Полный текст (9 345 стр.). Показаны 4831–4870 · переход к 4836.
стр. 4831
السيح بالنهر الجاري فيها. والأكل: الثمر. وقرئ بضم الكاف (وَلَمْ تَظْلِمْ) ولم تنقص. وآتت: حمل على اللفظ، لأنّ (كِلْتَا) لفظه لفظ مفرد، ولو قيل: آتتا على المعنى، لجاز. وقرئ: (وفجرنا)، على التخفيف. وقرأ عبد الله: (كل الجنتين آتى أكله)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وهذا المعنى ينظرٌ إلى ما قال في "البقرة" في قوله: (جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ) [البقرة: ٢٥]، ولولا أن الماء الجاري من النعمة العُظمى واللذة الكبرى، وأن الجنان والرياض، وإن كانت أنقى شيء وأحسنهُ لا تروقُ النواظر ولا تبهج الأنفس حتى يجري فيها الماء، ثم قوله: "فجعله أفضل ما يُسقى به، وهو السيح بالنهر" إشارةٌ إلى فائدة تخصيص ذكر النهر وأنه تتميمٌ للمعنى، وترتيبه للفائدة المطلوبة.
قوله: (السيح بالنهر الجاري). الأساس: ساح الماء علىوجه الأرض سيحا، وماءٌ سائح، وأساح فلانٌ نهرا: أجراه.
قوله: (لأن (كلتا) لفظه لفظ مفرد، ولو قيل آتتا، على المعنى: لجاز). قال الحريري في "دُرة الغواص": يقولون: كلا الرجلين خرجا، وكلتا المرأتين حضرتا، والاختيار أن يوحد الخبر فيهما؛ لأن كلتا وكلتي: اسمان مفردان وضعا لتأيد الاثنين والاثنتين، وبهذا نطق التنزيل: (كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا)، وعليه قول الشاعر:
كلانا ينادي يا نزارُ وبيننا … قنا من قنا الخطي أو من قنا الهند
حيث لم يقل: يناديان. وقال الآخر:
كلانا غنيٌّ عن أخيه حياتهُ … ونحن إذا متنا أشد تغانيا
حيث لم يقل: غنيان، فإن وُجد في الأشعار تثنية الخبر عن "كلا" و"كلتا" فهو مما حُمل
стр. 4832
بردّ الضمير على كل (وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ) أي أنواع من المال، من ثمر ماله إذا كثر. وعن مجاهد: الذهب والفضة، أي: كانت له إلى الجنتين الموصوفتين الأموال الدثرة من الذهب والفضة وغيرهما، وكان وافر اليسار من كل وجه، متمكنا من عمارة الأرض كيف شاء (وَأَعَزُّ نَفَراً) يعنى أنصاراً وحشماً. وقيل: أولادا ذكورا، لأنهم ينفرون معه دون الإناث، (يحاوره) يراجعه الكلام، من حار يحور إذا رجع، وسألته فما أحار كلمة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
على المعنى أو لضرورة الشعر.
قوله: (الدثرة). الأساس: وهو يتدثر بالمال، وماله دثرٌ، وذهبأهل الدثور بالأجور.
النهاية: الدثر: المال الكثير، يقع على الواحد والاثنين والجمع.
قوله: (من: حار يحور؛ إذا رجع). الراغب: الحورُ: التردد إما بالذات أو بالتفكر. وقوله تعالى: (إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ) [الانشقاق: ١٤]، أي: لن يُبعث، وحار في الغدير: تردد فيه، وحار في أمره تحير، ومنه المحور: للعود الذي تجري عليه البكرة لتردده، وبهذا النظر قيل: "سيرُ السواني أبداً لا ينقطع"، محارة الأذُن: لظاهره المنقعر: تشبيهاً بمحارة الماء، لتردد الهواء بالصوت فيه كتردد الماء في المحارة، والقوم في محور، أي: ترددٍ إلى نُقصان. وقيل نعوذُ بالله من الحور عبد الكور، أي من التردد في الأمر بعد المضي فيه، أو من نقصان وتردد في الحال بعد الزيادة فيها. وقيل: حار بعد ما كار، والمحاورة والحوار: المرادة في الكلام، ومنه التحاور، وكلمته فما رجع إلى حواراً أو حويراً او محورة، والحورُ: جمع أحور وحوراء.
стр. 4833
[(وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً* وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً)].
يعني: قطروس أخذ بيد أخيه المسلم يطوف به في الجنتين ويريه ما فيهما ويعجبه منهما ويفاخره بما ملك من المال دونه. فإن قلت: فلم أفرد الجنة بعد التثنية؟ قلت: معناه ودخل ما هو جنته ما له جنة غيرها، يعنى أنه لا نصيب له في الجنة التي وعد المؤمنون، فما ملكه في الدنيا هو جنته لا غير، ولم يقصد الجنتين ولا واحدة منهما (وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ) وهو معجب بما أوتى مفتخر به كافر لنعمة ربه، معرّض بذلك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (معناه: ودخل ما هو جنته)، أي: ما يقال له: إنه جنته. قال القاضي: المراد ما هو جنته، وهو: ما مُتع به من الدنيا تنبيهاً على أنه لا جنة له غيرها ولا حظ له في الجنة التي وُعد المتقون، والتعريف فيه للعهد الذهني، و"ما" موصولة منصوبة المحل بـ"دخل".
قوله: (ما له جنةٌ غيرها). الجملة مؤكدة لمعنى الأولى؛ لأنه إذا كان جنسُ جنته هذا، لا يكون له غيرها. قال صاحب "الفرائد": هناك القصد إلى أن له كذا وكذا، فلابد من ذكر الثنتين، وما اكن بينهما وما يُضاف إليهما، وهاهنا القصد إلى أنه قال وقت الدخول ما لا ينبغي له أن يقول، فلا افتقار إلى ذكر التثنية، بل يكتفى بما يدل على جنس ما كان له، فالواحد والتثنية سواء بهذا الاعتبار.
وقال القاضي: ويجوز أن يكون الجنتان لاتصال كل واحدةٍ من جنتيه بالأخرى كجنة واحدة، أو يكون الدخول واحدة واحدة.
قوله: ((وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ): وهو معجبٌ بما أوتي مفتخرٌ به). قال صاحب "الفرائد": هو ناقصٌ لنفسه؛ لأن من كفر النعمة نقص نفسه، باعتبارأن الكفران يوجب فقدان
стр. 4834
نفسه لسخط الله، وهو أفحش الظلم. إخباره عن نفسه بالشك في بيدودة جنته: لطول أمله واستيلاء الحرص عليه وتمادى غفلته واغتراره بالمهلة وإطراحه النظر في عواقب أمثاله. وترى أكثر الأغنياء من المسلمين وإن لم يطلقوا بنحو هذا ألسنتهم، فإن ألسنة أحوالهم ناطقة به منادية عليه، (وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي) إقسام منه على أنه إن ردّ إلى ربه على سبيل الفرض والتقدير وكما يزعم صاحبه، ليجدنّ في الآخرة خيرا من جنته في الدنيا، تطمعا وتمنيا على الله، وادّعاء لكرامته عليه ومكانته عنده، وأنه ما أولاه الجنتين إلا لاستحقاقه واستئهاله، وأنّ معه هذا الاستحقاق أينما توجه، كقوله: (إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى) [فصلت: ٥٠]، (لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً) [مريم: ٧٧]
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
النعمة، فكأن نفسه منقوصة، أو لأن الكفران مؤد إلى الهلاك، كقوله: (لَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) [إبراهيم: ٧].
وقلتُ: مرادُ المصنف أن معنى قوله تعالى: (ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ) محمولٌ على معنى الظلم، وهو وضع الشيء في غير موضعه، كان من موجب دخول جنته ونظره أرضاً جامعةً للأقوات والفواكه مع الشكل الحسن والترتيب الأنيق، كما وصفه الله تعالى: أن يتواضع لله ويشكره على ذلك بما يستطيع من بذل الجهد واستفراغ الطوق، فوضع مكان الشكر والتواضع الإعجاب والافتخار والكفران، فعرض بذلك نفسه لسخط الله وغاية الهوان والنكال، كقوله تعالى: (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) [الواقعة: ٨٢]، أي: تجعلون شُكر رزقكم التكذيب، أي: وضعتم التكذيب موضع الشكر.
قوله: (في بيدودة جنته). الجوهري: باد الشيء يبيد بيداً وبيوداً: هلك.
قوله: ((وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي): إقسام منه)، أي: اللام موطئة للقسم.
قوله: ((لأوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً) [مريم: ٧٧]): يريدُ أن هذا القول يشبه قول العاص بن وائل حين تقاضاه خبابٌ مالاً له عليه، فقال له: لا، تحى تكفر بمحمد. قال: لا والله، لا
стр. 4835
وقرئ: (خيراً منهما)، ردّا على الجنتين (مُنْقَلَباً) مرجعا وعاقبة. وانتصابه على التمييز، أي: منقلب تلك، خير من منقلب هذه، لأنها فانية وتلك باقية.
[(قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً)].
(خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ) أي: خلق أصلك، لأنّ خلق أصله سبب في خلقه، فكان خلقه خلقا له سَوَّاكَ عدلك وكملك إنسانا ذكرا بالغا مبلغ الرجال. جعله كافراً بالله جاحداً لأنعمه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أكفرُ بمحمدٍ حياً ولا ميتاً، ولا حين تُبعث. قال: فإني إذا متُّ بعثتُ؟ قلتُ: نعم. قال: فإذا بُعثتُ جئني فيكون لي ثم مالٌ وولدٌ فأعطيك.
قوله: (وقرئ: "خيراً منهما"): نافعٌ وابن عامر.
قوله: (جعله كافراً بالله)، أي: جعل صاحبه كافراً بالله بقوله: (أَكَفَرْتُ) لأجل شكه في البعث، حيث قال: (وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً)؛ لأن منشأة الشك في كمال قدرة الله وفي كونه عالماً بالحركات، كما يلزمُ من تكذيب المرسل الكفرُ بالمرسل، وفيه تغليظ إنكار الحشر. قال القاضي: ولذلك رتب الإنكار على خلقه إياه من التراب، فإن من قدر على ما خلقه منه قدر أن يعيده منه.
стр. 4836
لشكه في البعث، كما يكون المكذب بالرسول ﷺ كافراً.
[(لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً)].
(لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي) أصله: (لكن أنا)، فحذفت الهمزة وألقيت حركتها على
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقلتُ: إنما قرن المصنف قوله: "جاحداً لأنعمه" بقوله: "كافراً بالله" ليؤذن بأن قوله: (أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ) رد لقوله: (وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً)، ولدخوله ظالماً لنفسه واضعاً موضع الشكر الافتخار والإعجاب مكا سبق، فجعل (أَكَفَرْتَ) مستعملاً في الكفر بالله وكفران الننعمة ولكونهما متوافقين، كقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ) [الأحزاب: ٥٦] أو في القدر المشترك، وهو الستر والتغطية، فكما أن كافر النعمة يحاول في ستر ما يوجب الإشادة والظهور من النعم، كذلك الكافرُيزاول في لبس الحق بالباطل.
وقوله: (لشكه في البعث) يجوز أن يكون تعليلاً لجعله كافراً بالله، وأن يكون له ولقوله: "جاحداًلانعمه"؛ لأن في الإعادة نعمةً للمؤمنين، وأي نعمةٍ ليست فوقها نعمة؟
قوله: ((لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي) أصله: "لكن أنا"). قال صاحب "التيسير": قرأ ابن عامر (لَكِنَّا) بإثبات الألف في الوصل، والباقون بحذفها، إثباتُها في الوقف إجماع.
وقال ابن جني: قرأ أبي بن كعب والحسن: " لَكِنْ أنا)، وهي أصل قاءة أ [ي عمرو وغيره: (لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي) فخففت همزة "أنا" بأن حُذفت وألقيت حركتها على ما قبلها فصارت "لكننا"، ثم التقت النونان متحرتين فأسكنت الأولى وأدغمت في الثانية فصارت "لكن" في الإدراج، فإذا وقفت ألحقت الألف لبيان الحركة، فقُلت: (لَكِنَّا) فـ"أنا" على هذا: مرفوعٌ بالابتداء، وخبره: الجملة، وهي مركبة من مبتدأ وخبر، فالمبتدأ: (اللَّهُ)، والخبر: (رَبِّي)، والجملة خبر: (هُوَ)، و (هُوَ) وما بعده من الجملة: خبرٌ عن (أنا)، والعائدُ عليه من الجملة بعده الياء في (رَبِّي)، كقولك: أنا قام غُلامي.
стр. 4837
نون "لكن"، فتلاقت النونان فكان الإدغام. ونحوه قول القائل:
وترميننى بالطّرف أى أنت مذنبٌ … وتقليننى لكنّ إيّاك لا أقلى
أي: لكن أنا لا أقليك وهو ضمير الشأن، والشأن الله ربي، والجملة خبر أنا، والراجع منها إليه ياء الضمير. وقرأ ابن عامر بإثبات ألف أنا في الوصل والوقف جميعا، وحسن ذلك وقوع الألف عوضا من حذف الهمزة. وغيره لا يثبتها إلا في الوقف. وعن أبي عمرو أنه وقف بالهاء: لكنه. وقرئ: (لكن هو الله ربي)، بسكون
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فإن قلت: فما العائد على (هُوَ) من الجملة بعده التي هي خبرٌ عنه؟ قلتُ: لا عائد على المبتدأ أبداًإذا كان ضمير الشأن والقصة؛ لأن المبتدأ إنما احتاج إلى العائد من الخبر إذا كانت جملةً؛ لأنها لست هي المبتدأ، نحو: زيدٌ قائمٌ أبوه؛ لأن "زيداً" ليس بقولك: "قائم أبوه" في المعنى، فاحتاجت إلى عود ضمير منها عليه ليلتبس ذلك الضمير بجملته. وأما ما نحن بصدده فهو الجملة نفسها.
قوله: (وترمينني بالطرف) البيت، تقلينني: أي: تُبغضينني. قيل: "لكن" وجهُه أن يكون أصله: لكنه إياك، على أن الضمير للشان، ثم حُذف. ولو قيل: إن الأصل: لكنني إياك، ثم حُذف اسم "لكن" وهو ضمير المتكلم مع نون الوقاية لكان وجهاً.
قوله: (وترمينني بالطرف). الأساس: ومن المجاز: رماه بعينه، ورماه بالفاحشة.
قوله: (أي: لكن أنا لا أقلبك). يريد: أن "إياك" ليس منصوبا بـ"لكن"، وهو ضمير مفعول قُدم على عامله، إما للاختصاص أو القافية.
قوله: (وقرئ: " لَكِن هُوَ اللَّهُ رَبِّي)، قال ابن جني: هي قراءة عيسى الثقفي، و"هُو":
стр. 4838
النون وطرح أنا. وقرأ أبيّ بن كعب: لكن أنا على الأصل. وفي قراءة عبد الله: لكن أنا لا إله إلا هو ربى. فإن قلت: هو استدراك لماذا؟ قلت: لقوله أَكَفَرْتَ قال لأخيه: أنت كافر بالله، لكنى مؤمن موحد، كما تقول: زيد غائب، لكن عمرا حاضر.
[(وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالاً وَوَلَداً* فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً* أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً)].
(ما شاءَ اللَّهُ) يجوز أن تكون (ما) موصولة مرفوعة المحل على أنها خبر مبتدأٍ محذوف، تقديره: الأمر ما شاء الله. أو شرطية منصوبة الموضع والجزاء محذوف، بمعنى: أي شيء شاء الله كان. ونظيرها في حذف الجواب (لَوْ) في قوله: (وَلَوْ أَنَّ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ضمير الشأن، والجملة بعده: خبرٌ عنه.
قوله: (أنت كافرٌ بالله، لكني مؤمنٌ موحدٌ)، هذا تلخيص الكلامين المتغايرين لتصحيح إدخال "لكنْ" بينهما، وأما اعتبار مفردات التركيب فمفوض إلى الذهن، فقوله: (أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً) مقابل لقوله: (هُوَ اللَّهُ رَبِّي)، وقوله: (أَكَفَرْتَ) مقابل لقوله: (وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً) دل هذا على التوحيد الصرف والإخلاص التام.
قوله: (أو شرطية منصوبة الموضع). قال أبو البقاء: هي شرطية في موضع نصب بـ (شَاءَ)، والجواب محذوف، أي: ما شاء الله كان.
قوله: (ونظيرُها)، أي: نظيرُ "ما" الشرطية في حذف الجواب: لفظةٌ "لو" في تلك الآية، فـ"نظيرُها": مبتدأٌ، والخبرُ: "لو".
стр. 4839
قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ) [الرعد: ٣١]، والمعنى: هلا قلت عند دخولها والنظر إلى ما رزقك الله منها الأمر ما شاء الله، اعترافا بأنها وكلّ خير فيها إنما حصل بمشيئة الله وفضله، وأن أمرها بيده: إن شاء تركها عامرة وإن شاء خرّبها، وقلت (لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) إقراراً بأن ما قويت به على عمارتها وتدبير أمرها إنما هو بمعونته وتأييده، إذ لا يقوى أحد في بدنه ولا في ملك يده إلا بالله تعالى. وعن عروة بن الزبير أنه كان يثلم حائطه أيام الرطب، فيدخل من شاء. وكان إذا دخله ردّد هذه الآية حتى يخرج. من قرأ أَقَلَّ بالنصب فقد جعل أنا فصلا، ومن رفع جعله مبتدأ وأقلّ خبره، والجملة مفعولاً. ثانياً لترنى. وفي قوله وَوَلَداً نصرة لمن فسر النفر بالأولاد في قوله (وَأَعَزُّ نَفَراً) [الكهف: ٣٤]، والمعنى إن ترني أفقر منك فأنا أتوقع من صنع الله أن يقلب ما بى وما بك من الفقر والغنى، فيرزقنى لإيمانى جنة خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ ويسلبك لكفرك نعمته ويخرّب بستانك. والحسبان: مصدر كالغفران والبطلان، بمعنى الحساب، أي: مقدارا قدره الله وحسبه، وهو الحكم بتخريبها وقال الزجاج: عذاب حسبان، وذلك الحسبان حساب ما كسبت يداك. وقيل حسبانا مرامي الواحدة حسبانة وهي الصواعق صَعِيداً زَلَقاً أرضا بيضاء يزلق عليها لملامتها زلقاً) و (غَوْراً) كلاهما وصف بالمصدر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والحسبان مصدرٌ، كالغفران والبطلان، بمعنى الحساب). قال صاحب "الفرائد": هو مصدرٌ بمعنى اسم المفعول، أي: شيئاً مما يُعد، أي: يدخل في الحساب ويعتد به، من أنواع العذاب المرتبة على الأمر المتوقع أن يقع بسبب الكفر.
الراغب: (حُسْبَاناً): ناراً وعذابا، ً وإنما هو في الحقيقة: ما يُحاسب عليه، فيجازى بحسبه.
قوله: (يزلق عليها لملاستها). الراغب: الزلق والزلل متقاربان. قال تعالى:
стр. 4840
[(وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً*وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مُنْتَصِراً)].
(وَأُحِيطَ) به عبارة عن إهلاكه. وأصله من أحاط به العدوّ، لأنه إذا أحاط به فقد ملكه واستولى عليه، ثم استعمل في كل إهلاك. ومنه قوله تعالى إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ ومثله قولهم: أتى عليه، إذا أهلكه، من أتى عليهم العدوّ: إذا جاءهم مستعليا عليهم. وتقليب الكفين: كناية عن الندم والتحسر، لأنّ النادم يقلب كفيه ظهرا لبطن، كما كنى عن ذلك بعض الكف والسقوط في اليد، ولأنه في معنى الندم عدّى تعديته بعلى، كأنه قيل: فأصبح يندم عَلى ما أَنْفَقَ فِيها أي أنفق في عمارتها (وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً) أي: دحضاً لا نبات فيه، كقوله تعالى: (فَتَرَكَهُ صَلْداً) [البقرة: ٢٦٤]، يقال: زلقه وأزلقه فزلق، قال تعالى: (وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ) [القلم: ٥١]، وذلك كقول الشاعر:
نظراً يزيل مواطئ الأقدام
قال يونس: لم يُسمع الزلقُ والإزلاقُ إلا في القرآن، ورُوي أن أبي بن كعب قرأ: (وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ) [الشعراء: ٦٤]، أي: أهلكنا.
