Полный текст (9 345 стр.). Показаны 4971–5010 · переход к 4976.
стр. 4971
(فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا (٢٧) يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا) [سورة مريم: ٢٧ - ٢٨].
الفرىّ: البديع، وهو من فرى الجلد (يا أُخْتَ هارُونَ) كان أخاها من أبيها من أمثل بنى إسرائيل. وقيل: هو أخو موسى صلوات الله عليهما. وعن النبي ﷺ : «إنما عنوا هرون النبىّ» وكانت من أعقابه في طبقة الإخوة، بينها وبينه ألف سنة وأكثر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (الفري: البديع)، الأساس: فلانٌ يفري الفري: إذا أتى بالعجب. ويقال: قد أفريت وما فريت، أي: أفسدت وما أصلحت. ومن المجاز: يفري الليل عن بياض النهار، وتفرت الأرض بالعيون.
الراغب: الفري: قطع الجلد للخرز والإصلاح، والإفراء: للإفساد، والافتراء فيهما، وفي الإفساد أكثر، ولذلك استعمل في القرآن للكذب والشرك والظلم، نحو: (ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى) [النساء: ٤٨]، وقوله تعالى: (لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًا) قيل: معناه عظيماً، وقيل: عجيباً، وقيل: مصنوعاً.
قوله: ((هَارُونَ) كان أخاها من أبيها)، يؤيده ما روينا عن مسلم والترمذي، عن المغيرة بن شعبة قال: لما قدمت نجران سألوني فقالوا: إنكم تقرؤون: (يَا أُخْتَ هَارُونَ) وموسى قبل عيسى بكذا وكذا، فلما قدمت على رسول الله ﷺ سألته عن ذلك فقال: ((إنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم))، والنظم يساعد عليه، كما سبق في قوله تعالى: (ولَمْ أَكُ بَغِيًا).
قوله: (وكانت من أعقابه)، أي: وكانت ممن يعقب هارون في مرتبة الأخوة، وذلك بأن تكون من نسل أخت هارون وأخيه. وقيل: ((في طبقة))، خبر ((كان))، أي: كانت في طبقة الأخوة من جهة أعقابه، أي: أخلاقه في النسك والعبادة. و ((من)): ابتدائية.
стр. 4972
وعن السُّديّ: كانت من أولاده. وإنما قيل: يا أخت هارون، كما يقال يا أخا همدان، أى: يا أحداً منهم. وقيل: رجل صالح أو طالح في زمانها، شبهوها به، أى: كنت عندنا مثله في الصلاح، أو شتموها به، ولم ترد إخوة النسب، ذكر: أن هارون الصالح تبع جنازته أربعون ألفا كلهم يسمى هارون تبركا به وباسمه، فقالوا: كنا نشبهك بهارون هذا. وقرأ عمر بن لجأ التيمي: (ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ). وقيل: احتمل يوسف النجار مريم وابنها إلى غار، فلبثُوا فيه أربعين يوما حتى تعلت من نفاسها، ثم جاءت تحمله،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أو شتموها به) عطفٌ على قوله: ((شبهوها به))، و (شبهوها)) نشرٌ، لقوله: ((رجلٌ صالحٌ))، ومعنى التشبيه قولهم: كنا نشبهك بهارون، أو: كنت عندنا مثله في الصلاح، أو ((شتموها)) نشرٌ لقوله: ((أو طالح))، والشتم هو: إما أن يقولوا: أنت مثله في الفساد، أو اتهموها به. والله أعلم.
قوله: (تعلت من نفاسها)، أي: طهرت من بقايا ما كان يعتريها من نفاسها.
الأساس: بقية كل شيءٍ: علالته، وللفرس بداهةٌ وعلالةٌ. وقال:
وقد تعاللت ذميل العيس
وهو يتعلل ناقته، أي: يحلب اللبن الذي يجتمع في ضرعها بعد الحلب الأول، وما هي إلا علالةٌ أتعلل بها، وهي اسم ما يتعلل به.
قوله: (ثم جاءت تحمله) في ((إيجاز البيان)): (تَحْمِلُهُ): حالٌ منها أو منه أو منهما لحصول الضمائر في الجملة التي هي حالٌ. والبغي: الفاجرة، مصروفةٌ عن الباغية، أي: بمعنى المفعول، كقولك: نفسٌ قتيلٌ، وكفٌ خضيب. وقال صاحب ((الكشف)): ولم يقل: بغية، فيحتمل أن يكون (بَغِيًا) مصدراً، كما قالوا في قوله: (قَالَ مَن يُحْيِي العِظَامَ وهِيَ رَمِيمٌ) [يس: ٨] ولم يقل: رميمةٌ، قالوا: لأنه أراد المصدر، ويجوز أن يكون ذلك للفواصل.
стр. 4973
فكلَّمها عيسى في الطريق فقال: يا أماه، أبشرى فإنى عبد الله ومسيحه، فلما دخلت به على قومها وهم أهل بيت صالحون تباكوا وقالوا ذلك. وقيل: هَمُّوا برجمها حتى تكلم عيسى ﵇. فتركوها.
(فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا) [سورة مريم: ٢٩].
(فَأَشارَتْ إِلَيْهِ) أى: هو الذي يجيبكم إذا ناطقتموه. وقيل: كان المستنطق لعيسى زكريا ﵇. وعن السدى: لما أشارت إليه غضبوا وقالوا: لسخريتها بنا أشدّ علينا من زناها. وروى: أنه كان يرضع، فلما سمع ذلك ترك الرضاع وأقبل عليهم بوجهه، واتكأ على يساره وأشار بسبابته. وقيل: كلمهم بذلك، ثم لم يتكلم حتى بلغ مبلغا يتكلم فيه الصبيان. (كانَ): لإيقاع مضمونِ الجملة في زمان ماضٍ مبهم يصلح لقريبه وبعيده، وهو هاهنا لقريبه خاصة، والدال عليه معنى الكلام، وأنه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فإني عبد الله ومسيحه). النهاية: قيل: المسيح: الصديق، وهو بالعبرانية مشيحا فعرب، وقيل: إنما سمي لأنه كان لا يمسح بيده ذا عاهةٍ إلا برئ.
قوله: (والدليل عليه معنى الكلام) يعني: لما قيد مضمون الجملة ب ((كان))، وهي وإن كانت قيداً، لكن بالنظر إلى دلالتها على الأزمنة الماضية مطلقةٌ مفتقرةٌ في الاختصاص بزمانٍ دون زمانٍ إلى قرينةٍ مقيدة، وها هنا القرينة المخصصة بالزمان القريب: سوق الكلام للتعجب، فعلى هذا (نُكَلِّمُ) للحال الحاضرة، و ((من)): موصولةٌ، والمراد عيسى ﵇. ويجوز جعلها موصوفةً، فالمراد كل من هو موصوفٌ بكونه في المهد صبياًّ، فيكون قوله: (((نُكَلِّمُ) بحكاية الحال الماضية)) وكان على إيهامها، قال أبو البقاء: قيل: (كَانَ) مثل (وكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا)، وقيل: زائدةٌ، أي: من هو في المهد صبياًّ، و (صَبِيًا): حالٌ من
стр. 4974
مسوق للتعجب. ووجه آخر: أن يكون (نُكَلِّمُ) حكاية حال ماضية، أى: كيف عهد قبل عيسى أن يكلم الناس صبيا في المهد فيما سلف من الزمان حتى نكلم هذا؟ !
(قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا* وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا* وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا* وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا) [سورة مريم: ٣٠ - ٣٣].
أنطقه الله أوّلا بأنه عبد الله ردا لقول النصارى. و"الْكِتابَ": هو الإنجيل. واختلفوا في نبوّته، فقيل: أعطيها في طفولته: أكمل الله عقله، واستنبأه طفلا؛ نظرا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الضمير في الجار والمجرور، ولو كانت زائدةً يستتر فيها الضمير فلا تحتاج إلى تقدير ((هو))، بل الظرف صلة ((من))، أي: كيف نكلم من في المهد صبياًّ.
وقال الزجاج: الأجود أن يكون ((من)) في معنى الشرط، أي: من يكن في المهد صبياًّ، كيف نكلمه؟ وقال ابن الأنباري: هذا كما يقال: كيف أعظ من كان لا يقبل موعظتي؟ أي: من يكن لا يقبل. والماضي بمعنى المستقبل في باب الجزاء.
قوله: (أنطقه الله أولاً بأنه عبد الله رداًّ لقول النصارى)، أي: قدم ما هو الأهم وأعنى بشأنه، وهو كتقدمة الإعجاز.
قوله: (و ((الكتاب)): هو الإنجيل). الراغب: كل موضع ذكر في وصف الكتاب: ((آتينا)) فهو أبلغ من كل موضع ذكر فيه ((أوتوا))؛ لأن ((أوتوا)) قد يقال إذا أوتي من لم يكن منه قبولٌ، وآتيناهم يقال فيمن له قبول، والإيتاء: الإعطاء، وخص دفع الصدقة في التنزيل بالإيتاء
стр. 4975
في ظاهر الآية. وقيل: معناه أنّ ذلك سبق في قضائه. أو: جُعل الآتي لا محالة كأنه قد وجد (مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ) عن رسول الله ﷺ «نفاعا حيث كنت» وقيل: معلما للخير. وقرئ: (وَبَرًّا) عن أبى نهيك، جعل ذاته برا لفرط بره.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لا محالة)، الجوهري: لا محالة، أي: لابد، يقال: الموت آتٍ لا محالة.
المغرب: أصل التركيب دالٌّ على الزوال والنقل، ومنه التحويل، وهو نقل الشيء من محلٍّ إلى آخر، فعلى هذا معنى لا محالة: لا تحول عنه، كما أن معنى لابد: لا فراق، والتبديد: التفريق، والاسم في البابين مبنيٌّ، والخبر محذوفٌ.
قوله: (وقرئ: ((وبراًّ))) بكسر الباء، والبر، بفتح الباء: صفةٌ مشبهة، وبالكسر: اسم.
قال ابن جني: قرأها أبو نهيكٍ وأبو مجلزٍ، وهو معطوفٌ على موضع الجار والمجرور من قوله: (بِالصَّلاةِ)، كأنه قال: وألزمني براًّ بوالدتي؛ لأنه إذا أوصاه به فقد ألزمه إياه، وعليه بيت ((الكتاب)):
فإن لم تجد من دون عدنان والداً … ودون معدٍّ فلتزعك العواذل
عطف دون الثانية على موضع (من)، وإن شئت حملته على حذف المضاف، أي: وجعلني ذا برٍّ، وإن شئت جعلته إياه على المبالغة كقولها:
فإنما هي إدبارٌ وإقبال
فعلى هذا هو معطوفٌ على: (مُّبَارَكًا).
