Полный текст (9 345 стр.). Показаны 4901–4940 · переход к 4906.
стр. 4901
في طاعة الله فمات، ثم بعثه الله فضرب على قرنه الأيسر فمات، فبعثه الله فسمى (ذو القرنين) وفيكم مثله. قيل: كان يدعوهم إلى التوحيد فيقتلونه فيحييه الله تعالى. وعن النبي ﷺ : (سمى ذا القرنين؛ لأنه طاف قرني الدنيا)، يعنى: جانبيها شرقها وغربها.
وقيل: كان له قرنان، أي ضفيرتان. وقيل: انقرض في وقته قرنان من الناس. وعن وهب: لأنه ملك الروم وفارس. وروى: الروم والترك. وعنه كانت صفحتا رأسه من نحاس. وقيل كان لتاجه قرنان. وقيل: كان على رأسه ما يشبه القرنين. ويجوز أن يلقب بذلك لشجاعته كما يسمى الشجاع كبشا؛ لأنه ينطح أقرانه، وكان من الروم، ولد عجوز ليس لها ولد غيره. والسائلون: هم اليهود سألوه على جهة الامتحان. وقيل: سأله أبو جهل وأشياعه، والخطاب في (عَلَيْكُمْ) لأحد الفريقين (مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) أي: من أسباب كل شيء، أراده من أغراضه ومقاصده في ملكه (سَبَباً) طريقا موصلا إليه، والسبب ما يتوصل به إلى المقصود من علم أو قدرة أو آلة، فأراد بلوغ المغرب (فَأَتْبَعَ سَبَباً) يوصله إليه حتى بلغ، وكذلك أراد المشرق، فأتبع سببا، وأراد بلوغ السدّين فاتبع سببا. وقرئ: (فأتبع) وقرئ: (حمئة)، من حمئت البئر؛ إذا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وفيكم مثله)، يعني به: نفسه، أي: لم يكن نبياً، بل كان ولياً.
قوله: (كما يُسمى الشجاع كبشاً)، الأساس: ومن المجاز: هو كبش كتيبة.
قوله: (وقرئ (فَاتَّبَعَ))، الكوفيون وابن عامرٍ: (فَاتَّبَعَ) في الثلاثة، بقطع الهمزة مخففة التاء، والباقون: بالوصل مشددة التاء.
قوله: (قرئ: (حَمِئَةٍ))، ابن عامرٍ وأبو بكر وحمزة والكسائي: "حاميةٍ" بألفٍ من غير همزة، والباقون: بغير ألف مع الهمز.
стр. 4902
صار فيها الحمأة، و (حامية) بمعنى: حارّة. وعن أبى ذرّ: كنت رديف رسول الله ﷺ على الجمل، فرأى الشمس حين غابت، فقال: (يا أبا ذرّ، أتدري أين تغرب هذه؟ " فقلت: الله ورسوله أعلم. قال: "فإنها تغرب في عين حامية). وهي قراءة ابن مسعود وطلحة وابن عمر وابن عمرو والحسن. وقرأ ابن عباس: حمئة. وكان ابن عباس عند معاوية؛ فقرأ معاوية: (حامية)، فقال ابن عباس: (حمئة). فقال معاوية لعبد الله بن عمرو: كيف تقرأ؟ قال: كما يقرأ أمير المؤمنين ثم وجه إلى كعب الأحبار: كيف تجد الشمس تغرب؟ قال: في ماء وطين، كذلك نجده في التوراة. وروى: في ثأط، فوافق قول ابن عباس، وكان ثمة رجل فأنشد قول تبع:
فرأى مغيب الشّمس عند مآبها … في عين ذي خلب وثأط حرمد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وعن أبي ذرٍّ)، الحديث، رواه أحمد بن حنبل في "مسنده"، وأبو داود في "سننه".
قوله: (فرأى مغيب الشمس) البيت، أوله من "المُطلع":
قد كان ذو القرنين عمي مُسلماً … ملكاً تدين له الملوك وتسجد
بلغ المشارق والمغارب يبتغي … أسباب أمر من حكيم يرشد
الضمير: في "بلغ" لذي القرنين، مآبها، أي: مغيبها، والخلب: الطين الحمأة، والثأط: الحمأة، واحدها: ثأطة، وفي المثل: "ثأطةٌ مُدت بماء"، يُضرب للرجل يشتد حمقه، فإن الماء إذا زيد على الحمأة ازدادت فساداً، والحرمد: الأسودُ، ذكره في "النهاية"، وقال فيها:
стр. 4903
أي: في عين ماء ذي طين وحمأ أسود، ولا تنافى بين الحمئة والحامية، فجائز أن تكون العين جامعة للوصفين جميعاً.
كانوا كفرة فخيره الله بين أن يعذبهم بالقتل وأن يدعوهم إلى الإسلام، فاختار الدعوة والاجتهاد في استمالتهم، فقال: أمّا من دعوته فأبى إلا البقاء على الظلم العظيم الذي هو الشرك: فذلك هو المعذب في الدارين (وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ) ما يقتضيه الإيمان (فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى) وقيل: خيره بين القتل والأسر، وسماه إحسانا في
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أنشد ابن عباس هذا البيت وقد حاجه عمر في قوله تعالى: (تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ).
قوله: (وقيل: خيره بين القتل والأسر): عطفٌ على قوله: "فخيره الله بين أن يعذبهم بالقتل وأن يدعوهم إلى الإسلام" المعنى بقوله: (أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً)، وهو على الأول ظاهرٌ، فأما الأسرُ فليس فيه إحسانٌ، حتى يُقال: (أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً)؛ ولهذا قال: "وسماه إحساناً في مقابلة القتل"؛ لأن من استحق القتل فإذا صُولح معه بالأسر فقد عُوملَ معهُ بالإحسان. قال القاضي: ويؤيدُ الأول قوله: (قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُكْراً) أي: اختار ذو القرنين الدعوة؛ ولذلك قال: (أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ) أي: أما من دعوته فظلم نفسه بالإصرار على كفره وشركه؛ لأن الشرك ظُلم، فأعذبه أنا ومن معي بالقتل في الدنيا، ثم يعذبه الله في الآخرة عذاباً لم يُعهد مثله.
وقلتُ: أما على الوجه الثاني فإنه تعالى لما خيره بين القتل والأسر، وكان حقه أن يقول لهم: اختاروا إما القتل وإما الأسر، فترك ذلك إلى الدعوة، وقال: (أَمَّا مَنْ ظَلَمَ)، (وَأَمَّا مَنْ آمَنَ)، فآثر حق الله على حق نفسه، وقال من ظلم، أي: بقي على شركه، فالقتل والأسر مني (ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُكْراً)، ومن آمن وعمل صالحاً فجزاؤه عند الله الجنة، وعندي القول الميسور، فقدم في جانب العذاب ما كان منه على ما هو من الله، وعكس في جانب الرحمة.
стр. 4904
مقابلة القتل (فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى) فله أن يجازى المثوبة الحسنى، أو: فله جزاء الفعلة الحسنى التي هي كلمة الشهادة. وقرئ: (فله جزاء الحسنى) أي: فله الفعلة الحسنى جزاء. وعن قتادة: كان يطبخ من كفر في القدور، وهو العذاب النكر. ومن آمن أعطاه وكساه (مِنْ أَمْرِنا يُسْراً) أي: لا نأمره بالصعب الشاق، ولكن بالسهل المتيسر من الزكاة والخراج وغير ذلك، وتقديره: ذا يسر، كقوله: (قَوْلًا مَيْسُوراً) [الإسراء: ٢٨] وقرئ: (يسرا)، بضمتين.
[(ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً* حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً* كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً)].
وقرئ: (مطلع) بفتح اللام وهو مصدر. والمعنى: بلغ مكان مطلع الشمس، كقوله:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: (فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى)، أي: فله الفعلة الحسنى جزاء)، حفصٌ وحمزة والكسائي: (فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى)، بالتنوين ونصبه. والباقون: بالرفع من غير تنوين. قال مكي: من رفع "جزاء" جعله: مبتدا، و (فَلَهُ): الخبر، أي: فله جزاءُ خلال الحُسنى، فـ (الْحُسْنَى): مضافٌ إليه، وقيل: هي على تقدير الرفع على البدل من "جزاء"، وحذف التنوين لالتقاء الساكنين، والحسنى: الجنةن ومن نصب ونونه، جعل (الْحُسْنَى): مبتدأ، و"لهُ": الخبرُ، و (جَزَاءُ): نُصب على الحال، أي: فله الجنة مجزياً بها، وقيل: جزاء: نُصب على التمييز. وقيل: على المصدر، أي: يجزى بها جزاء، ومن نصب ولم ينونه، حذف التنوين لالتقاء الساكنين، والحسنى رُفع تقديراً، وفيه بُعدٌ.
قوله: ("مَطلَعَ"، بفتح اللام، وهو مصدرٌ) وفي "الكواشي": (مَطْلِعَ) بالكسر:
стр. 4905
كأنّ مجرّ الرّامسات ذيولها
يريد: كأن آثار مجرّ الرامسات (عَلى قَوْمٍ) قيل: هم الزنج. والستر: الأبنية، وعن كعب: أرضهم لا تمسك الأبنية وبها أسراب، فإذا طلعت الشمس دخلوها. فإذا ارتفع النهار خرجوا إلى معايشهم. وعن بعضهم: خرجت حتى جاوزت الصين، فسألت عن هؤلاء فقيل: بينك وبينهم مسيرة يوم وليلة، فبلغتهم فإذا أحدهم يفرش
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هي المشهورة، وهي اسمٌ لوقت الطلوع او لموضع الطلوع، وبالفتح: مصدرٌ، أي: مكان الطلوع، وهي شاذة.
قوله: (كأن مجر الرامسات ذيولها). تمامه:
عليه قضيم نمقته الصوانع
قال في "المطلع": يريد كأن أثر مجر الرامسات، أي: جرهن، والرامساتُ: المثيرات للرمس، وهو الترابُ، الريا الروامس: التي تُثيرُ التراب وتدفن الآثار، ورمست الرجل وأرمسه: دفنته، والقضيم: الجلد الأبيض، ونمقت الكتاب: إذا حسنته وجودته، ولابد من تقديرالمضاف ليحسن تشبيهه بالقضيم، وذيولها: مفعول مجر، أي: جرهن ذيولها. وقضيم: خبرُ "كأن"، وهو المشبه به، أي: كأن آثار مجر ذيولها جلدٌ نمقه الكاتب، ولابد من عامل في الذيول، واسم المكان لا يعمل.
