Полный текст (9 345 стр.). Показаны 4761–4800 · переход к 4766.
стр. 4761
وقيل: معناه: ولا تجهر بصلاتك كلها ولا تخافت بها كلها، وابتغ بين ذلك سبيلا بأن تجهر بصلاة الليل وتخافت بصلاة النهار، وقيل: (بِصَلاتِكَ): بدعائك. وذهب قوم إلى أنّ الآية منسوخة بقوله: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً) [الأعراف: ٥٥]. وابتغاء السبيل: مثل لانتحاء الوجه الوسط في القراءة.
[(وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً)].
(وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ): ناصر من الذل ومانع له منه؛ لاعتزازه به، أو لم يوال أحدا من أجل مذلة به ليدفعها بموالاته.
فإن قلت: كيف لاق وصفه بنفي الولد والشريك والذل بكلمة التحميد؟ قلت: لأنّ من هذا وصفه هو الذي يقدر على إيلاء كل نعمة، فهو الذي يستحق جنس
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (مثلٌ لانتحاء الوجه)، يعني: شبه من ينبغي أن يتوسط في القراءة بمن يتوخى بين السبيلين قصداً سوياً.
قوله: (أو لم يُوال أحداً)، جعل "ولياً" على الأول بمعنى الناصر، وعلق "مِن" به على تضمين معنى المنع، المعنى: ليس له ذُل ولا مانعٌ من الذل يمنعه لاعتزازه بنفسه؛ لأنه عزيزٌ بذاته، مانعٌ غيره منه، وعلى الثاني: إجراؤه على ظاهره، وجعلُ "مِن" ابتدائية، ومن ثم قال: "ولم يُوال أحداً" من أجل مذلة، وعلى التقديرين، التركيب من باب قوله:
على لاحبٍ لا يهتدى بمناره
قوله: (لأن من هذا وصفه هو الذي يقدر على إيلاء كل نعمة)، وذلك أن من اتخذ ولداً يحتاجُ إلى الإمساك لأجله، ومن ثم قال صلوات الله عليه: "الولدُ مجبنةٌ مبخلة"، ومَن
стр. 4762
الحمد، وكان النبي ﷺ إذا أفصح الغلام من بني عبد المطلب علمه هذه الآية.
عن رسول الله ﷺ : «من قرأ سورة بني إسرائيل فرقّ قلبه عند ذكر الوالدين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان له شريك في ما يتصرفه، فهو ممنوعٌ من التصرف التام، ومن احتاج إلى ناصر يدفع عنه الذُّل، كيف يقدرُ على دفعه عن الغير؟ والله منزه عن كل هذه الموانع، فهو يقدر على إيلاء كل نعمة، فلذلك يستحق كل الحمد.
وإنما سلك هذا التأويل لأن الحمد هو: الثناء على الجميل الاختياري من نعمةٍ أو غيرها، وعدم اتخاذ الولد ونفيُ الشريك عنه ليس من الفضائل الاختيارية ظاهراً، وقد رتب عليه الحمد، فعدل إلى لازم هذه المذكورات، وهوا لقدرة على إيلاء كل نعمةن ورتب عليها الحمد.
قال القاضي: نفي أن يكون له ما يواليه ويشاركه من جنسه ومن غير جنسه اختياراً واضطراراً، وما يُعاونه ويقويه، ورتب الحمد عليه للدلالة على أنه مستحق جنس الحمد؛ لأنه كامل الذات المنفرد بالإيجاد، المنعم على الإطلاق، وما عداه ناقصٌ، مملوك نعمةٍ أو منعمٌ عليه، ولذلك عطف عليه قوله: (وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً).
وقلت: والآية من باب التقسيم الحاصر؛ لأن المانع من الإيتاء: إما فوقه فهو القسم الثالث، أو دونه فهو القسم الأول، أو مثله فهذا القسم الثاني.
ثم المناسب أن يُجعل التعريف في الحمد للاستغراق لا للجنس كما قال؛ لأن موجبه مستغرقٌ للمراتب كلها. وسورة الإخلاص واردة على هذا التقسيم فليحذُ حذوها.
قوله: (إذا أفصح الغلام)، الأساس: أفصح الصبي في منطقه: فهم ما يقول في أول
стр. 4763
كان له قنطار في الجنة، والقنطار ألف أوقية ومائتا أوقية». رزقنا الله بفضله العميم وإحسانه الجسيم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ما يتكلمُ، يقال: أفصح فلان ثم فصح، وأفصح العجمي: تكلم بالعربية، وفصح: انطلق لسانه بها وخلصت لغته من اللكنة، والله أعلم.
انتهت السورة
стр. 4764
سورة الكهف
مكية وهى مئة واحدي عشرة آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً* قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَاساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً* ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً* وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً*
ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً)].
لقن الله عباده وفقههم كيف يثنون عليه ويحمدونه على أجزل نعمائه عليهم؛
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سورة الكهف
مكية، وهي مئة وإحدى عشرة آيةً
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (لقن الله عباده وفقههم كيف يثنون عليه)، ضمن "لقَّنَ" معنى العلم، ولذلك فسره بالفقه، والمفعول الأول: "عباده"، والثاني: الجملة الاستفهامية، وليس بتعليق لذكر
стр. 4765
وهي نعمة الإسلام، وما أنزل على عبده محمد ﷺ من الكتاب الذي هو سبب نجاتهم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المفعول الأول، يُريد ما ذكره في الفاتحة: " (الْحَمْدُ لِلَّهِ) مقولٌ على ألسنة العباد، ومعناه: تعليمُ عباده كيف يتبركون باسمه، وكيف يحمدونه ويُمجدونه ويُعظمونه".
قوله: (وما انزل على عبده محمدٍ صلوات الله عليه)، عطفٌ تفسيري على قوله: "نعمة الإسلام"، وفيه: أن المذكور- من كونه مُنزلاً على عبده مستقيماً بريئاً من الاعوجاج بشيراً للموحدين الذين يعملون الصالحات، نذيراً لمن أشرك بالله وعمل عملاً غير صالح- هو الإسلام.
الراغب: العبدُ يُطلق على الإنسان الذي يصح بيعه نحو: (الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ) [البقرة: ١٧٨]، وعلى عبدٍ بالإيجاد، وإياه عني بقوله: (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً) [مريم: ٩٣]، وعلى عبدٍ بالعبادة والخدمة، والناسُ فيه ضربان: عبدٌ لله مخلصاً، وهو المقصود بنحو قوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ)؛ وعبدُ الدنيا، وهو المعتكف على خدمتها ومراعاتها، وإياه عني ﷺ : "تعس عبد الدرهم، تعس عبدُ الدينار"، وعلى هذا يصح أن يُقال: ليس كل إنسان عبداً تعالى.
وقلتُ: الحديث من رواية البخاري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: "تعس عبدُ الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة، إن أُعطي رضي، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبد آخذٍ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرةٍ قدماه، إن كان في الحراسة، كان في الحراسة، وإن كان في الساقة، كان في الساقة، إن استأن لم يؤذن له، وإن شفع لم يُشفع" الحديث جمع بين النوعين من العبدين.
стр. 4766
وفوزهم، (وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً) ولم يجعل له شيئا من العوج قط، والعوج في المعاني كالعوج في الأعيان، والمراد نفى الاختلاف والتناقض عن معانيه، وخروج شيء منه من الحكمة والإصابة فيه. فإن قلت: بم انتصب (قَيِّماً)؟ قلت: الأحسن أن ينتصب بمضمر ولا يجعل حالا من الكتاب؛ لأنّ قوله (وَلَمْ يَجْعَلْ) معطوف على (أنزل)، فهو داخل في حيز الصلة، فجاعله حالا من الكتاب فاصل بين الحال وذي الحال ببعض الصلة، وتقديره: ولم يجعل له عوجا جعله قيما؛ لأنه إذا نفى عنه العوج فقد أثبت له الاستقامة. فإن قلت: ما فائدة الجمع بين نفى العوج وإثبات الاستقامة، وفي أحدهما غنى عن الآخر؟ قلت: فائدته التأكيد، فرب مستقيم مشهود له بالاستقامة ولا يخلو من أدنى عوج ....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والعوجُ في المعاني)، الراغب: العوجُ: العطفُ عن حال الانتصاب، يقال: عُجتُ البعير بزمامه، وفلانٌ ما يعوجُ عن شيء يهم به، أي: لايرجعُ، والعوجُ: يقالُ فيما يدركُ بالبصر، كالخشب المنتصب، والعوج: فيما يدركُ بالبصيرة والفكر، كما يكون في أرض بسيطة، وكالدين والمعاش.
قوله: (وخروج شيء منه من الحكمة والإصابة فيه)، الضمير المجرور في "فيه" عائدٌ إلى الشيء، المعنى: لا تجدُ شيئاً في القرآن المجيد، ولا كلمة إن أمعنت النظر فيه خارجاً عن إصابة مجز البلاغتين، من حيث اللفظ، ومتجاوزاً عن الاشتمال على الحكمتين، أعني: العلمية والعملية من حيث المعنى.
قوله: (ولا يُجعل حالاً من الكتاب)، لئلا يلزم الفصلُ بين الحال وذي الحال بأجنبي، وهو (وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا)، وهو معطوفٌ على الصلة، قال أبو البقاء: ويجوز أن يكون حالاً من الضمير في (له)، ويجوز أن تكون الواو في: (وَلَمْ يَجْعَلْ) للحال؛ فيكونان حالين، أي: أنزله منفياً عنه العوج قيماً.
стр. 4767
عند السير والتصفح. وقيل: (قيما) على سائر الكتب مصدقا لها، شاهدا بصحتها. وقيل: قيما بمصالح العباد وما لا بدّ لهم منه من الشرائع. وقرئ: (قيما). «أنذر» متعدّ إلى مفعولين، كقوله: (إنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً) [النبأ: ٤٠]
فاقتصر على أحدهما، وأصله (لِيُنْذِرَ) الذين كفروا (بَاساً شَدِيداً) والبأس من قوله: (بِعَذابٍ بَئِيسٍ) [الأعراف: ١٦٥]، وقد بؤس العذاب وبؤس الرجل بأسًا وبآسة، (مِنْ لَدُنْهُ) صادراً
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (عند السير)، النهاية: وفي حديث الغار: قال له أبو بكر ﵁: لاتدخله حتى أسبره قبلك، أي: أختبره وأعتبره وأنر فيه، هل فيه أحدٌ أو شيء يؤذي.
