Полный текст (9 345 стр.). Показаны 4866–4905 · переход к 4871.
стр. 4866
لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً) وضربنا لإهلاكهم وقتا معلوما لا يتأخرون عنه كما ضربنا لأهل مكة يوم بدر. والمهلك:
الإهلاك ووقته. وقرئ لِمَهْلِكِهِمْ بفتح الميم، واللام مفتوحة أو مكسورة، أي: لهلاكهم أو وقت هلاكهم. والموعد: وقت، أو مصدر.
[(وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً* فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً* فَلَمَّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً* قالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً* قالَ ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً* فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً)].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: (لِمَهْلِكِهِمْ))، أبو بكر: بفتح الميم واللام، وحفصٌ: بفتح الميم وكسر اللام، والباقون: بضم الميم وفتح اللام.
قوله: (أي: لهلاكهم أو وقت هلاكهم، والموعد: وقتٌ أو مصدر)، قال صاحب "الإيجاز": (لِمَهْلِكِهِمْ) مصدرٌ، كقوله: (مُدْخَلَ صِدْقٍ) [الإسراء: ٨٠]، ويجوز " مهلكهم": اسم زمان الهُلك، أي: جعلنا لوقت إهلاكهم موعداً، ولكن المصدر أولى لتقدم أهلكناهم، والفعل يقتضي المصدر وجوداً وحصولاً، وهو المفعول المطلق. ويقتضي الزمان والمكان محلاً وظرفاً، وكل فعل زاد على ثلاثة أحرفٍ فالمصدر واسم الزمان والمكان منه على مثال المفعول، وإذا كان المهلك اسم زمان الهلاك لا يجوز الموعد اسم الزمان؛ لأن الزمان وُجد في المهلك فلا يكون للزمان زمانٌ، بل يكون الموعد بمعنى المصدر، أي: جعلنا الزمان هلاكهم وعداً وعلى العكس.
стр. 4867
(لِفَتاهُ) لعبده. وفي الحديث: ليقل أحدكم فتاي وفتاتي، ولا يقل: عبدي وأمتي. وقيل: هو يوشع ابن نون. وإنما قيل: فتاه، لأنه كان يخدمه ويتبعه. وقيل: كان يأخذ منه العلم. فإن قلت: لا أَبْرَحُ إن كان بمعنى لا أزول - من برح المكان - فقد دل على الإقامة لا على السفر. وإن كان بمعنى: لا أزال، فلا بد من الخبر. قلت: هو بمعنى لا أزال، وقد حذف الخبر، لأنّ الحال والكلام معا يدلان عليه. أمّا الحال فلأنها كانت حال سفر. وأمّا الكلام فلأن قوله (حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ) غاية مضروبة تستدعى ما هي غاية له، فلا بد أن يكون المعنى: لا أبرح أسير حتى أبلغ مجمع البحرين. ووجه آخر: وهو أن يكون المعنى: لا يبرح مسيري حتى أبلغ، على أن (حتى أبلغ) هو الخبر، فلما حذف المضاف أقيم المضاف إليه مقامه وهو ضمير
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ليقل أحدكم: فتاي وفتاتي) الحديث أخرجه أحمد بن حنبل في "مُسنده" في أبي هريرة.
قوله: (كان يأخذ منه العلم) فيه إدماج أن من أخذ العلم بمنزلة العبد لمن يأخذُ منه.
قوله: (نستدعي ما هي غايةٌ له)، أي: قوله: (مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ): غاية معينة، وهي- أي: مجمع البحرين- مستدعية ذا غاية، وهو السير؛ لأنه لابد للسير من ابتداء الغاية وانتهائها.
قوله: (المعنى: لا يبرحُ مسيري حتى أبلغ)، يعني: المراد من الآية هذا، لكن اختصر، فعلى هذا متعلقُ الخبر: فعلٌ خاصٌّ بقرينة المقام، وهو "يسيرُ" كما قُدر فيما مر "أسيرُ"، أي: لا يبرح مسيري حتى أبلغُ، على الإسناد المجازي، كأنه قال: أبالغ في السير وأبذل فيه مجهودي حتى يسير سيرين نحو: جد جده، وطريقه سائرٌ، ومن ثم قال: "وهو وجهٌ لطيفٌ"، وقد يقال: إن اللطف في التخريج هو الوجه النحوي.
стр. 4868
المتكلم، فانقلب الفعل عن لفظ الغائب إلى لفظ المتكلم، وهو وجه لطيف. ويجوز أن يكون. المعنى: لا أبرح ما أنا عليه، بمعنى: ألزم المسير والطلب ولا أتركه ولا أفارقه حتى أبلغ، كما تقول: لا أبرح المكان. ومجمع البحرين: المكان الذي وعد فيه موسى لقاء الخضر ﵉، وهو ملتقى بحري فارس والروم مما يلي المشرق. وقيل: طنجة. وقيل: إفريقية. ومن بدع التفاسير: أن البحرين موسى والخضر، لأنهما كانا بحرين في العلم. وقرئ (مَجْمَعَ) بكسر الميم، وهي في الشذوذ من يفعل، كالمشرق
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ويجوز أن يكون المعنى: لا أبرح ما أنا عليه): عطفٌ على قوله: "هو بمعنى: لا أزالُ". قال أبو البقاء: " (لا أَبْرَحُ) يجوز أن تكون تامة، والمفعول محذوف، أي: لا أفارق السير حتى أبلغ، كقولك: لا أبرح المكان، أي: لا أفارقه".
قوله: (وقرئ: "مجمع" بكسر الميم، وهي في الشذوذ)، يعني به: قراءة وقياساً. قال ابن جني: "وهي قراءة عبد الله بن مسلم بن يسار، المصدر من فعل يفعل، والمكان والزمان كلهُن على "مفعل" بالفتح، نحو: "مذهب"، بمعنى: الذهاب، و"مذهب" بمعنى: مكان يُذهبُ فيه، و"هذا مذهبُك"، أي: زمان ذهابك، إلا أنه قد جاء "المفعِلُ" بالكسر، نحو: المشرق والمغرب المنسك والمطلع؛ لأنه من يشرقُ ويغربُ وينسكُ ويطلعُ. ونحو من هذا "مجمع البحرين"، وهو مكانٌ كما ترى؛ لأنه من جمع يجمعُ، فقياسه "مجمعً" لولا ما ذكرناه من الحمل على نظيره.
стр. 4869
والمطلع من يفعل (أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً) أو أسير زمانا طويلا. والحقب ثمانون سنة. وروى أنه لما ظهر موسى على مصر مع بنى إسرائيل واستقرّوا بها بعد هلاك القبط، أمره الله أن يذكر قومه النعمة، فقام فيهم خطيبا فذكر نعمة الله وقال: إنه اصطفى نبيكم وكلمه. فقالوا له: قد علمنا هذا، فأى الناس أعلم؟ قال: أنا. فعتب الله عليه حين لم يردّ العلم إلى الله، فأوحى إليه: بل أعلم منك عبد لي عند مجمع البحرين وهو الخضر، وكان الخضر في أيام أفريدون قبل موسى ﵇، وكان على مقدمة ذى القرنين الأكبر، وبقي إلى أيام موسى. وقيل: إنّ موسى سأل ربه: أيّ عبادك أحب إليك؟ قال الذي يذكرني ولا ينساني. قال: فأىّ عبادك أقضى؟ قال:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الراغب: (مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا) يجوز أن يكون "البينُ" مصدراً، أي: موضع المفترق.
قوله: (فقام فيهم خطيباً) إلى قوله: (عند مجمع البحرين)، ما يقربُ منه رواه الشيخان والترمذي عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب، عن رسول الله ﷺ .
قوله: (وكان الخضر في أيام أفرديون)، قال ابن الأثير صاحب "الكامل في التاريخ": قولُ من قال: إن الخضر كان في أيام أفريدون وذي القرنين الأكبر قبل موسى بن عمران أشبه بالحديث، يعني الحديث الذي رواه أبي بن كعب، ورسول الله ﷺ أعلمُ الخلق بالكائن من الأمور، فيحتمل أن يكون الخضرُ على مقدمة ذي القرنين قبل موسى ﵇ وأنه شرب من ماء الحياة فطال عمره. ولم يرسل في أيام إبراهيم ﵇، وبُعث في أيام بشتاسب بن لهراسب.
وقال الإمام في "تفسيره": إن ذا القرنين ليس الإسكندر صاحب أرسطون؛ لأن الله تعالى مدحه في كتابه، وصاحب أرسطون ليس ممن يمدحه الله تعالى.
стр. 4870
الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى. قال: فأيّ عبادك أعلم؟ قال: الذي يبتغى علم الناس إلى علمه، عسى أن يصيب كلمة تدله على هدى، أو تردّه عن ردى. فقال: إن كان في عبادك من هو أعلم منى فادللني عليه. قال: أعلم منك الخضر. قال: أين أطلبه؟ قال: على الساحل عند الصخرة. قال: يا رب، كيف لي به؟ قال: تأخذ حوتا في مكتل، فحيث فقدته فهو هناك. فقال لفتاه: إذا فقدت الحوت فأخبرنى، فذهبا يمشيان، فرقد موسى، فاضطرب الحوت ووقع في البحر، فلما جاء وقت الغداء طلب موسى الحوت، فأخبره فتاه بوقوعه في البحر، فأتيا الصخرة، فإذا رجل مسجى بثوبه، فسلم عليه موسى، فقال: وأنى بأرضنا السلام، فعرّفه نفسه، فقال: يا موسى، أنا على علم علمنّيه الله لا تعلمه أنت، وأنت على علم علمكه الله لا أعلمه أنا. فلما ركبا السفينة جاء عصفور فوقع على حرفها فنقر في الماء فقال الخضر: ما ينقص علمى وعلمك من علم الله مقدار ما أخذ هذا العصفور من البحر (نَسِيا حُوتَهُما) أي نسيا تفقد أمره وما يكون منه مما جعل أمارة على الظفر بالطلبة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (الذي يبتغي علم الناس إلى علمه)، أي: الذي يضمُّ علم الناس إلى علمه مبتغياً له طالباً، على تضمين "يبتغي" معنى "يضمُّ". الجوهري: أبغيتك الشيء: أعنتك على طلبه، وأبغيتك الشيء: جعلتك طالباً له، وابتغيت الشيء وتبغيته: إذا طلبته.
