← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 4936–4975 · переход к 4941.

стр. 4936

شنع الأسامي مسبلي أزر … حمر تمس الأرض بالهدب وقال رؤبة للنسابة البكري - وقد سأله عن نسبه: أنا ابن العجاج، فقال: قصرت وعرفت. وقيل: مثلا وشبيها. عن مجاهد، كقوله: (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) (مريم: ٦٥)، وإنما قيل للمثل «سمىّ»؛ لأنّ كل متشاكلين يسمى كل واحد منهما باسم المثل والشبيه، والشكل والنظير، فكل واحد منهما سمىّ لصاحبه، ونحو «يحيى» في أسمائهم: (يعمر)، و (يعيش) إن كانت التسمية عربية؛ وقد سموا بـ (يموت) أيضا؛ وهو يموت ابن المزرع، قالوا: لم يكن له مثل في أنه لم يعص ولم يهم بمعصية قط، وأنه ولد بين شيخ فان وعجوز عاقر، وأنه كان حصورا. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وإنما كان أنزه؛ لأن الاسم القبيح لا يرغب فيه أحدٌ فيختص به ويُشتهر، فلم يحتج إلى التعريف والتلقيب به. و"عن" متعلقٌ بـ"أنزه"، و"مِن": محذوف، أي: التسمية بالسامي الشنُع لينفرد بها ويُشتهر أنزه من غيرها عن التلقيب والشهرة، ولهذا سمى كُليبا وعنترة وتأبط شرا، كأنهم اختاروا الاسم الشنيع لأجل الغرابة لئلا يُشاركهم فيه أحدٌ كـ"يحيى"، لا أن "يحيى" اسمٌ شنيع. قوله: (مُسبلي أزُر حُمر)، "حُمرٍ": صفة "أزُر"، "مُسبلي": كناية عن الكبر. قوله: (مثلاً وشبيهاً)، عطفٌ على قوله: "لم يُسم أحدٌ بيحيى قبله". قوله: (وأنه كان حصوراً)، يريد قوله تعالى فيه: (أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِنْ الصَّالِحِينَ) [آل عمران: ٣٩]. قال: الحصورُ: الذي لا يقرب النساء حصراً لنفسه، أي: منعاً لها من الشهوات. وقيل: هو الذي لا يدخل مع القوم في الميسرن فاستعير لمن لا يدخل في اللعب واللهو.

стр. 4937

[(قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا)]. أي: كانت على صفة العقر حين أنا شاب وكهل، فما رزقت الولد؛ لاختلال أحد السببين، أفحين اختل السببان جميعا أرزقه؟ ! فإن قلت: لم طلب أولا وهو وامرأته على صفة العتىّ والعقر، فلما أسعف بطلبته استبعدوا واستعجب؟ قلت: ليجاب بما أجيب به، فيزداد المؤمنون إيقانا، ويرتدع المبطلون، وإلا فمعتقد زكريا أولا وآخرا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (قلتُ: ليُجاب بما أجيب به)، قال صاحب "الانتصاف": لا يجوز لنبي النطقُ بما لا يسوغُ لطلب مثل ذلك، أي: لتثبيت المؤمن وردِّ المبطل، إذ يمكن حصوله بدونه، فإن زكريا طلب ولداً على الجملة، وليس في الآية ما يدل على أنه لا يوجد وهو هرمٌ، ولا أنه من زوجته وهي عاقرٌ، ولا أنه تعادُ إليهما قوتهما وشبابهما، كما فُعل بغيرهما، أوي كون الولد من غير زوجه العاقر، فاستخبر عن ذلك، فقيل له: (كَذَلِكَ)، أي: يكون الولد وأنتما كذلك. قلت: وخلاصته أن الاستفهام في الآية ليس للتعجب والاستبعاد، ولهذا قال الإمام: إن المقصود من قوله: (أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ) هو التعجب منأنه تعالى يجعلهما شابين ثم يرزقهما الولد أو يتركهما شيخين ويرزقهما الولد، والدليل عليه قوله: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ) [الأنبياء: ٩٠]، وما هذا الإصلاح إلا أنه أعاد إليها قوة الولادة، أو انه ما ذكر ذلك للشكن لكن لتعيم القدرة، وهذا كالرجل

стр. 4938

كان على منهاج واحد: في أنّ الله غنى عن الأسباب. أي: بلغت عتيا: وهو اليبس والجساوة في المفاصل والعظام كالعود القاحل. يقال: عتا العود وعسا من أجل الكبر والطعن في السن العالية. أو: بلغت من مدارج الكبر ومراتبه ما يسمى عتيا. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الذي يرى صاحبه وقد وهب الكثير الخطير فيقول: أنى سمحت نفسك بإخراج مثل هذا؟ تعظيماً للموهوب، أو أن من شأن من فوجئ ببشارة ما يتمناه فرط السرور وفقد الاستثبات والذهول عن مقتضيات الفكر، كما قالت: (أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ) [هود: ٧٢]، حتى قيل لها: (أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) [هود: ٧٣]. قوله: (كالعود القاحل)، الجوهري: قحل الشيء يقحل قحولاً: يبس فهو قاحلٌ. قوله: (والطعن في السن العالية)، الأساس: ومن المجاز: خرج يطعن الليل: يسري فيه، وطعن في السن العالية. قوله: (ما يسمى عتيا)، قيل: "مِن" هنا للتبعيض، حالٌ من "عتيا"، أي: بلغتُ عتياً حال كونه بعض مراتب الكبر، وعلى الأول: ابتدائية، أي: بلغت سناً عالية ابتداؤها جهة الكبر، وقوله: "من أجل الكبر" يشير به إلى أن "مِنْ" مثلها في قولك: جئتك من أجل إكرامك، أي: لأجل إكرامك، وتحقيقه أن "مِن": ابتدائية، و (مِنْ الْكِبَرِ): مفعولٌ له. وقلتُ: ويمكن أن يكون "مِن" على الوجه الأخير: بيانية، هي مع المجرور: حالٌ من (عِتِيّاً) قُدمت لأن صاحبها نكرة. ولما كانت "مِنَ" البيانيةُ تجريدية قال: "ما يُسمى عتيا"، أي: انتزع من مدارج الكبر ومراتبه مرتبة تسمى عتيا، كقولك: لقيت منه أٍداً، يدل عليه قوله - في تفسير قوله: (هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ) [الفرقان ٧٤]: " (مِن) يحتملُ أن تكون بيانية، كانه قيل هب لنا قُرة أعين، ثم بينت القرة بقوله: (مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا) [الفرقان: ٧٤]، وهو من قولهم: رأيت منك أسداً، وعلى الوجه الآخر: ابتدائية"، ولما كان معنى الابتداء الإنشاء قال: "من أجل الكبر"، يدُل عليه قوله-

стр. 4939

وقرأ ابن وثاب وحمزة والكسائي بكسر العين، وكذلك (صليا) [مريم: ٧٠]، وابن مسعود بفتحهما فيهما. وقرأ أبىّ ومجاهد: (عسيا). [(قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً)]. (كَذلِكَ) الكاف رفع، أي: الأمر كذلك تصديق له، ثم ابتدأ: (قالَ رَبُّكَ) أو نصب بـ (قال)، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ في تفسير قوله: (أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ) [المائدة: ٨٣]-: " (من" ابتدائية، على أن فيض الدمع ابتدأ ونشأ من معرفة الحق، وكان من أجله وسببه". قوله: (وقرأ ابن وثاب وحمزة والكسائي وحفص)، (عِتِيّاً) و (صِلِيّاً) و (جِثِيّاً) وجميع ما في هذه السورة بكسر أوله، والباقون: بضم أول ذلك. قوله: (بفتحهما فيهما)، أي: في (عِتِيّاً) و (صِلِيّاً). وروى ابن جني عن ابن مجاهد أنه قال: لا أعرف لهما في العربية أصلاً، ويُقرأ مع ذلك بضم الباء في "بُكياً"، وأقولُ: له في العربية أصلٌ وهو ما جاء من المصادر على فعيل، نحو: الحويل والزويل والنخير، وأما البُكيُّ فجماعةٌ، وهي فعولٌ، كالحُي والدلي والحلي. قوله: (أو نصبٌ بـ (قَالَ))، أي: "قال" الثانية، وكذا عن القاضي قال: الكافُ منصوبٌ بـ (قَالَ) في (قَالَ رَبُّكَ). وقلت: إنما أعمل الثاني دون الأول، لأنه لا يكاد يوجد في الكلام الفصيح، لا سيما في التنزيل "كذلك" وهو منصوب، وعامله مقدمٌ عليه، بل يكون موجزاً، نحو: (وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ)، (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً) إلى غير ذلك، وذلك لأنه واسطه يلحق ما بعده

стр. 4940

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ … على ما قبله على سبيل التشبيه، بخلاف ما إذا كان مرفوعاً، فإن الجملة حينئذ للتقرير، وعليه كلامُ صاحب "التقريب": الكافُ إما رفعٌ، وذلك إشارةٌ إلى قول زكريا أي: الأمر كذلك تصديقاً له. ثم ابتدأ (قَالَ رَبُّكَ) فينتصب (هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ)، و"كذا" وهو على قراءة "الواو" بـ (قَالَ)؛ أي: قال: وهو على ذلك يهون علي، وإما نصب بـ (قَالَ) وذلك مبهمٌ تفسيره (هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ)، فعلى قراءة الواو لا يكون تفسيراً لوجود العاطف، فالوجه أن يُشار بذلك إلى ما تقدم من وعد الله حتى لا يحتاج إلى تفسير، أي: قال قولاً مثل ذلك الوعد، فحينئذ يبقى (عَلَيَّ هَيِّنٌ) بالواو وبدونها غير منصوب بـ (قالَ) المُظهر، لاشتغاله بما قبله، فيُضمر "قال" على كلتا القراءتين لينصبه، أو لا يضمر؛ لأن الله هو المخاطب. وقلت: تمام تقريره أن المشار إليه بقوله: (ذَلِكَ) إما الكلام السابق وهو قول زكريا: (رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ … ) إلى آخره، أو اللاحق، وهو قول: (عَلَيَّ هَيِّنٌ)، فعلى الأول، (كَذَلِكِ): خبر مبتدأٍ محذوف، إذ التقدير: الأمرُ كما قلت، فتكون الجملة الثانية على تقدير جواب عن سؤال سائل: فماذا قال الله تعالى بعد تصديقه إياه؟ فأجيب: قال ربك- يا محمد-: (هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً). وعلى الثاني: المشار إليه ما في الذهن، والدال عليه قوله: (هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ). وهذا إنما يصح على القراءة الأولى لا على إثبات الواو، لوجود العاطف، فحينئذ الواجب أن يستنبط وجه يشملهما، وهو أن يقال على تقدير النصب: إن المشار إليه ما تقدم من وعد الله، فلا يكون المقول مبهماً لما عُلم أنه قولٌ مثل ذلك الوعد في الغرابة، وهو المراد من قوله: "لاشتغاله بما قبله"، فكأنه قيل: قال الله قولاً مثل ذلك لقول العجيب الشأن، وهو: (يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ … ) إلى آخره، فاتجه لسائل ان يقول: ما ذلك القول