قوله: (والستر: الأبنية)، وفي "إيجاز البيان": المرادُ دوام طلوعها عليهم في الصيف، وإلا فالحيوان يختارُ الكِنَّ حتى الإنسانُ، وهذا المكان وراء برزة من تلقاء بُلغار، تدور فيه الشمس بالصيف ظاهرة فوق الأرض، إلا أنها لا تُسامت رؤوسهم.
стр. 4906
أذنه ويلبس الأخرى، ومعى صاحب يعرف لسانهم، فقالوا له: جئتنا تنظر كيف تطلع الشمس؟ قال: فبينا نحن كذلك إذ سمعنا كهيئة الصلصلة فغشي علىّ، ثم أفقت وهم يمسحونني بالدهن، فلما طلعت الشمس على الماء إذا هي فوق الماء كهيئة الزيت، فأدخلونا سربا لهم، فلما ارتفع النهار خرجوا إلى البحر فجعلوا يصطادون السمك ويطرحونه في الشمس فينضج لهم. وقيل: الستر اللباس. وعن مجاهد: من لا يلبس الثياب من السودان عند مطلع الشمس أكثر من جميع أهل الأرض.
(كَذلِكَ) أي: أمر ذي القرنين كذلك، أي كما وصفناه تعظيما لأمره (وَقَدْ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((كَذَلِكَ)، أي: أمر ذي القرنين كذلك)، اعلم أن "كذلك" إما: خبرُ مبتدأ محذوف، أو: صفة لموصوف مذكور، أو: صفة مصدر محذوف، فعلى الأول المشار إليه بذلك جميعُ ما سبق من أمر ذي القرنين، وفيه تفخيم للفذلكة بعد التفصيل؛ ولهذا قال: "تعظيماً لأمره"، وقوله: (وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً)، الجملة تكميلٌ؛ لأنه أردف التعظيم التكثير، كأنه قيل: أمرُ ذي القرنين كما وصفنا، وله أسبابٌ عدة غير ما ذُكر، لا يحيط بها علمُ أحد غير الله تعالى لقوله تعالى: (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ) بالمدثر: ٣١]، (وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً) [الجن: ٢٨].
وعلى الثاني: إما هو صفة لقوله: (سِتْراً)، وإليه الإشارة بقوله: "ستراً مثل ذلك الستر"، وليس بذلك؛ لأن قوله: (وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً) لا يحسن التئامه على هذا؛ أو صفة لـ "قوم"، والمشار إليه بذلك أحوال القوم المار ذكرهم عند قوله: (وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْماً قُلْنَا) إلى آخره، ويحسن التئام قوله: (وَقَدْ أَحَطْنَا)، أي: أحطنا بما لديه خبراً من التخبير والاختيار والدعوة والإحسان.
وعلى الثالث: المشار إليه ما سبق من البلوغ في قوله: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ)، وإليه الإشارة بقوله: (بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ)، كما بلغ مغربها، ومعنى (وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ) على هذين التفسيرين: تتميم ومبالغة.
стр. 4907
أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ) من الجنود والآلات وأسباب الملك (خُبْراً) تكثيرا لذلك. وقيل: لم نجعل لهم من دونها سترا مثل ذلك الستر الذي جعلنا لكم من الجبال والحصون والأبنية والأكنان من كل جنس، والثياب من
كل صنف. وقيل: بلغ مطلع الشمس مثل ذلك، أي: كما بلغ مغربها. وقيل: تطلع على قوم مثل ذلك القبيل الذي تغرب عليهم، يعنى أنهم كفرة مثلهم، وحكمهم مثل حكمهم في تعذيبه لمن بقي منهم على الكفر، وإحسانه إلى من آمن منهم.
[(ثمَّ أَتْبَعَ سَبَباً* حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً)].
(بَيْنَ السَّدَّيْنِ) بين الجبلين، وهما جبلان سدّ ذو القرنين ما بينهما. قرئ: بالضم والفتح. وقيل: ما كان من خلق الله تعالى فهو مضموم، وما كان من عمل العباد فهو مفتوح؛ لأنّ السد بالضم: فعل بمعنى: مفعول، أي: هو مما فعله الله تعالى وخلقه. والسدّ بالفتح: مصدر حدث يحدثه الناس. وانتصب (بَيْنَ) على أنه مفعول به مبلوغ، كما انجرّ على الإضافة في قوله: (هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ) [الكهف: ٧٨] وكما ارتفع في قوله: (لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ) [الأنعام: ٩٤] لأنه من الظروف التي تستعمل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (قرئ بالضم والفتح)، نافعٌ وابن عامرٍ وأبو بكر: بضم السين، والباقون: بفتحها.
قوله: (لأن "السد" بالضم: فُعلٌ)، قال صاحب "التقريب": ولا يخفى ضعفُ هذا التوجيه، قال محيي السنة: هذا قولُ عكرمة، وقاله أبو عمرو، وقيل: هما لغتان، وقيل: بالضم: اسم وبالفتح: مصدرٌ.
стр. 4908
أسماء وظروفاً، وهذا المكان في منقطع أرض الترك مما يلي المشرق (مِنْ دُونِهِما قَوْماً) هم الترك (لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا) لا يكادون يفهمونه إلا بجهد ومشقة من إشارة ونحوها كما يفهم إليكم، وقرئ: (يفقهون)، أي: لا يفهمون السامع كلامهم ولا يبينونه، لأنّ لغتهم غريبة مجهولة.
[(قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَاجُوجَ وَمَاجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا)].
(يَاجُوجَ وَمَاجُوجَ) اسمان أعجميان بدليل منع الصرف، وقرئا مهموزين. وقرأ رؤبة: (آجوج ومأجوج)، وهما من ولد يافث. وقيل: يأجوج من الترك، ومأجوج من الجيل والديلم (١). (مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ) قيل: كانوا يأكلون الناس، وقيل: كانوا يخرجون أيام الربيع فلا يتركون شيئا أخضر إلا أكلوه، ولا يابسا إلا احتملوه،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: "يُفقهون")، حمزة والكسائي: بضم الياء وكسر القاف، والباقون: بفتحهما.
قوله: (وقرئا مهموزين): عاصمٌ، والباقون: بغير همز، نقل صاحب "المطلع" عن الأنباري، قال: وجه همزه- وإن لم يُعرف له أصل-: أن العرب قد همزت ما لا أصل للهمز فيه، نحو: لبأت بالحج، ورثأت الميت. وإذا فعلوا هذا في لغتهم لا يردهم ذلك في الألفاظ الأعجمية، وأما رؤبة فقلب الياء همزة كأثربي في يثربي.
стр. 4909
وكانوا يلقون منهم قتلا وأذى شديدا. وعن النبي ﷺ في صفتهم: (لا يموت أحد منهم حتى ينظر إلى ألف ذكر من صلبه، كلهم قد حمل السلاح). وقيل: هم على صنفين: طوال مفرطو والطول، وقصار مفرطو القصر. وقرئ: (خرجا) و (خراجا)،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (قرئ: (خْرِجَا) و"خراجا")، حمزة والكسائي: "خراجاً"، والباقون: (خْرِجَا).
الراغب: قيل لما يخرج من الأرض ومن وكر الحيوان ونحو ذلك: خرجٌ وخراجٌ، قال تعالى: (أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ) [المؤمنون: ٧٢]. فإضافته إلى الله تعالى تنبيه أنه هو الذي الزمه وأوجبه، والخرج أعم من الخراج، وجُعل الخرج بإزاء الدخل، قال تعالى: (فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً) [الكهف: ٩٤]، والخراجُ مختصٌّ - في الغالب - بالضريبة على الأرض. وقيل: العبد يؤدي خرجه، أي: غلته، والرعية تؤدي إلى الأمير الخراج، وقيل: "الخراج بالضمان"، أي: ما يخرج من مال البائع فهو بإزاء ما سقط عنه من ضمان المبيع، والخارجي: الذي يخرج بذاته من أحوال اقرانه، ويقال على سبيل المدح إذا خرج إلى منزلة من هو أعلى منه، وتارة يقالُ على سبيل الذم إذا خرج على منزلة من هو أدنى منه، وعلى هذا يقال: فلانٌ ليس بإنسان، مدحاً وذماً، والخرج: لونان من سواد وبياض، يقال: ظليم أخرجُ، ونعامةٌ رجاء، وأرضٌ مخرجةٌ: ذات لونين، لكون النبات فيها في مكان دون مكان.
وقال القاضي: كلاهما واحد، كالنول والنوال، وقيل: الخراج: على الأرض والذمة، والخرج: المصدر.
стр. 4910
أي: جعلا نخرجه من أموالنا، ونظيرهما: النول والنوال. وقرئ: (سدا) و (سدا) بالفتح والضم.
[(قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً* آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذا جَعَلَهُ ناراً قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً * فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً)].
(ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ) ما جعلني فيه مكينا من كثرة المال واليسار، خير مما تبذلون لي من الخراج، فلا حاجة بي إليه، كما قال سليمان صلوات الله عليه: (فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ) بالنمل: ٣٦]، قرئ بالإدغام وبفكه. (فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ) بفعلة، وصناع يحسنون البناء والعمل، وبالآلات (رَدْماً) حاجزا حصينا موثقا، والردم أكبر من السدّ، من قولهم: ثوب مردم، رقاع فوق رقاع. قيل: حفر الأساس حتى بلغ الماء، وجعل الأساس من الصخر والنحاس المذاب والبنيان من زبر الحديد،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقوله: (آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ) لا ينافي رد الخراج والاتقصار على المعونة، كأن الإيتاء بمعنى المناولة، يدل عليه قراءة أبي بكر: "إيتوني" بمعنى: جيئوني.
قوله: (قرئ بالإدغام وبفكه): ابن كثير: بالفك، والباقون: بالإدغام. قال صاحب "المُطلع": من فك لأن النونين اجتمعتا في كلمتين، الثانية غير لازمة، يقال: مكنه ومكنته، فلم يُدغم، ومن أدغمَ فلاجتماع المثلين.