قوله: (ظهر البطنٍ). الأساس: قلبتُ الأمر ظهراً لبطن، قال عمر بن أبي ربيعة:
وضربنا الحديث ظهرا لبطنٍ … وأتينا من أمرنا ما اشتهينا
نصب "ظهرا لبطنٍ" على أنه مفعولٌ مطلق، أي: يُقلبُ كفيه تقليباً.
стр. 4841
عُرُوشِها) يعني أنّ كرومها المعرشة سقطت عروشها على الأرض، وسقطت فوقها الكروم. قيل: أرسل الله عليها نارا فأكلتها (يا لَيْتَنِي) تذكر موعظة أخيه فعلم أنه أتى من جهة شركه وطغيانه، فتمنى لو لم يكن مشركا حتى لا يهلك الله بستانه. ويجوز أن يكون توبة من الشرك، وندما على ما كان منه، ودخولا في الإيمان. وقرئ: (وَلَمْ تَكُنْ) بالياء والتاء، وحمل (يَنْصُرُونَهُ) على المعنى دون اللفظ، كقوله: (فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ) [آل عمران: ١٣]. فإن قلت: ما معنى قوله (يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ)؟ قلت: معناه يقدرون على نصرته من دون الله، أي:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: (وَلَمْ تَكُنْ) بالياء والتاء)، حمزة والكسائي: بالياء التحتاني، والباقون: بالتاء.
قوله: (وحُمل (يَنصُرُونَهُ) على المعنى)؛ لأن الفئة ناسٌ وجماعة، ولو كان (تَنصُرُونَهُ) بالتاء الفوقانية لكان حملاً على اللفظ، والاستشهاد بقوله: (فِئَةٌ تُقَاتِلُ) [آل عمران: ١٣] بالتاء الفوقانية، لأجل الحمل على اللفظ.
قوله: (معناه: يقدرون على نُصرته)، قال صاحب "الفرائد": "وضعُ "يَنصُرونَ" موضع "يقدرون": وضعُ الملزوم موضع اللازم، وهو من باب المجاز، وتركُ الحقيقة إلى المجاز لا يجوز إلا بقرينة، وهي هاهنا: (مِنْ دُونِ اللَّهِ)؛ لأن حاصل (مِنْ دُونِ اللَّهِ): إلا الله، فكأنه قيل: لا ينصره أحد إلا الله، وهو كقولك: لم ينصرني أحدٌ من دون زيد، يُفهم منه أن زيداً ينصرك، ولما لم ينصره الله عثلم أن المراد من النصرة القدرة عليه.
وقلتُ: نظيره قوله تعالى: (إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ) [الأنبياء: ١٠٤] أي: قادرين، وقوله: (فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ) [النحل: ٩٨]، أي: إذا اردت القراءة فاستعذ؛ لأن الفعل يوجدُ بقدرة الفاعل تارة وأخرى بإرادته، فهو من إطلاق المسبب على السبب.
стр. 4842
هو وحده القادر على نصرته لا يقدر أحد غيره أن ينصره إلا أنه لم ينصره لصارف وهو استيجابه أن يخذل (وَما كانَ مُنْتَصِراً) وما كان ممتنعا بقوّته عن انتقام الله.
[(هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وَخَيْرٌ عُقْباً)].
(الْوَلايَةُ) بالفتح النصرة والتولي، وبالكسر السلطان والملك، وقد قرئ بهما. والمعنى هنالك، أي: في ذلك المقام وتلك الحال النصرة لله وحده، لا يملكها غيره، ولا يستطيعها أحد سواه، تقريرا لقوله (وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ) [الكهف: ٤٣].
أو: هنالك السلطان والملك لله لا يغلب ولا يمتنع منه. أو في مثل تلك الحال الشديدة يتولى الله ويؤمن به كل مضطرّ. يعنى أنّ قوله (يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً) [الكهف: ٤٢]، كلمة ألجئ إليها فقالها جزعا مما دهاه من شؤم كفره، ولولا ذلك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وهو استيجابه أن يُخذل)، معناه: أنه تعالى أوجب على نفسه خذلانه بناء على مذهبه، اللهم إلا أن يقال: الإيجاب بمعنى الوعد، وفيه دليل أن قوله: (يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً) لم يصدر عنه توبةً وندماً. نعم، يجوز ان يقال: إن تلك التوبة كانت عند مشاهدة البأس.
قوله: (وقد قُرئ بهما)، بالكسرة: حمزة والكسائي، والباقون: بالفتح.
قوله: (يعني: أن قوله: (يَا لَيْتَنِي) كلمة ألجيء إليها، فقالها)، تلخيصٌ لما حصل من تفسيره لقوله: (وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِراً)، وجعل قوله: (هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ) تقريراً له، بعد سبق ذكر قوله تعالى: (يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً) يعني: لما رأى ألا ناصر هناك إلا الله، وهو قد خذله، قالها جزعاً مما دهاه، وهذا مؤذنٌ بأن قوله: (وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ) إلى قوله: (هُنَالِكَ الْوَلايَةُ) إما حالٌ من فاعل يقولُ، أو:
стр. 4843
لم يقلها. ويجوز أن يكون المعنى: هنالك الولاية لله ينصر فيها أولياءه المؤمنين على
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عطفٌ على يقول: وإيذانٌ بحصول مضمون الجملتين، وبعثٌ للسامع على التفكر واستنباط الرتب بينهما.
ويجوز أن يتعلق قوله: "يعني" بالوجه الأخير، والظاهر أنه متعلقٌ بالوجوه الثلاثة المبنية على معنى الولاية من انصرة والتولي والسلطان والمُلك على سبيل اللف والنشر، فلما فرغ من ذلك أتى بما يجمعها من المعنى، يعني: إنما قال ذلك الخاسر النادم: (يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً) لما رأى ألا ناصر أو لا مُتولي أو لا مانع له هنالك.
الراغب: الولي: كون الشيء بجنب الآخر، ويعتبر ذلك تارةً بالمكان، فيقال له: الولايةُ وتارة بالنصرة، فيقال له: الولاء والموالاة، لكن الولاء على ضربين: ضربٌ باعتبار نسبة الأعلى إلى الأسفل، وضربٌ باعتبار نسبة الأسفل إلى الأعلى، ولهذا يُقال للخادم والمخدوم: مولى وولي؛ لأن كل واحدٍ منهما يوالي الآخر؛ الخادم بالطاعة والنصيحة، والمخدوم بالإشفاق والكفاية.
وقال أهل اللغة: المولى: المالك والمملوك، والمعتق والمعتقن والناصر والمنصور، ابن العم، والحليف والجار والقيم، فاعتبروا في كل ذلك المتضايفين؛ لكون كل واحدٍ منهما موالياً للآخر بوجه.
قوله: (ويجوز أن يكون المعنى) ها معنى آخر متفرعٌ على معنى الولاية إذا كانت بمعنى النصرة، من قولك: انتصر منه: إذا انتقم منه، ويؤيد هذا الوجه قوله تعالى: (هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً وَخَيْرٌ عُقْباً) [الكهف: ٤٤]، وذلك أن صاحبه لما افتخر وتعزز عليه بالمال والبنين وكفر بالله وبالبعث، وأجابه بما أجاب، ثم ختم بقوله: (فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِي خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِنْ السَّمَاءِ) - صدق الله قوله بأن أحاط بثمره وتركهُ مخذولاً
стр. 4844
الكفرة وينتقم لهم، ويشفى صدورهم من أعدائهم، يعنى: أنه نصر فيما فعل بالكافر أخاه المؤمن، وصدّق قوله (فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً مِنَ السَّماءِ) [الكهف: ٤٠]، ويعضده قوله (خَيْرٌ ثَواباً وَخَيْرٌ عُقْباً) أي: لأوليائه. وقيل (هُنالِكَ) إشارة إلى الآخرة أي في تلك الدار الولاية لله، كقوله (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ) [غافر: ١٦]، وقرئ (الحق) بالرفع والجرّ صفة للولاية والله. وقرأ عمرو بن عبيد بالنصب على التأكيد، كقولك: هذا عبد الله الحق لا الباطل، وهي قراءة حسنة فصيحة، وكان عمرو بن عبيد من أفصح الناس وأنصحهم، .....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مقهوراً، وشفى صدره. والتشفي من أعداء الذين خيرٌ من الخيرات، وموهبة من المواهب، فيكون موقع (هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ) مما سبق، موقع قوله: (وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) من قوله: (فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا) فهما كالتذييلين؛ لأن معناهما يلتقيان في التشفي عن أعداء الدين، ولذلك قال هناك: "هو إيذان بوجوب الجهر عند إهلاك الظلمة، وأنه من أجل النعم وأجزل القسم"، وقال هنا: " (هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ) ينصر فيها أولياءه المؤمنين على الكفرة، وينتقم لهم، ويشفي صدورهم". [قوله]: (وقرئ: (الْحَقَّ) بالرفع والجر) أبو عمرو والكسائي: بالرفع، والباقون: بالجر.
قوله: (وكان عمرو بن عبيد من أفصح الناس وأنصحهم). الانتصاف: وقد تقدم الإنكار عليه أن القراءة موولة إلى رأي الفصحاء، ولا يجوز لأحدٍ أن يقرأ إلا بما سمعهن ورُوي مفصلاً عن النبي مخبراً عن غنزاله من السماء، فلا وجه لفصاحة الفصيح، ولكن الزمخشري لا يفوت الثناء على راس البدعة ومعدن الفتنة عمرو بن عبيد، فإنه من كبار المعتزلة.
ذكر الإمام مسلم بن الحجاج في "صحيحه" أن سليمان بن أبي مطيع كان يقول: بلغ أيوب أني آتي عمرو بن عبيد، فأقبل عليَّ فقال: أرأيت رجلاً لا تأمنه على دينه،
стр. 4845
وقرئ: (عُقْباً) بضم القاف وسكونها، و (عقبى) على فعلى، وكلها بمعنى العاقبة.
[(وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً)].
(فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ) فالتف بسببه وتكاثف حتى خالط بعضه بعضا. وقيل:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كيف تأمنه على الحديث؟ قال الشيخ محيي الدين في "شرحه": أما عمرو بن عبيدٍ فهو القدري المعتزلي الذي كان صاحب الحسن البصري، قال مسلم أيضاً: كان عمرو بن عبيد يكذب في الحديث. قال: قيل لأيوب: إن عمرو بن عبيد روى عن الحسن، قال: لا يُجلد السكران من النبيذ، فقال: كذب، أنا سمعت الحسن يقول: يُجلد السكران من النبيذ.