стр. 4941

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ … المُشبه بعينه؟ فقيل: قال: (هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ) أو قال: أفعل ذلك، و (هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ)، وهو المعنى بقوله: "أي: قال: (هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ) ". ويجوز أن لا يُقدرَ "قال"، إذ لا ارتياب أن المتكلم هو الله تعالى في الحقيقة، فإذا اعتبر معنى التجريد في "قال" الثاني يقدر ثالث يحكي قول الله تعالى، فتقول: قال الله تعالى- يا محمدُ - لزكريا قولاً مثل ذلك القول، فيتجه له أن يقول: ما ذلك القول الذي قال ربي؟ فيجيبه: قال: (هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ)، وإذا لم يعتبر معنى التجريد، يُقدرُ: قال الله تعالى لمحمدٍ قلت لزكريا قولاً مثل ذلك القول: (هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ)، فلا يقدر سؤال ولا "قال" ثالثاً. و"قوله الحق" تذييل، كقولهم: فلانٌ ينطق بالحق والحق أبلج، وحاصله: أن المشار إليه بـ "ذلك" إما قول زكريا أو ما في الذهن أو وعد الله تعالى، فعلى الأول: والكاف مرفوع خبر مبتدأ محذوف، والجملة مقول القول، و"قال" الثاني استئناف، فتكون الجملة الثانية على هذا التقرير جواباً عن سؤال مقدر، وهو: فماذا قال الله تعالى بعد تصديقه إياه؟ فأجيب: قال ربك: هو علي هين، أو: قال: أفعل ذلك وهو علي هين، وعلى الوجهين الأخيرين: الكاف صفة مصدر محذوف، والعامل "قال" الثاني: وهو مع ما في حيزه مقول لـ"قال" الأول، فعلى أن يكون المشار إليه ما في الذهن قوله: (هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ) تفسير للمشار المبهم في الذهن، فلا يجوز إثبات الواو بين المفسر والمفسر، وعلى أن يكون المشار إليه الوعد يجوز أن يُقدر "قال" بعد "قال" الثانية، ليكون قوله: (هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ) قولاً له بإثبات الواو وإسقاطه، فالتقدير أنه تعالى لما قال قولاً قبل ذلك القول المبشر به اتجه لسائل أن يقول: ما مثل ذلك المبشر به؟ فأجيب: مثله: قال هو علي هين، أو أفعل ذلك وهو علي هين، ويجوز أن لا يقدر "قال" لأن المتكلم لما كان هو الله تعالى جاز أن لا يقدر، لما سبق أن "قال" الثانية مع قولها مقول القول الأول، فالمعنى قال الله تعالى لمحمد ﷺ : قلت لزكريا قولاً مثل ذلك القول هو علي هين، أو هو علي هين، فوضع "ربك" موضع ضمير المتكلم إشعاراً بالعلية، وأن كل ما يقوله الرب يكون حقاً ووعده صدقاً.

стр. 4942

وذلك إشارة إلى مبهم يفسره: (هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ)، ونحوه: (وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ) [الحجر: ٦٦]، وقرأ الحسن: (وهو على هين)، ولا يخرج هذا إلا على الوجه الأول، أي: الأمر كما قلت، وهو على ذلك يهون على. ووجه آخر: وهو أن يشار بذلك إلى ما تقدم من وعد الله، لا إلى قول زكريا. و «قال» محذوف في كلتا القراءتين؛ أي: قال هو علىّ هين، قال وهو علىّ هين، وإن شئت لم تنوه؛ لأن الله هو المخاطب، والمعنى: أنه قال ذلك ووعده وقوله الحق. (شَيْئاً) لأن المعدوم ليس بشيء. أو شيئا يعتدّ به، كقولهم: عجبت من لا شيء، وقوله: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فإن قلت: كيف موقع "قال" الأولى إذا كان المشار إليه وعد الله؟ قلت: استئناف أيضاً، وذلك أنه تعالى لما أخبر النبي ﷺ أنه بشر زكريا بالولد، ثم أخبر عن تعجيب زكريا من ذلك، سأل سائل: بماذا أخبر الله تعالى نبيه؟ أجاب: قال: قال ربك إلخ، إذ لا يحسنُ أن يُقال: قلتُ: قال: (هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ)، فوضع موضع المضمر المظهر، وهو (رَبُّكِ) للإشعار بأن قول ربك حق ووعده صدق، وهو المراد من قوله: "والمعنى: انه قال ذلك ووعده وقوله الحق"، و"قوله الحق" تذييلٌ، كقولهم: فلانٌ ينطق بالحق والحق أبلج. قوله: (عجبت من لا شيء) يجوز فيه الفتح، وهو ظاهرٌ، والجر وفيه وجهان، أحدهما: أن تكون "لا" زائدة لفظاً لا معنى، أي: لا تكون عاملة في اللفظ، ويكون مراده من حيث المعنى، فتكون صورتها صورة الزيادة، ومعنى النفي فيه: كقول النابغة: أمسى ببلدة لا عم ولا خال وقول الشماخ:

стр. 4943

إذا رأى غير شيء ظنّه رجلا وقرأ الأعمش والكسائي وابن وثاب: (خلقناك). [(قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا)]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إذا ما أدلجت وصفت يداها … لها إدلاج ليلة لا هجوع "لا هُجوعِ": صفةُ "ليلة"، أي: ليلةً النومُ فيها مفقودٌ؛ لأن الهجوع: النومُ. وثانيهما: أن يكون (لا) غير زائدة، لا لفظاً ولا معنى، كقولهم: غضبتُ من لا شيء، وجئتُ بلا مال. قال أبوعلي فـ"لا" مع الاسم المنكور: في موضع جر، بمنزلة خمسة عشر وقد بُني الاسمُ بـ"لا". قوله: (إذا رأى غير شيء ظنه رجلاً)، أوله للمتنبي: وضاقت الأرض حتى كان هاربهم هو مأخوذ من قوله تعالى: (يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمْ الْعَدُوُّ) [المنافقون: ٤]. قال صاحب "الانتصاف": قوله: "المعدوم ليس بشيء" هوا لحق، خلافاً للمعتزلة الذين يقولون: إن المعدوم الممكن شيءٌ، فلهذا مال إلى التأويل الثاني، فنفي كونه شيئاً معتداً به مع بقاء كونه شيئاً، وبقاء الآية على ظاهرها أولى. وقال القاضي: في الآية دليل على أن المعدوم ليس بشيء. قوله: (وقرأ الأعمش والكسائي)، قال صاحب "التيسير": وحمزة أيضاً.

стр. 4944

أي: اجعل لي علامة أعلم بها وقوع ما بشرت به. قال: علامتك أن تمنع الكلام فلا تطيقه، وأنت سليم الجوارح سوىّ الخلق، ما بك خرس ولا بكم. دل ذكر الليالي هنا، والأيام في آل عمران، على أن المنع من الكلام استمر به ثلاثة أيام ولياليهن. [(فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا)]. أوحى: أشار. عن مجاهد، ويشهد له (إِلَّا رَمْزاً) [آل عمران: ٤]. وعن ابن عباس: كتب لهم على الأرض (سَبِّحُوا): صلوا، أو على الظاهر، و (أن): هي المفسرة. [(يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا)]. أي: خذ التوراة بحد واستظهار بالتوفيق والتأييد. (الْحُكْمَ) الحكمة. ومنه: واحكم كحكم فتاة الحي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أوحى: أشار)، الراغب: الوحيُ: الإشارة السريعة، ولتضمن السرعة قيل: أمرٌ وحي، وذلك يكونُ بالكلام على سبيل الرمز والتعريض، وقد يكون بصوت مجرد، إشارة ببعض الجوارح وبالكتابة، وقد حُمل على ذلك قوله تعالى: (فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيّاً) فقد قيل: رمز، وقيل: أشار، وقيل: كتب. وعلى الوجوه المذكورة في قوله: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً) [الأنعام: ١١٢]. قوله: (واحكم كحكم فتاة الحي) تمامه: واحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت … إلى حمام شراع وارد الثمد قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا … إلى حمامتنا أو نصفه فقد

стр. 4945

يقال: حكم حكما كحلم؛ وهو الفهم للتوراة والفقه في الدين. عن ابن عباس. وقيل: دعاه الصبيان إلى اللعب وهو صبى فقال: ما للعب خلقنا. عن الضحاك. وعن معمر: العقل. وقيل: النبوّة؛ لأنّ الله أحكم عقله في صباه وأوحى إليه. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ "الثمد": الماء القليل الذي لا مادة له. "إلى حمامتنا" أي: مع حمامتنا. و"قد" بمعنى: حسب. الجوهري: قولهم: قدك أي: حسبك، فهو اسم، تقول قدي وقدني، وبالنون شاذ. قال الميداني: قال النابغة في زرقاء اليمامة، يخاطب النعمان: واحكم كحكم فتاة الحي، وكانت نظرت إلى سرب حمام طائر فيه ست وستون حمامة، وعندها حمامة واحدة، فقالت: ليت الحمام ليه … إلى حمامتيه ونصفه قديه … تم الحمام ميه وقال بعض أصحاب المعاني: إن النابغة لما أراد مدح هذه الحكيمة الحاسبة بسُرعة إصابتها، شدد الأمر وضيقه ليكون أحسن له إذا أصابت، فجعلها حزرة للطير، إذ كان الطيرُ أخف ما يتحرك، ثم جعله حماماً، إذ كان الحمام أسرع الطير، ثم كثر العدد، إذ كانت المسابقة مقرونة بها؛ لأن الحمام يشتد طيرانها عند المسابقة، ثم ذكر أنها طارت بين نيقين؛ لأن الحمام إذا كان في مضيق من الهواء كان أسرع طيراناً منه إذا اتسع عليه الفضاء، ثم جعله وارداً لما أعانه الحرص على الماء على سرعة الطيران. قوله: (وقيل: النبوة)، قال الإمام: الأقرب هذا؛ لأنه تعالى ذكر هاهنا مناقب شريفة ليحيى على سبيل المدح، ولا ارتياب أن أشرفها النبوة، فوجب حمله عليها. وروى الواحدي عن ابن عباس، أن الحكم: النبوة، وقال أيضاً: المعنى: فوهبنا له وقلنا: (يَا يَحْيَى خُذْ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً)، والكتابُ: التوراةُ.