قوله: (كيف لي به؟ ) أي: كيف يتهيأ ويتيسر لي أن أظفر به؟
قوله: (تأخذ حوتاً في مكتلٍ) إلى قوله: (العصفور من البحر) من حديث أبي بن كعب بالإسناد السابق، مع تغيير يسير.
النهاية: المكتل، بكسر الميم: الزنبيل الكبير، ويجمع على مكاتل.
قوله: (فحيث فقدته)، النهاية: فقدت الشيء أفقده: إذا غاب عنك.
قوله: (أي: نسيا تفقد أمره وما يكون منه، مما جُعل أمارةً على الظفر بالطلبة). "وما يكون منه": عطفٌ تفسيريٌّ على قوله: "تفقد أمره"، و"مِن"- في "مما جُعل أمارة"- بيان
стр. 4871
وقيل: نسي يوشع أن يقدّمه، ونسى موسى أن يأمره فيه بشيء. وقيل: كان الحوت سمكة مملوحة. وقيل:
إن يوشع حمل الحوت والخبز في المكتل، فنزلا ليلة على شاطئ عين تسمى عين الحياة، ونام موسى، فلما أصاب السمكة برد الماء وروحه عاشت. وروى: أنهما أكلا منها. وقيل: توضأ يوشع من تلك العين فانتضح الماء على الحوت فعاش ووقع في الماء (سَرَباً) أمسك الله جرية الماء على الحوت فصار عليه مثل الطاق، وحصل منه في مثل السرب معجزة لموسى أو للخضر (فَلَمَّا جاوَزا) الموعد وهو الصخرة لنسيان موسى تفقد أمر الحوت وما كان منه.
ونسيان يوشع أن يذكر لموسى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"ما"، وهو التوصية بأنه حيث فقدته فالخضر هناك.
قوله: (وقد قيل نسي يوشع أن يقدمه)، أي: يُقدم الحوت بين يدي موسى عيه السلام، ونسي موسى أن يأمره بإحضاره ليُشاهدا منه تلك الأمارة التي جُعلت لهما، وذلك أن موسى عيه السلام وُعد أن لقاء الخضر عند مجمع البحرين كما سبق، وأن فقدان الحوت علامة للقائه، فلما بلغ الموعد كان من حقهما أن يتفقدا أمر الحوت، أما الفتى فلكونه خادماً له، كان عليه أن يُقدمه بين يديه، وأما موسى فلكونه أميراً عليه، كان عليه أن يأمره بالإحضار، فنسي كل واحدٍ ما عليه، وإنما احتيج إلى التأويل لأن النسيان لا يتعلق بالدواب، كما سبق عن الراغب في تعريفه: النسيان: ترك ضبط ما استودعه، إما لضعف قلبه، وإما عن غفلةٍ أو عن قصد حتى ينحذف عن القلب ذكرُه.
قوله: (فانتضح الماء)، الجوهري: النضح: الرش، نضحت البيت أنضحه، بالكسر.
قوله: (وحصل منه في مثل السرب)، الأساس: ما حصل في يدي شيء منه، أي: ما رجع، وما حصلتُ منه على شيء، المعنى: ورجع من الماء في مثل السرب، و"في": تجريدية؛ لأنه انتزع من الماء شيئاً يُشبه السرب، نحو: رأيت زيداً في مثل الأسد. قال
стр. 4872
ما رأى من حياته ووقوعه في البحر. وقيل: سارا بعد مجاوزة الصخرة الليلة والغد إلى الظهر، وألقى على موسى النصب والجوع حين جاوز الموعد، ولم ينصب ولا جاع قبل ذلك، فتذكر الحوت وطلبه. وقوله (مِنْ سَفَرِنا هذا) إشارة إلى مسيرهما وراء الصخرة. فإن قلت: كيف نسى يوشع ذلك، ومثله لا ينسى لكونه أمارة لهما على الطلبة التي تناهضا من أجلها ولكونه معجزتين ثنتين: وهما حياة السمكة المملوحة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
القاضي: نصب (سَرَباً) على المفعول الثاني، و (فِي الْبَحْرِ): حالٌ منه، أو من "السبيل"، ويجوز تعلقه بـ "اتخذ".
النهاية: السربُ، بالتحريك: المسلكُ في الخفية.
الراغب: السربُ: الذهاب في حدور، والسربُ: المنحدر. قال تعالى: (فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً)، يقالُ: سرب سرباً وسروباً، نحو: مر مراً ومروراً. وانسرب انسراباً: كذلك، لكن سرب يقالُ على تصور الفعل من فاعله، وانسرب على تصور الانفعال منه، وانسرب الدمعُ: سال، وانسربت الحية إلى جُحرها، وسرب الماء من السقاء، وماءٌ سربٌ وسربٌ: متقطرٌ من سقائه. والساربُ: الذاهب في سربه أي طريق كان. قال تعالى: (وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ) [الرعد: ١٠]. والسربُ: جمعُ ساربٍ كركبٍ وراكب، وتعورف في الإبل حتى قيل: ذُعرت سربُه، أي: إبله، وهو آمنٌ في سربه، أي: في نفسه، وقيل: في أهله ونسائه، فجُعل السربُ كناية، وقيل: اذهبي فلا أندهُ سربك، في الكناية عن الطلاق، ومعناه لا أرد إبلك الذاهبة في سربها، والسربةُ: قطعةٌ من الخيل من العشرة إلى عشرين، والسراب: اللامع في المفازة الماء، وذلك لانسرابه في مرأى العين، وكأن السراب فيما لا حقيقة له كالشراب فيما له حقيقة.
قوله: ((هذا) إشارة إلى مسيرهما وراء الصخرة)، وفي الإشارة بهذا إشعارٌ بأن هذا المسير كان أتعب لهما مما سبق، فإن رجاء المطلوب يُقربُ البعيد، والخيبة تُبعدُ القريب؛ ولهذا
стр. 4873
المأكول منها - وقيل: ما كانت إلا شق سمكة - وقياء الماء وانتصابه مثل الطاق ونفوذها في مثل السرب منه؟ ثم كيف استمرّ به النسيان حتى خلفا الموعد وسارا مسيرة ليلة إلى ظهر الغد، وحتى طلب موسى ﵇ الحوت؟ قلت: قد شغله الشيطان بوساوسه فذهب بفكره كل مذهب، حتى اعتراه النسيان وانضم إلى ذلك أنه ضرى بمشاهدة أمثاله عند موسى ﵇ من العجائب، واستأنسا بإخوانه فأعان الإلف على قلة الاهتمام أَرَأَيْتَ بمعنى أخبرني.
فإن قلت: ما وجه التئام هذا الكلام؟ فإن كل واحد من (أَرَأَيْتَ) و (إِذْ أَوَيْنا) و (فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ) لا متعلق له؟ قلت: لما طلب موسى ﵇ الحوت، ذكر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ورد في الحديث: أن موسى ﵇ لم ينصب إلا منذُ جاوز الموضع الذي حده الله تعالى له.
قوله: (وقيام الماء)، هو عطفٌ على "حياة السمكة"، والجملة- وهي: "وقيل: ما كانت إلا شق سمكة"-معترضة للتأكيد والمبالغة، فإن حياة السمكة المملوحة عجيبة، وكونها نصب سمكة أعجب.
قوله: (قد شغله الشيطان بوساوسه)، قال القاضي: ولعله نسي ذلك لاستغراقه في الاستبصار وانجذاب شراشره إلى جناب القدس بما عراه من مشاهدة الآيات الباهرة، وإنما نسبه إلى الشيطان هضماً لنفسه.
قوله: (لا متعلق له)، يعني: ليس لـ (أَرَأَيْتَ) مفعول، ولـ (إِذْ أَوَيْنَا) مظروفٌ، ولـ (فَإِنِّي) سبب؟ وأجاب: أن المتعلق: ما دهاني، وهو مفعول (أَرَأَيْتَ)، و"دهاني": مظروفٌ، وهو سببٌ أيضاً، فحذف لدلالة مقام الحيرة عليه كما أشار إليه بقوله: "فحذف
стр. 4874
يوشع ما رأى منه وما اعتراه من نسيانه إلى تلك الغاية، فدهش وطفق يسأل موسى ﵇ عن سبب ذلك، كأنه قال: أرأيت ما دهاني إذ أوينا إلى الصخرة؟ فإني نسيت الحوت، فحذف ذلك. وقيل: هي الصخرة التي دون نهر الزيت. و (أَنْ أَذْكُرَهُ) بدل من الهاء في (أَنْسانِيهُ) أي: وما أنساني ذكره إلا الشيطان. وفي قراءة عبد الله: أن أذكركه. وعَجَباً ثانى مفعولي اتخذ، مثل سَرَباً يعنى: واتخذ سبيله سبيلاً عجبًا، وهو كونه شبيه السرب. أو قال: عجبا في آخر كلامه، تعجبا من حاله في رؤية تلك العجيبة ونسيانه لها أو مما رأى من المعجزتين، وقوله (وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ) اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه. وقيل: إن عَجَباً حكاية لتعجب موسى ﵇، وليس بذاك ذلِكَ إشارة إلى اتخاذه سبيلا، أي: ذلك الذي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ذلك"، ونظيره قوله تعالى: (وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ) [الأحقاف: ١١] قال تقديره: (وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ)، ظهر عنادهم (فَسَيَقُولُونَ)، وهذا المضمر صح به الكلام، حيث انتصب به الظرف، وكان (فَسَيَقُولُونَ) مسبباً عنه".
قوله: (نهر الزيت) سمي به لكثرة أشجار الزيت على شاطئه، فقوله: "وقيل: هي الصخرة": عطفٌ على قوله: "فلما جاوزا الموعد" وهو الصخرة.
قوله: (و (أَنْ أَذْكُرَهُ): بدل من الهاء في (أَنْسَانِيه) أي: بدل اشتمال.