стр. 4911
بينهما الحطب والفحم حتى سد ما بين الجبلين إلى أعلاهما، ثم وضع المنافيخ حتى إذا صارت كالنار، صب النحاس المذاب على الحديد المحمى فاختلط والتصق بعضه ببعض وصار جبلا صلدا. وقيل: بعد ما بين السدين مائة فرسخ. وقرئ: (سوّى)، و (سووي). وعن رسول الله ﷺ : أنّ رجلا أخبره به فقال: (كيف رأيته؟ ) قال كالبرد المحبر؛ طريقة سوداء وطريقة حمراء. قال: «قد رأيته» والصدفان بفتحتين: جانبا الجبلين، لأنهما يتصادفان، أي: يتقابلان، وقرئ: (الصدفين) بضمتين، و (الصدفين) بضمة وسكون، (الصدفين) بفتحة وضمة. والقطر، النحاس المذاب؛ لأنه يقطر (قِطْراً) منصوب بـ (أفرغ)، وتقديره: آتوني قطرا أفرغ عليه قطرا، فحذف الأول
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كالبرد المحبر)، النهاية: الحبير من البرود: ما كان موشياً مخططاً، وهو بردُ يمان.
قوله: (وقرئ: "الصدفين" بضمتين"): ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر، وأبو بكر: بضم الصاد وإسكان الدال، والباقون: بفتحتين، وبضم الدال: شاذ. قال القاضي: كلها لغاتٌ من الصدف، وهو الميل؛ لأن كلا منهما منعزلٌ عن الآخر، ومنه التصادف: التقابل.
قله: (و (قَطِرَاً): منصوب بـ (أُفْرِغْ))، فأعمل الثاني على مذهب البصريين؛ لأنه لو أعمل الأول لقيل: آتوني أفرغه، غذ المختارُ أن لا يحذف الضمير المفعول في الثاني؛ لأنهُ
стр. 4912
لدلالة الثاني عليه. وقرئ: (قال ائتوني)، أي: جيئوني، (فَمَا اسْطاعُوا) بحذف التاء للخفة؛ لأنّ التاء قريبة المخرج من الطاء. وقرئ: (فما اصطاعوا)، بقلب السين صادا. وأما من قرأ بإدغام التاء في الطاء، فملاق بين ساكنين على غير الحدّ (أَنْ يَظْهَرُوهُ) أي: يعلوه، أي: لا حيلة لهم فيه من صعود لارتفاعه وانملاسه، ولا نقب لصلابته وثخانته.
[(قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا)].
(هذا) إشارة إلى السد، أي: هذا السد نعمة من الله و (رَحْمَةٌ) على عباده، أو هذا الإقدار والتمكين من تسويته (فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي) يعنى: فإذا دنا مجيء يوم القيامة وشارف أن يأتي جعل السد (دَكَّاءَ) أي: مدكوكا مبسوطا مسوّي بالأرض، وكل ما انبسط من بعد ارتفاع فقد اندك. ومنه: الجمل الأدك: المنبسط السنام. وقرئ: (دكاء) بالمد؛
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يؤدي إلى اللبس، فالهاء عائدةٌ إلى (قِطْراً) وهو المفعول الثاني، وإن جاز حذفه لكن لا يليق بفصاحة القرآن تركُ الاختيار.
قوله: (وقرئ: "قال ائتوني"، أي: جيئوني)، أبو بكر وحمزة: بهمزة ساكنة بعد اللام من باب المجيء، وإذا ابتدأ كسراص همزة الوصل، وابدلا الهمزة الساكنة ياءً، والباقون: بقطع الألف ومدةٍ بعدها في الحالين.
قوله: (وأما من قرأ بإدغام التاء)، قرأ حمزة: "فما اسطاعوا" بتشديد الطاء، والباقون: بتخفيفها.
قوله: (وقرئ: (دَكَّاءَ) بالمد)، الكوفيون: بالمد والهمز من غير تنوين، والباقون: بالتنوين من غير همز.
стр. 4913
أي أرضاً مستوية، وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا) آخر حكاية قول ذي القرنين.
[(وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً)].
(وَتَرَكْنا) وجعلنا (بَعْضَهُمْ) بعض الخلق (يَمُوجُ فِي بَعْضٍ) أي: يضطربون ويختلطون، إنسهم وجنهم حيارى، ويجوز أن يكون الضمير ليأجوج ومأجوج، وأنهم يموجون حين يخرجون مما وراء السد مزدحمين في البلاد، وروى: يأتون البحر فيشربون ماءه ويأكلون دوابه، ثم يأكلون الشجر، ومن ظفروا به ممن لم يتحصن منهم من الناس، ولا يقدرون أن يأتوا مكة والمدينة وبيت المقدس، ثم يبعث الله نغفاً في أقفائهم فيدخل في آذانهم فيموتون.
[(وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً* الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً)].
(وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ) وبرّزناها لهم فرأوها وشاهدوها (عَنْ ذِكْرِي) عن آياتي التي ينظر إليها فأذكر بالتعظيم، أو عن القرآن وتأمل معانيه وتبصرها، ونحوه (صُمٌّ بُكْمٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (نغفاً في أقفائهم)، النهاية: النغفُ، بالتحريك: دودٌ يكون في أنوف الإبل والغنم، واحدتها: نغفةٌ.
قوله: (عن آياتي التي يثنظر إليها، فأذكرُ بالتعظيم)، يعني: الذكرُ لا يقال فيه: أعينهم في غطاءٍ عنه، بل في آذانهم وقرٌ، لكن النظر على الآيات الدالة على القدرة الباهرة سببٌ لذكر الله عند مشاهدتها، كما يقال: (رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ) [آل عمران: ١٩١]،
стр. 4914
عُمْيٌ) [البقرة: ١٨]، (وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً) يعنى: وكانوا صما عنه، إلا أنه أبلغ؛ لأنّ الأصم قد يستطيع السمع إذا صيح به، وهؤلاء كأنهم أصميت أسماعهم فلا استطاعة بهم للسمع.
[(أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلاً)].
(عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ) هم الملائكة، يعنى: أنهم لا يكونون لهم أولياء، كما حكي عنهم: (سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ) [سبأ: ٤١]، وقرأ ابن مسعود: (أفظن الذين كفروا)، وقراءة على ﵁: (أفحسب الذين كفروا) أي: أفكافيهم ومحسبهم أن يتخذوهم أولياء، على الابتداء والخبر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فأُطلق المسبب وأريد السبب، وكذلك الباصرة لا تُستعمل في الذكر إذا أريد به القرآن، بل تستعمل فيه البصيرة؛ ولذلك قال: "وتأمل معانيه وتبصرها"، فقوله: (بُكْم) مناسبٌ للتفسير الأول، و (عُمْيٌ) للثاني.
قوله: (كما حكى عنهم: (سُبْحَانَكَ) [سبأ: ٤١])، وجه المشابهة بين الآيتين هو أن قوله: (أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ) إنكارٌ لحسبانهم فيما عبدوا الملائكة، جعلوها شفعاء لأنفسهم، وأنهم يوالونهم عند الحقيقة، وأن هذا الإنكار واقعٌ عند الحشر، لقوله تعالى: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً (٩٩) وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضاً) إلى قوله: (أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا)، كما أن قوله: (سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ) [سبأ: ٤١] تخييبٌ من الملائكة فيما زعم الكفارُ أنهم ينصرونهم ويشفعون لهم بعد الحشر، لقوله تعالى: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ) [سبأ: ٤٠].
стр. 4915
أو على الفعل والفاعل، لأنّ اسم الفاعل إذا اعتمد على الهمزة ساوى الفعل في العمل، كقولك: أقائم الزيدان، والمعنى: أنّ ذلك لا يكفيهم ولا ينفعهم عند الله كما حسبوا. وهي قراءة محكمة جيدة. النزل: ما يقام للنزيل؛ وهو الضيف، ونحوه (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ) [آل عمران: ٢١].
[(قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً* الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً* أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً* ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً)].
(ضَلَّ سَعْيُهُمْ) ضاع؛ وبطل وهم الرهبان. عن على ﵁، كقوله: (عامِلَةٌ ناصِبَةٌ) [الغاشية: ٣]، وعن مجاهد: أهل الكتاب، وعن علي ﵁: أنّ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أو على الفعل والفاعل)، يعني: تحتمل قراءة علي ﵁ أن تُحمل على الابتداء والخبر، بأن يقال: إن حسبُ: مبتدأٌ مضافٌ إلى الذين كفروا، و (أَنْ يَتَّخِذُوا): الخبرُ، وكذا أيضاً عن أبي البقاء، أو على الفعل والفاعل، بأن يُقال: إن "حسبُ" بمعنى "المحسب"، واسم الفاعل إذا اعتمد على الهمزة يعمل، والفاعل (أَنْ يَتَّخِذُوا).
قوله: (أقائمٌ الزيدان؟ )، إنما مثل به دون: "أقائم زيدٌ"، لأنه أراد أن يُمثل بما يتعين فيه عمل اسم الفاعل في الظاهر.
قوله: (وهي قراءة محكمة جيدة)، قال ابن جني: القراءة ساكنة السين غاية في الذم لهم وذلك؛ لأنه جعله غاية مرادهم ومجموع مطلبهم.
قوله: (كقوله: (عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ) [الغاشية: ٣])، أي: عملت ونصبت في أعمال لا تثجدي عليها في الآخرة.
стр. 4916
ابن الكوّاء سأله عنهم؟ فقال: منهم أهل حروراء. وعن أبى سعيد الخدري: يأتي ناس بأعمال يوم القيامة هي عندهم في العظم كجبال تهامة، فإذا وزنوها لم تزن شيئا، (فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً) فنزدري بهم ولا يكون لهم عندنا وزن ومقدار. وقيل: لا يقام لهم ميزان؛ لأنّ الميزان إنما يوضع لأهل الحسنات والسيئات من الموحدين. وقرئ: (فلا يقيم) بالياء. فإن قلت: الذين ضل سعيهم في أي محل هو؟ قلت:
الأوجه أن يكون في محل الرفع، على: هم الذين ضل سعيهم؛ لأنه جواب عن السؤال، ويجوز أن يكون نصبا على الذم، أو جرّا على البدل (جَهَنَّمُ) عطف بيان لقوله (جَزاؤُهُمْ).
[(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً* خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلاً)].
الحول: التحوّل. يقال: حال من مكانه حولا، كقولك: عادني حبها عودا، يعني:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أهل حروراء): قرية بالكوفة، والحرورية: فرقةٌ منالخوارج منسوبة إليها.