قوله: (وقيل: (قَيِّماً) على سائر الكتُب): عطفٌ على قوله: "لأنه إذا نفى عنه العوج فقد أثبت له الاستقامة"، وعلى هذا لا يرد السؤال. وتلخيص الجواب: أن (قَيِّماً) إذا لم يقدر له متعلقٌ كان بمعنى مستقيماً، فكان توكيداً دفعاً للتجوز، من باب الطرد والعكس إذ مفهوم الثاني مؤكدٌ لمنطوق الأول، وبالعكس، وإذا قُدر له متعلق فإما أن يُقدر: (على)، كما في قوله تعالى: (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ) [الرعد: ٣٣] أي: رقيبٌ حافظٌ شهيد، كان تتميماً؛ لأنه حينئذٍ كاملٌ في نفسه مكملٌ لغيره، فيكون بالغاً في الاستقامة حدها، أو يقدرُ له الباء، على نحو قولهم: فلانٌ قيمٌ بهذا الأمر، فيكون تكميلاً؛ لأنه إذن مستقيمٌ في نفسه، قيمٌ بأمور غيره. وقال القاضي: (قَيِّماً): مستقيماً معتدلاً لا إفراط فيه ولا تفريط، أو: قيماً بمصالح العباد، فيكون وصفاً له بالتكميل بعد وصفه بالكمال.
قوله: ((بِعَذَابٍ بَئِيسٍ)، الأساس: وقع في البؤس والبأساء، وفي أمر بئيس: شديد.
стр. 4768
من عنده. وقرئ: (من لدنه) بسكون الدال مع إشمام الضمة وكسر النون، (وَيُبَشِّرَ) بالتخفيف والتثقيل. فإن قلت: لم اقتصر على أحد مفعولي (ينذر)؟ قلت: قد جعل المنذر به هو الغرض المسبوق إليه، فوجب الاقتصار عليه.
والدليل عليه تكرير
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ "من لدنه")، أبو بكر يقرأ: "من لدنه" بإسكال الدال وإشمامها شيئاً من الضم، وبكسر النون والهاء، ويصل الهاء بياء. والباقون: بضم الدال وإسكان النون وضم الهاء، وابن كثير على أصله: يصلها بواو.
قوله: ((وَيُبَشِّرُ) بالتخفيف والتثقيل)، بالتخفيف: حمزة والكسائي.
قوله: (قد جعل المنذر به هو الغرض)، اعلم أن الفعل المتعدي إلى مفعول واحد إذا لم ينو مفعوله بقي مطلقاً فيكون الغرض منه الإطلاق، كقولك: فلان يُعطي ويمنعُ، فالغرض: إيجاد حقيقتهما، والمتعدي إلى المفعولين إذا اقتصر على واحدٍ يجري ذلك الحكم على المذكور، فيكون هو الغرض لا المنسي.
قوله: (والدليل عليه)، أي: على أن المنذر به هو الغرض الذي سيق له الكلام: تكرير (وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً) الآية، وجعلها قرينة لقوله: (وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً) الآية، وهو موجب لأن يُذكر فيها المنذر والمنذر به كما ذُكر في أختها المبشر والمبشر به، وإنما تُرك المنذر به في الثالثة للاكتفاء بما سيق له الكلام، ولو لم يكن أصلاً [و] ثابتاً في نفسه وأنه هو الغرض الأولى لم يستغن به عن ذكر مثله في القرنية الثالثة.
فإن قلت: لِمَ لم يُجعل قوله: (لِيُنذِرَ بَاساً شَدِيداً) قرينة لقوله: ((وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً)؟ فيُقدر المنذرُ فيه، وتترك القرينة الثالثة على إطلاقها ليكون الغرض في الإيراد ذكر المنذرين؟
стр. 4769
الإنذار في قوله: (وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً) متعلقا بالمنذرين من غير ذكر المنذر به، كما ذكر المبشر به في قوله: (أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً) استغناء بتقدّم ذكره. والأجر الحسن: الجنة. (ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ) أي: بالولد أو باتخاذه، يعنى: أنّ قولهم هذا لم يصدر عن علم ولكن عن جهل مفرط وتقليد للآباء، وقد استملته آباؤهم من الشيطان وتسويله. فإن قلت: اتخاذ الله ولدا في نفسه محال، فكيف قيل: ما لهم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قلت: ليس جعلُ ساقةٍ الكلام أصلاً في الاعتبار ومقدتمه فرعاً أولى من العكس؛ لأنهم يُقدمون الأهم وما هم ببيانه أعني، على أن (بَاساً): ثاني مفعولي الإنذار، وهو أولى بالحذف، فترك الأول إلى ذكر الثاني أوغل في إرادة خلاف مُقتضى الظاهر، والذهاب إليه أحرى وأنسبُ؛ لأنه من حلية التنزيل، ولأن ذكر المنذر به، لا سيما اختصاصه بذكر البأس، أنفع للناس: مؤمنهم وكافرهم، فلو قُدر المنذر لاختص الإنذار بالكافرين، والمراد: الشمول.
قوله: (متعلقاً)، هو: حالٌ من الإنذار، و"استغناء": مفعولٌ له، أي تكرير الإنذار - من غير ذكر المنذر به- لأجل الاستغناء، لتقدم ذر المنذر به ولذلك كرر الإنذار.
قوله: (وقد استملته)، النهاية: يقال: أمللتُ الكتاب وأمليته: إذا ألقيته على الكاتب ليكتبه.
الجوهري: استمليته الكتاب: سألته أن يمليه عليَّ.
قوله: (اتخاذ الولد في نفسه محالٌ)، يعني: إنما ينبغي من الشخص العلمُ بالشيء إذا
стр. 4770
به من علم؟ قلت: معناه ما لهم به من علم؛ لأنه ليس مما يعلم لاستحالته، وانتفاء العلم بالشيء إمّا للجهل بالطريق الموصل إليه، وإما لأنه في نفسه محال لا يستقيم تعلق العلم به. قرئ: (كبرت كلمة) و (كلمة)؛ بالنصب على التمييز والرفع على الفاعلية، والنصب أقوى وأبلغ،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان ذلك الشيء ثابتاً في نفسه، وأنه فاقدٌ للطريق الموصل إليه، واتخاذ الولد ف نفسه مُحالٌ، فكيف قيل: (مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ)؟ وتلخيص الجواب: جاز ذلك إرادة للمبالغة، وأن ما تفوهوا به معدومٌ بالطريق البرهاني، كأنه قيل: (مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ)؛ لأنه ليس مما يتعلق به العلم؛ لأن العلم تابعٌ للمعلوم، والمحالُ لا يستقيم تعلق العلم به، لكن هذا السؤال مستدرك؛ لأنه قال أولاً: إن قولهم هذا لم يصدر عن علم لكن عن جهل مفرط وتقليد للآباء.
قوله: (وقرئ: (كَبُرَتْ كَلِمَةً)، و"كلمة")، قال ابن جني: بالرفع قرا يحيى بن يعمر، الحسن، وابن محيصن.
سمى قولهم: (اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً): كلمة، كما سموا القصيدة- وإن كانت مئة بيت- كلمة، وهذا كوضعهم الاسم الواحد على جنسه، ولله فصاحة الحجاج وكثرة قوله على المنبر يا أيها الرجل وكلكم ذلك الرجل.
الراغب: وتستعمل الكبيرة فيما يشق ويصعب، نحو: (وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ) [البقرة: ٤٥]، وقوله: (كَبُرَتْ كَلِمَةً) ففيه تنبيه على عظم ذلك من بين الذنوب، وعظم عقوبته، وكذلك: (كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ) [الصف: ٣].
قوله: (والنصب أقوى)؛ لأنه فاعلٌ مُزالٌ عن أصله للإبهام والتبيين.
стр. 4771
وفيه معنى التعجب، كأنه قيل: ما أكبرها كلمة.
و(تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ) صفة للكلمة تفيد استعظاما لاجترائهم على النطق بها وإخراجها من أفواههم، .........
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وفيه معنى التعجب)، قال في قوله تعالى: (كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ) [الصف: ٣]: "قصد في (كَبُرَ) التعجب من غير لفظه، كقوله:
. غلت نابٌ كليب بواؤها
ومعنى التعجب: تعظيم الأمر في قلوب السامعين؛ لأن التعجب لا يكون إلا من شيء خارج من نظائره.
قوله: (و (تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ): صفة للكلمة)، هذا إذا كانت مرفوعة ظاهر، وإن نُصبت تمييزاً يلزم وصفُ التمييز، وهو جائز، وقد جاء معرفة في قوله تعالى: (إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ) [البقرة: ١٣٠]، وقول الشاعر:
ولا بفزارة الشعر الرقابا
على أن الوصف غير مخصص، بل هو مؤكد، نحو قوله: (وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ) [الأنعام: ٣٨]، وقال أبو البقاء: (كَلِمَةُ): تمييز، والفاعل مضمر، أي: كبرت مقالتهم، وفي: (َخْرُجُ) وجهان، أحدهما: هو في موضع نصب صفة لـ"كلمة"، والثاني: في موضع رفع تقديره: "كبرت كلمة كلمة تخرج"؛ لأن "كَبُرَ" بمعنى "بَئسَ"، فالمحذوف هو المخصوص بالذم.
стр. 4772
فإن كثيرا مما يوسوسه الشيطان في قلوب الناس ويحدّثون به أنفسهم من المنكرات لا يتمالكون أن يتفوّهوا به ويطلقوا به ألسنتهم، بل يكظمون عليه تشوّرا من إظهاره، فكيف بمثل هذا المنكر؟ وقرئ: (كبرت) بسكون الباء مع إشمام الضمة. فإن قلت: إلام يرجع الضمير في كبرت؟ قلت: إلى قولهم: (اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً)، وسميت كلمة كما يسمون القصيدة بها.
[(فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً)].