قوله: (وقرئ: (عُقْباً)، بضم القاف)، عاصمٌ وحمزة: بالإسكان، والباقون: بالضم. الراغب: العقبُ: مؤخر الرجل. وقيل: عقبٌ وجمعه أعقابٌ، واستعيرالعقب للولد ولولد الولد، ورجع على عقبه: إذا انثنى راجعاً، وانقلب على عقبه، نحو رجع على حافرته ونحو: (فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا) [الكهف: ٦٤]، وعقبه: إذا تلاه، نحو: دبره وقفاه. والعقبُ والعقبى يختصان بالثواب، نحو: (هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً وَخَيْرٌ عُقْباً)، وقال تعالى: (أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ) [الرعد: ٢٢]، (فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) [الرعد: ٢٤]، والعاقبة إطلاقها يختص بالثواب، نحو: (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)، وبالإضافة قد يستعمل في العقوبة، كقوله تعالى: (فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ) [الحشر: ٨٣] فيصح أن يكون ذلك استعارة من ضده، كقوله تعالى: (بَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) [آل عمران: ٢١]، والعقوبة والعقابُ والمعاقبة يختص بالعذاب.
стр. 4846
نجع في النبات الماء فاختلط به حتى روي ورف رفيفاً، وكان حق اللفظ على هذا التفسير: فاختلط بنبات الأرض. ووجه صحته أن كل مختلطين موصوف كل واحد منهما بصفة صاحبه. والهشيم: ما تهشم وتحطم، الواحدة هشيمة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (نجع في النبات). الأساس: نجع فيه الدواء: نفعه، وماءٌ نجوعٌ: نميرٌ.
قوله: (ورف رفيفاً). الأساس: رف النبات يرفُّ، وله وريفٌ ورفيفٌ؛ وهو أن يهتز نضارة وتلألؤا.
قوله: (ووجه صحته أن كل مختلطين موصوفٌ كل واحدٍ منهما بصفة صاحبه)، قال صاحب "الفرائد": حقُّ اللفظ كما ذكره الله تعالى؛ لأن النبات هو المختلط؛ لأن الفعل من جهته؛ إذ هو الجاذب للماء، ولا فعل من جهة الماء يُعرف بالتأمل، فيُقالُ: إن المصنف في صدد تأويل قول القائل: نجع في النبات الماءُ، بدليل قوله: هذا على التفسير، وللماء أيضاً فعلٌ لسريانه في النامي للطافته، ولا نُسلمُ أن نفسَ الجذب الاختلاطُ؛ لأن الاختلاط من الجانبين.
فإن قلت: الماءُ النازلُ من السماء إنما يخلطُ الأرض وأصل النبات، لا النبات، لأنه ينبتُ به جزءاً منه. قلتُ: للماء مع النامي أطوارٌ: ففي الطور الأول تختلطُ به الأرض وأصلُ النبات، ثم يختلط بالنبات فيصبح مخضراً رفيفاً، كما أشار إليه المصنفن ثم يخرج منه الحب، كما قال تعالى امتناناً: (وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُتَرَاكِباً) [الأنعام: ٩٩] الآية، والذي له سوقُ الكلام، هو الطور الثاني؛ لأن القصد تشبيه حياة الدنيا في حُسنها بهجتها في بدء الأمر باخضرار النبات وغضارته وأخذ الأرض زخرفها وزينتها، ثم استصالها في العاقبة، فلا يدخل في الكلام الطور الأول ولا الثالث، والتشبيه مختصرٌ مما في سورة يونس: (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) [يونس: ٢٤] إلى آخر الآية.
الراغب: الخلطُ: هو الجمعُ بين أجزاء الشيئين فصاعداً، سواءٌ كانا مائعين أو جامدين.
стр. 4847
وقرئ: تذروه الريح. وعن ابن عباس: تذريه الرياح، من أذرى: شبه حال الدنيا في نضرتها وبهجتها وما يتعقبها من الهلاك والفناء، بحال النبات يكون أخضر وارفاً ثم يهيج فتطيره الرياح كأن لم يكن (وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ) من الإنشاء والإفناء (مُقْتَدِراً).
[(الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلاً)].
(والْباقِياتُ الصَّالِحاتُ) أعمال الخير التي تبقى ثمرتها للإنسان وتفنى عنه كل ما تطمح إليه نفسه من حظوظ الدنيا. وقيل هي الصلوات الخمس،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أو مختلفين، وهو أعمُّ من المزج، ويقالُ: اختلط الشيءُ، قال تعالى: (فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ) [يونس: ٢٤]. ويقالُ للصديق والمجاور والشريك: خليطٌ، والخليطُ يقالُ للواحد والجمع، ويقالُ: أخلط فلانٌ في كلامه: إذا كان ذا تخليط فيه، وأخلط الفرس في جريه: كذلك، وهو كنايةٌ عن تقصيره فيه.
قوله: (وقرئ: "تذروه الريحُ"): حمزة والكسائي مفرداً.
قوله: (وارفاً). الأساس: ورف النباتُ وريفاً، فهو وارفٌ: له بهجة من الري.
قوله: (ثم يهيج). الجوهري: هاج النبتُ هياجاً، أي: يبس.
قوله: (وتفنى عنهُ كل ما تطمح إليه)، قيل: هو حالٌ، والظاهر العطف على "تبقى" لمجيء الواو في المضارع المثبت، أي: تبقى ثمرتها له، ويفنى عندها عنه كل ما يطمح إليه، كأنه عرف "الباقيات" بالصفة الكاشفة، أي: هي أعمال يبقى ثوابها للإنسان بعد فناء كل ما رجا منه الحظوظ؛ لأن البقية تقتضي ما يفضلُ عنه، كقوله تعالى: (بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ)
стр. 4848
وقيل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. وعن قتادة: كل ما أريد به
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[هود: ٨٦]، قال: ما يبقى لكم من الحلال بعد التنزه عما هو حرامٌ عليكم، خيرٌ لكم.
وقريبٌ منه ما روينا عن مسلم والترمذي والنسائي، عن عبد الله بن الشخير، عن رسول الله ﷺ : "يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت؟ "، أي: فأبقيت.
قوله: (وقيل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر)، روى أحمدُ بنُ حنبل في "مسنده"، عن النعمان بن بشير، عن رسول الله ﷺ : "ألا وإن بحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر هي الباقيات الصالحات"، ونحوه رواه مال بن أنس، عن ابن المسيب.
أقولُ - والعلمُ عند الله تعالى-: لعلهصلواتُ الله عليه خص هذه الكلمات بالباقيات الصالحات؛ لكونها جامعاتٍ للأمهات: فالتسبيح تقديس لذاته عما لا يليق بجلاله وتنزيه لصفاته عن النقائص. والتحميد مشتملٌ على معنى الفضل والإفضال المؤذنين بالصفات الذاتية والإضافية بعد السلبية. والتهليل: توحيد الذات ونفي الضد والند، وتنبيه على التبرؤ عن الحول والقوة إلا به. والتكبير: اعتراف بالقصور في الأفعال والأقوال، قال: "لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك"، وفي هذا التدرج لمعةٌ من معنى
стр. 4849
وجه الله (خَيْرٌ … ثَواباً) أي ما يتعلق بها من الثواب وما يتعلق بها من الأمل، لأنّ صاحبها يأمل في الدنيا ثواب الله، ويصيبه في الآخرة.
[(وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً* وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً)].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العروج للسالك العارف، ولهذه الأسرار ورد عن الصادق المصدوق: "لقيت ليلة أُسري بي إبراهيم، فقال: يا محمد، أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبةُ الماء، وأنها قيعانٌ، وأن غراسها: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر". أخرجه الترمذي عن ابن مسعود.
ثم إنه قابل بالباقيات الصالحات، الفانيات الزائلات، أعني (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنْ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ) [الكهف: ٤٥] وخص منها ما هو العمدة فيها، ويحصل منه تزيين المجالس والتفاخر في المحافل من المال والبنين، ألا ترى إلى أحد الرجلين في القصة السابقة وقوله: (أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً)؟ وفيه تلويح إلى بيان النظم؛ فإن قوله: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) الآية، ينظر إلى قوله: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ) إلى قوله: فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً) في معنى اجتماعهما على الابتداء المبهج والانتهاء المثمر للجنة، وكذا ما قوبل به هذه الآية من الباقيات الصالحات، خبرٌ مقاربق لما قوبل به تلك الآية بقوله: (لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً) وقوله: (فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِي خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ).
стр. 4850
قرئ: (تسير) من سيرت، و (نسير)، من: سيرنا. و (تسير) من: سارت، أي: تسير في الجو. أو يذهب بها، بأن تجعل هباء منبثاً. وقرئ: وترى الأرض على البناء للمفعول (بارِزَةً) ليس عليها ما يسترها مما كان عليها (وَحَشَرْناهُمْ) وجمعناهم إلى الموقف. وقرئ: (فلم نغادر)، بالنون والياء، يقال: غادره وأغدره؛ إذا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: "تسيرُ" من: سُيرت)، قرأ الكوفيون ونافع: (نُسَيِّرُ) بضم النون وكسر الياء، و (الْجِبَالَ) بالنصب، والباقون: بالتاء وفتح الياء ورفع (الْجِبَالَ). و (تَسِيرُ) بفتح التاء: شاذة.
قوله: ((وَحَشَرْنَاهُمْ): وجمعناهم إلى الموقف). الراغب: الحشر: إخراج الجماعة عن مقرهم وإزعاجهم عنه إلى الحرب ونحوها، وروي: النساء لا يحشرن، أي: لا يخرجن إلى الغزو، ولا يُقال: الحشرُ إلا في الجماعة، قال تعالى: (وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ) [التكوير: ٥]، وسُمي يوم القيامة يوم الحشر، كما سُمي يوم البعث ويوم النشر.
قوله: (وقرئ: (فَلَمْ نُغَادِرْ) بالنون): الجماعة كلهم، وبالياء: شاذ.
الراغب: الغدرُ: الإخلالُ بالشيء وتركه، والغدر يقالُ لترك العهد، ومنه قيل: فلان غادرٌ، وجمعه: غدرة، غدارٌ: كثيرُ الغدر، وأغدر واستغدر الغدير: صار فيه الماء، والغدير: الشعر الذي تُرك حتى طال، وجمعها: غدائر. وجمعُ غدير الماء: غدرٌ وغُدرانٌ، وغدرتِ الشاة: تخلفت، فهي غدرة.