قوله: (إن (عَجَباً) حكاية لتعجب موسى، وليس بذاك)، أي: ليس هذا القول بذاك القول الذي يُعرج عليه، كقولك: ليس بشيء، أي: شيء يُعتد به، بيانه: أن موسى ﵇ لما قال ليوشع: (آتِنَا غَدَاءَنَا)، أجاب بقوله: (أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ)، وهي كلمة تعجب، فلما بلغ قوله: (وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ) تعجب موسى من ذلك فحكى الله تعالى تعجبه، ولا ارتياب في تعسفه وبُعده من بلاغة التنزيل، ولكن (عَجَباً) مقول فتى موسى: إما على أنه صفة موصوف محذوف، وهو ثاني مفعولي "اتخذ" كما قدره المصنف، أو:
стр. 4875
كنا نطلب، لأنه أمارة الظفر بالطلبة من لقاء الخضر ﵇. وقرئ (نَبْغِ) بغير ياء في الوصل، وإثباتها أحسن، وهي قراءة أبي عمرو، وأمّا الوقف، فالأكثر فيه طرح الياء اتباعا لخط المصحف (فَارْتَدَّا) فرجعا في أدراجهما (قَصَصاً) .......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لما فرغ من كلامه قال: يا عجباً، فحكى الله تعالى ذلك منه. ويجوز أن يكون من كلام الله، أي: قال ذلك الكلام تعجباً.
قال أبو البقاء: (عَجَباً): مفعولٌ ثان لـ (اتَّخَذَ)، وقيل: هو مصدرٌ، أي: قال موسى: عجباً، فعلى هذا يكون المفعول الثاني لـ (اتَّخَذَ): (فِي الْبَحْرِ).
قوله: (قرئ: (نْبَغِ) بغير ياء في الوصل)، نافعٌ وأبو عمرو والكسائي: أثبتوا في الوصل، وابن كثير: في الحالين، والباقون: بالحذف في الحالين، قال أبو البقاء: الجيد إثباتُ الياء، والحذف على التشبيه بالفواصل، وسهل ذلك أن الياء لا تُضم هاهنا.
روى صاحب "المرشد"، عن أبي حاتم، أنه قال: ومن الوقف التام قوله تعالى: (مَا كُنَّا نَبْغِ).
وقلت: بيانه أن قوله تعالى: (فَارْتَدَّا) عطفٌ على جملة قوله: (فَلَمَّا جَاوَزَا) إلى آخره. وأما الفصلُ بين الأقوال الثلاثة، فالأولى: جوابٌ للشرط، والآخران مفصولان لما يستدعيه مقام المقاولة من السؤال، وهو: ماذا قال فتى موسى بعد قول موسى ﵇: (آتِنَا غَدَاءَنَا)؟ وماذا قال موسى ﵇ بعد قول فتاه: (أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا)؟
قوله: (فرجعا في أدراجهما)، الجوهري: قولهم: خل درج الضب، أي: طريقه، والجمعُ: الأدراج، ومنه قولهم: رجعت أدراجي، أي: رجعت في الطريق الذي جئت منه.
стр. 4876
يقصان قصصًا، أي: يتبعان آثارهما اتباعاً. أو فارتدّا مقتصين (رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا) هي الوحي والنبوة (مِنْ لَدُنَّا) مما يختص بنا من العلم، وهو الإخبار عن الغيوب.
[(قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً)].
(رُشْداً) قرئ بفتحتين، وبضمة وسكون، أى: علما ذا رشد، أرشد به في دينى. فإن قلت: أما دلت حاجته إلى التعلم من آخر في عهده أنه - كما قيل - موسى بن ميشا، لا موسى بن عمران لأنّ النبيّ يجب أن يكون أعلم أهل زمانه وإمامهم المرجوع إليه في
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (يقصان قصصاً). قال صاحب "الكشف": (قَصَصاً): مصدرٌ لفعلٍ مضمر يدل عليه: (فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا)، واقتصا الأثر: واحد.
قوله: (مقتصين) أي: يكون المصدر بمعنى اسم الفاعل، فنصبه على الحال.
قوله: ("رشداً" قرئ بفتحتين)، أبو عمرو، والباقون: بضمة وسكون.
قوله: (أي: علماً ذا رشدٍ)، قال أبو البقاء: (رُشْداً): مفعول ٠ تُعَلِّمَنِي)، ولا يجوز أن يكون مفعول (عُلِّمْتَ)؛ لأنه لا عائد إذن على الذي، وليس بحال ٍمن العائد المحذوف؛ لأن المعنى على ذلك يبعد. وقال القاضي: يجوز ان يكون علة لـ (أَتَّبِعُكَ)، أو: مصدراً بإضمار فعله.
وقوله: (أنه كما قيل: موسى بن ميشا، لا موسى بن عمران)، روينا عن البخاري
стр. 4877
أبواب الدين؟ قلت: لا غضاضة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ومسلم والترمذي، عن سعيد بن جبير، قال: قلت لابن عباس: إن نوفا البكالي يزعم أن موسى صاحب بني إسرائيل ليس هو صاحب الخضر، قال: كذب عدو الله، سمعت أبي بن كعب يقول: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول "قام موسى خطيباً في بني إسرائيل" إلى تمام الحديث.
قال بعضهم: التعليم: تنبيه النفس لتصور المعاني، والتعلمُ: تنبهها لتصور ذلك، وربما استعمل في معنى الإعلام إذا كان فيه تكريرٌ، نحو: (أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ) [الحجرات: ١٦]، فمن التعليم قوله تعالى: (الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ) [الرحمن: ١ - ٢]، وتعليم آدم الأسماء هو أن جعل له قوة بها نطق ووضع أسماء الأشياء، وذلك بإلقائه في روعه، وكتعليمه تعالى الحيوانات كل واحد ٍمنها فعلاً يتعاطاه.
وقوله: (مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً)، قيل: عني بالعلم: الخاص الخفي على البشر الذي يرونه ما لم يعرفهم الله منكراً، وقيل: وعلى هذا العلم في قوله تعالى: (الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْ الْكِتَابِ) [النمل: ٤٠]، العلمُ: الأثر الذي يُعلم به الشيء، وسُمي الجبل علماً لذلك، والعالم: اسم للفلك وما يلحق به من الجواهر والأعراض، وهو في الأصل: اسم لما يُعلم به كالطابع والخاتم لما يطبع به ويختم به، وجُعل بناؤه على هذه الصيغة لكونه كالآلة، العالمُ: آلة في الدلالة على صانعه، ولهذا أحالنا تعالى عليه في معرفة وحدانيته، فقال: (أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) [الأعراف: ١٨٥].
قوله: (لا غضاضة)، الجوهري: يقال: ليس عليك في هذا الأمر غضاضة، أي: ذلة ومنقصة، قال القاضي: لا ينافي نبوته وكونه صاحب الشريعة أن يتعلم من غيره ما لم يكن
стр. 4878
بالنبي في أخذ العلم من نبيّ مثله: وإنما بغض منه أن يأخذه ممن دونه. وعن سعيد بن جبير أنه قال لابن عباس: إنّ نوفا ابن امرأة كعب يزعم أنّ الخضر ليس بصاحب موسى، وأنّ موسى هو موسى بن ميشا، فقال: كذب عدوّ الله.
[(قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً* وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً)].
نفي استطاعة الصبر معه على وجه التأكيد، كأنها مما لا يصح ولا يستقيم، وعلل ذلك بأنه يتولى أمورًا هي في ظاهرها مناكير. والرجل الصالح
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شرطاً في أبواب الدين، فإن الرسول ينبغي أن يكون أعلم ممن أرسل إليه فيما بُعث به من أصول الدين وفروعه لا مطلقاً، ويؤيده قوله تعالى حكاية عن الهدهد مخاطباً سليمان ﵇: (أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ) [النمل: ٢٢].
الراغب: العلمُ: إدراك الشيء بحقيقته، وذلك ضربان: إدراك ذات الشيء، والثاني: الحكم على الشيء بوجود شيء هو موجودٌ له، أو نفي شيء منفي عنه. فالأول متعد إلى واحد كقوله تعالى: (لا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ) [الأنفال: ٦٠]، وأعلمته وعلمته - في الأصل - واحدٌ، إلا أن الإعلام اختص بما كان بإخبار سريع، والتعليم بما يكون بتكرير وتكثير حتى يحصل منه أثرٌ في نفس المتعلم.
قوله: (وعلل ذلك بأنه يتولى أموراً)، أي: أكد نفي استطاعته بقوله: (إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْراً)، وهو علة لمنعه من اتباعه، فإن موسى ﵇ قال: (هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ)، كأنه قال: لا؛ لأنك (لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْراً)، ثم علل العلة بقوله: (وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً)، أي: كيف تصبرُ على شيء هو في الظاهر منكرٌ مفسدةٌ وفي الحقيقة مصلحة وصلاح، ويحتاج في معرفته إلى دقة نظر وفضل خبرة مستفادة منالعلم اللدني.
قوله: (والرجل الصالح): مبتدأ، وقوله: "لا يتمالك": الخبر، وقوله: "فكيف إذا كان
стр. 4879
-فكيف إذا كان نبياً - لا يتمالك أن يشمئز ويمتعض ويجزع إذا رأى ذلك ويأخذ في الإنكار. و (خُبْراً) تمييز، أي: لم يحط به خبرك بمعنى لم تخبره، فنصبه نصب المصدر.
[(قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً)].
(وَلا أَعْصِي) في محل النصب، عطف على (صابِراً) أي: ستجدني صابرا وغير عاص. أولا في محل، عطفاً على (ستجدني).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نبياً؟ " موضعه التأخير، فاعترض بين المبتدأ والخبر اهتماماً، والكلامُ مجرى مجرى المثال لموسى ﵇، مثله قوله: (وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ) [النور: ٢٦] في وجه تمثيل لأم المؤمنين عائشة ﵂. المعنى: إني أتولى أموراً ظاهرها مناكيرُ، وأنت لا تتمالك أن تشمئز.
قوله: (فكيف إذا كان نبياً لا يتمالك أن يشمئز ويمتعض)، الانتصاف: يدل عليه أنه قال في خرق السفينة: (أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا) ولم يقل: لتغرقنا، فنسي نفسه واشتغل بغيره في حالة يقول فيها المرء: نفسي نفسي.
الجوهري: اشمأز الرجل اشمئزازاً: انقبض ومعضت من ذلك الأمر أمعض معضاً، وامتعضت منه: إذا غضبت وشق عليك.
