Полный текст (9 345 стр.). Показаны 4796–4835 · переход к 4801.
стр. 4796
(مَسْجِداً) يصلي فيه المسلمون ويتبركون بمكانهم. وقيل: إذ يتنازعون بينهم أمرهم أي: يتذاكر الناس بينهم أمر أصحاب الكهف، ويتكلمون في قصتهم وما أظهر الله من الآية فيهم. أو يتنازعون بينهم تدبير أمرهم حين توفوا، كيف يخفون مكانهم؟ وكيف يسدّون الطريق إليهم، فقالوا: ابنوا على باب كهفهم بنيانا. روى أن أهل الإنجيل عظمت فيهم الخطايا وطغت ملوكهم حتى عبدوا الأصنام وأكرهوا على عبادتها، وممن شدد في ذلك دقيانوس، فأراد فتية من أشراف قومه على الشرك وتوعدهم بالقتل، فأبوا إلا الثبات على الإيمان والتصلب فيه، ثم هربوا إلى الكهف ومرّوا بكلب فتبعهم فطردوه، فأنطقه الله فقال: ما تريدون منى، أنا أحبّ أحباء الله،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تنازعوا في أمر دينهم، وعرفوا حقيقة الحال، فمن غالب صاحبه في النزاع، وأن البعث لابد منه، هو أولى من الآخر في اتخذا المسجد، وإيثار مكان أصحاب الكهف لتعبده.
الأساس: تغالبوا على البلد، وغلبته على الشيء: أخذته منه، و"أيغلب أحدكم أن يُصاحب الناس معروفاً؟ " بمعنى: أيعجز.
قوله: (وقيل: (إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ))، اعلم أن الأمر في قوله تعالى: (إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ) هو الأمر من واحد الأمور والشؤون، ثم لا يخلو الضمير المضاف إليه: غما أن يكون للقوم فيُقدر مضافٌ آخر؛ ليكون الحديث في تدبير أمر دينهم، وهو المراد من قوله: (يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ) أمر دينهم، فالفاء في قوله: (فَقَالُوا): فصيحةٌ، فإن القوم لما فرغوا من أمر حقيقة البعث، وتيقنوا أن لابد منه، فآمنوا، ثم اهتموا بشأن أولئك الأصحاب، وتشاوروا فيه فقالوا: (ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَاناً) كما سبق.
أو الضميرُ لأصحاب الكهف، فالكلام حينئذ من ابتدائه في شأنهم، وهو: إما في كون
стр. 4797
فناموا وأنا أحرسكم. وقيل: مرّوا براع معه كلب فتبعهم على دينهم، ودخلوا الكهف فكانوا يعبدون الله فيه، ثم ضرب الله على آذانهم، وقيل أن يبعثهم الله ملك مدينتهم رجل صالح مؤمن. وقد اختلف أهل مملكته في البعث معترفين وجاحدين، فدخل الملك بيته وأغلق بابه ولبس مسحا وجلس على رماد، وسأل ربه أن يبين لهم الحق، فألقى الله في نفس رجل من رعيانهم فهدم ما سدّ به فم الكهف ليتخذه حظيرة لغنمه، ولما دخل المدينة من بعثوه لابتياع الطعام وأخرج الورق وكان من ضرب دقيانوس: اتهموه بأنه وجد كنزا، فذهبوا به إلى الملك فقصّ عليه القصة، فانطلق الملك وأهل المدينة معه وأبصروهم، وحمدوا الله على الآية الدالة على البعث، ثم قالت الفتية للملك: نستودعك الله ونعيذك به من شرّ الجنّ والإنس، ثم رجعوا إلى مضاجعهم وتوفى الله أنفسهم، فألقى الملك عليهم ثيابه، وأمر فجعل لكل واحد تابوت من ذهب، فرآهم في المنام كارهين للذهب، فجعلها من الساج، وبنى على باب الكهف مسجدا. رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ من كلام المتنازعين، كأنهم تذاكروا أمرهم وتناقلوا الكلام في أنسابهم وأحوالهم ومدة لبثهم، فلما لم يهتدوا إلى حقيقة ذلك قالوا: ربهم أعلم بهم. أو هو من كلام الله ردّ لقول الخائضين في حديثهم من أولئك المتنازعين، أو من الذين تنازعوا فيهم على عهد رسول الله ﷺ من أهل الكتاب.
[(سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِراءً ظاهِراً وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً)].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ذلك آية من آيات الله، فمعنى الفاء: ما سبق، أو: كيف يدبروا أمر الأصحاب، وكيف تجهيزهم؟ فالفاء حينئذٍ: تعقيبٌ أو تسبيبٌ عن قوله: (إِذْ يَتَنَازَعُونَ)؛ لأن قوله: (فَقَالُوا) نتيجة لما دبروا في شأنهم واتفاق حتى ذلك بعد الاختلاف فيه.
قوله: (فناموا): أمرٌ بالنوم.
стр. 4798
(سَيَقُولُونَ) الضمير لمن خاض في قصتهم في زمن رسول الله ﷺ من أهل الكتاب والمؤمنين، سألوا رسول الله ﷺ عنهم فأخر الجواب إلى أن يوحى إليه فيهم، فنزلت إخبارا بما سيجرى بينهم من اختلافهم في عددهم، وأنّ المصيب منهم من يقول سبعة وثامنهم كلبهم. قال ابن عباس رضى الله عنه: أنا من أولئك القليل. وروى أن السيد والعاقب وأصحابهما من أهل نجران كانوا عند النبي ﷺ ، فجرى ذكر أصحاب الكهف، فقال السيد وكان يعقوبيا: كانوا ثلاثة رابعهم كلبهم. وقال العاقب وكان نسطوريا:
كانوا خمسة سادسهم كلبهم. وقال المسلمون: كانوا سبعة وثامنهم كلبهم، فحقق الله قول المسلمين.
وإنما عرفوا ذلك بإخبار رسول الله ﷺ عن لسان جبريل ﵇. وعن عليّ ﵁: هم سبعة نفر أسماؤهم: يمليخا، ومكشليتيا، ومشلينيا: هؤلاء أصحاب يمين الملك، وكان عن يساره: مرنوش، ودبرنوش، وشادنوش. وكان يستشير هؤلاء الستة في أمره. والسابع: الراعي الذي وافقهم حين هربوا من ملكهم دقيانوس. واسم مدينتهم: أفسوس. واسم كلبهم: قطمير.
فإن قلت: لم جاء بسين الاستقبال في الأوّل دون الآخرين؟ قلت: فيه وجهان: أن تدخل الآخرين في حكم السين، كما تقول: قد أكرم وأنعم، تريد معنى التوقع في الفعلين جميعا، وأن تريد بيفعل معنى الاستقبال الذي هو صالح له (رَجْماً
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أن تُدخل الآخرين في حكم السين)، قال صاحب "الفرائد": الواو لما كان لمطلق الجمع، كان (سَيَقُولُونَ) و (يَقُولُونَ) في حُم: ستحصل الأقوال منهم، ألا ترى أنك تقول: جاءني الزيدان، وجاءني زيدٌ وعمرو، ولا فرق في المعنى؟ إلا أن زيداً وعمراً لا يمكن جمعهما بلفظٍ واحد، كما أمكن زيدٌ وزيد. فجيء بواو العطف لذلك، فعلى هذا لو قيل: (سَيَقُولُونَ) بعد (سَيَقُولُونَ) كان تكراراً لما يدل على الاستقبال.
قوله: (وأن تُريد بـ "يفعلُ" معنى الاستقبال) أي: يفعلُ: مشتركٌ بين الحاضر
стр. 4799
بِالْغَيْبِ) رمياً بالخبر الخفي وإتياناً به كقوله: (وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ) [سبأ: ٥٣]، أي يأتون به. أو وضع الرجم موضع الظنّ، فكأنه قيل: ظنا بالغيب، لأنهم أكثروا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والاستقبال، والسينُ قرينةٌ مخصصةٌ له، تخصص الأول به، والآخران مخصصهما صلاحيتهما له بواسطة قرينة المقام.
قوله: (كقوله: (وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ) [سبأ: ٥٣]، أي هو استعارة مثله. قال صاحب "الفرائد": معنى (رَجْماً بِالْغَيْبِ) رميٌ بالغائب عن علمه عن الذهن، وهو من قبيل تشبيه المعقول بالمحسوس، شبه إخراج الكلام عن الذهن بإخراج السهم عن القوس، ويدل عليه قوله: رجم بالظن، مكان قولهم: ظن، والمراد بالظن هاهنا المظنون، كأنهم قالوا: رمى عن ذهنه بما كان غائباً عن علمه حاضراً في ذهنه، تكلم بما ليس بمعلوم.
وقلت: بل شبه إيراد الكلام- الذي لم يخرج عن طمأنينة قلب، بلعن قلق واضطراب؛ لأن معرفة علم الغيب مختصة بالله - بقذف الحجر الذي يقذفه القاذف، فإن الحجر قلما يُصيب الغرض إصابة السهم المستوي، ولهذا قيل: (رَجْماً)، ولم يُقل: رمياً بالغيب، ثم استعير لجانب المشبه لفظ الرجم، فهو استعارةٌ مصرة بحقيقته؛ لأن المشبه المتروك عقلي؛ وإنما يصح تشبهي قوله: (رَجْماً بِالْغَيْبِ) بقوله: (وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ) إذا اجتمعا في معنى القذف لا الرمي.
الراغب: الرجامُ: الحجارة، والرجم: الرمي بها، ويستعارُ الرجم للرمي بالظن والتوهم، نحو: (رَجْماً بِالْغَيْبِ)، وللشتم والطرد، نحو: (لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً) [مريم: ٤٦]، أي: لأقولن فيك ما تكره، والشيطان رجيمٌ، مطرودٌ عن الخيرات، وعن منازل الملأ الأعلى، وقال في الشهب: (رُجُوماً لِلشَّيَاطِينِ) [الملك: ٥]، والمراجمة: المسابة الشديدة: استعارة، كالمقاذفة.
قوله: (أو وُضع "الرجمُ" موضع "الظن")، أي: صُيرَ حقيقة عرفية بعد الاستعارة، فاستعمل حقيقة فيه، كالألفاظ المترادفة.
стр. 4800
أن يقولوا رجم بالظنّ مكان قولهم ظنّ، حتى لم يبق عندهم فرق بين العبارتين. ألا ترى إلى قول زهير:
وما هو عنها بالحديث المرجّم
أي المظنون. وقرئ: (ثلاتّ رابعهم) بإدغام الثاء في تاء التأنيث. و (ثَلاثَةٌ) خبر مبتدأٍ محذوف، أي: هم ثلاثة. وكذلك (خَمْسَةٌ) و (سَبْعَةٌ) و (رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ) جملة من مبتدأٍ وخبرٍ واقعة صفة لـ (ثلاثة)، وكذلك (سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ)، (وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ).