стр. 4976
أو نصبه بفعل في معنى: أوصانى، وهو كلفنى، لأن أوصانى بالصلاة وكلفنيها واحد (وَالسَّلامُ عَلَيَّ) قيل: أدخل لام التعريف لتعرفه بالذكر قبله، كقولك: جاءنا رجل، فكان من فعل الرجل كذا. والمعنى: ذلك السلام الموجه إلى يحيى في المواطن الثلاثة موجه إلىّ. والصحيح: أن يكون هذا التعريف تعريضا باللعنة على متهمى مريم عليها
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أو نصبه بفعلٍ) عطفٌ على قوله: ((جعل ذاته براًّ))، يعني: جعل أبو نهيكٍ (وبَرًا) منصوباً بقوله: (وجَعَلَنِي) وعطفه على: (مُّبَارَكًا) أو نصبه بفعلٍ مضمرٍ، كأنه قيل: وكلفني براًّ بوالدتي.
قوله: (والصحيح أن يكون هذا التعريف تعريضاً باللعنة)، يؤذن أن التعريف السابق غير صحيح، قيل: لأن التعريف في العهد الخارجي إشارةٌ إلى ذلك الشخص المعير المتوجه إلى يحيى ﵇، ويستحيل أن يتوجه ذلك السلام بعينه إلى عيسى ﵇.
وقلت: يحمل على التشبيه ليصح كقوله تعالى: (هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ) [البقرة: ٢٥]، وليس ذات الحاضر عندهم في الجنة هي ذات المرزوق في الدنيا، ومعناه: هذا مثل الذي رزقنا من قبل وشبهه، كأنه ﵇ سأل ربه أن يفعل به مثل ما فعل بيحيى ﵇ من السلامة في سائر أحواله، قاله الأزهري.
والسلام: مصدر سلمت سلاماً وسلامةً، وهو دعاء الإنسان بأن يسلم من الآفات في دينه ونفسه ويتخلص من المكروه، كذا عن المبرد. وهذا معنىً صحيحٌ لو أريد به مجرد الدعاء، لكن المانع شيءٌ آخر، وهو اقتضاء المقام التعريضي الجنس؛ لأن الكلام مع القوم ولم يجر بين عيسى وبين القوم حديث سلام الله على يحيى ﵇ ليشير بذلك إليه، بل إن أمه الصديقة لما أشارت إليه، وقالوا: (كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي المَهْدِ صَبِيًا* قَالَ إنِّي
стр. 4977
السلام وأعدائهما من اليهود. وتحقيقه أن اللام للجنس، فإذا قال: وجنس السلام علىّ خاصة فقد عرض بأن ضدّه عليكم. ونظيره قوله تعالى: (وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى) [طه: ٤٧]، يعنى: أنّ العذاب على من كذَّب وتولَّى، وكان المقام مقام مُناكرة وعناد، فهو مئنة لنحو هذا من التعريض.
(ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ) [مريم: ٣٤].
قرأ عاصم وابن عامر (قَوْلَ الْحَقِّ) بالنصب. وعن ابن مسعود: (قال الحق)، و (قال الله) - وعن الحسن: (قول الحق)، بضم القاف، وكذلك في الأنعام (قَوْلُهُ الْحَقُّ) [الأنعام: ٧٣]، والقولُ والقالُ والقُوْل في معنى واحد، كالرَّهْب والرَّهَب والرُّهْب. وارتفاعه على أنه خبر بعد خبر، أو بدل، أو خبر مبتدأ محذوف. وأما انتصابه فعلى المدح إن فسر بكلمة الله، وعلى أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة إن أريد قول الثبات والصدق، كقولك: هو عبد الله الحق لا الباطل، وإنما قيل لعيسى: «كلمة الله» و «قول الحق» لأنه لم يولد إلا بكلمة الله وحدها، وهي قوله: «كُنْ» من
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عَبْدُ اللَّهِ .... ) إلى آخر الآيات، براءةً لساحتها، وإظهاراً لكرامتها، فافتتح بالتعريض، وهو قوله: (إنِّي عَبْدُ اللَّهِ) رداًّ لقول النصارى، واختتم بمثله من التعريض، كأنه قال: والسلام علي دائماً والعذاب على من كذَّب وتولى، ولذلك قال: وكان المقام مقام مناكرةٍ وعناد، فهو مئنةٌ لنحو هذا من التعريض.
قوله: (فهو مئنةٌ). النهاية: أي: موضعٌ تستعمل فيه، أي: هي مفعلةٌ من معنى ((أن)) التي للتحقيق غير مشتقةٍ من لفظها، ووإنما ضمنت حروفها على أن معناها فيها كالحوقلة والحيعلة.
قوله: (وعن ابن مسعود: ((قال الحق)))، والحق: الله، ولهذا عقبه بقوله: ((وقال الله)).
стр. 4978
غير واسطة أب؛ تسمية للسبب باسم السبب، كما سمى العشب بالسماء، والشحم بالندى ويحتمل إذا أريد بقول الحق عيسى، أن يكون الحق اسم الله ، وأن يكون بمعنى: الثبات والصدق، ويعضده قوله: (الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ) أى: أمرُه حقُّ يقينٌ وهم فيه شاكون (يَمْتَرُونَ) يشكون. والمرية: الشك. أو: يتمارون: يتلاحون، قالت اليهود: ساحرٌ كذاب، وقالت النصارى: ابن الله وثالث ثلاثة. وقرأ علي بن أبى طالب ﵁:
(تمترون)، على الخطاب. وعن أبىّ بن كعب: (قول الحق الذي كان الناس فيه يمترون).
(ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [مريم: ٣٥].
كذب النصارى وبكتهم بالدلالة على انتفاء الولد عنه، وأنه مما لا يتأتى ولا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كما سمي العشب بالسماء)، قال:
إذا نزل السماء بأرض قوم … رعيناه وإن كانوا غضابا
قوله: (والشحم بالندى)، قال ابن الأحمر:
كثور العداب الفرد يضربه الندى … تعلى الندى في متنه وتحدرا
العداب: ما استدق من الرمل، والندى الأول: المطر، والثاني: الشحم.
قوله: (يتلاحقون) الجوهري: لاحيته ملاحاةً ولحاءً: إذا نازعته، وتلاحوا: إذا تنازعوا، وفي روايةٍ: يتلاحون من اللجاج.
قوله: (كذب النصارى وبكتهم)، اعلم أنه تعالى لما أشار بقوله: (ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ) إلى الموصوف السابق وجعله علماً في العبودية بتلك الإشارة، وأكد الكلام بقوله: (قَوْلَ الحَقِّ) - أي: ما ذكر من صفته قول الحق، أو: أقول قول الحق- وقلع الريبة من
стр. 4979
يتصور في العقول وليس بمقدور عليه، إذ من المحال غير المستقيم أن تكون ذاته كذات من ينشأ منه
الولد، ثم بين إحالة ذلك بأن من إذا أراد شيئا من الأجناس كلها أوجده بـ (كن)، كان منزها من شبه الحيوان الوالد. والقول هاهنا مجاز، ومعناه: أنّ إرادته للشيء يتبعها كونه لا محالة من غير توقف، فشبه ذلك بأمر الآمر المطاع إذا ورد على المأمور الممتثل.
(وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ) [مريم: ٣٦].
قرأ المدنيُّون وأبو عمرو بفتح ((أن)). ومعناه: ولأنه ربى وربكم فاعبدوه، كقوله: (وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً) [الجن: ١٨]،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شتمها، أتى بما يلقمهم الحجر، وشفع النص الساطع بالبرهان القاطع، فقال: (مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ سُبْحَانَهُ)، ثم علله بقوله: (إذَا قَضَى أَمْرًا فَإنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ)، فالآيتان معترضتان بين كلامي المسيح ﵇ (إنِّي عَبْدُ اللَّهِ)، (وإنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ) تقريراً لمعنى العبودية، ينصر هذا النظم قول الواحدي: ((من كسر (وإنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكُمْ) جعله عطفاً على قوله: (إنِّي عَبْدُ اللَّهِ)، وما روي عن ابن عباس ﵄ قال: إن عيسى ﵇ أقر بالعبودية على نفسه وبربوبية الله تعالى أول ما تكلم)).
قوله: (من إذا أراد شيئاً) موصولةٌ منصوبةٌ ب ((أن))، والجملة الشرطية من قوله: ((إذا أراد)) مع جوابه- وهو: ((أوجده)) - صلتها، و ((كان منزهاً)) خبر ((أن)).
قوله: (قرأ المدنيون وأبو عمروٍ) وقرأ ابن كثيرٍ أيضاً: بفتح ((أن)).
قوله: (كقوله: (وأَنَّ المَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) [الجن: ١٨])، قال المصنف: ((لأن المساجد لله، اللام متعلقةٌ ب (لا تَدْعُوا)، أي: لا تدعوا مع الله أحداً في المساجد لأنها لله
стр. 4980
والإستارُ وأبو عبيد بالكسر على الابتداء. وفي حرف أبىّ: (إن الله)، بالكسر بغير واو، و: (بأن الله)، أى: بسبب ذلك فاعبدوه.
(فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ) [مريم: ٣٧].
(الْأَحْزابُ): اليهود والنصارى عن الكلبي. وقيل النصارى؛ لتحزُّبهم ثلاث فرق: نسطورية ويعقوبية وملكانية. وعن الحسن: الذين تحزبوا على الأنبياء لما قص عليهم قصة عيسى اختلفوا فيه من بين الناس (مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ) أى: من شهودهم هول الحساب والجزاء في يوم القيامة أو من مكان الشهود فيه وهو الموقف.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تعالى))، قال أبو البقاء: ولوحدانيته أطيعوه، فعلى هذا ما بعد فاء السببية يجوز أن يعمل فيما قبلها، بخلاف الجزائية.
قوله: (والإستار) في ((الصحاح)) و ((الأساس)): الإستار بكسر الهمزة، في العدد: أربعةٌ.
قال جرير:
إن الفرزدق والبعيث وأمه … وأبو الفرزدق قبح الإستار
وقال الكميت:
أبلغ يزيد وإسماعيل مألكةً … ومنذراً وأباه شر إستار
والمراد منه: عاصمٌ والأعمش وحمزة والكسائي. وقيل بدل الأعمش: ابن عامر.
قوله: (وعن الحسن: الذين تحزبوا على الأنبياء)، مؤذنٌ بأن التعريف في (الأَحْزَابِ): للجنس، والمراد قومٌ معهودون لكمالهم في الاختلاف، وقريبٌ منه قوله تعالى: (وقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ) [الفرقان: ٣٧]، وإنما كذبوه وحده، ولذلك جمع الأنبياء.
قوله: (أي: من شهودهم هول الحساب) ذكر في (مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ) ستة أوجه؛ لأن
стр. 4981
أو: من وقت الشهود. أو: من شهادة ذلك اليوم عليهم، وأن تشهد عليهم الملائكة والأنبياء وألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بالكفر وسوء الأعمال. أو: من مكان الشهادة أو وقتها. وقيل: هو ما قالوه وشهدوا به في عيسى وأمه.
(أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَاتُونَنا لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٨) وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٩) إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ) [مريم: ٣٨ - ٤٠].
