Полный текст (9 345 стр.). Показаны 5006–5045 · переход к 5011.
стр. 5006
قال: رسول الله ﷺ : «إلى أين يا أبا ليلى؟ » قال: إلى الجنة.
(أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا) [مريم: ٥٨].
(أُولئِكَ): إشارة إلى المذكورين في السورة من لدن زكريا إلى إدريس ﵇. و «من» في (مِنَ النَّبِيِّينَ) للبيان، مثلها في قوله تعالى في آخر سورة الفتح: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً) [الفتح: ٢٩]؛ لأن جميع الأنبياء مُنعم عليهم. و"من"
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ولا خير في حلمٍ إذا لم يكن له … بوادر تحمي صفوه أن يكدرا
ولا خير في جهلٍ إذا لم يكن له … حكيمٌ إذا ما أوردا الأمر أصدرا
قيل: ((مجدنا)): مفعولٌ له. ((مظهراً))، أي: مصعداً. روي أن رسول الله ﷺ لما سمع بها قال: ((لا يفضض الله فاك))، وإنه نيف على مئةٍ وكان من أحسن الناس ثغراً، والله أعلم بصحته.
قوله: (فاك) أي: أسنان فيك.
قوله: (لأن جميع الأنبياء منعمٌ عليهم) تعليلٌ لجعل ((من)) للبيان لا للتبعيض، لما يلزم من الثاني خروج بعضهم من أن يكونوا منعماً عليهم، وقال تعالى: (ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَدَاءِ والصَّالِحِينَ) [النساء: ٦٩]، كذلك قوله: (وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وأَجْرًا عَظِيمًا) [الفتح: ٢٩]؛ لأن الضمير في (مِنْهُم) عائدٌ إلى قوله: (والَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) [الفتح: ٢٩] إلى آخره، فإن جميعهم آمنوا وعملوا الصالحات لا بعضهم، وإن الله تعالى وعد الكل مغفرةً وأجراً عظيماً لا البعض.
стр. 5007
الثانيةُ للتبعيض، وكان إدريس من ذرية آدم لقربه منه لأنه جد أبى نوح. وإبراهيم ﵇ من ذرية من حمل مع نوح؛ لأنه من ذرية سام بن نوح، وإسماعيل من ذرية إبراهيم. وموسى وهارون وزكريا ويحيى من ذرية إسرائيل. وكذلك عيسى: لأنّ مريم من ذرّيته (وَمِمَّنْ هَدَيْنا) يحتمل العطف على "مِن" الأولى والثانية. إن جعلت (الذين) خبرا لـ (أولئك) كان (إِذا تُتْلى) كلاما مستأنفا. وإن جعلته صفة له كان خبرا. قرأ شبل بن عباد المكي: (يُتلى)، بالتذكير؛ لأن التأنيث غير حقيقى مع وجود الفاصل. البكى: جمع باك، كالسجود والقعود في جمع ساجد وقاعد. عن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نعم، المشار إليه بقوله: (أُوْلَئِكَ) بعض الأنبياء لا الكل، وهم المذكورون في هذه السورة، وقد أخبر عنهم بقوله: (فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم) [النساء: ٦٩] وبين قوله: (مِّنَ النَّبِيِّينَ) [النساء: ٦٩] فوجب أن يحمل التعريف في الخبر على الجنس للمبالغة، كقوله تعالى: (ذَلِكَ الكِتَابُ) [البقرة: ٢]، أو أن يقدر مضافٌ بأن يقال: أولئك بعض الذين أنعم الله عليهم من النبيين.
قوله: (لقربه منه)، وفي ((جامع الأصول)): ولد إدريس وآدم حيٌّ قبل أن يموت بمئة سنة.
قوله: (جد أبي نوح) وهو نوح بن لمك. وقيل: ملكان بن متوشلخ بن إدريس.
قوله: ((ومِمَّنْ هَدَيْنَا) يحتمل العطف على ((من)) الأولى والثانية)، فالمعنى على الأول: (أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ) وممن هدينا واجتبينا. وعلى الثاني: (أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ) الذين هم بعض ذرية آدم وبعض من حملنا مع نوح، وبعض من هدينا واجتبينا. وعلى التقديرين قوله: ممن هدينا غير الأنبياء تنويهاً بشأنهم.
стр. 5008
رسول الله ﷺ : «اتلوا القرآن وابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا» وعن صالح المري رضى الله عنه: قرأت القرآن على رسول الله ﷺ في المنام، فقال لي: «هذه القراءة يا صالح، فأين البكاء؟ » وعن ابن عباس رضى الله عنهما: إذا قرأتم سجدة "سبحان" فلا تعجلوا بالسجود حتى تبكوا، فإن لم تبك عين أحدكم فليبك قلبه. وعن رسول الله ﷺ : «إن القرآن أنزل بحزن، فإذا قرأتموه فتحازنوا» وقالوا: يدعو في سجدة التلاوة بما يليق بآيتها، فإن قرأ آية تنزيل السجدة قال: اللهم اجعلنى من الساجدين لوجهك المسبحين بحمدك، وأعوذ بك أن أكون من المستكبرين عن أمرك. وإن قرأ سجدة سبحان قال: اللهم اجعلنى من الباكين إليك الخاشعين لك. وإن قرأ هذه، قال: اللهم اجعلنى من عبادك المنعم عليهم المهتدين، الساجدين لك، الباكين عند تلاوة آياتك.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (اتلوا القرآن وابكوا). الحديث من رواية ابن ماجه، عن سعدٍ: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((نزل القرآن بحزن، فإذا قرأتموه فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا)).
قوله: (وعن صالح المري)، قال الحافظ إسماعيل بن محمدٍ صاحب ((سير السلف)): هو صالح بن بشير المري قارئ أهل البصرة أحد الزهاد، وكان إذا قص قال: هات جؤنة المسك والترياق المجرب، يعني القرآن، ولا يزال يقرأ ويدعو ويبكي حتى ينصرف.
стр. 5009
(فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا) [مريم: ٥٩].
خلفه: إذا عقبه، ثم قيل في عقب الخير «خلف» بالفتح، وفي عقب السوء: خلف، بالسكون، كما قالوا «وَعيدٌ» في ضمان الخير، و «وعيد» في ضمان الشر. عن ابن عباس رضى الله عنه: هم اليهود، تركوا الصلاة المفروضة، وشربوا الخمر، واستحلوا نكاح الأخت من الأب. وعن إبراهيم ومجاهد رضى الله عنهما: أضاعوها بالتأخير. وينصر الأول قوله: (إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ) [مريم: ٦٠]، يعنى: الكفار. وعن علىٍّ رضى الله عنه في قوله: (وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ): من بنى الشديد، وركب المنظور، ولبس المشهور. وعن قتادة:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (خلفه: إذا عقبه). الراغب: خلف: ضد تقدم وسلف، والمتأخر لقصور منزلته. يقال: له خلفٌ، ولذلك قيل: الخلف: الرديء، والمتأخر لا لقصور منزلته، يقال له: خلفٌ، ويقال: سكت ألفاً ونطق خلفاً. ويقال: تخلف فلانٌ فلاناً: إذا تأخر عنه، وإذا جاء خلف آخر، وإذا قام مقامه، ومصدره الخلافة، وخلف خلافةً، بفتح الخاء، أي: فسد، فهو خالفٌ رديءٌ أحمق، ويعبر عن الرديء ب ((خلف))، نحو: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ) [مريم: ٥٩].
قوله: (وينصر الأول قوله: (إلاَّ مَن تَابَ وآمَنَ))، أي: ينصر الوجه الأول وهو أن يراد بالقوم: اليهود، وب (أَضَاعُوا الصَّلاةَ) تركوها لا أخروها عن وقتها؛ لأنه لا يقال: آمن، إلا لمن كان كافراً. ويجوز أن يحمل على التغليظ، كما قال تعالى: (مَنِ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلاً ومَن كَفَرَ) [آل عمران: ٩٧]، وبهذا التأويل يحسن قول قتادة: هو في هذه الأمة، أي: هذا الكلام نازلٌ في شأن أمة محمدٍ صلوات الله عليه، ولأن إضاعة الصلاة في مقابلة محافظتها في قوله: (والَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) [المعارج: ٣٤] والمحافظة كما قال: أن لا يسهوا عنها، ويؤدوها في أوقاتها، ويقيموا أركانها، ويوكلوا نفوسهم بالاهتمام بها وبما ينبغي أن تتم به أوصافها، فإضاعتها ما يضادها.
قوله: (وركب المنظور)، أي: الفرس والبغل لا للجهاد، بل لأجل ما ينظر إليه، قال ابن نباتة:
стр. 5010
هو في هذه الأمة. وقرأ ابن مسعود والحسن والضحاك رضى الله عنهم: (الصلوات)، بالجمع.