قوله: ((جَهَنَّمَ) عطفُ بيان لقوله: (جَزَاؤُهُمْ)) فـ (ذَلِكَ) مبتدأ، و (جَزَاؤُهُمْ): الخبر، والمشار إليه بقوله: (ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ)، كما تقول: هذا زيدٌ، وتحقيقه ما سبق في قوله: (هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ)، وفيه بحث؛ لأنه لا يحسنُ أن يقال: ذلك جهنمُ. قال أبو البقاء: (ذَلِكَ)، أي: الأمر ذلك، وما بعدهُ مبتدأ وخبر، وهذا جيدٌ.
قوله: (عادني حبها عوداً)، النهاية: وفي حديث فاطمة بنت قيس "فإها امرأة يكثرُ عُوادُها"، أي: زُوارُها، وكل من أتاك مرةً بعد أخرى، فهو عائدٌ، وإن اشتهر ذلك في عبادة المريض حتى كأنه مختصٌّ به.
стр. 4917
لا مزيد عليها حتى تنازعهم أنفسهم إلى أجمع لأغراضهم وأمانيهم، وهذه غاية الوصف؛ لأن الإنسان في الدنيا في أي نعيم كان فهو طامح الطرف إلى أرفع منه، ويجوز أن يراد نفى التحوّل وتأكيد الخلود.
[(قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً)].
المداد: اسم ما تمد به الدواة من الحبر وما يمد به السراج من السليط. ويقال: السماء مداد الأرض. والمعنى: لو كتبت كلمات علم الله وحكمته وكان البحر مدادا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لو كُتِبَ) يعني: لو فُرضَ كتبتُها كما تُفرضُ المحالاتُ لابد لهذا المفروض من النفاد، مع هذا ينفدُ حبسُ البحر قبل نفادها.
قوله: (كلماتُ علم الله وحكمته) يُشعرُ بأن الكلمات في قوله تعالى: (وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ) [الكهف: ٢٧] أخصُّ منها؛ لأن المراد بها كلمات ما أوحي إلى رسول الله ﷺ ، وهو القرآن المجيد، ومن اطلع على أسرار النظم، عرف موجب ذلك. والإضافة في قول المصنف: "كلمات علم الله تعالى"، تؤذن بأنها غير متناهية، ولفظة (قبلَ) توهم أن لها أيضاً نفاداً.
قال الإمام: تمسكت المعتزلة بها، أن كلام الله محدث، بأن ما ثبت عدمه امتنع قدمه. وأجاب: أن ذلك راجعٌ إلى الألفاظ والحروف، والجواب غير مُرضي؛ لأن التمثيل بالبحر يأباه، ولأن هذه الآية مما ساتدلوا بها على قدمها، فكيف يلتزم حدوثها؟ ألا ترى كيف استشهد بها صاحب "شرح السُّنة" في باب الرد على من قال بخلق القرآن، ووجهه أنها واردةٌ على التنزلات الربانية، حيث نزل غير المتناهي منزلة المتناهي فرضاً وتقديراً، تفهيماً للعباد وتقريباص لهم، وهو من التمثيل الذي يفرضُ الممثل به فرضاصح مُثلت حالةُ الكلمات التامات في سعتها وفرطِ كثرتها بحالة ما لو فُرضَ البحرُ مداداً له لنفد قبله، ثم أدخله الممثل
стр. 4918
لها، والمراد بالبحر الجنس (لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ) الكلمات (وَلَوْ جِئْنا) بمثل البحر مدادا لنفد أيضاً. والكلمات غير نافدة. و (مَدَداً) تمييز، كقولك: لي مثله رجلا. والمدد مثل المداد، وهو ما يمدّ به. وعن ابن عباس ﵁: (بمثله مدادا)، وقرأ الأعرج: مددا، بكسر الميم؛ جمع مدّة، وهي ما يستمده الكاتب فيكتب به.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في جنس الممثل به فأجرى عليه حُكم الإحصاء والكتب والنفاد تنزلاً وتفهيماً، والمعنى: لو فرضنا أن غير المتناهي داخلٌ تحت حكم المتناهي، وأنه نوعٌ من جنسه، لنفد قبل نفاده، فكيف وأنه ليس من جنسه؟ هيهات، أين الثريا من الثرى! ولذل مع كلماتٍ جمع قلةٍ تتميماً للمعنى، أي: إذا كان حُكمُ الكلمات بهذه المثابة، فما ظنُّكَ بالكلم، ووضعُ المظهر موضع المضمر في قوله: (قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي) إشعارٌ بالعلية، وأنها حقيقٌ بأن تكون غير متناهية.
وأما بيانُ النظم فهو أن المخالفين لما اقترحوا على رسول الله ﷺ أن يبدل آية مكان آية، قيل له: (وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ) [الكهف: ٢٧]، أي: دعهم وعنادهم، اشتغل بالتلاوة ودُم عليها، فإنه لا يقدر على تقدير كلمات ربك إلا هو، ثم كشف بعد ذلك من قوله: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ) إلى قوله: (لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً) عن نُبذٍ من أسرار عجيبة محتجبة وراء أستار الغيبن ثم عقبها بقوله: (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً)، يعني: قللهم: لو ان البحر مداداً لهذا الجنس من الكلمات التامات، لنفد البحرُ قبل نفادها، فكيف أبدلها من تلقاء نفسي؟ وأنا بشرٌ مثلكم لا فرق بيني وبينكم في عدم القدرة على التبديل إلا أني خُصصتُ بتلقي الوحي، وفضلت بمزية الرسالة، وغلى هذا ألمح قوله تعالى: (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ) [الانعام: ١١٥].
وقريبٌ من هذه المعاني ما في قوله تعالى: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ) [يونس: ١٥].
стр. 4919
وقرئ: (ينفد) بالياء. وقيل: قال حيىّ بن أخطب: في كتابكم (وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً) [البقرة: ٢٦٩]، ثم تقرءون: (وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) [الإسراء: ٨٥]، فنزلت، يعنى: أن ذلك خير كثير، ولكنه قطرة من بحر كلمات الله.
[(قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً)].
(فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ) فمن كان يؤمل حسن لقاء ربه، وأن يلقاه لقاء رضا وقبول. وقد فسرنا اللقاء. أو: أفمن كان يخاف سوء لقائه. والمراد بالنهى عن الإشراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: "ينفد": بالياء): حمزةُ والكسائي، والباقون: بالتاء الفوقاني.
قوله: (قال حيي بن أخطب: في كتابكم)، إلى آخره، عن أحمد بن حنبل والترمذي، عن ابن عباس، قال: قالت قريش لليهود: اعطونا شيئاً نسألُ عنه هذا الرجل، فقالوا: سلوه عن الروح، سألوه عنها فنزلت: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) الآية، قالوا: أوتينا علماً كثيراً، أوتينا التوراة، ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيراً كثيراً، فُأنزلت: (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ) الآية.
قوله: (يخاف سوء لقائه)، الأساس: ومن المجاز استعمال الرجاء في الخوف والاكتراث، قال محيي السنة: الرجاء يكون بمعنى الخوف والأمل جميعاً. قال:
стр. 4920
بالعبادة: أن لا يرائي بعمله، وأن لا يبتغى به إلا وجه ربه خالصا لا يخلط به غيره. وقيل: نزلت في جندب ابن زهير، قال للنبي ﷺ : إني أعمل العمل لله، فإذا اطلع عليه سرني، فقال: «إن الله لا يقبل ما شورك فيه». وروى أنه قال له: «لك أجران: أجر السر، وأجر العلانية» وذلك إذا قصد أن يقتدي به. وعنه ﷺ : «اتقوا الشرك الأصغر» قالوا: وما الشرك الأصغر؟ قال «الرياء».
وعن رسول الله ﷺ : «من قرأ سورة الكهف من آخرها كانت له نورا من قرنه إلى قدمه، ومن قرأها كلها كانت له نورا من الأرض إلى السماء»، وعنه ﷺ : «من قرأ عند مضجعه (قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) كان له من مضجعه نورا يتلألأ إلى مكة، حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه حتى يقوم، وإن كان مضجعه بمكة كان له نورا يتلألأ من مضجعه إلى البيت المعمور، حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه حتى يستيقظ» والله أعلم بالصواب.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ.
ولا كل ما ترجو من الخير كائن … ولا كل ما ترجو من الشر واقع
قوله: (وقد فسرنا اللقاء)، يعني: في سورة يونس، قال فيها: اللقاءُ مستعارٌ للعلم المحقق الذي هو العلم بالشيء موجوداً، شُبه بنظر النار وعيان المعاين. وفسره في "العنكبوت" في قوله تعالى: (مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لآتٍ) [العنكبوت: ٥] أبسط وأشرح من ذلك، وقلت: إذا فسرت الآية بقوله: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا) يأمل حُسن لقاء ربه، يجوز أن يجري على ظاهرها على مذهب أهل السُّنة.
انتهى بحمد الله
стр. 4921
سورة مريم
مكية وهي تسعون وثماني أو تسع آيات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[(كهيعص* ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا* إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا)].
(كهيعص) قرأ بفتح الهاء وكسر الياء حمزة، وبكسرهما عاصم، وبضمهما الحسن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سورة مريم
مكية، وهي ثمان وتسعون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (بفتح الهاء وكسر الياء) يريد بالكسر: الإمالة من: كسرت العُقابُ جناحها: إذا مالت للانقضاض، قال صاحب "التيسير": قرأ أبو بكر والكسائي: بإمالة فتحة الياء والهاء، وابن كثير وحفصٌ: بفتحهما، وابن عامرٍ وحمزة: بفتح الهاء وإمالة الياء، وأبو عمرو: بإمالة الهاء وفتح الياء، ونافعٌ: بالهاء والياء بيْن بيْن.
وقال ابن جني: قرأ الحسن بفتح الهاء ورفع الياء، وقرأ أيضاً بضم الهاء وفتح الياء،
стр. 4922
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ..
وقال: الإمالة والتفخيم في حروف المعجم ضربٌ من ضروب التصرف، وذلك أنها إذا فارقت موضعها من الهجاء صارت أسماء ودخلها ضربٌ من القوة فتصرفت، فحملت افمالة والتفخيم، فمن قال: (يا) جنح بالإمالة إلى الياء كما في نحو السيال، ومن فخم تصور أن عين الفعل في الياء منقلبة عن الواو، الباب والدار والمال، وذلك أن هذه الألفات، وإن كانت مجهولة، لأنه لا اشتقاق لها، فإنها تُحمل على ما هو في اللفظ مشابه لها، والألف إذا وقعت عيناً فجهلت، فالواجب فيها أن يعتقد أنها منقلبة عن الواو. على ذلك وجدنا سرد اللغة، هذا قول جامعٌ في هذا الضرب من الألفات، فاعرفه واغن به عما وراءه.
