقِمْ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ) إلى قوله: (مِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ)، ومن ثم قال صلوات الله عليه: "وجُعلت قرة عيني في الصلاة"، وأخرى: "أن تعبد الله كأنك تراه"، وتارة: "أرحنا يا بلال"، وجعل ذلك ذريعة إلى ذكر منقبتين جليلتين: أخروية، وهي مقام الشفاعة. وقيل: (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً). روينا عن الترمذي، عن أبي هريرة ﵁، قال: سُئل رسول الله ﷺ عن المقام المحمود، فقال: هو الشفاعة. وعن الدارمي عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ ، أنه قال له: ما المقام المحمود؟ قال: "ذاك يوم ينزل الله تعالى على كرسيه، ويجاء بكم حفاة عُراةً غُرلاً، فيكون أول من يُكسى إبراهيم، فيؤتى بريطتين من رياط الجنة، ثم أكسى على أثره، ثم أقوم عن يمين الله مقاماً يغبطني الأولون والآخرون".

стр. 4734

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ .. وعن الترمذي، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا سيدُ ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، بيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ، آدم فمن سواه، إلا تحت لوائي، وأنا أولُ من تنشق عنه الأرض ولا فخر"، قال: "فيفزع الناس ثلاث فزعات، فيأتون آدم فيقولون: أنت أبونا آدم فاشفع لنا إلى ربك. فيقول: إني أذنبتُ … " وساق الحديث إلى قوله: "فأخر ساجداً فيلهمني الله من الثناء والحمد، فيقال لي: ارفع رأسك، وسل تُعطه، واشفع تُشفعن وقل يسمع لقولك، وهو المقام المحمود الذي قال الله (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً). وأما المنقبة الدنيوية فمفتتحها الأمر بالهجرة إلى دار النصرة، وقوله: (وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ) إشارة إلى ذلك. روينا في "شرح السُّنة" عن ابن عباس والحسن وقتادة: أدخلني: كان النبي ﷺ بمكة، أُمر بالهجرة، فنزلت عليه: (وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ). ألا ترى كيف ذيل الإخراج والإدخال بما يُنبئ عن استنزال النصر من جناب الفردانية، والحضرة الصمدانية، من قوله: (اجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً)، (لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ) [الأنفال: ٨] ومن ثم قيل له: (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً). وحين أراد الله أن يشرح غزارة علمه رمز إليه بقوله: (وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) يعني: أنه صلوات الله عليه يغترف علمه من البحر الذي تنفد الأبحر السبعة دون نفاده، ولما كان السؤال عن

стр. 4735

وروي: أن رسول الله ﷺ لما قال لهم ذلك قالوا: نحن مختصون بهذا الخطاب أم أنت معنا فيه؟ فقال: "بل نحن وأنتم لم نؤت من العلم إلا قليلا، فقالوا: ما أعجب شأنك: ساعة تقول (وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً)] البقرة: ٢٦٩ [وساعة تقول هذا، فنزلت: (وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ)] لقمان: ٢٧ [ وليس ما قالوه بلازم، لأنّ القلة والكثرة تدوران مع الإضافة، فيوصف الشيء بالقلة مضافا إلى ما فوقه، وبالكثرة مضافا إلى ما تحته، فالحكمة التي أوتيها العبد خير كثير في نفسها، إلا أنها إذا أضيفت إلى علم الله فهي قليلة. وقيل: هو خطاب لليهود خاصة؛ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الروح امتحاناً من المعاندين لعلمه، أورده في السنن، ألا ترى كيف كافحهم بنزارة علمهم بقوله: (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً) وبغزارة علمه على سبيل النصفة والاستدراج بقوله: (وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ)؟ روينا عن الإمام أحمد والترمذي، عن ابن عباس قال: قالت قريشٌ لليهود: أعطونا شيئاً نسأل عنه هذا الرجل، فقالوا: سلوه عن الروح. فسألوه: فأنزل الله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ) الآية. قالوا: أوتينا علماً كثيراً، أوتينا التوراة، ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيراً كثيراً، فأنزلت: (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي) الآية. فإن قلت: فما وجه اتصال قوله: (وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنْسَانِ) الآيتين، بالكلام؟ قلت: هو اعتراض لمعنى الزيادة والنقصان، جاء مستطرداً في أثناء الكلام؛ لأن السياق دل على كون القرآن رحمة وسبباً لمزيد المؤمنين، وما ينالون به الإفضال والقرب والزلفى عند الله، وخساراً وبُعداً للقوم الظالمين. وقد تقرر أن ذلك السؤال كان امتحاناً من الظلمة، وتضمن الإشعار بنزارة علمهم وغزارة علمه صلوات الله عليه، فلذلك كان مؤكداً للمعنيين، وينصره قوله: (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ).

стр. 4736

لأنهم قالوا للنبي ﷺ : قد أوتينا التوراة وفيها الحكمة، وقد تلوت (وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً)] البقرة: ٢٦٩ [فقيل لهم: إن علم التوراة قليل في جنب علم الله. [(وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلاً* إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً)]. (لَنَذْهَبَنَّ): جواب قسم محذوف مع نيابته عن جزاء الشرط. واللام الداخلة على إن موطئة للقسم. والمعنى: إن شئنا ذهبنا بالقرآن ومحوناه عن الصدور والمصاحف فلم نترك له أثرا وبقيت كما كنت لا تدرى ما الكتاب (ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ) بعد الذهاب (بِهِ) من يتوكل علينا باسترداده وإعادته محفوظا مستوراً (إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ) إلا أن يرحمك ربك فيرده عليك، كأن رحمته تتوكل عليه بالرد، أو يكون على الاستثناء المنقطع بمعنى: ولكن رحمة من ربك تركته غير مذهوب به، وهذا امتنان من الله تعالى ببقاء القرآن محفوظا بعد المنة العظيمة في تنزيله وتحفيظه، فعلى كل ذي علم أن لا يغفل عن هاتين المنتين والقيام بشكرهما، وهما منة الله عليه بحفظ العلم ورسوخه في صدره، ومنته عليه في بقاء المحفوظ. وعن ابن مسعود: إن أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، وآخر ما تفقدون الصلاة، وليصلين قوم ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (من يتوكل علينا باسترداده)، أي: يصير وكيلاً علينا. والتوكل والموكل بمعنى. قوله: (ولكن رحمة من ربك تركته غير مذهوب به) يريد أن الاستثناء منقطع والمستدرك قوله: (وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ)، وعلى الأول الاستثناء متصل، والمستثني منه: (وَكِيلاً). وقال أبو البقاء: (إِلاَّ رَحْمَةً): مفعول له، أي: حفظناه عليك للرحمة، ويجوز أن يكون مصدراً، أي: لكن رحمناك رحمة.

стр. 4737

ولا دين لهم، وإن هذا القرآن تصبحون يوما وما فيكم منه شيء. فقال رجل: كيف ذلك وقد أثبتناه في قلوبنا وأثبتناه في مصاحفنا نعلمه أبناءنا ويعلمه أبناؤنا أبناءهم؟ فقال: يسرى عليه ليلا فيصبح الناس منه فقراء ترفع المصاحف وينزع ما في القلوب. [(قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَاتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَاتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً)]. (لا يَاتُونَ) جواب قسم محذوف، ولولا اللام الموطئة، لجاز أن يكون جوابا للشرط، كقوله: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كيف ذلك وقد أثبتناه في قلوبنا؟ )، روينا عن الإمام أحمد بن حنبل والترمذي وابن ماجه والدارمي، عن زياد بن لبيد قال: ذكر النبي ﷺ فقال: "ذلك عند أوانِ ذهاب العلم" فقلتُ: يا رسول الله، وكيف يذهب العلم ونحنُ نقرأ القرآن ونقرئه أبناءنا ويقرئه أبناؤنا أبناءهم إلى يوم القيامة؟ فقال: "ثكلتك أمك يا زياد، إن كنتُ لأراك من افقه رجلٍ بالمدينة، أوليس هذه اليهود والنصارى يقرأون التوراة والإنجيل لا يعملون بشيءٍ مما فيهما؟ ". وفي "شرح السُّنة": عن عبد الله بن عمرو "لا تقوم الساعة حتى يرجع القرآن من حيثُ نزل، له دوي حول العرش كدوي النحل. يقول الرب: مالك؟ فيقول: يا رب، أُتلى، ولا يُعمل بي". وفيه أيضاً، عن ابن مسعود: لا تقوم الساعة حتى يرفع القرآن، ثم يفيضون في الشعر.