كلُّ شرٍّ عند العرب: غىّ، وكل خير: رشاد. قال المرقش:
فمن يلق خيرا تحمد النّاس أمره … ومن يغو لا يعدم على الغى لائما
وعن الزجاج: جزاء غىّ، كقوله تعالى: (يَلْقَ أَثاماً) [الفرقان: ٦٨]، أى: مجازاة أثام. أو: غيَّا عن طريق الجنة. وقيل: «غىّ» واد في جهنم تستعيذ منه أوديتها. وروي الأخفش: (يُلْقُونَ).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لا يكمل الطرف المحاسن كلها … حتى يكون الطرف من أسرائه
قوله: (فمن يلق خيراً) البيت. قبله:
أمن حلمٍ أصبحت تنكت واجماً … وقد تعتري الأحلام من كان نائماً
نكت في الأرض: إذا جعل يخط وينقر، وهو كنايةٌ عن المهتم، والواجم: الحزين، يقول: أمن أجل أضغاث أحلام تصبح حزيناً تنكت في الأرض، ومن كان نائماً تعتريه الأحلام، ثم قال:
فمن يلق خيراً يحمد الناس أمره … ومن يغو لا يعدم على الغي لائما
أي: ومن يفعل الشر لا يعدم من يلومه عليه، ((ومن يغو))، بالكسر، من: غوي، وبالفتح، من: غوى يغوي غياًّ وغوايةً فهو غاوٍ وغوٍ.
قلت: ويجوز أن يكون التقابل معنوياًّ، كقول المتنبي:
لمن يطلب الدنيا إذا لم يرد بها … سرور محبٍّ أو مساءة مجرم
стр. 5011
(إِلاَّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً) [مريم: ٦٠].
قرئ: (يُدْخلون)، و (يَدْخلون) أى: لا ينقصون شيئا من جزاء أعمالهم ولا يمنعونه، بل يضاعف هم، بيانا لأن تقدّم الكفر لا يضرهم إذا تابوا من ذلك، من قولك: ما ظلمك أن تفعل كذا؟ بمعنى: ما منعك. أو لا يظلمون البتة، أى شيئا من الظلم.
(جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَاتِيًّا) [مريم: ٦١].
لما كانت الجنة مشتملة على جنات عدن أبدلت منها، كقولك: أبصرت دارك القاعة والعلالي. و «عدن» معرفة علم، بمعنى العدن وهو الإقامة، كما جعلوا. فينة، وسحر، وأمس -فيمن لم يصرفه-
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (قرئ: ((يدخلون)) و (يَدْخُلُونَ))، ابن كثيرٍ وأبو عمروٍ وأبو بكرٍ: على صيغة المفعول، والباقون: على صيغة الفاعل.
قوله: (بياناً لأن تقدم الكفر لا يضرهم) ((بياناً)): نصب على أنه مفعولٌ له، واللام في ((لأن)) صلة ((بياناً)). المعنى: قال تعالى: (ولا يُظْلَمُونَ شَيْئًا) ليبين أن تقدم الكفر لا يضرهم، وأنه تعالى لا يمنع من جزاء أعمالهم شيئاً إذا تابوا من الكفر كما لم يمنع المسلم الأصلي.
قوله: (أو: لا يظلمون البتة)، والتأكيد يستفاد من جعل (شَيْئًا) مفعولاً مطلقاً، ولهذا قال: (شَيْئًا) من الظلم، وعلى الأول: مفعولٌ به، والظلم متضمنٌ لمعنى النقص.
قوله: (لما كانت الجنة مشتملةً على جنات عدنٍ أبدلت منها)، وهو من بدل البعض من الكل لاستشهاده بقوله: ((أبصرت دارك القاعة والعلالي)) لأن القاعة والعلالي بعض الدار، والعلالي: جمع عليةٍ، وهي الغرفة، وهي فعلية، أصله عليوة من علوت. وقيل: هي علية بالكسر، على فعلية، يجعلها من المضاعف. قال: وليس في الكلام فعليةٌ.
стр. 5012
أعلاماً لمعاني: الفينة، والسَّحر، والأمس. فجرى مجرى العدن لذلك. أو هو علم لأرض الجنة، لكونها مكان إقامة، ولولا ذلك لما ساغ الإبدال، لأن النكرة لا تبدل من المعرفة إلا موصوفة، ولما ساغ وصفها ب (الَّتِي). وقرئ: (جنات عدن)، و (جَنّةُ عَدنٍ) بالرفع على الابتداء. أى: وعدها وهي غائبة عنهم غير حاضرة. أو هم غائبون عنها لا يشاهدونها. أو بتصديق الغيب والإيمان به.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال في ((الأساس)): ولهم قاعةٌ واسعةٌ، وهي عرصة الدار، وأهل مكة يسمون أسفل الدار: القاعة، ويقولون: فلانٌ قعد في العلية، ووضع قماشه في القاعة، وعليه قول القاضي، حيث قال: (جَنَّاتِ عَدْنٍ): بدلٌ من الجنة بدل البعض لاشتمالها عليها.
قوله: (أعلاماً لمعاني الفينة)، قال ابن الحاجب: وضعوا للأوقات أعلاماً كما وضعوا للمعاني الموجودة، وإن لم تكن الأوقات شيئاً موجوداً إجراءً لها مجرى الأمور الموجودة، ولهذا قال: لمعاني الفينة. وقال أيضاً: إن وضع الأعلام للأوقات كوضعها في باب أسامة، لا كوضعها في باب زيدٍ وعمرو؛ لأنه يصح استعمالها لكل فردٍ من الأوقات المخصوصة، كما يصح استعمال أسامة وفينة وقتك الذي أنت فيه.
وقيل: ليس المراد بها الآن، وإنما يراد بها الساعة. يقال: فلان يأتي فينةً بعد فينة، أي: ساعةً بعد ساعة، وقال الجوهري: الفينات: الساعات، يقال: لقيته الفينة بعد الفينة، أي: الحين بعد الحين.
قوله: (وهي غائبةٌ عنهم)، يريد أن قوله: (بِالْغَيْبِ) إما: حالٌ من المفعول الأول ل ((وعد))، وهو الضمير الراجع إلى ((جنات)) وهو محذوفٌ، فالتقدير: وعدها وهي غائبةٌ عنهم، أو: حالٌ من المفعول الثاني وهو ((عبادة)) فالتقدير: وهم غائبون عنها، أو: صلةٌ
стр. 5013
قيل في (مَاتِيًّا) مفعول بمعنى فاعل. والوجه: أنّ الوعد هو الجنة وهم يأتونها. أو هو من قولك: أتى إليه إحسانا، أى: كان وعده مفعولا منجزا.
(لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلاَّ سَلاماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا) [مريم: ٦٢].
اللغو: فضول الكلام وما لا طائل تحته. وفيه تنبيه ظاهر على وجوب تجنب اللغو واتقائه، حيث نزه الله عنه الدار التي لا تكليف فيها. وما أحسن قوله سبحانه: (وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً) [الفرقان: ٧٢]، (وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لـ ((وعد)) بتقدير المضاف، والباء للسببية، أي: وعدها عباده بسبب تصديقهم الغيب وإيمانهم به.
قوله: (قيل في: (مَاتِيًا) مفعولٌ بمعنى: فاعل)؛ لأن وعد الله يأتي ولا يؤتى.
الراغب: مأتياًّ: مفعولٌ من أتيته. وقال بعضهم: معناه آتياً، وليس كذلك، بل يقال: أتيت الأمر، وأتاني الأمر، ويقال: أتيته بكذا وآتيته كذا، قال تعالى: (وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا) [البقرة: ٢٥] (وآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا) [النساء: ٥٤].
قال أبو البقاء: و (مَاتِيًا) على بابه؛ لأن ما تأتيه فهو يأتيك، وقال: الوجه أن الوعد هو الجنة، والجنة تؤتى؛ لأن المكلفين يأتونها.
الأساس: أتى إليه إحساناً: إذا فعله، ووعد الله مأتيٌّ، وأتيت الأمر من مأتاه، أي: من وجهه. قال: البحتري:
أعد سنيني فارحاً بمرورها … ومأتى المنايا من سني وأشهري
قوله: ((وإذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا) [الفرقان: ٧٢])، قال: إذا مروا بأهل اللغو
стр. 5014
لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ) [القصص: ٥٥]! نعوذُ بالله من اللغو والجهل والخوض فيما لا يعنينا. أى: إن كان تسليم بعضهم على بعض، أو تسليم الملائكة عليهم لغوا، فلا يسمعون لغوا إلا ذلك، فهو من وادى قوله:
ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم … بهنّ فلول من قراع الكتائب
أو لا يسمعون فيها إلا قولا يسلمون فيه من العيب والنقيصة، على الاستثناء المنقطع. أو لأن معنى السلام هو الدعاء بالسلامة. ودار السلام: هي دار السلامة، وأهلها عن الدعاء بالسلامة أغنياء، فكان ظاهره من باب اللغو وفضول الحديث، لولا ما فيه من فائدة الإكرام.