فإن قلت: فما هذه الواو الداخلة على الجملة الثالثة، ولم دخلت عليها دون الأوّلين؟ قلت: هي الواو التي تدخل على الجملة الواقعة صفة للنكرة، كما تدخل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وما هو عنها بالحديث المُرجم)، صدره من رواية الزجاج:
وما الحربُ إلا ما علمتم وذقتم
يقول: ليست الحرب إلا ماعلمتوها، وما هذا الذي أقولُ بحديث مُرجم محكوم عليه بالظن.
قوله: (هي الواو التي تدخل على الجملة الواقعة صفة للنكرة) إلى آخره. قال صاحب "الانتصاف": هذا هو الصواب، لا كمن يزعم أنها واو الثمانية، ويضيف إليها: (وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا) [الزمر: ٧٣] في الجنة؛ إذ أبوابها ثمانية، وعدوا منه (وَالنَّاهُونَ عَنْ الْمُنكَرِ) [التوبة: ١١٢] في "التوبة"، وهو الثامن من قوله: (التَّائِبُونَ)، فهب أن في اللغة واواً
стр. 4801
على الواقعة حال عن المعرفة في نحو قولك: جاءني رجل ومعه آخر. ومررت بزيدٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تصحب الثمانية، فأين ذكرُ العدد في أبواب الجنة؟ وفي "التوبة" ذُكرت لربط الأمر بالمعروف بالنهي عن المنكر (وَامُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنْ الْمُنكَرِ) [لقمان: ١٧]، (وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ) [آل عمران: ١٠٤]، ومنهم من عد (ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً) [التحريم: ٥]، وهو غلطٌ فاحش، فإنها واو التقسيم التي لو حذفتها لم يصح الكلام.
وقال أبو البقاء: الجملة إذا وقعت صفة للنكرة جاز أن تدخلها الواو، وهذا هو الصحيح في إدخال الواو في (وَثَامِنُهُمْ).
وقال صاحب "الفرائد": دخول الواو بين الصفة والموصوف غير مستقيم، لاتحاد الصفة والموصوف ذاتاً وحكما، وتأكيداً للصوق يقتضي الاثنين، مع أنا نقول: لا نسلم بأن الواو تفيد التأكيد وشدة اللصوق؛ غاية ما في الباب أنها تفيد الجمع، والجمع ينبئ عن الاثنينية، واجتماع الصفة والموصوف ينبئ عن الاتحاد بالنظر إلى الذات، وقد ذكر صاحب "المفتاح": أن قول من قال: إن الواو في قوله تعالى: (وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ) [الحجر: ٤] داخلةٌ بين الصفة والموصوف، سهو منه، وإنما هي واو الحال، وذو الحال (قَرْيَةٍ)، وهي موصوفة، أي: ما أهلكنا قرية من القرى.
وأما قوله: "جاءني رجلٌ ومعه آخرُ"، فقلتُ: فيه وجهان: أححدهما: أن يكون "جاءني رجلٌ": جملة، و"معه آخر": جملة أخرى معطوفة عليها. وثانيهما: أن يكون "آخرُ": معطوفاً على "رجلٌ"، أي: جاءني رجلٌ ومعه رجلٌ آخر.
стр. 4802
وفي يده سيف. ومنه قوله تعالى: (وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ) [الحجر: ٤]، وفائدتها تأكيد لصوق الصفة بالموصوف، والدلالة على أن اتصافه بها أمر ثابت مستقر، وهذه الواو هي التي آذنت بأن الذين قالوا: سبعة وثامنهم كلبهم، قالوا عن ثبات علم وطمأنينة نفس ولم يرجموا بالظن كما غيرهم. والدليل عليه أنّ الله سبحانه أتبع القولين الأولين قوله رَجْماً بِالْغَيْبِ وأتبع القول الثالث قوله ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ وقال ابن عباس ﵁: ....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فإن قيل: فالوجه أن يُقال: جاءني رجلان، في مثل هذا؟
قلت: فائدته أن يُفهم أنهما جاءا مصاحبين. وأما الواو في مثل "مررت بزيد وفي يده سيفٌ" فإنما جاز دخولها بين ذي الحال والحال لكون الحال في حكم جملة، بخلاف الصفة بالنسبة إلى الموصوف، فإن: "جاء زيدٌ راكباً" في حكم "جاءني زيدٌ وهو راكبٌ" بخلاف: "جاءني زيدٌ الراكبُ"، فافهمه راشداً. سلمنا أنها داخلة بين الصفة والموصوف لتأكيد اللصوق. فأما الدلالة على أن اتصافه بها أمرٌ ثابتٌ مستقرٌ، فغير مسلم، فأين الدليل على ذلك؟ وقوله: "وهذه الواو هي التي آذنت بأن الذين قالوا: (سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ) قالوه عن ثبات علم وطمأنينة نفس" في غاية البعد.
قوله: (والدليل عليه أن الله إلى آخره؛ إن كان المراد به أنه دال على إيذان الواو على ما ذُكر، فامتناع ذلك ظاهرٌ. فإن كان المراد به أنه دال على صدق من قال: (سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ) فحاصله ظن ضعيف بحسب أن (رَجْماً بِالْغَيْبِ) لم يؤخر إلى أن قيل: (سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ)، وأما قوله: (مَا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ) فهو غير دال على ذلك البتة. وأما قول ابن عباس ﵁، فهو غير دال على أنه أراد ما ذُكر، بل الظاهر أنه علم ذلك من رسول الله ﷺ .
стр. 4803
حين وقعت الواو انقطعت العدّة، أي: لم يبق بعدها عدّة عادّ يلتفت إليها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقوله: "حين وقعت الواو انقطعت العدة"، الظاهر أن مراده منه أن الذي هو صدق، هو الذي وقعت الواو فيه وانقطعت العدة به.
فظهر من هذا أن الواو في (وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ): واو العطف، وهي جملة معطوفة على الجملة المتقدمة.
قلتُ- وبالله التوفيق-: واعلم أنا قبل الشروع في الجواب لابد أن نبين المقصود تحريراً للبحث، فالواو هاهنا ليست على الحقيقة، ولا يعتبر في المجاز النقل في الآحاد كما في الحقيقة، بل المعتبر فيه اعتبار نوع العلاقة، وأن المجاز في عرف البلاغة أولى بالذكر من الحقيقة، وأبلغ منها واحسن لتزيين الكلام والمبالغة فيه، ألا ترى إلى قول المصنف بُعيد هذا: "لأن ما كان فيه من آفة الجهل وسقم الفهم أراه أعلى الكلام طبقة أدناه منزلة"، فتمحل ليرده إلى ما هو عنده أصح وأفصح - وعنده أن ما كان أبعد من المجاز كان أدخل في الإعجاز، إلى آخره- وإلى كلام صاحب "المثل السائر": اعلم أن أقسام النحو أخذت عن واضعها بالتقليد، حتى لو عكس القضية فيها لجاز؛ لأن العقل لا يأبى أن لو جعل الفاعل منصوباً والمفعول مرفوعاً، وأما قسم البيان فليس كذلك؛ لأنه استنبط بالنظر وقضية العقل من غير واضع، ولم يُفتقر فيه إلى التوقيف، بل أخذت ألفاظٌ ومعان، على هيئة مخصوصة وحكم لها العقل بمزية من الحسن لا يشاركها فيها غيرها، فإن كل عارفٍ بأسرار الكلام أي لغة كانت، يعلم أن إخراج المعاني في ألفاظ جامعة رائقة حسنة يلذها السمع ولا ينبو عنها الطبع خيرٌ من عكسه، ولو أراد واضع اللغة خلاف ذلك لما تقلدناه.
стр. 4804
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ …
وقال أيضاً: اعلم أن مدار علم البيان على حكم الذوق السليم الذي هو أنفع من ذوق التعليم مضى كلامه.
ثم إن المجاز كما يقع في الأسماء والأفعال، قد يقع في الحروف، ألا ترى إلى الاستعارة التبعية، فإن نوعاً منها الكلام في الحروف، ونقل شارح "اللباب" عن سيبويه أن الواو في قولهم: بعت الشاء شاة ودرهماً، بمعنى: الباء، أي: بدرهم، وتحقيقه: أن الواو للجمع والاشتراك، والباء للإلصاق، والجمع والإلصاق من وادٍ واحد، فسلك به طريق الاستعارة. وذكر المصنف في أول سورة الأعراف: أن واو الحال هي واو العطف استعيرت للوصل، ولا شك أن واو العطف تقتضي المغايرة وتتضمن معنى الجمعية، فإذا أريد منها معنى الجمعية دون المغايرة كان من باب إطلاق اسم الكل على الجزء، ونحوه في الاستعمال الاستفهام في قوله تعالى: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) [البقرة: ٦]، فإن الهمزة هنا مسلوب الدلالة عن الاستفهامية لمجرد الاستواء والنداء في قولهم: إن نفعل كذا أيتها العصابة، لمجرد الاختصاص. وذكر المصنف في "مريم" عند قوله تعالى: (لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً) [مريم: ٦٦] أن اللام هنا لام ابتداء أخلصت للتوكيد، ووافقه ابن الحاجب في سورة (وَالضُّحَى) فيه، وفي الأمثلة كثرةٌ.
إذا عُلم هذا فقوله: "فائدتها: توكيد لصوق الصفة بالموصوف"، معناه: أن للصفة نوع اتصال بالموصوف، فإذا أُريد توكيدُ اللصوق وسط بينهما بهذه الواو ليؤذن أن هذه الصفة غير منفكة عن الموصوف، لازمة له غير مفارقة، وإليه الإشارة بقوله: إن اتصافها أمرٌ ثابتٌ مستقرٌّ، وليُعلم أيضاً أن الحال في الحقيقة صفة لا فرق إلا في الاعتبار، ألا ترى أن
стр. 4805
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ …
الصفة الواقعة عن النكرة إذا تقدمت عليها وهي بعينها تصير حالاً، ولو لم يكونا متحدين معنى لم يصح ذلك؟ ثم قولك: "جاءني رجلٌ ومعه آخرُ"، وقولك: "مررتُ بزيدٍ ومعهُ آخر" لما كانا سواءً في الصورة- اللهم إلا ي اعتبار المعرفة والنكرة- كان حكمهما سواء في الواو. وذكر نحوه أبو البقاء في إعراب قوله: (عَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) [البقرة: ٢١٦]، هذا مراد المصنف من إيراد المثالين، لا ما فهم بعضهم.