стр. 4738

يقول لا غائب مالي ولا حرم لأن الشرط وقع ماضيا، أي: لو تظاهروا على أن يأتوا بمثل هذا القرآن في بلاغته وحسن نظمه وتأليفه، وفيهم العرب العاربة أرباب البيان لعجزوا عن الإتيان بمثله، والعجب من النوابت ومن زعمهم أن القرآن قديم مع اعترافهم بأنه معجز، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (يقول لا غائبٌ مالي ولا حرمُ)، أوله: وإن أتاه خليلٌ يوم مسغبة المسغبة: المجاعة، ورُوي: مسألة. البيت لزهير يمدح هرم بن سنان، يقول: إذا أتاه فقيرٌ وقد رفع إليه حاجته، لم يتشاغل بنوع العلل. وعني بالمال: الإبل. قوله: (لأن الشرط وقع ماضياً)، تعليلٌ بجواز وقوع (لا يَاتُونَ) جواباً للشرط، يعني: لو لم تكن اللام في (لئن) لجاز لا يأتون مع وجود النون أن يقع جواباً للشرط؛ لأن قوله: (اجْتَمَعَتْ) ماضٍ، فلما لم تعمل الأداة في الجزء الأول لا يعملُ في الثاني. قوله: (من النوابت)، والنوابت: الأحداث الأغمار. قال صاحب "التقريب": واستدل صاحب "الكشاف" بإعجازه على حدوثه، إذ لو كان قديماً لم يكن مقدوراً، فلا يكون معجزاً كالمحال، وجوابه: منع الملازمة، إذ مصحح المقدورية هو الإمكان، وهو حاصل، لا الحدوث. وأيضاً، المعجز لفظه ولا يقال بقدمه، والقديم كلام النفس ولا يقال بإعجازه. وأيضاً، سلمنا أن القديم لا يقدر البشر على عينه، لكن لم لا يقدر على مثله؟ قال صاحب "الانتصاف": القديم: مدلول العبارات، وهو صفة قديمة قائمة بذات الله

стр. 4739

وإنما يكون العجز حيث تكون القدرة، فيقال: الله قادر على خلق الأجسام والعباد عاجزون عنه. وأما المحال الذي لا مجال فيه للقدرة ولا مدخل لها فيه كثاني القديم، فلا يقال للفاعل: قد عجز عنه، ولا هو معجز. ولو قيل ذلك لجاز وصف الله بالعجز، لأنه لا يوصف بالقدرة على المحال، إلا أن يكابروا فيقولوا هو قادر على المحال، فإن رأس ما لهم المكابرة وقلب الحقائق. [(وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً)]. (وَلَقَدْ صَرَّفْنا) ردّدنا وكرّرنا (مِنْ كُلِّ مَثَلٍ) من كل معنى هو كالمثل في غرابته وحسنه. والكفور: الجحود. فإن قلت: كيف جاز (فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً) ولم يجوز ضربت إلا زيدا؟ قلت: لأن "أبي" متأوّل بالنفي، كأنه قيل: فلم يرضوا إلا كفوراً. [(وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً* أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً* أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ تعالى، ويُسمى قرآنا وكلمات أيضاً، والمعجز: الدليل لا المدلول، لكن أهل السُّنة يتحرزون من إطلاق المخلوق لوجهين: لإيهامه، ولأن السلف الصالح كفوا عنه، وكم من مُعتقدٍ لا يُطلق القول به خشية من إيهام غيره، فلا يصح إلزام الزمخشري. وقلتُ: الوجه الأخير لصاحب "التقريب" هو الوجه، لما قرره المصنف في قوله: (فَاتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ) [البقرة: ٢٣] فإن قلت: ما مثله حتى يأتوا بسورة من ذلك المثل؟ قلت: معناه بسورة مما هو على صفته في البيان الغريب وعلو الطبقة في حُسن النظم، ومن ثم لم تكن سائر الكتب السماوية معجزة، وإن كُن مثل القرآن في ذلك المعنى.

стр. 4740

عَلَيْنا كِسَفاً أَوْ تَاتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً* أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاَّ بَشَراً رَسُولاً)]. لما تبين إعجاز القرآن وانضمت إليه المعجزات الأخر والبينات ولزمتهم الحجة وغلبوا، أخذوا يتعللون باقتراح الآيات: فعل المبهوت المحجوج المتعثر في أذيال الحيرة، فقالوا: لن نؤمن لك حتى … وحتى (تَفْجُرَ) تفتح. وقرئ: (تفجر)، بالتخفيف (مِنَ الْأَرْضِ) يعنون أرض مكة (يَنْبُوعاً) عينا غزيرة من شأنها أن تنبع بالماء لا تقطع: «يفعول» من نبع الماء، كيعبوب من عب الماء (كَما زَعَمْتَ) يعنون قول الله تعالى (إِنْ نَشَا نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ) [سبأ: ٩]، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرئ: (تَفَجَّرُ)، بالتخفيف)، الكوفيون: بفتح التاء وضم الجيم مخففاً، والباقون: بضم التاء وكسر الجيم مشدداً. قوله: (لا تقطع)، مرفوع بعد حذف "أن"، أي: لا تنضب، القاضي: الينبوع: عينٌ لا ينضب ماؤها، كأن البناء دل على المبالغة. قوله: (عب الماءُ)، أي: زخر، من العباب. الجوهري: العباب: - بالضم-: معظم الماء وكثرته وارتفاعه. قوله: (كَمَا زَعَمْتَ): يعنون قول الله تعالى: (إِنْ نَشَا نَخْسِفْ بِهِمْ الأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنْ السَّمَاءِ))، وكان ذلك عناداً وتمرداً، بدليل قوله: (وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنْ السَّمَاءِ

стр. 4741

قرئ: (كسفاً) بسكون السين جمع كسفة، كسدرة وسدر. وبفتحه (قَبِيلًا) كفيلاً بما تقول شاهدا بصحته. والمعنى: أو تأتى بالله قبيلا، وبالملائكة قبيلا، كقوله: .... كنت منه ووالدي … بريّا فإنّى وقيّار بها لغريب أو مقابلاً، كالعشير بمعنى المعاشر، ونحوه: (لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سَاقِطاً يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ) [الطور: ٤٤]، قال: لو أسقطناه عليهم لقالوا: سحابٌ مركوم، ولم يصدقوا انه كسفٌ ساقطٌ للعذاب. قوله: (قرئ "كسفاً" بسكون السين) نافعٌ وعاصم وابن عامر: (كِسْفاً) بفتح السين، والباقون: بإسكانها. قوله: (أو مقابلاً): عطفٌ على قوله: "كفيلاً"، يعني: إذا كان (قَبِيلاً) بمعنى: كفيلاًن كان التقدير: أو يأتي بالله قبيلاً وبالملائكة قبيلاً، وإذا كان بمعنى "مُقابلاً" يعود المعنى: تأتي بالله مقابلاً وبالملائكة مقابلين، واستشهد للأول بقوله: (أَوْ نَرَى رَبَّنَا) [الفرقان: ٢١] بناء على مذهبه؛ لأن النظر إلى الشيء يقتضي المقابلة، وللثاني: (لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ) [الفرقان: ٢١]، وقوله: "أو جماعة" احتمالٌ آخر، بمعنى قوله: (وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً). الجوهري: القبيل: الجماعة، تكون من الثلاثة فصاعداً من قوم شتى، وعلى هذا يجوز أن يكون (قَبِيلاً): حالاً من الله تعالى والملائكة معاً، قال أبو البقاء: (قَبِيلاً): حالٌ من الملائكة، او من الله والملائكة.