من الناس من يأكل الوجبة. ومنهم من يأكل متى وجد. وهي عادة المنهومين. ومنهم من يتغدى ويتعشى، وهي العادة الوسطى المحمودة، ولا يكون ثم ليل ولا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المشتغلين به مروا مُعرضين عنهم مكرمين أنفسهم عن التوقف عليهم والخوض معهم.
الراغب: اللغو من الكلام: ما لا يعتد به، وهو الذي يورد لا عن رويةٍ وفكر، فيجري مجرى اللغا، وهو: صوت العصافير ونحوها من الطيور. قال أبو عبيدة: يقال: لغوٌ ولغاً.
قوله: (لولا ما فيه من فائدة الإكرام)، اعلم أن أصل السلام: الدعاء بالسلام. قال المبرد: هو دعاء الإنسان بأن يسلم من الآفات في دينه ونفسه ويتخلص من المكروه، ثم فشا استعماله في الإكرام حتى لا يفهم غيره، ولهذا لو تركتها لحمل صاحبك على الإهانة.
قوله: (الوجبة) الجوهري: الموجب: الذي يأكل في اليوم والليلة مرةً. يقال: فلانٌ يأكل وجبةً، وعنه: النهمة: بلوغ الهمة في الشيء، وقد نهم فهو منهومٌ، أي: مولعٌ به، والنهم بالتحريك: إفراط الشهوة في الطعام.
قوله: (وهي العادة الوسطى المحمودة)، يريد أن أكل الوجبة من طرف التفريط
стр. 5015
نهار، ولكن على التقدير، ولأن المتنعم عند العرب من وجد غداء وعشاء. وقيل: أراد دوام الرزق ودُروره، كما تقول: أنا عند فلان صباحا ومساء وبكرة وعشيا، تريد: الديمومة، ولا تقصد الوقتين المعلومين.
(تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا) [مريم: ٦٣].
(نُورِثُ) وقرئ: (نورّث)، استعارة، أى: نبقى عليه الجنة كما نُبقى على الوارث مال المورّث، ولأنَّ الأتقياءَ يلقَوْن ربَّهم يوم القيامة قد انقضت أعمالهم وثمرتها باقية وهي الجنة، فإذا أدخلهم الجنة فقد أورثهم من تقواهم كما يورّث الوارث المال من المتوفى. وقيل: أورثوا من الجنة المساكن التي كانت لأهل النار لو أطاعوا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والأكل على الدوام إفراطٌ، والوسطى هي المحمودة، والمراد بمن يأكل الوجبة: المسكين الذي يتقنع بالبُلغةِ دون العارف الذي يتعانى التقشف.
قوله: (ولأن المتنعم عند العرب) عطفٌ على قوله: "ولكن على التقدير"، أي: لا يكون ثمة ليلٌ ولا نهار، لكن يُقدران على ما أُلف في الدنيا أو لا يُقدرُ ذلك، فيكونُ كنايةً عن مجردٍ التنعم والتترف؛ لأن المتنعم عند العرب: من جد غداءً وعشاءً.
قوله: (ولأن الأتقياء يلقون ربهم): عطفٌ على قوله: "أي: نُبقي عليه الجنة" من حيث المعنى، فعلى الأول: (نُورِثُ): استعارة لنُبقي، كقوله صلواتُ الله عليه: "واجعله الوارث منا" أي: أبقهما، وعلى الثاني: أعمالهم وثمرتُها بمنزلة المورث وتركته كما أن المورث إذا قضى نحبه يبقى للوارث مالُه، كذلك أعمالهم تنقضي وتبقى ثمرتها لهم، وهي الجنة، وعلى الأول: استعارةٌ تبعية، على الثاني: تمثيلية.
стр. 5016
(وَما نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) [مريم: ٦٤].
(وَما نَتَنَزَّلُ): حكاية قول جبريل صلوات الله عليه حين استبطأه رسول الله ﷺ . روى أنه احتبس أربعين يوما. وقيل: خمسة عشر يوما، وذلك حين سئل عن قصة أصحاب الكهف وذى القرنين والروح، فلم يدر كيف يجيب ورجا أن يوحى إليه فيه، فشق ذلك عليه مشقة شديدة وقال المشركون: ودّعه ربه وقلاه فلما نزل جبريل ﵇ قال له النبي ﷺ : "أبطأت حتى ساء ظنى واشتقت إليك". قال: إنى كنت أشوق ولكنى عبد مأمور، إذا بعثت نزلت، وإذا حبست احتبست. وأنزل الله سبحانه هذه الآية وسورة الضحى. والتنزل على معنيين: معنى النزول على مهل، ومعنى النزول على الإطلاق، كقوله:
فلست لإنسىّ ولكن لملأك … تنزّل من جو السّماء يصوب
لأنه مطاوع نزل، ونزل يكون بمعنى أنزل، وبمعنى التدريج، واللائق بهذا الموضع هو النزول على مهل والمراد أن نزولنا في الأحايين وقتا غب وقت ليس إلا بأمر الله، وعلى ما يراه صوابا وحكمة، وله ما قدامنا (وَما خَلْفَنا): من الجهات والأماكن (وَما بَيْنَ ذلِكَ): وما نحن فيها فلا نتمالك أن ننتقل من جهة إلى جهة ومكان إلى مكان إلا بأمر المليك ومشيئته، وهو الحافظ العالم بكل حركة وسكون، وما يحدث ويتجدد من الأحوال، لا يجوز عليه الغفلة والنسيان، فأنى لنا أن نتقلب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فلست لإنسيٍّ) البيت، أي: لست ابناً لإنسيٍّ، و"يصوبُ": استئنافٌ على سبيل البيان والتعليل، وفي معناه قولُ صواحب يوسف: (مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ) [يوسف: ٣١].
стр. 5017
في ملكوته إلا إذا رأى ذلك مصلحة وحكمة، وأطلق لنا الإذن فيه؟ ! وقيل: ما سلف من أمر الدنيا وما يستقبل من أمر الآخرة، وما بين ذلك: ما بين النفختين وهو أربعون سنة. وقيل: ما مضى من أعمارنا وما غبر منها، والحال التي نحن فيها. وقيل: ما قبل وجودنا وما بعد فنائنا. وقيل: الأرض التي بين أيدينا إذا نزلنا، والسماء التي وراءنا، وما بين السماء والأرض، والمعنى: أنه المحيط بكل شيء لا تخفى عليه خافية ولا يعزب عنه مثقال ذرة، فكيف نقدم على فعل نحدثه إلا صادرا عما توجبه حكمته ويأمرنا به ويأذن لنا فيه. وقيل: معنى (وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا): وما كان تاركا لك،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقيل: معنى (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً): وما كان تاركاً لك): عطفٌ على قوله: "لا تجوز عليه الغفلة والنسيان"، وقوله: "وقيل: هي حكاية قول المتقين حين يدخلون الجنة": عطفٌ على قوله: (وَمَا نَتَنَزَّلُ) حكاية قول جبريل ﵇.
نقل الإمام عن القاضي من المعتزلة، أنه رد هذا القول قوال: هذا مخالفٌ للظاهر؛ لأن التنزيل بنزول الملائكة أليقُ، والأمر في قوله: (بِأَمْرِ رَبِّكَ) بالتكليف أنسبُ، ولأن الخطاب هنا من جماعةٍ لواحد، وذلك لا يليقُ بمخاطبة بعض أهل الجنة لبعض.
وقلتُ: وكلا الوجهين له اعتباراٌ في النظم. أما الأول: فلأنه صلواتُ الله عليه حين سُئل ن قصة أصحاب الكهف وذي القرنين والرُّوح، وأبطأ عليه الوحيُ حتى لم يدر كيف يجيب، ثم أنزل الله الأجوبة إكراماً له وأراد الله تعالى أن يفرق هذه الأحوال في السور الثلاث، أودع سؤال الروح في بني إسرائيل: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) [الإسراء: ٨٥]، وسؤال قصة أصحاب الكهف وذي القرنين فيما يليها، وأودع ذكر استبطاء الأجوبة في هذه السورة، وللاختصاص أسرارٌ لا يعلمها إلا الله، ومن أيده بروح القُدس. وأما الوجه الثاني فترتيبه ما ذكره المصنف بقوله: "وما ننزلُ الجنة إلا بان من الله علينا" إلى آخره.