لا يوصف الله تعالى بالتعجب، وإنما المراد: أن أسماعهم وأبصارهم يومئذ جديرٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المشهود إما بمعنى الحضور، وهو إما مصدر ميمي، والمعنى من شهودهم هول الحساب، أو: اسم مكانٍ منه، أي: من مكان الشهود أو زمانه، والمعنى: من وقت الشهود. وإما بمعنى الشهادة فهو أيضاً إما: مصدرٌ والمعنى: من شهادة ذلك اليوم، أو: اسم مكان، أي: من مكان الشهادة، أو زمان، والمعنى: من وقت الشهادة.
قوله: (وأن تشهد عليهم الملائكة) عطفٌ تفسيريٌّ على قوله: ((شهادة ذلك اليوم))، يعني: أسند الشهادة إلى اليوم على المجاز نحو: (يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدَانَ شِيبًا) [المزمل: ١٧]، والأصل: تشهد عليهم الملائكة والأنبياء في ذلك اليوم.
قوله: (لا يوصف الله بالتعجب)، يريد: أن قوله: (أَسْمِعْ بِهِمْ وأَبْصِرْ) فعلا تعجب، والتعجب راجعٌ إلى العباد لا إلى الله تعالى؛ لأن المعجب هو ما يخفى سببه، وهو على الله محال. قال المالكي: منع بعض النحويين تنازع فعلي تعجب، والصحيح عندي جوازه، لكن بشرط إعمال الثاني، كقولك: ما أحسن وأعقل زيداً، بنصب ((زيداً)) ب ((أعقل))، لا ب ((أحسن))؛ لأنك لو نصبته به لفصلت ما لا يجوز فصله، ولا يمتنع على مذهب البصريين
стр. 4982
بأن يُتعجَّب منهما بعد ما كانوا صما عميا في الدنيا. وقيل: معناه التهديد بما سيسمعون ويبصرون مما يسوؤهم ويصدع قلوبهم. أوقع الظاهر -أعنى الظالمين- موقع الضمير، إشعارا بأن لا ظلم أشد من ظلمهم، حيث أغفلوا الاستماع والنظر حين يجدى عليهم ويسعدهم. والمراد بالضلال المبين: إغفال النظر والاستماع (قُضِيَ الْأَمْرُ): فرغ من الحساب، وتصادر الفريقان إلى الجنة والنار. وعن النبي ﷺ أنه سئل عنه -أى: عن قضاء الأمر- فقال: «حين يذبح الكبش والفريقان ينظران» و (إذْ) بدل من (يوم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أن يقال: أحسن وأعقل بزيدٍ، ثم حذف الباء لدلالة الثانية عليها، ثم اتصل الضمير واستتر، كما استتر في الثاني من قوله تعالى: ((أسمع وأبصر))، فإن الثاني يستدل به على الأول، كما يستدل على الثاني بالأول، إلا أن الاستدلال بالأول على الثاني أكثر من العكس.
قوله: (وقيل: معناه: التهديد بما سيسمعون): عطفٌ على قوله: ((وإنما المراد))، وعلى الأول المراد بالتعجب، وهو راجعٌ إلى العباد، لقوله: ((جديرٌ لأن يتعجب منهما))، ومتعلق الاستماع والإبصار منسيٌّ ليشمل كل ما يصح أن يسمع وأن يبصر، فهو كقول الشاعر:
شجو حساده وغيظ عداه … أن يرى مبصرٌ ويسمع داعي
فقطع الفعل عن متعلقه الخاص ليصير مطلقاً، ثم كني به عن ذلك المتعلق بقرينة مقام التهديد. وعلى الثاني: هو كنايةٌ عن مجرد التهديد، والمتعلق المنوي هو ما يسوؤهم ويصدع قلوبهم.
قوله: (حين يذبح الكبش) روينا عن البخاري ومسلم والترمذي، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله ليه وسلم: ((يؤتى بالموت كهيئة كبشٍ أملح، فينادي منادٍ: يا أهل الجنة، فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رأوه، فيذبح بين الجنة والنار، ثم يقول: يا أهل الجنة، خلودٌ فلا موت، ويا أهل النار، خلودٌ فلا موت)). ثم قرأ: (وأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ) الآية.
стр. 4983
الحسرة)، أو منصوبٌ بالحسرة (وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ) متعلِّق بقوله: (في ضلال مبين) عن الحسن. و (أنذرهم): اعتراض. أو هو متعلق بـ (أنذرهم)، أى: وأنذرهم على هذه الحال غافلين غير مؤمنين. يحتمل أنه يميتهم ويخرب ديارهم، وأنه يفنى أجسادهم ويفنى الأرض ويذهب بها.
(وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا* إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً* يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَاتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا* يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا* يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا) [مريم: ٤١ - ٤٥].
الصدّيق: من أبنية المبالغة. ونظيره: الضِّحيك والنطيق، والمراد: فرط صدقه وكثرة ما صدّق به من غيوب الله وآياته وكتبه ورسله، وكأنَّ الرُّجحان والغلبة في
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أي: وأنذرهم على هذه الحال) هذا التفسير غير ملائم لقوله تعالى: (إنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا) [النازعات: ٤٥] والوجه أن يتعلق بقوله: (فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ) لأن قوله: (وهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) نفي الإيمان منهم على سبيل الدوام مع الاستمرار في الأزمنة الماضية والآتية على التأكيد والمبالغة.
قوله: (وأنه يفني أجسادهم) أي: يحتمل (إنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ) أن يراد به الوراثة الخاصة، وأن يراد العامة، فالتعريف في الأرض على الأول للعهد، ولذلك قال: ((تخرب ديارهم))، وعلى الثاني للجنس، وهو المراد بقوله: ((ويفني الأرض ويذهب بها)). والثاني هو الراجح لوجهين: أحدهما: أن الكلام من قوله: (مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ) في شأن القيامة. وثانيهما: أن فيه معنى (لِّمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ) [غافر: ١٦].
قوله: (وكثرة ما صدق به) الراغب: الصديق: من كثر الصدق منه. وقيل: بل من لم يكذب قط. وقيل: بل من لا يتأتى منه الكذب لتعوده الصدق. وقيل: بل من صدق بقوله
стр. 4984
هذا التصديق للكتب والرسل، أى: كان مصدقاً بجميع الأنبياء وكتبهم، وكان نبيا في نفسه، كقوله تعالى: (بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ) [الصافات: ٣٧]. أو: كان بليغاً في الصدق؛ لأن ملاك أمر النبوة الصدق، ومُصدقُ الله بآياته ومعجزاته حري أن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
واعتقاده وحقق صدقه بفعله. قال تعالى: (واذْكُرْ فِي الكِتَابِ إبْرَاهِيمَ إنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًا) [مريم: ٤١] وقال تعالى: (فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ) [النساء: ٦٩]، والصديقون هم قومٌ دون الأنبياء في الفضيلة على ما بينت في ((الذريعة)).
قوله: (أو كان بليغاً في الصدق). الظاهر أنه عطفٌ على قوله: ((والمراد فرط صدقه وكثرة ما صدق به))، يعني: أن ((الصديق)) من أبنية المبالغة يجوز أن يحمل على فرط صدقه وكثرة ما صدق به، ويجوز أن يحمل على المبالغة، يدل عليه قوله في فاتحة البقرة: (بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) [البقرة: ١٠] قرئ: ((يكذبون))، من كذبه الذي هو نقيض صدقه، ومن كذب الذي هو مبالغةٌ في ((كذب)). ثم قال: ((أو بمعنى الكثرة))، ولما عد ها هنا أشياء في مثال الكثرة من قوله: ((غيوب الله وآياته وكتبه ورسله)) أراد أن يرجح بعضاً منها على بعض بمقتضى المقام. وقال: وكان الرجحان والغلبة في هذا التصديق للكتب والرسل، واستدل عليه بانضمام: (صِدِّيقًا) مع (نَّبِيًا) ليوافق قوله: (بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ) [الصافات: ٣]، فقوله: (بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ) إشارةٌ إلى كونه نبياًّ، وقوله: (وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ) إشارةٌ إلى كونه صديقاً، أما قوله: ((أي: كان مصدقاً بجميع الأنبياء وكتبهم، وكان نبياًّ))، فهو معنى مقاربة الوصفين، أعني: صديقاً ونبياًّ، وقوله: ((لأن ملاك أمر النبوة الصدق)) تعليلٌ لتفسير
стр. 4985
يكون كذلك. وهذه الجملةُ وقعت اعتراضا بين المبدل منه وبدله، أعنى إبراهيم. و (إِذْ قالَ):
نحو قولك: رأيت زيداً، ونِعم الرجل أخاك. ويجوز أن يتعلق (إذ) بـ (كان) أو بـ (صديقاً نبيا)، أى: كان جامعا لخصائص الصديقين والأنبياء حين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(صِدِّيقًا) في هذا المقام بالمبالغة، يعني: إنما وصفه بقوله: (صِدِّيقًا) وقرن معه (نَّبِيًا) لأن ملاك أمر النبوة الصدق، و ((مصدق الله)) مع خبره معطوفٌ على الجملة التي قبله، واقترانه مع النبي على الوجه الأول: للتكميل، وعلى الثاني: للتتميم.
قوله: (وهذه الجملة وقعت اعتراضاً بين المبدل منه وبدله). قال صاحب ((الفرائد)): كون الجملة اعتراضاً بين البدل والمبدل منه بدون الواو بعيدٌ عن الطبع وع الاستعمال، والذي ذكر من النظر ليس بمستعمل، وهو مع ذلك بالواو، ويمكن أن يقال: (إنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا) في مقام التعليل، كأنه قال: واذكره لقومك؛ لأنه كان صديقاً نبياًّ. ثم ابتدأ وقال: (إذْ قَالَ) أي: اذكر لهم ما قال لأبيه، كأنه بيانٌ لبعض ما يكون به صديقاً نبياًّ. والعامل في: (إذْ): (واذْكُرْ)، والوقت في هذا قائمٌ مقام المفعول به.
قلت: أما قوله: ((كون الجملة اعتراضاً بدون الواو بعيدٌ)، فكلام من لم يحقق معنى الاعتراض، وهو أن يؤتى في أثناء الكلام متصلين معنىً بجملةٍ لا محل لها من الإعراب، ومرجعه إلى التأكيد، وهو يأتي تارةً بالواو، كقوله:
إن الثمانين وبلغتها … قد أحوجت سمعي إلى ترجمان
وأخرى بلا واوٍ نحو قوله تعالى: (ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَنَاتِ سُبْحَانَهُ ولَهُم مَّا يَشْتَهُونَ) [النحل: ٥]، ومن القبيلين قوله تعالى: (فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ) [الواقعة: ٧٥ - ٧٦]، هذا إذا كان: (إذْ قَالَ) بدلاً من (إبْرَاهِيمَ)، وإذا تعلق ب (كَانَ) أو ب (صِدِّيقًا) كان تعليلاً.