стр. 4742

رَبَّنا) [الفرقان: ٢١] أو جماعة حالا من الملائكة. (مِنْ زُخْرُفٍ) من ذهب (فِي السَّماءِ): في معارج السماء، فحذف المضاف. يقال: رقى في السلم وفي الدرجة وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ ولن نؤمن لأجل رقيك (حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً) من السماء فيه تصديقك. عن ابن عباس ﵄: قال عبد الله بن أبي أمية: لن نؤمن لك حتى تتخذ إلى السماء سلما. ثم ترقى فيه وأنا أنظر حتى تأتيها ثم تأتى معك بصك منشور، معه أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول. وما كانوا يقصدون بهذه الاقتراحات إلا العناد واللجاج، ولو جاءتهم كل آية لقالوا: هذا سحر، كما قال : (وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ)] الأنعام: ٧ [، (وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ)] الحجر: ١٤ [وحين أنكروا الآية الباقية التي هي القرآن وسائر الآيات وليست بدون ما اقترحوه - بل هي أعظم- لم يكن إلى تبصرتهم سبيل (قُلْ سُبْحانَ رَبِّي) وقرئ: قال سبحان ربي، أي قال الرسول. وسُبْحانَ رَبِّي تعجب من اقتراحاتهم عليه (هَلْ كُنْتُ) إِلَّا رسولا كسائر الرسل (بَشَراً) مثلهم، وكان الرسل لا يأتون قومهم إلا بما يظهره الله عليهم من الآيات، فليس أمر الآيات إليّ، إنما ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((مِنْ زُخْرُفٍ): من ذهب)، الراغب: الزخرف: الزينة المزوقة، ومنه قيل للذهب: زُخرف، وقال: (أَخَذَتْ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا) [يونس: ٢٤]. وقال تعالى: (أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ) [الإسراء: ٩٣]، أي: ذهب مُزوق. وقال تعالى: (زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً) [الأنعام: ١١٢]، أي: المزوقات من الكلام. قوله: (وقرئ"قال سبحان ربي"): ابن كثير وابن عامر: "قال" بالألف، والباقون: بغير ألف.

стр. 4743

[(قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً)]. (شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) على أني بلغت ما أرسالات به إليكم، وأنكم كذبتم وعاندتم إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ المنذرين والمنذرين خَبِيراً عالما بأحوالهم، فهو مجازيهم. وهذه تسلية لرسول الله ﷺ ووعيد للكفرة. وشهيدا: تمييز أو حال. [(وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا مَاواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً* ذلِكَ جَزاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنا وَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً)]. (وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ) ومن يوفقه ويلطف به (فَهُوَ الْمُهْتَدِي) لأنه لا يلطف إلا بمن عرف أن اللطف ينفع فيه (وَمَنْ يُضْلِلْ) ومن يخذل (فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ) أنصاراً. عَلى وُجُوهِهِمْ كقوله: (يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ)] القمر: ٤٨ [. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والإثبات في السؤال والجواب، ولم يحسن هذا الحسن، ألا ترى إلى قول صاحب "المفتاح": قال في "سورة المؤمنون": (لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا) [المؤمنون: ٨٣]: فذكر بعد المرفوع وما تبعه المنصوب، وهو موضعه، وقال في "النمل": (لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا) [النمل: ٦٨]: فقُدم لكونه منها أهم. وإنما خالفنا المصنف في قولنا: لأن الجنس إلى الجنس أميل، لئلا يلزمنا الاعتزال الذي عناه بقوله: "وأما الإنس فما هم بهذه المثابة"، ولذلك عدل القاضي إلى قوله: (لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنْ السَّمَاءِ مَلَكاً رَسُولاً) لتمكنهم من الاجتماع به والتلقي منه، والإنس عامتهم عُماةٌ عن إدراك الملك والتلقف منه، فإن ذلك مشروط بنوع من التناسب والتجانس.

стр. 4744

وقيل لرسول الله ﷺ : كيف يمشون على وجوههم قال: «إن الذي أمشاهم على أقدامهم، قادر على أن يمشيهم على وجوههم» (عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا) كما كانوا في الدنيا، لا يستبصرون ولا ينطقون بالحق، ويتصامّون عن استماعه، فهم في الآخرة كذلك: لا يبصرون ما يقرّ أعينهم، ولا يسمعون ما يلذ مسامعهم ولا ينطقون بما يقبل منهم. (ومن كان في هذه أعمى) فهو في الآخرة أعمى. ويجوز أن يحشروا مؤفى الحواس من الموقف إلى النار بعد الحساب، فقد أخبر عنهم في موضع آخر أنهم يقرؤن ويتكلمون (كُلَّما خَبَتْ) كلما أكلت جلودهم ولحومهم وأفنتها فسكن لهبها، بدلوا غيرها، فرجعت ملهبة مستعرة، كأنهم لما كذبوا بالإعادة بعد الإفناء جعل الله جزاءهم أن سلط النار على أجزائهم تأكلها وتفنيها ثم يعيدها، لا يزالون على الإفناء والإعادة، ليزيد ذلك في تحسرهم على تكذيبهم البعث، ولأنه أدخل في الانتقام من الجاحد، وقد دل على ذلك بقوله (ذلِكَ جَزاؤُهُمْ) إلى قوله (أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً). [(أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلاَّ كُفُوراً)]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (إن الذي أمشاهم على أقدامهم)، روينا عن الترمذي، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "يُحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف، صنفاً مشاة، وصنفاً ركباناً، وصنفاً على وجوههم"، قيل: يا رسول الله، كيف يمشون؟ " الحديث. قوله: (ويجوز أن يُحشروا): عطفٌ من حيث المعنى على قوله: "كما كانوا في الدنيا"، وعلى "عُمياً وبكماً وصُماً" على المجاز، والحشر الثاني بمعنى: الجمع والسوق، كقوله تعالى: (وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى) [طه: ٥٩]، والأول بمعنى: البعث وحشر الناس يوم القيامة. قوله: (مؤوفي الحواس)، الجوهري: الآفة: العاهة، وقد أُيفَ الزرعُ، على ما لم يُسم

стр. 4745

فإن قلت: علام عطف قوله: (وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا)؟ قلت: على قوله: (أَوَ لَمْ يَرَوْا) لأن المعنى: قد علموا بدليل العقل أنّ من قدر على خلق السموات والأرض فهو قادر على خلق أمثالهم من الإنس؛ لأنهم ليسوا بأشد خلقا منهن، كما قال: (ءأنتم أشد خلقا أم السماء) [النازعات: ٢٧]. (وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لا رَيْبَ فِيهِ): وهو الموت، أو القيامة، فأبوا مع وضوح الدليل إلا جحودا. [(قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً)]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فاعله، أي: أصابته آفة، فهو مؤوفٌ، مثل معُوف. قوله: (على قوله: (أَوَلَمْ يَرَوْا))، أي: (وَجَعَلَ لَهُمْ) عطفٌ على (أَوَلَمْ يَرَوْا)، يعني: لا يجوز أن يُعطف على (خَلَقَ) ويدخل في حيز صلة الموصول للفصل بخبر (إنّ)، وهو (قَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ)، ولا (عَلَى أَنْ يَخْلُقَ) لفظاً ومعنى؛ لأنه لا يحسنُ إيقاعُ القدرة على الآجل، فينبغي أن يكون عطفاً على (أَوَلَمْ يَرَوْا). وأما قوله: (وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لا رَيْبَ فِيهِ) فليس تقديراً لتصحيح معنى العطف، إذ لا يلتئم أن يُقال: (أَوَلَمْ يَرَوْا) وجعل لهم أجلاً، بل هو ابتداء تفسير بشهادة قوله: "وهو الموت أو القيامة"، فإذا التقدير: قد علموا بدليل العقل أن من قدر على خلق السماوات والأرض فهو قادر على خلق أمثالهم، كقوله تعالى: (أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ) [يس: ٨١] أي: في الصغر والقمأة، وأن من جعل لهم أجلاً لا ريب فيه، وهو يوم القيامة، لابد أن يأتي به، كقوله تعالى: (وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا) [الحج: ٧]. فظهر أن المراد بقوله: "عطفٌ على قوله: (أَوَلَمْ يَرَوْا) " أنه عطفٌ على التقدير، وأن يُضمر في الكلام ما يتم به المعنى، ويؤيده قول الإمام: لما بين الله تعالى بالدليل المذكور أن البعث والقيامة أمرٌ ممكنُ الوجود في نفسه أردفه بأن لوقوعه ودخوله في الوجود وقتاً عند الله تعالى.