قوله: (أو في لا محل، عطفاً على (سَتَجِدُنِي))، لعل هذا القول مبني على أن الجملة الواقعة بعد "قال": مستأنفة، بيان للقول المضمر؛ فلا يكون لها محل، كما قال أبو البقاء في قوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ) [البقرة: ١١]: والمفعول القائم
стр. 4880
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ …
مقام الفاعل مصدرٌ، وهو القول، وأضمر؛ لأن الجملة بعد مفسرة، والتقدير: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ) قول، وهو: (لا تُفْسِدُوا)، ونظيره: (ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوْا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ) [يوسف: ٣٥]، أي: بدا لهم بداء ورأيٌ، كذا قدر المصنف هذه الآية، أو يقال: إن قوله: (وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً): عطفٌ على مقول القول باعتبار الجملة لا باعتبار الإفراد، وكونه منصوباً على المصدرية أو المفعولية على الخلاف الذي سبق بيانه في "البقرة"، ونحوه في الاعتبار قوله تعالى: (تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ) [الفتح: ١٦]، على تقدير: أو هم يُسلمون، وسيجيء بيانه في موضعه.
ورُوي عن الشيخ بدر الدين الجرجاني رحمه الله تعالى أنه قال: إن قوله: (سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً) بجملته مقولٌ للقول، والشرط يقتضي الجزاء. وقوله: (سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً)، لا يصلح أن يكون جزاء لتقدمه، لنه دالٌ عليه، فلا يكون له محل. وقوله: (وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً): عطفٌ عليه وحده، فيكون التقدير: ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصي لك إن شاء الله أمراً، والشرط مع الجزاء المحذوف معترضٌ بين المفعولين.
وقدر المصنف في قوله تعالى: (ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ) [يوسف: ٩٩]: "ادخلوا مصر آمنين إن شاء الله دخلتم آمنين".
أما بيانُ بلاغة هذا التركيب، فإنه لو قُدم الشرط بأن يقال: إن شاء الله ستجدني صابراً لفات التكرير والتوكيد المطلوب، ولو أخر بأن يقال: ستجدني صابراً إن شاء الله لاختل إرادة الاهتمام لكلمة التبرك، ولعُدم حُسنُ موقع الاعتراض، فإنه من تحاسين الكلام، فالتركيب قريبٌ من قوله: (لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [التحريم: ٦] فيكون من باب الطرد والعكس.
стр. 4881
رجا موسى ﵇ لحرصه على العلم وازدياده، أن يستطيع معه صبرا بعد إفصاح الخضر عن حقيقة الأمر، فوعده بالصبر معلقا بمشيئة الله، علما منه بشدّة الأمر وصعوبته، وأن الحمية التي تأخذ المصلح عند مشاهدة الفساد شيء لا يطاق، هذا مع علمه أن النبي المعصوم الذي أمره الله بالمسافرة إليه واتباعه واقتباسه العلم منه، برىّ من أن يباشر ما فيه غميزة في الدين، وأنه لا بد لما يستسمج ظاهره من باطن حسن جميل، فكيف إذا لم يعلم.
[(قالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً)].
قرئ: (فَلا تَسْئَلْنِي) بالنون الثقيلة، يعنى: فمن شرط اتباعك لي أنك إذا رأيت
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فوعده بالصبر)، عطفٌ على "رجا"، و"أن يستطيع" مفعول "رجا"، والرجاء هو قوله: (سَتَجِدُنِي)، و"علماً" مفعولٌ له لوعده الصبر معلقاً. و"أن الحمية" عطفٌ على شدة الأمر على البيان والتفسير.
قوله: (هذا) أي: كل هذه المبالغات متضمنة مع علم موسى أن الخضر مع جلالته بريٌّ أن يركب أمراً يُعابُ عليه، فكيف مما يُستسمج؟ ظاهره ممن لا يعلمُ مرتبته في الدين، فإنه لا يُطاق قطعاً، فالضمير في "مع علمه": راجعٌ إلى المصلح وهو موسى، مُظهر أقيم مقام المضمر إيذاناً أن المصلح شأنه أن لا يصبر على مثل تلك الحالة ويرى الصالح.
قوله: (غميزة)، الأساس: ومن المجاز: ما فيه مغمزٌ ولا غميزةٌ، أي: معابٌ، وغمز فيه: طعن. قال القاضي: وتعليقُ الوعد بالمشيئة إما للتيمن، وخُلفُه ناسياً لا يقدح في عصمته، أو لعلمه بصعوبة الأمر، فإن مشاهدة الفساد والصبر على خلاف المعتاد شديدٌ، فلا خُلفَ، وفيه دليلٌ على أن أفعال العباد واقعة بمشيئة الله.
قوله: (وأنه لابد) الضمير للشأن، والجملة معطوفةٌ على قوله: "أن النبي".
قوله: (قرئ: "فلا تسألني")، نافعٌ وابن عامر: بفتح اللام وتشديد النون، والباقون:
стр. 4882
مني شيئاً - وقد علمت أنه صحيح إلا أنه غبي عليك وجه صحته فحميت وأنكرت في نفسك - أن لا تفاتحنى بالسؤال ولا تراجعني فيه، حتى أكون أنا الفاتح عليك. وهذا من آداب المتعلم مع العالم، والمتبوع مع التابع.
[(فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها قالَ أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً* قالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً)].
(فَانْطَلَقا) على ساحل البحر يطلبان السفينة، فلما ركبا قال أهلها: هما من اللصوص، وأمروهما بالخروج، فقال صاحب السفينة: أرى وجوه الأنبياء. وقيل: عرفوا الخضر فحملوهما بغير نول، فلما لججوا أخذ الخضر الفأس فخرق السفينة بأن قلع لوحين من ألواحها مما يلي الماء فجعل موسى يسدّ الخرق بثيابه ويقول (أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها) وقرئ: (لتغرّق) بالتشديد و (ليغرق أهلها) من غرق، وأهلها
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بإسكان اللام وتخفيف النون.
قوله: (أن لا تفاتحني)، خبرُ "إن"، و"إذا" ظرفٌ، والجملة في تأويل المبتدأ، وخبره: "من شرط اتباعك"، المعنى: من شرط اتباعك عند الرؤية عدم المفاتحة.
قوله: (بغير نول)، النهاية: بغير أجرٍ ولا جُعلٍ: مصدر ناله يناوله: إذا أعطاه.
قوله: (لججوا)، الأساس: لجج القوم: دخلوا في اللج. الجوهري: لجة الماء، بالضم: معظمه، وكذلك اللج.
قوله: (وليغرق أهلها)، حمزة والكسائي: "ليغرق" بالياء مفتوحة وفتح الراء، و"أهلها": برفع اللام، والباقون: بضم التاء وكسر الراء ونصب اللام، والتشديد: شاذ.
стр. 4883
مرفوع (جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً) أتيت شيئا عظيما، من أمر الأمر: إذا عظم، قال:
داهية دهياء إدّا إمرا
[(قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً)].
(بِما نَسِيتُ) بالذي نسيته، أو بشيء نسيته، أو بنسياني: أراد أنه نسى وصيته ولا مؤاخذة على الناسي. أو أخرج الكلام في معرض النهى عن المؤاخذة بالنسيان، يوهمه أنه قد نسى ليبسط عذره في الإنكار،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (داهية دهياء إذا إمرا)، أوله:
قد لقي الأعداء شيئاً نُكرا
الدهياء: مبالغة في الشدة. الأساس: بقيت منه في داهية إدة، ولقيت منه كل شدة.
الراغب: (امْرَاً)، أي: منكراً، وتحقيقه من: أمر الأمرُ، أي: كثر وكبر، كقولهم: استفحل الأمر.
قوله: (أو أخرج الكلام في معرض النهي): عطفٌ على قوله: "أراد أنه نسي وصيته" فعلى الثاني: "نسيتُ": مطلقٌ، يعني: ما نسي في الحقيقة لكن عرض، ونهاه عن المؤاخذة بنسيانه؛ لان الإنسان مجبول عليه، وعن ابن عباس: أنه سُمي إنساناً؛ لأنه عهد إليه فنسي، وعليه قول إبراهيم ﵇: "هذه أختي: أي: في الدين"، و (إِنِّي سَقِيمٌ) [الصافات: ٨٩] أي: سأسقم، أو: سقيم لما أجدُ من الغيظ.
стр. 4884
وهو من معاريض الكلام التي يتقى بها الكذب، مع التوصل إلى الغرض، كقول إبراهيم: هذه أختي، وإني سقيم. أو أراد بالنسيان: الترك، أي: لا تؤاخذني بما تركت من وصيتك أول مرّة. يقال: رهقه إذا غشيه، وأرهقه إياه. أي: ولا تغشني عُسْراً من أمري، وهو اتباعه إياه، يعنى: ولا تعسر علىّ متابعتك، ويسرها علىّ بالإغضاء وترك المناقشة. وقرئ: (عسرا)، بضمتين.
[(فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ قالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً* قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً)].
(فَقَتَلَهُ) قيل: كان قتله قتل عنقه. قيل: ضرب برأسه الحائط، وعن سعيد بن جبير: أضجعه ثم ذبحه بالسكين. فإن قلت: لم قيل: (حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها) بغير فاء؟ و (حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ) بالفاء؟ قلت: جعل خرقها جزاء للشرط، وجعل قتله من جملة الشرط معطوفاً عليه، والجزاء (قالَ أَقَتَلْتَ). فإن قلت: فلم خولف بينهما؟ قلت: لأن خرق السفينة لم يتعقب الركوب، وقد تعقب القتل لقاء الغلام. وقرئ: (زاكية)، و (زكية)، وهي الطاهرة من الذنوب، إما لأنها طاهرة عنده لأنه لم يرها قد أذنبت، وإما لأنها صغيرةٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وهو من معاريض الكلام)، الأساس: عرفتُ ذلك في معراض كلامه، وقولهم: خُذ في عروضٍ سوى هذه، أي: في ناحية.
قوله: (أو أراد بالنسيان: الترك)، الأساس: ومن المجاز: نسيتُ الشيء، أي: تركته.