وقال صاحب "التقريب": ولا تنقلب الألفُ واواً لهذه الضمة، بل تُسمى ألفها ألف التفخيم.
في "اللوامح": هذه الكلماتُ الثلاثُ مترجمٌ عنها بالضم، وليست مضمومات بالحقيقة؛ لأنهن لو كُن كذلك لوجب قلبُ ما بعدهن من الألفات واواتٍ، بل نُحيت هذه الألِفاتُ نحو الواو، على لغة أهل الحجاز، وهي التي تسمى ألف التفخيم بضد الألف المُمالة.
والمراد بالكلمات الثلاث: الكاف والهاء والياء؛ لأنه رُوي عن الحسن ضم الكاف أيضاً.
стр. 4923
وقرأ الحسن: (ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ) أي: هذا المتلوّ من القرآن ذكر رحمة ربك. وقرئ: (ذكر) على الأمر، راعى سنة الله في إخفاء دعوته؛ لأنّ الجهر والإخفاء عند الله سيان، فكان الإخفاء أولى؛ لأنه أبعد من الرياء وأدخل في الإخلاص. وعن الحسن: نداء لا رياء فيه، أو: أخفاه؛ لئلا يلام على طلب الولد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرأ الحسنُ: "ذكر رحمة ربك")، قال ابن جني: فاعل "ذكر" ضميرُ ما تقدم، أي: هذا المتلو من القرآن الذي هذه الحروف اوله وفاتحته يُذكر رحمة ربك، وإن شئت كان تقديره مما يُقص عليك أو يُتلى عليك: (ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا).
قال أبو البقاء: و (ذِكْرُ): مصدرٌ مضافٌ إلى المفعول، والتقدير: هذا إن ذكر ربُّكَ رحمته عبده. وقيل: هو مضافٌ إلى الفاعل، على الاتساع، والمعنى: هذا إن ذكرت رحمة ربك، فعلى الأول ينتصب عبده برحمة، وعلى الثاني بـ"ذكر".
قوله: (راعى سنة الله)، "سنة الله" من إضافة المصدر إلى المفعول، لا إلى الفاعل، يعني: راعى زكريا سنة العبودية مع المعبود في إخفاء دعائه، فإذن ينطبق عليه التقليل بقوله: "لأن الجهد والخفاء عند الله سيان"، وأما قوله تعالى: (سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ) [الفتح: ٢٣] فمن إضافة المصدر إلى الفاعل.
قوله: (نداءً لا رياء فيه)، فيكون الإخفاء ملزوماً للإخلاص الذي هو: عدم الرياء؛ لأن الإخفاء أبعدُ من الرياء. ولما كنى عن عدم الرياء بالخفاء عُلم أن لا اعتبار للظاهر، وأن الأمر يدور على الإخلاص حتى إنه لو نادى جهراً بلا رياء دخل فيه، أو نادى سراً بلا إخلاص خرج منه، وفي الجمع بين النداء والإخفاء إيماءٌ إلى هذا المعنى.
الراغب: (إِذْ نَادَى رَبَّهُ): أشار بالنداء إلى الله تعالى؛ لأنه تصور نفسه بعيداً منه
стр. 4924
في إبان الكبرة والشيخوخة. أو: أسره من مواليه الذين خافهم. أو خفت صوته لضعفه وهرمه، كما جاء في صفة الشيخ: صوته خفات، وسمعه تارات. واختلف في سنّ زكريا ﵇، فقيل: ستون، وخمس وستون، وسبعون، وخمس وسبعون، وخمس وثمانون.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بذنوبه وأحواله السيئة. وقوله تعالى: (أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ) [فصلت: ٤٤]، فاستعمال النداء فيهم تنبيه على بعدهم عن الحق، وقوله: (رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ) [آعمران: ١٩٣]، فالإشارة بالمنادي إلى العقل والكتاب المنزل والرسول المرسل وسائر الآيات الدالة على وجوب الإيمان بالله، وجعله منادياً للإيمان لظهوره ظهور النداء، وحثه على ذلك كحث المنادي.
فإن قلت: كيف جمع بين النداء وهو رفع الصوت، وبين (خَفِيّاً) وهو خفتُ الصوت؟ قلت: جعل (خَفِيّاً) مجازاً عن الإخلاص لا كناية؛ لأن المجاز ينافي إرادة الحقيقة، والنداء عبارة عن إهار الاستكانة وإبداء التضرع والخشوع.
قوله: (في إبان الكبرة)؛ الجوهري: إبان الشيء بالكسر التشديد: وقته، وقال: الكبرُ في السن، وقد كبر الرجل يكبر كبراً، أي: أسن، والاسم: الكبرة، بفتح الكاف وسكون الباء. يقال: علت فلاناً كبرةٌ.
قوله: (أو: خفت صوته)، بالرفع والنصب. الجوهري: خفت الصوت خفوتاً: سكن، والمخافتة والتخافت: إسرار النمطق، والخفت مثله.
قوله: (صوته خُفاتٌ). الأساس: خفت صوته خفوتاً، وصوته خافتٌ خفيتٌ، وخفت الرجل: سكت فلم يتكلم، وأخذه السُّكاتُ والخُفاتُ.
قوله: (سمعه تاراتٌ)، أي: مسموعه، فلا يحتاج إلى التكرار. الأساس: فعل ذلك تاراتٍ وتارة بعد أخرى.
стр. 4925
[(قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّاسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا)].
قرئ: (وَهَنَ) بالحركات الثلاث. وإنما ذكر العظم؛ لأنه عمود البدن وبه قوامه وهو أصل بنائه، فإذا وهن تداعى وتساقطت قوته، ولأنه أشد ما فيه وأصلبه، فإذا وهن كان ما وراءه أوهن. ووحده؛ لأن الواحد هو الدال على معنى الجنسية، وقصده إلى أن هذا الجنس الذي هو العمود والقوام وأشد ما تركب منه الجسد قد أصابه الوهن، ولو جمع لكان قصدا إلى معنى آخر؛ وهو أنه لم يهن منه بعض عظامه ولكن كلها. إدغام السين في الشين عن أبي عمرو .....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((وَهَنَ): بالحركات الثلاث)، بفتح الهاء: السبعةُ، والضم والكسرُ: شاذ.
الراغب: الوهن: ضعفٌ من حيث الخلقُ أو الخُلُق، قال تعالى: (رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي)، وقال تعالى: (وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ) [النساء: ١٠٤].
قوله: (ولأنه شد ما فيه)، عطفٌ على "لأنه عمودُ البدن"، يعني: أصلُ الكلام: ضعف بدني، وإنما كنى عنه بقوله: (وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي) وخص العظم بالذكر؛ لأنه كالأساس للبدن وكالعمود للبيت، فإذا وقع الخللُ في الأُس وسقط العمود تداعي الخلل في البناء وسقط البيت، فالكناية مبنية على التشبيه، أو أن العظم أصلبُ ما في الإنسان فيلزم من وهنه وهنُ جميع الأعضاء بالطريق الأولى، فالكناية غير مسبوقة بالتشبيه.
قوله: (وهو أنه لم يهن منه بعض عظامه ولكن كلها)، قال صاحب "الفرائد": ذُكر في أصول الفقه ان اللام إذا دخلت على الجمع بطل الجمعُ وتعلق الحكم بكل فردٍ فردٍ، باعتبار الجنس. سلمنا أن الجمع لم يبطل ولكن من أين يلزم المعنى الذي ذكره وهو القصد إلى أنه لم يهن منه بعض عظامه ولكن كلها؟ غاية ما في الباب احتمال عدم وهن البعض لكن من الاحتمال لا يلزمُ الوجود، بل يمكن أن يكون القصد إلى كل واحدٍ من العظام؛ لأن هذا محتملُ اللفظ، كما أن ذلك محتمله، والوجه أن يقال: اختير الواحد احترازاً عن هذا الاحتمال.
стр. 4926
شبه الشيب بشواظ النار في بياضه وإنارته، وانتشاره في الشعر وفشوّه فيه وأخذه منه كل مأخذ باشتعال النار؛ ثم أخرجه مخرج الاستعارة،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأقولُ: إن الكلام إذا كان مُنصباً إلى غرضٍ من الأغراض جُعل سياقه له وتوجهه إليه، كأن ما سواه مرفوضٌ مُطرح، هذا نص المصنف في سورة "يس". المقصود من الإيراد في هذا المقام: إظهارُ الضعف في البدن وإبداءُ تساقط القوى؛ ألا ترى إلى أداة الحصر في قوله: "وإنما ذكر العظم لأنه عمود البدن وبه قوامه" يعني: ما ذكر العظم لأن يكون الكلام فيه، بل لأن ينبه على ان هذا الجنس الذي هو عمود البدن وقوامه قد أصابه الوهن، ولو قيل: العاظم لرجع القصد إلى أن الكلام في العظام في أنه لم يهن بعضها فقط بل كلها؛ لأن ترك المفرد إلى الجمع ثم تحليته باللام الاستغراقية يُنبئ عن أن القصد إلى أنه لم يهن بعض العظام بل كلها، ويخرج عن المقصود، ألا ترى إلى تصريحه بالقصد في قوله: "لكان قصداً إلى معنى آخر" وتكريره.
ونحوه قوله: (وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى) [طه: ٦٩]، فإنه لو قيل: السحرة، لأوهم أن الجمعية معتبرةٌ في الحكم بعدم الفلاح، بخلاف المفرد، فإن القصد فيه أن هذا الجنس، وأن ما يقال له: الساحر، محكوم عليه بأنه لا يفلح.