стр. 4746

(لَوْ) حقها أن تدخل على الأفعال دون الأسماء، فلا بد من فعل بعدها في (لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ وتقديره لو تملكون)، وتقديره: لو تملكون، فأضمر (تملك)؛ إضمارا على شريطة التفسير، وأبدل من الضمير المتصل الذي هو الواو ضمير منفصل، وهو: (أنتم)، لسقوط ما يتصل به من اللفظ، فـ (أنتم): فاعل الفعل المضمر، و (تملكون): تفسيره، وهذا هو الوجه الذي يقتضيه علم الإعراب. فأمّا ما يقتضيه علم البيان؛ فهو: أنّ (أنتم تملكون) فيه دلالة على الاختصاص؛ وأنّ الناس هم المختصون بالشح المتبالغ، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والنظم يساعدُ هذا التقدير الذي قدرناه وتخصيص ما خصصناه من أن المراد بالأجل: القيامة لا غير، لورود الآية بعد إنكار ما أنكروه في قولهم: (وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً (٤٩) قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً) [الإسراء: ٤٩]. قوله: ("لو" حقها أن تدخل على الأفعال)، قال ابن الحاجب في "الشرح": لابد أن يلهيا الفعل لأنها حرف شرط، والشرط إنما يُعقل بالفعل، فالتزم وقوع الفعل لفظاً أو تقديراً. قال صاحب "المفتاح": وأما كلمةُ "لو" فحين كانت لتعليق ما امتنع بامتناغ غيره على القطع امتنعت جملتاها عن الثبوت، ولزم أن يكونا فعليتين والفعل ماضٍ. قوله: (فأما ما يقتضيه علمُ البيان فهو أن (أَنتُمْ تَمْلِكُونَ) فيه دلالة على الاختصاص)، وقال صاحب "الفرائد": لما كان التقدير: لو تملكون تملكون، وهذا لا يفيد الاختصاص، وجب أن لا يفيده هذا أيضاً؛ لأنه غير مخالف في تأدية المعنى لذلك؛ لأن (أنتم) وُضع موضع الضمير المتصل، فالفعل مرادٌ والتكرارُ حاصلٌ على التقديرين، نفى أن يُقال: إن "أنتم تملكون"، على صورة الجملة الاسمية بدون معناها، فالاختصاص من لوازم معنى الاسمية لا من صورتها، ويمكن أن يقال في الجواب: الأصل "تملكون" بدون التكرار، فكرر ليفيد التأكيد، فلماترك الفعل الأول وأضمر لبقاء فاعله، وهو في المعنى غير ضمير الثاني

стр. 4747

ونحوه قول حاتم: (لو ذات سوار لطمتني)، وقول المتلمس: ولو غير أخوالي أرادوا نقيصتي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المتصل، عُلِمَ بأن الاهتمام بذكر فاعل هذه الجملة أكثر من ذكر فعلها، فكان تقديماً للفاعل على الفعل من حيث المعنى، والثاني بمنزلة المكرر للتأكيد، فأفاد الاختصاص. وقلتُ: نظرُ أصحاب المعاني في أمثال هذا التركيب إلى اللفظ، ألا ترى إلى قول صاحب "المفتاح": ترك "يودوا" إلى الماضي المؤذن بالتحقق نظراً إلى لفظه، فكذا هاهنا النظر إلى صورة (أَنتُمْ تَمْلِكُونَ) لا إلى أصله، وهو مثل: أنا سعيت في حاجتك، في وجه إفادة الاختصاص، وإلى هذا الإشارة بقوله: "برز الكلام في صورة المبتدأ والخبر". قوله: (لو ذاتُ سوار لطمتني)، قال الميداني: لو لطمتني ذات سوار؛ لأن "لو" طالبة للفعل داخلة عليه، والمعنى: لو ظلمني من كان كفؤاً لي لهان عليَّ، ولكن ظلمني من هو دوني، وقيل: أراد: لو لطمتني حرة، فجعل السوار علام للحرية؛ لأن العرب قلما تُلبس الإماء السوار، فهو يقول: لو كانت اللاطمة حرة لكان أخف علي. قوله: (ولو غيرُ أخوالي أرادوا نقيصتي)، تمامه: جعلتُ لهم فوق العرانين ميسما

стр. 4748

وذلك؛ لأنّ الفعل الأول لما سقط لأجل المفسر، وبرز الكلام في صورة المبتدأ والخبر. ورحمة الله: رزقه وسائر نعمه على خلقه، ولقد بلغ هذا الوصف بالشح الغاية التي لا يبلغها الوهم. وقيل: هو لأهل مكة الذين اقترحوا ما اقترحوا من الينبوع والأنهار وغيرها، وأنهم لو ملكوا خزائن الأرزاق لبخلوا بها. (قَتُوراً): ضيقا بخيلا. فإن قلت: هل يقدر لَـ (أَمْسَكْتُمْ) مفعول؟ قلت: لا؛ لأن معناه: لبخلتم، من قولك للبخيل: ممسك. [(وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً)]. عن ابن عباس ﵄: هي العصا، واليد، والجراد، والقمل، والضفادع، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ العرانين: الأنوف: والميسم: العلامة، يقول: لو كان الظلم والنقيصة جاءتني من غير أخوالي لو سمتهم بسمة الذُّل ليشتهروا بها ولم يمكنهم إخفاؤها. قوله: ((قَتُوراً): ضيقاً بخيلا) الراغب: القترُ: تقليل النفقة، وهو بإزاء الإسراف، وكلاهما مذمومان، قال تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً) [الفرقان: ٦٧]، ورجلٌ قتورٌ ومقترٌ. وقوله تعالى: (وَكَانَ الإِنْسَانُ قَتُوراً) [الإسراء: ١٠٠] تنبيه على ما جُبل عليه الإنسان من البخل، وقد قترت الشيء وأقترته وقترته أي: قللته، ومُقترٌ: فقير، قال تعالى: (وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ) [البقرة: ٢٣٦] وأصلُ ذلك من القُتار والقتر، وهو الدخان الساطع من الشواء والعود ونحوهما، فكأن المُقتر والمقترَ هو الذي يتناول من الشيء قتاره. قوله: (لا؛ لأن معناه: لبخلتم)، وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون مضمناً معنى البُخل، والبُخلُ لا يتعدى بنفسه، وثانيهما: أن يُجعل مفعوله منسياً كقوله: فلانٌ يعطي ويمنعُ، فيكون كناية عن البخل، ذكره صاحب "الفرائد".