وأما قول صاحب "الفرائد": لاتحاد الصفة والموصوف ذاتاً وحكماً فمبنيٌّ على أن الواو عاطفةٌ، وهي تقتضي المغايرة كما قال صاحب "المفتاح"، وقدمنا وجه مجازه لمجرد الربط. وأما قوله: "جاءني رجلٌ ومعه آخر" وهي جملتان، فسيجيء جوابه. وأما قوله: فـ"إن: جاء زيدٌ راكباً، في حكم: جاءني زيدٌ وهو راكبٌ" فمن المعكوس؛ فإن الأصل في الحال الإفراد. قال ابن الحاجب في قوله: كلمته فوه إلى فيَّ: إنها بمعنى مشافها. وقال: ن الجمل تستعمل استعمال المفردات ولا تُعكس.
وأما قوله: "سلمنا أنها داخلة بين الصفة والموصوف للتأكيد، وأما الدلالة على أن اتصافه به أمر ثابتٌ فغير مسلم"، فمما لا يقوله من به أدنى مُسكة: كيف سلم التأكيد ولم يسلم فائدته؟ وأما الأسئلة الباقية على كلام المصنف فمراده أنها أمارات تدل على ما ثبت وتقرر.
وقال ابن الحاجب في "الأمال": يجوز أن يكون (رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ) جملة ابتدائية صفة لـ (ثَلاثَةٌ)، و (ثَلاثَةٌ) خبر مبتدأ محذوف، ولا يجوز أن يكون (كَلْبُهُمْ) مرفوعاً بـ (رَابِعُهُمْ) لأن المراد به المضي، ولا أن تكون الجمة حالاً، إذ ليس معنا ما يصح أن يكون عاملاً فيها؛ لأن التقدير: سيقولون: هم ثلاثة، وليس فيها أيضاً واوٌ، ويجو أن يكون (رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ) جملة خبراً للمبتدأ المحذوف بعد خبر، فيكون قد أخبر بخبرين: مفرد وجملة.
стр. 4806
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ …
ويُقوي هذا الوجه أن الجملة الثالثة جاءت بالواو، والمعنى فيها كالمعنى فيما تقدم، ويتعذر أن تكون صفة مع الواو، مع أنك لا تقول: مررت برجل وعاقل، فتعين أن يكون خبراً بعد خبر، والأخبار إذا تعددت جاز أن يكون الثاني بواو وبغير واو.
هذا إن سُلم أن المعنى في الجمل واحدٌ. وأما إن قيل: إن قوله: (َثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ)، فيفهم على ذلك بأن القائلين بأنهم سبعة أصابوا في ذلك، لوا يلزم على هذا أن يكون خبراً بعد خبر، ويقويه قول قبل ذلك: (رَجْماً بِالْغَيْبِ)، ثم ذكر بعد قوله: (رَجْماً بِالْغَيْبِ) الجملة الثالثة، فدل على أنها مخالفة لما قبلها في الرجم بالغيب، وإذا خالفتها في ذلك وجب أن تكون صدقاً، إلا أن هذا الوجه يضعف من حيث إن الله تعالى قال: (مَا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ)، فلو جعلنا قوله: (َثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ) تصديقاً لمن قال: سبعةٌ، لوجب أن يكون العالم به كثيراً، فإن أخبار الله صدق، فدل على أنه لم يصدق منهم أحدٌ، وإذا كان كذلك وجب أن تكون الجمل كلها متساوية في المعنى، وقد تعذر أن تتكون الأخيرة وصفاً، فوجب أن يكون الجميع كذلك تم كلامه.
وقد عُلم من مفهومه أن الواو هي المانعة من الوصفية، وداؤه داؤهم، فالدواء الدواء.
وأما قوله: "وجب أن تكون الجمل كلها متساوية"، فكلام عن مقتضى البلاغة بمراحل؛ لأن في كل اختلاف فوائد، والبليغ من ينظر إلى تلك الفوائد لا من يرده إلى التطويل والحشو في الكلام. وأيضاً، لابد من قول صادق بين الأقوال الثلاثة لينطبق عليه قوله: (مَا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ) مع قوله: (رَجْماً بِالْغَيْبِ)؛ لأنهُ قد اندفع به القولان الأولان، فيكون الصادق هذا، وتعقيبه به أمارة على صدقه، وعلى ما ذهب إليه السائل مفقود ذلك، ومع هذا أين طلاوة الكلام؟ أم أين اللطف والمرام؟ وهاهنا نكتةٌ لابد من إظهارها؛ وذلك أن قصة الكهف لامحةٌ إلى قصة الغار، ومشابهة لها من حيث اشتمالها على حكم بديع الشأن.
стр. 4807
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ …
روينا عن البخاري ومسلم، عن أبي بكر ﵁ قال: نظرت إلى أقدام المشركين ونحن في الغار وهم على رؤوسنا، فقلت: يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا، فقال: "يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ " يعني: لسنا مثل كل اثنين اصطحبا، لما خُصصت بشرف صحبة حبيب الله، والتجأت بسببها إلى حرم كنف الله، كما قال: (إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) [التوبة: ٤٠] فالتربيع والتسديد في قصة الكهف ناظران إلى التثليث في قصة الغار، لكن نظراً كلا وإلا فعلى هذا يجب أن يُجعل (رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ) و (سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ) تابعين لثلاثة وخمسة، والضمائر الأربعة فيها راجعة إليهما لا إلى المبتدأ. ومن ثم استغني عنه بالحذف، وألا كان الظاهر أن يقال: هم ثلاثة وكلبٌ، فلما أريد اختصاصها بحكم بديع الشأن عدل إلى ما هو عليه لينبه بالنعت الدال على التفصلة والتمييز على أن أولئك الفتية ليسوا مثل كل ثلاثة أو خمسة او سبعة اصطحبوا، ومن ثم قرن الله تعالى في كتابه العزيز أخس الحيوان ببركة صحبتهم مع زمرة المتبتلين إلى الله والمعتكفين في جوار الله، فقال: (كَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ) وأضافه إليهم مكرراً، واختلفت آراء الملتين في التنقير عن قصتهم والتفتيش عن أحوالهم. روى السلمي، عن أبي بكر الوراق أنه قال مجالسة الصالحين ومجاورتهم تؤثر في الخلق، وإن لم يكونوا أجناساً، ألا ترى أن الله كيف ذكر أصحاب الكهف فذكر كلبهم معهم لمجاورته إياهم؟ "
وإذا تقرر هذا فالواجب أن تُراعي هذه النكتة في الفقرات الثلاث، ثم ينظر إلى الزمرة الزائدة في الخيرة لاختصاصها بحرف زائد، وهي ما ذكره المصنف جزاه الله أحسن الجزاء على أن تأويل صدر الكلام والعدول من الوصف إلى الخبر لأجل عجزه بسبب الواو، ليس أولى من العكس، والله أعلم.
стр. 4808
وثبت أنهم سبعة وثامنهم كلبهم على القطع والثبات. وقيل: إلا قليل من أهل الكتاب. والضمير في (سَيَقُولُونَ) على هذا لأهل الكتاب خاصة، أي: سيقول أهل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأما قوله: " (وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ): استئنافٌ"، فقد ذهب إليه المفسرون، قال الزجاج: دخول الواو هاهنا وإخراجها من الأول واحدٌ، وقد يجوز أن يكون دخولها على الدلالة على انقطاع القصة، وهو من قول ابن عباس: حين وقعت الواو انقطعت العدة.
وقال أبو البقاء: وقيل: دخلت الواو لتدل على أن ما بعدها مستأنف حق، وليس من جنس القول برجم الظنون.
ولعل مُراد ابن الحاجب من قوله: لوجب أن يكون العالم بذل كثيراً، أن القائل به المسلمون، وهم بالنسبة إلى القائلين- وهما السيد والعاقب - كثيرون، كما سبق، وجوابه من وجهين، أحدهما: أن القائلين من المسلمين ليسوا كلهم بل بعضهم، يدل عليه قول ابن عباس ﵄: أنا من ذلك القليل. ذكره محيي السنة. والمراد بالقائلين: السيد والعاقب، هما ومن تابعهما، بدليل قول المصنف: "إن السيد والعاقب وأصحابهما". وثانيهما: أن قوله: (إِلاَّ قَلِيلٌ): استئناف من أعم العام لكونه معاقباً لقوله: (قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ)، ولا شك في قلة المسلمين في جنب الناس. والله أعلم بالصواب.
قوله: ((فَلا تُمَارِ فِيهِمْ): فلا تجادل). الراغب: المرية: التردد في الأمر، وهو أخص من الشك: (وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ (مِنْهُ) [الحج: ٥٥]، وقوله: (فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ) مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ) [هود: ١٠٩]، والامتراء والمماراة: محاجةٌ فيما فيه مريةٌ. قال تعالى: (قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ) [مريم: ٣٤]، وقال تعالى: (فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَاءً ظَاهِراً)، وأصل ذلك [من]: مريتُ الناقة: إذا مسحت ضرعها للحلب.
стр. 4809
الكتاب فيهم كذا وكذا، ولا علم بذلك إلا في قليل منهم، وأكثرهم على ظنّ وتخمين (فَلا تُمارِ فِيهِمْ) فلا تجادل أهل الكتاب في شأن أصحاب الكهف إلا جدالا ظاهرا غير متعمق فيه، وهو أن تقص عليهم ما أوحى الله إليك فحسب ولا تزيد، من غير تجهيل لهم ولا تعنيف بهم في الردّ عليهم، كما قال (وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [النحل: ١٢٥].
(وَلا تَسْتَفْتِ) ولا تسأل أحدا منهم عن قصتهم سؤال متعنت له، حتى يقول شيئا فتردّه عليه وتزيف ما عنده، لأن ذلك خلاف ما وصيت به من المداراة والمجاملة، ولا سؤال مسترشد، لأن الله قد أرشدك بأن أوحى إليك قصتهم.
[(وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً* إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً)].
(وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ) ولا تقولنّ لأجل شيء تعزم عليه (إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ) الشيء (غَداً) أي: فيما يستقبل من الزمان، ولم يرد الغد خاصة (إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ) متعلق بالنهى لا بقوله: (إني فاعل)؛ لأنه لو قال: إني فاعل كذا إلا أنّ يشاء الله، كان معناه: إلا أن تعترض مشيئة الله دون فعله،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (إلا أن تعترض مشيئة الله دون فعله). الانتصاف: وليت شعري! ما معنى قول الزمخشري: إلا أن تعترض المشيئة دون فعله؟ واعتقاده أن مشيئة الله لاتعترض على فعل أحدٍ، فلم يشأ - عندهم - فلا فتُرك، وتركاً ففُعِلَ، حتى إنهم يقولون: إن قول القائل: والله لا أفعل إلا أن يشاء الله أن أفعله، كذبٌ إذا كان مباحاً؛ لأن الله لا يشاؤه بزعمهم، فسثحقاً لاعتقادهم.