شبهه وإياهم حين تولوا عنه ولم يؤمنوا به وما تداخله من الوجد والأسف على توليهم، برجل فارقه أحبته وأعزته فهو يتساقط حسرات على آثارهم، ويبخع نفسه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فإن كثيراً مما يوسوسه الشيطان)، إلى قوله: (بل يكظمون عليه تشوراً من إظهاره)، مقتبسٌ من قوله ﷺ ، عن عبد الله بن مسعود، قال: سئل رسول الله ﷺ عن الوسوسة، فقالوا: إن أحدنا ليجد في نفسه لأن يُحرق أو يخر من السماء أحب إليه من أن يتكلم به، قال: "ذلك محض الإيمان"، أخرجه مسلمٌ.
قوله: (شبهه وإياهم)، يعني: شبه الله رسول الله ﷺ وقومه في قوله: (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ)، فالاستعارة تمثيلية لكون المشبه: حاله وحال قومه، والمشبه به: حال الرجل مع أحبته.
قوله: (ويبخع نفسه). الراغب: البخع: قتل النفس غماً، وقوله تعالى: (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ) حث على ترك التأسف، نحو: (فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ) [فاطر: ٨]، قال الشاعر:
ألا أيهذا الباخع الوجد نفسه
وبخع فلانٌ بالطاعة، وبما عليه من الحق: إذا أقر به وأذعن مع كراهةٍ شديدة تجري مجرى: بخع نفسه في شدته.
стр. 4773
وجدا عليهم وتلهفا على فراقهم. وقرئ: (باخع نفسك) على الأصل وعلى الإضافة، أي: قاتلها ومهلكها، وهو للاستقبال فيمن قرأ: (إن لم يؤمنوا)، وللمضي فيمن قرأ: (أن لم يؤمنوا)، بمعنى: لأن لم يؤمنوا (بِهذَا الْحَدِيثِ) بالقرآن، (أَسَفاً) مفعول له، أي: لفرط الحزن. ويجوز أن يكون حالاً. والأسف: المبالغة في الحزن والغضب. يقال: رجل أسف وأسيف.
[(إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً* وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً* أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً* إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً* فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً)].
(ما عَلَى الْأَرْضِ) يعنى: ما يصلح أن يكون زينة لها ولأهلها من زخارف الدنيا وما يستحسن منها، (لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) وحسن العمل: الزهد فيها وترك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وللمضي فيمن قرأ: "أن لم يؤمنوا")، قال أبو البقاء: "أن لم يؤمنوا" بالفتح: شاذة، والجمهور على الكسر. ومُرادُ المصنف أن المناسب على قراءة من قرأ "أن لم يؤمنوا" بفتح (أنْ) حملُ (بَاخِعٌ) على المعنى بناء على حكاية الحال الماضية، قال أبو البقاء: كأنه قيل: لعلك بخعت نفسك لأجل عدم إيمانهم، فجيء باسم الفاعل لتصوير تل الحالة في ذهن السامع واستحضارها، وعلى من قرأ (إنْ) بالكسر، المناسب حملُ (بَاخِعٌ) على الاستقبال لأجل الشرط، كأنه قيل: لعلك تبخع نفسك الآن أو غداً إن لم يصدر منهم إيمانٌ.
قوله: (رجلٌ أسفٌ وأسيف)، رُوي عن المصنف: الأسف أصلٌ معناهُ: الجهد دون العفو، ومنه الأسيف: الأجير، لجهده في العمل، ألا تراه سُمي عسيفاً من العسف؟
قوله: (وحسنُ العمل: الزهد فيها). قال القاضي: " (لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) في
стр. 4774
الاغترار بها، ثم زهد في الميل إليها بقوله: (وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها) من هذه الزينة، (صَعِيداً جُرُزاً) يعنى: مثل أرض بيضاء لا نبات فيها، بعد أن كانت خضراء معشبة، في إزالة بهجته، وإماطة حسنه، وإبطال
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تعاطيه، وهو من زهد فيه ولم يغتر به، وقنع منه بما يُزجي به أيامه وصرفه على ما ينبغي فيه، وفيه تسكين لرسول الله ﷺ ".
قوله: (ثم زهد في الميل إليها بقوله: (وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ))، يعني: قال أولاً: إنا زينا وجه الأرض ابتلاء واختباراً، ثم بينا أنها في عُرض الفناء ووشك الزوال ليزهدوا فيه، كقوله تعالى: (حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ) [يونس: ٢٤].
قوله: (من هذه الزينة)، جاء بـ (هذه) ليُشير إلى تحقير شأن الزينة.
قوله: (بيضاء لا نبات فيها)، الراغب: (جُرُزاً)، أي: منقطع النبات من أصله، وأرض مجروزة: أُكل ما فيها، والجروز: الذي يأكل ما على الخوان، وفي المثل: "لا ترضى شانئة إلا بجرزة"، أي: بالاستئصال، والجرزُ: القطعُ بالسيف، وسيفٌ جُراز.
قوله: (بهجته)، الجوهري: البهجة: السرور.
الراغب: البهجة: حُسن اللون وظهور السرور فيه، قال تعالى: (حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ) [النمل: ٦٠]، وقد بهُجَ فهو بهيجٌ، ويقال: باهجٌ، وقد ابتهج بكذا، أي: سُرَّ به سُروراً بان أثره على وجهه، وأبهجه كذا.
стр. 4775
ما به كان زينة: من إماتة الحيوان، وتجفيف النبات والأشجار، ونحو ذلك. ذكر من الآيات الكلية تزيين الأرض بما خلق فوقها من الأجناس التي لا حصر لها وإزالة ذلك كله كأن لم يكن، ثم قال: (أَمْ حَسِبْتَ) يعنى: أن ذلك أعظم من قصة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ما به كان زينةً)، أي: ما كانت الأرض مزينة به، أو: الذي كان ما على الأرض مزيناً به.
قوله: (من إماتة الحيوان)، بيانٌ لقوله: "'إزالة بهجته" أو "ما" في "ما به".
قوله: (ثم قال: (أَمْ حَسِبْتُ))، يعني: أن ذلك أعظمُ من قصة أصحاب الكهف، يعني: (أم): منقطعةٌ، والهمزة فيه للتعجب، يعني: يتعجب من قصة أصحاب الكهف ويتركُ ما سبق، والإنسانُ من عادته أن يتعجب من شيء قل إيناسه به، وإن كان الذي بحضرته أعجب منه، وتلخيص ما ذكره الإمام في هذا المعنى هو: أنه تعالى لما قال: (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا) أي: أخرجنا أنواع زخارف الأرض وزينتها، كما قال تعالى: (حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ) [يونس: ٢٤]، وأصناف المنافع الفائتة للحصر على طبائع مُتباعدة، وهيئاتٍ متخالفةٍ، من مادة واحدة، ابتلاء لبني آدم، قال بعده: (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ) أي: أحسبت أن أحوالهم كانت أعجب من آياتنا؟ فلا تحسبن ذلك، فإن آياتنا كلها أعجب، فإن من كان قادراً على خلق السماوات والأرض، ثم تزيين الأرض بأنواع المعادن والنبات والحيوان، ثم تقليبها (صَعِيداً جُرُزاً) كيف يُستبعد من قدرته ورحمته حفظُ طائفةٍ في النوم سنين متطاولة؟
وقال محيي السُّنة: (أَمْ حَسِبْتَ): أظننت يا محمد (أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً)، أي: هم عجبٌ من آياتنا. وقيل: معناه: ليسوا بأعجب من آياتنا، فإن ما خلقتُ من السماوات والأرض وما فيهن أعجبُ منهم.
стр. 4776
أصحاب الكهف وإبقاء حياتهم مدّة طويلة. و (الكهف): الغار الواسع في الجبل، (وَالرَّقِيمِ) اسم كلبهم. قال أمية ابن أبي الصلت:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقلتُ: تقريب هذين المعنيين إنما يظهر بتحقيق معنى الهمزة في "امْ"؛ لأنها منقطعةٌ متضمنة للهمزة و"بلْ"، كما قال الراغب: "أمْ"، إذا قُوبل به همزة الاستفهام، فمعناه: أي، نحو: أزيدٌ عندك أم عمروٌ، أي: أيهما؟ وإذا جُرد عن ذلك يقتضي معنى ألف الاستفهام مع "بل"، نحو: (أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمْ الأَبْصَارُ) [ص: ٦٣]، أي: بل زاغت. فإن حُملت على الإنكار أفاد النفي، أي: لا يُتعجب منه، وإن حُملت على التنبيه أفاد التقرير، أي: هم عجبٌ من آياتنا فاعلمه، ولعل هذا أقرب؛ لأن الإضراب عن الكلام الأول إنما يحسن إذا كان الكلام الثاني أغرب وأحسن ليحصل الترقي. وأيضاً، يقتضي المنكرُ أن يكون مقرراً عن السامع معلوماً عنده، وما لا يعلمه كيف يقال له: لا تتعجب منه؟ وكيف لا وإن هذا ابتداءُ إعلام من الله بقصتهم بشهادة سؤال المنكرين، وإمساك النبي ﷺ وانقطاع الوحي أربعين أو خمسة عشر يوماً، ثم نزول الآيات تصديقاً له؟ فالوجه أن يُجرى الكلامُ على التسلي والاستفهام على التنبيه.
ويقال: إنه ﷺ لما أخذه من الكآبة والسف من إباء القوم وامتناعهم عن الإيمان ما بلغ أن يبخع نفسه، قيل له: (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً)، وعلل ذلك بقوله: (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً)، أي: جعلنا ذلك لنختبرهم، وحين لم تتعلق إرادتنا بإيمانهم بها، تلهوا بها، وتشاغلوا عن آياتنا، وغفلوا عن شُكرها، وبدلوا الإيمان بالكفران، فلا تُبال بهم، فإنا لجاعلون أبدانهم جرزاً لأسيافكم، كما إنا لجاعلون ما عليها صعيداً جرزاً، ألا ترى إلى أولئك الفتيان
стр. 4777
وليس بها إلّا الرّقيم مجاورًا … وصيدهم والقوم في الكهف همّد
وقيل: هو لوح من رصاص رقمت فيه أسماؤهم، جعل على باب الكهف. وقيل: إن الناس رقموا حديثهم نقرا في الجبل. وقيل: هو الوادي الذي فيه الكهف. وقيل: الجبل. وقيل: قريتهم. وقيل: مكانهم بين غضبان وأيلة دون فلسطين (كانُوا) آية (عَجَباً) من آياتنا، وصفا بالمصدر، أو على: ذات عجب، (مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً) أي: رحمة من خزائن رحمتك، وهي المغفرة والرزق والأمن من الأعداء، (وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا) الذي نحن عليه من مفارقة الكفار، (رَشَداً) حتى نكون بسببه راشدين مهتدين، أو اجعل أمرنا رشدا كله، كقولك: رأيت منك أسدا، (فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كيف اهتدوا وفروا إلى الله وتركوا زينة الدنيا وزخرفها فأووا على الكهف قائلين: (رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً)، وكما تعلقت الإرادة بإرشادهم فاهتدوا، يتعلق بإرشاد قومٍ من أمتك: (يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) [المائدة: ٥٤]، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
قوله: (وليس بها إلا الرقيم) البيت، الوصيد: فناء البيت، وهو مفعول "مجاوراً"، يعني: أن أصحاب الكهف كانوا رقوداً في الغار وكلبهم مجاوراً لوصيدهم.