قوله: (وقرئ: "زاكية")، الكوفيون وابن عامر: (زَكِيَّةً) بتشديد الياء من غير ألف، والباقون بالألف والتخفيف، قال القاضي: قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو: زاكية، والأول أبلغ، وقال أبو عمرو: الزاكية: التي لم تُذنب قطُّ، والزكية: التي أذنبت ثم غُفرت،
стр. 4885
لم تبلغ الحنث (بِغَيْرِ نَفْسٍ) يعني: لم تقتل نفسا فيقتص منها. وعن ابن عباس أن نجدة الحروري كتب إليه: كيف جاز قتله، وقد نهى رسول الله ﷺ عن قتل الولدان؟ فكتب إليه: إن علمت من حال الولدان ما علمه عالم موسى فلك أن تقتل (نُكْراً) وقرئ بضمتين وهو المنكر وقيل النكر أقل من الإمر؛ لأن قتل نفس واحدة أهون من إغراق أهل السفينة. وقيل: معناه جئت شيئا أنكر من الأوّل، لأن ذلك كان خرقاً
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ولعله اختار الأول لذلك، فإنها كانت صغيرة لم تبلغ الحلم، أو أنه لم يرها أذنبت ذنباً يقتضي قتلها، أو قتلت نفساً فتقاد بها.
قوله: (لم تبلغ الحنث). النهاية: أي: لم تبلغ مبلغ الرجال ولم يجر عليه القلم فيكتب عليه الحنث.
قوله: (أن نجدة الحروري)، النهاية: الحرورية: طائفة من الخوارج نُسبوا إلى حروراء، بالمد والقصر، وهو موضع قريب من الكوفة، كان أول مجمعهم وتحكيمهم فيها، وهم إحدى فرق الخوارج الذين قاتلهم عليٌّ ﵁، وكان عندهم من التشدد في الدين ما هو معروفٌ.
قوله: ((نُكْراً)، وقرئ بضمتين): نافع وابن ذكوان في الموضعين، والباقون: بإسكانها.
قوله: (لأن قتل نفس واحدة أهون من إغراق أهل السفينة). قال الإمام: النكر: ما أنكرته القول ونفرت عنه النفوس، وهو أبلغ في تقبيح الشيء من الإمر، وقيل: بالعكس؛ لأن الأمر هو الداهية العظيمة المآل.
الراغب: النُكرُ: الدهاءُ والأمر الصعب الذي لا يُعرف.
стр. 4886
يمكن تداركه بالسدّ، وهذا لا سبيل إلى تداركه. فإن قلت: ما معنى زيادة (لَكَ)؟ قلت: زيادة المكافحة بالعتاب على رفض الوصية، والوسم بقلة الصبر عند الكرة الثانية.
[(قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً)].
(بَعْدَها) بعد هذه الكرة أو المسألة (فَلا تُصاحِبْنِي) فلا تقاربني، وإن طلبت صحبتك فلا تتابعني على ذلك. وقرى «فلا تصحبنى» فلا تكن صاحبي. وقرئ «فلا تصحبنى» أي: فلا تصحبني إياك ولا تجعلني صاحبك (مِنْ لَدُنِّي عُذْراً) قد أعذرت. وقرئ: (لدنى) بتخفيف النون، (ولدني) بسكون الدال وكسر النون،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقال صاحب "الفرائد": خرقث السفينة أقرب إلى أن يؤول بما يصح، بخلاف قتل النفس، فإنه اهر الفساد، فكونه منكراً ظاهر، أو تقولُ: قتلُ النفس أقبحُ؛ لأنه إهلاك النفس، وخرق السفينة إهلاك المال، فاختير الإمر للخرق والنكرُ للقتل.
وقلتُ: الذي يقتضيه النظمُ أن يؤخذ من الأغلظ ثم ينزل إلى الأهون، فقتلُ النفس أهون من الخرق وأغلظ من إقامة الجدار بلا أجرة.
قوله: (زيادة المكافحة)، الأساس: كافحه: لاقاه مواجهة، وكفحت الدابة وأكفحتها: تلقيت فاها باللجام.
قوله: (والوسم)، ويروي: والوصم. الجوهري: والوصمُ: العيب والعار.
قوله: (وإن طلبتُ صحبت فلا تتابعني). راعى في هذه العبارة معنى المفاعلة في (تُصَاحِبْنِي).
قوله: (قد أعذرت)، أي: لم تُبق موضعاً للاعتذار، ويُروى: "أعذرتُ" على التكلم، أي: لم أبق موضعاً للاعتذار.
قوله: (وقرئ: "لدُني" بتخفيف النون، و"لدني"، بسكون الدال وكسر النون)، قال
стр. 4887
كقولهم في عضد: عضد. وعن رسول الله ﷺ : (رحم الله أخي موسى استحيا فقال ذلك)، وقال: (رحمة الله علينا وعلى أخي موسى، لو لبث مع صاحبه لأبصر أعجب الأعاجيب).
[(فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ قالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً)].
(أَهْلَ قَرْيَةٍ) هي أنطاكية، وقيل: الأبلة، وهي أبعد أرض الله من السماء، (أَنْ يُضَيِّفُوهُما) وقرئ: (يضيفوهما). يقال: ضافه؛ إذا كان له ضيفا. وحقيقته: مال إليه، من: ضاف السهم عن الغرض، ونظيره: زاره؛ من الازورار. وأضافه وضيفه: أنزله وجعله ضيفه، وعن النبي ﷺ : (كانوا أهل قرية لئاما). وقيل: شر القرى التي لا يضاف الضيف فيها ولا يعرف لابن السبيل حقه، (يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ) استعيرت الإرادة للمداناة والمشارفة، كما استعير الهمّ والعزم لذلك. قال الراعي:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الزجاج: أجود القراءات بتشديد النون؛ لأن أصل لدن: الإسكانُ، فإذا أضفتها إلى نفسك زدت نوناً ليسلم سكون النون الأولى، فتقول: من لدني، كما تقول: عني ومني. ومن قال: لدني لم يجز له أن يقول: عني ومني بحذف النون؛ لأن "لدُن" اسمٌ غير متمكن، و"مِن" و"عن": حرفان، والدليلُ على أن الأسماء يجوز فيها حذف النون قولهم: قدى قدني في معنى حسبي؛ لأن قد: اسمٌ غيرُ متمكن، قال:
قدني من نصر الخبيبين قدي
ولأبي عليٍّ فيه كلامٌ طويل.
قوله: (استعيرت الإرادة للمُداناة)، وذلك أن الإرادة لغة: هي مصدر: أردت الشيء؛ إذا طلبته نفسك، ومال إليه قلبك، واصطلاحاً: هي اسمٌ لنزوع النفس إلى أمرٍ مع الحُكم
стр. 4888
في مهمه قلقت به هاماتها … قلق الفؤوس إذا أردن نصولا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فيه بأنه ينبغي أن يُفعل أولاً، مضى بسطه في أول "البقرة" وسورة يوسف، وذلك في الجماد محالٌ، فشبهت مشارفة الجدار للانقضاض بإرادة من هم بالانحطاط بعد أن كان منتصباً، والوجه: الميلان، ثم استعير لجانب المشبه: الإرادة، ثم سرى من المصدر إلى الفعل، فهو استعارةٌ مصرحةٌ تبعية، ويجوز أن تكون مكنية.
قال ابن جني: يريد: معناه قارب وشارف، فهو عائدٌ إلى معنى يكادُ، وقد جاء ذلك عنهم وحسن ذلك؛ لأن الإرادة أقوى في وقوع الفعل؛ لأنها داعية إلى وقوعه، وهي أيضاً لا تصح إلا مع الحياة، وليس كذلك كاد؛ لأنه قد يقارب الأمر مما لا حيلة له فيه نحو: ميلان الحائط وإشراق ضوء الفجر.
قوله: (في مهمه قلقت به هاماتها) البيت، المهمه: المفازة، والهامة: وسط الرأس، إذا أردن، أي: شارفن الخروج من الخشب، ونصل السهم إذا خرج منه النصل. يصف شدة المفازة، وأن هامات النوق فيها قلقة قلق الفؤوس إذا شارفن الخروج من نصالها.
قال الصولي: كان أبو فراس سيء الاعتقاد بالقرآن متعنتاً ظاهر الكفر، قال لي يوماً ونحنُ بمحضر من الناس: هل تعرفُ العرب إرادة لغير مميز؟ فقلت: إنهم يعبرون عن الجمادات بالقول، قال:
امتلأ الحوض وقال قطني
стр. 4889
وقال:
يريد الرّمح صدر أبى براء … ويعدل عن دماء بني عقيل
وقال حسان:
إنّ دهرا يلفّ شملي بجمل … لزمان يهمّ بالإحسان
وسمعت من يقول: عزم السراج أن يطفأ، وطلب أن يطفأ. وإذا كان القول والنطق والشكاية والصدق والكذب والسكوت والتمرد والإباء والعزة والطواعية وغير ذلك مستعارة للجماد ولما لا يعقل، فما بال الإرادة؟ قال:
إذا قالت الأنساع للبطن: الحق
تقول سني للنّواة طني
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقال: لم أُرد هذا، وكان غرضه قوله تعالى: (جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ)، فأيدني الله تعالى بأن ذكرتُ قول الراعي: "في مهمه قلقت" البيت، فكأنني ألقمته الحجر، وسُرَّ بذل من كان صحيح النية، وسود الله وجهه.
قوله: (إن دهراً يلف شملي)، البيت، يقال: لففت الشيء: إذا طويته وأدرجته، والشمل: تألفُ الأمور واستواؤها، وجُمل: اسم محبوبته، يقول: إن دهراً يجمع بيني وبين محبوبتي دهرٌ همه الإحسان لا الإساءة.
قوله: (إذا قالت الأنساع). مضى شرحه في "البقرة".
قوله: (تقول سني للنواة: طني)، أوله:
ويلٌ لبرني الحزين مني … إذا التقت نواته وسني
стр. 4890
لا ينطق الّلهو حتى ينطق العود
وشكا إلىّ بعبرة وتحمحم
فإن يك ظني صادقا وهو صادقي
(وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ) [الأعراف: ١٥٤].
تمرّد مارد وعزّ الأبلق
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وشكا إلى بعبرة وتحمحم)، أوله:
فازور من وقع القنا بلبانه
الازورار: الميلُ، ولبانُ الفرس: موضعُ اللبب، والتحمحم: من صهيل الفرس، ما كان فيه، شبه الحنين لفراق صاحبه، يقول: فمال فرسي مما أصابت صدره رماحُ الأعداء، وشكا إلي بعبرة وتحمحم.