стр. 4946

[(وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا* وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا)]. (حَناناً): رحمة لأبويه وغيرهما، وتعطفا وشفقة. أنشد سيبويه: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال الإمام: ويحتملُ كتاباً خُص به، كما خص الله تعالى الكثير من الأنبياء بذلك، والأول أوجه؛ لأن حمل التعريف على المعهود السابق أولى، ولا معهود سوى التوراة. وقلتُ: يحمل على العهد الذهني لقرائن الأحوال، كقول عيسى: (إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِي الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً) والكتاب هو الإنجيل. قوله: ("حناناً" رحمةً لأبويه)، وهو مصدرٌ بمعنى الاسم، أي: التحنن، بدليل قوله: "وتعطفاً". قال الراغب: الحنين: النزاعُ المتضمن للإشفاق، يقال: حنت المرأة والناقة لولدها، وقد يكون مع ذلك صوت، ولذلك يُعبرُ بالحنين عن الصوت الدال على النزاع والشفقة، أو متصور بصورتهن على ذلك حنين الجذع، ولما كان الحنين متضمناً للإشفاق، والإشفاق لا ينفك عن الرحمة، عبر عن الرحمة به في نحو قوله تعالى: (وَحَنَانَاً مِنْ لَدُنَّا)، ومنه قيل: الحنان المنان، وحنانيك: إشفاقُ بعد إشفاق. وقال أبو البقاء: (وَحَنَانَاً): معطوفٌ على الحكم، أي: وهبنا له تحنناً. وقيل: هو مصدرٌ، وقوله: (وَبَرّاً)، أي: وجعلناه براً، وقيل: براً: معطوفٌ على خبر "كان". وقلت: وسلامٌ: معطوفٌ من حيث المعنى على (وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ)، كأنه قيل وآتيناه الحكم صبياً وجعلناه براً لوالديه وسلمناه في تلك المواطن المُوحشة، فعدل إلى

стр. 4947

وقالت: حنان ما أتى بك هاهنا … أذو نسب أم أنت بالحي عارف وقيل: حنانا من الله عليه. وحنّ: في معنى ارتاح واشتاق، ثم استعمل في العطف والرأفة، وقيل لله: «حنان» كما قيل: «رحيم» على سبيل الاستعارة. والزكاة: الطهارة، وقيل الصدقة، أي: يتعطف على الناس ويتصدّق عليهم. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الجملة الاسمية لإرادة الثبات والدوام، هي كالخاتمة للكلام السابق. ومن ثم شرع في قصة أخرى. وفي قوله: (وَيَوْمَ يَمُوتُ) إشارة إلى أن القتل أيضاً موتٌ مقدرٌ بأجل، خلافاً للمعتزلة. قوله: (وقال: حنانٌ: ما أتى بك) البيت، رُوي عن المصنف أنه قال: "ما" في البيت: إبهامية، كما تقول: أمرٌ ما جءا بك هاهنا، رأى رجلاً غريباً أنكر مجيئه إلى الحي فقال: قل لي رحمةً منك: ما جاء بك هاهنا أقريبٌ ذو نسب أتى بك أم أنت عارفٌ بالحي وجئت لمعرفتك بهم؟ أوله: وأحدث عهداً من أميمةَ نظرةٌ … على جانب العلياء إذ أنا واقفُ تقول حنانٌ … البيت. قوله: (وحنَّ: في معنى ارتاح واشتاق، ثم استعمل في العطف والرأفة)، فيكون مجازاً؛ لأن العطف والرأفة سببا الاشتياق والارتياح. وفي "الأساس" بخلافه؛ لأنه ذكر في قسم الحقيقة: حن إلى وطنه، وحن عليه حناناً: ترحم عليه، وكيف ما كان استعماله في حق الله تعالى استعارةٌ تبعيةٌ لمعنى إنعامه على عباده ولُطفه بهم؛ لأن الوالد إذا عطف على ولده وأهر الشفقة فيحقه لطف به وأنعم عليه.

стр. 4948

[(وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا)]. سلم الله عليه في هذه الأحوال، قال ابن عيينة: إنها أوحش المواطن. [(وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا * فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا)]. (إِذِ) بدل من (مَرْيَمَ) بدل الاشتمال؛ لأنّ الأحيان مشتملة على ما فيها. وفيه أنّ المقصود بذكر مريم ذكر وقتها هذا؛ لوقوع هذه القصة العجيبة فيه. والانتباذ: الاعتزال والانفراد، تخلت للعبادة في مكان مما يلي شرقي بيت المقدس، أو من دارها معتزلة عن الناس. وقيل: قعدت في مشرفة للاغتسال من الحيض محتجبة بحائط ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وفيه أن المقصود بذكر مريم ذكرُ وقتها)، أي: في الإبدال إشارةٌ إلى أن المقصود الأولى في هذا المقام استحضارُ ذلك الوقت الذي حدثت تلك الحادثة الغريبة فيه في ذهن السامع ومشاهدته ليتعجب منه، وكذلك فعل في قصة زكريا ﵇ في قوله: (إِذْ نَادَى رَبَّهُ). قوله: (والانتباذُ: الاعتزالُ والانفراد)، الراغب: انتبذ فلانٌ: اعتزل اعتزال من تقلُّ مبالاته بنفسه فيما بين الناس، والنبذ: إلقاء الشيء وطرحه لقلة الاعتداد به، ولذلك يُقال: نبذته نبذ النعل الخلق، قال تعالى: (كَلاَّ لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ) [الهمزة: ٤]، (فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ) [آل عمران: ١٨٧] لقلة اعتدادهم به، وصبيٌّ منبوذٌ ونبيذٌ، كقولك: لقيطٌ وملقوط، لكن يُقال: منبوذٌ باعتبار من طرحه، وملقوطٌ باعتبار من تناوله. قوله: (أو من دارها)، عطفٌ على "مما يلي" بأن يُقدر: مما يلي شرقي دارها، أي: مكاناً من الذي يقربُ شرقي بيت المقدس أو بقرب شرقي دارها. قوله: (في مشرقةٍ)، أي: موضع القعود لإشراق الشمس. الأساس: قعدوا في المشرقة وتشرقوا.

стр. 4949

أو شيء يسترها، وكان موضعها المسجد، فإذا حاضت تحوّلت إلى بيت خالتها، فإذا طهرت عادت إلى المسجد، فبينما هي في مغتسلها أتاها الملك في صورة آدمى شاب أمرد وضيء الوجه جعد الشعر (سويا) سوىّ الخلق، لم ينتقص من الصورة الآدمية شيئا. أو: حسن الصورة مستوى الخلق، وإنما مثل لها في صورة الإنسان لتستأنس؛ بكلامه ولا تنفر عنه، ولو بدا لها في الصورة الملكية لنفرت ولم تقدر على استماع كلامه. ودلّ على عفافها وورعها أنها تعوّذت بالله من تلك الصورة الجميلة الفائقة الحسن، وكان تمثيله على تلك الصفة ابتلاء لها وسبرا لعفتها. وقيل: كانت في منزل زوج أختها زكريا ولها محراب على حدة تسكنه، وكان زكريا إذا خرج أغلق عليها الباب، فتمنت أن تجد خلوة في الجبل لتفلي رأسها، فانفجر السقف لها، فخرجت فجلست في المشرفة وراء الجبل، فأتاها الملك. وقيل: قام بين يديها في صورة ترب لها، اسمه يوسف من خدم بيت المقدس. وقيل: إنّ النصارى اتخذت المشرق قبلة؛ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((سَوِيّاً) سوى الخلق)، الراغب: السوي يقالُ: فيما يُصان عن الإفراط والتفريط من حيث القدرُ الكيفية، قال تعالى: (مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ) [طه: ١٣٥]، ورجلٌ سويٌّ: استوت أخلاقه وخلقته عن الإفراط والتفريط. قوله: (وسبراً لعفتها)، المُغرب: سبر الجرح بالمسبار: قدر غوره بحديدة أو غيرها. قوله: (زوج أختها) قيل: الصواب: خالتها، وقد سبق في آل عمران تحقيقه. قوله: (لتفلي رأسها). الأساس: فليت رأسي واستفليته واستفليت رأسي: طلبتُ أن يُفلي. ومن المجاز: فليتُ الشعر: تدبرته عن معاينة. الجوهري: فليت رأسه من القمل. قله: (في صورة تربٍ لها)، الجوهري: قولهم: هذه تربُ هذه، أي: لدتها، وهُنَّ أترابٌ.

стр. 4950

لانتباذ مريم مكانا شرقيا. الروح: جبريل، لأنّ الدين يحيا به وبوحيه. أو سماه الله روحه على المجاز؛ محبة له وتقريباً، كما تقول لحبيبك: أنت روحي. وقرأ أبو حيوة: (روحنا) بالفتح؛ لأنه سبب لما فيه روح العباد، وإصابة الرّوح عند الله الذي هو عدّة المقرّبين في قوله (فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ* فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ) [الواقعة: ٨٨ - ٨٩]، أو لأنه من المقرّبين، وهم الموعودون بالروح، أي: مقرّبنا وذا روحنا. [(قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا)]. أرادت إن كان يرجى منك أن تتقى الله وتخشاه وتحفل بالاستعاذة به، فإني عائذة به منك، ......... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أو سماه الله روحه على المجاز)، هذا يوهم أن الوجه الأول لا مجاز فيه، لكن هذا المجاز في الإضافة للتشريف على نحو: بيت الله وناقة الله، الأول من إطلاق المُسبب على السبب، لقوله: "لأن الدين يحيا به"، وإحياؤه الدين أيضاً مجازٌ عن إظهاره وتنويهه. قله: (وإصابة الروح)، بالرفع، عطفٌ على "روح العباد" على أن يُراد بالروح: القرآن، فيكون من باب عطف الخاص على العام اهتماماً؛ لأن قوله: (فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ) [الواقعة: ٨٨ - ٨٩] بعضٌ منه. ويؤيده رواية الجر عطفاً على "ما" في "لِما". ويجوزُ أن يكونا لرفعُ عطفاً على سبيل البيان، كما أن قوله: "ونُوحيه" عطفٌ على الهاء في "به" كذلك، أي: أنه سبٌ لما فيه إصابة الروح عند الله؛ لأنه ﵇ نزل بقوله: (فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ) [الواقعة: ٨٨ - ٨٩] وهو عدةُ المقربين. قوله: (أو لأنه من المقربين)، أي: إنما قال: "روحنا" لأنه من المقربين، وإنما سُمي المقربون بالروح، لأنهم وُعدوا به فيكون مجازاً بأدنى ملابسة، فالوجهان في هذه القراءة كالوجهين في القراءة الأولى مجازاً وإضافة. نعم الإضافة الأولى أعلى وأسنى. قوله: (وتحفل بالاستعاذة)، الجوهري: حفلت بكذا، أي: باليت به، يقال لا تحفل به.