قوله: (أيلةَ): دون فلسطين. النهاية: أيلة- بفتح الهمزة وسكون الياء -: البلدُ المعروف فيما بين مصر والشام.
قوله: (أو: اجعل أمرنا رشداً كله، كقولك: رأيت منك أسداً)، (مِن) على الأول: صلة (َهَيِّئْ)، وعلى هذا بيان وتجريد، جرد من الأمر رشداً وهو الأمر بعينه مبالغةً في رشاده، ولهذا قال: رشداً كله.
стр. 4778
أي: ضربنا عليها حجابا من أن تسمع، يعنى: أنمناهم إنامة ثقيلة لا تنبههم فيها الأصوات، كما ترى المستثقل في نومه يصاح به فلا يسمع ولا يستنبه، فحذف المفعول الذي هو الحجاب. كما يقال: بني على امرأته، يريدون: بني عليها القبة، (سِنِينَ عَدَداً) ذوات عدد، فيحتمل أن يريد الكثرة وأن يريد القلة؛ لأن الكثير قليل عنده، كقوله: (لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ) (الأحقاف: ٣٥)، وقال الزجاج: إذا قل فهم مقدار عدده فلم يحتج أن يعدّ، وإذا كثر احتاج إلى أن يعد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أنمناهم إنامة ثقيلة)، يريد أن قوله تعالى: (فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ): كناية عن الإنامة الثقيلة: لأن المستثقل في نومه يُصاح به فلا يسمعُ، وإنما خُصت الآذان دون العيون، مع أن النوم يتعلق بها؛ لأن المراد المبالغة في النوم، فإن النائم في الأكثر يتنبه بسبب نُفوذ الصُّراخ في منفذ الصماخ.
قوله: (بني على امرأته)، الأساس: بني على أهله: دخل عليها، وأصله أن المُعرس أن يبني على أهله خباء.
قوله: (وقال الزجاج: إذا قل فُهِم مقدارُ عدده، فلم يحتج أن يُعد، وإذا كثُر احتاج إلى أن يُعد)، هذا مختصرٌ من كلامه، وكلامه أن (عَدَداً): منصوبٌ على ضربين، أحدهما: على المصدر، المعنى: يعد عدداً، ويجوز أن يكون نعتاً للسنين: والمعنى سنين ذات عدد، والفائدة في قولك: عددٌ في الأشياء المعدودات: أنك تريدُ توكيد كثرة الشيء؛ لأنه إذا قل فُهم مقدارُ عدده فلم يحتج إلى أن يُعد، وإذا كثُر يحتاج إلى أن يُعد، والعددُ في قولك: أقمت أياماً عدداً، تريد به الكثرة، وجائزٌ أن يؤد بعددٍ معنى الجماعة أنها قد خرجت من معنى الواحد.
وقلتُ: ويؤيده ما روينا عن البخاري ومسلم، عن عائشة ﵂ في حديث بدء
стр. 4779
[(ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً)].
(أَيُّ) يتضمن معنى الاستفهام، فعلق عنه (لِنَعْلَمَ) فلم يعمل فيه. وقرئ: (ليعلم) وهو معلق عنه أيضا؛ لأن ارتفاعه بالابتداء لا بإسناد «يعلم» إليه، وفاعل «يعلم» مضمون الجملة كما أنه مفعول «نعلم»، (أَيُّ الْحِزْبَيْنِ) المختلفين منهم في مدّة لبثهم؛ لأنهم لما انتبهوا اختلفوا في ذلك، وذلك قوله: (قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ) [الكهف: ١٩]، وكان الذين قالوا ربكم أعلم بما لبثتم: هم الذين علموا أن لبثهم قد تطاول، أو أي الحزبين المختلفين من غيرهم، و (أَحْصى) فعل ماض، أي: أيهم ضبط (أَمَداً) لأوقات
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الوحي: وكان يخلو بغارِ حراء فيتحنث فيه، وهو التعبد، الليالي ذوات العدد. الحديث، قيل: فيه نظرٌ؛ لأن العدد يعبر به عن القلة، كقوله تعالى: (دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ) [يوسف: ٢٠]، أي: قليلة تُعد عداً، ولأن الكثيرة يمنع من عدها كثرتها، فإنما تُهالُ هيلاً، أو تُكالُ كيلاً. وأجيب: بأن الكثرة والقلة بحسب اقتضاء المقام، فإن مقام التعجب من خرق العادة يقتضي الكثرة، على أن المراد بقوله: (سِنِينَ عَدَداً) [الكهف: ١١]، (ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً) [الكهف: ٢٥]، ومقام التهاون بيوسف والزهد في قيمته يقتضي القلة.
قوله: (أي الحزبين المختلفين)، الراغب: الحزب: جماعةٌ فيها غلظٌ، وحزبُ الشيطان. وقوله تعالى: (وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ) [الأحزاب: ٢٢] عبارة عن المجتمعين لمحاربة النبي ﷺ ، (فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْغَالِبُونَ).
قوله: ((أَحْصَى) فعلٌ ماض)، الراغب: الإحصاء: التحصيل بالعدد، يقال: أحصيت كذا، وذلك من لفظ الحصى، واستعمال ذلك فيه من حيثُ إنهم كانوا يعتمدونه بالعد كاعتمادنا
стр. 4780
لبثهم. فإن قلت: فما تقول فيمن جعله من (أفعل) التفضيل؟ قلت: ليس بالوجه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فيه على الأصابع. قال تعالى: (وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً) [الجن: ٢٨]، أي حصله وأحاط به. وفي الحديث: "من أحصاها دخل الجنة"، وفيه: "نفسٌ تنجيها خيرٌ لك من إمارة لا تحصيها"، وفيه: "استقيموا ولن تحصوا"، أي: لن تحصلوا ذلك، ووجه تعذر إحصائه وتحصيله: هو أن الحق واحدٌ والباطل كثيرٌ، بل الحق بالإضافة إلى الباطل كالنقطة بالإضافة إلى سائر أجزاء الدائرة، وكالمرمى من الهدف، فإصابة ذلك شديد.
وقال أبو البقاء: (أَيُّ الْحِزْبَيْنِ): مبتدأ، والخبر: (أَحْصَى)، و (أَمَداً): مفعوله: و (لِمَا لَبِثُوا): نعتٌ له، قُدم فصار حالاً أو مفعولاً له، أي: لأجل لُبثهم.
قوله: (فما تقول فيمن جعله من "أفعل" التفضيل؟ )، هذا السؤال وجوابه إشارة على ما ذهب إليه الزجاج في "تفسيره"، وما أورد عليه أبو علي في "الإغفال". قال الزجاج: الأمد: الغاية، وهو منصوبٌ، إما على التمييز أو على أنه مفعول (أَحْصَى)، كأنه قيل: لنعلَمَ أهؤلاءِ أحصى للأمد أو هؤلاء؟ أو يكون منصوباً بـ (لَبِثُوا)، و (لِمَا): متعلق بـ (أَحْصَى). المعنى: أي الحزبين أحصى للُبثهم في الأمد. وقال أبو علي: الحمل على التمييز عندي غير مستقيم؛ لأن (أَحْصَى) لا يجوز أن يكون أفعل التفضيل لأمرين، أحدهما: أن أفعل يفعل لا يُبنى منه أفْعِلْ من كذا. وأما قولهم: ما أولاه للخير وما أعطاه للدرهم! فمن الشاذ النادر الذي لا يُقاس عليه.
стр. 4781
السديد، وذلك أن بناءه من غير الثلاثي المجرّد ليس بقياس، ونحو: (أعدى من
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وثانيهما: أن التمييز في نحو: هو أكثرُ مالاً وأحسنُ وجهاً: فاعلٌ في المعنى، وإن كان منتصباً في اللفظ؛ لأن الوجه هو الذي حَسُنَ، والمال هو الذي كثر، ليس الأمد هو الذي أحصى. كذا ذكر ابن الحاجب في "الأمالي". وقال أبو علي: وفيه وجهٌ آخر لو جُوز حملُ (أَحْصَى) على أفعل التفضيل في الشذوذ، يكون (أَمَداً) منتصباً بفعل يدل عليه (أَحْصَى).
وقال صاحب "التقريب": التفضيلُ هو السابق إلى الفهم، والتقسيم غير منحصر، لجواز انتصابه تمييزاً (لِما)، والمعنى: أضبط للأمد الذي لبثوه.
وقال صاحب "الانتصاف": لقائل أن ينصبه تمييزاً لقوله: (وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً) [الجن: ٢٨]، وإن كانت (َأَحْصَى) هناك فعلاً، ويؤيده أن الواقعة في اختلاف الأحزاب مقدار اللبث، (إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً) فأمثلهم طريقة هو أحصاهم أمداً.
وقال صاحب "الإنصاف": لا بُعدَ فيما استبعده الزمخشري من إضمار فعلٍ من جنس أفعلَ، كقوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ) [النحل: ١٢٥] يحتاجُ إلى إضمار فعل آخر من جنس أفعل؛ إذ الإضافة مستحيلةٌ هناك، وللزمخشري أن يجيب بأن هناك بناء على ضرورة، ولا ضرورة هاهنا؛ ولذلك قال: "أبعدت المتناول وهو قريب".