стр. 4851
تركه، ومنه الغدر. ترك الوفاء. والغدير: ما غادره السيل. وشبهت حالهم بحال الجند المعروضين على السلطان (صفًّا) مصطفين ظاهرين، يرى جماعتهم كما يرى كل واحد لا يحجب أحد أحدا (لقَدْ جِئْتُمُونا) أي: قلنا لهم: لقد جئتمونا. وهذا المضمر هو عامل النصب في يوم نسير. ويجوز أن ينصب بإضمار: اذكر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((صَفّاً): مصطفين)، أي: (صَفّاً): حالٌ من الواو في: (وَعُرِضُوا)؛ وإنما قال: (ظَاهِرِينَ) لأن المقصود من عرض الجند على السلطان إظهارهم عنده، فجعل (صَفّاً) ترشيحاً لاستعارة (وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ)، كقوله: (وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) [إبراهيم: ٤٨].
قوله: (وهذا المضمر هو عامل النصب في "يوم نُسير). قال أبو البقاء: وقيل: (وَيَوْمَ نُسَيِّرُ) معطوفٌ على قوله: (عِنْدَ رَبِّكَ)، أي: الصالحات خيرٌ عند الله وخيرٌ يوم نسير.
الراغب: السيرُ: المُضي في الأرض، ورجلٌ سائرٌ وسيارٌ، والسيارة: الجماعة، يقال: سرتُ، وسرتُ بفلانٍ، وسرته أيضاً، وسيرته، على التكثير، فمن الأول قوله تعالى: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ) [الحج: ٤٦]، ومن الثاني قوله (وَسَارَ بِأَهْلِهِ) [القصص: ٢٩]، ولم يجيء في القرآن القسم الثالث. ومن القسم الرابع قوله تعالى: (وَسُيِّرَتْ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً) [النبأ: ٢٠]. والتسيير ضربان، أحدهما: بالأمر والاختيار والإرادة من السائر، نحو: (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) [يونس: ٢٢]. والثاني: بالقهر والتسخير، كقوله تعالى: (وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ) [التكوير: ٣]. والسيرة: الحالةُ التي يكون عليها الإنسان وغيره غريزياً كان أو مكتسباً، يقالُ: فلانٌ له سيرةٌ حسنةٌ وسيرةٌ قبيحةٌ.
стр. 4852
والمعنى لقد بعثناكم كما أنشأناكم (أوَّلَ مَرَّةٍ) وقيل جئتمونا عراة لا شيء معكم كما خلقناكم أوّلا، كقوله (وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى) [الأنعام: ٩٤]. فإن قلت لم جيء بحشرناهم ماضيا بعد نسير وترى؟ قلت: للدلالة على أن حشرهم قبل التسيير وقبل البروز، ليعاينوا تلك الأهوال العظائم، كأنه قيل: وحشرناهم قبل ذلك (موْعِداً)
وقتا لإنجاز ما وعدتم على ألسنة الأنبياء من البعث والنشور.
[(وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً)].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والمعنى: لقد بعثناكم، كما أنشأناكم): تفسيرٌ لقوله: (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ).
قوله: (للدلالة على أن حشرهم قبل التسيير)، قال صاحب "الفرائد": الواو للحال في (وَحَشَرْنَاهُمْ)، فلو كان للعطف، كان ينبغي أن يُقال: ونحشرهم.
قلتُ: إن المصنف سأل عن فائدة الاختلاف الواقع بين هذه الأفعال الثلاثة، والجواب ما ذكره، يعني: خولف بين التسيير والرؤية، حيث جيء بهما مضارعين، وجيء بالحشر ماضياً، ليشعر بصيغة المضارع بأن المراد استحضار تلك الصورة العجيبة الشأن في مشاهدة السامع، ليتعجب لها، وإليه الإشارة بقوله: "ليعاينوا تلك الأهوال"، ولو قيل: نحشرهم على مقتضى الظاهر، لفات المقصود. ونظر أصحاب المعاني إلى فائدة العدول عن مقتضى الظاهر.
وقال القاضي: ومجيئه ماضياً بعد (نُسَيِّرُ) و (تَرَى) لتحقيق الحشر، أو للدلالة على أن حشرهم قبل التسيير.
стр. 4853
(الْكِتابُ) للجنس وهو صحف الأعمال (يا وَيْلَتَنا) ينادون هلكتهم التي هلكوها خاصة من بين الهلكات (صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً) هنة صغيرةً ولا كبيرة، وهي عبارة عن الإحاطة، يعنى: لا يترك شيئا من المعاصي إلا أحصاه، أي: أحصاها كلها كما تقول: ما أعطانى قليلا ولا كثيرا، لأن الأشياء إما صغار وإما كبار. ويجوز أن يريد: وإما كان عندهم صغائر وكبائر. وقيل: لم يجتنبوا الكبائر فكتبت عليهم الصغائر وهي المناقشة. وعن ابن عباس: الصغيرة التبسم، والكبيرة القهقهة. وعن سعيد بن جبير: الصغيرة المسيس، والكبيرة الزنا. وعن الفضيل: كان إذا قرأها قال: ضجوا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ينادون هلتهم التي هلكوها خاصة من بين الهلكات)، وذلك أن حرف النداء لاختصاص المنادى بالإقبال، وهاهنا خصوا الهلاك بالنداء، وأضافوا إلى أنفسهم قائلين: (يَا وَيْلَتَنَا) على الاستعارة، فإن الويل: الهلاك، قال في قوله تعالى: (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ) [يس: ٣٠]: نداءٌ للحسرة عليهم، كأنما قيل لها: تعالي يا حسرة، فهذه من أحوالك التي من حقك أن تحضري فيها.
قوله: (هنة صغيرة). الأساس: وفيه هناتٌ وهنواتٌ: خصالٌ سوء.
قوله: (وهي عبارة عن الإحاطة)، أي: التكرير للاستيعاب، كما في قوله: (وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً) [مريم: ٦٢].
قوله: (وهي المناقشة). النهاية: وفي حديث عائشة: "من نوقش الحساب فقد هلك"، أي: من استقصى في محاسبته وحوقق. وأصل المناقشة من: نقش الشوكة؛ إذا استخرجها من جسمه وقد نقشها وانتقشها، وبه سُمي المنقاش.
стр. 4854
والله من الصغائر قبل الكبائر (إِلَّا أَحْصاها) إلا ضبطها وحصرها (وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً) في الصحف عتيدا. أو جزاء ما عملوا (وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً) فيكتب عليه ما لم يعمل. أو يزيد في عقاب المستحق، أو يعذبه بغير جرم، كما يزعم من ظلم الله في تعذيب أطفال المشركين بذنوب آبائهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كما يزعم من ظلم الله) أي: نسبه إلى الظلم، من قولك: خطأته، أي: نسبته إلى الخطأ، أو قلت له: يا خاطئ، وليس المعنى: صيره ظالماً، نحوه: فرحته.
والأحاديث المروية في أطفال المشركين مشهورة، منها: ما رواه مسلمٌ وأبو داود والنسائي، في آخر حديث عائشة ﵂: "إن الله خلق للجنة أهلاً خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلاً خلقهم وهم في أصلاب آبائهم".
وفي رواية أبي داود: قالت: فقلتُ: يا رسول الله، ذراري المؤمنين؟ فقال: "هم من آبائهم"، فقلت: يا رسول الله، بلا عمل؟ قال: "الله أعلم بما كانوا عاملين"، قلتُ: يا رسول الله، فذراري المشركين؟ فقال: "من آبائهم"، فقلتُ: بلا عمل؟ قال: "الله أعلم بما كانوا عاملين". و"مِن" فيه اتصالية.
ومنها: ما روى البخاري ومسلم والنسائي عن أبي هريرة، قال: سُئل رسول الله ﷺ عن أطفال المشركين عمن يموت منهم وهو صغيرٌ، قال: "الله أعلمُ بما كانوا عاملين". فظهر من هذه النصوص من ظلم الله بسبب نسبة رسوله إلى الظلم.
قال القاضي: معنى: (وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً) يكتب عليه ما لم يفعل. وقال أيضاً: كرر قوله: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا) في مواضع لكونه مقدمة للأمور المقصود بيانها في تلك المحال، وهاهنا لما شنع على المفتخرين واستقبح صنيعهم، قرر ذلك أنه من سنن إبليس، أو لما بين حال المغرور بالدنيا والمعرض عنها، وكان سببُ الاغترار بها حب الشهوات
стр. 4855
[(وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً* ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً)].
(كانَ مِنَ الْجِنِّ) كلام مستأنف جار مجرى التقليل بعد استثناء إبليس من الساجدين، كأن قائلا قال: ما له لم يسجد؟ فقيل: كان من الجن (فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ) والفاء للتسبيب أيضا، جعل كونه من الجن سببا في فسقه، لأنه لو كان ملكا كسائر من سجد لآدم لم يفسق عن أمر الله، لأنّ الملائكة معصومون البتة لا يجوز عليهم ما يجوز على الجن والإنس، كما قال: (لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ) [الأنبياء: ٢٧]، وهذا الكلام المعترض تعمد من الله تعالى لصيانة الملائكة عن وقوع شبهة في عصمتهم. فما أبعد البون بين ما تعمده الله، وبين قول من ضادّه وزعم أنه كان ملكا ورئيسا على الملائكة، فعصى، فلعن ومسخ شيطانا، ثم ورّكه على ابن عباس.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وتسويل الشيطان، زهدهم أولاً في زخارف الدنيا بأنها عرضةٌ للزوال، والأعمال الصالحة خيرٌ وأبقى، ثم نفرهم عن الشيطان بتذكير ما بينهم من العداوة القديمة، وهكذا مذهب كل تكرير في القرآن.
قوله: (ثم وركه على ابن عباس)، الأساس: عن الحسن: من أنكر القدر فقد فجر، ومن ورك ذنبهُ على الله فقد كفر.
قال في "الانتصاف": الحق معه إلا في قوله: "وهذا الكلام المعترض تعمدٌ من الله"، فإنه يطلقُ من يفعلُ فعلاً حيناً خطأ، فلا يليقُ إطلاقه على الله تعالى.