стр. 4951

كقوله تعالى (بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) [هود: ٨٦]. [(قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا)]. أي: إنما أنا رسول من استعذت به، (لِأَهَبَ لَكِ) لأكون سببا في هبة الغلام ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كقوله تعالى: (بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ) [هود: ٨٦]، قال المصنف فيه: "ما يبقى لكم من الحلال بعد التنزه عما هو حرامٌ خيرٌ لكم إن كنتم مؤمنين"، ووجه الشبه أن المتقي إنما يكون متقيا إذا أشرف على محارم الله تعالى ولا يهتك حرمته فيها، كما أن المؤمن إنما يكمل إيمانه إذا اعتقد أن القليل من الحلال خيرٌ من الكثير من الحرام، وفائدة هذا الأسلوب: الانزجار على الوجه الأبلغ، ولا يُسلك إلا بمن يدعي أنه متصفٌ بتلك الصفة، وهو غالٍ فيها، ومن ثم روى البخاري، عن أبي وائل، قال: علمت مريم أن التقي ذو نهية حين قالت: (إِنْ كُنتَ تَقِيّاً). ذو نُهية، أي ذو عقل، وقال محيي السنة: هذا كقول القائل: إن كنت مؤمناً فلا تظلمني، أي: ينبغي أن يكون إيمانُك مانعاً من الظُّلم. وقلت: مثاله في الشاهد قولك لمن تخاف غائلته وتعرفُ أنه ممن يتقي سطوات الملك العادل: أنا أستجير منك إلى الملك العادل إن كنت تتقي سطواته، فإذا بلغ تماديه في الغي إلى انه لا يرتدع بمثل هذا الرادع، قلت للملك العادل: أنا ألوذ إليك وأستجير بكنفك من معرة فلان، فقولها: (وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) [آل عمران: ٣٦] من هذا المقام. قوله: (لأكون سبباً لهبة الغُلام). الراغب: الهبة: أن تجعل ملكك لغيرك بغير

стр. 4952

بالنفخ في الدرع. وفي بعض المصاحف: (إنما أنا رسول ربك أمرني أن أهب لك). أو هي حكاية لقول الله تعالى. [(قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا* قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا)]. جعل المسّ عبارة عن النكاح الحلال، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عوض، وقوله: (لأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيّاً) نسب الملكُ الهبة إلى نفسه لكونه سبباً، وقرئ: "ليهب لك" فنُسبَ على الله ، فهو على الحقيقة، ويوصف الله تعالى بالواهب والوهاب بمعنى أنه: يُعطي كلا على قدر استحقاقه. قوله: (أو هي حكاية لقوله ، فالتقدير: أنا رسول ربك حاملاً لوحيه أني طهرتك واصطفيتك لأهب لك غُلاماً زكيا، أي: مطهراً. قوله: (جعل المس عبارة عن النكاح الحال)، قال الإمامُ: ولقائل أن يقول: قولها: (وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ) يدخل تحته قولها: (وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً) فلماذا أعادها؟ ويُقوي السؤال قولها في آل عمران: (قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ) [آل عمران: ٤٧]، والجواب من وجهين، أحدهما: أنها جعلت المس عبارة عن النكاح الحلال. وثانيهما: أن إعادتها لتعظيم حالها، كقوله تعالى: (وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ) [البقرة: ٩٨]؛ فذكرث البغي بعد دخوله في الكلام لأنه أعظمُ ما في بابه، لأن من لم تُعرف من النساء بالتزوج فأغلظ أحوالها إذا أتت بولدٍ أن تكون زانية.

стр. 4953

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ … وقلت: الوجه الأول أقضي لحق البلاغة، ولهذا اختاره المصنف؛ لأن قوله: (وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ): حالٌ مقررةٌ لجهة الإشكال، وردت على الكناية عن النكاح الحلال مقرونة بأخرى لإرادة التقسيم الحاصر، فيفيد أن عُلقمة الولد ومظنة حصول الغلام عُرفاً، إنما يكون بطريق النكاح أو السفاح، وما لم يوجدا كيف يُتصور وجوده؟ لكن في تعليله جعل المس عبارة عن النكاح الحلال لأنه كنايةٌ عنه، حزازة؛ لأنه جاء في آل عمران ولم يُرد به هذه الكناية، بل العبارة الجيدة أن يُقال جعل المس عبارة عن النكاح في هذا المقام لوقوعه قرينة لقوله: (وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً) لإفادة التقسيم الحاصر. فإن قلت: كيف طابق قولها: (وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً) قوله: (لأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيّاً)، فإنه نفي كل الريبة والتهمة بقوله: (زَكِيّاً)؟ قلتُ: كأنها من فرط تعجبها وغاية استبعادها نبذت الوصف وراءها ظهرياً، وأتت بالموصوف، وأخذت في تقرير نفيه على أبلغ وجه، أي: ما أبعد وجود هذا الموصوف مع هذه الموانع، بله الوصف! وهو قريبٌ من الأسلوب الحكيم. ولما كان الاهتمام بشأن النفي في الثاني أتم "آثرته"، كأن الإيذان بأن انتفاء الفجور لازمٌ لها، وبعيدٌ أن تتصف بما يخالف العفة؛ لأنها كانت من بيت العفة ومعدن الطهارة، ألا ترى إلى قولهم: (يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً) [مريم: ٢٨]؟ وبهذا ظهر أن قول من قال: إن هارون كان رجلاً صالحاً أخاً لها هو القول. قال الراغبُ: كأن ما استعمل منه في جنس الشيء متعلقاً بوصفٍ له تنبيهٌ على أن ذلك الوصف لازمٌ له قليل الانفكاك، كقوله تعالى: (وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُوراً) [الإسراء: ٦٧]. وقلت: وقد جاء في فرد من أفراد الجنس باعتبار وصفٍ يجعله كالجنس، نحو: (مَّا

стр. 4954

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ … كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) [الأحزاب: ٤٠] وما نحن بصدده من هذا القبيل. فإن قلت: قول الإمام: "ويُقوي السؤال ما في آل عمران"، يوهم أن القرينة الأولى كافية في الجواب عن قوله: (لأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيّاً)، فكيف وقوعها في هذا المقام دون ذلك، والقصة واحدة؟ قلت: يجوز أن يكون ما في آل عمران بشارة أخرى من الملائكة بعد هذه البشارة من جبريل، بشرت أولاً بموهوب زكي ثم بموهوب موصوف بتلك الصفات الكوامل، فحقيقة البشارة في الكرة الثانية: جعلُ ذلك المهول نبياً ذا آيات بينات، كقوله تعالى: (وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَقَ نَبِيّاً مِنْ الصَّالِحِينَ) لأن البشارة هي الإخبار بما يُظهر سرور المخبر، فالسرور الثاني غير الأول، وإنما لم يُردف القرينة الثانية بها في البشارة الثانية؛ لأنه لم يلحقها ما تستشعر معه الخوف على نفسها كما لحقها في المرة الأولى، ولذلك استعاذت فيها بقوله: (إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيّاً). وأيضاً، لا ارتياب أن سورة مريم مكية؛ لأنها تليت على النجاشي في أولى الهجرتين. وسورة آل عمران كما قيل: مدنية. ويمكن أن يقال: إن كلتيهما قصة واحدة، إنما اختلفت العبارات لما أنه عز شأنه ذكر قصتها الواحدة في كل مكان بحسب ما يقتضيه المقام من الإطناب والإيجاز، فهذا المقام مقام بيان المقاولة التي جرت بينها وبين الملك، والحالات الواقعة بينهما، لا بيان وصف الغلام بتلك الأوصاف المذكورة في آل عمران، فأطنب في الأول واختصر في الثاني، بخلافه في "آل عمران"، لأنه مقامُ تقرير الامتنان على مريم بموهوب عظيم القدر بديع الشأن، فأطنب في الأوصاف، وأوجز في بيان المقاولة، وقد ذكرنا في سورة هود قانوناً يُرجع إليه

стр. 4955

لأنه كناية عنه، كقوله تعالى: (مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ) [البقرة: ٢٣٧]، (أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ) [النساء: ٤٣]، والزنا ليس كذلك، إنما يقال فيه: فجر بها، وخبث بها، وما أشبه ذلك، وليس بقمن أن تراعى فيه الكنايات والآداب. والبغي: الفاجرة التي تبغي الرجال، وهي فعول عند المبرد: «بغوي» فأدغمت الواو في الياء. وقال ابن جني في كتاب (التمام): هي فعيل، ولو كانت فعولا لقيل: «بغوّ» كما قيل: فلان نهوّ عن المنكر. (وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً): تعليل معلله محذوف، أي: ولنجعله آية للناس فعلنا ذلك. أو هو معطوف على تعليل مضمر، أي: لنبين به قدرتنا ولنجعله آية. ونحوه: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ في أمر قصة واحدة تردُ على أنحاء مختلفة في مواضع شتىن وبسطنا الكلام فيه. والله أعلم بأسرار كلامه. قوله: (وليس بقمن)، يقالُ: أنت قمنٌ أن يفعل كذا، بالتحريك، أي: جدير خليقٌ، لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث، فإذا كسرت الميم أو قلت: قمينٌ، ثنيت وجمعت. قوله: (وهي فعولٌ عند المبرد)، قال أبو البقاء: فلما اجتمعت الواو والياء قلبت الواو ياء وأدغمت، وكُسرت الغين إتباعاً، ولذلك لم يلحق تاء التأنيث، كما لم تُلحق في امرأة صبور وشكور. قوله: (هي فعيل)، قال أبو البقاء: هي "فعيلٌ" بمعنى: فاعل، ولم تلحق التاء أيضاً؛ لأنه للمبالغة؛ ولأنه على النسب مثل: طالق وحائض. قوله: (فلانٌ نهو)، وهو شاذ، قيل: لأنه إذا اجتمع الواو والياء وسبق ساكنٌ قلبت الواو ياء وأدغم. وقال صاحب "التقريب": نصوا على أن "نهوا" شاذ ليس بقياس. قوله: (أو هو معطوفٌ على تعليل مضمر)، والمعنى: أهب لك وأنت كذلك لنبين، كقوله تعالى: (وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ) [الجاثية: ٢٢] ليستدل بها المكلف على