قوله: (أن بناءه من غير الثلاثي المجرد ليس بقياس)، الانتصاف: جعل بعضُ النحاة بناء أفعل من المزيد فيه الهمزة قياساً، ونسبه إلى سيبويه، وعلله بأن بناءه منه لا يغير نظم الكلمة، إنما هو تعويض همزة بهمزة.
стр. 4782
الجرب)، و «أفلس من ابن المذلق» شاذ. والقياس على الشاذ في غير القرآن ممتنع، فكيف به؟ ولأن (أَمَداً) لا يخلو: إما أن ينتصب بـ (أفعل)، فـ (أفعل) لا يعمل، وإما أن ينصب بـ (لبثوا)، فلا يسدّ عليه المعنى. فإن زعمت أني
أنصبه بإضمار فعل يدل عليه (أحصى)، كما أضمر في قوله:
وأضرب منّا بالسّيوف القوانسا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وأفلس من ابن المذلق)، قال الميداني: يُروى بالدال والذال، وهو رجلٌ من بني عبد شمس، وأبوه وأجداده يعرفون بالإفلاس. قال الشاعر في أبيه:
فإنك إذ ترجو تميماً ونفعها … كراجي الندى والعُرف عند المذلق
قوله: (وإما أن يُنصب بـ (لْبَثُوا)، فلا يُسد عليه المعنى)، هو رد على الزجاج، أو يكون منصوباً بـ (لْبَثُوا) أي: أي الحزبين أحصى للبثهم في الأمد؟ لأن المعنى: أيكم أضبط للأمد الذي لبثوه؟ فالمحصي المد لا اللبث. وقيل: إنما لا يُسد عليه المعنى لأن "أمداً" معناه انتهاء المدة وغايتها، وليس المعنى على أنهم لبثوا انتهاء المدة، وفيه نظرٌ؛ لأن "الأمد" يُطلق على المدة كلها وعلى غايتها.
النهاية: قال الحجاج للحسن: ما أمدُك؟ قال: سنتان لخلافة عمر، وللإنسان أمدان: مولده وموته.
قوله: (فلا يُسد عليه) بفتح السين في النسخ. الجوهري: سد قوله يسد، بالكسر، أي: صار سديداً. الأساس: وسد الرجل يسد: صار سديداً، وسد قوله وأمره يسد، وأمره سديد، وقلت له سداداً من القول، وسدداً: صواباً.
قوله: (وأضرب منا بالسيوف القوانسا)، قبله:
ولم أر مثل الحي حياً مصبحاً … ولامثلنا يوم التقينا فوارسا
стр. 4783
على: نضرب القوانس، فقد أبعدت المتناول وهو قريب، حيث أبيت أن يكون (أحصى) فعلا، ثم رجعت مضطرا إلى تقديره وإضماره. فإن قلت: كيف جعل الله تعالى العلم بإحصائهم المدّة غرضا في الضرب على آذانهم؟ قلت: الله لم يزل عالما بذلك، وإنما أراد ما تعلق به العلم من ظهور الأمر لهم؛ ليزدادوا إيمانا واعتبارا، ويكون لطفا لمؤمني زمانهم، وآية بينة لكفاره.
[(نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً* وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً* هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأتُونَ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أكر وأحمى للحقيقة منهم … وأضرب منا بالسيوف القوانسا
المصبح: المغارُ عليه وقت الصبح، وحقيقة الرجل: ما لزمه الدفاع عنه من أهل لبيته، والقوانس: جمع قونس: وهو أعلى البيضة، مدح كلا الفريقين عدوهم ونفسهم، يقول: لم أر مُغارا عليهم كالذين صبحناهم، ولا مُغيرا مثلنا يوم لقيناهم.
قوله: (فقد أبعدت المتناول)، وهو انه منصوب بـ (أَحْصَى)؛ لأنك أثبت أولاً أنه منصوبٌ به، ثم يقدره بعد ارتكاب هذه التكاليف.
قوله: (وإنما أراد ما تعلق به العلمُ من ظهور الأمر لهم)، يعني: ضربنا على آذانهم ليظهر معلومُ العلم، وهو أيهم أحصى أمد لُبثهم، فالتعليلُ ليس لحصول العلم، بل لظهور المعلوم، يعني: كان هذا الأمر العجيب معلوماً لله تعالى في الأزل، فتعلقت إرادته بإظهاره للمكلفين ليتعجبوا منه ويعتبروا به، فيكون مزيداً لإيمانهم ولُطفاً لمؤمني زمانهم، بأن يستنوا بسنتهم، ودليلاً ظاهراً على وجود الصانع لكافريهم، فيستدلوا به ثم يؤمنوا.
стр. 4784
عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً)].
(وَزِدْناهُمْ هُدىً) بالتوفيق والتثبيت، (وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ) وقويناها بالصبر على هجر الأوطان والنعيم، والفرار بالدين إلى بعض الغيران، وجسرناهم على القيام بكلمة الحق والتظاهر بالإسلام (إِذْ قامُوا) بين يدي الجبار وهو دقيانوس، من غير مبالاة به حين عاتبهم على ترك عبادة الصنم، (فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ … شَطَطاً) قولا ذا شطط، وهو الإفراط في الظلم والإبعاد فيه، من: شط: إذا بعد. ومنه: أشط. في السوم وفي غيره، (هؤُلاءِ) مبتدأ، و (قَوْمُنَا)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ) وقويناها بالصبر)، الأساس: ربط الدابة: شدها بالرباط، والمربطُ هو الحبلُ، ومن المجاز: ربط الله على قلبه: صبره، ورجلٌ رابط الجأش، فالربط هنا تمثيل، ومعنى الاستعلاء في (على) المبالغة؛ لأن ربط يتعدى بنفسه، فجُعل بمنزلة اللازم، وعُدي بـ"على"، نحو قوله:
.. يجرح في عراقيبها نصلي
قوله: (ومنه: أشط في السوم)، الأساس: أشط في السوم واشتط، يقال: "لا وكس ولا شطط"، وأشط في الحكم، وأشطوا في طلبه: أمعنوا. الراغب: الشطط: الإفراطُ في البُعد، يقال شطت الدارُ، وأشط، يقال في المكان، وفي الحكم، وفي السوم، قال:
شط المزار بحزوى وانتهى الأمل
стр. 4785
عطف بيان (اتَّخَذُوا) خبر وهو إخبار في معنى إنكار، (لَوْلا يَاتُونَ عَلَيْهِمْ) هلا يأتون على عبادتهم، فحذف المضاف بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ وهو تبكيت، لأنّ الإتيان بالسلطان على عبادة الأوثان محال، وهو دليل على فساد التقليد، وأنه لا بد في الدين من الحجة حتى يصح ويثبت افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً بنسبة الشريك إليه.
[(وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ فَاوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً)].
(وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ) خطاب من بعضهم لبعض، حين صممت عزيمتهم على الفرار بدينهم (وَما يَعْبُدُونَ) نصب، عطف على الضمير، يعنى: وإذ اعتزلتموهم واعتزلتم معبوديهم (إِلَّا اللَّهَ) يجوز أن يكون استثناء متصلا، على ما روى: أنهم كانوا يقرون بالخالق ويشركون معه كما أهل مكة. وأن يكون منقطعا. وقيل: هو كلام معترض إخبار من الله تعالى عن الفئة أنهم لم يعبدوا غير الله،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وعُبر بالشطط عن الجورِ، قال تعالى: (لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً)، وشط النهر: حيث يبعُد عن الماء من حافته.
قوله: (وهو دليلٌ على فساد التقليد)، قال القاضي: وفيه دليلٌ على أن ما لا دليل عليه من الديانات مردودٌ، وأن التقليد فيه غير جائز.
قوله: ((إِلاَّ اللَّهُ) يجوز أن يكون استثناء متصلاً)، فـ (ما) في (مَا يَعْبُدُونَ): موصولة، و (إِلاَّ اللَّهُ): يجوزأن يكون استثناء متصلاً، و ((إِلاَّ اللَّهُ)) مستثني من (ما)، أو من العائد المحذوف.
قوله: (وقيل: هو كلامٌ معترض)، فالتقدير: وإذ اعتزلتموهم فأووا إلى الكهف،
стр. 4786
مِرفَقاً قرئ بفتح الميم وكسرها، وهو ما يرتفق به: أي ينتفع. إما أن يقولوا ذلك ثقة بفضل الله وقوّة في رجائهم لتوكلهم عليه ونصوع يقينهم. وإما أن يخبرهم به نبىّ في عصرهم، وإما أن يكون بعضهم نبياً.
[(وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً)].
(تَتَزاوَرُ) أي تمايل، أصله: تتزاور، فخفف بإدغام التاء في الزاي أو حذفها. وقد قرئ بهما. وقرئ: تزورّ. وتزوارّ: بوزن تحمرّ وتحمارّ، وكلها من الزور وهو الميل،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فاعترض بين الشرط والجزاء جملةٌ منفية مؤكدة لمعنى ما اعترضت فيه، وهو إخلاص العبادة لله تعالى.
قوله: ((مِرفَقاً) قرئ بفتح الميم وكسرها)، نافعٌ وابن عامرٍ: بفتح الميم وكسر الفاء، والباقون: بكسر الميم وفتح الفاء.
قوله: (ونصوع يقينهم)، الجوهري: الناصعُ: الخالص من كل شيء.
قوله: (وقد قرئ بهما، وقرئ: "تزور")، ابن عامرٍ: بإسكان الزاي وتشديد الراء، والكوفيون: بفتح الزاي مخففة، وألفٍ بعدها، والباقون: يشددون الزاي ويثبتون الألف.
قوله: (و"تزوارُّ")، قال ابن جني: قرأها الجحدري، وقلما جاءت "افعالَّ" إلا في الألوان، نحو: اسواد واحمار واصفار، أو العيوب الظاهرة نحو: احولَّ واحوالَّ، واعورَّ واعوارَّ، وقد جاءت افعالَّ وافعَلَّ، وهي مقصورةٌ من افعالَّ، في غير الألوان، قالوا:
стр. 4787
ومنه زاره إذا مال إليه. والزور: الميل عن الصدق (ذاتَ الْيَمِينِ) جهة اليمين. وحقيقتها. الجهة المسماة باليمين (تَقْرِضُهُمْ) تقطعهم لا تقربهم من معنى القطيعة والصرم. قال ذو الرمة:
إلى ظعن يقرضن أقواز مشرف … شمالاً وعن أيمانهنّ الفوارس
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ارعوى، وهو افعلَّ، واقتوى، أي: خدم وساس، من القتو، وهو الخدمة. وقالوا: اشعار رأسه، أي: تفرق شعره.