стр. 4749

والدم، والحجر، والبحر، والطور الذي نتقه على بني إسرائيل. وعن الحسن: الطوفان، والسنون، ونقص الثمرات -مكان الحجر، والبحر، والطور. وعن عمر بن عبد العزيز: أنه سأل محمد بن كعب فذكر اللسان والطمس، فقال له عمر: كيف يكون الفقيه إلا هكذا! أخرج يا غلام ذلك الجراب، فأخرجه فنفضه، فإذا بيض مكسور بنصفين، وجوز مكسور، وفوم وحمص وعدس، كلها حجارة. وعن صفوان بن عسال: أنّ بعض اليهود سأل النبي ﷺ عن ذلك، فقال: (أوحى الله إلى ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فذكر اللسان- وهو انحلال العقدة- والطمس)، وهو قلبُ أموال القبط حجارة، يعني: كما أن الحسن ذكر مكان الحجر والبحر والطور، فيما ذكره أولاً من الآيات التسع الطوفان والسنين ونقص الثمرات، ووضع محمدٌ مكان البحر والطور: اللسان والطمس، قال الواحدي: قال المفسرون: صارت أموالهم حجارة، وقال القُرظي: جعل سُكرهم حجارة. وقال قتادة: بلغنا أن حروثهم صارت حجارة، ولما وافق هذا القول دون ما عند عمر بن عبد العزيز قال: كيف يكون الفقيه إلا هكذا، إعجاباً وتعجباً، ثم أمر بإخراج الجراب تصديقاً له. قوله: (وعن صفوان بن عسال)، الحديث أخرجه الترمذي والنسائي عنه مع تفاوت يسير، وفيه إشكالٌ؛ لأن المذكور عشرة، والسؤال عن تسع، وقد أجاب عنه التوربشتي بأجوبة، والذي نقوله: كان رسول الله ﷺ يقول: اعلموا معاشر اليهود أن الآيات التي أوتي موسى ولم تنسخها شريعة، نحن وأنتم فيها سواء هذه المذكورات، لكن له آية أخرى

стр. 4750

موسى: أن قل لبني إسرائيل: لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلا بالحق، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان ليقتله، ولا تقذفوا محصنة، ولا تفرّوا من الزحف، وأنتم يا يهود خاصة لا تعدوا في السبت). (فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ): فقلنا له: سل بني إسرائيل، أي: سلهم من فرعون، وقل له: أرسل معي بني إسرائيل، أو سلهم عن إيمانهم، وعن حال دينهم، أو: سلهم أن يعاضدوك وتكون قلوبهم وأيديهم معك. وتدلّ عليه قراءة رسول الله ﷺ : فسال بني إسرائيل، على لفظ الماضي بغير همز، وهي لغة قريش. وقيل: فسل يا رسول الله المؤمنين من بني إسرائيل، وهم عبد الله بن سلام وأصحابه، عن الآيات؛ ليزدادوا يقينا وطمأنينة قلب، لأن الأدلة إذا تظاهرت كان ذلك أقوى وأثبت، كقول إبراهيم (وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) [البقرة: ٢٦٠]. فإن قلت: بم تعلق (إِذْ جاءَهُمْ)؟ قلت: أمّا على الوجه الأول: فبالقول المحذوف، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ تختص بكم، وهي هذه، وهذه الزيادة كالإيغال والتتميم، يعني: خُذوا ما سألتموني عنه وأزيدكم ما يختص بكم لتعلموا وقوفي على ما يشتمل عليه كتابكم. قوله: (أما على الوجه الأول فبالقول المحذوف)، رُوي عن صاحب "التهذيب للكشاف" أنه قال: رأيت في "حاشية الكشاف" دلالة الآية على تقدير: "ما قلنا" من حيث إنه خبرٌ، كما أن ذاك خبر، والأولى عندي أن يُقال: إن دلالتها من حيث إنها تدل على أن السائل من بني إسرائيل هو موسى لا محمدٌ صلوات الله عليهما. وقلتُ: تحقيقه أن يُفصل ما أجمله المصنف ليظهر الحق، فنه ذكر في الآية وجوهاً كثيرة، لكن يجمعها معنيان؛ لأن السائل إما موسى ﵇ أو رسول الله ﷺ ، وعلى أن يكون السائل موسى (إِذْ جَاءَهُمْ) إما أن يتعلق بـ"قُلنا" المحذوف أو بالسؤال نفسه.

стр. 4751

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ … والأول على وجهين: أحدهما: المسؤول فرعون، والمسؤول عنه إنقاذ بني إسرائيل منه، المعنى: ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات، وأرسلناه إلى فرعون وملئه وقلنا له إذ جاءهم: سل بني إسرائيل من فرعون؟ أي: قل له: أرسل معي بني إسرائيل وخلهم وشأنهم؛ لأنهم كانوا كالأسرى بيد فرعون، قال تعالى: (وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ) [البقرة: ٤٩]، فالسؤال بمعنى الطلب. وثانيهما: المسؤول: بنو إسرائيل، والمسؤول عنه شيئان. والمعنى على الأول: قلنا لموسى: (فسْئلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ) عن حال دينهم، أنتم ثابتون على ملة إبراهيم؟ أم دخلتم في دين فرعون؟ والمعنى على الثاني: قلنا له إذ جاءهم: سلهم أن يُعاضدوك، وتكون قلوبهم وأيديهم معك، حتى يخلصهم الله من الأسر ويورثهم أرض أعدائهم، كما قال موسى لقومه: (اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) بالأعراف: ١٢٨]، والثاني: وهو أن يتعلق بالسؤال نفسه على قراءة النبي ﷺ ، ترتب عليه المعاني الثلاثة كلها، وهذه القراءة ترجح احتمال أن يكون الأمر بقوله: (فَسْئَلُ) في القراءة المشهورة، وهو موسى، دون رسول الله ﷺ . وعلى الثاني، وهو أن يكون السائل رسول الله ﷺ ، ومتعلق (إِذْ جَاءَهُمْ) إما (آتَيْنَا) المذكور، أي: ولقد آتينا موسى تسع آياتٍ بيناتٍ إذ جاء بني إسرائيل وفرعون، وقلنا لك: سل عن ذلك مُسلمي أهل الكتاب يُخبروك به كما أخبرت، وهو من أسلوب قوله تعالى: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلْ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ) [يونس: ٩٤]، وهو من باب التهييج والإلهاب تثبيتاً ومزيد طمأنينة، أو متعلقة محذوف، وهو إما "اذكُر"، والمعنى: ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات وأرسلناه إلى فرعون وملئه "اذكُر" إذ جاءهم فقال له فرعونُ، فيكون قوله: (فَسْئَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ) على الوجهين معترضاً، أو "يُخبروك"

стр. 4752

أي: فقلنا له: سلهم حين جاءهم، أو بـ (سال) في القراءة الثانية. وأمّا على الأخير: فبـ (آتينا)، أو بإضمار: اذكر، أو: يخبروك. ومعنى (إِذْ جاءَهُمْ): إذ جاء آباءهم. (مَسْحُوراً): سحرت فخولط عقلك. [(قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلاَّ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً * فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً* وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً)]. (لَقَدْ عَلِمْتَ) يا فرعون (ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ) الآيات إلا الله (بَصائِرَ): بينات مكشوفات، ولكنك معاند مكابر: ونحوه: (وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا) (النمل: ١٤). وقرئ: «علمت» بالضم، على معنى: إني لست بمسحور كما وصفتني، بل أنا عالم بصحة الأمر، وأنّ هذه الآيات منزلها رب السموات والأرض. ثم قارع ظنه بطنه، كأنه قال: إن ظننتني مسحورا فأنا أظنك (مَثْبُوراً): ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ على تقدير جواب الأمر، المعنى: سل بني إسرائيل عن حال الآيات التسع، فإنهم يُخبرونك القصة بتمامها من لدن مجيء موسى من مدين إلى مصر عند آبائهم وهم أسرى بيد فرعون وملئه يسومونهم سوء العذاب، ثم ذهابه إلى فرعون مطلبه منه إرسال بني إسرائيل معه وادعائه النبوة، وإظهار تلك الآيات القاهرات بأسرها وظهور عجز فرعون وعناده، وقوله: (إِنِّي لأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُوراً) فالفاء في قوله تعالى: (فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ) فصيحةٌ. قوله: ((بَصَائِرَ): بينات مكشوفات)، الأساس: هذه الآية مبصرة، وأبصر الطريق: استبان ووضح. قوله: (وقرئ: "علمتُ" بالضم)، الكسائي، والباقون: بفتحها. قوله: (ثم قارع ظنه بظنه)، الأساس: قرعه بالرمح، وقارعه، وتقارعوا بالرماح، وقارعته فقرعته.