قوله: (شبه الشيب بشواظ النار)، إلى قوله: (وفشوه … باشتعال النار)، كتب صاحب "الإيضاح". في حاشية كتابه: أن في جعل الآية من التشبيهين نظراً؛ لأن المذكور في طرفي التشبيه في الاستعارة بالكناية اسم المشبه دون المشبه به، والاستعارة بالكناية تستلزم الاستعار التخييلية، فإن التخييلية هي: إما إثبات أمر مختص بالمشبه به للمشبه، من يغر أن يكون هناك أمرٌ ثابت حساً أو عقلاً أطلق عليه اسم ذلك الأمر، وإما إطلاقُ لفظٍ على
стр. 4927
ثم أسند الاشتعال إلى مكان الشعر ومنبته وهو الرأس. وأخرج الشيب مميزا، ولم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صورة وهمية قُدرت مشابهة لصورة محققة هي معنى ذلك اللفظ، فلو كان تشبيه الشيب بشواظ النار كما ذكره مقصوداً في الآية لكانت استعارة بالكناية، ولو كانت استعارة بالكناية لكان قوله: (وَاشْتَعَلَ): استعارة تخييلية، وذلك لا يمكن؛ لأنه جعل انتشار الشيب في الشعر وفشوه فيه وأخذه منه كل مأخذٍ تشبيهاً باشتعال النار، وهو ينافي ذلك الأمر لما مر أن الإستعارة التخييلية لا تعتمد المشبه أمراً محققاً، والأول أن يُجعل المشبه انتشار الشيب في الشعر، والمشبه به اشتعال النار، والجامع: فشو الشيء في الشيء.
وقلتُ: إنما دخل عليه هذا من جعل التشبيهين تمهيداً لقاعدة الاستعارة المكنية؛ لأنها مستدعية لما ذكر، وذهب عنه أن التشبيهين تمهيدٌ للاستعارة التمثيلية وهو أن يُنتزع التشبيه من عدة أمور متصورة فلابد من سبق تشبيه حالة الشيب بحالة النار وحالة فشوه في الرأس وأخذه منه كل مأخذ بحالة اشتعال النار في الحطب الجزل. كما قال:
واشتعل المبيض في مسوده … مثل اشتعال النار في جزل الغضا
والجامع: سرعة انبساط بياض في سواد مع تعذر التلافي، ثم حُذف أحد طرفي التشبيه وهو المشبه وإخراج المشبه به مخرج المشبه ليتم أمر الاستعارة، وإليه الإشارة بقوله: "ثم أخرجه مخرج الاستعارة".
وأما اختيار صاحب "الإيضاح": والأولى أن يجعل المشبه انتشار الشيب في الشعر، والمشبه به اشتعال النار، فمرجعه إلى الاستعارة التبعية، وهو لا ينافي ذلكا لتقرير، على أن التشبيه كلما كان أكثر تفصيلاً كان أدخل في الحُسن.
قوله: (ثم أسند الاشتعال إلى مكان الشعر)، هذا أخذٌ في مشرع علم المعاني بعد الفراغ من مشرع علم البيان، يريد أن أصل الكلام: اشتعل شيب رأسي، فترك هذه المرتبة إلى ما هي أبلغ، هي اشتعل رأسي شيباً، وكونها أبلغ من جهات، إحداها: إسنادُالاشتعال إلى الرأس لإفادة شمول الاشتعال؛ لأن وزان "اشتعل شيبُ رأسي" و"اشتعل رأسي شيباً"،
стр. 4928
يضف الرأس؛ اكتفاء بعلم المخاطب أنه رأس زكريا، فمن ثم فصحت هذه الجملة وشهد لها بالبلاغة. توسل إلى الله بما سلف له من الاستجابة. وعن بعضهم: أن محتاجا سأله وقال: أنا الذي أحسنت إلىّ وقت كذا. فقال: مرحبا بمن توسل بنا إلينا. وقضى حاجته.
[(وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا* يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا)].
كان مواليه وهم عصبته: إخوته وبنو عمه شرار بني إسرائيل، فخافهم على الدين أن يغيروه ويبدّلوه، وأن لا يحسنوا الخلافة على أمته، فطلب عقبا من صلبه صالحا يقتدي به في إحياء الدين ويرتسم مراسمه فيه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وزانُ "اشتعل النار في بيته" و"اشتعل بيته ناراً". وثانيها: الإجمال والتفصيل في طريق التمييز. ولثها: تنكير (شَيْباً) لإفادة التعظيم، ذكره صاحب "المفتاح" تفسيراً لقول المصنف.
ولما بين المعنى من جهة البيان ومن جهة المعاني قال: "ومن ثم فصُحت هذه الجملة وشُهد لها بالبلاغة".
قوله: (توسل إلى الله بما سلف له معه من الاستجابة)، قال القاضي: وفيه أيضاً تنبيه على أن المدعو له وإن لم يكن معتاداً فإجابته معتادة، وأنه تعالى عوده بالإجابة وأطعمه فيها، ومن حق الكريم ألا يجيب من أطعمه.
قوله: (ويرتسم مراسمه). الجوهري: رسمت له كذا فارتسمه، أي: امتثله.
стр. 4929
(مِنْ وَرائِي): بعد موتي. وقرأ ابن كثير: (من وراءي) بالقصر، وهذا الظرف لا يتعلق بـ (خِفْتُ) لفساد المعنى، ولكن بمحذوف، أو: بمعنى الولاية في الموالي: أي: خفت فعل الموالي؛ وهو تبديلهم وسوء خلافتهم من ورائي. أو: خفت الذين يلون الأمر من ورائي. وقرأ عثمان ومحمد بن على وعلى بن الحسين ﵃: (خفت الموالي من ورائي)، وهذا على معنيين: أحدهما: أن يكون (وَراءِي) بمعنى: خلفي وبعدي، فيتعلق الظرف بالموالي: أي: قلوا وعجزوا عن إقامة أمر الدين، فسأل ربه تقويتهم ومظاهرتهم بولي يرزقه. والثاني: أن يكون بمعنى قدامى، فيتعلق بـ (خِفْتُ)، ويريد أنهم خفوا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرأ ابن كثير)، وهي شاذةٌ. قال أبو البقاء: وهو من قصر الممدود.
قوله: (لفساد المعنى)، إذ المراد بالموالي: العصبة، لقوله: "كان مواليه وهم عصبته". وإنما لزم فساد المعنى؛ لأن الخوف واقعٌ فيا لحال لا فيما يستقبل، ولو جعل (مِنْ وَرَائِي) متعلقاً بـ (خَفَّتْ) لزم أن يكون الخوفُ واقعاً فيما يُستقبلُ، فلابد من تقدير محذوف، أوجعل الموالي من الولاية بالكسر، أي: كل من يملك بعده لا العصبة فقط ليصح، فيقال على الأول: (خَفَّتْ) فعل عُصبتي بعد موتي. وعلى الثاني: خفتُ الذين يلون الأمر من بعد موتي، فاللامث في الموالي على هذا: موصولةٌ ليتعلق الظرفُ بصلتها، ولهذا قال: الذين يلون الأمر من ورائي، وعلى الأول: اللامُ: حرفُ التعريف. وفي الكلام لف ونشر.
قوله: (خفتِ الموالي)، الأساس: ومن المجاز خفت حاله ورقت، وأخف فلانٌ: صار خفيف الال، وفاز المخفون.
قوله: (فيتعلق الظرف بالموالي)، أي: خفت الذين يلون الأمر من ورائي. ويجوز أن يُراد بالتعلق أن يكون حالاً منه. قال ابن جني: (مِنْ وَرَائِي): حالٌ متوقعةٌ محكية، أي: خفوا متوقعاً متصوراً كونهم بعدي. ومثله مسألة الكتاب، مررتُ برجلٍ معه صقرٌ صائداً به غداً، أي: متصوراً صيده غداً.
стр. 4930
قدامه ودرجوا ولم يبق منهم من به تقوّ واعتضاد. (مِنْ لَدُنْكَ): تأكيد لكونه وليا مرضيا، بكونه مضافا إلى الله تعالى وصادرا من عنده، وإلا فهب لي وليا يرثني كاف، أو أراد اختراعا منك بلا سبب؛ لأني وامرأتي لا نصلح للولادة. (يَرِثُنِي وَيَرِثُ) .......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ودرجوا)، الراغب: الدرجُ: طي الكتاب والثوب، ويقال للمطوي: درجٌ. واستعير الدرج للموتن كما استعير الطي له في قولهم: طوته المنية، وقولهم: من دب ودرج، أي: من كان حياً يمشي، ومن مات تطوى أحواله.
قوله: (وإلا فهب لي ولياً يرثني كاف)، يعني (مِنْ لَدُنْكَ) يجب أن يُحمل على التأكيد، وإلا فالكلام مستغني عنه، وذلك أن قوله: (مِنْ لَدُنْكَ): تأكيدٌ لمعنى قوله: (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي)؛ لأن هذا المطلوب، وما يكون من عند الله وموهبةً منه ومنسوباً إليه لا يكون إلا خيراً محضاً، فأكد بقوله: (مِنْ لَدُنْكَ) ذلك المعنى، فهو على هذا ظرفٌ لغوٌ، أو: صفةٌ لولي قُدمت فصارت حالاً مؤكدة، وهو معنى لطيف.
والباء في قوله: "بكونه مضافاً" متعلقٌ بقوله: "تأكيدٌ"، أي: تأيدٌ بسبب كونه مضافاً إلى الله، ويجوز أن يكون (مِنْ لَدُنْكَ) حالاً منتقلة، وإليه الإشارة بقوله: "اختراعاً منك" أي: مخترعاً.
قوله: ((يَرِثُنِي وَيَرِثُ))، بالجزم: أبو عمرو والكسائي، والباقون: برفعهما.
قال الزجاج: "الجزم على جواب الأمر، والرفع على صفة الولي".
стр. 4931
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ …
وقال أبو البقاء: الجزمُ على الجواب، أي: ن يهب يرث، والرفعُ على الصفة لـ"ولي"، وهو أقوى من الأول؛ لأنه سأل ولياً هذه صفته، والجزمُ لا يحصلُ بهذا المعنى.
وقال صاحب "المفتاح": وأما قراءةُ الرفع، فالأولى حملُها على الاستئناف دون الوصف، لئلا يلزم منه أنه لم يوهب من وصف لهلاك يحيى قبل زكريا ﵉.
وقلتُ: وكان من قصتهما على ما رواه ابن الأثير في تاريخه "الكامل": أن الله بعث عيسى ﵇ رسولاً فنسخ به بعض أحكام التوراة، وكان مما نُسخ آية حرمة نكاح بنت الأخ، وكان لملكهم بنت أخ تعجبه يريد أن يتزوجها، فنهاه يحيى عنها، كان لها كل يوم حاجة يقضيها لها، فلما بلغ ذلك أمها قالت لها: إذا سالك الملكُ: ما حاجتك؟ قولي: ان تذبح يحيى بن زكريا، فلما سألها قالت: أريد ذبح يحيى، وأبت إلا ذلك، فدعا بطستٍ وذبح يحيى، فقطرت من دمه قطرةٌ على الأرض، فلم تزل تغلي تى بعث الله بخت نصر، وألقى الله في قلبه أن يقتل على الدم من بني إسرائيل حتى يسكن، فقتل سبعين ألفاً حتى سكن. وروى السُّدي نحو هذا وأبسط.