الراغب: الزور: أعلى الصدر، وزُرت فلاناً: تلقيته بزوري، أو قصدت زوره، نحو: وجهته، والزور: ميل في الزور، (تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ) أي: تميل، وقرئ: "تزور". قال أبوالحسن: لا معنى لـ"تزورُّ" هنا؛ لأن الازورار: الانقباضُ، وقيل للكذب: زورٌ لميله عن جهته.
وقوله: ((تَقْرِضُهُمْ) تقطعهم)، الراغب: القرضُ: ضربٌ من القطع، ويسمى قطع المكان وتجاوزه قرضاً، كما سُمي قطعاً. قال: (تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ) أي: تجوزهم، وسُمي ما يُدفع إلى الإنسان من المال بشرط رد بدله قرضاً، وسُمي المفاوضة في الشعر مقارضة، والقرضُ للشعر مستعارٌ استعارة النسج والحوك.
قوله: (إلى ظُعُنٍ)، وقبله:
نظرت بجرعاء السبية نظرة … ضُحى وسوادُ العين في الماء شامس
إلى ظُعن يقرضن أقواز مشرفٍ … شمالاً، وعن أيمانهن الفوارس
стр. 4788
(وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ) وهم في متسع من الكهف. والمعنى أنهم في ظل نهارهم كله لا تصيبهم الشمس في طلوعها ولا غروبها، مع أنهم في مكان واسع منفتح معرّض لإصابة الشمس لولا أنّ الله يحجبها عنهم. وقيل: في متفسح من غارهم ينالهم فيه روح الهواء وبرد النسيم ولا يحسبون كرب الغار (ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ) أي ما صنعه الله بهم - من ازورار الشمس وقرضها طالعة وغاربة - آية من آياته، يعنى: أنّ ما كان في ذلك السمت تصيبه الشمس ولا تصيبهم، اختصاصا لهم بالكرامة. وقيل: باب الكهف شمالي مستقبل لبنات نعش، فهم في مقنأة أبداً. ومعنى ذلِكَ (مِنْ آياتِ اللَّهِ): أنّ شأنهم وحديثهم من آيات الله، (مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ) ثناء عليهم بأنهم جاهدوا في الله وأسلموا له وجوههم، فلطف بهم وأعانهم، وأرشدهم إلى نيل تلك الكرامة السنية والاختصاص بالآية العظيمة، وأن كل من سلك طريقة المهتدين الراشدين فهو الذي أصاب الفلاح، واهتدى إلى السعادة، ومن تعرّض للخذلان، فلن يجد من يليه ويرشده بعد خذلان الله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الجرعاء: الرملة لا تنبت، والسبية: المرأة تُسبي. شامسٌ: من شمس الفرس شماسا، أي: منع ظهره، شبه كلال العين بشماس الفرس. الظُّعُن: النساء في الهودج. الأقوازُ: جمعُ قوز، وهو الكثيبُ، مشرفٌ: رملٌ معروفٌ، وكذا الفوارس: علمُ أرمالٍ معروفةٍ بالدهناء، ويمكنُ أن يكون مع فرسان. يقول: نظرتُ إلى ظُعُنٍ يقطعن الأرض في السير بحيثُ كانت الأقواز عن شمالهن وعن أيمانهن الفوارس تحميهن.
قوله: (في متسع من الكهف)، الراغب: (فِي فَجْوَةٍ)، أي: ساحة واسعة، ومنه: قوسٌ فجاءٌ وفجواءُ: بان وترُها عن كبدها، ورجلٌ أفجي: بينُ الفجا، أي: متباعد ما بين العرقوبين.
قوله: (فهم في مقنأة أبداً)، الجوهري: مقنأة: نقيضُ مضحاة، يُهمز ولا يهمز.
قوله: (وان كل من سلك طريقة المهتدين)، يريد أن قوله: (مَنْ يَهْدِ اللَّهُ) الآية، كالتذييل
стр. 4789
[(وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً)].
(وَتَحْسَبُهُمْ) بكسر السين وفتحها: خطاب لكل أحد. والأيقاظ: جمع يقظ، كأنكاد في نكد. قيل: عيونهم مفتحة وهم نيام، فيحسبهم الناظر لذلك أيقاظا. وقيل: لكثرة تقلبهم وقيل: لهم تقلبتان في السنة. وقيل: تقلبة واحدة في يوم عاشوراء.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
للكلام السابق، وجيء به عاماً في كل من سلك طريق المهديين، ومن تعرض للخذلان ليدخل فيه هؤلاء دخولاً أولياً فيكون ثناءً عليهم بأبلغ وجه، كلامٌ حسنٌ، لكن فهي اعتزالٌ خفيٌّ خفي على صاحب "الانتصاف"؛ حيثُ نسبهُ إلى أفعالهم، فهلا حمله على فعل الله تعالى لينظر إلى بيان إرادة الله تعالى ومشيئته واختصاصهم بهذ الكرامة السنية، وتحريم غيرهم عنها، فيكون تذييلاً لقوله: (وَزِدْنَاهُمْ هُدًى) لقوله: (وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ)؛ فيكون ثناء على الله تعالى. وفي تكرير أمر واحد في الشرط والجزاء في الموضعين للدلالة على ما قررناه. وأيضاً، لو أريد مدحهم لاكتفى بقوله: (مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي) فحسب، قال القاضي: المرادُ به إما الثناء عليهم أو التنبيه على أن أمثال هذه الآيات كثيرة، ولكن المنتفع بها من وفقه الله للتأمل والاستبصار.
قوله: ((وَتَحْسَبُهُمْ)، بكسر السين): نافعٌ وابن كثير وأبو عمرو والكسائي.
قوله: (وقيل: لكثرة تقلبهم)، روى الإمام عن الزجاج: لكثرة تقلبهم فظُنَّ أنهم أيقاظٌ، والدليل عليه قوله: (وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ). وقلتُ: على هذا يجوز
стр. 4790
وقرئ: (ويقلبهم) بالياء والضمير لله تعالى. وقرئ: وتقلبهم، على المصدر منصوبا، وانتصابه بفعل مضمر يدل عليه (وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً) كأنه قيل: وترى وتشاهد تقلبهم. وقرأ جعفر الصادق: وكالبهم أي وصاحب كلبهم باسِطٌ ذِراعَيْهِ حكاية حال ماضية، لأنّ اسم الفاعل لا يعمل إذا كان في معنى المضي، وإضافته إذا أضيف حقيقية معرفة، كغلام زيد، إلا إذا نويت حكاية الحال الماضية. والوصيد: الفناء، وقيل: العتبة. وقيل: الباب. وأنشد:
بأرض فضاء لا يسدّ وصيدها … علىّ ومعروفى بها غير منكر
وقرئ: (ولملئت) بتشديد اللام للمبالغة. وقرئ بتخفيف الهمزة وقلبها ياء.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أن تكون الواو في: (وَنُقَلِّبُهُمْ) للحال أيضاً بخلاف الأول.
قوله: (وقرئ: "وتقلبهم"). قال ابن جني: وهي قراءة الحسن، كأنه قال: وترى أو تُشاهدُ تقلبهم.
قوله: (بأرض فضاءٍ)، البيت. قيل: يصف حاله في البدو، أي: ضيافتي في البدو مشهورةٌ. وقيل: نزلنا بأرض فضاءٍ لا يُسد بابها عليَّ، وعرفان الناس إياي بهذه الأرض غير منكرٍ عندهم. و"لا يُسد وصيدها": من قولهم:
لا ترى الضب بها ينجحر
قوله: ("ولمُلئتَ"، بتشديد اللام): نافعٌ وابن كثير، وبتخفيف الهمزة: أبو عمرو، و (رُعْباً)، بالتثقيل: ابن عامرٍ والكسائي، والباقون بالتخفيف.
стр. 4791
و (رُعْباً) بالتخفيف والتثقيل، وهو الخوف الذي يرعب الصدر أي يملؤه، وذلك لما ألبسهم الله من الهيبة. وقيل: لطول أظفارهم وشعورهم وعظم أجرامهم. وقيل: لوحشة مكانهم. وعن معاوية أنه غزا الروم فمرّ بالكهف فقال: وكشف لنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم، فقال له ابن عباس ﵁: ليس لك ذلك، قد منع الله تعالى منه من هو خير منك فقال: (لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً) فقال معاوية، لا أنتهي حتى أعلم علمهم، فبعث ناسا وقال لهم: اذهبوا فانظروا، ففعلوا، فلما دخلوا الكهف بعث الله عليهم ريحا فأحرقتهم. وقرئ: لو اطلعت، بضم الواو.
[(وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ لِيَتَسائَلُوا بَيْنَهُمْ قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً فَلْيَاتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً* إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً)].
(وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ) وكما أنمناهم تلك النومة كذلك بعثناهم، إذكارًا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الراغب: الرعبُ: الانقطاع من امتلاء الخوف، يقال: رعبته فرعب رُعباً فهو رعِبٌ، والترعابة: الفروق. قال تعالى: (وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ) [الأحزاب: ٢٦]، (وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً)، ولتصور الامتلاء منه قيل: رعبت الحوض: ملأته، وسيل راعبٌ: يملأُ الوادي، وباعتبار القطع قيل: رعبت السنام: قطعته.