стр. 5018
كقوله تعالى: (ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى) [الضحى: ٣]، أى: ما كان امتناع النزول إلا لامتناع الأمر به. وأما احتباس الوحى فلم يكن عن ترك الله لك وتوديعه إياك، ولكن لتوقفه على المصلحة. وقيل: هي حكاية قول المتقين حين يدخلون الجنة، أى: وما ننزل الجنة إلا بأن من الله علينا بثواب أعمالنا وأمرنا بدخولها، وهو المالك لرقاب الأمور كلها السالفة والمترقبة والحاضرة، اللاطف في أعمال الخير والموفق لها والمجازى عليها، ثم قال الله تعالى- تقريرا لقولهم-: وما كان ربك نسيا لأعمال العاملين غافلا عما يجب أن يثابوا به، وكيف يجوز النسيان والغفلة على ذى ملكوت السماء والأرض وما بينهما؟ ! ثم قال لرسوله ﷺ :
فحين عرفته على هذه الصفة، فأقبل على العمل واعبده: يثبك كما أثاب غيرك من المتقين. وقرأ الأعرج رضى الله عنه: (وما يتنزل)، بالياء على الحكاية عن جبريل ﵇ والضمير للوحى. وعن ابن مسعود رضى الله عنه: (إلا بقول ربك).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (السالفة والمترقبة والحاضرة) قال أبو علي: هذه الآية تدل على أن الأزمنة ثلاثةٌ: مستقبلٌ، وهو قوله: (مَا بَيْنَ أَيْدِينَا)، وماضٍ وهو: (وَمَا خَلْفَنَا)، وحالٌ وهو قوله: (وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ).
قوله: (واعبدهُ يثبك كما أثاب غيرك من المتقين)، أشار إلى ارتباط الأمر بالعبادة بكلام أهل الجنة، وأما اتصاله بحديث نُزولِ جبريل ﵇ فكأن جبريل ﵇ يقول: (وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ)؛ لأنه الحكيم الذي يعرفُ المصالح كلها والمحيط بكل شيء علماً، ونحن لا نقدم على فعل إلا بأمره وإذنه؛ لأنه المالك المتصرف، وليس لنا إلا الطاعة والامتثال لأمره، فعليك أيضاً لزوم العبادة والصبر عليها، لا التصرف؛ لأنه لا ملجأ ولا مفزع إلا إليه، فهل تعلمُ له سمياً يُلجأُ إليه.
قوله: ((وَمَا نَتَنَزَّلُ) بالياء على الحكاية عن جبريل)، أي: يكونُ كلامُه ومقولُه وذلك بأن يقول: يا محمد، وما يتنزل الوحي إلا بأمر ربك.
стр. 5019
يجب أن يكون الخلاف في النسى مثله في "البغي".
(رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) [مريم: ٦٥].
(رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ): بدل من (ربك)، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أى: هو رب السماوات والأرض (فَاعْبُدْهُ)، كقوله:
وقائلة خولان فانكح فتاتهم
وعلى هذا الوجه يجوز أن يكون (وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) من كلام المتقين، وما بعده من كلام رب العزة. فإن قلت:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (يجب أن يكون الخلاف في "النسي" مثله في "البغي")، وقد سبق أنه فعولٌ أو فعيل.
قوله: (وقائلةٍ: خولان فانكح فتاتهم)، تمامه:
وأُكرومةُ الحيين خُلوٌ كما هيا
"خولانُ": اسم قبيلة، و"الأكرومةُ" من الكرم، كالأعجوبة من العجيب، و"الخلوُ": التي لا زوج لها، أي: الخلية، كنى به عن كونها مطلقةً، "الحيينِ": حي أبيها وحيُّ أمها.
ورفع بعد القول الجملة من المبتدأ والخبر، يقولُ: رب قائلةٍ، قالت: هؤلاء خولان فانكح فتاتهم. فأجبتها: كيف أتزوج والحال أن أكرومةٌ الحيين خلوٌ لا زوج لها وهي أولى بأن أتزوجها فالفاء في: (فَاعْبُدْهُ) كالفاء في البيت، وهي دلت على أن وجود هذه القبيلة علةٌ لأن يُتزوج منها لحسن نسائها وشرفها. وفيه إشارةٌ إلى ترتب الحكم على الوصف المناسب.
قوله: (وعلى هذا الوجه، يجوز أن يكون (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً) من كلام المتقين، وما بعده من كلام رب العزة)، وعلى الوجه كان قوله: (وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ) حكاية
стр. 5020
هلا عديَّ (اصْطَبِرْ) بـ"على" التي هي صلته، كقوله تعالى: (وَاصْطَبِرْ عَلَيْها) [طه:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قول المتقين حين يدخلون الجنة، وقوله: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً * رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) من كلام الله تعالى تقريراً لقولهم. وفيه أنه إذا جُعل بدلاً من (رَبُّكَ)، لا يجوز أن يكون (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً) من كلام المتقين، بل إما من كلام الله تعالى أو كلام الملائكة؛ لأن المتقين إذا قالوا: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً) ويكون قوله: (رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) بدلاً منه، يبقى قوله: (فَاعْبُدْهُ) لا متعلق له، فإنه كما تقرر حكمٌ مرتبٌ على الوصف السابق، ولا جائز أن يكون من تتمة كلام المتقين؛ لأن الجنة ليست دار تكليف وعبادة. وأما إذا جُعل جملة مستقلة مقتطعةً عن كلام المتقين يترتبُ عليها (فَاعْبُدْهُ) ويصحُّ؛ اللهم إلا أن يُجعل الفاءُ جزاء شرطٍ محذوف، ويكون من كلام رب العزة، أي: لما عُرفَ من أحوال أهل الجنة وأقوالهم على هذه الصفة فأقبل على العمل واعبده.
قال صاحب "التقريب": وقيل: هي حكاية قول المتقين، أي: وما ننزلُ الجنة إلا بإذن من الله علينا بثواب أعمالنا، وأمرنا بدخولها، وقرر الله ذلك، أي: وما كان ربُّك نسياً لأعمال المتقين. وفيه حزازةٌ لقوله: (بِأَمْرِ رَبِّكَ) دون ربنا، إلا أن يُخاطبوا به جبريل حين دُخولها.
وقلتُ: المرادُ أنهم بسرورهم وتبجحهم بما فازوا به من الكرامة والنعيم يُقبلُ بعضهم على بعض يبشرون، وهو أبلغ من لو قيل ربُّنا؛ لأن دلك على أن البشارة بلغت بحيث لم يختص بها مبشرٌ دون مبشَّر، بل كل من يتأتى منه البشارة فهو مبشرٌ.
قوله: (هلا عُدي "اصطبر" بـ"علي"؟ ) يعني: "اصطبر" يُعدى بـ"على" لا باللام، فلمَ خُولف؟ وأجاب أن التركيب من باب الاستعارة، وفيه تضمين معنى الثبات، شُبهت العبادة بالقرن، وهو كفؤك في الشجاعة، ثم أُمر المكلفُ بالمكابدة معها بما يؤمرُ به من يريد مدافعة قرنه ومزاولته في الحرب، وهو كقوله: اصطبر لهُ، وهذا هو المرادُ من قوله: "جُعلت العبادةُ بمنزلة القِرن". ولما ضمن "اصطبر" معنى "اثبُت" عُديَ تعديته، أي:
стр. 5021
١٣٢]؟ قلت: لأن العبادة جعلت بمنزلة القرن في قولك للمحارب: اصطبر لقرنك، أى: اثبت له فيما يورد عليك من شداته أريد أن العبادة تورد عليك شدائد ومشاق، فاثبت لها ولا تهن، ولا يضق صدرك عن إلقاء عداتك من أهل الكتاب إليك الأغاليط،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اثبُت له صابراً، وإليه الإشارة بقوله: اثبُتْله فيما يوردُ عليك من شداته، أي: حملاتِه. وفيه لمحةٌ من بارقة "رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر"، ما رويناهُ عن مسلمٍ ومالك والترمذي، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ إسباغُ الوضوء على المكاره، وكثرة الخُطا إلى المساجد، وانتظارُ الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباطُ فذلكم الرباط"، أي: ذلكم المجاهدة الكاملة التي تستحق أن تُسمى مجاهدة، وكأن غيرها من المجاهدات بالنسبة إليها كلا مُجاهدةٍ.
قال القاضي: إنما عُديَ باللام لتضمنه معنى الثبات
وذكر الكواشي ما ذكره المصنف بعينه، ثم قال: ويجوز أن يُراد: اصطبر على الشدائد لأجل العبادة، أي: للتمكن من الإتيان بها.
قوله: (عُداتك) الجوهري: العدا، بكسر العين: الأعداء، يقال: قومٌ أعداءٌ وعداً بكسر العين، فإذا دخلت الهاءُ قلت: عداةٌ بالضم.