وقال ابن الحاجب: الوجه فيه أن يكون استثناء مفرغاً، كقولك: لا يجيء إلا بإذن زيد ولا يخرج إلا بمشيئته، على أن يكون الأعم المحذوف: حالاً، أو مصدراً، وحُذفت
стр. 4810
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ …
الباء من بـ (أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ)، أي: إلا بذكر المشيئة، وقد عُلم أن ذكر المشيئة المستصحبة في الإخبار عن الفعل المستقبل هي المشيئة المذكورة بحرف الشرط أو معناه، كقولك: إن شاء الله وبمشيئة الله وما أشبههما، هذا هو المعنى من قول المصنف. والثاني: ولا تقولنه إلا بأن يشاء الله.
وقال ابن الحاجب: وأما ما ذكر انه متصلٌ بقوله: (إِنِّي فَاعِلٌ) ففاسدٌ، إذ يصير المعنى: إني فاعلٌ بكل حال إلا في حال مشيئة الله، فيصير المعنى النهي عن أن يقول: إني فاعلٌ إن شاء الله، وهذا لا يقوله أحدٌ. وأما ما ذكر من أنه استثناء منقطع فبعيدٌ؛ لأنه يؤدي إلى نهي كل واحد عن أن يقول: إني فاعلٌ غداً، كذا مطلقاً، قيده بشيء أو لم يقيد، وهو خلاف الإجماع لجواز قول القائل: لأفعلن كذا إن شاء الله، وأما ما ذكره بعض المتأخرين أن "إلا" ليست باستثناء لا متصل ولا منقطع، فهو جهل وغباوة، ولا خفاء في أنه عني قوله: وهو أن يكون إن شاء الله كلمة تأبيد، كأنه قيل: ولا تقولنه أبداً.
والجواب عنه: أنا نقلنا عن الزجاج في قوله تعالى: (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ) [الدخان: ٥٦]، وقد عُلم وحُقق أن ذوق الموتة الأولى في الجنة محالٌ، فيكون كناية عن التأبيد، فالمعنى: لا تقولن يما يتعلق بالوحي: أن أخبركم به إلا أن يشاء الله، والله تعالى لم يشأ أن تقوله من عندك، فإذن لا تقولنه أبداً، وعليه قوله: "لأن عودهم في ملتهم مما لن يشاءه الله"، وعلى هذا جُعل الاستثناء منقطعاً، لا تقولن يا محمد فميا يتعلق بالوحي: إني أخبركم به، لكن قل: أخبركم بإذن الله وبمشيئته، كقوله تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى) [النجم: ٣ - ٤]، فالمخاطب على التقديرين رسول الله ﷺ ، يؤيده قوله: "وهذا نهيُ تأديب من الله تعالى لنبيه حين قالت اليهود لقريش" إلى آخره. والحاصل أن خصوصية المقام تجوز كثيراً من نحو هذا.
стр. 4811
وذلك مما لا مدخل فيه للنهى، وتعلقه بالنهى على وجهين، أحدهما: ولا تقولنّ ذلك القول إلا أن يشاء الله أن تقوله، بأن يأذن لك فيه. والثاني: ولا تقولنه إلا بأن يشاء الله، أي: إلا بمشيئة الله، وهو في موضع الحال، يعنى: إلا ملتبسا بمشيئة الله قائلا: إن شاء الله وفيه وجه ثالث، وهو: أن يكون أَنْ يَشاءَ اللَّهُ في معنى كلمة تأبيد، كأنه قيل ولا تقولنه أبدا. ونحوه قوله (وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ) [الأعراف: ٨٩]، لأن عودهم في ملتهم مما لن يشاءه الله. وهذا نهى تأديب من الله لنبيه حين قالت اليهود لقريش: سلوه عن الروح، وعن أصحاب الكهف، وذي القرنين. فسألوه فقال: ائتوني غدا أخبركم ولم يستثن، فأبطأ عليه الوحي حتى شق عليه وكذبته قريش.
(وَاذْكُرْ رَبَّكَ) أي مشيئة ربك وقل: إن شاء الله إذا فرط منك نسيان لذلك. والمعنى: إذا نسيت كلمة الاستثناء ثم تنبهت عليها فتداركها بالذكر. وعن ابن عباس ﵁: ولو بعد سنة ما لم تحنث. وعن سعيد بن جبير: ولو بعد يوم أو أسبوع أو شهر أو سنة. وعن طاووس: هو على ثنياه ما دام في مجلسه. وعن الحسن نحوه. وعن عطاء: يستثنى على مقدار حلب ناقة غزيرة،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (هو على ثنياه)، المُغرب: يقال: ثني العود: إذا حناه وعطفه؛ لأنه ضم أحد طرفيه إلى الآخر، ثم قيل: ثناه عن وجهه: إذا كفه وصرفه؛ لأن مسبب عنه، ومنه: استثنيت الشيء: زويته لنفسي، ومنه: الثنيا بوزن الدنيا، وفي الحديث: "من استثنى فله ثنياه" أي: ما استثناه.
стр. 4812
وعند عامة الفقهاء أنه لا أثر له في الأحكام ما لم يكن موصولا. ويحكى أنه بلغ المنصور أن أبا حنيفة خالف ابن عباس ﵁ في الاستثناء المنفصل، فاستحضره لينكر عليه: فقال أبو حنيفة: هذا يرجع عليك، إنك تأخذ البيعة بالأيمان، أفترضى أن يخرجوا من عندك فيستثنوا فيخرجوا عليك؟ فاستحسن كلامه ورضي عنه.
ويجوز أن يكون المعنى: واذكر ربك بالتسبيح والاستغفار إذا نسيت كلمة الاستثناء،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وعند عامة الفقهاء: أنه لا أثر له في الأحكام ما لم يكن موصولاً). قال القاضي: "لأنه لو صح ذلك لم يقرر إقرارٌ ولا طلاقٌ ولا عتاق، ولم يُعلم صدقٌ ولا كذب، وليس في الآية أن الاستثناء المتدارك به من القول السابق، بل هو مقدرٌ مدلولٌ به عليه" مثل أن يقول: أفعلُ إن شاء الله، أي: (وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً) إلا أن تقول: أفعلُ إن شاء الله.
قوله: (إنك تأخذ البيعة بالأيمان، أفترضى أن يخرجوا عن عندك فيستثنوا؟ )، الانتصاف: ظاهر الآية الأمر بتدارك المشيئة عند التذكار ولو بعد طول، وأما حلها لليمين حينئذ، فلا دليل للآية عليه.
وقلت: مسألة البيعة واليمين جاءت رادة لمن قاس الاستثناء في الأحكام على مسألة التدارك بالتذكار في نسيان ذكر الله في الأمور وصورة المبايعة بأن يقول: أبايعك على السمع والطاعة، ثم يؤكدها باليمين، بأن يقول: والله لا أخرج من هذه البيعة، ثم يخرج ويستثني إلا زمان كذا، ويوم كذا، ولأمر ذا، أو أوان يفعلُ كذا.
стр. 4813
تشديدا في البعث على الاهتمام بها. وقيل: واذكر ربك إذا تركت بعض ما أمرك به. وقيل: واذكره إذا اعتراك النسيان ليذكرك المنسي، وقد حمل على أداء الصلاة المنسية عند ذكرها.
و(هذا) إشارة إلى نبإ أصحاب الكهف.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (تشديداً في البعث على الاهتمام)، يعني: الأمرُ بالاستغفار من باب التغليظ والتشديد، كأن ترك الاستثناء من الذنب الذي تجب فيه التوبة والاستغفار.
قوله: (واذكر ربك إذا تركت بعض ما أمرك به)، فالنسيان قد يُستعمل في الترك مجازاً؛ لأن الترك سبب النسيان.
الراغب: النسيان: ترك الإنسان ضبط ما استودع؛ إما لضعف قلبه، وإما عن غفلة أو عن قصد حتى ينحذف عن القلب ذكره. وقوله تعالى: (سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى) [الأعلى: ٦] إخبارٌ وضمان من الله تعالى أنه يجعله بحيث إنه لا ينسى ما يسمعه عن الحق، وكل نسيان من الإنسان ذمه الله تعالى به، فهو ما كان أصله عن تعمد، وما عُذر فيه نحو ما رُوي في الحديث: "رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان"، فهو ما لم يكن سببه منه، وإذا نُسب ذلك إلى الله تعالى فهو تركه إياهم استهانة بهم، ومجازاة لما تركوه. قال الله تعالى: (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ) [التوبة: ٦٧]، وقوله: (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ) [الحشر: ١٩] فتنبيه أن الإنسان بمعرفته بنفسه يعرف الله، فنسيانه لله هو من نسيانه نفسه. وقال عكرمة: معنى (نَسِيتَ): ارتكبت ذنباً، ومعناه: اذكر الله إذا أردت وقصدت ارتكاب ذنب يكن ذلك دافعاً لك.
قوله: ((هذا) إشارة إلى نبأ أصحاب الكهف)، أي: لفظ (هذا) في قوله تعالى: (لأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً).
стр. 4814
ومعناه: لعل الله يؤتينى من البينات والحجج على أنى نبىّ صادق ما هو أعظم في الدلالة وأقرب رشدا من نبأ أصحاب الكهف، وقد فعل ذلك حيث آتاه من قصص الأنبياء والإخبار بالغيوب ما هو أعظم من ذلك وأدلّ، والظاهر أن يكون المعنى: إذا نسيت شيئا فاذكر ربك. وذكر ربك عند نسيانه أن تقول: عسى ربى أن يهديني لشيء آخر بدل هذا المنسى أقرب منه (رَشَداً) وأدنى خيراً ومنفعة. ولعل النسيان كان
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ومعناه: لعل الله يؤتيني من البينات .. ما هو أعظمُ في الدلالة وأقربُ رُشداً من نبأ أصحاب الكهف)، الانتصاف: يؤيده قوله: (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً)، افتتح القصة بتقليل شأنها، ثم ختمها بأمره صلوات الله عليه بما هو أرشد منها.