стр. 4986
خاطب أباه تلك المخاطبات. والمرادُ بذكر الرسول إياه وقصته في الكتاب: أن يتلُو ذلك على الناس ويبلغه إياهم، كقوله: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ) [الشعراء: ٦٩]، وإلا فالله هو ذاكرُه ومُوردُه في تنزيله. التاء في (يا أَبَتِ): عوضٌ من ياء الإضافة، ولا يقال "يا أبتى"؛ لئلا يُجمع بين العوض والمعوض منه. وقيل: "يا أبتا"، لكون الألف بدلا من الياء، وشبه ذلك سيبويه بأينق، وتعويض الياء فيه عن الواو الساقطة.
انظر حين أراد أن ينصح أباه ويعظه فيما كان متورطا فيه من الخطأ العظيم والارتكاب الشنيع
الذي عصى فيه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وإلا فالله هو ذاكره ومورده في تنزيله) إشارةٌ إلى أن أصل الكلام: إنا قد أوردنا في التنزيل قصة إبراهيم، وذكرناها فيه، فاتلها أنت على الناس وبلغها إياهم، كقوله: (واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إبْرَاهِيمَ) [الشعراء: ٦٩]. ولما كان رسول الله صلى الله ليه وسلم خليفة الله في أرضه والناطق عنه بأوامره ونواهيه مع عباده، جعله ذاكراً ومورداً في القرآن قصص الأنبياء ﵈.
قوله: (وقل: ((يا أبتا)) لكون الألف بدلاً من الياء)، يريد: ((يا أبتي)) غير جائزٍ لاجتماع العوض والمعوض عنه صريحاً، وهما الياء والتاء، بخلاف: ((يا أبتا))؛ لأن الألف بدلٌ من الياء، كما أن التاء بدلٌ منها، فلا يكون في الصراحة مثل الياء، ولكن قل استعماله للعود إليه، ولا يبعد اجتماع عوضين عن معوضٍ واحد، فإن صاحب الجبيرة يجب عليه التيمم والمسح، وهما عوضان عن الغسل.
قوله: (بأينقٍ)، قد جمعت ((الناقة)) في القلة على ((أنوق))، ثم استثقلوا الضمة على الواو فقدموها، وقالوا: ((أونق))، ثم عوضوا من الواو ياءً، فقالوا: ((أينقٌ))، ثم جمعوها على ((أيانق)).
قوله: (أن ينصح أباه ويعظه فيما كان) تنازع ((ينصح)) و ((يعظه)) في الظرف، و ((من الخطأ)) بيان ((ما))، ويجب أن يقدر في ((وانسلخ عن قضية التمييز)): ((فيه))؛ لأن الجملة معطوفةٌ على صلة الموصول ولابد من الراجع.
قوله: (متورطاً فيه). الجوهري: أورطه وورطه توريطاً: إذا أوقعه في الورطة، وهي: الهلاك، فتورط هو فيها.
стр. 4987
آمر العقلاء وانسلخ عن قضية التمييز، ومن الغباوة-التي ليس بعدها غباوة- كيف رتب الكلام معه في أحسن اتساق، وساقه أرشق مساق، مع استعمال المجاملة واللطف والرفق واللين والأدب الجميل والخلق الحسن، منتصحا في ذلك بنصيحة ربه عز وعلا، حدّث أبو هريرة قال: قال رسول الله ﵌ «أوحى الله إلى إبراهيم ﵇: إنك خليلي، حسن خلقك ولو مع الكفار، تدخل مداخل الأبرار،
فإن كلمتي سبقت لمن حسن خلقه، أظله تحت عرشي، وأسكنه حظيرة القدس، وأدنيه من جواري"؛
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (آمر العقل) معناه: العقل الآمر والفكر الصائب، وقوله: ((ومن الغباوة)) عطفٌ على ((من الخطأ)).
قوله: (أرشق مساقٍ). الأساس: غلامٌ رشيقٌ: إذا كان في اعتدالٍ ودقة، ومن المجاز: رجلٌ رشيقٌ: ظريفٌ، وخطٌّ رشيق.
قوله: (م استعمال المجاملة واللطف)، هذا الأسلوب يسمى بالاستدراج والكلام المنصف.
قوله: (منتصحاً في ذلك) إشارةٌ إلى قوله: ((رتب الكلام معه في أحسن اتساقٍ)).
اعلم أن ((حين)) في قوله: ((انظر حين أراد أن ينصح)) لا يجوز أن يكون ظرفاً لقوله: ((انظر))، إذ ليس المراد بالأمر بالنظر في ذلك الزمان، ولا يجوز أن يكون ظرفاً لقوله: ((رتب))، إذ لا يعمل ما بعد الاستفهام فيما قبله، بل هو مفعولٌ به لقوله: ((انظر))، أي: انظر إلى زمان إرادته نصيحة أبيه، والمقصود من النظر في ذلك الزمان: النظر إلى ما هو فيه، لكن ذكر الزمان للإشعار بأن ذلك الزمان لغرابة ما وقع فيه، جديرٌ بأن ينظر فيه، وهذا المعنى مأخوذٌ من كلام المصنف في قوله: (وَقُلْنَا يَا آدَمُ) [البقرة: ٣٤]، (وإذْ قَالَ إبْرَاهِيمُ) [البقرة: ١٢٦]، وفي الكلام حذفٌ، وهو فعل العلم المعلق عن العمل، أي: انظر لتعلم كيف رتب.
стр. 4988
وذلك أنه طلب منه أولا العلة في خطئه طلب منبه على تماديه، موقظ لإفراطه وتناهيه، لأن المعبود لو كان حيا مميزا، سميعا بصيرا، مقتدرا على الثواب والعقاب، نافعا ضارا، -إلا أنه بعض الخلق- لاستخفّ عقل من أهله للعبادة ووصفه بالربوبية، ولسجل عليه بالغىّ المبين والظلم العظيم وإن كان أشرف الخلق وأعلاهم منزلة، كالملائكة والنبيين. قال الله تعالى: (وَلا يَامُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً أَيَامُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران: ٨٠]؛ وذلك أن العبادة هي غاية التعظيم، فلا تحق إلا لمن له غاية الإنعام: وهو الخالق الرزاق، المحيي المميت، المثيب المعاقب، الذي منه أصول النعم وفروعها. فإذا وجهت إلى غيره - وتعالى علوا كبيرا أن تكون هذه الصفة لغيره - لم يكن إلا ظلما وعتوا وغيا وكفرا وجحودا، وخروجا عن الصحيح النير إلى الفاسد المظلم، فما ظنك بمن وجه عبادته إلى جماد ليس به حس ولا شعور؟ فلا يسمع -يا عابده- ذكرك له وثناءك عليه، ولا يرى هيئات خضوعك وخشوعك له، فضلا أن يغنى عنك بأن تستدفعه بلاء فيدفعه، أو تسنح لك حاجة فيكفيكها. ثم ثنى بدعوته إلى الحق مترفقا به متلطفا، فلم يسم أباه بالجهل المفرط، ولا نفسه بالعلم الفائق، ولكنه قال: إن معى طائفة من العلم وشيئا منه ليس معك، وذلك علمُ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وكفرا وجحوداً)، الراغب: الجحود: نفي ما في القلب ثباته، وإثبات ما في القلب نفيه. قال تعالى: (وجَحَدُوا بِهَا واسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ) [النمل: ١٤].
قوله: (فلا يسمع- يا عابده- ذكرك له) هذا الاعتراض فيه التنبيه على غباوة السامع والتمادي في الغفلة والانغماس في ورطة الجهل، قال الفرزدق:
فانعق بضأنك يا جرير، فإنما … منتك نفسك في الخلاء ضلالا
стр. 4989
الدلالة على الطريق السوي، فلا تستنكف، وهب أنى وإياك في مسير وعندي معرفة بالهداية دونك، فاتبعنى أنجك من أن تضل وتتيه. ثم ثلث بتثبيطه ونهيه عما كان عليه: بأن الشيطان - الذي استعصى على ربك الرحمن الذي جميع ما عندك من النعم من عنده، وهو عدوّك الذي لا يريد بك إلا كل هلاك وخزى ونكال وعدوّ أبيك آدم وأبناء جنسك كلهم - هو الذي ورّطك في هذه الضلالة وأمرك بها وزينها لك، فأنت إن حققت النظر عابد الشيطان، إلا أن إبراهيم ﵇ لإمعانه في الإخلاص ولارتقاء همته في الربانية لم يذكر من جنايتي الشيطان إلا التي تختص منهما برب العزة من عصيانه واستكباره، ولم يلتفت إلى ذكر معاداته لآدم وذرّيته كأن النظر في عظم ما ارتكب من ذلك غمر فكره وأطبق على ذهنه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (استعصى على ربك) أبلغ من ((عصى))، لمعنى الطلب فيه.
قوله: (لم يذكر من جنايتي الشيطان إلا التي تختص منهما برب العزة من عصيانه) لعله يريد أن قوله: (إنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًا) من باب التلميح، وهو أن يشار في الكلام إلى نحو قصةٍ، وهي ما ذكره الله تعالى في قوله: (وإذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلاَّ إبْلِيسَ كَانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِي) [الكهف: ٥٠] من استعصاء اللعين على الله، وأنه عدوٌّ لبني آدم، فآثر خليل الله ما هو مختصٌّ بالله على ما يختص بالغير، لأنه أهم شيءٍ عنده، ومنه قوله تعالى: (قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ ولَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) [الأنعام: ٣٣]، قال المصنف: ((إن تكذيبك أمرٌ راجعٌ إلى الله فاله عن حزنك لنفسك، وأنهم كذبوك وأنت صادقٌ، وليشغلك عن ذلك ما هو أهم، وهو استعظامك لجحود آيات الله والاستهانة بكتابه)).
قوله: (كأن النظر في عظم ما ارتكب [من ذلك] غمر فكره) أي: لم يلتفت إلى ما هو في غير ما هو في جنب الله، وهو عداوته لآدم، وقد يعرض للمتكلم وهو في أثناء كلامه ما يذهله عن بعض ما هو فيه، فيأخذ في الأهم.