قوله: ((وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ)، إذكاراً). الراغب: أصل البعث إثارة الشيء وتوجيهه، يقال: بعثته فانبعث، والبعث ضربان: إلهيٌّ، وهو أنواع، أحدها: إيجاد الأعيان والأجناس والأنواع عن العدم. وثانيها: بعث الموتى، قال تعالى: (وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمْ اللَّهُ)
стр. 4792
بقدرته على الإنامة والبعث جميعا، ليسأل بعضهم بعضا ويعرفوا حالهم وما صنع الله بهم، فيعتبروا ويستدلوا على عظم قدرة الله تعالى ويزدادوا يقينا، ويشكروا ما أنعم الله به عليهم وكرموا به (قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) جواب مبنى على غالب الظن. وفيه دليل على جواز الاجتهاد والقول بالظن الغالب، وأنه لا يكون كذبا وإن جاز أن يكون خطأ (قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ) إنكار عليهم من بعضهم، وأن الله أعلم بمدّة لبثهم، كأنّ هؤلاء قد علموا بالأدلة أو بإلهام من الله أنّ المدة متطاولة، وأنّ مقدارها مبهم لا يعلمه إلا الله. وروى أنهم دخلوا الكهف غدوة وكان انتباههم بعد الزوال، فظنوا أنهم في يومهم، فلما نظروا إلى طول أظفارهم وأشعارهم قالوا ذلك. فإن قلت: كيف وصلوا قولهم: (فَابْعَثُوا) بتذاكر حديث المدة؟ قلت: كأنهم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[الأنعام: ٣٦]، أي: يخرجهم وينشرهم. وثالثها: بعثة الرسل لإرشاد الخلق وتكميل الناقصين. ورابعها: الإلهام، قال تعالى: (فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ) [المائدة: ٣١]. وخامسها: مُشابه لبعث الموتى، قال تعالى: (بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى) [الكهف: ١٢]. والضرب الثاني: بشريٌّ، نحو قولهم: بعثتُ زيداً في حاجة فلان، وبعثتُ الجيش والبعوث، وبعثتُ البعير: أثرته وسيرته.
قوله: (كيف وصلوا قولهم: (فَابْعَثُوا) بتذاكر حديث المدة)، يعني: ما المناسبة بين قوله: (قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) وبين قوله: (فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ)؟ وأجاب: أنه من باب الأسلوب الحكيم، كقوله:
أتت تشتكي عندي مزاولة القرى … وقد رأت الضيفان ينحون منزلي
فقلت كأني ما سمعت كلامها: … هم الضيف جدي في قراهم وعجلي
قال القاضي: وقيل: إنهم دخلوا الكهف غدوة وانتبهوا ظهيرة وظنوا أنهم في يومهم،
стр. 4793
قالوا: ربكم أعلم بذلك، لا طريق لكم إلى علمه، فخذوا في شيء آخر مما يهمكم. والورق: الفضة، مضروبة كانت أو غير مضروبة. ومنه الحديث أنّ عرفجة أصيب أنفه يوم الكلاب فاتخذ أنفا من ورق فأنتن، فأمره رسول الله ﷺ أن يتخذ أنفا من ذهب. وقرئ: بورقكم، بسكون الراء والواو مفتوحة أو مكسورة. وقرأ ابن كثير: (بورقكم) بكسر الراء وإدغام القاف في الكاف. وعن ابن محيصن أنه كسر الواو وأسكن الراء وأدغم، وهذا غير جائز لالتقاء الساكنين لا على حده. وقيل: المدينة طرسوس. قالوا: وتزوّدهم ما كان معهم من الورق عند فرارهم: دليل على أنّ حمل النفقة وما يصلح المسافر هو رأى المتوكلين على الله، دون المتكلين على الاتفاقات وعلى ما في أوعية القوم من النفقات. ومنه قول عائشة ﵂ لمن سألها عن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قالوا ذلك فلما نظروا إلى طُولِ أظفارهم وأشعارهم قالوا هذا، ثم لما علموا أن الأمر مُلتبسٌ لا طريق لهم إلى علمه أخذوا فيما يهمهم وقالوا: (فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ).
قوله: (يوم الكلاب)، النهاية: الكلابُ، بالضم والتخفيف: اسم ماءٍ، وكان به يومٌ معروف من أيام العرب، قال ابن عبد البر في "الاستيعاب": هو عرفجة بن أسعد بن صفوان التميمي، أصيب أنفه يوم الكُلاب في الجاهلية، فاتخذ أنفاً من ورق فأنتن، فأمره رسول الله ﷺ أن يتخذ أنفاً من ذهب.
قوله: (وقرئ: "بورقكم")، أبو بكر وأبو عمرو وحمزة: بإسكان الراء، والباقون: بكسرها.
стр. 4794
محرم يشدّ عليه هميانه: أوثق عليك نفقتك. وما حكي عن بعض صعاليك العلماء» أنه كان شديد الحنين إلى أن يرزق حج بيت الله، وتعولم منه ذلك، فكانت مياسير أهل بلده كلما عزم منهم فوج على حج أتوه فبذلوا له أن يحجوا به وألحوا عليه، فيعتذر إليهم ويحمد إليهم بذلهم، فإذا انفضوا عنه قال لمن عنده: ما لهذا السفر إلا شيئان: شدّ الهميان، والتوكل على الرحمن (أَيُّها) أيّ أهلها، فحذف الأهل كما في قوله: (وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ) [يوسف: ٨٢]، (أَزْكى طَعاماً) أحلّ وأطيب وأكثر وأرخص، (وَلْيَتَلَطَّفْ) وليتكلف اللطف والنيقة فيما يباشره من أمر المبايعة حتى لا يغبن. أو في أمر التخفي حتى لا يعرف (وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً) يعني: ولا يفعلنّ ما يؤدى من غير قصد منه إلى الشعور بنا، فسمى ذلك إشعارا منه بهم، لأنه سبب فيه الضمير في (إِنَّهُمْ) راجع إلى الأهل المقدر في (أَيُّها). (يَرْجُمُوكُمْ) يقتلوكم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أوثق عليك نفقتك)، من الأسلوب الحكيم، أي: لا شك في جوازه، وإنما الذي يهمك هو هذا.
قوله: ((أَزْكَى طَعَاماً): أحل وأطيب)، الراغب: أصل الزكاة النمو الحاصل من بركة الله تعالى، ويعتبر ذلك بالأمور الدنيوية والأخروية، يقال: زكا الزرع يزكو: إذا حصل منه نمو وبركة. وقوله: (فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَاماً) إشارةٌ إلى حلال لا يستوخم عقباه. ومنه الزكاة يخرجها الإنسان إلى الفقراء لما فيها من رجاء البركة، أو لتزكية النفس، أي: تنميتها بالخيرات والبركات، أو لهما جميعاً، فإن الخيرين موجودان فيها.
قوله: (والنيقة). الأساس: تنوق في الأمر، وفلان له نيقة، ومن المجاز: تأنق فيعمله، وفي كلامه: أي: فعل فعل المتأنق.
قوله: ((وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً)) من باب قولهم: لا أرينك هاهنا، ولهذا قال: "ولا يفعلن ما يؤدي من غير قصدٍ منه إلى الشعور".
стр. 4795
أخبث القتلة وهي الرجم، وكانت عادتهم (أَوْ يُعِيدُوكُمْ) أو يدخلوكم (فِي مِلَّتِهِمْ) بالإكراه العنيف ويصيروكم إليها. والعود في معنى الصيرورة أكثر شيء في كلامهم، يقولون: ما عدت أفعل كذا. يريدون ابتداء الفعل (وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً) إن دخلتم في دينهم.
[(وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً)].
(وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ) وكما أنمناهم وبعثناهم، لما في ذلك من الحكمة أطلعنا عليهم، ليعلم الذين أطلعناهم على حالهم أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وهو البعث، لأن حالهم في نومتهم وانتباهتهم بعدها كحال من يموت ثم يبعث. (وإِذْ يَتَنازَعُونَ) متعلق بـ (أعثرنا). أي: أعثرناهم عليهم حين يتنازعون بينهم أمر دينهم ويختلفون في حقيقة البعث، فكان بعضهم يقول: تبعث الأرواح دون الأجساد. وبعضهم يقول: تبعث الأجساد مع الأرواح، ليرتفع الخلاف، وليتبين أنّ الأجساد تبعث حية حساسة فيها أرواحها كما كانت قبل الموت فَقالُوا حين توفى الله أصحاب الكهف (ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً) أي على يأب كهفهم. لئلا يتطرّق إليهم الناس ضنا بتربتهم ومحافظة عليها كما حفظت تربة رسول الله ﷺ بالحظيرة (قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ) من المسلمين وملكهم وكانوا أولى بهم وبالبناء عليهم (لَنَتَّخِذَنَّ) على باب الكهف،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وكما أنمناهم وبعثناهم … اطلعنا عليهم)، يعني: المشار إليه بقوله: (وَكَذَلِكَ) ما سبق من الإنامة والبعث، وهو المشبه به، والمشبه: إطلاع الناس عليهما، ووجه التشبيه: ما اشتملا عليه من الحكمة، وفائدتها: حصول اليقين لمن يشك في البعث وفي (أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ).
قوله: (وكانوا أولى بهم وبالبناء عليهم)، هو: حالٌ من فاعل (غَلَبُوا)؛ لأن القوم لما
стр. 4796
(مَسْجِداً) يصلي فيه المسلمون ويتبركون بمكانهم. وقيل: إذ يتنازعون بينهم أمرهم أي: يتذاكر الناس بينهم أمر أصحاب الكهف، ويتكلمون في قصتهم وما أظهر الله من الآية فيهم. أو يتنازعون بينهم تدبير أمرهم حين توفوا، كيف يخفون مكانهم؟ وكيف يسدّون الطريق إليهم، فقالوا: ابنوا على باب كهفهم بنيانا. روى أن أهل الإنجيل عظمت فيهم الخطايا وطغت ملوكهم حتى عبدوا الأصنام وأكرهوا على عبادتها، وممن شدد في ذلك دقيانوس، فأراد فتية من أشراف قومه على الشرك وتوعدهم بالقتل، فأبوا إلا الثبات على الإيمان والتصلب فيه، ثم هربوا إلى الكهف ومرّوا بكلب فتبعهم فطردوه، فأنطقه الله فقال: ما تريدون منى، أنا أحبّ أحباء الله،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تنازعوا في أمر دينهم، وعرفوا حقيقة الحال، فمن غالب صاحبه في النزاع، وأن البعث لابد منه، هو أولى من الآخر في اتخذا المسجد، وإيثار مكان أصحاب الكهف لتعبده.
الأساس: تغالبوا على البلد، وغلبته على الشيء: أخذته منه، و"أيغلب أحدكم أن يُصاحب الناس معروفاً؟ " بمعنى: أيعجز.