стр. 4956

(وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ) [الجاثية: ٢٢]، وقوله: (وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ) [يوسف: ٢١]. (مَقْضِيًّا) مقدّرا مسطورا في اللوح لا بدّ لك من جريه عليك. أو: كان أمرا حقيقا بأن يكون ويقضى؛ لكونه آية ورحمة. والمراد بالآية: العبرة والبرهان على قدرة الله. وبالرحمة: الشرائع والألطاف، وما كان سببا في قوّة الاعتقاد والتوصل إلى الطاعة والعمل الصالح، فهو جدير بالتكوين. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قُدرته، ولتُجزى كل نفس. وقوله: (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ) [يوسف: ٥٦] ليتصرف فيها ولنُعلمه، ونظيرُ الأول قوله في "الأنفال": (لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً) [الأنفال: ٤٢] ليقضي: متعلقٌ بمحذوف، أي: ليقضي أمراً واجباً أن يُفعل دبر ذلك. الحاصل: أنه على التقدير الأول: عطف الجملة على الجملة، على الثاني: عطف المفرد على المفرد. فإن قلت: لم يُقدر المعلل مؤخراً؟ قلتُ: فائدةُ هذا الأسلوب، وهو أن تُجاء العلة بالواو للاهتمام بشأن العلة المذكورة؛ لأنه إما أن يُقدر علة أخرى ليعطف عليها، فيكون اختصاص ذكرها لكونها أهم، وإما أن يُقدر معلل، فيجب أن يكون مؤخراً، ليشعر تقديمه بالاهتمام. قوله: (أو كان أمراً حقيقاً بأن يكون ويقضى)، فعلى الأول: (وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً) تذييلٌ للكلام وتوكيدٌ له، وكالموجب لتكوين ما يدل على القدرة الكاملة والرحمة الشاملة. وعلى الثاني: كالموجب بفتح الجيم، وذلك بالنظر إلى معنى الآية، وأنها البرهان على قدرة الله، ومفهوم الرحمة، وأن ابنها يصير نبيا مباركا، وأن كونهما من المصالح الموجبة أن تُراعي. والأول أنسب لمذهبنا، والثاني لمذهبه، ويدل على أن المراد رعاية الأصلح قوله: "وما كان سبباً في قوة الاعتقاد والتوصل إلى الطاعة والعمل الصالح، فهو جديرٌ بالتكوين".

стр. 4957

[(فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا)]. عن ابن عباس: فاطمأنت إلى قوله، فدنا منها فنفخ في جيب درعها، فوصلت النفخة إلى بطنها فحملت. وقيل: كانت مدّة الحمل ستة أشهر. وعن عطاء وأبى العالية والضحاك: سبعة أشهر. وقيل: ثمانية، ولم يعش مولود وضع لثمانية إلا عيسى. وقيل: ثلاث ساعات. وقيل: حملته في ساعة، وصوّر في ساعة، ووضعته في ساعة، حين زالت الشمس من يومها. وعن ابن عباس: كانت مدة الحمل ساعة واحدة، كما حملته نبذته. وقيل: حملته وهي بنت ثلاث عشرة سنة. وقيل: بنت عشر، وقد كانت حاضت حيضتين قبل أن تحمل. وقالوا: ما من مولود إلا يستهلّ غيره. (فَانْتَبَذَتْ بِهِ) أي: اعتزلت وهو في بطنها، كقوله: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فاطمأنت إلى قوله، فدنا منها فنفخ في جيب درعها فوصلت النفخة إلى بطنها فحملت)، إشارة إلى أن الفاء في: (فَحَمَلَتْهُ) تعطفُ هذه الجملة على ما قبلها بواسطة هذه المضمرات، فلا يبعد أن تُسمى فصيحةً؛ لأن الاطمئنان يستدعي سبق انزعاج، وذلك أنه حين تمثل لها الرسول بشراً سوياً انزعجت منه فاستعاذت بالرحمن، فلما جرى بينهما تلك المقاولة اطمأنت على قوله، فدنا … ، إلى آخره. قوله: (كما حملته نبذته)، بيانٌ لمعنى الفاء في: (فَانتَبَذَتْ)، ولفظةُ "كما" فيها معنى المفاجأة. قال صاحب "اللباب": الكاف قد تأتي للقرآن في الوقوع، كقولك كما حضر زيدٌ غاب عمرو. قوله: (وقالوا: ما من مولودٍ إلا يستهل غيره)، "غيرهُ": بالنصب على الاستثناء، أشار بهذا إلى الحديث المشهور مضى شرحه في "آل عمران". وإنما أومأ إليه وهو أجنبي هاهنا؛ لأنه ذكر نُبذاً من أحوالها الخارقة للعادات.

стр. 4958

تدوس بنا الجماجم والتّريبا أي: تدوس الجماجم ونحن على ظهورها، ونحوه قوله تعالى: (تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ) [المؤمنون: ٢٠]، أي: تنبت ودهنها فيها، الجار والمجرور في موضع الحال. (قَصِيًّا) بعيدا من أهلها وراء الجبل. وقيل: أقصى الدار. وقيل: كانت سميت لابن عم لها اسمه يوسف، فلما قيل: حملت من الزنى، خاف عليها قتل الملك، فهرب بها، فلما كان ببعض الطريق حدّثته نفسه بأن يقتلها، فأتاه جبريل فقال: إنه من روح القدس فلا تقتلها، فتركها. [(فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا)]. (فَأَجاءَهَا) أجاء: منقول من جاء، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (تدوس بنا الجماجم التربيا)، أوله: فمرت غير نافرةٍ عليهم قبله: كأن خيولنا كانت قديماً … تُسقى في قحوفهم الحليبا الترائب: عظام الصدر، والقحفُ: العظم فوق الرأس. والضمير يعود إلى الأعادي، والعربُ تسقي اللبن كرام خيولهم. يقول: خيلنا كانت تُسقى اللبن في أقحاف رؤوس الأعداء لإلفها بها، ولهذا كانت تمر عليهم وعلى صدورهم ونحن عليها ولم تنفر عنهم. قوله: (فهرب بها)، أي: هرب ابن عمها مستصحباً إياها، ويجوز أن تكون الباء للتعدية.

стр. 4959

إلا أن استعماله قد تغير بعد النقل إلى معنى الإلجاء. ألا تراك تقول: جئت المكان وأجاءنيه زيد، كما تقول: بلغته وأبلغنيه. ونظيره «آتى» حيث لم يستعمل إلا في الإعطاء، ولم تقل: أتيت المكان وآتانيه فلان. قرأ ابن كثير في رواية: (الْمَخاضُ) بالكسر. يقال: مخضت الحامل مخاضا ومخاضا؛ وهو تمخض الولد في بطنها. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (إلا أن استعماله قد تغير بعد النقل إلى معنى الإلجاء)، الجوهري: أجأته إلى كذا: ألجأته واضطررته إليه. قال الفراء: أصله من جئت وقد جعلته العرب إلجاء. وفي المثل: شرٌّ ما يجيئك إلى مخة عرقوب، قال الأصمعي: وذلك أن العرقوب لا مُخ فيه، وإنما يحوج إليه من لا يقدر على شيء. الراغب: المجيء: كالإتيان، لكن المجيء أعم؛ لأن الإتيان: مجيء بسهولة، ويقال: جاء في الأعيان والمعاني، وبما يكون مجيئه بذاته وبأمره، ولمن قصد مكاناً أو عملاً أو زماناً، يقال: جاء بكذا وأجاءه، قال تعالى: (فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ)، قيل: ألجأها، وغنما هو مُعدى عن "جاء"، قال الشاعر: أجاءته المخافةُ والرجاء قوله: (ولم يُقل: آتيتُ المكان وآتانيه فلانٌ)، الجوهري: آتاه إيتاء، أي: أعطاه، وآتاه أيضاً، أي: أتى به، ومنه قوله تعالى: (آتِنَا غَدَاءَنَا) أي: ائتنا به. وقيل: معنى قوله: (آتِنَا غَدَاءَنَا): إيتنا به أظهرُ من قوله: أعطنا الغداء؛ لأنا موسى ﵇ طلب من يوشع إحضار الغذاء لا إعطاءه إياه، وسيجيء في قوله: (إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَاتِيّاً) [مريم: ٦١] اختياره لغير ما اختاره هاهنا. قوله: (تمخض الولد)، الجوهري: مخض اللبن وامتخض، أي: تحرك في الممخضة، كذلك الولد إذا تحرك في بطن الحامل، والمخاضُ: وجعُ الولادة.

стр. 4960

طلبت الجذع؛ لتستتر به وتعتمد عليه عند الولادة، وكان جذع نخلة يابسة في الصحراء ليس لها رأس ولا ثمرة ولا خضرة، وكان الوقت شتاء، والتعريف لا يخلو: إمّا أن يكون من تعريف الأسماء الغالبة، كتعريف النجم والصعق، كأن تلك الصحراء كان فيها جذع نخلة متعالم عند الناس، فإذا قيل: جذع النخلة؛ فهم منه ذلك دون غيره من جذوع النخل. وإمّا أن يكون تعريف الجنس، أي: جذع هذه الشجرة خاصة، كأن الله تعالى إنما أرشدها إلى النخلة ليطعمها منها الرطب الذي هو خرسة النفساء الموافقة لها، ولأن النخلة أقل شيء صبرا على البرد، وثمارها إنما هي من جمارها، فلموافقتها لها مع جمع الآيات فيها اختارها لها ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (مُتعالم)، الجوهري: تعالمه الجميع أي: علموه. قوله: (خرسة النفساء)، الجوهري: الخُرسُ بالضم: طعامُ الولادة. الأساس: أطعموا النفساء خرستها، وهي طعامها خاصة، وقد خرست فتخرست، وعن بعضهم: الخُرسُ بالضم: طعامُ الولادة والوليمة، وبالتاء: طعام النفساء. قوله: (من جُمارها). الجوهري: الجمار: شحم النخلة، وفي تذكير ضمير هو بحثٌ؛ لأنه راجعٌ إلى الثمار، اللهم إلا أن يُتمحل أنه نظر إلى الخبر، ولعله سقط من النساخ. قوله: (فلموافقتها لها مع جميع الآيات اختارها لها)، الفاء: فصيحةٌ، والمراد بالموافقة مع جميع الآيات: ماذكره: أولاها: قوله: "ليطعمها منها"، وأنها احتاجت إلى الخرسة، وقد أُتيت بما هي محتاجة إليه.