стр. 4856
ومعنى (فَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ) خرج عما أمره به ربه من السجود. قال:
فواسقا عن قصدها جوائرا
أو صار فاسقا كافرا بسبب أمر ربه الذي هو قوله (اسْجُدُوا لِآدَمَ).
(أَفَتَتَّخِذُونَهُ) الهمزة للإنكار والتعجيب، كأنه قيل: أعقيب ما وجد منه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال محيي السُّنة: كان بين حي من الملائكة، يقال لهم: الجن، خُلقوا من نار السموم.
وقال الإمام: وكونه من الملائكة لا يُنافي كونه من الجن، لقوله تعالى: (وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً) بالصافات: ١٥٨]، (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ) [الأنعام: ١٠٠]، ولأن الجن إنما سُموا جناً للاستتار، والملائكة أيضاً يستترون، يعني أن تعالى كلما أراد أن ينقص من مرتبة الملائكة سماهم جناً، كذلك هاهنا.
قوله: (فواسقاً عن قصدها جوائرا)، أوله:
يذهبن في نجدٍ وغوراً غائراً
مضى شرحه في "البقرة".
قوله: (أو صار فاسقاً كافراً)، وعلى هذا (فَفَسَقُ) متعلقٌ بقوله: (اسْجُدُوا)، والفاء: للتعقيب، و (كَانَ مِنْ الْجِنِّ): اعتراضٌ، و (عَن) في (عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ) كما في قوله
ينهون عن أكلٍ وعن شربِ
أي: أُصدر فسقُه عن قوله تعالى: (اسْجُدُوا) أي: كان قولهم: (اسْجُدُوا) سبباً لفسقه.
стр. 4857
تتخذونه (وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي) وتستبدلونهم بي، بئس البدل من الله إبليس لمن استبدله، فأطاعه بدل طاعته (ما أَشْهَدْتُهُمْ) وقرئ: (ما أشهدناهم)، يعنى: أنكم اتخذتموهم شركاء لي في العبادة، وإنما كانوا يكونون شركاء
فيها لو كانوا شركاء في الإلهية، فنفى مشاركتهم في الإلهية بقوله ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لأعتضد بهم في خلقها (وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ) أي ولا أشهدت بعضهم خلق بعض كقوله (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) [النساء: ٢٩]. وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ بمعنى وما كنت متخذهم عَضُداً أي أعوانا، فوضع المضلين موضع الضمير ذمّا لهم بالإضلال، فإذا لم يكونوا عضدا لي في الخلق، فما لكم تتخذونهم شركاء لي في
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وإنما كانوا يكونون)، عن بعضهم: التقدير إنما يصح كما تبين، والظاهر أن قوله: "يكونون" مزيدةٌ، كما في قول الفرزدق.
وجيرانٍ لنا - كانوا - كرامِ
ويؤيده إسقاطه في بعض النسخ.
قوله: ((عَضُداً) أي: أعواناً). الراغب: العضدُ: ما بين المرفق إلى الكتف، وعضدته: أصبت عضده، وعنه استعير: عضدت الشجر بالمعضد، ويُستعار العضد للمعين كاليد، قال تعالى: (وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً).
قوله: (فإذا لم يكونوا عضدا لي في الخلق، فما لكم تتخذونهم شركاء؟ ) إشارة إلى تحقيق ما أنكر عليهم أولاً بقوله تعالى: (أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي)؛ وذلك أنه تعالى لماعقب امتناع إبليس عن سجدة آدم- لعصيانه وفسقه- إنكار اتخاذه ولياً من دون الله استبعاداً، أراد أن يُقدر هذا الاستبعاد بوجهٍ برهاني، وقال: (مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) يعني: إنما كانوا شركاء لي أن لو كانوا شركاء فيما يصح به اسم الإلهية،
стр. 4858
العبادة؟ وقرئ: وما كنت، بالفتح: الخطاب لرسول الله ﷺ ، والمعنى: وما صح لك الاعتضاد بهم، وما ينبغي لك أن تعتز بهم. وقرأ على رضى الله عنه: وما كنت متخذا المضلين، بالتنوين على الأصل. وقرأ الحسن: عضدا، بسكون الضاد، ونقل ضمتها إلى العين. وقرئ: عضداً، بالفتح وسكون الضاد. وعضدا، بضمتين وعضدا بفتحتين: جمع عاضد، كخادم وخدم، وراصد ورصد، من عضده: إذا قواه وأعانه.
[(وَيَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً* وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً)].
(يَقُولُ) بالياء والنون. وإضافة الشركاء إليه على زعمهم: توبيخا لهم وأراد الجن. والموبق: المهلك، من وبق يبق وبوقا، ووبق يوبق وبقا: إذا هلك. وأوبقه غيره. ويجوز أن يكون مصدرا كالمورد والموعد،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وهو خلقُ السماوات والأرض، وإنكم مُقرون بأن الله تعالى هو وحده خالقُ السماوات والأرض: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) [لقمان: ٢٥]، وإذا لم يكونوا كذلك فلا يكونوا شُراء لي، فقرر ذلك بقوله تعالى: (وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً) أي: شركاء فلما لزم من هذه المقدرات تقرير قوله: (أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ) قال: فما لكم تتخذونهم شركاء؟ فالإشهاد بمعنى الإحضار، أي: ما أحضرتهم لأعتضد بهم، قال الإمام: ما أشهدت الذين اتخذتموهم أولياء خلق السماوات والأرض لأعتضد بهم، والدليل عليه قوله تعالى: (وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً).
قوله: ((يَقُولُ) بالياء والنون)، حمزة: بالنون، والباقون: بالياء التحتاني.
стр. 4859
يعني: وجعلنا بينهم واديا من أودية جهنم هو مكان الهلاك والعذاب الشديد مشتركا يهلكون فيه جميعا. وعن الحسن (مَوْبِقاً) عداوة. والمعنى: عداوة هي في شدتها هلاك، كقوله: لا يكن حبك كلفا، ولا بغضك تلفا. وقال الفراء: البين الوصل،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (يعني: وجعلنا بينهم وادياً)، هذا على تقدير أن يكون الموبق اسم مكان. وقوله: (مَوْبِقاً): عداوةً على تقدير أن يكون مصدراً، فيكون مبالغةً، كقولك: رجلٌ عدل.
قوله: (والمعنى: عداوة هي في شدتها هلاكٌ)، أي: وضع المسبب موضع السبب؛ لأن العداوة تستلزم الهلاك، أو هو من باب المجاز باعتبار ما يؤول إليه، كأنه قيل: علنا بينهم عداوة تجرهم وتؤديهم إلى الهلاك والتلف، كقوله: "ولا بُغضك تلفاً" أي: لا يكن بُغضك بحيثُ يجر على التلف والهلاك.
قوله: (كقوله: لا يكن حبك كلفاً). قيل: هو من كلام أمير المؤمنين عمر ﵁.
النهاية: الكلفُ: الولوع بالشيء مع شغل قلب ومشقة، ومنه قول عمر ﵁: عثمان كلفٌ بأقاربه، أي: شديد الحب لهم.
قوله: (البين: الوصل). الراغب: بينٌ: موضوعٌ للخلل بين الشيئين ووسطهما، قال تعالى: (وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً) [الكهف: ٣٢]، يقال: بان كذا، أي: انفصل وظهر ما كان مستتراً منه، ولما اعتبر فيه معنى الانفصال والظهور استُعمل في كل منهما منفرداً، حتى قيل للبئر البعيدة القعر: بيونٌ، وبان الصبح: ظهر، يقال: بان واستبان وتبين، والبينةُ: الدلالة الواضحة، عقليةً كانت أو محسوسة، وسُميت شهادة الشاهدين بينةً، وهو أعمُّ من النطق؛ لأن النطق مختص بالإنسان.
стр. 4860
أي: وجعلنا تواصلهم في الدنيا هلاكا يوم القيامة. ويجوز أن يريد الملائكة وعزيرا وعيسى ومريم، وبالموبق: البرزخ البعيد، أي: وجعلنا بينهم أمدا بعيدا تهلك فيه الأشواط لفرط بعده، لأنهم في قعر جهنم وهم في أعلى الجنان فَظَنُّوا فأيقنوا (مُواقِعُوها) مخالطوها واقعون فيها (مَصْرِفاً) معدلاً. قال:
أزهير هل عن شيبة من مصرف
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ويجوز أن يريد الملائكة): عطفٌ على قوله: وأراد الجن، والموبق: المهلك. المعنى على الأول: نادوا شركائي الذين زعمتهم من الجن، والحال أن بينهم وادياً من جهنم، أو بينهم عداوة. وعلى الثاني: أن بينهم أمداً بعيداً؛ لأنهم في قعر جهنم وهم في أعلى الجنان.
المُغرب: (مَوْبِقاً)، أي: مهلكاً من أودية جهنم أو مسافةٍ بعيدة.
قوله: (البرزخ). الجوهري: هو الحاجز بين الشيئين.
قوله: (تهلكُ فيه الأشواط)، المُغرب: الأشواط: جمع شوط، وهو جري مرة إلى الغاية، يعني فيه السير، كناية عن البُعد البعيد.
قوله: (أزُهير هل عن شيبةٍ من مصرف)؟ تمامه من "المطلع":
أم لا خلود لباذلٍ متكلف؟
"زهير" يُروى بفتح الراء: ترخيم "زهيرة" اسم امرأة.
"من مصرف"، الأساس: صُرف عن عمله: غُير، وإنه ليتصرفُ: يحتالُ.
يقولُ: أيتها اللائمة، هل يقدر أحدٌ أن يحتال في تغيير الشيبة؟ بل أتزعمين أن من بذل ماله في إنفاقه لاي بقى اسمه مخلداً على وجه الزمان؟
стр. 4861
[(وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً)].
(أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا) أكثر الأشياء التي يتأتى منها الجدل إن فصلتها واحدا بعد واحد، خصومة ومماراة بالباطل. وانتصاب جَدَلًا على التمييز، يعني: أن جدل الإنسان أكثر من جدل كل شيء. ونحوه (فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ) [النحل: ٤].
[(وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلاَّ أَنْ تَاتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَاتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلاً)].