стр. 4990
ثم رَبَّعَ بتخويفه سوء العاقبة، وبما يجرُه ما هو فيه من التَّبِعة والوبال، ولم يخل ذلك من
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ثم ربع بتخويفه سوء العاقبة)، فإن قلت: قال: رتب الكلام معه أحسن اتساق، وساقه أرشق مساق، ثم أتى بكلمة الترتب، وعد أربعة أنواع من النصيحة وما بين وجه الاتساق؟
قلت: وفي كلامه إشعارٌ به وتلويحٌ إليه، وبيان ذلك: أن الواجب على الداعي الناصح والطبيب الحاذق بيان الضلال، وتشخيص الداء العضال، ثم الشروع في الدواء بإزالة المرض ورد الصحة، فبين ﵇ أولاً خطأه في ارتكاب الشنيع من عبادة ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنه شيئاً، وإليه الإشارة بقوله: طلب أولاً العلة في خطابه طلب منبهٍ على تماديه، إلى آخره، فإذا تنبه المنصوح والمريض على الضلال والمرض لابد أن يطلب من المنبه طريق الإزالة، فعليه أن يوقفه على الطبيب والمرشد، وإليه الإشارة بقوله: ((وعندي معرفةٌ بالهداية فاتبعني أنجك من أن تضل وتتيه))، فإذا أذن له عند ذلك يشرع في إزالة ما ينبغي إزالته، فيبتدئ بالأهم والأولى. ولا ارتياب في أن الشيطان هو الذي باض الضلال في بني آدم وفرح فيه من أول الزمان، وأوقعه في ورطة المهالك، وإليه الإشارة بقوله: ((وهو عدوك وعدو أبيك وأبناء جنسك، وهو الذي ورطك في هذه الضلالة))، وإن الشيطان هو الذي انتصب لاستجرارهم إلى الوبال وعذاب النار في آخر الأمر، وإليه الإشارة بقوله: ((ثم ربع بتخويفه سوء العاقبة)) فلما لم ينجح في أبيه هذا الوعظ حيث أجاب جوابه الأحمق بقوله: (أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي)، لا جرم أنه ﵇ لما لم يتمكن من التخلية بإزالة الشرك الذي هو المرض، فأسرع في التحلية من الأمر بالتوحيد الذي هو رد الصحة التي هي فطرة الله التي فطر الناس علليها، وبمكارم الأخلاق، فطلب الاعتزال
стр. 4991
حُسن الأدب؛ حيث لم يصرح بأن العقاب لا حق له وأن العذاب لاصق به، ولكنه قال: (أخاف أن يمسك عذابٌ)، فذكر الخوف والمس ونكر العذاب، وجعل ولاية الشيطان ودخوله في جملة أشياعه وأوليائه أكبر من العذاب، وذلك أن رضوان الله أكبر من الثواب نفسه، وسماه الله تعالى المشهود له بالفوز العظيم حيث قال: (وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [التوبة: ٧٢]، فكذلك ولاية الشيطان التي هي معارضة رضوان الله، أكبر من العذاب نفسه وأعظم، وصدّر كل نصيحة من النصائح الأربع بقوله يا (أَبَتِ)؛ توسلا إليه واستعطافا. (ما)
في (ما لا يَسْمَعُ) و (ما لَمْ يَاتِكَ) يجوزُ أن تكون موصولة وموصوفة، والمفعول في (لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ)
منسى غير منوي، كقولك: ليس به استماع ولا إبصار (شَيْئاً) يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون في موضع المصدر، أى: شيئاً من الغناء، ويجوز أن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بقوله: (وأَعْتَزِلُكُمْ ومَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وأَدْعُو رَبِّي) [مريم: ٤٨] (واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ وهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ) [الأحزاب: ٤].
قوله: (فذكر الخوف والمس ونكر العذاب) ثم أسنده إلى ((الرحمن)) للإيذان بأن العذاب من الموصوف بالرحمة أشد، وإليه لوح المتنبي بقوله:
فما يوجع الحرمان من كف حارمٍ … كما يوجع الحرمان من كف رازق
قوله: (وجعل ولاية الشيطان ودخوله في جملة أشياعه وأوليائه أكبر من العذاب)، وجعل مسيس العذاب سبباً لكون الشيطان وليه ووسيلةً إلى الدخول في زمرة أشياعه.
قوله: ((شَيْئًا) يحتمل وجهين) أي: في قوله: (ولا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا)، ولعل إيقاعه قوله: ((ويجوز أن يقدر نحوه مع الفعلين السابقين)) يعني: لا يسمع ولا يبصر، اعتراضا بين الوجهين للإشعار باختصاص النصب على المصدر فيهما دون المفعول به، كما في الوجه الثاني، لئلا يفوت إرادة الإطلاق منهما على ما سبق له. واعلم أن (شَيْئًا) جيء به مراعاةً
стр. 4992
يُقدَّر نحوه مع الفعلين السابقين. والثاني: أن يكون مفعولا به من قولهم: أغن عنى وجهك. (قَدْ جاءَنِي): فيه تجدُّد العِلْم عنده.
(قالَ أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا) [مريم: ٤٦].
لما أطلعه على سماجة صورة أمره، وهدم مذهبه بالحجج القاطعة، وناصحه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لفواصل السورة ظاهراً، وكان من حقه أن يعلق بالأفعال الثلاثة، فترك تعلقه بالفعلين السابقين لذلك الغرض، فوجب تعلقه بالأخير. ثم من الوجهين الأول أولى؛ لأنه أقرب إلى إرادة المبالغة.
قوله: (أغن عني وجهك)، أي: بعد وجهك عني؛ لأن الشيء إذا استغني عنه فقد ترك وبعد. قال في ((المغرب)): أغن عني كذا، أي: نحق عني وبعده. قال:
لتغني عني إنائك أجمعا
وعليه حديث عثمان ﵁ في صحيفة الصدقة التي بعثها عليٌّ ﵁ على يد محمد بن الحنفية: ((أغنها عنا))، وهو في الحقيقة من باب القلب، كقولهم: عرض الدابة على الماء.
قوله: ((قَدْ جَاءَنِي) فيه تجدد العلم عنده): بيانٌ لاتصال قوله: (يَا أَبَتِ إنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ العِلْمِ) بقوله: (ولا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا) أي: لم تعبد الجماد وما لا يدفع عنك الأذى؟ وما أقول ذلك من تلقاء نفسي، ولا كنت عاملاً به قبل هذا، بل قد جاءني فيه تجدد العلم عند إمحاض نصحي هذا، فالضمير في ((فيه)) يعود إلى المذكور، ولما كان المذكور محض النصح، كان الضمير في ((عنده)) راجعاً إليه.
стр. 4993
ناصحة العجيبة مع تلك الملاطفات، أقبل عليه الشيخُ بفظاظة الكفر وغلظة العناد، فناداه باسمه، ولم يقابل (يا أَبَتِ) بـ"يا بنىّ"، وقدَّم الخبر على المبتدأ في قوله (أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ)؛ لأنه كان أهمَّ عنده وهو عنده أعنى، وفيه ضرب من التعجب والإنكار لرغبته عن آلهته، وأن آلهته، ما ينبغي أن يرغب عنها أحد. وفي هذا سُلوان
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أقبل عليه الشيخ)، وفي تخصيصه تنبيهٌ على جسارة قلبه وشدة شكيمته، يعني: كان من حقه وكونه رجلاً شيخاً أن يأتي باللطف والمجاملة، لكن عكس.
قوله: (وقدم الخبر على المبتدأ). قال أبو البقاء: (أَرَاغِبٌ): مبتدأ، و (أَنتَ): فاعله أغنى عن الخبر، وجاز الابتداء بالنكرة لاعتمادها على الهمزة.
وقال المالكي وغيره: إن (أَنتَ): مرفوعٌ ب (أَرَاغِبٌ)، وإلا يلزم الفصل بين (أَرَاغِبٌ) ومعموله وهو (عَنْ آلِهَتِي) بأجبني وهو (أَنتَ). وأجيب أن (عَنْ): متعلقٌ بمقدرٍ بعد (أَنتَ) دل عليه (أَرَاغِبٌ).
قال ابن الحاجب في ((الأمالي)): لا يتوهم أحدٌ أن ((أقائمٌ هو)) من قبيل ((أقائمٌ زيدٌ))، بل قائمٌ: خبرٌ ل ((هو)) مقدمٌ عليه، ولذا يقال في التثنية والجمع: أقائمان هما، وأقائمون هم؟ وعورض بنحو: أراغبٌ أنتما وأراغبٌ أنت؛ لأنه متعينٌ أن يكون ((أراغبٌ)) مبتدأ.
قوله: (وهو عنده أعنى)، أي: تقديم الخبر عند أبي إبراهيم أهم.
الأساس: عني بكذا واعتنى به وهو معنيٌ به، ومنه قول سيبويه: وهم ببيانه أعنى.
قوله: (سلوانٌ). الجوهري: السلوانة، بالضم: خرزةٌ كانوا يقولون: إذا صب عليها الماء من المطر فيشربه العاشق سلا، واسم ذلك الماء: السلوان.
стр. 4994
وثلج لصدر رسول الله ﷺ عما كان يلقى من مثل ذلك من كفار قومه (لَأَرْجُمَنَّكَ) لأرمينك بلساني؛ يريد الشتم والذمّ، ومنه: "الرَّجِيمِ" المرمىّ باللعن. أو: لأقتُلنَّك، من رجم الزاني. أو: لأطردنك رميا بالحجارة. وأصل الرجم: الرمي بالرجام (مَلِيًّا) زمانا طويلاً، من الملاوة. أو: مليا بالذهاب عنى والهجران قبل أن أثخنك بالضرب، حتى لا تقدر أن تبرح. يقال: فلان ملىّ بكذا، إذا كان مطيقا له مضطلعا به. فإن قلت: علام عطف (وَاهْجُرْنِي)؟ قلت: على معطوف عليه محذوف يدل عليه (لَأَرْجُمَنَّكَ) أى فاحذرنى واهجرني، لأن (لَأَرْجُمَنَّكَ) تهديد وتقريع.
(قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا (٤٧) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا) [مريم: ٤٧ - ٤٨].
(سَلامٌ عَلَيْكَ) سلامُ توديع ومتاركة، كقوله تعالى: (لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وثلجٌ لصدر). الأساس: ومن المجاز ثلج فؤاده، وهو مثلوج الفؤاد، وثلجت نفسه بكذا: بردت وسرت.
قوله: (الرمي بالرجام). الجوهري: الرجم: القتل، وأصله الرجم بالحجارة، والرجام: حجارةٌ ضخام.
قوله: (من الملاوة). الجوهري: أقمت عنده ملاوةً من الدهر، أي: حيناً وبرهة، وعلى هذا (مَلِيًا): ظرفٌ، وعلى الوجه الثاني: حالٌ من الفاعل.
قوله: (أثخنك بالضرب). الأساس: أثخن في الأمر: بالغ فيه.
قوله: ((لأن (لأَرْجُمَنَّكَ) تهديدٌ وتقريع)، تعليلٌ لدلالة (لأَرْجُمَنَّكَ) على ((فاحذرني))، ولا يصلح المذكور أن يكون معطوفاً عليه؛ لأنه جواب القسم، ولا يصلح هذا أن يكون جواباً له، فيقدر ما يكون مسبباً عما تقدم، فيعطف عليه، على منوال قوله تعالى: (ولَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وسُلَيْمَانَ عِلْمًا وقَالا الحَمْدُ لِلَّهِ) [النمل: ١٥].