стр. 4961

وألجأها إليها. قرئ: (مِتُّ) بالضم والكسر، يقال: مات يموت، ومات يمات. النسىي: ما من حقه أن يطرح وينسى، كخرقة الطامث ونحوها، كالذبح: اسم ما من شأنه أن يذبح في قوله تعالى: (وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ) [الصفات: ١٠٧]. وعن يونس: العرب ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وثانيتها: قوله: "ولأن النخلة أقل شيء صبراً على البرد" فصبرت عليه بأن أثمرت، كذلك النفساء تتوقى منه لاستضرارها به، ثم إن الله تعالى حفظها منه كما حفظ النخلة. وثالثتها: قوله: "وثمارها إنما هو من جُمارها" أي: أثمرت من غير لقاح، وفي غير الأوان. قال الإمام: كأن الله تعالى أرشدها إلى النخلة ليُطعمها منها الرُّطب؛ لأنه أشد الأشياء موافقة للنفساء، ولا تثمر إلا عند اللقاح، وإذا قطعت رأسها لم تثمر، فكأنه كما قيل: كما أن الأنثى لا تلد إلا بالذكر، كذلك النخلة لا تثمر إلا عند اللقاح، ثم إني أُظهر الرُّطب من غير اللقاح، ليدل على جواز ظهور الولد من غير الذكر. قوله: (وألجأها إليها)، فيه إشعارٌ بأن الإسناد في قوله: (فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ) مجازي المعنى، ألجأها الله تعالى إلى جذع النخلة، وقت مخاضها واختارها لها. قوله: ((مِتُ) بالضم والكسر)، ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر: [بالضم]، والباقون: بالكسر. قوله: (النسيُ: ما من حقه أن يُطرح)، الراغب: النسيُ: أصله ما ينسى، كالنقض: لما يُنقض، فصار في التعارف اسماً لما يقل الاعتدادُ به. وقوله تعالى: (نَسْياً مَنْسِيّاً) أي: جارياً مجرى النسي القليل الاعتداد به، ولهذا عقبه بقوله: (مَنْسِيّاً) لأن النسي قد يُقال لما يقل الاعتدادُ به وإن لم يُنس. قوله: (عن يونس)، قال ابن الأنباري: هو يونس بن حبيب البصري، أخذ عن أبي

стр. 4962

إذا ارتحلوا عن الدار قالوا: انظروا أنساءكم، أي: الشيء اليسير نحو العصا والقدح والشظاظ. تمنت لو كانت شيئا تافها لا يؤبه له، من شأنه وحقه أن ينسى في العادة، وقد نسى وطرح فوجد فيه النسيان الذي هو حقه؛ وذلك لما لحقها من فرط الحياء والتشوّر من الناس على حكم العادة البشرية، لا كراهة لحكم الله، أو لشدّة التكليف ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عمرو بن العلاء، وسمع من العرب كما سمع من كان قبله، أخذ عنه سيبويه والكسائي والفراء، وله مذاهب وأقيسةٌ تفرد بها. قوله: (والشظاظ)، الجوهري: هو العود الذي يدخل في عروة الجوالق. قوله: (تافهاً)، الجوهري: التافه: الحقير اليسير. قله: (وقد نُسي واطرح): حالٌ من فاعل "يُنسى"، وهو الضمير الراجع إلى: (نَسْياً) و"أن يُنسى": فاعلُ "من شأنه"؛ لأنه صفة (نَسْياً) قد اعتمد عليه، وإنما قال: "من شأنه أن يُنسى في العادة"، لما قال: النسيُ: ما من حقه أن يُطرح ويُنسى، وفائدة توكيده بـ (مَنْسِيّاً): الدلالة على المبالغة، فإن كل نسي لا يلزم أن يكون منسياً، وإليه الإشارة بقوله: "فوجد فيه النسيان الذي هو حقه". قوله: (لا كراهة)، قيل: هو عطفٌ على "لما لحقها"، وإنما حذف اللام؛ لأن الكراهة فعلٌ لفاعل الفعل المعلل، ولم يحذف في "لما لحقها" لأن ما لحقها وإن كان عبارة عن الحياء، وهو فعله، لكن لما أسند اللحوق إلى "ما" فكأنه ليس فعله، أو ليؤذن أن الحذف جائز عند وجود شرائط الحذف لا واجبٌ. وقلت: ويمكن أن يُقال: إنه عطفٌ على محل قوله: "على حكم العادة البشرية" من حيث المعنى؛ لأنه حالٌ من الضمير المنصوب في "لحقها". المعنى: لما لحقها من فرط الحياء جارية على حكم العادة البشرية لا كارهة لحكم الله، أو يقال: هو عطفٌ على ما يتعلقُ به

стр. 4963

عليها إذا بهتوها وهي عارفة ببراءة الساحة وبضدّ ما قرفت به، من اختصاص الله إياها بغاية الإجلال والإكرام؛ لأنه مقام دحض قلما تثبت عليه الأقدام: أن تعرف اغتباطك بأمر عظيم وفضل باهر تستحق به المدح وتستوجب التعظيم، ثم تراه عند الناس لجهلهم به عيبا يعاب به ويعنف بسببه، أو لخوفها على الناس أن يعصوا الله بسببها. وقرأ ابن وثاب والأعمش وحمزة وحفص: (نَسْياً) بالفتح. قال الفراء: هما لغتان كالوتر والوتر، والجسر والجسر. ويجوز أن يكون مسمى بالمصدر. ك (الحمل). وقرأ محمد بن كعب القرظي: «نسأ» بالهمز؛ وهو الحليب المخلوط بالماء، ينسؤه أهله؛ لقلته ونزارته. وقرأ الأعمش: (مَنْسِيًّا) بالكسر على الإتباع، كالمغيرة والمنخر. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الجار والمجرور، أي: بناء على حكم العادة البشرية لا كراهة لحكم الله، يدل عليه عطف قوله: "أو لشدة التكليف" باللام، وقوله: "أو لخوفها على الناس" على "ما لحقها"، الخوف فعلها، ولأن "لما لحقها": خبرُ "ذلك"، ولا يسوغُ "ذلك كراهة لحكم الله"، بالنصب. قوله: (أن تعرف) في موضع النصب على أنه مفعولٌ مطلقٌ لقوله: "عارفةٌ"، أي: هي ببراءة الساحة معرفتك اغتباطك بأمر عظيم. وعن بعضهم أنه في موضع الرفع خبراً لمبتدأ محذوف، يعني: هو، أي: المقام الدحضُ أن تعرفَ أنتَ، إلى آخره. وقيل: "أن تعرف" بدلٌ من اسم "إن". قوله: (وقرأ ابن وثاب والأعمش وحمزة: (نَسْياً) بالفتح)، وحفصٌ أيضاً.

стр. 4964

(فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا) [سورة مريم: ٢٤] (مِنْ تَحْتِها) هو جبريل ﵇. قيل: كان يقبل الولد كالقابلة. وقيل: هو عيسى، وهي قراءة عاصم وأبى عمرو. وقيل (تَحْتِها) أسفل من مكانها، كقوله: (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ) [البقرة: ٢٥]. وقيل: كان أسفل منها تحت الأكمة، فصاح بها: لا تَحْزَنِي وقرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص. (مِنْ تَحْتِها) وفي ناداها ضمير الملك أو عيسى. وعن قتادة: الضمير في (تحتها) للنخلة. وقرأ زرّ وعلقمة: (فخاطبها من تحتها). سئل النبي ﷺ عن السريّ فقال: (هو الجدول). قال لبيد: فتوسّطا عرض السّري فصدّعا … مسجورة متجاورا قُلامها ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وهي قراءة عاصم)، أي: ((من تحتها))، قرأها عاصمٌ من رواية أبي بكر، وقرأها ابن كثيرٍ وابن عامرٍ أيضاً. قوله: (الأكمة)، الأساس: هي التل. قوله: (وقرأ زرٌّ وعلقمة)، في ((جامع الأصول)): هو أبو مريم زر بن حبيش الكوفي، وهو من أكابر القراء والمشهورين من أصحاب عبد الله بن مسعود. زرٌّ بكسر الزاي وتشديد الراء، أما علقمة فمن التابعين ثلاثةٌ: علقمة بن عبد الله المزني، وعلقمة بن أبي علقمة مولى عائشة ﵂، وعلقمة بن قيسٍ النخعي، روى عن عمر وعبد الله بن مسعود، وفي الحاشية ما يدل على أنه هو. قوله: (فتوسطا عرض السري) البيت، الضمير في ((توسطا)) للعير والأتان.

стр. 4965

وقيل: هو من السرو. والمراد: عيسى. وعن الحسن: كان والله عبدا سريا. فإن قلت: ما كان حزنها لفقد الطعام والشراب حتى تسلى بالسرى والرطب! قلت: لم تقع التسلية بهما من حيث إنهما طعام وشراب، ولكن من حيث إنهما معجزتان تريان الناس أنها من أهل العصمة والبعد من الريبة، وأن مثلها مما قرفوها به بمعزل، وأن لها أمورا إلهية خارجة عن العادات خارقة لما ألفوا واعتادوا، حتى يتبين لهم أنّ ولادها من غير فحل ليس ببدع من شأنها. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عرض السري: جانب النهر الصغير، فصدعا: فشقا، مسجورةً: عيناً مملوءةً، فحذف الموصوف، والقلام: ضربٌ من النبت، متجاوراً: ملتفاًّ. يقول: فتوسط العير والأتان جانب النهر وشقا عيناً مملوءةً ماءً، فدخلا عرض نهرها الذي كثر على حافتيه حذو هذا الضرب من النبت. قوله: (وقيل: هو من السرو، والمراد عيسى ﵇، الراغب: السرو: الرفعة، يقال: رجلٌ سريٌّ، وأشار بذلك إلى عيسى ﵇ وما خصه به من سروةٍ، يقال: سروت الثوب عني، أي: نزعته، وسروت الجل عن الفرس، قيل: ومنه رجلٌ سريٌّ، كأنه سري ثوبه، بخلاف المتدثر والمتزمل. قوله: (من حيث إنهما معجزتان) في تسميتهما ((معجزتان)) بحثٌ؛ لأن المعجزة هي: إظهار خرق العادات على سبيل التحدي، وهذا لا يستقيم في حقها ولا في حق عيسى ﵇؛ لأن ما يتقدم على البعثة من خرق العادات يسمى إرهاصاً، كإظلال الغمام في طريق الشام، وارتجاس إيوان كسرى لنبينا صلوات الله عليه. والذي يصح أن يقال: إنهما كرامتان لها، ويؤيده ما ذكرنا في قوله: (لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ) [آل عمران: ٣٧]، وقد استقصينا القول هناك.