(أَنْ) الأولى نصب. والثانية رفع، وقبلها مضاف محذوف تقديره وَما مَنَعَ النَّاسَ الإيمان والاستغفار (إِلَّا) انتظار (أَنْ تَاتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ)، وهي الإهلاك (أَوْ) انتظار أن (يَاتِيَهُمُ الْعَذابُ) يعني: عذاب الآخرة (قِبُلًا) عياناً. وقرئ (قبلا) أنواعاً: جمع قبيل. و «قبلا» بفتحتين: مستقبلا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (إن فصلتها واحداً بعد واحدٍ)، وذلك من إضافة "أفعَل" التفضيل إلى الواحد، فإن الإضافة فيه إذا أريد بيانُ زيادته، يقتضي أن يكون المفضل داخلاً فيمن أضيف إليهم فرداً منهم ليحصُل المقصودُ من الشركة والزيادة، قال ابن مالك: إن أفعل إذا أضيف إلى نكرة، نحو: زيدٌ أفضلُ رجل، وهما أفضلُ رجلين، وهم أفضل رجال، معناه: زيدٌ أفضل من كل رجل قيس فضله بفضلهِ، وهما أفضل من كل رجلين قيس فضلُهما بفضلِهما، وعلى هذا.
قوله: ((وَمَا مَنَعَ النَّاسَ) الإيمان والاستغفار) أي من الإيمان.
قوله: (وقرئ: (قُبُلاً)) الكوفيون: بضمتين، والباقون: بكسر القاف وفتح الباء.
стр. 4862
[(وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آياتِي وَما أُنْذِرُوا هُزُواً)].
(لِيُدْحِضُوا) ليزيلوا ويبطلوا، من إدحاض القدم وهو إزلاقها وإزالتها عن، موطئها وَما أُنْذِرُوا يجوز أن تكون ما موصولة، ويكون الراجع من الصلة محذوفا، أي: وما أنذروه من العذاب. أو مصدرية بمعنى: وإنذارهم. وقرئ: هزأ، بالسكون، أى: اتخذوها موضع استهزاء. وجدالهم: قولهم للرسل: (ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا) (وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً) [المؤمنون: ٢٤] وما أشبه ذلك.
[(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً)].
(بِآياتِ رَبِّهِ) بالقرآن، ولذلك رجع إليها الضمير مذكرا في قوله: (أَنْ يَفْقَهُوهُ). فَأَعْرَضَ عَنْها فلم يتذكر حين ذكر ولم يتدبر (وَنَسِيَ) عاقبة (ما قَدَّمَتْ يَداهُ) من الكفر والمعاصي، غير مفكر فيها ولا ناظر في أنّ المسيء والمحسن لا بد لهما من جزاء. ثم علل إعراضهم ونسيانهم بأنهم مطبوع على قلوبهم، وجمع بعد الإفراد حملاً على لفظ من ومعناه (فَلَنْ يَهْتَدُوا) فلا يكون منهم اهتداء البتة،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله (من إدحاض القدم)، الأساس: ومن المجاز: دحضت حجته، و (حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ) [الشورى: ٦١].
الراغب: يقالُ: أدحضتُ فلاناً في حجته فدحض، وأدحضت حُجته فدحضت، وأصلُه من دحضِ الرجلِ، وعلى نحوه في وصف المناظرة:
نظرا يُزيلُ مواقع الأقدامِ
стр. 4863
كأنه محال منهم لشدة تصميمهم (أَبَداً) مدة التكليف كلها. (وإِذاً) جزاء وجواب، فدل على انتفاء اهتدائهم لدعوة الرسول، بمعنى أنهم جعلوا ما يجب أن يكون سبب وجود الاهتداء سببا في انتفائه، وعلى أنه جواب للرسول .....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ودحضت الشمس، مستعار من ذلك.
قوله: (كأنه محالٌ)، يريد أنه نفي الاهتداء بـ"لن"، وهي لتأيد النفي.
قوله: (و (إذاً): جزاءٌ وجواب)، فيه لفذٌ.
قوله: (فدل على انتفاء اهتدائهم لدعوة الرسول) بيان أن يكون جزاءً، أي: جعل دعوة الرسول سبباً لانتفاء اهتدائهم، فإن الجزاء مسبب عن الشرط، ولا يصح هذا إلا على تقدير الإخبار والإعلام، كأنه قيل: إن تجتهد في دعوتهم فاعلم أن معهم ما يدعوهم إلى مزيد ما هم فيه من العناد وشدة الشكيمة، أي: يجعلون ما هو سببٌ للاهتداء سبباً لمزيد الضلال.
وقوله: (وعلى أنه جواب للرسول) بيانٌ للجواب، ولما كان مورد السؤال قوله: (إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً) كما سيجيء، قدر: ما لي لا أدعوهم، وفيه تعسفٌ.
قال صاحب "الفرائد": يمكن أن يُقال: (إذاً) هاهنا: جزاء، أي: إن تدعهم إلى الهدى- وحالهم ما ذُكر- لن يهتدوا، أي: جزاء ماهم عليه عدم الاهتداء، وجواب لسؤال الرسول على تقدير: لم لن يهتدوا بعد أن دعوتهم؟ فأجيب: لأنهم على تلك الحال؛ لأن (إذاً): إشارة إلى ما مر، وهو (أَنَّا جَعَلْنَا) الآية، وهذا أظهر، والنظم له أدعى، ولا يلزم من التعكيس الذي ارتكبه المصنف بالتعسف، كأنه قيل: (وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى) بعد ما جعلنا على قلوبهم أكنة وفي آذانهم وقراً فلن يهتدوا إذاً أبداً.
قال الإمام: والعجب أن قوله: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ) متمسك القدرية، وقوله: (إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً) متمسك الجبرية، وقلما
стр. 4864
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ …
تجدُ في القرآن آية لأحدِ هذين الفريقين إلا ومعها آية للفريق الآخر، والتجربة تكشف عن صدق قولنا، وما ذاك إلا امتحان شديد من الله تعالى ألقاه على عباده ليتميز العلماء الراسخون من المقلدين.
وقلتُ - والله أعلم-: قلما تجدُ في القرآن المجيد كلاماً أكشف وأبين دليلاً على صحة مذهب أهل السنة من هذا؛ وذلك أن قوله: ((وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ) كالتذييل للآية السابقة. وقوله: (إَنَّا جَعَلْنَا): استئناف لبيان موجب إعراض الظالم ونسيانه، أي: تشاغله وتغافله عما يهمه من تدارك ما قدمت يداه من الكفر والمعاصي بعدما ذُكر بآيات ربه، وإليه أشار المصنف بقوله: "ثم علل إعراضهم ونسيانهم بأنهم مطبوعٌ على قلوبهم".
ثم في بناء (جَعَلْنَا) على (إَنَّا) على سبيل تقوى الحكم والتخصيص وتوكيده بـ"أنْ"، وإيثارُ صيغة التعظيم الدلالة على أنه فعالٌ لما يشاءُ، ويحكم ما يريد، لا اعتراض لأحد عليه، وأنه تعالى فعالٌ لذلك البتة وهو مختص به، ثم أوقع قوله: (وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً) نتيجة عن التعليل مقرراً لما سيقت له العلة.
والحاصل أن لا جبر ولا قدر، فقوله: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ) الآية، إشارة إلى الكتب، وقوله: ((إَنَّا جَعَلْنَا) الآية، إشارة إلى الخلق والإيجاد، والله أعلم.
ثم استشهد على ذلك بترك مؤاخذة أهل مكة، يعني: أخبر الله أنه تعالى بليغ المغفرة والموصوف بالرحمة، ثم جاء بقوله: (لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا) استشهاداً بأنه بليغُ الرحمة، يعني: أنهم استوجبوا بمكابرتهم أن يصب عليهم العذاب صبا، ولكن صرف ذلك عنهم؛ لأنه الرب الغفور ذو الرحمة يمهل ولا يعاجل.
стр. 4865
على تقدير قوله: ما لي لا أدعوهم حرصا على إسلامهم؟ فقيل: (وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا).
[(وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً)].
(الْغَفُورُ) البليغ المغفرة (ذُو الرَّحْمَةِ) الموصوف بالرحمة، ثم استشهد على ذلك بترك مؤاخذة أهل مكة عاجلاً من غير إمهال، مع إفراطهم في عداوة رسول الله ﷺ (بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ) وهو يوم بدرٍ (لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا) منجى ولا ملجأ، يقال: وأل إذا نجا، و «وأل إليه» إذا لجأ إليه.
[(وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً)].
(وَتِلْكَ الْقُرى) يريد قرى الأوّلين من ثمود وقوم لوط وغيرهم: أشار لهم إليها ليعتبروا. (وتِلْكَ) مبتدأ، و (الْقُرى) صفة؛ لأنّ أسماء الإشارة توصف بأسماء الأجناس، و (أَهْلَكْناهُمْ) خبر.
ويجوز أن يكون (وتِلْكَ الْقُرى) نصباً بإضمار "أهلكنا" على شريطة التفسير. والمعنى: وتلك أصحاب القرى أهلكناهم (لَمَّا ظَلَمُوا) مثل ظلم أهل مكة (وَجَعَلْنا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والمعنى: وتلك أصحاب القرى)، إلى قوله: (مثل ظُلم أهل مكة)، هذا معنى الآية على التقديرين. وفيه أن المشار إليه بقوله: (تلك): ما دل عليه قوله: (وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ) يعني: إن كان مقتضى المغفرة والرحمة ترك مؤاخذة أهل مكة عاجلاً، لكن مقتضى الوعد إهلاكهم آجلاً، وبذلك مضت سنة الأولين، وكما أهلكنا القرون الماضية بعد إرسال الرسل إليهم مبشرين ومنذرين وبعد مجادلتهم إياهم بالباطل ليدحضوا به الحق، كذلك يُهلك أهل مكة؛ لأنهم ظلموا مثل ظُلمهم.
стр. 4866
لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً) وضربنا لإهلاكهم وقتا معلوما لا يتأخرون عنه كما ضربنا لأهل مكة يوم بدر. والمهلك:
الإهلاك ووقته. وقرئ لِمَهْلِكِهِمْ بفتح الميم، واللام مفتوحة أو مكسورة، أي: لهلاكهم أو وقت هلاكهم. والموعد: وقت، أو مصدر.
[(وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً* فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً* فَلَمَّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً* قالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً* قالَ ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً* فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً)].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: (لِمَهْلِكِهِمْ))، أبو بكر: بفتح الميم واللام، وحفصٌ: بفتح الميم وكسر اللام، والباقون: بضم الميم وفتح اللام.