стр. 4753

هالكا، وظني أصح من ظنك؛ لأن له أمارة ظاهرة؛ وهي إنكارك ما عرفت صحته، ومكابرتك لآيات الله بعد وضوحها، وأما ظنك فكذب بحت؛ لأن قولك مع علمك بصحة أمري: إني لأظنك مسحورا: قول كذاب. وقال الفرّاء: (مَثْبُوراً) مصروفا عن الخير مطبوعا على قلبك، من قولهم: ما ثبرك عن هذا؟ أي: ما منعك وصرفك؟ وقرأ أبىّ بن كعب: (وإن إخالك يا فرعون لمثبوراً) على: (إن) المخففة واللام الفارقة (فَأَرادَ) فرعون أن يستخف موسى وقومه من أرض مصر ويخرجهم منها، أو ينهيهم عن ظهر الأرض بالقتل والاستئصال، فحاق به مكره بأن استفزه الله بإغراقه مع قبطه. (اسْكُنُوا الْأَرْضَ) التي أراد فرعون أن يستفزكم منها، (فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ): يعنى قيام الساعة (جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً): جمعا مختلطين إياكم وإياهم، ثم يحكم بينكم ويميز بين سعدائكم وأشقيائكم. واللفيف: الجماعات من قبائل شتى. [(وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً)]. (وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ): وما أنزلنا القرآن إلا بالحكمة المقتضية لإنزاله، وما نزل إلا ملتبسا بالحق والحكمة؛ لاشتماله على الهداية إلى كل خير، أو: ما أنزلناه من السماء إلا بالحق محفوظا بالرصد من الملائكة، وما نزل على الرسول إلا محفوظا بهم ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (إلا بالحق محفوظاً بالرصد)، فسر الحق تارة بالحكمة، وأخرى بالثابت الذي يُقابلُ الباطل، فقوله: "محفوظاً بالرصد" تفسيرٌ لمعنى الحق، وتوضيحٌ لمحله، وأنه نصبٌ على الحال، يعني: هو محفوظٌ بالرصد، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ونحوه قوله تعالى: (أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ) [النساء: ١٦٦] قال المصنف: "أنزله وهو قريب عليه حافظ له من الشياطين برصدٍ من الملائكة، كما قال في آخر سورة الجن: (وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ) [الجن: ٢٨]. قال أبو البقاء: (وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ) أي: وبسبب إقامته الحق (أَنزَلْنَاهُ) فتكون الباء متعلقة بـ (أَنزَلْنَاهُ)، ويجوز أن يكون حالاً، أي: أنزلناه ومعه الحق، أو: وفيه الحق، ويجوز أن يكون

стр. 4754

من تخليط الشياطين، (وَما أَرْسَلْناكَ) إلا لتبشرهم بالجنة، وتنذرهم من النار، ليس إليك وراء ذلك شيء، من إكراه على الدين أو نحو ذلك. [(وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلاً)]. (وَقُرْآناً) منصوب بفعل يفسره (فَرَقْناهُ). وقرأه أبىّ: (فرّقناه) بالتشديد، أي: جعلنا نزوله مفرّقا منجما. وعن ابن عباس ﵁: أنه قرأ مشدّدا، وقال: لم ينزل في يومين أو ثلاثة، بل كان بين أوّله وآخره عشرون سنة. يعنى: أن (فرق) بالتخفيف يدل على فصل متقارب. «على مكث» بالفتح والضم: على مهلٍ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ حالاً من الفاعل، أي: أنزلناه ومعنا الحق، (وَبِالْحَقِّ نَزَلَ) فيه الوجهان الأولان دون الثالث، لأنه ليس فيه ضميرٌ لغير القرآن. قوله: ((وَمَا أَرْسَلْنَاكَ) إلا لتبشرهم بالجنة، وتنذرهم من النار، ليس إليك وراء ذلك)، أي: التركيب من القصر الإفرادي، نُزل صلواتُ الله عليه- لحرصه على إيمان قومه- منزلة من يعتقد أنه بشيرٌ ونذير، ومع ذلك: يُكره على الدين أيضاً، فقُصِر على البشارة والنذارة، ونفي كونه مكرهاً. قوله: (يعني أن "فرق" بالتخفيف، يدل على فصل متقارب)، كأنه يرد القراءة بالتخفيف، فإنها تدل على خلاف الواقع، وهو الفصل المتباعد. وقال ابن جني: ويؤيده قوله: (عَلَى مُكْثٍ).

стр. 4755

وتؤدة وتثبت. (وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا) على حسب الحوادث. [(قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً * وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولاً* وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً)]. (قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا): أمر بالإعراض عنهم واحتقارهم والازدراء بشأنهم، وأن لا يكترث بهم وبإيمانهم وبامتناعهم عنه، وأنهم إن لم يدخلوا في الإيمان ولم يصدّقوا بالقرآن وهم أهل جاهلية وشرك، فإن خيرا منهم وأفضل - وهم العلماء الذين قرءوا الكتب وعلموا ما الوحي وما الشرائع- قد آمنوا به وصدّقوه، وثبت عندهم أنه النبي العربي الموعود في كتبهم، فإذا تلي عليهم خرّوا سجدا وسبحوا الله تعظيما لأمره ولإنجازه ما وعد في الكتب المنزلة وبشربه من بعثة محمد ﷺ وإنزال القرآن عليه، وهو المراد بالوعد في قوله: (إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا)، (وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً): أي: يزيدهم القرآن لين قلب ورطوبة عين. فإن قلت: (إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ) تعليل لماذا؟ قلت: يجوز أن يكون تعليلا لقوله: (آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا) وأن يكون تعليلا لـ (قل) على سبيل التسلية لرسول الله ﷺ وتطييب نفسه، كأنه قيل: تسلّ عن إيمان الجهلة بإيمان العلماء. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وتؤدة)، النهاية: يقال: اتأد في فعله: إذا تأنى وتثبت، ولم يعجل. قوله: ((قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا))، أُمرَ بالإعراض عنهم، يعني: إنما يؤمر بهذا القول من أيس من إيمانه ولم تعتد بحاله، فكأنه قال له: اتركهم ولا تُبال بهم. قوله: (تعظيماً لأمره، ولإنجازه ما وعد)، "لإنجازه" عطفٌ على "تعظيماً"، وهو مفعولٌ له: (خَرُّوا)، وإنما لم يأت باللام في الأول وأتى بها في الثاني، لأن الأول فعلٌ لفاعل الفعل المعلل، والثاني ليس كذلك.

стр. 4756

وعلى الأوّل: إن لم تؤمنوا به لقد آمن به من هو خير منكم. فإن قلت: ما معنى الخرور للذقن؟ قلت: السقوط على الوجه، وإنما ذكر الذقن وهو مجتمع اللحيين؛ لأنّ الساجد أول ما يلقى به الأرض من وجهه الذقن. فإن قلت: حرف الاستعلاء ظاهر ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وعلى الأول: إن لم تؤمنوا لقد آمن)، يعني: على الوجه الثاني: (إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) تسلية لرسول الله ﷺ ، ويلزم منه توبيخ القوم وتقريعهم، وعلى الوجه الأول بالعكس، لأن التعليل على الأول مقول القول بخلاف الثاني. وقلت: الوجه أني قصد التسلية، ويكون التقريع مفرعاً عليها؛ لأن في المعلل إشعاراً بأن الرسول قد قضى ما عليه من الإبلاغ، وأن الحجة قد لزمتهم، فعليه أن يُتاركهم ويشتغل بمن يُجدي فيهم الإنذار وينجعُ فيهم الوعظ، وبخاصة نفسه من عبادة ربه، وإلى الأول الإشارة بقوله: (قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا) وإلى الثاني بقوله: (إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ) ومن ثم قال: أُمر بالإعراض عنهم وأن لا يكترث بإيمانهم، فإن خيراً منهم وأفضل قد آمنوا، وإلى الثالث بقوله: (وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً * وَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ)، وإنما استدعى المقام المتاركة والتسلية لأن الله تعالى لما عد مناقب حبيبه صلوات الله عليه في مفتتح السورة وختمها ببيان المعجزة، وهي قوله: (قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ)، فكانت متضمنة لما يتخلص منه إلى طعن القوم في القرآن ورسالته ومعاندتهم في دفع آيات الله البينات، فذكر شيئاً صالحاً منه، فأراد أن يُسلي حبيبه، ذكر حديث الكليم ومجيئه بالآيات البينات إلى قومه وتكذيبهم، ثم إهلاكهم، كان الأمر بقوله: (فَاسْألْ بَنِي إِسْرَائِيلَ) تتميماً لمعنى التسلية، وذكر بعده هذا النوع من التسلية، وختم السورة بها، والله أعلم. قوله: (أول ما يلقى به الأرض من وجهه الذقن)، قال صاحب "التقريب": وفيه نظر؛