стр. 4995
سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ) [القصص: ٥٥]، وقوله: (وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً) [الفرقان: ٦٣]، وهذا دليلٌ على جواز متاركة المنصوح والحال هذه. ويجوز أن يكون قد دعا له بالسلامة استمالة له. ألا ترى أنه وعده الاستغفار؟ فإن قلت: كيف جاز له أن يستغفر للكافر وأن يعده ذلك؟ قلت:
قالوا أراد اشتراط التوبة عن الكفر، كما ترد الأوامر والنواهي الشرعية على الكفار والمراد اشتراط الإيمان، وكما يؤمر المحدث والفقير بالصلاة والزكاة ويراد اشتراط الوضوء والنصاب. وقالوا: إنما استغفر له بقوله: (وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ) [الشعراء: ٨٦]؛ لأنه وعده أن يؤمن. واستشهدوا عليه بقوله تعالى (وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ) [التوبة: ١١٤]. ولقائل أن يقول: إنّ الذي منع من الاستغفار للكافر إنما هو السمع، فأمّا القضية العقلية فلا تأباه، فيجوز أن يكون الوعد بالاستغفار والوفاء به قبل ورود السمع، بناء على قضية العقل، والذي يدل على صحته
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كما ترد الأوامر والنواهي)، قيل: النواهي مجمعٌ عليها في كونهم مخاطبين بها، وأما الأوامر فعند الشافعي ﵁ أنهم مخاطبون بها بشرط الإيمان، وعند أبي حنيفة ﵁ أنهم مخاطبون مطلقاً، قيل: فيه نظرٌ؛ لأن التوحيد أصلٌ، فلا يجوز أن ينقلب شرطاً؛ لأن الشرط تبعٌ للمشروط، وأجيب: أن كونه شرطاً بسبب اقتضاء صحة هذا المأمور به، لا أنه شرطٌ في نفس الأمر.
قوله: (والذي يدل على صحته) أي: صحة القول بجواز الاستغفار على قضية العقل، وبطلان القول باشتراط التوبة عن الكفر: هذه الآية، وبيانه: أنه لو كان إبراهيم ﵇ شارطاً للإيمان لم يكن استغفاره مستنكراً ومستثنىً في قوله: (إلاَّ قَوْلَ إبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ) [الممتحنة: ٤]، فلما استثنى دل على أنه ما شرط التوبة؛ لأن الاستغفار على شريطة التوبة مستحسنٌ من كل أحد، فلا يكون منكراً.
стр. 4996
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال صاحب ((الانتصاف)): الحق أن التحسين والتقبيح باطلان، فلا حاجة إلى هذا التعليل.
وقال صاحب ((الفرائد)): لو كان الوعد والوفاء على قضية العقل لقيل: ما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا جرياً على قضية العقل، فلما ورد السمع بأن الاستغفار لا يجوز للكافر، ترك الاستغفار وتبرأ منه، ويمكن أن يقال: وعده الاستغفار بشرط التوبة، ولم يعلم بأنه ممن لا يؤمن البتة، فوفى بالوعد وقال: (واغْفِرْ لأَبِي إنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ) [الشعراء: ٨٦]، كأنه قال: أخرجه من الضلال واغفر له، (فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّهِ) [التوبة: ١١٤] أي: ممن لا يؤمن، ترك الدعاء وتبرأ منه.
قال الإمام: الآية تدل على أنه لا يجوز لنا التأسي به في ذلك، والمنع من التأسي به في ذلك لا يدل على أن ذلك كان معصيةً، فإن كثيراً من خواص النبي ﷺ لا يجوز لنا التأسي بها مع أنها كانت مباحةً له.
وزاد صاحب ((التقريب)) على هذا بأن قال: نفي اللازم ممنوعٌ أيضاً، فإن استثناءه عما وجبت فيه الأسوة إنما يدل على أنه غير واجب، لا على أنه غير جائزٍ ومنكر، وكان ينبغي له أن يقول- بدل قوله: ومستثنىً عما وجبت فيه الأسوة-: مستثنىً عما جازت فيه الأسوة لقوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ … ) [الممتحنة: ٦] الآية، ولا دلالة فيه على الوجوب.
وقلت- واعلم عند الله-: كلام صاحب ((الفرائد)): وعده الاستغفار بشرط التوبة ولم يعلم بأنه ممن لا يؤمن، إلى آخره، حسنٌ، لكن مع زيادةٍ يسيرة، والنظم يساعد عليه. وبيانه: أنه ﵇ لما أجاب عن قول أبيه: (لأَرْجُمَنَّكَ واهْجُرْنِي مَلِيًا) بقوله: (سَأَسْتَغْفِر
стр. 4997
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لَكَ رَبِّي إنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًا) جوابه الحكيم إظهاراً للتعطف والرأفة، وإبداءً للرقة والرحمة، كأنه ﵇ ما التفت إلى جفائه وغلظته بناءً على ما وصفه الله تعالى: (إنَّ إبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) [التوبة: ١١٤]، ولما لم يكن عارفاً بما يؤول إليه حال أبيه من الإصرار على الكفر، وأنه ممن لا يؤمن البتة، وفى بالوعد وقال: (واغْفِرْ لأَبِي إنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ) [الشعراء: ٨٦]، كأنه قال: أخرجه من الضلال واغفر له (فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّهِ) [التوبة: ١١٤]، أي: مصرٌّ على الضلالة والكفر، ترك الدعاء وتبرأ منه.
فظهر من هذا أن استغفاره إنما لم يكن مستنكراً؛ لأنه ﵇ لم يكن عالماً بإصراره على الكفر، لقوله تعالى: (فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّهِ) [التوبة: ١١٤]، بخلافه في تلك الصورة، فإنه تبين للمؤمنين أنهم أعداء الله بقوله: (لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ) [الممتحنة: ١] وأن لا مجال لإظهار المودة بوجهٍ ما.
ثم بالغ في تفصيل عداوتهم بقوله تعالى: (إن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً ويَبْسُطُوا إلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ ووَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ) [الممتحنة: ٢]، ثم حرضهم على قطيعة الأرحام بقوله: (لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ ولا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ) [الممتحنة: ٣]، ثم سلاهم بالتأسي في القطيعة بإبراهيم ﵇ وقومه بقوله: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إبْرَاهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ إذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ ومِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ … ) إلى قوله: (إلاَّ قَوْلَ إبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ) [الممتحنة: ٤]، فاستثنى من المذكور ما لم يحتمله هذا المقام، كما احتمله ذلك المقام للنص القاطع، يعني: لكم التأسي بإبراهيم مع هؤلاء الكفار في القطيعة والهجران لا غير، فلا تجاملوهم ولا تبدوا لهم بالرأفة والرحمة كما أبدى إبراهيم لأبيه في قوله: (لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ)؛ لأنه لم يتبين له حينئذٍ أنه لا يؤمن كما بدا لكم كفر هؤلاء وعداوتهم لكم. فظهر من هذا البيان أن لابد للمفسر من تعيين المقام والنظر إلى ترتيب النظام، لئلا يدحض في مزال الأقدام، والحمد لله الذي هدانا لهذا.
стр. 4998
قوله تعالى: (إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ) [الممتحنة: ٤]، فلو كان شارطاً للإيمان لم يكن مستنكرا ومستثنى عما وجبت فيه الأسوة. وأمّا (عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ) [التوبة: ١١٤]، فالواعدُ هو إبراهيمُ لا آزر، أى: ما قال (وَاغْفِرْ لِأَبِي) [الشعراء: ٨٦] إلا عن قوله: (لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ)، وتشهد له قراءةُ حمادٍ الرواية: (وعدها أباه). والله أعلم (حَفِيًّا)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وأما (عَن مَّوْعِدَةٍ وعَدَهَا إيَّاهُ) [التوبة: ١١٤] فالواعد إبراهيم لا آزر): إبطالٌ لاستشهاد الخصوم وقولهم: إنما استغفر له لأنه وعده أن يؤمن، بدليل قوله: (ومَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وعَدَهَا إيَّاهُ) [التوبة: ١١٤] بأن الواعد هو إبراهيم لا آزر، بدليل قراءة حماد.
وقلت: أظهر منه سياق الآيات؛ لأن قوله ﵇: (سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي) إنما صدر منه بعد فظاظة أبيه في الرد وغلظته في قوله: (لأَرْجُمَنَّكَ واهْجُرْنِي مَلِيًا)، فيكون هذا هو الوعد، فالواعد في قوله: (وعَدَهَا إيَّاهُ) هو إبراهيم ﵇، فيعلم منه ضعف قول صاحب ((التيسير)): الاستثناء في قوله: (إلاَّ قَوْلَ إبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ) [الممتحنة: ٤] منقطعٌ تقديره: لكن (قَوْلَ إبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ)؛ لأنه كان لموعدةٍ وعدها أبوه، فظن أنه قد أنجزها، فلما تبين إصراره تبرأ منه، ولا تحل لكم ذلك مع علمكم.
قوله: (ما قال: (واغْفِرْ لأَبِي) [الشعراء: ٨٦] إلا عن قوله) أي: ما صدر قوله إلا عن قوله: (لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ) وبسببه، كقوله:
ينهون عن أكلٍ وعن شربٍ
قوله: (قراءة حمادٍ الرواية)، قيل: حمادان، الرواية الكوفي، والراوية البصري، وهو المراد ها هنا، وتصحيفاته مشهورةٌ، من ذلك في قوله: (عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ) [الأعراف: ١٥٦]
стр. 4999
الحفيّ: البليغ في البر والإلطاف، حفى به وتحفى به (وَأَعْتَزِلُكُمْ): أراد بالاعتزال المهاجرة إلى الشام. المرادُ بالدعاء العبادة؛ لأنه منها ومن وسائطها. ومنه قوله ﷺ : «الدعاء هو العبادة». ويدل
عليه قوله تعالى: (فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ) [مريم: ٤٩]، ويجوز أن يراد الدعاء الذي حكاه الله في سورة الشعراء. عرّض بشقاوتهم بدعاء آلهتهم في قوله: (عَسى أَلَّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا)، مع التواضع لله بكلمة (عَسى) وما فيه من هضم النفس.
(فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنا نَبِيًّا (٤٩) وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا) [مريم: ٤٩ - ٥٠].
ما خسر على الله أحد ترك الكفار الفسقة لوجهه، فعوّضه أولادا مؤمنين أنبياء
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أنه قرأ: أساء، وفي قوله: (لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إلَى الهُدَى ائْتِنَا) [الأنعام: ٧١] أنه قرأ: إيتنا.
قوله: (الدعاء هو العادة) الحديث أخرجه أبو داود والترمذي، عن النعمان بن بشير. ومعنى الحصر: أن المقصود من العبادة: إنشاء غاية الخضوع والتذلل، والدعاء ليس إلا إظهار الافتقار وإبداء التذلل لله تعالى.
قوله: (الدعاء الذي حكاه الله في سورة الشعراء)، وهو قوله: (رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) [الشعراء: ٨٣] إلى آخره.
стр. 5000
(مِنْ رَحْمَتِنا) هي النبوّة عن الحسن. وعن الكلبي: المال والولد، وتكون عامّة في كل خير دينى ودنيوى أوتوه. لسان الصدق: الثناء الحسن. وعبر باللسان عما يوجد باللسان، كما عبر باليد عما يطلق باليد وهي العطية. قال:
إنى أتتنى لسان لا أسر بها
يريد الرسالة. ولسان العرب: لغتهم وكلامهم. استجاب الله دعوته (وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ) [الشعراء: ٨٤]؛ فصيَّره قدوةً حتى ادّعاه أهل الأديان كلهم. وقال : (مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ) [الحج: ٧٨]، و: (مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً) [البقرة: ١٣٥]، (ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً) [النحل: ١٢٣]، وأعطى ذلك ذُرِّيَّتَه فأعلى ذِكرهم وأثنى عليهم، كما أعلى ذكره وأثنى عليه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كما عبر باليد عما يطلق باليد)، هو من باب إطلاق السبب على المسبب، أو من باب إطلاق اسم المحل على الحال.