قوله: (الأغاليط). الجوهري: الأغلوطة: ما يُغلطُ به من الرسائل، ونهى الرسول صلى الله عليه وسلم
стр. 5022
وعن احتباس الوحي عليك مدَّة، وشماتة المشركين بك. أى: لم يسم شيء بالله قط، وكانوا يقولون لأصنامهم: آلهة، والعزى إله. وأما الذي عوض فيه الألف واللام من الهمزة، فمخصوص به المعبود الحق غير مشارك فيه. وعن ابن عباس رضى الله عنهما: لا يسمى أحد الرحمن غيره. ووجه آخر: هل تعلم من سمى باسمه على الحق دون الباطل، لأن التسمية على الباطل في كونها غير معتدّ بها كلا تسمية. وقيل:
مثلا وشبيها، أى: إذا صح أن لا معبود يوجه إليه العباد العبادة إلا هو وحده، لم يكن بد من عبادته والاصطبار على مشاقها وتكاليفها.
(وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أئِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَ لا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً) [مريم: ٦٦ - ٦٧].
يحتمل أن يراد بالإنسان الجنس بأسره، وأن يراد بعض الجنس وهم الكفرة. فإن قلت: لم جازت إرادة الأناسى كلهم، وكلهم غير قائلين ذلك؟ قلت: لما كانت هذه المقالة موجودة فيمن هو من جنسهم، صح إسناده إلى جميعهم، كما يقولون: بنو
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عن الأغلوطات، والمراد بها هاهنا: ما سألته اليهود عن قصة الكهف وذي القرنين والروح.
قوله: (هل تعلم من سُمي باسمه على الحق؟ ) أي: يستحقُّ أن يسمى بـ"إله"؛ لأن الإله ينبغي أن يكون خالقاً رازقاً لعابده مُثيباً، وما سُمي من دونه بإلهٍ تسميته باطلة، كقوله تعالى: (إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ) [النجم: ٢٣].
стр. 5023
فلان قتلوا فلانا، وإنما القاتل رجل منهم. قال الفرزدق:
فسيف بنى عبس وقد ضربوا به … نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد
فقد أسند الضرب إلى بنى عبس مع قوله «نبا بيدي ورقاء» وهو ورقاء بن زهير بن جذيمة العبسي.
فإن قلت: بم انتصب (إِذا) وانتصابه بـ (أخرج) ممتنع لأجل اللام، لا تقول: اليوم لزيد قائم؟ قلت:
بفعل مضمر يدل عليه المذكور. فإن قلت: لام الابتداء الداخلة على المضارع تعطى معنى الحال، فكيف جامعت حرف
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فسيفُ بني عبس) البيت، ورقاءُ عبس ضرب رأس خالدٍ ونبا السيفُ عن الضربة، أي: " لم يثبت، قال صاحب "الانتصاف": التبس على الزمخشري إرادة العموم، فقال: أراد الله بالإنسان العموم، ومعناه: يريد الله نسبة الشك والكفر إلى كل فردٍ فردٍ من أفراد الإنسان، وقد صرح بأن الناطق بكلمة الشك بعضُ الجنس، ففي عبارته خللٌ، والصحيح أن يقال: يحتمل أن يكون التعريف جنسياً، فيتناول العموم، والمراد الخصوص، ويحتمل أن يكون عهداً، فيكون في أول وهلة خاصاً.
وقلتُ: ما لبس عليه إرادة العموم لما لا يحتملها؛ لأن دليل الخصوص عندهم مستقلٌّ بنفسه كما سبق في قوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ) [البقرة: ٢٢٨]، فقوله: (يَقُولُ) لا يخصص الإنسان، لأنه مستبدٌّ به، بل يفيده، ما ذهب إليه بأمر ثالثٌ، وفيه تهجيرُ ما وُجد في بني آدم من القول الشنيع، نحو قوله تعالى: (وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَاتُمْ فِيهَا) [البقرة: ٧٢]، قال: خُوطبت الجماعةُ لوجود القتل فيهم.
قوله: (لا تقولُ: اليوم لزيدٌ قائمٌ) لأن لام الابتداء تمنع ما بعدها عن العمل فيما قبلها.
قوله: (بفعل مضمر يدل عليه المذكور)، قال أبو البقاء: أئذا العاملُ فيها فعلٌ دل عليه
стр. 5024
الاستقبال؟ قلت: لم تجامعها إلا مخلصة للتوكيد كما أخلصت الهمزة في يا الله للتعويض واضمحل عنها معنى التعريف. و «ما» في (أءِذا ما) للتوكيد أيضا، فكأنهم قالوا: أحقا أنا سنُخرج أحياءً حين يتمكن فينا الموت والهلاك؟ ! على وجه الاستنكار والاستبعاد. والمراد الخروج من الأرض، أو من حال الفناء. أو هو من قولهم: خرج فلان عالما، وخرج شجاعا: إذا كان نادرا في ذلك، يريد: سأخرج حيا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الكلامُ، أي: أُبعثُ إذا، ولا يجوز أن يعمل فيها (أُخرج)؛ لأن ما بعد اللام وسوف لا يعمل فيما قبلها.
قوله: (لم تُجامعها إلا مخلصةً للتأكيد)، قال ابن الحاجب في "الأمالي": هذه اللامُ لامُ تأكيد، وليست لام ابتداء، وإلا وجب أن يُذكر معها الابتداء.
فإن قيل: قدرِ المبتدأ محذوفاً وأبقِ اللام داخلةً على الخبر، قلت: إن اللام مع المبتدأ كـ"قد" مع الفعل و"أن" مع الاسم، فكما لا يُحذف الفعلُ والاسم ويبقى"قد" و"أن"، فكذلك هذا، وهذا التقدير يخالف تقدير المصنف في سورة (وَالضُّحَى) حيث قدرَ: "ولأنتَ سوف يُعطيك".
قوله: (و (مَا) في (أَئِذَا مَا) للتوكيد أيضاً)، وذلك أن حروف الصلات كلها وُضعت لتوكيد مضمون الكلام، فقد ضُمت مع اللام التوكيدي، ولذلك قال: "أيضاً".
قوله: (أحقاً أنا سنُخرج أحياءً؟ )، قال المرزوقي: قال سيبويه: "أحقاً؟ " منصوبٌ على الظرف، كأنه قال: أفي الحق ذلك وإنما جاز ذلك لأنهم يقولون: أفي حق كذا، أو: في الحق كذا؟ فنصبوه على تلك الطريقة، والمعنى: أفي الحق أنا سنُخرج أحياء ونحوه: عندي إنك قائمٌ، وإتيانُ ضمير الجماعة، وفي التنزيل مفردٌ، إيذانٌ بن المراد بالإنسان: الجنس.
قوله: (خرج فلانٌ عالماً، وخرج شجاعاً: إذا كان نادراً). الأساس: ومن المجاز: خرج
стр. 5025
نادرا! على سبيل الهزؤ. وقرأ الحسن وأبو حيوة: (لسوف أخرج). وعن طلحة بن مصرف رضى الله عنه: (لسأخرج)، كقراءة ابن مسعود رضى الله عنه: (ولسيُعطيك) [الضحى: ٥]. وتقديم الظرف وإيلاؤه حرف الإنكار من قبل أن ما بعد الموت هو وقت كون الحياة منكرة، ومنه جاء إنكارهم، فهو كقولك للمسئ إلى المحسن: أحين تمت عليك نعمة فلان أسأت إليه: الواو عطفت (لا يَذْكُرُ) على (يَقُولُ)، ووسطت همزة الإنكار بين المعطوف عليه وحرف العطف، يعنى: أيقول ذاك ولا يتذكر حال النشأة الأولى حتى لا ينكر الأخرى فإن تلك أعجب وأغرب وأدل على قدرة الخالق؛
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فلانٌ في العلم والصناعة خروجاً: إذا نبغَ، وخرجهُ فلانٌ فتخرج. قال زهيرٌ يصفث الخيل:
وخرجها صوارخ كل يوم … فقد جعلت عرائكها تلين
أراد أنه أدبها كما يُخرجُ المعلم المتعلم.
قوله: (وتقديمُ الظرف وإيلاؤه حرف الإنكار) يعني: لما كان الوقت الذي تكون الحياة فيه منكرةً هذا الوقت، قرن به حرف الإنكار، ويمكن أن يُقال: دل إيلاءُ الظرف همزة الإنكارن وتقديمه على عامله، أن الكلام في الظرف، وأن المنكر وقت حياتهم بعد الموت، فكأنهم أنكروا مجيء وقت فيه حياةٌ بعد الموت، يعني: أن هذا الوقت لا يكون موجوداً، وهو أبلغُ من إنكار الحياة بعد الموت، لما يلزمُ إنكاره على وجه بُرهاني.