قوله: (أي: لهلاكهم أو وقت هلاكهم، والموعد: وقتٌ أو مصدر)، قال صاحب "الإيجاز": (لِمَهْلِكِهِمْ) مصدرٌ، كقوله: (مُدْخَلَ صِدْقٍ) [الإسراء: ٨٠]، ويجوز " مهلكهم": اسم زمان الهُلك، أي: جعلنا لوقت إهلاكهم موعداً، ولكن المصدر أولى لتقدم أهلكناهم، والفعل يقتضي المصدر وجوداً وحصولاً، وهو المفعول المطلق. ويقتضي الزمان والمكان محلاً وظرفاً، وكل فعل زاد على ثلاثة أحرفٍ فالمصدر واسم الزمان والمكان منه على مثال المفعول، وإذا كان المهلك اسم زمان الهلاك لا يجوز الموعد اسم الزمان؛ لأن الزمان وُجد في المهلك فلا يكون للزمان زمانٌ، بل يكون الموعد بمعنى المصدر، أي: جعلنا الزمان هلاكهم وعداً وعلى العكس.
стр. 4867
(لِفَتاهُ) لعبده. وفي الحديث: ليقل أحدكم فتاي وفتاتي، ولا يقل: عبدي وأمتي. وقيل: هو يوشع ابن نون. وإنما قيل: فتاه، لأنه كان يخدمه ويتبعه. وقيل: كان يأخذ منه العلم. فإن قلت: لا أَبْرَحُ إن كان بمعنى لا أزول - من برح المكان - فقد دل على الإقامة لا على السفر. وإن كان بمعنى: لا أزال، فلا بد من الخبر. قلت: هو بمعنى لا أزال، وقد حذف الخبر، لأنّ الحال والكلام معا يدلان عليه. أمّا الحال فلأنها كانت حال سفر. وأمّا الكلام فلأن قوله (حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ) غاية مضروبة تستدعى ما هي غاية له، فلا بد أن يكون المعنى: لا أبرح أسير حتى أبلغ مجمع البحرين. ووجه آخر: وهو أن يكون المعنى: لا يبرح مسيري حتى أبلغ، على أن (حتى أبلغ) هو الخبر، فلما حذف المضاف أقيم المضاف إليه مقامه وهو ضمير
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ليقل أحدكم: فتاي وفتاتي) الحديث أخرجه أحمد بن حنبل في "مُسنده" في أبي هريرة.
قوله: (كان يأخذ منه العلم) فيه إدماج أن من أخذ العلم بمنزلة العبد لمن يأخذُ منه.
قوله: (نستدعي ما هي غايةٌ له)، أي: قوله: (مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ): غاية معينة، وهي- أي: مجمع البحرين- مستدعية ذا غاية، وهو السير؛ لأنه لابد للسير من ابتداء الغاية وانتهائها.
قوله: (المعنى: لا يبرحُ مسيري حتى أبلغ)، يعني: المراد من الآية هذا، لكن اختصر، فعلى هذا متعلقُ الخبر: فعلٌ خاصٌّ بقرينة المقام، وهو "يسيرُ" كما قُدر فيما مر "أسيرُ"، أي: لا يبرح مسيري حتى أبلغُ، على الإسناد المجازي، كأنه قال: أبالغ في السير وأبذل فيه مجهودي حتى يسير سيرين نحو: جد جده، وطريقه سائرٌ، ومن ثم قال: "وهو وجهٌ لطيفٌ"، وقد يقال: إن اللطف في التخريج هو الوجه النحوي.
стр. 4868
المتكلم، فانقلب الفعل عن لفظ الغائب إلى لفظ المتكلم، وهو وجه لطيف. ويجوز أن يكون. المعنى: لا أبرح ما أنا عليه، بمعنى: ألزم المسير والطلب ولا أتركه ولا أفارقه حتى أبلغ، كما تقول: لا أبرح المكان. ومجمع البحرين: المكان الذي وعد فيه موسى لقاء الخضر ﵉، وهو ملتقى بحري فارس والروم مما يلي المشرق. وقيل: طنجة. وقيل: إفريقية. ومن بدع التفاسير: أن البحرين موسى والخضر، لأنهما كانا بحرين في العلم. وقرئ (مَجْمَعَ) بكسر الميم، وهي في الشذوذ من يفعل، كالمشرق
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ويجوز أن يكون المعنى: لا أبرح ما أنا عليه): عطفٌ على قوله: "هو بمعنى: لا أزالُ". قال أبو البقاء: " (لا أَبْرَحُ) يجوز أن تكون تامة، والمفعول محذوف، أي: لا أفارق السير حتى أبلغ، كقولك: لا أبرح المكان، أي: لا أفارقه".
قوله: (وقرئ: "مجمع" بكسر الميم، وهي في الشذوذ)، يعني به: قراءة وقياساً. قال ابن جني: "وهي قراءة عبد الله بن مسلم بن يسار، المصدر من فعل يفعل، والمكان والزمان كلهُن على "مفعل" بالفتح، نحو: "مذهب"، بمعنى: الذهاب، و"مذهب" بمعنى: مكان يُذهبُ فيه، و"هذا مذهبُك"، أي: زمان ذهابك، إلا أنه قد جاء "المفعِلُ" بالكسر، نحو: المشرق والمغرب المنسك والمطلع؛ لأنه من يشرقُ ويغربُ وينسكُ ويطلعُ. ونحو من هذا "مجمع البحرين"، وهو مكانٌ كما ترى؛ لأنه من جمع يجمعُ، فقياسه "مجمعً" لولا ما ذكرناه من الحمل على نظيره.
стр. 4869
والمطلع من يفعل (أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً) أو أسير زمانا طويلا. والحقب ثمانون سنة. وروى أنه لما ظهر موسى على مصر مع بنى إسرائيل واستقرّوا بها بعد هلاك القبط، أمره الله أن يذكر قومه النعمة، فقام فيهم خطيبا فذكر نعمة الله وقال: إنه اصطفى نبيكم وكلمه. فقالوا له: قد علمنا هذا، فأى الناس أعلم؟ قال: أنا. فعتب الله عليه حين لم يردّ العلم إلى الله، فأوحى إليه: بل أعلم منك عبد لي عند مجمع البحرين وهو الخضر، وكان الخضر في أيام أفريدون قبل موسى ﵇، وكان على مقدمة ذى القرنين الأكبر، وبقي إلى أيام موسى. وقيل: إنّ موسى سأل ربه: أيّ عبادك أحب إليك؟ قال الذي يذكرني ولا ينساني. قال: فأىّ عبادك أقضى؟ قال:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الراغب: (مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا) يجوز أن يكون "البينُ" مصدراً، أي: موضع المفترق.
قوله: (فقام فيهم خطيباً) إلى قوله: (عند مجمع البحرين)، ما يقربُ منه رواه الشيخان والترمذي عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب، عن رسول الله ﷺ .
قوله: (وكان الخضر في أيام أفرديون)، قال ابن الأثير صاحب "الكامل في التاريخ": قولُ من قال: إن الخضر كان في أيام أفريدون وذي القرنين الأكبر قبل موسى بن عمران أشبه بالحديث، يعني الحديث الذي رواه أبي بن كعب، ورسول الله ﷺ أعلمُ الخلق بالكائن من الأمور، فيحتمل أن يكون الخضرُ على مقدمة ذي القرنين قبل موسى ﵇ وأنه شرب من ماء الحياة فطال عمره. ولم يرسل في أيام إبراهيم ﵇، وبُعث في أيام بشتاسب بن لهراسب.
وقال الإمام في "تفسيره": إن ذا القرنين ليس الإسكندر صاحب أرسطون؛ لأن الله تعالى مدحه في كتابه، وصاحب أرسطون ليس ممن يمدحه الله تعالى.
стр. 4870
الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى. قال: فأيّ عبادك أعلم؟ قال: الذي يبتغى علم الناس إلى علمه، عسى أن يصيب كلمة تدله على هدى، أو تردّه عن ردى. فقال: إن كان في عبادك من هو أعلم منى فادللني عليه. قال: أعلم منك الخضر. قال: أين أطلبه؟ قال: على الساحل عند الصخرة. قال: يا رب، كيف لي به؟ قال: تأخذ حوتا في مكتل، فحيث فقدته فهو هناك. فقال لفتاه: إذا فقدت الحوت فأخبرنى، فذهبا يمشيان، فرقد موسى، فاضطرب الحوت ووقع في البحر، فلما جاء وقت الغداء طلب موسى الحوت، فأخبره فتاه بوقوعه في البحر، فأتيا الصخرة، فإذا رجل مسجى بثوبه، فسلم عليه موسى، فقال: وأنى بأرضنا السلام، فعرّفه نفسه، فقال: يا موسى، أنا على علم علمنّيه الله لا تعلمه أنت، وأنت على علم علمكه الله لا أعلمه أنا. فلما ركبا السفينة جاء عصفور فوقع على حرفها فنقر في الماء فقال الخضر: ما ينقص علمى وعلمك من علم الله مقدار ما أخذ هذا العصفور من البحر (نَسِيا حُوتَهُما) أي نسيا تفقد أمره وما يكون منه مما جعل أمارة على الظفر بالطلبة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (الذي يبتغي علم الناس إلى علمه)، أي: الذي يضمُّ علم الناس إلى علمه مبتغياً له طالباً، على تضمين "يبتغي" معنى "يضمُّ". الجوهري: أبغيتك الشيء: أعنتك على طلبه، وأبغيتك الشيء: جعلتك طالباً له، وابتغيت الشيء وتبغيته: إذا طلبته.
قوله: (كيف لي به؟ ) أي: كيف يتهيأ ويتيسر لي أن أظفر به؟
قوله: (تأخذ حوتاً في مكتلٍ) إلى قوله: (العصفور من البحر) من حديث أبي بن كعب بالإسناد السابق، مع تغيير يسير.
النهاية: المكتل، بكسر الميم: الزنبيل الكبير، ويجمع على مكاتل.
قوله: (فحيث فقدته)، النهاية: فقدت الشيء أفقده: إذا غاب عنك.
قوله: (أي: نسيا تفقد أمره وما يكون منه، مما جُعل أمارةً على الظفر بالطلبة). "وما يكون منه": عطفٌ تفسيريٌّ على قوله: "تفقد أمره"، و"مِن"- في "مما جُعل أمارة"- بيان
следующие страницы →