قوله: (إني أتتني لسانٌ لا أسر بها)، تمامه:
من علو لا عجبٌ منها ولا سخر
علوة: اسم امرأة. الضمير في ((بها)) راجعٌ إلى الكلمة، والشعر لأعشى باهلة قد أتاه خبر مقتل أخيه المنتشر، ويروى: ولا صخب، وهو الصياح مكان: ولا سخر، يقال: سخرت منه أسخر سخراً، بالتحريك، مسخراً وسخراً.
قوله: (وأعطى ذلك)، يجوز أن يكون إشارةً إلى معنى قوله: (ووَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا) الآية، ولذلك رتب عليه قوله: ((فأعلى ذكرهم وأثنى عليهم)) وجعل ذلك تخلصاً إلى ذكر موسى ﵇ بقوله: (واذْكُرْ فِي الكِتَابِ مُوسَى إنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا).
قوله: (كما أعلى ذكره). الأساس: ومن المجاز: له ذكرٌ في الناس، أي: صيتٌ وشرفٌ (وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ ولِقَوْمِكَ) [الزخرف: ٤٤]، ورجلٌ مذكور.
стр. 5001
(وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً وَكانَ رَسُولاً نَبِيًّا) [مريم: ٥١].
المخلص بالكسر: الذي أخلص العبادة عن الشرك والرياء. أو: أخلص نفسه وأسلم وجهه لله. وبالفتح: الذي أخلصه الله. الرسول: الذي معه كتاب من الأنبياء: والنبىّ: الذي يُنبئ عن الله وإن لم يكن معه كتاب، كيوشع.
(وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا) [مريم: ٥٢].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (المخلص، بالكسر): عاصمٌ وحمزة والكسائي، وبالفتح: الباقون.
قوله: (النبي: الذي ينبيء عن الله . الراغب: النبي بغير همز، فقد قال النحويون: أصله الهمز، واستدلوا بقولهم: مسيلمة نبيء سوء. وقال بعض العلماء: هو من النبوة، أي: الرفعة، وسمي نبياًّ لرفعة محله عن سائر الناس، المدلول عليه بقوله: (ورَفَعْنَاهُ مَكَانًا علِيًا)، فالنبي بغير الهمز أبلغ؛ لأنه ليس كل متنبئٍ رفيع المحل، ولذلك ورد أنه ﷺ قال لمن قال له: يا نبيء الله، فقال: ((لست بنبيء الله، ولكن نبي الله)) لما خاطبه بالهمز ليغض منه، والنبوة والنباوة: الارتفاع، ومنه قيل: بنا بفلانٍ مكانه، كقولهم: قض عليه مضجعه، ونبا السيف عن الضريبة؛ إذا ارتد عنه ولم يمض فيه، ونبا بصره عن كذا، تشبيهاً بذلك.
стр. 5002
الأيمن: من اليمين، أى: من ناحيته اليُمنى. أو: من اليُمن صفة للطور، أو للجانب. شبهه بمن قرّبه بعض العظماء للمناجاة، حيث كلمه بغير واسطة ملك. وعن أبى العالية قرّبه حتى سمع صريف القلم الذي كُتبت به التوراة.
(وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا) [مريم: ٥٣]
(مِنْ رَحْمَتِنا) من أجل رحمتنا له وترؤفنا عليه، وهبنا له هارون. أو بعض رحمتنا، كما في قوله (وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا) [مريم: ٥٠]. و (أَخاهُ) على هذا الوجه بدل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (صريف القلم). النهاية: صريف الأقلام: صوت جريانها بما تكتبه من أقضية الله ووحيه وما ينسخونه من اللوح المحفوظ.
قوله: (كما في قوله: (ووَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا))، يعني: ما ينصر أن ((من)): للتبعيض: قوله تعالى: (فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ ومَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وهَبْنَا لَهُ إسْحَاقَ ويَعْقُوبَ وكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيًا (٤٩) ووَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًا) لأن ((من)) في هذه الآية لا تحتمل ما تحتمله في تلك الآية من الوجهين؛ لأن (وهَبْنَا) يقتضي مفعولاً به وليس فيها غيره، بخلافه فيما نحن فيه؛ لأن (أَخَاهُ) إن جعل مفعولاً كان ((من)): ابتدائياً، وإذا جعل ((من)) مفعولاً، كان (أَخَاهُ) بدلاً منه، وبعض الرحمة أما دينيٌّ وهو النبوة والكتاب والحكمة وإرشاد الخلق، أو دنيويٌّ وهو الولد والمال وسعة الرزق، وفي كلام الواحدي إشعارٌ بهذا.
فعلى هذا الأنسب أن يجعل (أَخَاهُ) بدل البعض من الكل؛ لأن معاضدته بأخيه، ومؤازرته به، بعض المذكورات، قال في قوله تعالى: (فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ) [إبراهيم: ٢١]: يجوز أن يكونا للتبعيض معاً، بمعنى: هل أنتم مغنون عنا بعض شيءٍ، هو بعض عذاب الله؟ أي: بعضَ بعضِ عذاب الله، والمعنى على الابتداء: ووهبنا له من أجل سبق رحمتنا، وتقدير تخصيصه بالمواهب الدينية والدنيوية: (أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًا)، والأول
стр. 5003
و (هارُونَ): عطف بيان، كقولك: رأيت رجلا أخاك زيدا. وكان هرون أكبر من موسى، فوقعت الهبة على معاضدته ومؤازرته كذا عن ابن عباس رضى الله عنه.
(وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَكانَ رَسُولاً نَبِيًّا (٥٤) وَكانَ يَامُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا) [مريم: ٥٤ - ٥٥].
ذكر إسماعيل ﵇ بصدق الوعد وإن كان ذلك موجودا في غيره من الأنبياء، تشريفا له وإكراما، كالتلقيب بنحو: الحليم، والأوّاه، والصدّيق، ولأنه المشهور المتواصف من خصاله. عن ابن عباس رضى الله عنه: أنه وعد صاحبا له
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هو الوجه، لما فيه من تنبيهٍ على سعة رحمة الله، فإن الأنبياء مع جلالتهم ورفعة منزلتهم منحوا بعضاً منها.
قوله: (وكان هارون أكبر من موسى فوقعت الهبة على معاضدته)، يعني: لما كان هارون أكبر سناً لم تكن الهبة في قوله: (ووَهَبْنَا) نحو قوله: (ووَهَبْنَا لَهُ إسْحَاقَ ويَعْقُوبَ)، فوجب الحمل على المعاضدة والمؤازرة.
قوله: (كالتقليب، نحو: الحليم)، يعني: ذكر إسماعيل للشهرة بصدق الوعد، كذكر إبراهيم ﵇ بالحليم والأواه في قوله: (إنَّ إبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) [التوبة: ١١٤]، الأساس: هو ملقبٌ بكذا ومتلقبٌ به، ولقب به وتلقب، ونبز بلقبٍ قبيح: (ولا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ) [الحجرات: ١١]، وقال: الحماسي:
أكنيه حين أناديه لأكرمه … ولا ألقبه والسوءة اللقبا
قيل: الفرق بين اللقب والعلم، أن اللقب من معنىً في الغالب، كقفةً وبطة، سمي بها لقصره.
стр. 5004
أن ينتظره في مكان، فانتظره سنة. وناهيك أنه وعد في نفسه الصبر على الذبح فوفى، حيث قال: (سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) الصافات: ١٠٢]. كان يبدأ بأهله في الأمر بالصلاح والعبادة ليجعلهم قدوة لمن وراءهم، ولأنهم أولى من سائر الناس (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) [الشعراء: ٢١٤]، (وَامُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ) [طه: ١٣٢]، (قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً) [التحريم: ٦]، ألا ترى أنهم أحق بالتصدّق عليهم؟ فالإحسان الديني أولى. وقيل: أَهْلَهُ أمته كلهم من القرابة وغيرهم؛ لأنّ أمم النبيين في عداد أهاليهم. وفيه أنّ من حق الصالح أن لا يألو نصحا للأجانب فضلا عن الأقارب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فانتظره سنةً)، عن أبي داود، عن عبد الله بن أبي الحمساء قال: بايعت رسول الله ﷺ قبل أن يبعث فبقيت له بقيةٌ، ووعدته أن آتيه بها في مكانه، فنسيت ثم ذكرت بعد ثلاثٍ فجئت، فإذا هو في مكانه، فقال: ((يا فتى، لقد شققت علي، أنا ها هنا منذ ثلاثٍ أنتظرك)).
قوله: (أنهم أحق بالتصدق عليهم)، روينا عن أبي داود والنسائي عن أبي هريرة قال: أمر رسول الله ﷺ بالصدقة، قال رجلٌ: يا رسول الله، عندي دينارٌ. قال: ((تصدق به على نفسك)). قال: عندي آخر. قال: ((تصدق به على ولدك)). قال: عندي آخر. قال: ((تصدق به على زوجتك)). قال: عندي آخر، قال: ((تصدق به على خادمك)). قال: عندي آخر. قال: ((أنت أبصر)).
قوله: (وفيه أن من حق الصالح)، أشار إلى معنى الإدماج في هذا الوجه، وأن في وضع الأهل موضع الأمة إشارةً إلى الحض على النصح وإدخال الأجانب في زمرة الأهل والأقارب، وإذا كان حكم الأباعد بهذه المثابة، فكيف بالأقرباء؟
стр. 5005
والمتصلين به، وأن يحظيهم بالفوائد الدينية ولا يفرط في شيء من ذلك.
(وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا) [مريم: ٥٦ - ٥٧].
قيل: سُمى إدريساً؛ لكثرة دراسته كتاب الله ، وكان اسمه أخنوخ، وهو غير صحيح، لأنه لو كان إفعيلا من الدرس لم يكن فيه إلا سبب واحد وهو العلمية، فكان منصرفا، فامتناعه من الصرف دليل العجمة. وكذلك إبليس أعجمى، وليس من الإبلاس كما يزعمون، ولا يعقوب من العقب، ولا إسرائيل بإسرال كما زعم ابن السكيت، ومن لم يحقق ولم يتدرّب بالصناعة كثرت منه أمثال هذه الهنات. ويجوز أن يكون معنى (إِدْرِيسَ) في تلك اللغة قريبا من ذلك، فحسبه الراوي مشتقا من الدرس. المكان العلى: شرف النبوّة والزلفى عند الله وقد أنزل الله عليه ثلاثين صحيفة، وهو أول من خط بالقلم ونظر في علم النجوم والحساب، وأوّل من خاط الثياب ولبسها، وكانوا يلبسون الجلود. وعن أنس بن مالك رضى الله عنه يرفعه: ((إنه رفع إلى السماء الرابعة)). وعن ابن عباس رضى الله عنهما: إلى السماء السادسة. وعن الحسن رضى الله عنه. إلى الجنة لا شيء أعلى من الجنة. وعن النابغة الجعدي: أنه لما أنشد رسول الله ﷺ الشعر الذي آخره:
بلغنا السّماء مجدنا وسناءنا … وإنّا لنرجو فوق ذلك مظهرا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (إنه رفع إلى السماء الرابعة)، عن الترمذي، عن أنسٍ قال: إن نبي الله ﷺ قال: ((لما عرج بي رأيت إدريس في السماء الرابعة))، وكذا في حديث المعراج، عن البخاري ومسلم.