قوله: (أحين تمت عليك نعمةُ فلانٍ أسأت إليه؟ )، وأنشد في معناه:
أحين أتى أن أجتني ثمر الرضا … أُرد على نزرٍ من العيش يُرضخ
قوله: (الواو عطفت (لا يَذْكُرُ) على (يَقُولُ) ووُسطت همزةُ الإنكار)، قال صاحب "التقريب": وفيه نظرٌ؛ لأن الهمزة ليست من المعطوف عليه، لتأخُّرها عنهُ، ولأنه كيفَ يدخُلُ الإنكارُ على "يقول" مع تأخر الهمزة عنه؛
стр. 5026
حيث أخرج الجواهر والأعراض من العدم إلى الوجود، ثم أوقع التأليف مشحونا بضروب الحكم التي تحار الفطن فيها، من غير حذو على مثال واقتداء بمؤلف. ولكن اختراعا وإبداعا من عند قادر جلت قدرته ودقت حكمته. وأما الثانية فقد تقدمت نظيرتها وعادت لها كالمثال المحتذى عليه. وليس فيها إلا تأليف الأجزاء الموجودة الباقية وتركيبها، وردها إلى ما كانت عليه مجموعة بعد التفكيك والتفريق. وقوله تعالى: (وَلَمْ يَكُ شَيْئاً) دليل على هذا المعنى، وكذلك قوله تعالى: (وَهُوَ أَهْوَنُ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ولأنه يبطل صدريتها، فالأولى أن يقال: (لا يَذْكُرُ) عطفٌ على (يَقُولُ) مُقدراً بعد الهمزة لدلالة الأول عليه، فيرتفع الإشكال.
وقلتُ: قد سبق مراراً وأطواراً أن هذه الهمزة مقحمةٌ لتأكيد الإنكار السابق، وأوردنا فيه كلاماً من جانب أبي إسحاق الزجاج. وقال القاضي: وتوسيطُ همزةِ الإنكارِ بينه وبين العاطف مع أن الأصل أن يتقدمها، لا يدل على أن المنكر بالذات هو المعطوفُ، وأن المعطوف عليه إنما نشأ منه؛ لأنه لو تذكر وتأمل فيما أنكر ما نشأ ذلك منه.
قوله: ((وَلَمْ يَكُ شَيْئاً) دليل على هذا المعنى)، قال صاحب "الانتصاف": إعادة المعدوم جائزةٌ عقلاً واقعةٌ نقلاً، ووافقت المعتزلةُ لكن زعموا أن المعدوم له ذاتٌ ثابتةٌ في العدم، وتُسمى شيئاً، وليس عدماً صرفاً قبل الوجود، فكأنهم لولا ذلك لقالوا بقول الفلاسفة خذلهم الله في نفي إعادة المعدوم، والمطابق للآية معتقدنا، إذ النشأة الأولى لم يسبقها وجودٌ، ولا كان المنشأ شيئاً بخلاف النشأة الثانية، فإنه سبق لها وجود، وكان شيئاً، فظهر الفرق بين النشأتين، والمعتزلي إن قال: إن الأجسام يُعدمها الله ثم يوجدها وهو حقٌّ، لكن لا يتمُّ عندهم فرقٌ بين النشأتين، فإن المعدوم فيها كان شياً، وإن قالوا: لا تنعدمُ
стр. 5027
عَلَيْهِ) [الروم: ٢٧]، على أن ربَّ العزة سواء عليه النشأتان، لا يتفاوت في قدرته الصعب والسهل، ولا يحتاج إلى احتذاء على مثال ولا استعانة بحكيم، ولا نظر في مقياس، ولكن يواجه جاحد البعث بذلك دفعا في بحر معاندته، وكشفا عن صفحة جهله. القراء كلهم على (لا يَذْكُرُ) بالتشديد إلا نافعا وابن عامر
وعاصما رضى الله عنهم، فقد خففوا. وفي حرف أبىّ: (يتذكرُ). (مِنْ قَبْلُ): من قبل الحالة التي هو فيها وهي حالة بقائه.
(فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨) ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا (٦٩) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا) [مريم: ٦٨ - ٧٠].
في إقسام الله تعالى باسمه -تقدست أسماؤه- مضافا إلى رسول الله ﷺ : تفخيم لشأن رسول الله ورفع منه، كما رفع من شأن السماء والأرض في قوله تعالى: (فَوَرَبِّ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأجسام، لكن تجتمعُ وتتفرقُ كما قال الزمخشريُّ فقد أبعدوا ومالوا إلى مهاوي الفلاسفة.
وتفطن الزمخشري بأن القول بإعدام الأجسام وإعادتها يُبطلُ الفرق بين النشأتين، فلم يُطلقه، والقرآن قد نطق به، فالتزم أن الجسام لا تنعدم ليتميز له الفرق بين النشأتين، لأنها على هذا جمعٌ وتأليفٌ، بخلاف الأولى، فإنها إيجادٌ، فهرب من القطر فوقع تحت الميزاب، والفرقُ بين النشأتين أن الأولى أصعبُ بالنسبة إلى قياس العقل، إلا أن ذلك راجعٌ إلينا وإلا فالكل إلى قدرته سواء.
قوله: (تفخيمٌ لشأن رسول الله ﷺ ، يعني: الإضافة إضافة تشريف، كبيت الله وناقةِ الله، ثم إذا ضُم معها القسمُ يزداد التفخيم، وأنه بمكان له مدخلٌ في الإقسام به من الفضائل النابهة والكرامة الفائقة، ثم في إيراد هذا القسم بين السبب والمسبب تأكيدٌ بليغٌ في شأن الوعيد، وذلك أنهم لما أنكروا الحشر بقولهم: (أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً) بعد
стр. 5028
السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ) [الذاريات: ٢٣]، والواو في: (وَالشَّياطِينَ) يجوز أن تكون للعطف، وبمعنى "مع"، وهي بمعنى «مع» أوقع. والمعنى: أنهم يحشرون مع قرنائهم من الشياطين الذين أغووهم، يقرن كل كافر مع شيطان في سلسلة. فإن قلت: هذا إذا أريد بالإنسان الكفرة خاصة، فإن أريد الأناسىُّ على العموم فكيف يستقيم حشرهم مع الشياطين؟ قلت: إذا حشر جميع الناس حشرا واحدا وفيهم الكفرة مقرونين بالشياطين. فقد حشروا مع الشياطين كما حشروا مع الكفرة. فإن قلت: هلا عزل السعداء عن الأشقياء في الحشر كما عزلوا عنهم في الجزاء؟ قلت: لم يفرّق بينهم وبينهم في المحشر، وأحضروا حيث تجاثوا حول جهنم، وأوردوا معهم النار ليشاهد السعداء الأحوال التي نجاهم الله منها وخلصهم، فيزدادوا لذلك غبطة إلى غبطة وسرورا إلى سرور، ويشمتوا بأعداء الله وأعدائهم، فتزداد مساءتهم وحسرتهم وما يغيظهم من سعادة أولياء الله وشماتتهم بهم. فإن قلت: ما معنى إحضارهم جثيا؟ قلت: أما إذا فسر الإنسان بالخصوص، فالمعنى أنهم يعتلون من المحشر إلى شاطئ جهنم عتلا على حالهم التي كانوا عليها في الموقف، جثاة على ركبهم، غير مشاة على أقدامهم، وذلك أن أهل الموقف وصفوا بالجثو. قال الله تعالى: (وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً) [الجاثية: ٢٨]، على العادة المعهودة في مواقف المقاولات والمناقلات،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
معرفتهم أنهم لم يكونوا شيئاً فخلقهم وجعلهم بشراً سويا، رتب عليه الوعيد على سبيل التوكيد بقوله: (فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ … ) الآية.
قوله: (يعتلون). الأساس: عتلهُ: إذا أخذ في تلبيته فجره إلى حبس ونحوه (خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ) [الدخان: ٤٧].
قوله: (والمناقلات). الأساس: ومن المجاز: ناقل الشاعرُ الشاعرَ: ناقضهُ، ورجلٌ نقلٌ وذو نقلٍ: إذا كان جدلاً. وفي "الأساس": دهمتهم الخيلُ: غشيتهم.
стр. 5029
من تجاثي أهلها على الرُّكب، لما في ذلك من الاستيفاز والقلق وإطلاق الحُبَا وخلاف الطمأنينة. أو لما يدهمهم من شدّة الأمر التي لا يطيقون معها القيام على أرجلهم، فيحبون على ركبهم حبوا. وإن فسر بالعموم، فالمعنى أنهم يتجاثون عند موافاة شاطئ جهنم، على أن (جثيا) حالٌ مقدرة كما كانوا في الموقف متجاثين؛ لأنه من توابع التواقف للحساب قبل التوصل إلى الثواب والعقاب. والمراد بالشيعة -وهي «فعلة» كفرقة وفتية- الطائفة التي شاعت، أى: تبعت غاويا من الغواة. قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً) [الأنعام: ١٥٩]، يريد: نمتازُ من كل طائفة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وإطلاقِ الحُبا) كنايةٌ عن خلاف الطمأنينة، ولذلك عطفه عليه على سبيل التفسير.