стр. 4966

(وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا) [سورة مريم: الآيات ٢٥ - ٢٦]. (تُساقِطْ) فيه تسع قراءات: (تساقط)، بإدغام التاء. و (تتساقط)، بإظهار التاءين. و (تساقط)، بطرح الثانية. و (يساقط)، بالياء وإدغام التاء. و (تساقط)، و (تسقط)، و (يسقط)، و (تسقط)، و (يسقط)، التاء للنخلة، والياء للجذع. و (رطبا) تمييز، أو مفعول على حسب القراءة. وعن المبرد: جواز انتصابه "بهزّى" وليس بذاك. والباءُ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((تُسَاقِطْ) فيه تسع قراءات)، حمزة: ((تساقط)) بالتخفيف وفتح التاء، والباقون: بالتشديد إلا حفصاً، فإنه يخفف بضم التاء وكسر القاف، والبواقي: شواذ. قوله: (و (رُطَبًا): تمييزٌ أو مفعولٌ على حسب القراءة)، فإذا قرئ بفتح الياء أو التاء يكون تمييزاً، أي: تتساقط النخلة رطباً، كقولك: تصبب الفرس عرقاً، وإذا قرئ بالضم يكون مفعولاً به، أي: تساقط النخلة رطباً جنياًّ، قال أبو البقاء: ورطباً فيه أوجه، أحدها: هو حالٌ موطئة، وصاحبها الضمير في الفعل. والثاني: هو أنه مفعولٌ به ل (تُسَاقِطْ). والثالث: هو مفعول (وهُزِّي)، والرابع: هو تمييزٌ. وتفصيل هذه الأوجه يتبين بالنظر في القراءات، فيحمل كلٌّ منها على ما يليق به. قوله: (وعن المبرد: جواز انتصابه ب ((هزي)))، قال الزجاج: قال محمد بن يزيد- يعني: المبرد-: هو مفعولٌ به، المعنى: وهزي إليك بجزع النخلة رطباً تساقط عليك، فالتاء ليست بمزيدةٍ، مثلها في قولك: كتبت بالقلم. قال أبو البقاء: المعنى: هزي الثمرة بالجذع. وقيل: التقدير: هزي إليك رطباً جنياًّ كائناً

стр. 4967

في (بِجِذْعِ النَّخْلَةِ) صلة للتأكيد، كقوله تعالى: (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) [البقرة: ١٩٥]، أو على معنى: افعلي الهزّ به، كقوله: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بجذع النخلة، فقوله: ((بالجذع)): حالٌ. وقلت: فعلى هذا، يكون قد تنازع في (رُطَبًا): ((هزي)) و ((تساقط))، وقد أعمل فيه الأول، وهو ضعيف، ولأنه يكون ما في حيز الأمر متأخراً عن جوابه، ومن ثم قال المصنف: ((وليس بذاك)). قوله: (أو على معنى: افعلي الهز به) يعني: نزل المتعدي منزلة اللازم للمبالغة، نحو: فلانٌ يعطي ويمنع، ثم عدي كما يعدى اللازم، نحو قول الشاعر: فإن تعتذر بالمحل عن ذي ضروعها … إلى الضيف يجرح في عراقبيها نصلي ((ذي ضروعها)): اللبن في الضرع، و ((يجرح)): جواب الشرط، و ((نصلي)): فاعله، و ((العراقيب)): جمع عرقوب، وهو العصب الغليظ فوق عقب الحيوان. يقول: إذا اعتذرت الناقة إلى الضيف قلة اللبن بالمحل أنحرها له. وذهب صاحب ((الكشف)) إلى أن الباء للتسبب، والمضاف محذوفٌ، أي: هزي إليك بهز جذع النخلة، أي: إذا هززت النخلة اهتزت، وبهزك النخلة تساقط عليك رطباً، و (رُطَبًا): منصوبٌ ب (تُسَاقِطْ)، فإن يتفاعل قد جاء متعدياً. قال تعالى: (أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا) [النساء: ١٢٨]، و (يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ) [يونس: ٤٥] ومن قال: ضربني وضربت زيداً، كان (رُطَبًا) منصوباً ب (وهُزِّي)، أي: هزي إليك رطباً جنياًّ متمسكة بجذع

стр. 4968

يجرح في عراقيبها نصلى قالوا: التمر للنفساء عادة من ذلك الوقت، وكذلك التحنيك، وقالوا: كان من العجوة. وقيل: ما للنفساء خير من الرطب، ولا للمريض خير من العسل، وقيل: إذا عسر ولادها لم يكن لها خير من الرطب. عن طلحة بن سليمان (جَنِيًّا) بكسر الجيم للإتباع، أى: جمعنا لك في السرىّ والرطب فائدتين، إحداهما: الأكل والشرب، والثانية سلوة الصدر، لكونهما معجزتين، وهو معنى قوله (فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً) أى: وطيبي نفسا ولا تغتمي وارفضى عنك ما أحزنك وأهمك. وقرئ: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ النخلة تساقطه عليك، فأضمر ل (تُسَاقِطْ) مفعولاً، وجعل الباقي موضع الحال، هذا هو الجيد البالغ في الآية. وقيل: رطباً: نصب على الحال، أي: وهزي إليك بجذع النخلة، أي: بثمرة جذع النخلة، تساقط عليك ثمرة النخلة رطباً. قوله: (التحنيك)، وهو: إلصاق التمر بحنك الصبي. قوله: (أي: جمعنا لك في السري والرطب فائدتين)، يعني: رتب بقوله: (فَكُلِي) الآية على قوله: (قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًا) وقوله: (وهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ) معنى ما يحتاج إليه، وفي ضمنه التسلية بما أصابها من الحزن. الراغب: الهز: التحريك الشديد، يقال: هززت الرمح فاهتز، ويقال: هززت فلاناً للعطاء، واهتز النبات: إذا تحرك لغضارته، (فَإذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا المَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ) [الحج: ٤٥]. قوله: ((وقَرِّي عَيْنًا) أي: وطيبي نفساً، يريد: أن (وقَرِّي عَيْنًا) كنايةٌ عن طيب النفس، ورفع الحزن.

стр. 4969

(وَقَرِّي) بالكسر لغةُ نجد، (فَإِمَّا تَرَيِنَّ) بالهمز: ابن الرومي. عن أبي عمرو، وهذا من لُغةِ مَن يقول: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ النهاية: في حديث الاستسقاء: لو رآك لقرت عيناه، أي: لسر بذلك وفرح، وحقيقته: أبرد الله دمعة عينيه؛ لأن دمعة الفرح والسرور باردةٌ. وقيل: معنى أقر الله عينك: بلغك أمنيتك حتى ترضى نفسك وتسكن عينك فلا تستشرف إلى غيره. الراغب: قر في مكانه يقر قراراً: ثبت ثبوتاً جامداً، من القر، وهو البرد؛ لأنه يقتضي السكون، ويوم القر يوم النحر، لاستقرار الناس فيه بمنىً، والإقرار: إثبات الشيء، قال تعالى: (وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ) [الحج: ٥]، وقد يكون ذلك إثباتاً إما بالقلب وإما باللسان وإما بهما. وأما الجحود فإنما يقال فيما ينكر باللسان دون القلب. وقيل: لمن يسر به: قرة عين. وقيل: أصله من القر أي: البرد، معناه: بردت فصحت. وقيل: بل لأن للسرور دمعةً قارةً وللحزن دمعةً حارة، ولذلك يقال فيمن يدعى عليه: أسخن الله عينه. وقيل: هو من القرار، والمعنى: حصول ما يسكن به عينه، فلا يطمح إلى غيره. قوله: (((ترئن)): بالهمز)، قال ابن جني: رويت عن أبي عمرو، وهي ضعيفةٌ؛ لأن الياء مفتوحٌ ما قبلها والكسرة فيها لالتقاء الساكنين، فليست محتسبةً أصلاً، وعليه قراءة الجماعة: (تَرَيِنَّ) بالياء. نعم، وقد حكي الهمز في الواو التي هي نظيرة الياء في قوله تعالى: (لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ) [آل عمران: ١٨٦]، فشبه الياء، لكونها ضميراً وعلم تأنيثٍ، بالواو من حيث كانت ضميراً، وعلم تذكيرٍ، وهذا ليس بقوي.

стр. 4970

لبأت بالحج، وحلأت السويق، وذلك لتآخ بين الهمزة وحرف اللين في الإبدال. (صَوْماً): صمتا. وفي مصحف عبد الله: (صمتاً). وعن أنس بن مالك مثله. وقيل: صياماً، إلا أنهم كانوا لا يتكلمون في صيامهم، وقد نهى رسول الله ﷺ عن صوم الصمت، لأنه نسخ في أمته، أمرها الله بأن تنذر الصوم لئلا تشرع مع البشر المُتَّهمين لها في الكلام لمعنيين، أحدهما: أن عيسى صلوات الله عليه يكفيها الكلام بما يبرئ به ساحتها. والثاني: كراهة مجادلة السفهاء ومناقلتهم. وفيه أن السكوت عن السفيه واجب. ومن أذل الناس: سفيه لم يجد مسافها. قيل: أخبرتهم بأنها نذرت الصوم بالإشارة. وقيل: سوغ لها ذلك بالنطق (إِنْسِيًّا) أى: أكلم الملائكة دون الإنس. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لبأت بالحج) أصله: لبيت تلبيةً، ثم أبدل التضعيف بالياء ثم أبدل الياء بالهمزة، وحلأت، أي: لطت بالشيء الحلو، وأصله حلوته، قلبت الواو ياءً، ثم أبدل الياء بالهمز. قوله: (وقيل: صياماً) هو عطفٌ على قوله: (((صَوْمًا): صمتاً))، يعني: (صَوْمًا)، إما مجازٌ عن: صمتاً، بقرينة ترتب: (فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إنسِيًا)، أو هو على حقيقته، وأما معنى ترتب (فَلَنْ أُكَلِّمَ) عليه، فإنهم كما كانوا يمسكون عن الطعام والشراب، كانوا يمسكون عن الكلام أيضاً. قوله: (وفيه أن السكوت عن السفيه واجبٌ)، يريد: أن هذا المعنى مدمجٌ في الآية. وقوله: (من أذل الناس: سفيهٌ لم يجد مسافهاً)، ينظر إلى قول أبي الطيب: وأتعب من ناداك من لا تجيبه … وأغيظ من عاداك من لا تشاكله قوله: (أي: أكلم الملائكة دون الإنس) يعني: عدل من قوله: فلن أكلم اليوم أحداً، إلى: إنسياًّ، ليفيد- بدلالة المفهوم- هذه الدقيقة، ويدمج فيه معنى كرامةٍ أخرى، وهي رفعة منزلتها.