стр. 4757

المعنى إذا قلت: خرّ على وجهه وعلى ذقنه، فما معنى اللام في: خرّ لذقنه ولوجهه؟ قال: فخرّ صريعا لليدين وللفم قلت: معناه: جعل ذقنه ووجهه للخرور واختصه به، لأن اللام للاختصاص. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لأن أول ما يلقى الأرض الجبهة أو الأنف، ووجهه أنه إذا ابتدأ الخرور، فأقرب الأشياء من وجهه إلى الأرض هو الذقن، أو أراد مبالغة في الخضوع، وهو تعفير اللحى على التراب، والأذقان كناية عنها، أو أنه ربما خر على الذقن كالمغشي عليه لخشية الله تعالى، وقوله: فخر صريعاً لليدين وللفم أوله من رواية "المطلع": دلفت له بالرمح من دون ثوبه الدليف: المشيُ رويداً، دلفت الكتيبة في الحرب، أي: قدمت. ويُروى: أُمكنهُ بالرمح حضني قميصه الحضينُ: ما دون الإبط إلى الكشح، حضنا الشيء: جانباه. قوله: (جعل ذقنه ووجهه للخرور)، وقال صاحب "الفرائد": لما كان الذقن أبعد شيء من وجهه من الأرض في حال السجود، وهي حالُ وضع الجبهة، كان القصد بالخرور إلى وصول الأذقان إلى الأرض أبلغ من القصد إلى وصول الجبهة إليها، فكأنه قيل: يخرون

стр. 4758

فإن قلت: لم كرّر (يخرون للأذقان)؟ قلت: لاختلاف الحالين؛ وهما: خرورهم في حال كونهم ساجدين، وخرورهم في حال كونهم باكين. [(قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً)]. عن ابن عباس ﵄: سمعه أبو جهل يقول: يا الله يا رحمن، فقال: إنه ينهانا أن نعبد إلهين وهو يدعوا إلها آخر. وقيل: إن أهل الكتاب قالوا: إنك لتقل ذكر الرحمن وقد أكثر الله في التوراة هذا الاسم فنزلت. والدعاء: بمعنى التسمية، لا بمعنى النداء، وهو يتعدّى إلى مفعولين، تقول: دعوته زيدا، ثم يترك أحدهما استغناء عنه فيقال: دعوت زيدا. والله والرحمن، المراد بهما الاسم لا المسمى. و (أو) للتخيير، فمعنى (ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ) سموا بهذا الاسم أو بهذا، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لأجل وصول الأذقان إلى الأرض؛ لأن الانحطاط أكثر في وصول الأذقان من وصول الجبهة إليها، وحاصله أنهم يبالغون في الخرور، ويلصقون بالأرض ما أمكن إلصاقه بها من الوجه. تم كلامه. فإن قلت: قوله: "جعل ذقنه ووجهه للخرور واختصه به" مخالفٌ لظاهر الآية؛ لأنه جعل الخرور مختصاً بالذقن لقوله: (يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ). قلت: إن الخرور إذا اختص بالذقن اختص الذقن به، وما عليه التلاوة أدل على خضوعهم وتواضعهم. قوله: (فمعنى (ادْعُوا اللَّهَ أَوْ ادْعُوا الرَّحْمَنَ) سموا بهذا الاسم أو بهذا)، قال القاضي: المرادُ بالتسوية بين اللفظين، هو أنهما يُطلقان على ذات واحدة، وإن اختلف اعتبارُ إطلاقهما، والتوحيد إنما هو للذات الذي هو المعبود، هذا إذا كان رداً لقول المشركين، وعلى أن يكون رداً لليهود، المعنى: أنهما سيان في حُسن الإطلاق والإفضاء إلى المقصود، وهو أجود، لقوله: (أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى).

стр. 4759

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ … وقلت: إنما كان أجود لأن اعتراض اليهود، كان تعييراً للمسلمين على ترجيح أحد الاسمين على الآخر، واعتراض المشركين كان تعييراً على الجمع بين اللفظين فقوله: (أَيّاً مَا تَدْعُوا) مطابق للرد على اليهود؛ لأن المعنى: أي اسم من الاسمين دعوتموه فهو حسن كما ذكره المصنف، وهو لا ينطبق على اعتراض المشركين الجواب: هذا مسلم إذا كان أو للتخيير فلم يمتنع أن يكون للإباحة كما في قولك: جالس الحسن أو ابن سيرين، فحينئذ: يكون ذلك أجوب، وتقريره: كل سموا ذاته المقدسة "بالله" أو بـ"الرحمن" فهما سيان في استصواب التسمية بهما فبأيهما سميته فأنت مصيب، وإن سميته بهما جميعاً فأنت أصوب؛ لأن له الأسماء الحسنى وقد أمرنا بأن ندعوه بها في قوله: (فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) فعلى هذا الآية من فنون الإيجاز الذي هو من حلة التنزيل وعلى ما قال المصنف، والمعنى (أَيّاً مَا تَدْعُوا) فهو حسن فوضع موضعه قوله: (فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) هو من باب الإطناب فظهر من هذا أن الإباحة أنسب من التخيير لأن أبا جهل حر الجمع بين الاسمين فرد إباحة أن يجمع بين أسماء يعني كيف يمنع من الجمع بين الاسمين وقد أبيح الجميع بين الأسماء المتكاثرة على أن الجواب بالتخيير في الرد على أهل الكتاب غير مطابق لأنهم اعترضوا بالترجيح. وأجيب التسوية لأن (أو) يقتضيها وكان الجواب العتيد أن يقال: إنما رجحنا "الله" على "الرحمن" في الذكر لأنه جامع لجميع صفات الكمال بخلاف "الرحمن"، ويساعد ما ذكرنا من أن الكلام مع المشركين قوله تعالى: (وَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ) لأنه مناسب أن يكون تسهيلاً للرد على المشركين، ما يقول بعد إفحام الخصم: الحمد لله على ظهور الحق وزهوق الباطل، وأما بيان تنزيل الآية على الرد على المشركين فهو أن نداء ابن عباس: "يا الله يا رحمن" يحتمل وجهين: أحدهما: أن يراد بهما المسمى فيلزم منه التعدد في المسمى، والثاني: أن يراد بهما الاسم فلا يلزم التعداد إلا في الاسم، فحمل أبو جهل على الأول وقال ما قال، فرد الله تعالى زعمه بأن نزله على الاحتمال الثاني قائلاً: (قُلْ ادْعُوا اللَّهَ) الآية، على ما سبق تقريره.