قوله: (وإن فُسر بالعموم) وما يشعر بأن إرادة الخصوص أولى بإتيان "إذْ" للتحقيق في القسم الأول، وأن للشك في الثاني، ولأن الضمير في: (لَنَحْشُرَنَّهُمْ) عائدٌ إلى الإنسان المنكر للبعث في قوله: (أَوَلا يَذْكُرُ الإِنسَانُ)؛ لأنه مظهرٌ وُضع موضع المضمر؛ لأن المراد منه الإنسان المذكور في قوله: (يَقُولُ الإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً).
قوله: (على أن (جِثِيّاً) حال مقدرةٌ) يعني: أن قوله: (لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً) إذا فُسر بالخصوص، أي: بالكفار، فيكون حالاً غير مقدرةٍ لاستمرار جثوهم من المحشر على شاطئ جهنم؛ لأن أهل المحشر كلهم يجثون على ركبهم قلقاً واضطرابا أو قلة طاقة وعجزاً. وإذا فُسر بالغموم كان: حالاً مقدرةً؛ لأن غير الكفار لا يستمر جثوهم إلى الإحضار إلى شاطئ جهنم، بل نهم بعد الجثو في المحشر يمشون إلى شاطئ جهنم بأرجلهم، ثم عند الإحضار يجثون، دل على هذا التقدير عطفُ (ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ) على (لَنَحْشُرَنَّهُمْ) وأنه لابد من الجثو في المحشر لقوله: (وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً) [الجاثية: ٢٨].
قوله: (الطائفة التي شاعت، أي: تبعت غاوياً)، قاله بناءً على العرف، وإلا فالشيعة
стр. 5030
من طوائف الغيّ والفساد أعصاهم فأعصاهم، وأعتاهم فأعتاهم. فإذا اجتمعوا طرحناهم في النار على الترتيب. نقدم أولاهم بالعذاب فأولاهم. أو أراد بالذين هم أولى به صليا: المنتزعين كما هم، كأنه قال: ثم لنحن أعلم بتصلية هؤلاء، وهم أولى بالصُّلى من بين سائر الصالين، ودركاتُهم أسفل، وعذابهم أشدّ. ويجوز أن يريد بأشدّهم عتيا: رؤساء الشيع وأئمتهم، لتضاعف جرمهم بكونهم ضلالا ومضلين. قال الله تعالى: (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ) [النحل: ٨٨]، (وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ) [العنكبوت: ١٣]. واختلف في إعراب (أَيُّهُمْ أَشَدُّ):
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لغةً: الأتباع. الجوهري: شيعةُ الرجل: أتباعه وأنصاره، وكل قوم أمرهم واحدٌ يتبع بعضهم رأي بعضٍ فهم شيعٌ.
قوله: (ويجوز أن يريد بأشدهم عتيا: رؤساء الشيع)، يريد أن (أَيُّهُمْ أَشَدُّ)، يجوز أن يُحمل على الاستفهام، فيفيد العموم في الجنس باعتبار أفراده، فالمعنى: يمتازُ من كل طائفةٍ أعصاهم فأعصاهم، والمراد بـ (بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيّاً): المنتزعون إما باعتبار الترتيب السابق، كما يقالُ: يقدم أولاهم للعذاب فأولاهم، أو باعتبار المجموع، كما قال: "المنتزعين كما هم"، فيكون قوله: "أو أراد بالذين" عطفاً على قوله: "فإذا اجتمعوا"، فوضع المُظهر موضع المضمر، وأن يُحمل على الموصولة، ويكون التعريفُ للعهد، والإشارة به إلى أشخاص معينين وهم الرؤساء.
قوله: (واختُلف في إعراب: (أَيُّهُمْ أَشَدُّ))، قال ابن الحاجب في "الأمالي": مذهبُ الخليل: أنه مرفوعٌ على الحكاية، أي: لننزعن الذي يُقال فيه: أيهم أشدُّ فعلى هذا (أَيُّهُمْ أَشَدُّ) استفهاميةٌ، ولذلك قدر القول ليصح وقوع الاستفهام بعده. ومذهب سيبويه: أن (أَيُّهُمْ) مبنيٌّ على الضم لسقوط صدر الجملة التي هي صلته، حتى لو جيء به لأعرب، فقيل: أيهم هو أشدُّ، فعلى هذا هي موصولةٌ بمعنى الذي منصوبٌ مفعول (لَنَنزِعَنَّ)، هذا هو الصحيح؛ لأنه يلزمُ من قول الخليل إما حذفُ أشياءَ كثيرةٍ، أو حذفُ الصلةِ
стр. 5031
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والموصول، فهو بعيدٌ. وأيضاً، القولُ الذي يصحُّ حذفُه قولٌ مفردٌ غير واقعٍ صلة الموصول، نحو قوله تعالى: (وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمْ) [الأنعام: ٩٣] إلى غيرها، ولأن المعنى لا يستقيم إلا أن يُقدر الذي يقالُ فيه: أيهم هو أشدُّ، وليس الكلام على ذلك، ولأن الاستفهام لا يقع إلا بعد أفعال العلم أو القول على الحكاية، و"ننزعنَّ" ليس من أفعال العلم.
فإذا قلت: ضربتُ أيهم قام، فالوجه أن يقال: إن "أيهم" موصولةٌ، لا أن يقال: ضربتُ الذي يُقال فيه: أيهم قام، وإنما لم يقع الاستفهام إلا بعد أفعال العلم أو القول؛ لأن القول يحكي بعده كل شيء، وأفعالُ العلم إنما وقع بعدها الاستفهام لأحد أمرين: إما لكون الاستفهام مستعلماً به، فإذا قلت: زيدٌ عندك أم عمرو؟ كأنك قلت: أعلمني أيهما عندك؟ فإذا قلت: علمتُ أزيدٌ عندك أم عمرو؟ كان معناه علمتُ ما يُطلب به إعلامك، فبين الاستفهام والعلم اشتراكٌ في هذا. وإما لكثرتها في الاستعمال، فجُعل لها شيئانِ في الكثرة ليس لغيرها ما جُعل لها خصائصُ في غير ذلك، ولم يكثُر غيرها كثرتها.
وأجيب عن قوله: "يلزمُ منه حذفُ أشياء كثيرةٍ" أن أمثال هذا الحذف من حلية التنزيل الذي هو معدنُ البلاغة على التقدير: (ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ) المقول في حقه أيهم أشد، وعليه قراءة ابن عباس: (وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ الْعَذَابِ الْمُهِينِ * مِنْ فِرْعَوْنَ) [الدخان: ٣٠] على الاستفهام صفة للعذاب، أي: المقول في حقه من: فرعون؟ وأنشد الزجاج:
ولقد أبيتُ من الفتاة بمنزلٍ … فأبيتُ لا حرجٌ ولا محرومُ
أي: فأبيت بمنزلها الذي يُقال له: لا هو حرجٌ ولا محرومٌ. وهذا هو الجواب أيضاً عن قوله: وإنما القولُ الذي يصحُّ حذفه قولٌ مفردٌ عن قوله: إنما لم يقع الاستفهام إلا بعد القول.
стр. 5032
فعن الخليل أنه مرتفع على الحكاية. تقديره: لتنزعنّ الذين يقال فيهم أيهم أشد، وسيبويه على أنه مبنى على الضم لسقوط صدر الجملة التي هي صلته، حتى لو جيء به لأعرب. وقيل: أيهم هو أشد. ويجوز أن يكون النزع واقعا على: (مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ)، كقوله سبحانه: (وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا) [مريم: ٥٠]، أى: لننزعن بعض
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأما قوله: "وليس الكلام على ذلك"، فمن المقلوب، ذكر أبو إسحاق الزجاج بعد ما حكى قول الخليل وسيبويه وينس: والذي أتوهمه أن القول في هذا قول الخليل، ثم لننزعن الذي يُقال لهم أيهم أشد على الرحمن، وتأويله: ثم لننزعن من كل شيعةٍ الذي من أجل عتوه يقال له: أي هؤلاء أشد عتيا، فيُستعمل ذلك في الأشد، وقال: كأنه يبتدأ بالتعذيب لأشدهم عتياًّ، ثم الذي يليه، وهو أوفقُ للتفسير.
وروى محيي السنة عن مجاهدٍ: يريد الأعتى فالأعتى، وفي بعض الآثار: أنهم يُحضرون جميعاً حول جهنم مُسلسلين مغلولين، ثم يُقدم الأكفر فالأكفر، وعليه الوجه الأول من كلام المصنف: "يمتازُ من كل طائفة من طوائف الغي أعصاهم فأعصاهم"، وعليه ينطبق قوله تعالى: (ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيّاً)؛ لأن المعنى على ما قال: تقديم أولاهم بالعذاب فأولاهم على الترتيب، ولا يستقيم مثل هذا المعنى في الوجه الثاني.