الإنصاف: هذا يُوهم أن أي قصة ذُكرت في الكتاب العزيز ليتعظ بها ينبغي أن يُحقر شأنها ويُسأل إنزالُ ما هو خيرٌ منها وأرشدُ. جوابه: أن المشركين سألوا رسول الله ﷺ عن خبرهم، وقالوا: هم فتيةٌ ذهبت بهم في الأرض مذاهبُ، فقلل الله ما أكثروه وحقر ما استعظموه، ولم يقص الله نبأها إلا لإعلام المشركين أن رسول الله ﷺ يتلقى الوحي من السماء، وأنه لا يخلو عن فائدة وموعظة وعبرة.
قوله: (يهديني لشيء آخر، بدل هذا المنسي أقرب) يقال: هداه لكذا، أو إلى كذا، لابد من تقدير شيء يصح الكلام معه، فالتقدير: يهديني لشيء آخر يكون ذلك الشيء بدل هذا المنسي أقرب نمه رشداً، قال الزجاج: عسى أن يعطيني من الدلالات ما يكون أقرب في الرشد، وأدل من قصة أصاب الكهف.
وقال في "المُطلع": يهدي إلى ما هو أقرب، و"أقربُ" في تركيب المصنف يجوز أن يكون بدلاً من بدل، وأن يكون صفة إن جُعل "أقرب" من "معرفة"، أو حالاً إن جُعل نكرةً.
стр. 4815
خيرة، كقوله (أَوْ نُنْسِها نَاتِ بِخَيْرٍ مِنْها) [البقرة: ١٠٦].
[(وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً* قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً)].
(وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ) يريد لبثهم فيه أحياء مضروبا على آذانهم هذه المدّة، وهو بيان لما أجمل في قوله (فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً)، ومعنى قوله: (قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا) أنه أعلم من الذين اختلفوا فيهم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (خيرةً) أي: مختاراً.
قوله: (بيان لما أُجمل في قوله: (فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ))، فإن قلت: ما فائدة إيراد البيان في آخر القصة والمبين في أولها قلتُ، والله أعلم: جيء أولاً باختلاف الأحزاب في كمية لُبثهم في الكهف. وثانياً: باختلافهم في كمية أشخاصهم، فبين الثاني بقوله: (سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ) وبين الأول بقوله: (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً * قُلْ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا) وسجل لكلتي الجملتين بإثبات العلم لله تعالى، وهذه الدقيقة تنهي لطف ما ذهب إليه المصنف في (سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ).
وأما توسيط قوله: (وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً) الآية، بين البيان والمبين، فإنه من جملة التأديب الذي أدبه الله به، والتهذيب الذي هذبه مما هو خلقٌ له، وهو هذا القرآن المجيد؛ جاء مستطرداً عطفاً على قوله: (فَلا تُمَارِ)، (وَلا تَسْتَفْتِ) متضمناً معنى ما لأجله أبطأ عليه الجواب عن هذه القصة، قال الزجاج: (قُلْ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا): إخبارٌ عن الله تعالى بطول لُبثهم.
стр. 4816
بمدّة لبثهم، والحق ما أخبرك الله به. وعن قتادة: أنه حكاية لكلام أهل الكتاب. و (قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ) رد عليهم. وقال في حرف عبد الله: (وقالوا لبثوا). و (سنين): عطف بيانٍ لـ (ثلث مائة).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأعلم أنه أعلمُ بذلك، وكان هذا أبلغ من أن يُقال: الصحيح أنهم قد لبثوا هذا العدد كله.
قوله (و (سِنِينَ) عطفُ بيان لـ (ثَلاثَ مِائَةٍ))، قال الزجاج: (سِنِينَ) جائز أن يكون نصباً وأن يكون جراً، فالنصب على معنى: ولبثوا في كهفهم سنين ثلاث مئة، عطف "سنين" على "ثلاثٍ" عطف البيان والتوكيد، والجر على أن يكون نعتاً للمئة، وهو بالغ في المعنى إلى ثلاث، كما قال:
فيها اثنتان وأربعون حلوبة … سوداً كخافية الغُراب الأسحم
جعل "سُوداً" نعتاً لـ "حلوبة"، وهو في المعنى نعتٌ لجملة العدد، هكذا في "تفسيره"، ونقل المصنف عنه في "المفصل" أنه قال: لو انتصب (سِنِينَ) على التمييز لوجب أن يكونوا قد لبثوا تسع مئة سنة. قال ابن الحاجب: وجهه أنه قد فُهم من لغتهم أن تمييز المئة واحدٌ من مئة، فإذا قلت: مئة رجل فمميزها رجل، وهو واحدٌ من المئة، فعلى هذا لو قلت: مئة سنين، فيكون السنين واحدة من المئة، وهي ثلاث مئة، وأقل السنين ثلاثة، فيجب أن يكون تسع مئة، وهذا الذي ذكره يرد: على قراءة حمزة والكسائي، إذ ليس لقراءتهما وجهٌ سوى التمييز.
وهذا غير لازم، لأن الذي ذكره مخصوصٌ بأن يكون المميز مفرداً، وأما إذا كان جمعاً فيكون القصد فيه كالقصد في وقوع التمييز جمعاً في نحو ثلاثة أثواب، على أن الأصل في
стр. 4817
وقرئ: (ثلاث مائة سنين) بالإضافة، على وضع الجمع موضع الواحد في التمييز، كقوله (بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا) [الكهف: ١٠٣] وفي قراءة أبيّ: (ثلث مئة سنة). (تِسْعاً) تسع سنين، لأن ما قبله يدل عليه. وقرأ الحسن: (تسعاً) بالفتح، ثم ذكر اختصاصه بما
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التمييز الجمع، وإنما عدل إلى المفرد لغرض، فإذا استعمل الجمع استعمل على الأصل لا على الوجه الذي ألزمه، فإن ذلك على المفرد.
وقلتُ: الذي ذهب إليه المصنف عكس ذلك؛ لأنه جعل المفرد أصلاً والجمع مفرعاً عليه لقوله: "على وضع الجمع موضع الواحد في التمييز"، وقال ابن الحاجب: (ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ)، فيمن قرأ بالتنوين، محمولٌ على البدل، وإلا لزم الشذوذ من وجهين: أحدهما: جمع مميز مئة. والآخر: نصبه، فإذا جُعل بدلاً خرج عن الشذوذين واستقام الإعراب، كأنه قال: ولبثوا سنين.
قوله: (وقرئ: "ثلاث مئة سنين" بالإضافة)، حمزة والكسائي: بغير تنوين، والباقون: بتنوين.
قوله: (لأن ما قبله يدل عليه). قال الزجاج: أما قوله: (وَازْدَادُوا تِسْعاً) فلا يكون تسع ليال وتسع ساعاتٍ؛ لأن العدد يُعرف بتفسيره، فإذا تقدم تفسيره استغنى بما تقدم عن إعادة ذكره.
وقال الإمام: فإن قالوا: لِمَ لم يقل: ثلاث مئة تسع سنين؟ وما الفائدة في العدول؟ قلنا: قال بعضهم: كانت المدة ثلاث مئة سنة من السنين الشمسية وثلاث مئة وتسع سنين من القمرية، وهذا مشكلٌ؛ لأنه لا يصح بالحساب، ويمكن أن يُقال: لعلهم لما استكملوا ثلاث مئة سنة قرب أمرهم من الانتباه، ثم اتفق ما أوجب بقاءهم في النوم بعد ذلك تسع سنين.
стр. 4818
غاب في السماوات والأرض وخفي فيها من أحوال أهلها ومن غيرها وأنه هو وحده العالم به. وجاء بما دل على التعجب من إدراكه المسموعات والمبصرات، للدلالة على
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقال القاضي: وقيل: إنه حكاية كلام أهل الكتاب، فإنهم اختلفوا في مدة لُبثهم كما اختلفوا في عدتهم، فقال بعضهم: ثلاث مئة سنة، وبعضهم: ثلاث مئة وتسع سنين.
وقلتُ: ويمكن أن يُقال: إنه من كلام الله تعالى، فإن أهل الكتاب كما اختلفوا في عدتهم اختلفوا في مدة لبثهم، فكما جيء في ذلك المقام بما يرفع الاختلاف، جيء هاهنا ذلك، فإن قوله: (وَازْدَادُوا تِسْعاً) بيان لنصوصية اللبث وتقريرٌ له، ودفعٌ للاحتمال، ونظيره الاستثناء في قوله تعالى: (فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً) [العنكبوت: ١٤]، وسيجيء بيانه. فقوله: (قُلْ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا) مثل: (قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ) هناك. وهذا التأويل يُرجح قول من قال: إن هذا من كلام الله تعالى. والله أعلم.
قوله: (وجاء بما دل عليه التعجب من إدراكه المسموعات والمبصرات). قال القاضي: والهاء تعود إلى "الله"، ومحله الرفع على الفاعلية، والباء مزيدة عند سيبويه، وكان أصله أبصر، أي: صار ذا بصرن ثم نُقل إلى صيغة الأمر بمعنى الإنشاء، فبرز الضمير لعدم لياق الصيغة، وهو أن ضمير الغائب لا يمكن استثناؤه في أمر المخاطب أو لزيادة الباء، كما في قوله: (وَكَفَى بِهِ) [النساء: ٥٠]، والنصب على المفعولية عند الأخفش، والفاعل: ضمير المأمور، وهو كل أحدٍ، والباء مزيدة إن كانت الهمزة للتعدية.
وقال صاحب "الكشف": وكان القياس إضمار "به" في الثاني؛ لأن الجار والمجرور في موضع الفاعل، لكن استغنى بذكره في الأول لأنه لا يجوز العطف على عاملين كما فعل في قول الشاعر:
стр. 4819
أن أمره في الإدراك خارج عن حدّ ما عليه إدراك السامعين والمبصرين، لأنه يدرك ألطف الأشياء وأصغرها، كما يذرك أكبرها حجما وأكثفها جرما، ويدرك البواطن كما يدرك الظواهر (ما لَهُمْ) الضمير لأهل السموات والأرض (مِنْ وَلِيٍّ) من متول لأمورهم (وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ) في قضائه (أَحَداً) منهم. وقرأ الحسن: (ولا تشرك)، بالتاء والجزم على النهى.
[(وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً)].
كانوا يقولون له: (ائت بقرآن غير هذا أو بدله) [يونس: ١٥]، فقيل له (وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ) من القرآن، ولا تسمع لما يهذون به من طلب التبديل، فلا مبدل لكلمات ربك، أى: لا يقدر أحد على تبديلها وتغييرها، إنما يقدر على ذلك هو وحده، (وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ) [النحل: ١٠١]. (وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً) ملتجأ تعدل إليه إن هممت بذلك.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أكل امرئ تحسبين امرأ … ونارٍ توقد بالليل نارا
أي: وكل نارٍ، واستغنى بذكره أولاً عن ذكره ثانياً.