قوله: (فإن يك ظني صادقاً وهو صادقي)، تمامه:
بشملة يحبسهم بها محبساً وعرا
قائله أم شملة، والباء في "بشملة" يتعلق بـ"ظني" أو بـ "صادقي"، والمرادُ بالظن: الفراسةُ، وهو صادقي، أي: ظني يصدقني، والجملة معترضةٌ، تقولُ: إن كنت صادقة الظن بابني شملة، وظني يصدقني لا محالة، فإن شملة يحبس القوم بتلك المعركة وياخذ بثأر أبيه.
وقوله: (تمرد ماردٌ وعز الأبلق)، قال الميداني: ماردٌ: حصن دومة الجندل، والأبلق:
стр. 4891
ولبعضهم:
يأبى على أجفانه إغفاءه … همّ إذا انقاد الهموم تمرّدا
أبت الرّوادف والثّديّ لقمصها … مسّ البطون وأن تمسّ ظهورا
(قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ) [فصلت: ١١].
ولقد بلغني أن بعض المحرفين لكلام الله تعالى ممن لا يعلم، كان يجعل الضمير للخضر؛ لأنّ ما كان فيه من آفة الجهل وسقم الفهم، أراه أعلى الكلام طبقة أدناه منزلة، فتحمل ليردّه إلى ما هو عنده أصح وأفصح، وعنده أن ما كان أبعد من المجاز كان أدخل في الإعجاز
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حصن السموأل بن عاديا، وُصِفَ بالأبلَقِ؛ لأنه بُني من حجارة مختلفة بأرض تيماء، قصدتهما الزباء ملكة الجزيرة فلم تقدر عليهما، فقالت: "تمرد ماردٌ وعز الأبلق"، فصار مثلاً لكل ما يعُزُّ ويمتنع عن طالبه، عز، أي: غلب، من عز يعز بضم العين، ويجوز أن يكون من عز يعز بكسرها.
قوله: (يأبى على أجفانه) البيت، أي: يأبي الهمُّ النوم على اجفانه، وذلك الهم هم متمرد إذا انقاد الهموم. النهاية: غفوت غفوةً، أي: نمت نومةً خفيفة، يقال: أغفى إغفاءة: إذا نام، وقلما يقال: غفا.
قوله: (أبتِ الروادفُ) البيت، الروادف: جمعُ ردفٍ، وهو الكفل، وصفها بأنها ناهدةُ الثديين دقيقة الخصر لطيفة البطن عظيمة الكفل، فالثدي يمنعُ القميص أن يلتصق ببطنها، والردف يمنعه أن يلتصق بظهرها.
стр. 4892
و (انقض): إذا أسرع سقوطه، من انقضاض الطائر، وهو انفعلّ، مطاوع قضضته. وقيل: انقض من النقض، كاحمرّ من الحمرة. وقرئ: (أن ينقض) من النقض، (وأن ينقاص) من: انقاصت السن؛ إذا انشقت طولا، قال ذو الرمة:
...... منقاص ومنكثب
بالصاد غير معجمة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (انقض: إذا أسرع سقوطه)، الراغب: انقض الحائط: وقع، وأقض عليه مضجعه: صار فيه قضضٌ، أي: حجارة صغار.
قوله: (وقرئ: "أن ينقض")، قال ابن جني: وهي قراءة النبي ﷺ ، برفع الياء وبالضاد المعجمة. وقرأ عليُّ بن أبي طالب وعكرمة: "ينقاص" بالصاد المهملة وبالألف، هو مطاوع قصته، فانقاص، أي: كسرته فانكسر، وقد قالوا: قضته فانقاض، بالضاد المعجمة، أي: هدمته فانهدم، وقراءة العامة: (أَنْ يَنقَضَّ) أشبه أولاً منها بآخر؛ لأن الإرادة في اللفظ له.
قوله: (منقاصٌ ومنكثبُ)، أوله:
يغشى الكناس بروقيه ويهدمه … من هائل الرمل منقاض ومنكثب
الكناسُ: موضعُ الوحش من البقر والظباء يستظل به، مشتق من الكنس؛ لأنها تكنسُ
стр. 4893
(فَأَقامَهُ) قيل: أقامه بيده. وقيل: مسحه بيده فقام واستوي. وقيل: أقامه بعمود عمده به. وقيل: نقضه وبناه. وقيل كان طول الجدار في السماء مائة ذراع، كانت الحال حال اضطرار وافتقار إلى المطعم، وقد لزتهما الحاجة إلى آخر كسب المرء؛ وهو المسألة، فلم يجدا مواسيا، فلما أقام الجدار لم يتمالك موسى لما رأى من الحرمان ومساس الحاجة أن (قالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً) وطلبت على عملك جعلا حتى ننتعش ونستدفع به الضرورة وقرئ: (لتخذت)، والتاء في تخذ، أصل كما في تبع، واتخذ افتعل منه، كاتبع من تبع، وليس من الأخذ في شيء.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الرمل حتى يصير إلى برد الثرى، يقال: كنست الظباء وتكنست: استترت. والروق: القرن، ومنقاض: أي منهدم، منكثب: هائل. يصف الرملة يقول: الثور يغشى الكناس بقرنيه ويهدم الكاس، ما انهال من الرمل وتناثر وتساقط قطعة قطعة.
و"منقاصٌ": يُروى بالضاد المعجمة، من: انقاض الطائر وانقض؛ إذا أسرع في سقوطه. ويروى بالصاد المهملة، من: انقاصت السن: إذا انشقت، وهو خبر مبتدأ محذوف، أي: هو منقاصٌ، وهو يعود إلى الكناس.
قوله: (وقرئ: "لتخذت"): ابن كثير وأبو عمرو: بفتح التاء المخففة، والباقون: بتشديد التاء وفتح الخاء.
قوله: (والتاء في "تخذ" أصلٌ)، ذكر في باب الواو مع الخاء في "الأساس": وخذ يخذُ وخذاً ووخذاناً. وفي باب التاء مع الخاء: اتخذته خليلاً، وهو المراد من قوله: "وليس من الأخذ في شيء"، قال أبو البقاء: وهو من "تخذ يتخذُ": إذا عمل شيئاً، وأما "اتخذ" بالتشديد
стр. 4894
[(قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَاوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً)].
فإن قلت: (هذا) إشارة إلى ماذا؟ قلت: قد تصوّر فراق بينهما عند حلول ميعاده على ما قال موسى ﵇: (إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني)، فأشار إليه وجعله مبتدأ وأخبر عنه، كما تقول: هذا أخوك، فلا يكون «هذا» إشارة إلى غير الأخ ويجوز أن يكون إشارة إلى السؤال الثالث، أي: هذا الاعتراض سبب الفراق، والأصل: هذا فراق بيني وبينك، وقد قرأ به ابن أبى عبلة، فأضيف المصدر إلى الظرف كما يضاف إلى المفعول به.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فهو: إما افتعل من "تخذ" أو من الأخذ، وأصله: أيتخذ، فأُبدلت اياء تاء وأُدغمت، وأصلُ الياء همزة.
قوله: (هذا أخوك، فلا يكون "هذا" إشارة إلى غير الأخ)، قال ابن الحاجب في "الأمالي": المشار إليه لا يشترط أن يكون موجوداً حاضراً، بل يكفي أن يكون موجوداً ذهناً، والدلل عليه قوله تعالى: (تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ) [القصص: ٨٣] وهي معدومة، ومن شرط وجود المشار إليه، فهو حاصل.
وقال القاضي: الإشارة بهذا إلى الفراق المعهود بقوله: (فَلا تُصَاحِبْنِي). أو إلى الوقت، أي: هذا الوقتُ وقتُ الفراق.
قوله: (أي: هذا الاعتراض سببُ الفراق)، في تخصيصه دون الأولين الإشارة إلى أن الطمع أردأ الخصال، فإنه عليه السالم مهد عُذره فيهما لما في ظاهرهما من النفرة في جهة الإتلاف والإهلاك في الظاهر، وفي هذا الإهلاك من جهة الباطن وطلبُ حظ النفس، روى
стр. 4895
[(أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَاخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً)].
(لِمَساكِينَ) قيل: كانت لعشرة إخوة؛ خمسة منهم زمنى، وخمسة يعملون في البحر (وَراءَهُمْ) أمامهم، كقوله تعالى: (وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ) [المؤمنون: ١٠٠]، وقيل: خلفهم، وكان طريقهم في رجوعهم عليه، وما كان عندهم خبره، فأعلم الله به الخضر وهو «جلندى». فإن قلت: قوله: (فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها) مسبب عن خوف الغصب عليها فكان حقه أن يتأخر عن السبب، فلم قدّم عليه؟ قلت: النية به التأخير، وإنما قدم للعناية، ولأنّ خوف الغصب ليس هو السبب وحده، ولكن مع كونها للمساكين،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
القُشيري في "رسالته" عن بعضهم: لما نطق موسى ﵇ بذكر الطمع، وقال: (لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً)، قال له الخضر: (هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ).
قوله: (فكان حقه أن يتأخر عن السبب)، أي: كان حق النظم أن يتأخر قوله: (فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا) عن قوله: (وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ)؛ لأن إرادة التعييب مسبب عن خوف الغصب.
قوله: (وإنما قُدم للعناية)، وهي أن لا يحيط به علمُ موسى ﵇، وأنه العالم بمثل ما خفي على مثله، لقوله: (إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْراً)، قال صاحب "المُطلع": قُدم ليشير إلى العناية، أي: تتعجب منه يا موسى، وهذا مهمي وأنا مأمورٌ به.
قوله: (ولأن خوف الغصب ليس هو السبب وحده)، قال القاضي: إن السبب لما كان مجموع الأمرين: خوف الغصب ومسكنة المُلاك، رتبه على أقوى الجزأين وأدعاهما، وعقبه بالآخر على سبيل التقييد والتتميم، وقال صاحب "الانتصاف": كأنه جعل السبب كونها
стр. 4896
فكان بمنزلة قولك: زيد ظني مقيم، وقيل في قراءة أبىّ وعبد الله: (كل سفينة صالحة).
[(وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً * فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً* وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَاوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً)].