ولما قتل الملكُ يحيى وسمع أبوه قتله فر هارباً، فدخل بُستاناً فأرسل الملكُ في طلبه فمر زكريا بشجرة فنادته: هلُمَّ إلي يا نبي الله، فدخل وانطبقت عليه، فدلهم إبليس، فشقوا الشجرة بالمنشار، فمات زكريا فيها، فسلط الله عليهم أخبث أهل الأرض فانتقم منهم.
стр. 4932
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ …
وأما سؤال صاحب "المفتاح" فواردٌ على الوجوه المذكورة في (يَرِثُنِي) كلها؛ لأن قوله: (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً) مرتبٌ بالفاء على الدعاء، وهو: (رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي) إلى قوله: (وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي)، وهو وصفٌ مناسبٌ لطلب ولدٍ شأنه أن يرث بعده.
ويؤيده ما أورده محيي السنة في "المعالم": أنه خاف تضييع بني عمه دين الله وتغيير أحكامه على ما شاهد من بني إسرائيل من تبديل الدين وقتل الأنبياء، فسأل ربه ولداً صالحاً يأمنه على أمته ويرث نبوته وعلمه لئلا يضيع الدين، وهذا معنى قول عطاء عن ابن عباس. وروى قريباً منه المصنف.
على أن الاستئناف أيضاً رابطٌ معنوي، سيما أنه في هذا المقام واردٌ لبيان الموجب، قال المصنف في أول "البقرة": "إن الكلام المبتدأ عقيب "المتقين" سبيله الاستئناف، وإنه مبنيٌّ على تقدير سؤال، فذلك إدراجٌ له في حكم "المتقين"، وتابعٌ له في المعنى، وإن كان مبتدأ في اللفظ، فهو في الحقيقة كالجاري عليه".
والجواب الصحيح: أن الأنبياء وإن كانوا مستجابي الدعوة لكن ليس كل ما دعوه استجيب لهم؛ لأن قضاء الله لا يُدفع، ألا ترى إلى إبراهيم ﵇ ودعائه في حق أبيه، وإلى دعوة نبينا صلوات الله عليه على ما رويناه عن الترمذي والنسائي، عن الخباب بن الأرت، قال: صلى رسول الله ﷺ صلاة فأطالها، فقالوا: يا رسول الله، صليت صلاة لم تكن تصليها؟ قال: "أجل، إنها صلاة رغبة ورهبة، إني سألتُ الله فيها ثلاثاً، فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة. سألته أن لا يُهلك أمتي بسنةٍ فأعطانيها، وسألته أن لا يُسلط عليهم عدوا من غيرهم فأعطانيها، وسألته أن لا يُذيق بعضهم بأس بعض فمنعنيها". وفي رواية
стр. 4933
الجزم جواب الدعاء، والرفع صفة، ونحوه: (رِدْءاً يُصَدِّقُنِي) [القصص: ٣٤]، وعن ابن عباس والجحدري: (يرثنى وارث آل يعقوب) نصب على الحال. وعن الجحدري: (أو يرث) على تصغير وارث، وقال: غليم صغير. وعن على ﵁ وجماعة: (وارث من آل يعقوب) أي: يرثني به وارث، ويسمى التجريد في علم البيان،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
النسائي: "وسألت ربي أن لا يُلبسنا شيعاً فمنعنيها". وروى ابن ماجه، عن مُعاذ بن جبل نحوه.
وكان من قضاء الله وقدره: أن يوجد يحيى نبياً صالحاً ثم يُقتل ويغلي دمه ليتيح لثأره بُخت نصر، ويسكنه بقتل سبعين ألفاً، فاستجيب دعاء زكريا في أن بُشر بغلام اسمه يحيى، ولم يجعل له من قبل سميا، ونودي: (يَا يَحْيَى خُذْ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً * وَحَنَانَاً مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً)، ومُنع من أن يكون وارثاً لأبيه من بعده. كما كان من قضاء الله وقدره: أن يُقتل عثمانُ ﵁ مظلوماً فيُهدر بسببه دمُ جم غفيرٍ من الصحابة والتابعين يوم صفين والجمل وغيرهما، فاستجيب دعاؤه صلات الله عليه في تينك الخصلتين دون الثالثة ليقضي الله أمراً كان مفعولاً، والله أعلم بحقائق الأمور.
قوله: (يرثني وارث آل يعقوب)، بنصب "وارث"، قيل: هو: حالٌ، أي: يرث علمي ويرث علم آل يعقوب. وقال القاضي: هو نصبٌ على الحال من أحد الضميرين.
قوله: (ويُسمى التجريد في علم البيان)، والتجريد هو: ان ينتزع من متصف بصفة آخر مثله فيها مبالغة لكمالها فيه، نحو: رأيت بفلانٍ أسداً، ولقيني منه أسدٌ. قال ابن جني: وهي قراءة علي وابن عباس وابن يعمر والحسن والجحدري وقتادة وجعفر بن محمد، وهو ضربٌ من العربية غريبٌ معناه التجريد، يريد: (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي) منه أو به وارثٌ من آل يعقوب، وهو الوارث نفسه، فكأنه جرد منه وارثاً، ومثله قوله تعالى: (لَهُمْ
стр. 4934
والمراد بالإرث إرث الشرع والعلم؛ لأنّ الأنبياء لا تورّث المال. وقيل: يرثني الحبورة وكان حبرا، ويرث من آل يعقوب الملك. يقال: ورثته وورثت منه، لغتان.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ) [فصلت: ٢٨]، وهي بنفسها دارُ الخلد، فكأنه جرد من الدار داراً. وقد أفردنا لهذا الضرب باباً من كتاب "الخصائص" فاعرفه، فنه موضعٌ غريب لطيف.
قوله: (والمراد بالإرث: إرثُ الشرع والعلم)، قال الزجاج: قيل: لا يجوز أن يُقال: إن زكريا خاف أن يورث المال؛ لأن الأنبياء والصالحين لا يخافون أن يرثهم أقرباؤهم ما جُعِلَ لهم، وجاء عن النبي ﷺ : "إنا معاشر الأنبياء لا نورث. ما تركناه صدقة".
الراغب: الوراثة: انتقال قُنيةٍ إليك عن غيرك من غير عقدٍ. ولا ما يجري مجرى العقد، وسُمي بذلك المنتقل عن الميت فيقال للقنية الموروثة: ميراثٌ وإرثٌ وتراثٌ، ويقال: ورثت مالاً عن زيد وورثت زيداً. قال تعالى: (وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ) [النمل: ١٦]، وقال: (وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ) [النساء: ١١]، وقال: الوراثة الحقيقية هي: ان يحصل للإنسان شيء لا يكون عليه فيه تبعةٌ ولا عليه محاسبة، وعباد الله الصالحون لا يتناولون من الدنيا إلا بقدر ما يجب، وفي وقت ما يجب، على الوجه الذي يجب، ومن تناول الدنيا على هذا الوجه لا يحاسب عليه ولا يعاقب، بل يكون له عفواً صفواً، كما رُوي: "من حاسب نفسه في الدنيا لم يحاسب في الآخرة".
قوله: (الحُبورة)، قيل: وُجد بخط المصنف: كأنها مصدرُ "حبُرَ" الرجل، كـ"قَضُوَ"؛ إذا تُعجب من قضائه، وإلا الحُبور: هو السرور.
стр. 4935
وقيل «من» للتبعيض لا للتعدية؛ لأنّ آل يعقوب لم يكونوا كلهم أنبياء ولا علماء، وكان زكريا ﵇ من نسل يعقوب بن إسحاق. وقيل: هو يعقوب بن ماتان أخو زكريا. وقيل: يعقوب هذا وعمران أبو مريم أخوان من نسل سليمان بن داود.
[(يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا)].
(سَمِيًّا): لم يسمّ أحد بـ (يحيى) قبله، وهذا شاهد على أنّ الأسامي الشنع جديرة بالأثرة، وإياها كانت العرب تنتحى في التسمية؛ لكونها أنبه وأنوه وأنزه عن النبز، حتى قال القائل في مدح قوم:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
النهاية: الأحبار: العلماء، جمعُ حبرٍ بالفتح والكسر، وكان يقالُ لابن عباس: البحر والحبر، لسعة علمه.
قوله: (وقيل: من: للتبعيض)، عطفٌ على قوله: "قيل: يرثني الحبورة"، على أن "مِن" على الأول: صلةٌ لـ"ورث"، لقوله: "ورثته وورثت منه".
قوله: (على أن الأسامي الشُّنُعَ)، الأساس: شنعتُ عليه هذا الأمر: قبحته عليه، وله اسم شنيعٌ، وقومٌ شنع الأسامي.
قوله: (جديرة بالأثرة)، الجوهري: استأثر فلانٌ بالشيء: إذا استبد به والاسم: الأثر.
قوله: (وأنزه عن النبز)، الجوهري: النبز، بالتحريك: اللقب، وفلانٌ ينبز بالصبيان: يلقبهم. قال المصنف ﵀ في قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً) [الأنعام: ٧٤]: "آزرُ: اسم صنمن يجوز ان يُنبز به للزومه عبادته، كما نُبز ابن قيس بالرقيات اللاتي يُشبب بهنَّ، وانشد بعضهم:
أُدعى بأسماء نبزاً في قبائلها … ان أسماء أضحت بعض أسمائي
стр. 4936
شنع الأسامي مسبلي أزر … حمر تمس الأرض بالهدب
وقال رؤبة للنسابة البكري - وقد سأله عن نسبه: أنا ابن العجاج، فقال: قصرت وعرفت. وقيل: مثلا وشبيها. عن مجاهد، كقوله: (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) (مريم: ٦٥)، وإنما قيل للمثل «سمىّ»؛ لأنّ كل متشاكلين يسمى كل واحد منهما باسم المثل والشبيه، والشكل والنظير، فكل واحد منهما سمىّ لصاحبه، ونحو «يحيى» في أسمائهم: (يعمر)، و (يعيش) إن كانت التسمية عربية؛ وقد سموا بـ (يموت) أيضا؛ وهو يموت ابن المزرع، قالوا: لم يكن له مثل في أنه لم يعص ولم يهم بمعصية قط، وأنه ولد بين شيخ فان وعجوز عاقر، وأنه كان حصورا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وإنما كان أنزه؛ لأن الاسم القبيح لا يرغب فيه أحدٌ فيختص به ويُشتهر، فلم يحتج إلى التعريف والتلقيب به.