стр. 4971

(فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا (٢٧) يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا) [سورة مريم: ٢٧ - ٢٨]. الفرىّ: البديع، وهو من فرى الجلد (يا أُخْتَ هارُونَ) كان أخاها من أبيها من أمثل بنى إسرائيل. وقيل: هو أخو موسى صلوات الله عليهما. وعن النبي ﷺ : «إنما عنوا هرون النبىّ» وكانت من أعقابه في طبقة الإخوة، بينها وبينه ألف سنة وأكثر. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (الفري: البديع)، الأساس: فلانٌ يفري الفري: إذا أتى بالعجب. ويقال: قد أفريت وما فريت، أي: أفسدت وما أصلحت. ومن المجاز: يفري الليل عن بياض النهار، وتفرت الأرض بالعيون. الراغب: الفري: قطع الجلد للخرز والإصلاح، والإفراء: للإفساد، والافتراء فيهما، وفي الإفساد أكثر، ولذلك استعمل في القرآن للكذب والشرك والظلم، نحو: (ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى) [النساء: ٤٨]، وقوله تعالى: (لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًا) قيل: معناه عظيماً، وقيل: عجيباً، وقيل: مصنوعاً. قوله: ((هَارُونَ) كان أخاها من أبيها)، يؤيده ما روينا عن مسلم والترمذي، عن المغيرة بن شعبة قال: لما قدمت نجران سألوني فقالوا: إنكم تقرؤون: (يَا أُخْتَ هَارُونَ) وموسى قبل عيسى بكذا وكذا، فلما قدمت على رسول الله ﷺ سألته عن ذلك فقال: ((إنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم))، والنظم يساعد عليه، كما سبق في قوله تعالى: (ولَمْ أَكُ بَغِيًا). قوله: (وكانت من أعقابه)، أي: وكانت ممن يعقب هارون في مرتبة الأخوة، وذلك بأن تكون من نسل أخت هارون وأخيه. وقيل: ((في طبقة))، خبر ((كان))، أي: كانت في طبقة الأخوة من جهة أعقابه، أي: أخلاقه في النسك والعبادة. و ((من)): ابتدائية.

стр. 4972

وعن السُّديّ: كانت من أولاده. وإنما قيل: يا أخت هارون، كما يقال يا أخا همدان، أى: يا أحداً منهم. وقيل: رجل صالح أو طالح في زمانها، شبهوها به، أى: كنت عندنا مثله في الصلاح، أو شتموها به، ولم ترد إخوة النسب، ذكر: أن هارون الصالح تبع جنازته أربعون ألفا كلهم يسمى هارون تبركا به وباسمه، فقالوا: كنا نشبهك بهارون هذا. وقرأ عمر بن لجأ التيمي: (ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ). وقيل: احتمل يوسف النجار مريم وابنها إلى غار، فلبثُوا فيه أربعين يوما حتى تعلت من نفاسها، ثم جاءت تحمله، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أو شتموها به) عطفٌ على قوله: ((شبهوها به))، و (شبهوها)) نشرٌ، لقوله: ((رجلٌ صالحٌ))، ومعنى التشبيه قولهم: كنا نشبهك بهارون، أو: كنت عندنا مثله في الصلاح، أو ((شتموها)) نشرٌ لقوله: ((أو طالح))، والشتم هو: إما أن يقولوا: أنت مثله في الفساد، أو اتهموها به. والله أعلم. قوله: (تعلت من نفاسها)، أي: طهرت من بقايا ما كان يعتريها من نفاسها. الأساس: بقية كل شيءٍ: علالته، وللفرس بداهةٌ وعلالةٌ. وقال: وقد تعاللت ذميل العيس وهو يتعلل ناقته، أي: يحلب اللبن الذي يجتمع في ضرعها بعد الحلب الأول، وما هي إلا علالةٌ أتعلل بها، وهي اسم ما يتعلل به. قوله: (ثم جاءت تحمله) في ((إيجاز البيان)): (تَحْمِلُهُ): حالٌ منها أو منه أو منهما لحصول الضمائر في الجملة التي هي حالٌ. والبغي: الفاجرة، مصروفةٌ عن الباغية، أي: بمعنى المفعول، كقولك: نفسٌ قتيلٌ، وكفٌ خضيب. وقال صاحب ((الكشف)): ولم يقل: بغية، فيحتمل أن يكون (بَغِيًا) مصدراً، كما قالوا في قوله: (قَالَ مَن يُحْيِي العِظَامَ وهِيَ رَمِيمٌ) [يس: ٨] ولم يقل: رميمةٌ، قالوا: لأنه أراد المصدر، ويجوز أن يكون ذلك للفواصل.

стр. 4973

فكلَّمها عيسى في الطريق فقال: يا أماه، أبشرى فإنى عبد الله ومسيحه، فلما دخلت به على قومها وهم أهل بيت صالحون تباكوا وقالوا ذلك. وقيل: هَمُّوا برجمها حتى تكلم عيسى ﵇. فتركوها. (فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا) [سورة مريم: ٢٩]. (فَأَشارَتْ إِلَيْهِ) أى: هو الذي يجيبكم إذا ناطقتموه. وقيل: كان المستنطق لعيسى زكريا ﵇. وعن السدى: لما أشارت إليه غضبوا وقالوا: لسخريتها بنا أشدّ علينا من زناها. وروى: أنه كان يرضع، فلما سمع ذلك ترك الرضاع وأقبل عليهم بوجهه، واتكأ على يساره وأشار بسبابته. وقيل: كلمهم بذلك، ثم لم يتكلم حتى بلغ مبلغا يتكلم فيه الصبيان. (كانَ): لإيقاع مضمونِ الجملة في زمان ماضٍ مبهم يصلح لقريبه وبعيده، وهو هاهنا لقريبه خاصة، والدال عليه معنى الكلام، وأنه ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فإني عبد الله ومسيحه). النهاية: قيل: المسيح: الصديق، وهو بالعبرانية مشيحا فعرب، وقيل: إنما سمي لأنه كان لا يمسح بيده ذا عاهةٍ إلا برئ. قوله: (والدليل عليه معنى الكلام) يعني: لما قيد مضمون الجملة ب ((كان))، وهي وإن كانت قيداً، لكن بالنظر إلى دلالتها على الأزمنة الماضية مطلقةٌ مفتقرةٌ في الاختصاص بزمانٍ دون زمانٍ إلى قرينةٍ مقيدة، وها هنا القرينة المخصصة بالزمان القريب: سوق الكلام للتعجب، فعلى هذا (نُكَلِّمُ) للحال الحاضرة، و ((من)): موصولةٌ، والمراد عيسى ﵇. ويجوز جعلها موصوفةً، فالمراد كل من هو موصوفٌ بكونه في المهد صبياًّ، فيكون قوله: (((نُكَلِّمُ) بحكاية الحال الماضية)) وكان على إيهامها، قال أبو البقاء: قيل: (كَانَ) مثل (وكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا)، وقيل: زائدةٌ، أي: من هو في المهد صبياًّ، و (صَبِيًا): حالٌ من

стр. 4974

مسوق للتعجب. ووجه آخر: أن يكون (نُكَلِّمُ) حكاية حال ماضية، أى: كيف عهد قبل عيسى أن يكلم الناس صبيا في المهد فيما سلف من الزمان حتى نكلم هذا؟ ! (قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا* وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا* وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا* وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا) [سورة مريم: ٣٠ - ٣٣]. أنطقه الله أوّلا بأنه عبد الله ردا لقول النصارى. و"الْكِتابَ": هو الإنجيل. واختلفوا في نبوّته، فقيل: أعطيها في طفولته: أكمل الله عقله، واستنبأه طفلا؛ نظرا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الضمير في الجار والمجرور، ولو كانت زائدةً يستتر فيها الضمير فلا تحتاج إلى تقدير ((هو))، بل الظرف صلة ((من))، أي: كيف نكلم من في المهد صبياًّ. وقال الزجاج: الأجود أن يكون ((من)) في معنى الشرط، أي: من يكن في المهد صبياًّ، كيف نكلمه؟ وقال ابن الأنباري: هذا كما يقال: كيف أعظ من كان لا يقبل موعظتي؟ أي: من يكن لا يقبل. والماضي بمعنى المستقبل في باب الجزاء. قوله: (أنطقه الله أولاً بأنه عبد الله رداًّ لقول النصارى)، أي: قدم ما هو الأهم وأعنى بشأنه، وهو كتقدمة الإعجاز. قوله: (و ((الكتاب)): هو الإنجيل). الراغب: كل موضع ذكر في وصف الكتاب: ((آتينا)) فهو أبلغ من كل موضع ذكر فيه ((أوتوا))؛ لأن ((أوتوا)) قد يقال إذا أوتي من لم يكن منه قبولٌ، وآتيناهم يقال فيمن له قبول، والإيتاء: الإعطاء، وخص دفع الصدقة في التنزيل بالإيتاء

стр. 4975

في ظاهر الآية. وقيل: معناه أنّ ذلك سبق في قضائه. أو: جُعل الآتي لا محالة كأنه قد وجد (مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ) عن رسول الله ﷺ «نفاعا حيث كنت» وقيل: معلما للخير. وقرئ: (وَبَرًّا) عن أبى نهيك، جعل ذاته برا لفرط بره. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لا محالة)، الجوهري: لا محالة، أي: لابد، يقال: الموت آتٍ لا محالة. المغرب: أصل التركيب دالٌّ على الزوال والنقل، ومنه التحويل، وهو نقل الشيء من محلٍّ إلى آخر، فعلى هذا معنى لا محالة: لا تحول عنه، كما أن معنى لابد: لا فراق، والتبديد: التفريق، والاسم في البابين مبنيٌّ، والخبر محذوفٌ. قوله: (وقرئ: ((وبراًّ))) بكسر الباء، والبر، بفتح الباء: صفةٌ مشبهة، وبالكسر: اسم. قال ابن جني: قرأها أبو نهيكٍ وأبو مجلزٍ، وهو معطوفٌ على موضع الجار والمجرور من قوله: (بِالصَّلاةِ)، كأنه قال: وألزمني براًّ بوالدتي؛ لأنه إذا أوصاه به فقد ألزمه إياه، وعليه بيت ((الكتاب)): فإن لم تجد من دون عدنان والداً … ودون معدٍّ فلتزعك العواذل عطف دون الثانية على موضع (من)، وإن شئت حملته على حذف المضاف، أي: وجعلني ذا برٍّ، وإن شئت جعلته إياه على المبالغة كقولها: فإنما هي إدبارٌ وإقبال فعلى هذا هو معطوفٌ على: (مُّبَارَكًا).
следующие страницы →