وقرأ الجحدري: (فكان أبواه مؤمنان)، على أن «كان» فيه ضمير الشأن، (فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً) فخفنا أن يغشى الوالدين المؤمنين طغيانا عليهما، وكفرا لنعمتهما بعقوقه وسوء صنيعه، ويلحق بهما شرا وبلاء، أو يقرن بإيمانهما طغيانه وكفره، فيجتمع في بيت واحد مؤمنان وطاغ كافر. أو يعديهما بدائه ويضلهما بضلاله فيرتدا بسببه ويطغيا ويكفرا بعد الإيمان، وإنما خشي الخضر منه ذلك؛ لأن الله تعالى أعلمه بحاله وأطلعه على سر أمره. وأمره إياه بقتله كاخترامه لمفسدة عرفها في حياته. وفي قراءة أبىّ: (فخاف ربك)، والمعنى: فكره ربك كراهة من خاف سوء عاقبة الأمر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
للمساكين، ثُم بيَّن مناسبة هذا السبب بذكر عادة الملك في غصب السفن الصحيحة، وهذا هو الترتيب: أن يرتب الحكم على سبب ثُم يوضح المناسبة فيما بعدُ، فلا يُحتاج إلى جعلهِ متقدماً، وقلت: هذا هو الوجه.
قوله: (زيدٌ ظني مقيمٌ)، قال المصنف: الظن يتعلق بالطرفين، بالمبتدأ والخبر جميعاً، كما أن التعليل في (فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا) متعلقٌ بالمسكنة والغصب، فوسط بينهما.
قوله: (كاخترامه)، الجوهري: اخترمهم الدهر: اقتطعهم واستاصلهم، وخو خبرٌ، والمبتدأ: "أمرُه"، هذا بناء على رعاية الأصلح، يعني جواز أمر الله تعالى الخضر بقتل الغلام لرعاية الأصلح لجواز إهلاك الله واستئصاله إياه لمفسدة عرفها الله في حياته.
стр. 4897
فغيره، ويجوز أن يكون قوله: (فَخَشِينا) حكاية لقول الله تعالى، بمعنى: فكرهنا،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ويجوز أن يكون (فَخَشِينَا) حكاية لقول الله عطفٌ على قوله: "وإنما خشي الخضر منه"، المعنى: أن الله تعالى أعلمه بحاله وأطلعه على سره وقال له: اقتل الغلام؛ لأنا نكره كراهية من خاف سوء العاقبة أن يُغشي الغلام الوالدين المؤمنين طغياناً وكفراً، ولما قال الخضر: (وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ) جعل قول الله تعالى: (فَخَشِينَا) إيماء إلى اضمحلال إرادته في إرادة الله، وإعلاماً بأن علمه مقتبسٌ من المشكاة القدسية، ولا شوب فيه لرأيه، وتحقيقاً لقوله: (وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً). روى السلمي عن الواسطي: الخضر شاهد الملك، وشاهد موسى الوسائط، كأنه أخبر الخضر أن السؤال نمه سؤال من الله، أي: لا تشهد الأسباب واشهد المسبب تسترح من هواجس النفس.
وأما على الوجه الآخر: فهو ﵇ إنما عظم نفسه؛ لأنه اختص من عند الله بموهبة لا يختص بها إلا من هو من خواص الحضرة، قال الإمام: إنه ﵇ لما ذكر العيب أضافه إلى نفسه، وأضاف الرحمة في قوله: (فَأَرَادَ رَبُّكَ) إلى الله تعالى، على نحو (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) [الفاتحة: ٧]، وعند القتل عظم نفسه تنبيهاً على أنه من العظماء في علوم الحكمة.
وقلت: ويمكن أن يقال: إن في اختلاف الضمائر رمزاً إلى الترقي إلى معارج القدس، والتدرج إلى مخدع الفناء، ففي "أردتُ" إثبات، وفي (فَخَشِينَا) ثبوتٌ منه، وفي (فَأَرَادَ رَبُّكَ) فناءٌ محضٌ كقوله تعالى: (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى) [الأنفال: ١٧].
стр. 4898
كقوله: (لِأَهَبَ لَكِ) [مريم: ١٩]. وقرئ: (يبدّلهما) بالتشديد. والزكاة: الطهارة والنقاء من الذنوب، والرحم: الرحمة والعطف. وروى أنه ولدت لهما جارية تزوّجها نبي، فولدت نبيا هدى الله على يديه أمّة من الأمم، وقيل: ولدت سبعين نبيا، وقيل: أبدلهما ابنا مؤمنا مثلهما. قيل: اسما الغلامين: أصرم، وصريم. والغلام المقتول: اسمه الحسين. واختلف في الكنز، فقيل: مال مدفون من ذهب وفضة، وقيل: لوح من ذهب مكتوب فيه: عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن، وعجبت لمن يؤمن بالرزق كيف يتعب، وعجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح، وعجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل، وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها، لا إله إلا الله محمد رسول الله.
وقيل: صحف فيها علم، والظاهر لإطلاقه: أنه مال. وعن قتادة: أحل الكنز لمن قبلنا وحرّم علينا، وحرّمت الغنيمة عليهم وأحلت لنا: أراد قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ) [التوبة: ٣٤]، (وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً) اعتداد بصلاح أبيهما وحفظ لحقه فيهما. وعن جعفر بن محمد الصادق: كان بين الغلامين وبين الأب الذي حفظا فيه سبعة آباء. وعن الحسين بن على رضي الله تعالى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كقوله: (لأَهَبَ لَكِ) [مريم: ١٩]، أي: كقول جبريل ﵇ لمريم: (لأَهَبَ لَكِ)، والواهب هو الله تعالى، لكنه مبلغٌ لكلام الله إليها.
قوله: (وقرئ: "يبدلهما"، بالتشديد): نافع وأبو عمرو، والباقون: بالتخفيف.
قوله: (الذي حُفظاً فيه)، أي: رُوعي جانبهما لأجله وكرامته. المُغرب: الحفظ: خلافُ
стр. 4899
عنهما أنه قال لبعض الخوارج في كلام جرى بينهما: بم حفظ الله الغلامين؟ قال: بصلاح أبيهما، قال: فأبى وجدي خير منه، فقال: قد أنبأنا الله أنكم قوم خصمون. (رَحْمَةً) مفعول له، أو مصدر منصوب بـ (أراد ربك)، لأنه في معنى: رحمهما، (وَما فَعَلْتُهُ) وما فعلت ما رأيت (عَنْ أَمْرِي) عن اجتهادي ورأيي، وإنما فعلته بأمر الله.
[(وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً* إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً* فَأَتْبَعَ سَبَباً* حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً* قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً* وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً)].
ذو القرنين: هو الإسكندر الذي ملك الدنيا. قيل: ملكها مؤمنان: ذو القرنين،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
النسيان، وقد يُجعلُ عبارة عن الصون وترك الابتذال.
قوله: ((عَنْ أَمْرِي): عن اجتهادي ورأيي، وإنما فعلته بأمر الله)، الأمر الأول: واحد الأمور، والثاني: واحد الأوامر. قال القاضي: ومبنى ذلك على أنه متى تعارض ضرران يجب أن يُحمل أهونهما لدفع أعظمهما، وهو أصلٌ ممهدٌ، غير أن الشرائع في تفاصيله مختلفة.
ومن فوائد هذه القصة: أن لا يُعجب المرء بعلمه، ولا يبادر إلى إنكار ما لا يستحسنه، فلعل فيه سراً لا يعرفه، وأن يداوم على التعلم، ويتذلل للمعلم، ويراعي الأدب في المقال، وأن ينبه المجرم، ويعفو عنه حتى يتحقق إصراره، ثم يهاجر عنه.
قوله: (ذو القرنين هو الإسكندر)، قد مر عن الإمام أن في جعل إسكندر ذا القرنين إشكالاً قوياً، وهو أنه كان تلميذاً لأرسطاطاليس، فكان على مذهبه، فتعظيم الله إياه يوجب الحكم بأن مذهب أرسطاطاليس حقٌّ، وذلك مما لا سبيل إليه.
стр. 4900
وسليمان. وكافران: نمروذ، وبختنصر، وكان بعد نمروذ. واختلف فيه فقيل: كان عبدا صالحا ملكه الله الأرض، وأعطاه العلم والحكمة، وألبسه الهيبة، وسخر له النور والظلمة، فإذا سرى يهديه النور من أمامه وتحوطه الظلمة من ورائه، وقيل: نبيا، وقيل: ملكا من الملائكة. وعن عمر ﵁ أنه سمع رجلا يقول: يا ذا القرنين، فقال: اللهم غفرا، ما رضيتم أن تتسموا بأسماء الأنبياء حتى تسميتم بأسماء الملائكة، وعن علىّ ﵁، سخر له السحاب، ومدّت له الأسباب، وبسط له النور، وسئل عنه فقال: أحب الله فأحبه. وسأله ابن الكوّاء: ما ذو القرنين، أملك أم نبىّ؟ فقال: ليس بملك ولا نبي، ولكن كان عبدا صالحا، ضرب على قرنه الأيمن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (اللهم غفراً)، أي: اغفر لهم غفراً.
قوله: (ومُدت له الأسباب)، أي: أمكنه الله من كل شيء وأقدره.
قوله: (فأحبه)، أي: مكنه الله من كل شيء وأقدره.
قوله: (ابن الكواء) قال الفقيه أبو حنيفة الدينوري في "تاريخه": هو: عبد الله بن الكواء من كبراء الخوارج، اختاروه ليحاج علي بن أبي طالب رضيا لله عنه في أمر الحكمين، وجرت بينهما مجادلات حتى قال ابن الكواء في آخر كلامه: أنت صادقٌ في جميع ما تقول، غير انك كفرت حين حكمت الحكمين، فقاتلهم عليٌّ ﵁، وكان عليهم عبد الله بن وهب الراسبي.
стр. 4901
في طاعة الله فمات، ثم بعثه الله فضرب على قرنه الأيسر فمات، فبعثه الله فسمى (ذو القرنين) وفيكم مثله. قيل: كان يدعوهم إلى التوحيد فيقتلونه فيحييه الله تعالى. وعن النبي ﷺ : (سمى ذا القرنين؛ لأنه طاف قرني الدنيا)، يعنى: جانبيها شرقها وغربها.