و"عن" متعلقٌ بـ"أنزه"، و"مِن": محذوف، أي: التسمية بالسامي الشنُع لينفرد بها ويُشتهر أنزه من غيرها عن التلقيب والشهرة، ولهذا سمى كُليبا وعنترة وتأبط شرا، كأنهم اختاروا الاسم الشنيع لأجل الغرابة لئلا يُشاركهم فيه أحدٌ كـ"يحيى"، لا أن "يحيى" اسمٌ شنيع.
قوله: (مُسبلي أزُر حُمر)، "حُمرٍ": صفة "أزُر"، "مُسبلي": كناية عن الكبر.
قوله: (مثلاً وشبيهاً)، عطفٌ على قوله: "لم يُسم أحدٌ بيحيى قبله".
قوله: (وأنه كان حصوراً)، يريد قوله تعالى فيه: (أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِنْ الصَّالِحِينَ) [آل عمران: ٣٩]. قال: الحصورُ: الذي لا يقرب النساء حصراً لنفسه، أي: منعاً لها من الشهوات. وقيل: هو الذي لا يدخل مع القوم في الميسرن فاستعير لمن لا يدخل في اللعب واللهو.
стр. 4937
[(قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا)].
أي: كانت على صفة العقر حين أنا شاب وكهل، فما رزقت الولد؛ لاختلال أحد السببين، أفحين اختل السببان جميعا أرزقه؟ ! فإن قلت: لم طلب أولا وهو وامرأته على صفة العتىّ والعقر، فلما أسعف بطلبته استبعدوا واستعجب؟ قلت: ليجاب بما أجيب به، فيزداد المؤمنون إيقانا، ويرتدع المبطلون، وإلا فمعتقد زكريا أولا وآخرا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (قلتُ: ليُجاب بما أجيب به)، قال صاحب "الانتصاف": لا يجوز لنبي النطقُ بما لا يسوغُ لطلب مثل ذلك، أي: لتثبيت المؤمن وردِّ المبطل، إذ يمكن حصوله بدونه، فإن زكريا طلب ولداً على الجملة، وليس في الآية ما يدل على أنه لا يوجد وهو هرمٌ، ولا أنه من زوجته وهي عاقرٌ، ولا أنه تعادُ إليهما قوتهما وشبابهما، كما فُعل بغيرهما، أوي كون الولد من غير زوجه العاقر، فاستخبر عن ذلك، فقيل له: (كَذَلِكَ)، أي: يكون الولد وأنتما كذلك.
قلت: وخلاصته أن الاستفهام في الآية ليس للتعجب والاستبعاد، ولهذا قال الإمام: إن المقصود من قوله: (أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ) هو التعجب منأنه تعالى يجعلهما شابين ثم يرزقهما الولد أو يتركهما شيخين ويرزقهما الولد، والدليل عليه قوله: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ) [الأنبياء: ٩٠]، وما هذا الإصلاح إلا أنه أعاد إليها قوة الولادة، أو انه ما ذكر ذلك للشكن لكن لتعيم القدرة، وهذا كالرجل
стр. 4938
كان على منهاج واحد: في أنّ الله غنى عن الأسباب. أي: بلغت عتيا: وهو اليبس والجساوة في المفاصل والعظام كالعود القاحل. يقال: عتا العود وعسا من أجل الكبر والطعن في السن العالية. أو: بلغت من مدارج الكبر ومراتبه ما يسمى عتيا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الذي يرى صاحبه وقد وهب الكثير الخطير فيقول: أنى سمحت نفسك بإخراج مثل هذا؟ تعظيماً للموهوب، أو أن من شأن من فوجئ ببشارة ما يتمناه فرط السرور وفقد الاستثبات والذهول عن مقتضيات الفكر، كما قالت: (أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ) [هود: ٧٢]، حتى قيل لها: (أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) [هود: ٧٣].
قوله: (كالعود القاحل)، الجوهري: قحل الشيء يقحل قحولاً: يبس فهو قاحلٌ.
قوله: (والطعن في السن العالية)، الأساس: ومن المجاز: خرج يطعن الليل: يسري فيه، وطعن في السن العالية.
قوله: (ما يسمى عتيا)، قيل: "مِن" هنا للتبعيض، حالٌ من "عتيا"، أي: بلغتُ عتياً حال كونه بعض مراتب الكبر، وعلى الأول: ابتدائية، أي: بلغت سناً عالية ابتداؤها جهة الكبر، وقوله: "من أجل الكبر" يشير به إلى أن "مِنْ" مثلها في قولك: جئتك من أجل إكرامك، أي: لأجل إكرامك، وتحقيقه أن "مِن": ابتدائية، و (مِنْ الْكِبَرِ): مفعولٌ له.
وقلتُ: ويمكن أن يكون "مِن" على الوجه الأخير: بيانية، هي مع المجرور: حالٌ من (عِتِيّاً) قُدمت لأن صاحبها نكرة. ولما كانت "مِنَ" البيانيةُ تجريدية قال: "ما يُسمى عتيا"، أي: انتزع من مدارج الكبر ومراتبه مرتبة تسمى عتيا، كقولك: لقيت منه أٍداً، يدل عليه قوله - في تفسير قوله: (هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ) [الفرقان ٧٤]: " (مِن) يحتملُ أن تكون بيانية، كانه قيل هب لنا قُرة أعين، ثم بينت القرة بقوله: (مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا) [الفرقان: ٧٤]، وهو من قولهم: رأيت منك أسداً، وعلى الوجه الآخر: ابتدائية"، ولما كان معنى الابتداء الإنشاء قال: "من أجل الكبر"، يدُل عليه قوله-
стр. 4939
وقرأ ابن وثاب وحمزة والكسائي بكسر العين، وكذلك (صليا) [مريم: ٧٠]، وابن مسعود بفتحهما فيهما. وقرأ أبىّ ومجاهد: (عسيا).
[(قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً)].
(كَذلِكَ) الكاف رفع، أي: الأمر كذلك تصديق له، ثم ابتدأ: (قالَ رَبُّكَ) أو نصب بـ (قال)،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في تفسير قوله: (أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ) [المائدة: ٨٣]-: " (من" ابتدائية، على أن فيض الدمع ابتدأ ونشأ من معرفة الحق، وكان من أجله وسببه".
قوله: (وقرأ ابن وثاب وحمزة والكسائي وحفص)، (عِتِيّاً) و (صِلِيّاً) و (جِثِيّاً) وجميع ما في هذه السورة بكسر أوله، والباقون: بضم أول ذلك.
قوله: (بفتحهما فيهما)، أي: في (عِتِيّاً) و (صِلِيّاً). وروى ابن جني عن ابن مجاهد أنه قال: لا أعرف لهما في العربية أصلاً، ويُقرأ مع ذلك بضم الباء في "بُكياً"، وأقولُ: له في العربية أصلٌ وهو ما جاء من المصادر على فعيل، نحو: الحويل والزويل والنخير، وأما البُكيُّ فجماعةٌ، وهي فعولٌ، كالحُي والدلي والحلي.
قوله: (أو نصبٌ بـ (قَالَ))، أي: "قال" الثانية، وكذا عن القاضي قال: الكافُ منصوبٌ بـ (قَالَ) في (قَالَ رَبُّكَ).
وقلت: إنما أعمل الثاني دون الأول، لأنه لا يكاد يوجد في الكلام الفصيح، لا سيما في التنزيل "كذلك" وهو منصوب، وعامله مقدمٌ عليه، بل يكون موجزاً، نحو: (وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ)، (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً) إلى غير ذلك، وذلك لأنه واسطه يلحق ما بعده
стр. 4940
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ …
على ما قبله على سبيل التشبيه، بخلاف ما إذا كان مرفوعاً، فإن الجملة حينئذ للتقرير، وعليه كلامُ صاحب "التقريب": الكافُ إما رفعٌ، وذلك إشارةٌ إلى قول زكريا أي: الأمر كذلك تصديقاً له. ثم ابتدأ (قَالَ رَبُّكَ) فينتصب (هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ)، و"كذا" وهو على قراءة "الواو" بـ (قَالَ)؛ أي: قال: وهو على ذلك يهون علي، وإما نصب بـ (قَالَ) وذلك مبهمٌ تفسيره (هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ)، فعلى قراءة الواو لا يكون تفسيراً لوجود العاطف، فالوجه أن يُشار بذلك إلى ما تقدم من وعد الله حتى لا يحتاج إلى تفسير، أي: قال قولاً مثل ذلك الوعد، فحينئذ يبقى (عَلَيَّ هَيِّنٌ) بالواو وبدونها غير منصوب بـ (قالَ) المُظهر، لاشتغاله بما قبله، فيُضمر "قال" على كلتا القراءتين لينصبه، أو لا يضمر؛ لأن الله هو المخاطب.
وقلت: تمام تقريره أن المشار إليه بقوله: (ذَلِكَ) إما الكلام السابق وهو قول زكريا: (رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ … ) إلى آخره، أو اللاحق، وهو قول: (عَلَيَّ هَيِّنٌ)، فعلى الأول، (كَذَلِكِ): خبر مبتدأٍ محذوف، إذ التقدير: الأمرُ كما قلت، فتكون الجملة الثانية على تقدير جواب عن سؤال سائل: فماذا قال الله تعالى بعد تصديقه إياه؟ فأجيب: قال ربك- يا محمد-: (هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً). وعلى الثاني: المشار إليه ما في الذهن، والدال عليه قوله: (هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ).
وهذا إنما يصح على القراءة الأولى لا على إثبات الواو، لوجود العاطف، فحينئذ الواجب أن يستنبط وجه يشملهما، وهو أن يقال على تقدير النصب: إن المشار إليه ما تقدم من وعد الله، فلا يكون المقول مبهماً لما عُلم أنه قولٌ مثل ذلك الوعد في الغرابة، وهو المراد من قوله: "لاشتغاله بما قبله"، فكأنه قيل: قال الله قولاً مثل ذلك لقول العجيب الشأن، وهو: (يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ … ) إلى آخره، فاتجه لسائل ان يقول: ما ذلك القول
следующие страницы →