قوله: (بلغنا السماء مجدنا) البيت، قبله:
стр. 5006
قال: رسول الله ﷺ : «إلى أين يا أبا ليلى؟ » قال: إلى الجنة.
(أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا) [مريم: ٥٨].
(أُولئِكَ): إشارة إلى المذكورين في السورة من لدن زكريا إلى إدريس ﵇. و «من» في (مِنَ النَّبِيِّينَ) للبيان، مثلها في قوله تعالى في آخر سورة الفتح: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً) [الفتح: ٢٩]؛ لأن جميع الأنبياء مُنعم عليهم. و"من"
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ولا خير في حلمٍ إذا لم يكن له … بوادر تحمي صفوه أن يكدرا
ولا خير في جهلٍ إذا لم يكن له … حكيمٌ إذا ما أوردا الأمر أصدرا
قيل: ((مجدنا)): مفعولٌ له. ((مظهراً))، أي: مصعداً. روي أن رسول الله ﷺ لما سمع بها قال: ((لا يفضض الله فاك))، وإنه نيف على مئةٍ وكان من أحسن الناس ثغراً، والله أعلم بصحته.
قوله: (فاك) أي: أسنان فيك.
قوله: (لأن جميع الأنبياء منعمٌ عليهم) تعليلٌ لجعل ((من)) للبيان لا للتبعيض، لما يلزم من الثاني خروج بعضهم من أن يكونوا منعماً عليهم، وقال تعالى: (ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَدَاءِ والصَّالِحِينَ) [النساء: ٦٩]، كذلك قوله: (وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وأَجْرًا عَظِيمًا) [الفتح: ٢٩]؛ لأن الضمير في (مِنْهُم) عائدٌ إلى قوله: (والَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) [الفتح: ٢٩] إلى آخره، فإن جميعهم آمنوا وعملوا الصالحات لا بعضهم، وإن الله تعالى وعد الكل مغفرةً وأجراً عظيماً لا البعض.
стр. 5007
الثانيةُ للتبعيض، وكان إدريس من ذرية آدم لقربه منه لأنه جد أبى نوح. وإبراهيم ﵇ من ذرية من حمل مع نوح؛ لأنه من ذرية سام بن نوح، وإسماعيل من ذرية إبراهيم. وموسى وهارون وزكريا ويحيى من ذرية إسرائيل. وكذلك عيسى: لأنّ مريم من ذرّيته (وَمِمَّنْ هَدَيْنا) يحتمل العطف على "مِن" الأولى والثانية. إن جعلت (الذين) خبرا لـ (أولئك) كان (إِذا تُتْلى) كلاما مستأنفا. وإن جعلته صفة له كان خبرا. قرأ شبل بن عباد المكي: (يُتلى)، بالتذكير؛ لأن التأنيث غير حقيقى مع وجود الفاصل. البكى: جمع باك، كالسجود والقعود في جمع ساجد وقاعد. عن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نعم، المشار إليه بقوله: (أُوْلَئِكَ) بعض الأنبياء لا الكل، وهم المذكورون في هذه السورة، وقد أخبر عنهم بقوله: (فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم) [النساء: ٦٩] وبين قوله: (مِّنَ النَّبِيِّينَ) [النساء: ٦٩] فوجب أن يحمل التعريف في الخبر على الجنس للمبالغة، كقوله تعالى: (ذَلِكَ الكِتَابُ) [البقرة: ٢]، أو أن يقدر مضافٌ بأن يقال: أولئك بعض الذين أنعم الله عليهم من النبيين.
قوله: (لقربه منه)، وفي ((جامع الأصول)): ولد إدريس وآدم حيٌّ قبل أن يموت بمئة سنة.
قوله: (جد أبي نوح) وهو نوح بن لمك. وقيل: ملكان بن متوشلخ بن إدريس.
قوله: ((ومِمَّنْ هَدَيْنَا) يحتمل العطف على ((من)) الأولى والثانية)، فالمعنى على الأول: (أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ) وممن هدينا واجتبينا. وعلى الثاني: (أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ) الذين هم بعض ذرية آدم وبعض من حملنا مع نوح، وبعض من هدينا واجتبينا. وعلى التقديرين قوله: ممن هدينا غير الأنبياء تنويهاً بشأنهم.
стр. 5008
رسول الله ﷺ : «اتلوا القرآن وابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا» وعن صالح المري رضى الله عنه: قرأت القرآن على رسول الله ﷺ في المنام، فقال لي: «هذه القراءة يا صالح، فأين البكاء؟ » وعن ابن عباس رضى الله عنهما: إذا قرأتم سجدة "سبحان" فلا تعجلوا بالسجود حتى تبكوا، فإن لم تبك عين أحدكم فليبك قلبه. وعن رسول الله ﷺ : «إن القرآن أنزل بحزن، فإذا قرأتموه فتحازنوا» وقالوا: يدعو في سجدة التلاوة بما يليق بآيتها، فإن قرأ آية تنزيل السجدة قال: اللهم اجعلنى من الساجدين لوجهك المسبحين بحمدك، وأعوذ بك أن أكون من المستكبرين عن أمرك. وإن قرأ سجدة سبحان قال: اللهم اجعلنى من الباكين إليك الخاشعين لك. وإن قرأ هذه، قال: اللهم اجعلنى من عبادك المنعم عليهم المهتدين، الساجدين لك، الباكين عند تلاوة آياتك.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (اتلوا القرآن وابكوا). الحديث من رواية ابن ماجه، عن سعدٍ: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((نزل القرآن بحزن، فإذا قرأتموه فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا)).
قوله: (وعن صالح المري)، قال الحافظ إسماعيل بن محمدٍ صاحب ((سير السلف)): هو صالح بن بشير المري قارئ أهل البصرة أحد الزهاد، وكان إذا قص قال: هات جؤنة المسك والترياق المجرب، يعني القرآن، ولا يزال يقرأ ويدعو ويبكي حتى ينصرف.
стр. 5009
(فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا) [مريم: ٥٩].
خلفه: إذا عقبه، ثم قيل في عقب الخير «خلف» بالفتح، وفي عقب السوء: خلف، بالسكون، كما قالوا «وَعيدٌ» في ضمان الخير، و «وعيد» في ضمان الشر. عن ابن عباس رضى الله عنه: هم اليهود، تركوا الصلاة المفروضة، وشربوا الخمر، واستحلوا نكاح الأخت من الأب. وعن إبراهيم ومجاهد رضى الله عنهما: أضاعوها بالتأخير. وينصر الأول قوله: (إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ) [مريم: ٦٠]، يعنى: الكفار. وعن علىٍّ رضى الله عنه في قوله: (وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ): من بنى الشديد، وركب المنظور، ولبس المشهور. وعن قتادة:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (خلفه: إذا عقبه). الراغب: خلف: ضد تقدم وسلف، والمتأخر لقصور منزلته. يقال: له خلفٌ، ولذلك قيل: الخلف: الرديء، والمتأخر لا لقصور منزلته، يقال له: خلفٌ، ويقال: سكت ألفاً ونطق خلفاً. ويقال: تخلف فلانٌ فلاناً: إذا تأخر عنه، وإذا جاء خلف آخر، وإذا قام مقامه، ومصدره الخلافة، وخلف خلافةً، بفتح الخاء، أي: فسد، فهو خالفٌ رديءٌ أحمق، ويعبر عن الرديء ب ((خلف))، نحو: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ) [مريم: ٥٩].
قوله: (وينصر الأول قوله: (إلاَّ مَن تَابَ وآمَنَ))، أي: ينصر الوجه الأول وهو أن يراد بالقوم: اليهود، وب (أَضَاعُوا الصَّلاةَ) تركوها لا أخروها عن وقتها؛ لأنه لا يقال: آمن، إلا لمن كان كافراً. ويجوز أن يحمل على التغليظ، كما قال تعالى: (مَنِ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلاً ومَن كَفَرَ) [آل عمران: ٩٧]، وبهذا التأويل يحسن قول قتادة: هو في هذه الأمة، أي: هذا الكلام نازلٌ في شأن أمة محمدٍ صلوات الله عليه، ولأن إضاعة الصلاة في مقابلة محافظتها في قوله: (والَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) [المعارج: ٣٤] والمحافظة كما قال: أن لا يسهوا عنها، ويؤدوها في أوقاتها، ويقيموا أركانها، ويوكلوا نفوسهم بالاهتمام بها وبما ينبغي أن تتم به أوصافها، فإضاعتها ما يضادها.
قوله: (وركب المنظور)، أي: الفرس والبغل لا للجهاد، بل لأجل ما ينظر إليه، قال ابن نباتة:
стр. 5010
هو في هذه الأمة. وقرأ ابن مسعود والحسن والضحاك رضى الله عنهم: (الصلوات)، بالجمع.
كلُّ شرٍّ عند العرب: غىّ، وكل خير: رشاد. قال المرقش:
فمن يلق خيرا تحمد النّاس أمره … ومن يغو لا يعدم على الغى لائما
وعن الزجاج: جزاء غىّ، كقوله تعالى: (يَلْقَ أَثاماً) [الفرقان: ٦٨]، أى: مجازاة أثام. أو: غيَّا عن طريق الجنة. وقيل: «غىّ» واد في جهنم تستعيذ منه أوديتها. وروي الأخفش: (يُلْقُونَ).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لا يكمل الطرف المحاسن كلها … حتى يكون الطرف من أسرائه
قوله: (فمن يلق خيراً) البيت. قبله:
أمن حلمٍ أصبحت تنكت واجماً … وقد تعتري الأحلام من كان نائماً
نكت في الأرض: إذا جعل يخط وينقر، وهو كنايةٌ عن المهتم، والواجم: الحزين، يقول: أمن أجل أضغاث أحلام تصبح حزيناً تنكت في الأرض، ومن كان نائماً تعتريه الأحلام، ثم قال:
فمن يلق خيراً يحمد الناس أمره … ومن يغو لا يعدم على الغي لائما
أي: ومن يفعل الشر لا يعدم من يلومه عليه، ((ومن يغو))، بالكسر، من: غوي، وبالفتح، من: غوى يغوي غياًّ وغوايةً فهو غاوٍ وغوٍ.
قلت: ويجوز أن يكون التقابل معنوياًّ، كقول المتنبي:
لمن يطلب الدنيا إذا لم يرد بها … سرور محبٍّ أو مساءة مجرم
следующие страницы →