وقيل: كان له قرنان، أي ضفيرتان. وقيل: انقرض في وقته قرنان من الناس. وعن وهب: لأنه ملك الروم وفارس. وروى: الروم والترك. وعنه كانت صفحتا رأسه من نحاس. وقيل كان لتاجه قرنان. وقيل: كان على رأسه ما يشبه القرنين. ويجوز أن يلقب بذلك لشجاعته كما يسمى الشجاع كبشا؛ لأنه ينطح أقرانه، وكان من الروم، ولد عجوز ليس لها ولد غيره. والسائلون: هم اليهود سألوه على جهة الامتحان. وقيل: سأله أبو جهل وأشياعه، والخطاب في (عَلَيْكُمْ) لأحد الفريقين (مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) أي: من أسباب كل شيء، أراده من أغراضه ومقاصده في ملكه (سَبَباً) طريقا موصلا إليه، والسبب ما يتوصل به إلى المقصود من علم أو قدرة أو آلة، فأراد بلوغ المغرب (فَأَتْبَعَ سَبَباً) يوصله إليه حتى بلغ، وكذلك أراد المشرق، فأتبع سببا، وأراد بلوغ السدّين فاتبع سببا. وقرئ: (فأتبع) وقرئ: (حمئة)، من حمئت البئر؛ إذا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وفيكم مثله)، يعني به: نفسه، أي: لم يكن نبياً، بل كان ولياً.
قوله: (كما يُسمى الشجاع كبشاً)، الأساس: ومن المجاز: هو كبش كتيبة.
قوله: (وقرئ (فَاتَّبَعَ))، الكوفيون وابن عامرٍ: (فَاتَّبَعَ) في الثلاثة، بقطع الهمزة مخففة التاء، والباقون: بالوصل مشددة التاء.
قوله: (قرئ: (حَمِئَةٍ))، ابن عامرٍ وأبو بكر وحمزة والكسائي: "حاميةٍ" بألفٍ من غير همزة، والباقون: بغير ألف مع الهمز.
стр. 4902
صار فيها الحمأة، و (حامية) بمعنى: حارّة. وعن أبى ذرّ: كنت رديف رسول الله ﷺ على الجمل، فرأى الشمس حين غابت، فقال: (يا أبا ذرّ، أتدري أين تغرب هذه؟ " فقلت: الله ورسوله أعلم. قال: "فإنها تغرب في عين حامية). وهي قراءة ابن مسعود وطلحة وابن عمر وابن عمرو والحسن. وقرأ ابن عباس: حمئة. وكان ابن عباس عند معاوية؛ فقرأ معاوية: (حامية)، فقال ابن عباس: (حمئة). فقال معاوية لعبد الله بن عمرو: كيف تقرأ؟ قال: كما يقرأ أمير المؤمنين ثم وجه إلى كعب الأحبار: كيف تجد الشمس تغرب؟ قال: في ماء وطين، كذلك نجده في التوراة. وروى: في ثأط، فوافق قول ابن عباس، وكان ثمة رجل فأنشد قول تبع:
فرأى مغيب الشّمس عند مآبها … في عين ذي خلب وثأط حرمد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وعن أبي ذرٍّ)، الحديث، رواه أحمد بن حنبل في "مسنده"، وأبو داود في "سننه".
قوله: (فرأى مغيب الشمس) البيت، أوله من "المُطلع":
قد كان ذو القرنين عمي مُسلماً … ملكاً تدين له الملوك وتسجد
بلغ المشارق والمغارب يبتغي … أسباب أمر من حكيم يرشد
الضمير: في "بلغ" لذي القرنين، مآبها، أي: مغيبها، والخلب: الطين الحمأة، والثأط: الحمأة، واحدها: ثأطة، وفي المثل: "ثأطةٌ مُدت بماء"، يُضرب للرجل يشتد حمقه، فإن الماء إذا زيد على الحمأة ازدادت فساداً، والحرمد: الأسودُ، ذكره في "النهاية"، وقال فيها:
стр. 4903
أي: في عين ماء ذي طين وحمأ أسود، ولا تنافى بين الحمئة والحامية، فجائز أن تكون العين جامعة للوصفين جميعاً.
كانوا كفرة فخيره الله بين أن يعذبهم بالقتل وأن يدعوهم إلى الإسلام، فاختار الدعوة والاجتهاد في استمالتهم، فقال: أمّا من دعوته فأبى إلا البقاء على الظلم العظيم الذي هو الشرك: فذلك هو المعذب في الدارين (وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ) ما يقتضيه الإيمان (فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى) وقيل: خيره بين القتل والأسر، وسماه إحسانا في
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أنشد ابن عباس هذا البيت وقد حاجه عمر في قوله تعالى: (تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ).
قوله: (وقيل: خيره بين القتل والأسر): عطفٌ على قوله: "فخيره الله بين أن يعذبهم بالقتل وأن يدعوهم إلى الإسلام" المعنى بقوله: (أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً)، وهو على الأول ظاهرٌ، فأما الأسرُ فليس فيه إحسانٌ، حتى يُقال: (أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً)؛ ولهذا قال: "وسماه إحساناً في مقابلة القتل"؛ لأن من استحق القتل فإذا صُولح معه بالأسر فقد عُوملَ معهُ بالإحسان. قال القاضي: ويؤيدُ الأول قوله: (قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُكْراً) أي: اختار ذو القرنين الدعوة؛ ولذلك قال: (أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ) أي: أما من دعوته فظلم نفسه بالإصرار على كفره وشركه؛ لأن الشرك ظُلم، فأعذبه أنا ومن معي بالقتل في الدنيا، ثم يعذبه الله في الآخرة عذاباً لم يُعهد مثله.
وقلتُ: أما على الوجه الثاني فإنه تعالى لما خيره بين القتل والأسر، وكان حقه أن يقول لهم: اختاروا إما القتل وإما الأسر، فترك ذلك إلى الدعوة، وقال: (أَمَّا مَنْ ظَلَمَ)، (وَأَمَّا مَنْ آمَنَ)، فآثر حق الله على حق نفسه، وقال من ظلم، أي: بقي على شركه، فالقتل والأسر مني (ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُكْراً)، ومن آمن وعمل صالحاً فجزاؤه عند الله الجنة، وعندي القول الميسور، فقدم في جانب العذاب ما كان منه على ما هو من الله، وعكس في جانب الرحمة.
стр. 4904
مقابلة القتل (فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى) فله أن يجازى المثوبة الحسنى، أو: فله جزاء الفعلة الحسنى التي هي كلمة الشهادة. وقرئ: (فله جزاء الحسنى) أي: فله الفعلة الحسنى جزاء. وعن قتادة: كان يطبخ من كفر في القدور، وهو العذاب النكر. ومن آمن أعطاه وكساه (مِنْ أَمْرِنا يُسْراً) أي: لا نأمره بالصعب الشاق، ولكن بالسهل المتيسر من الزكاة والخراج وغير ذلك، وتقديره: ذا يسر، كقوله: (قَوْلًا مَيْسُوراً) [الإسراء: ٢٨] وقرئ: (يسرا)، بضمتين.
[(ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً* حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً* كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً)].
وقرئ: (مطلع) بفتح اللام وهو مصدر. والمعنى: بلغ مكان مطلع الشمس، كقوله:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: (فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى)، أي: فله الفعلة الحسنى جزاء)، حفصٌ وحمزة والكسائي: (فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى)، بالتنوين ونصبه. والباقون: بالرفع من غير تنوين. قال مكي: من رفع "جزاء" جعله: مبتدا، و (فَلَهُ): الخبر، أي: فله جزاءُ خلال الحُسنى، فـ (الْحُسْنَى): مضافٌ إليه، وقيل: هي على تقدير الرفع على البدل من "جزاء"، وحذف التنوين لالتقاء الساكنين، والحسنى: الجنةن ومن نصب ونونه، جعل (الْحُسْنَى): مبتدأ، و"لهُ": الخبرُ، و (جَزَاءُ): نُصب على الحال، أي: فله الجنة مجزياً بها، وقيل: جزاء: نُصب على التمييز. وقيل: على المصدر، أي: يجزى بها جزاء، ومن نصب ولم ينونه، حذف التنوين لالتقاء الساكنين، والحسنى رُفع تقديراً، وفيه بُعدٌ.
قوله: ("مَطلَعَ"، بفتح اللام، وهو مصدرٌ) وفي "الكواشي": (مَطْلِعَ) بالكسر:
стр. 4905
كأنّ مجرّ الرّامسات ذيولها
يريد: كأن آثار مجرّ الرامسات (عَلى قَوْمٍ) قيل: هم الزنج. والستر: الأبنية، وعن كعب: أرضهم لا تمسك الأبنية وبها أسراب، فإذا طلعت الشمس دخلوها. فإذا ارتفع النهار خرجوا إلى معايشهم. وعن بعضهم: خرجت حتى جاوزت الصين، فسألت عن هؤلاء فقيل: بينك وبينهم مسيرة يوم وليلة، فبلغتهم فإذا أحدهم يفرش
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هي المشهورة، وهي اسمٌ لوقت الطلوع او لموضع الطلوع، وبالفتح: مصدرٌ، أي: مكان الطلوع، وهي شاذة.
قوله: (كأن مجر الرامسات ذيولها). تمامه:
عليه قضيم نمقته الصوانع
قال في "المطلع": يريد كأن أثر مجر الرامسات، أي: جرهن، والرامساتُ: المثيرات للرمس، وهو الترابُ، الريا الروامس: التي تُثيرُ التراب وتدفن الآثار، ورمست الرجل وأرمسه: دفنته، والقضيم: الجلد الأبيض، ونمقت الكتاب: إذا حسنته وجودته، ولابد من تقديرالمضاف ليحسن تشبيهه بالقضيم، وذيولها: مفعول مجر، أي: جرهن ذيولها. وقضيم: خبرُ "كأن"، وهو المشبه به، أي: كأن آثار مجر ذيولها جلدٌ نمقه الكاتب، ولابد من عامل في الذيول، واسم المكان لا يعمل.
قوله: (والستر: الأبنية)، وفي "إيجاز البيان": المرادُ دوام طلوعها عليهم في الصيف، وإلا فالحيوان يختارُ الكِنَّ حتى الإنسانُ، وهذا المكان وراء برزة من تلقاء بُلغار، تدور فيه الشمس بالصيف ظاهرة فوق الأرض، إلا أنها لا تُسامت رؤوسهم.
следующие страницы →