الراغب: (أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ) يقول فيه تعالى ذلك من وقف على عجائب حكمته، ولا يقال فيه: ما أبصره وما أسمعه؛ لأن الله تعالى لا يوصف إلا بما ورد به السمع. وقدر أبو البقاء: أوقع أيها المخاطب إبصاراً بأمر الكهف، فهو أمرٌ حقيقة والفاعل مضمرٌ.
قوله: (وإنما يقدر على ذلك هو وحده)، أو: (إِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ)
стр. 4820
[(وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً)].
وقال قوم من رؤساء الكفرة لرسول الله ﷺ : نحّ هؤلاء الموالي الذين كأن ريحهم ريح الضأن، وهم: صهيب وعمار وخباب وغيرهم من فقراء المسلمين، حتى نجالسك كما قال قوم نوح: (أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ) [الشعراء: ١١١]، فنزلت: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ) واحبسها معهم وثبتها. قال أبو ذؤيب:
فصبرت عارفة لذلك حرّة … ترسو إذا نفس الجبان تطلّع
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[النحل: ١٠١]، أراد أن في هذه الآية الدلالة الظاهرة على أن الكتاب لا يُنسخ بالسُّنة؛ لأنه تعالى أمر نبيه صلوات الله عليه بأن يتلو ما أوحى إليه من كتاب الله حين قالوا: (ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ) [يونس: ١٥] وأعلمهُ أن لا تبديل لكلمات الله البتة، لا يبدلها هو ولا غيره، حيث نفى جنس التبديل وخص هذا العام بقوله: (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ) [النحل: ١٠١] ن فبقي العام فيما عداه على أصله، ولهذا أكد دلالة الحصر في قوله: إنما يقدرُ على ذلك هو بقوله وحده، ثم أتى بتذييل مؤكدٍ لذلك المعنى، وهو قوله: (وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً) بـ (لن) المؤكدة، قال المصنف: تقول لصاحبك: لا أقيم غداً. فإن أنكر عليك قلت: لن أقيم غداً، كما تفعل في "أنا مقيم"، و"إني مقيمٌ"، نُزل صلوات الله عليه نزلة من هم أن له ملجاً يعدلُ إليه من أمره ونهيه، فقيل له: (وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً) تهييجاً وإلهاباً، وإليه الإشارة بقوله: (وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً)، تعدل إليه إن هممت بذلك. قال الزجاج: ولن تجد معدلاً عن أمره ونهيه ولا ملجا إلا إليه.
قوله: (فصبرت عارفةً) البيت، أي: حبستُ نفساً عارفة بأحوال الحرب.
стр. 4821
(بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ) دائبين على الدعاء في كل وقت. وقيل: المراد صلاة الفجر والعصر. وقرئ: (بالغدوة)، و (بالغداة) أجود، لأن غدوة علم في أكثر الاستعمال، وإدخال اللام على تأويل التنكير كما قال:
… والزّيد زيد المعارك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الجوهري: العارف: الصبور. ترسو: ترسخ وتثبت، تطلع: ينقطع عن مكانه. وقيل: ينظر ساعة ويختفي ساعة، كما هو عادة الجبان، يصف صبره وتجلده عند الشدائد، وأن نفسه ثابتة صابرة على المكاره في حال تكون نفس الجبان فيها مضطربة.
قوله: (وقرئ: بالغدوة): ابن عامر، والباقون: (بِالْغَدَاةِ). قال أبو البقاء: "بالغداة: أصلها غدوة، فقلبت ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، وهي نكرةٌ، وتُقرأ بالعدوة، بضم الغين وسكون الدال، وواوٍ بعدها، وقد عرفها بالألف واللام، وأكثر ما تُستعمل معرفةً علماً" بغير اللام.
قوله: (والزيد زيد المعارك)، أوله:
وقد كان منهم حاجب وابن أمه … أبو جندلٍ
حاجب: هو ابن لقيط بن زُرارة، أراد بقوله: "زيدُ المعارك": شجاعته، ذكره شاهداً على صحة الإضافة وإدخال اللام على تأويل التنكير، وفيه ضعفٌ؛ لأن العلم إنما وُضع لشيء بعينه غير متناول ما أشبهه، فإذا نُكر فقد استعمل على خلاف ما وُضع له، ووجهه أنه لما وُضع لمسمى ثم وُضع لآخر صارت نسبته إلى الجميع نسبةً واحدةً، فأشبه أن يكون مثل قولك: رجُل.
стр. 4822
ونحوه قليل في كلامهم. يقال: عداه إذا جاوزه ومنه قولهم. عدا طوره. وجاءني القوم عدا زيدا. وإنما عدى بعن، لتضمين عدا معنى نبا وعلا، في قولك: نبت عنه عينه وعلت عنه عينه: إذا اقتحمته ولم تعلق به. فإن قلت: أي غرض في هذا التضمين؟ وهلا قيل: ولا تعدهم عيناك، أو لا تعل عيناك عنهم؟ قلت الغرض فيه إعطاء مجموع معنيين، وذلك أقوى من إعطاء معنى فذ. ألا ترى كيف رجع المعنى إلى قولك: ولا تقتحمهم عيناك مجاوزتين إلى غيرهم؟ ونحوه قوله تعالى (وَلا تَاكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ) [النساء: ٢]، أي ولا تضموها إليها آكلين لها. وقرئ: ولا تعد عينيك، ولا تعدّ عينيك، من أعداه وعدّاه نقلا بالهمزة وتثقيل الحشو. ومنه قوله:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (عدا طوره)، أي: جاوز حده.
النهاية: في حديث سطيح:
فإن ذا الدهر أطوارٌ دهارير
الأطوار: الحالات المختلفة والنازلات والحدود، واحدها: طورٌ، أي: مرة مُلكٌ، ومرةً هُلك، ومرة بؤس، ومرة نُعم. ومنه حديث النبيذ: "تعدى طوره"، أي: جاوز حده وحاله الذي يخصه ويحل فيه شربه.
قوله: (إذا اقتحمته)، الجوهري: اقتحمته عيني، أي: ازدرته.
قوله: (وقرئ: "ولا تُعدِ عينيك"): ولا تصرفهما. قال ابن جني: هي قراءة الحسن، وهذا منقولٌ من: عدت عيناك، أي: جاوزتا، من قولهم: جاء القوم عدا زيداً، أي: جاوز بعضهم زيداً، ثم نُقل إلى أعديتُ عيني عن كذا، أي: صرفتها.
стр. 4823
فعد عمّا ترى إذ لا ارتجاع له
لأن معناه: فعد همك عما ترى. نهى رسول الله ﷺ أن يزدرى بفقراء المؤمنين، وأن تنبو عينه عن رثاثة زيهم طموحا إلى زىّ الأغنياء وحسن شارتهم (تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا) في موضع الحال، (مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ) من جعلنا قلبه غافلاً عن الذكر بالخذلان، أو وجدناه غافلا عنه، كقولك: أجبنته وأفحمته وأبخلته، إذا وجدته كذلك. أو من أغفل إبله إذا تركها بغير سمة، أي: لم نسمه بالذكر ولم نجعلهم من
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فعد عما ترى إذ لا ارتجاع له)، وتمامه:
وانم القتود على عيرانةٍ أُجُد
نميتُ الشيء على الشيء: رفعته عليه، والقتدُ: خشبُ الرحل، وجمعه أقتادٌ وقتود، والعيرانة: الناقة، شُبهت بالعير في سُرعتها ونشاطها، وناقة أُجُدٌ: قويةٌ موثقةُ الخلق، يقولُ: فعد همك عما ترى، فإنه قد فات عنك بحيث لا ارتجاع له، أي: انصرف عما ترى من تغير الدار وما أنت فيه إذا أيقنت أن لا رجعة، وتشاغل بالرحلة.
قوله: (وحسن شارتهم). الشارة: اللباس والهيئة.
قوله: (جعلنا قلبه غافلاً عن الذكر بالخذلان، أو: وجدناه غافلاً)، الانتصاف: شمر الزمخشري هارباً من الحق، وتجرأ على نفي ما نسبه الله اتباعاً لهواه.
قوله: (وأفحمته)، الجوهري: كلمته حتى أفحمته، أي: أسكته، وأفحمته أي: وجدته مفحماً لا يقول الشعر.
قوله: (أو من: أغفل إبله؛ إذا لم يجعل لها وسماً)، الانتصاف: هذا يمكن مع خلق الغفلة، فلا ضرورة إلى صرف اللفظ عن ظاهره.
стр. 4824
الذين كتبنا في قلوبهم الإيمان وقد أبطل الله توهم المجبرة بقوله (وَاتَّبَعَ هَواهُ) وقرئ: (أغفلنا قلبه)، بإسناد الفعل إلى القلب على معنى: حسبنا قلبه غافلين، من:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقد أبطل الله توهم المجبرة بقوله: (وَاتَّبَعَ هَوَاهُ)) حيث أسند الاتباع إليهم، وعطف بالواو ولم يُرتبه عليه بالفاء، فدل على الاستقلال، وأنهم بأنفسهم يتبعون أهواءهم، وليس (أَغْفَلْنَا) سبباً في الاتباع.
الانتصاف: قدم وجه نسبة فعل العبد إلى نفسه، لكونه مقروناً بقدرته، وإلى الله لكونه مُوجداً له، فأدلة السُّنة تتبعه حيث سلك لا محيص له عنها.
قلتُ: يمكن أن يُقال: إن العطف من أسلوب قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ) بالنمل: ١٥] على راي صاحب "المفتاح" أخبر الله تعالى أنه خق قلوبهم مختوماً عليها وجعل فيها الغفلة، وأخبرهم أنهم اتبعوا أهواءهم، ولم يرتب الثاني على الأول تفويضاً لاستفادته إلى فهم السامع، أو من الأضمار، كما ذهب إليه المصنف في تلك الآية، أي: جعلنا قلبه غافلاً عن الذكر فضل واتبع هواه، كما قال: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً)، فعملا به وعلما الناس وعرفا حق النعمة (وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ) [النمل: ١٥].
قوله: (وقرئ: "أغفلنا قلبه")، قال ابن جني: قرأها عمرو بن فائد، يقال: أغفلت الرجل، وجدته غافلاً.
стр. 4825
أغفلته إذا وجدته غافلاً، (فُرُطاً) متقدّما للحق والصواب نابذاً له وراء ظهره من قولهم «فرس فرط» متقدّم للخيل.
[(وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً)].
(وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُم ْ): (الحق) خبر مبتدأ محذوف. والمعنى: جاء الحق وزاحت
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((الْحَقِّ): خبر مبتدأ محذوف)، أي: هوالحق، كذا قُدر في "آل عمران"، والخبر هو العامل في الظرف. فإن قلت: ما دعاه إلى هذا؟ ولِمَ لم يجعل (مِنْ رَبِّكُمْ) الخبر؟ ومع ذلك كيف قال: جاء الحق؛ فإنه ليس بمقتضى التقدير؟
قلتُ: دعاه مجيء قوله: (وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ) كالفذلكة لما ذكر من مفتتح السورة أو جميع ما جاء به صلوات الله عليه، ثم ترتب ما بعده بالفاء عليه، فالضمير المقدر بمنزلة اسم الإشارة، ومن ثم قدر الواحدي: أي: هذا الحق من ربكم، قال الزجاج: الذي آتيكم به الحق من ربكم، فيكون المعنى: ما جئتكم به من حديثا لكتاب القويم المعري عن كل الاعوجاج، الظاهر الإعجاز، الكاشف عن المغيبات، المحتوي على مكارم الأخلاق، المزيح للعلل والأعذار، المزيل للريب والشبهات - حق واجب ثابت من الرب المالك الرحيم، ثم رتب عليه وعيد من كابر عقله وعاند ربه، ودفع الحق الصُّراح، ووعد من أذعن للحق وآمن وعمل بمقتضاه بقوله: (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)، وعلل ذلك بقوله: (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً) إلى آخر الآيات. ويؤيدُ هذا التأويل ما ذكرهُ الواحدي: قال: قال مجاهدٌ والسديٌّ: قوله: (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) وعيدٌ من الله وإنذارٌ، وقد بيَّنَ
стр. 4826
العلل فلم يبق إلا اختياركم لأنفسكم ما شئتم من الأخذ في طريق النجاة أو في طريق الهلاك. وجيء بلفظ الأمر والتخيير، لأنه لما مكن من اختيار أيهما شاء، فكأنه مخير مأمور بأن يتخير ما شاء من النجدين. شبه ما يحيط بهم من النار بالسرادق، وهو الحجرة التي تكون حول الفسطاط، وبيت مسردق: ذو سرادق وقيل: هو دخان
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعده ما لكل فريق من مؤمن وكافر، فقال: (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً) الآيات، فظهر أن قوله: " (جَاءَ الْحَقُّ)، وزاحت العللُ" تحرير للمعنى وتلخيصٌ له. والله أعلم.
قوله: (وجيء بلفظ الأمر والتخيير؛ لأنه لما مُكن من اختيار أيهما شاء فكأنه مخيرٌ مأمورٌ بأن يتخير ما شاء من النجدين)، قال القاضي: وهو لا يقتضي استقلال العبد بفعله، فإنه وإن كان بمشيئته فمشيئته ليست بمشيئة. المعنى: لا أبالي بإيمان من آمن وكُفر من كفر. وقال الزجاج: هذا الكلامُ ليس بأمرٍ لهم، ما فعلوهُ منه فهم فيه مُطيعون ولكنه كلامٌ فيه وعيدٌ وإنذارٌ.
قوله: (بالسرادق، وهو الحجزة). الراغب: فارسيٌّ معربٌ، وليس في كلامهم اسمٌ مفردُ ثالثه ألفٌ وبعده حرفان، قال تعالى: (أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا)، وقيل: مُسردقٌ: مجعول على هيئة السرادق.
стр. 4827
يحيط بالكفار قبل دخولهم النار. وقيل: حائط من نار يطيف بهم (يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ) كقوله:
… فأعتبوا بالصّيلم
وفيه تهكم. والمهل: ما أذيب من جواهر الأرض. وقيل: دردىّ الزيت يَشْوِي الْوُجُوهَ إذا قدم ليشرب انشوى الوجه من حرارته. عن النبي ﷺ : هو كعكر الزيت، فإذا قرب إليه سقطت فروة وجهه (بِئْسَ الشَّرابُ) ذلك، (وَساءَتْ) النار (مُرْتَفَقاً) متكا من المرفق، وهذا لمشاكلة قوله (وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً) [الكهف: ٣١]، وإلا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فأعتبوا بالصيلم) أوله:
غضبت تميمٌ أن تُقتل عامرٌ … يوم النسار
"النسار" بكسر النون: ماءٌ لبني عامر. و"الصيلمُ": الداهية والأمرُ العظيم. "أُعتبوا" أي: أرضوا. جعل الداهية لهم مكان العتاب الذي يجري بين الأحبة.
قوله: (كعكر الزيت)، الحديث رواه الترمذي، عن أبي سعيد.
النهاية: العكرُ: الدنس والدرن.
قوله: ((مُرْتَفَقاً): مُتكئاً، من المرفق). الجوهري: بات مرتفقاً، أي: متكئاً على مرفق يده. والمرفقة بالكسرة: المخدةُ.
قوله: (وهذا لمشاكلة قوله: (وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً))، أراد أن الآية الثالثة مقابلةٌ لهذه، وهي مفصلةٌ بذكر الارتفاق، فأوجب بموجب المشاكلة المجاوبة بين القرينتين وإن تأخر
стр. 4828
فلا ارتفاق لأهل النار ولا اتكاء، إلا أن يكون من قوله:
إنيّ أرقت فبتّ اللّيل مرتفقًا … كأنّ عينى فيها الصّاب مذبوح
[(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً* أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً)].
(أُولئِكَ) خبر إن (وإِنَّا لا نُضِيعُ) اعتراض، ولك أن تجعل (إِنَّا لا نُضِيعُ) و (أُولئِكَ) خبرين معاً. أو تجعل (أُولئِكَ) كلاماً مستأنفاً بياناً للأجر المبهم. فإن قلت: إذا جعلت إِنَّا لا نُضِيعُ خبرا، فأين الضمير الراجع منه إلى المبتدأ؟ قلت: (مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا والَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) ينتظمهما معنى واحد، فقام (مَنْ أَحْسَنَ) مقام الضمير. أو أردت: من أحسن عملا منهم، فكان كقولك: السمن منوان بدرهم. من الأولى للابتداء، والثانية للتبيين، وتنكير
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المتبوع عن التابع، ولولا المشاكلة كان إثبات (مُرْتَفَقاً) للكفار على سبيل التهكم كإثبات (يُغَاثُوا) لهم.
قوله: (إلا ان يكون من قوله): أي: هذا من المشاكلة، إلا أن يُراد معنى قول الشاعر، وذلك أن (مُرْتَفَقاً) وكأنه عيني إلى آخره: حالان مترادفان. ودلت الثانية على أن الأولى محمولة على غير المتعارف، جعل بالاعداء أفراد جنس المتكأ نوعين، على نحو قوله: تحية بينهم ضربٌ وجيعُ.
فالمعنى إن صح: أن تكون النار متكأ، فكأنالمتكأ ذاك.
قوله: (إني أرقت): سهرت، و"الصابُ": شجرةٌ لها لبنٌ إذا أصاب العين خلبها. الجوهري: الصابُ: عُصارة شجرٍ مُر.
стр. 4829
(أَساوِرَ) لإبهام أمرها في الحسن. وجمع بين السندس: وهو ما رقّ من الديباج، وبين الإستبرق: وهو الغليظ منه، جمعا بين النوعين. وخص الاتكاء، لأنه هيئة المنعمين والملوك على أسرتهم.
[(وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً* كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً* وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالاً وَأَعَزُّ نَفَراً)].
(وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ) أي ومثل حال الكافرين والمؤمنين، بحال رجلين وكانا أخوين في بني إسرائيل: أحدهما كافر اسمه قطروس، والآخر مؤمن اسمه يهوذا. وقيل: هما المذكوران في سورة (والصافات) في قوله قالَ: (قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ) [الصافات: ٥١]، ورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينار، فتشاطراها. فاشترى الكافر أرضا بألف، فقال المؤمن: اللهم إن أخي اشترى أرضا بألف دينار، وأنا أشترى منك أرضا في الجنة بألف، فتصدّق به. ثم بنى أخوه دارًا بألف، فقال: اللهم إني أشترى منك دارا في الجنة بألف فتصدّق به. ثم تزوّج أخوه امرأة بألف، فقال: اللهم إني جعلت ألفا صداقا للحور. ثم اشترى أخوه خدما ومتاعا بألف، فقال: اللهم إني اشتريت منك الولدان المخلدين بألف، فتصدّق به ثم أصابته حاجة، فجلس لأخيه على طريقه فمرّ به في حشمه، فتعرّض له، فطرده ووبخه على التصدّق بماله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((أَسَاوِرَ). الراغب: سوار المرأة: مُعربٌ، وأصله دستواره، وكيف ما كان فقد استعمله العربُ، واشتق منه: سورت الجارية، قال تعالى: (فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ) [الزخرف: ٥٣]، وقال تعالى: (وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ) [الإنسان: ٢١]، واستعمال أسورة في الذهب وتخصيصها بقوله: (أُلْقِيَ)، واستعمالها في الفضة وتخصيصها به بقوله: "حُلوا" فائدةٌ، فليُتأمل.
стр. 4830
وقيل: هما مثل لأخوين من بنى مخزوم: مؤمن وهو أبو سلمة عبد الله بن عبد الأشد، وكان زوج أمّ سلمة قبل رسول الله ﷺ . وكافر وهو الأسود بن عبد الأسد.
(جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ) بستانين من كروم (وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ) وجعلنا النخل محيطا بالجنتين، وهذا مما يؤثره الدهاقين في كرومهم: أن يجعلوها مؤزرة بالأشجار المثمرة. يقال: حفوه، إذا أطافوا به: وحففته بهم. أي جعلتهم حافين حوله، وهو متعدّ إلى مفعول واحد «فتزيده الباء مفعولا ثانيا، كقولك: غشيه، وغشيته به (وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً) جعلناها أرضاً جامعة للأقوات والفواكه. ووصف العمارة بأنها متواصلة متشابكة لم يتوسطها ما يقطعها ويفصل بينها، مع الشكل الحسن والترتيب الأنيق، ونعتهما بوفاء الثمار وتمام الأكل من غير نقص، ثم بما وهو أصل الخير ومادّته من أمر الشرب فجعله أفضل ما يسقى به، وهو
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (عبد الله بن عبد الأشد) بالشين المعجمة. وفي "الجامع": هو أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال المخزومي، الأسد، بالسين المهملة. وفي "الاستيعاب": هو زوج أم سلمة قبل النبي ﷺ .
قوله: (مؤزرة بالأشجار). الأساس: ومن المجاز: الزرعُ يؤازر بعضه بعضاً؛ إذا تلاحق والتف، وتأزر النبت.