стр. 4760

واذكروا إما هذا وإما هذا، والتنوين في (أَيًّا) عوض من المضاف إليه. و (ما): صلة للإبهام المؤكد لما في (أي)، أي: أي هذين الاسمين سميتم وذكرتم (فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى)، والضمير في (فَلَهُ) ليس براجع إلى أحد الاسمين المذكورين، ولكن إلى مسماهما؛ وهو ذاته تعالى؛ لأن التسمية للذات لا للاسم، والمعنى: أياما تدعوا فهو حسن، فوضع موضعه قوله: (فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى)؛ لأنه إذا حسنت أسماؤه كلها حسن هذان الاسمان؛ لأنهما منها، ومعنى كونهما أحسن الأسماء: أنها مستقلة بمعاني التحميد والتقديس والتعظيم. (بِصَلاتِكَ) بقراءة صلاتك، على حذف المضاف؛ لأنه لا يلبس، من قبل أن الجهر والمخافتة صفتان تعتقبان على الصوت لا غير، والصلاة أفعال وأذكار، وكان رسول الله ﷺ يرفع صوته بقراءته، فإذا سمعها المشركون لغوا وسبوا، فأمر بأن يخفض من صوته، والمعنى: ولا تجهر حتى تسمع المشركين (وَلا تُخافِتْ) حتى لا تسمع من خلفك (وَابْتَغِ بَيْنَ) الجهر المخافتة (سَبِيلًا) وسطا. وروى أنّ أبا بكر ﵁ كان يخفى صوته بالقراءة في صلاته ويقول: أناجى ربى وقد علم حاجتي. وكان عمر ﵁ يرفع صوته ويقول: أزجر الشيطان وأوقظ الوسنان. فأمر أبا بكر أن يرفع قليلا وعمر أن يخفض قليلاً. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (يرفع صوته بقراءته) الحديث مع التفسير متفق عليه، رواه البخاري ومسلم، عن ابن عباس ﵄. قوله: (روى أن أبا بكر) الحديث مختصرٌ من رواية أبي داود والترمذي، عن أبي قتادة.

стр. 4761

وقيل: معناه: ولا تجهر بصلاتك كلها ولا تخافت بها كلها، وابتغ بين ذلك سبيلا بأن تجهر بصلاة الليل وتخافت بصلاة النهار، وقيل: (بِصَلاتِكَ): بدعائك. وذهب قوم إلى أنّ الآية منسوخة بقوله: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً) [الأعراف: ٥٥]. وابتغاء السبيل: مثل لانتحاء الوجه الوسط في القراءة. [(وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً)]. (وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ): ناصر من الذل ومانع له منه؛ لاعتزازه به، أو لم يوال أحدا من أجل مذلة به ليدفعها بموالاته. فإن قلت: كيف لاق وصفه بنفي الولد والشريك والذل بكلمة التحميد؟ قلت: لأنّ من هذا وصفه هو الذي يقدر على إيلاء كل نعمة، فهو الذي يستحق جنس ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (مثلٌ لانتحاء الوجه)، يعني: شبه من ينبغي أن يتوسط في القراءة بمن يتوخى بين السبيلين قصداً سوياً. قوله: (أو لم يُوال أحداً)، جعل "ولياً" على الأول بمعنى الناصر، وعلق "مِن" به على تضمين معنى المنع، المعنى: ليس له ذُل ولا مانعٌ من الذل يمنعه لاعتزازه بنفسه؛ لأنه عزيزٌ بذاته، مانعٌ غيره منه، وعلى الثاني: إجراؤه على ظاهره، وجعلُ "مِن" ابتدائية، ومن ثم قال: "ولم يُوال أحداً" من أجل مذلة، وعلى التقديرين، التركيب من باب قوله: على لاحبٍ لا يهتدى بمناره قوله: (لأن من هذا وصفه هو الذي يقدر على إيلاء كل نعمة)، وذلك أن من اتخذ ولداً يحتاجُ إلى الإمساك لأجله، ومن ثم قال صلوات الله عليه: "الولدُ مجبنةٌ مبخلة"، ومَن

стр. 4762

الحمد، وكان النبي ﷺ إذا أفصح الغلام من بني عبد المطلب علمه هذه الآية. عن رسول الله ﷺ : «من قرأ سورة بني إسرائيل فرقّ قلبه عند ذكر الوالدين ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كان له شريك في ما يتصرفه، فهو ممنوعٌ من التصرف التام، ومن احتاج إلى ناصر يدفع عنه الذُّل، كيف يقدرُ على دفعه عن الغير؟ والله منزه عن كل هذه الموانع، فهو يقدر على إيلاء كل نعمة، فلذلك يستحق كل الحمد. وإنما سلك هذا التأويل لأن الحمد هو: الثناء على الجميل الاختياري من نعمةٍ أو غيرها، وعدم اتخاذ الولد ونفيُ الشريك عنه ليس من الفضائل الاختيارية ظاهراً، وقد رتب عليه الحمد، فعدل إلى لازم هذه المذكورات، وهوا لقدرة على إيلاء كل نعمةن ورتب عليها الحمد. قال القاضي: نفي أن يكون له ما يواليه ويشاركه من جنسه ومن غير جنسه اختياراً واضطراراً، وما يُعاونه ويقويه، ورتب الحمد عليه للدلالة على أنه مستحق جنس الحمد؛ لأنه كامل الذات المنفرد بالإيجاد، المنعم على الإطلاق، وما عداه ناقصٌ، مملوك نعمةٍ أو منعمٌ عليه، ولذلك عطف عليه قوله: (وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً). وقلت: والآية من باب التقسيم الحاصر؛ لأن المانع من الإيتاء: إما فوقه فهو القسم الثالث، أو دونه فهو القسم الأول، أو مثله فهذا القسم الثاني. ثم المناسب أن يُجعل التعريف في الحمد للاستغراق لا للجنس كما قال؛ لأن موجبه مستغرقٌ للمراتب كلها. وسورة الإخلاص واردة على هذا التقسيم فليحذُ حذوها. قوله: (إذا أفصح الغلام)، الأساس: أفصح الصبي في منطقه: فهم ما يقول في أول

стр. 4763

كان له قنطار في الجنة، والقنطار ألف أوقية ومائتا أوقية». رزقنا الله بفضله العميم وإحسانه الجسيم. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ما يتكلمُ، يقال: أفصح فلان ثم فصح، وأفصح العجمي: تكلم بالعربية، وفصح: انطلق لسانه بها وخلصت لغته من اللكنة، والله أعلم. انتهت السورة

стр. 4764

سورة الكهف مكية وهى مئة واحدي عشرة آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً* قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَاساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً* ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً* وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً* ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً)]. لقن الله عباده وفقههم كيف يثنون عليه ويحمدونه على أجزل نعمائه عليهم؛ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سورة الكهف مكية، وهي مئة وإحدى عشرة آيةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله: (لقن الله عباده وفقههم كيف يثنون عليه)، ضمن "لقَّنَ" معنى العلم، ولذلك فسره بالفقه، والمفعول الأول: "عباده"، والثاني: الجملة الاستفهامية، وليس بتعليق لذكر

стр. 4765

وهي نعمة الإسلام، وما أنزل على عبده محمد ﷺ من الكتاب الذي هو سبب نجاتهم ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المفعول الأول، يُريد ما ذكره في الفاتحة: " (الْحَمْدُ لِلَّهِ) مقولٌ على ألسنة العباد، ومعناه: تعليمُ عباده كيف يتبركون باسمه، وكيف يحمدونه ويُمجدونه ويُعظمونه". قوله: (وما انزل على عبده محمدٍ صلوات الله عليه)، عطفٌ تفسيري على قوله: "نعمة الإسلام"، وفيه: أن المذكور- من كونه مُنزلاً على عبده مستقيماً بريئاً من الاعوجاج بشيراً للموحدين الذين يعملون الصالحات، نذيراً لمن أشرك بالله وعمل عملاً غير صالح- هو الإسلام. الراغب: العبدُ يُطلق على الإنسان الذي يصح بيعه نحو: (الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ) [البقرة: ١٧٨]، وعلى عبدٍ بالإيجاد، وإياه عني بقوله: (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً) [مريم: ٩٣]، وعلى عبدٍ بالعبادة والخدمة، والناسُ فيه ضربان: عبدٌ لله مخلصاً، وهو المقصود بنحو قوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ)؛ وعبدُ الدنيا، وهو المعتكف على خدمتها ومراعاتها، وإياه عني ﷺ : "تعس عبد الدرهم، تعس عبدُ الدينار"، وعلى هذا يصح أن يُقال: ليس كل إنسان عبداً تعالى. وقلتُ: الحديث من رواية البخاري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: "تعس عبدُ الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة، إن أُعطي رضي، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبد آخذٍ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرةٍ قدماه، إن كان في الحراسة، كان في الحراسة، وإن كان في الساقة، كان في الساقة، إن استأن لم يؤذن له، وإن شفع لم يُشفع" الحديث جمع بين النوعين من العبدين.
следующие страницы →