قوله: (وقيل: (إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ))، اعلم أن الأمر في قوله تعالى: (إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ) هو الأمر من واحد الأمور والشؤون، ثم لا يخلو الضمير المضاف إليه: غما أن يكون للقوم فيُقدر مضافٌ آخر؛ ليكون الحديث في تدبير أمر دينهم، وهو المراد من قوله: (يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ) أمر دينهم، فالفاء في قوله: (فَقَالُوا): فصيحةٌ، فإن القوم لما فرغوا من أمر حقيقة البعث، وتيقنوا أن لابد منه، فآمنوا، ثم اهتموا بشأن أولئك الأصحاب، وتشاوروا فيه فقالوا: (ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَاناً) كما سبق.
أو الضميرُ لأصحاب الكهف، فالكلام حينئذ من ابتدائه في شأنهم، وهو: إما في كون
стр. 4797
فناموا وأنا أحرسكم. وقيل: مرّوا براع معه كلب فتبعهم على دينهم، ودخلوا الكهف فكانوا يعبدون الله فيه، ثم ضرب الله على آذانهم، وقيل أن يبعثهم الله ملك مدينتهم رجل صالح مؤمن. وقد اختلف أهل مملكته في البعث معترفين وجاحدين، فدخل الملك بيته وأغلق بابه ولبس مسحا وجلس على رماد، وسأل ربه أن يبين لهم الحق، فألقى الله في نفس رجل من رعيانهم فهدم ما سدّ به فم الكهف ليتخذه حظيرة لغنمه، ولما دخل المدينة من بعثوه لابتياع الطعام وأخرج الورق وكان من ضرب دقيانوس: اتهموه بأنه وجد كنزا، فذهبوا به إلى الملك فقصّ عليه القصة، فانطلق الملك وأهل المدينة معه وأبصروهم، وحمدوا الله على الآية الدالة على البعث، ثم قالت الفتية للملك: نستودعك الله ونعيذك به من شرّ الجنّ والإنس، ثم رجعوا إلى مضاجعهم وتوفى الله أنفسهم، فألقى الملك عليهم ثيابه، وأمر فجعل لكل واحد تابوت من ذهب، فرآهم في المنام كارهين للذهب، فجعلها من الساج، وبنى على باب الكهف مسجدا. رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ من كلام المتنازعين، كأنهم تذاكروا أمرهم وتناقلوا الكلام في أنسابهم وأحوالهم ومدة لبثهم، فلما لم يهتدوا إلى حقيقة ذلك قالوا: ربهم أعلم بهم. أو هو من كلام الله ردّ لقول الخائضين في حديثهم من أولئك المتنازعين، أو من الذين تنازعوا فيهم على عهد رسول الله ﷺ من أهل الكتاب.
[(سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِراءً ظاهِراً وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً)].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ذلك آية من آيات الله، فمعنى الفاء: ما سبق، أو: كيف يدبروا أمر الأصحاب، وكيف تجهيزهم؟ فالفاء حينئذٍ: تعقيبٌ أو تسبيبٌ عن قوله: (إِذْ يَتَنَازَعُونَ)؛ لأن قوله: (فَقَالُوا) نتيجة لما دبروا في شأنهم واتفاق حتى ذلك بعد الاختلاف فيه.
قوله: (فناموا): أمرٌ بالنوم.
стр. 4798
(سَيَقُولُونَ) الضمير لمن خاض في قصتهم في زمن رسول الله ﷺ من أهل الكتاب والمؤمنين، سألوا رسول الله ﷺ عنهم فأخر الجواب إلى أن يوحى إليه فيهم، فنزلت إخبارا بما سيجرى بينهم من اختلافهم في عددهم، وأنّ المصيب منهم من يقول سبعة وثامنهم كلبهم. قال ابن عباس رضى الله عنه: أنا من أولئك القليل. وروى أن السيد والعاقب وأصحابهما من أهل نجران كانوا عند النبي ﷺ ، فجرى ذكر أصحاب الكهف، فقال السيد وكان يعقوبيا: كانوا ثلاثة رابعهم كلبهم. وقال العاقب وكان نسطوريا:
كانوا خمسة سادسهم كلبهم. وقال المسلمون: كانوا سبعة وثامنهم كلبهم، فحقق الله قول المسلمين.
وإنما عرفوا ذلك بإخبار رسول الله ﷺ عن لسان جبريل ﵇. وعن عليّ ﵁: هم سبعة نفر أسماؤهم: يمليخا، ومكشليتيا، ومشلينيا: هؤلاء أصحاب يمين الملك، وكان عن يساره: مرنوش، ودبرنوش، وشادنوش. وكان يستشير هؤلاء الستة في أمره. والسابع: الراعي الذي وافقهم حين هربوا من ملكهم دقيانوس. واسم مدينتهم: أفسوس. واسم كلبهم: قطمير.
فإن قلت: لم جاء بسين الاستقبال في الأوّل دون الآخرين؟ قلت: فيه وجهان: أن تدخل الآخرين في حكم السين، كما تقول: قد أكرم وأنعم، تريد معنى التوقع في الفعلين جميعا، وأن تريد بيفعل معنى الاستقبال الذي هو صالح له (رَجْماً
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أن تُدخل الآخرين في حكم السين)، قال صاحب "الفرائد": الواو لما كان لمطلق الجمع، كان (سَيَقُولُونَ) و (يَقُولُونَ) في حُم: ستحصل الأقوال منهم، ألا ترى أنك تقول: جاءني الزيدان، وجاءني زيدٌ وعمرو، ولا فرق في المعنى؟ إلا أن زيداً وعمراً لا يمكن جمعهما بلفظٍ واحد، كما أمكن زيدٌ وزيد. فجيء بواو العطف لذلك، فعلى هذا لو قيل: (سَيَقُولُونَ) بعد (سَيَقُولُونَ) كان تكراراً لما يدل على الاستقبال.
قوله: (وأن تُريد بـ "يفعلُ" معنى الاستقبال) أي: يفعلُ: مشتركٌ بين الحاضر
стр. 4799
بِالْغَيْبِ) رمياً بالخبر الخفي وإتياناً به كقوله: (وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ) [سبأ: ٥٣]، أي يأتون به. أو وضع الرجم موضع الظنّ، فكأنه قيل: ظنا بالغيب، لأنهم أكثروا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والاستقبال، والسينُ قرينةٌ مخصصةٌ له، تخصص الأول به، والآخران مخصصهما صلاحيتهما له بواسطة قرينة المقام.
قوله: (كقوله: (وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ) [سبأ: ٥٣]، أي هو استعارة مثله. قال صاحب "الفرائد": معنى (رَجْماً بِالْغَيْبِ) رميٌ بالغائب عن علمه عن الذهن، وهو من قبيل تشبيه المعقول بالمحسوس، شبه إخراج الكلام عن الذهن بإخراج السهم عن القوس، ويدل عليه قوله: رجم بالظن، مكان قولهم: ظن، والمراد بالظن هاهنا المظنون، كأنهم قالوا: رمى عن ذهنه بما كان غائباً عن علمه حاضراً في ذهنه، تكلم بما ليس بمعلوم.
وقلت: بل شبه إيراد الكلام- الذي لم يخرج عن طمأنينة قلب، بلعن قلق واضطراب؛ لأن معرفة علم الغيب مختصة بالله - بقذف الحجر الذي يقذفه القاذف، فإن الحجر قلما يُصيب الغرض إصابة السهم المستوي، ولهذا قيل: (رَجْماً)، ولم يُقل: رمياً بالغيب، ثم استعير لجانب المشبه لفظ الرجم، فهو استعارةٌ مصرة بحقيقته؛ لأن المشبه المتروك عقلي؛ وإنما يصح تشبهي قوله: (رَجْماً بِالْغَيْبِ) بقوله: (وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ) إذا اجتمعا في معنى القذف لا الرمي.
الراغب: الرجامُ: الحجارة، والرجم: الرمي بها، ويستعارُ الرجم للرمي بالظن والتوهم، نحو: (رَجْماً بِالْغَيْبِ)، وللشتم والطرد، نحو: (لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً) [مريم: ٤٦]، أي: لأقولن فيك ما تكره، والشيطان رجيمٌ، مطرودٌ عن الخيرات، وعن منازل الملأ الأعلى، وقال في الشهب: (رُجُوماً لِلشَّيَاطِينِ) [الملك: ٥]، والمراجمة: المسابة الشديدة: استعارة، كالمقاذفة.
قوله: (أو وُضع "الرجمُ" موضع "الظن")، أي: صُيرَ حقيقة عرفية بعد الاستعارة، فاستعمل حقيقة فيه، كالألفاظ المترادفة.
стр. 4800
أن يقولوا رجم بالظنّ مكان قولهم ظنّ، حتى لم يبق عندهم فرق بين العبارتين. ألا ترى إلى قول زهير:
وما هو عنها بالحديث المرجّم
أي المظنون. وقرئ: (ثلاتّ رابعهم) بإدغام الثاء في تاء التأنيث. و (ثَلاثَةٌ) خبر مبتدأٍ محذوف، أي: هم ثلاثة. وكذلك (خَمْسَةٌ) و (سَبْعَةٌ) و (رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ) جملة من مبتدأٍ وخبرٍ واقعة صفة لـ (ثلاثة)، وكذلك (سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ)، (وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ).
فإن قلت: فما هذه الواو الداخلة على الجملة الثالثة، ولم دخلت عليها دون الأوّلين؟ قلت: هي الواو التي تدخل على الجملة الواقعة صفة للنكرة، كما تدخل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وما هو عنها بالحديث المُرجم)، صدره من رواية الزجاج:
وما الحربُ إلا ما علمتم وذقتم
يقول: ليست الحرب إلا ماعلمتوها، وما هذا الذي أقولُ بحديث مُرجم محكوم عليه بالظن.
قوله: (هي الواو التي تدخل على الجملة الواقعة صفة للنكرة) إلى آخره. قال صاحب "الانتصاف": هذا هو الصواب، لا كمن يزعم أنها واو الثمانية، ويضيف إليها: (وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا) [الزمر: ٧٣] في الجنة؛ إذ أبوابها ثمانية، وعدوا منه (وَالنَّاهُونَ عَنْ الْمُنكَرِ) [التوبة: ١١٢] في "التوبة"، وهو الثامن من قوله: (التَّائِبُونَ)، فهب أن في اللغة واواً
следующие страницы →