قوله: (من أمر الشرب): بيان ما هو أصل الخير. الشربُ: يروي بكسر الشين.
الجوهري: شرب الماء وغيره شرباً، وقرئ: (فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ) [الواقعة: ٥٥] بالوجوه الثلاثة. قال أبوعبيدة: بالفتح: المصدر، وبالضم والكسر: اسمان. وهاهنا: اسمٌ.
стр. 4831
السيح بالنهر الجاري فيها. والأكل: الثمر. وقرئ بضم الكاف (وَلَمْ تَظْلِمْ) ولم تنقص. وآتت: حمل على اللفظ، لأنّ (كِلْتَا) لفظه لفظ مفرد، ولو قيل: آتتا على المعنى، لجاز. وقرئ: (وفجرنا)، على التخفيف. وقرأ عبد الله: (كل الجنتين آتى أكله)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وهذا المعنى ينظرٌ إلى ما قال في "البقرة" في قوله: (جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ) [البقرة: ٢٥]، ولولا أن الماء الجاري من النعمة العُظمى واللذة الكبرى، وأن الجنان والرياض، وإن كانت أنقى شيء وأحسنهُ لا تروقُ النواظر ولا تبهج الأنفس حتى يجري فيها الماء، ثم قوله: "فجعله أفضل ما يُسقى به، وهو السيح بالنهر" إشارةٌ إلى فائدة تخصيص ذكر النهر وأنه تتميمٌ للمعنى، وترتيبه للفائدة المطلوبة.
قوله: (السيح بالنهر الجاري). الأساس: ساح الماء علىوجه الأرض سيحا، وماءٌ سائح، وأساح فلانٌ نهرا: أجراه.
قوله: (لأن (كلتا) لفظه لفظ مفرد، ولو قيل آتتا، على المعنى: لجاز). قال الحريري في "دُرة الغواص": يقولون: كلا الرجلين خرجا، وكلتا المرأتين حضرتا، والاختيار أن يوحد الخبر فيهما؛ لأن كلتا وكلتي: اسمان مفردان وضعا لتأيد الاثنين والاثنتين، وبهذا نطق التنزيل: (كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا)، وعليه قول الشاعر:
كلانا ينادي يا نزارُ وبيننا … قنا من قنا الخطي أو من قنا الهند
حيث لم يقل: يناديان. وقال الآخر:
كلانا غنيٌّ عن أخيه حياتهُ … ونحن إذا متنا أشد تغانيا
حيث لم يقل: غنيان، فإن وُجد في الأشعار تثنية الخبر عن "كلا" و"كلتا" فهو مما حُمل
стр. 4832
بردّ الضمير على كل (وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ) أي أنواع من المال، من ثمر ماله إذا كثر. وعن مجاهد: الذهب والفضة، أي: كانت له إلى الجنتين الموصوفتين الأموال الدثرة من الذهب والفضة وغيرهما، وكان وافر اليسار من كل وجه، متمكنا من عمارة الأرض كيف شاء (وَأَعَزُّ نَفَراً) يعنى أنصاراً وحشماً. وقيل: أولادا ذكورا، لأنهم ينفرون معه دون الإناث، (يحاوره) يراجعه الكلام، من حار يحور إذا رجع، وسألته فما أحار كلمة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
على المعنى أو لضرورة الشعر.
قوله: (الدثرة). الأساس: وهو يتدثر بالمال، وماله دثرٌ، وذهبأهل الدثور بالأجور.
النهاية: الدثر: المال الكثير، يقع على الواحد والاثنين والجمع.
قوله: (من: حار يحور؛ إذا رجع). الراغب: الحورُ: التردد إما بالذات أو بالتفكر. وقوله تعالى: (إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ) [الانشقاق: ١٤]، أي: لن يُبعث، وحار في الغدير: تردد فيه، وحار في أمره تحير، ومنه المحور: للعود الذي تجري عليه البكرة لتردده، وبهذا النظر قيل: "سيرُ السواني أبداً لا ينقطع"، محارة الأذُن: لظاهره المنقعر: تشبيهاً بمحارة الماء، لتردد الهواء بالصوت فيه كتردد الماء في المحارة، والقوم في محور، أي: ترددٍ إلى نُقصان. وقيل نعوذُ بالله من الحور عبد الكور، أي من التردد في الأمر بعد المضي فيه، أو من نقصان وتردد في الحال بعد الزيادة فيها. وقيل: حار بعد ما كار، والمحاورة والحوار: المرادة في الكلام، ومنه التحاور، وكلمته فما رجع إلى حواراً أو حويراً او محورة، والحورُ: جمع أحور وحوراء.
стр. 4833
[(وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً* وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً)].
يعني: قطروس أخذ بيد أخيه المسلم يطوف به في الجنتين ويريه ما فيهما ويعجبه منهما ويفاخره بما ملك من المال دونه. فإن قلت: فلم أفرد الجنة بعد التثنية؟ قلت: معناه ودخل ما هو جنته ما له جنة غيرها، يعنى أنه لا نصيب له في الجنة التي وعد المؤمنون، فما ملكه في الدنيا هو جنته لا غير، ولم يقصد الجنتين ولا واحدة منهما (وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ) وهو معجب بما أوتى مفتخر به كافر لنعمة ربه، معرّض بذلك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (معناه: ودخل ما هو جنته)، أي: ما يقال له: إنه جنته. قال القاضي: المراد ما هو جنته، وهو: ما مُتع به من الدنيا تنبيهاً على أنه لا جنة له غيرها ولا حظ له في الجنة التي وُعد المتقون، والتعريف فيه للعهد الذهني، و"ما" موصولة منصوبة المحل بـ"دخل".
قوله: (ما له جنةٌ غيرها). الجملة مؤكدة لمعنى الأولى؛ لأنه إذا كان جنسُ جنته هذا، لا يكون له غيرها. قال صاحب "الفرائد": هناك القصد إلى أن له كذا وكذا، فلابد من ذكر الثنتين، وما اكن بينهما وما يُضاف إليهما، وهاهنا القصد إلى أنه قال وقت الدخول ما لا ينبغي له أن يقول، فلا افتقار إلى ذكر التثنية، بل يكتفى بما يدل على جنس ما كان له، فالواحد والتثنية سواء بهذا الاعتبار.
وقال القاضي: ويجوز أن يكون الجنتان لاتصال كل واحدةٍ من جنتيه بالأخرى كجنة واحدة، أو يكون الدخول واحدة واحدة.
قوله: ((وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ): وهو معجبٌ بما أوتي مفتخرٌ به). قال صاحب "الفرائد": هو ناقصٌ لنفسه؛ لأن من كفر النعمة نقص نفسه، باعتبارأن الكفران يوجب فقدان
стр. 4834
نفسه لسخط الله، وهو أفحش الظلم. إخباره عن نفسه بالشك في بيدودة جنته: لطول أمله واستيلاء الحرص عليه وتمادى غفلته واغتراره بالمهلة وإطراحه النظر في عواقب أمثاله. وترى أكثر الأغنياء من المسلمين وإن لم يطلقوا بنحو هذا ألسنتهم، فإن ألسنة أحوالهم ناطقة به منادية عليه، (وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي) إقسام منه على أنه إن ردّ إلى ربه على سبيل الفرض والتقدير وكما يزعم صاحبه، ليجدنّ في الآخرة خيرا من جنته في الدنيا، تطمعا وتمنيا على الله، وادّعاء لكرامته عليه ومكانته عنده، وأنه ما أولاه الجنتين إلا لاستحقاقه واستئهاله، وأنّ معه هذا الاستحقاق أينما توجه، كقوله: (إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى) [فصلت: ٥٠]، (لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً) [مريم: ٧٧]
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
النعمة، فكأن نفسه منقوصة، أو لأن الكفران مؤد إلى الهلاك، كقوله: (لَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) [إبراهيم: ٧].
وقلتُ: مرادُ المصنف أن معنى قوله تعالى: (ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ) محمولٌ على معنى الظلم، وهو وضع الشيء في غير موضعه، كان من موجب دخول جنته ونظره أرضاً جامعةً للأقوات والفواكه مع الشكل الحسن والترتيب الأنيق، كما وصفه الله تعالى: أن يتواضع لله ويشكره على ذلك بما يستطيع من بذل الجهد واستفراغ الطوق، فوضع مكان الشكر والتواضع الإعجاب والافتخار والكفران، فعرض بذلك نفسه لسخط الله وغاية الهوان والنكال، كقوله تعالى: (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) [الواقعة: ٨٢]، أي: تجعلون شُكر رزقكم التكذيب، أي: وضعتم التكذيب موضع الشكر.
قوله: (في بيدودة جنته). الجوهري: باد الشيء يبيد بيداً وبيوداً: هلك.
قوله: ((وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي): إقسام منه)، أي: اللام موطئة للقسم.
قوله: ((لأوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً) [مريم: ٧٧]): يريدُ أن هذا القول يشبه قول العاص بن وائل حين تقاضاه خبابٌ مالاً له عليه، فقال له: لا، تحى تكفر بمحمد. قال: لا والله، لا
стр. 4835
وقرئ: (خيراً منهما)، ردّا على الجنتين (مُنْقَلَباً) مرجعا وعاقبة. وانتصابه على التمييز، أي: منقلب تلك، خير من منقلب هذه، لأنها فانية وتلك باقية.
[(قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً)].
(خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ) أي: خلق أصلك، لأنّ خلق أصله سبب في خلقه، فكان خلقه خلقا له سَوَّاكَ عدلك وكملك إنسانا ذكرا بالغا مبلغ الرجال. جعله كافراً بالله جاحداً لأنعمه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أكفرُ بمحمدٍ حياً ولا ميتاً، ولا حين تُبعث. قال: فإني إذا متُّ بعثتُ؟ قلتُ: نعم. قال: فإذا بُعثتُ جئني فيكون لي ثم مالٌ وولدٌ فأعطيك.
قوله: (وقرئ: "خيراً منهما"): نافعٌ وابن عامر.
قوله: (جعله كافراً بالله)، أي: جعل صاحبه كافراً بالله بقوله: (أَكَفَرْتُ) لأجل شكه في البعث، حيث قال: (وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً)؛ لأن منشأة الشك في كمال قدرة الله وفي كونه عالماً بالحركات، كما يلزمُ من تكذيب المرسل الكفرُ بالمرسل، وفيه تغليظ إنكار الحشر. قال القاضي: ولذلك رتب الإنكار على خلقه إياه من التراب، فإن من قدر على ما خلقه منه قدر أن يعيده منه.
следующие страницы →