قوله: (ويجوز أن يكون النزع واقعاً على: (مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ))، أي: يكون (مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ) مفعولا به لقوله: (لَنَنزِعَنَّ)، أي: لننزعن عن بعض كل شيعة، كقوله: (وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا) أي: بعض رحمتنا كما سبق.
وروى الزجاج عن يونس أن قوله: (لَنَنزِعَنَّ) معلقةٌ لم تعمل شيئاً، وأوله الزجاج بقوله: (ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ) ثم استأنف فقال: (أَيُّهُمْ)، قال أبو علي: مرادُ
стр. 5033
كل شيعة، فكأنّ قائلا قال: من هم؟ فقيل: أيهم أشد عتيا. و (أيهم أشد): بالنصب عن طلحة بن مصرف وعن معاذ بن مسلم الهراء أستاذ الفراء. فإن قلت: بم يتعلق
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يونُس: أن الفعل معملٌ في موضع (مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ)، ولا يريدُ به انه غير معملٍ في شيءٍ البتة. والدليلُ عليه قوله: معلقةٌ، والمعلقُ يستعملُ في الموضع دون اللفظ، ألا تراهم قالوا في: علمتُ أزيدٌ في الدار إن الفعل معلقٌ، وهو معملٌ في موضع الجملة. وقال الكسائي: أي أن قوله: (لَنَنزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ) كقولك: أكلتُ من طعام، فأيهم منقطعةٌ مستأنفة، فهو كقول يونس.
فإن قلتَ: لم زعم يونسُ أنه إذا حذف العائد من الصلة، وجب البناء على الضم؟ قلت: لان الصلة تبينُ الموصول وتوضحه، كما أن المضاف إليه يبينُ المضاف ويخصصه كما أنه لما حذف المضاف غليه من الأسماء التي تبينها بالإضافة، يبني كذلك هذا. والأمر الجامع كونهما موضحين ومبينين. تم كلامُ أبي علي.
وقال أبو البقاء: إنما بُنيت هاهنا لأن أصلها البناءُ؛ لأنها بمنزلة "الذي" و"مَن" مِنَ الموصولات، إلا أنها أعربت حملاً على كل أو بعض، فإذا وُصلت بجملة تامة بقيت على الإعراب، وإذا حُذف العائدُ بنيت لمخالفتها بقية الموصولات، فرجعت إلى حقها من البناء لخروجها عن نظائرها، وموضعها: نصبٌ بـ"ننزعُ".
قوله: (وعن معاذٍ … الهراء)، قال الأنباري: هو أبو مسلم معاذٌ الهراءُ من موالي محمد ابن كعب القُرظي، أخذ عنه الكسائي، وأخذ الفراء عن الكسائي، ونسب الزجاج هذه القراءة إلى هارون الأعور، ونقله عن سيبويه، قال أبو البقاء: (أَيُّهُمْ أَشَدُّ) يُقرأُ
стр. 5034
(على) والباء، فإنَّ تعلُّقهما بالمصدرين لا سبيل إليه؟ قلت: هما للبيان لا للصلة. أو يتعلقان بأفعل، أى: عتوّهم أشد على الرحمن، وصليهم أولى بالنار، كقولهم: هو أشد على خصمه، وهو أولى بكذا.
(وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا) [مريم: ٧١ - ٧٢].
(وَإِنْ مِنْكُمْ) التفاتٌ إلى الإنسان، يعضده قراءة ابن عباس وعكرمة رضى الله عنهما: (وإن منهم). أو خطاب للناس من غير التفات إلى المذكور، فإن أريد الجنس كله فمعنى الورود دخولهم فيها
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بالنصب شاذاً والعامل فيه: (لَنَنزِعَنَّ)، وهي بمعنى الذي.
قوله: (فإن تعلقهما بالمصدرين لا سبيل إليه)؛ لأن معمول المصدر لا يتقدمُ عليه.
قوله: (هما: للبيان) كقوله تعالى: (لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ) [يوسف: ٤٣]، كأن سائلاً سأل: من عتوا؟ قيل: (عَلَى الرَّحْمَنِ) وبأي شيء صليُّهم؟ قيل: النار.
قوله: (فإن أريد الجنس كله)، يجوزُ أن يكون تفريعاً على الوجهين وتفصيلاً لكل من القولين، إما على الالتفات، فالمرادُ بالإنسان هو: الذي ذُكر عنه قوله: (وَيَقُولُ الإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً)، وهو - على ما فسر- يجوز أن يُراد به الجنسُ، وأن يُراد به بعض الجنس وهم الكفرة، والالتفات لازمٌ لما ذكر بُعيدَ هذا من قوله: "وإن أريد الكفارُ خاصةً"، وإما أن يُراد به ابتداء كلام ولا التفات فيه، ولا يلتفت إلى الإنسان المذكور من قبلُ، فالمخاطبون: كل من يصلح أن يخاطب لعم الخطب، ولذلك عدل من الإنسان إلى الناس، فالفاء في قوله: فإن أُريد الجنسُ: تفصيلية.
стр. 5035
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال صاحب "الانتصاف": احتمالُ الالتفات مفرعٌ على إرادة العموم من الأول حتى يتحد المخاطبون، إلا أنهم ذُكروا أولاً بلفظ غيبةٍ، وثانياً بلفظ حضور، وإن أردنا بالأول الخصوص لم يكن التفاتاً بل عدولاً إلى خطاب العامة عن خطاب الخاصة المعينين.
قلت: قوله: "وإن أردنا بالأول الخصوص لم يكن التفاتاً" غير مسلم؛ لأنه التفت فيه عن جماعة غائبين إلى الخطاب لهم. وأما العدول إلى خطاب العامة عن خطاب الخاصة فليس بمختص بمعين، بل هو مطلق؛ لأن (وَإِنَّ مِنْكُمْ) حينئذٍ: ابتداءُ كلام. وأما بيانُ الترتيب فإنه تعالى لما حكى عن جنس الإنسان أنه قال: (أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً) ثُم أنكر عليه بقوله: (أَوَلا يَذْكُرُ الإِنسَانُ) الآية في أنه يعاند ولا يلتفت إلى البرهان القاهر، ولا يذكر خلقته من قبلُ، ووضع المُظهر وهو الإنسان موضع المضمر ليؤذن بحقارته ودناءته وأن إعادة مثله لا يؤبه بها، ولهذا صرح بقوله: (وَلَمْ يَكُ شَيْئاً)، ثم أقسم على تحقيق الإعادة بقوله: (فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ) وأكده وفصله، بقوله: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا) مخاطباً للإنسان بعد الحكاية عنه، اعتناءً بشأن الإعادة وتقريراً لتحقيق ما أقسم عليه، وأن لابد من إبرار القسم ولا غنى عنه، ثم أردفه بقوله: (كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً) تتميماً لمعنى القسم. ويُمكن أن يُحمل على هذا تسمية رسول الله ﷺ إياه بتحلة القسم في قوله: "لا يموتُ لمسلمٍ ثلاثةٌ من الولد فيلجُ النار إلا تحلة القسم". أخرجه البخاري ومسلمٌ ومالكٌ والترمذيُّ، عن أبي هريرة.
النهاية: أراد بتحلة القسم (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا) كما يقال: ضربته تحليلاً: إذا لم تبالغ في ضربه، وهو مثلٌ في القليل المفرط في القلة، وهو أن يباشر من الفعل الذي يٌقسم عيه المقدار الذي يُبر به قسمه.
стр. 5036
وهي جامدة، فيعبُرها المؤمنون وتنهار بغيرهم. عن ابن عباس رضى الله عنه: يردونها كأنها إهالة. وروى: "دواية". وعن جابر بن عبد الله أنه سأل رسول الله ﷺ عن ذلك؟ فقال: "إذا دخل أهل الجنة الجنة قال بعضهم لبعض: أليس قد وعدنا ربنا أن نرد النار، فيقال لهم: قد وردتموها وهي جامدة". وعنه رضى الله عنه أنه سئل عن هذه الآية؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الورود الدخول، لا يبقى برّ ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمنين بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم، حتى إنّ للنار ضجيجا من بردها» وأما قوله تعالى: (أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ) [الأنبياء: ١٠١]؛
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وهي جامدة)، ورُوي: "هامدةٌ"، أي: باردةٌ أو ساكنةٌ لا تعملُ. الأساس: رجلٌ جامدُ الكف: بخيل، هو جامدُ العين، ولا زلت أضربه حتى جمد. الجوهري: جمد الماء يجمد جمداً وجموداً، أي: قام، وكذلك الدم وغيره إذا يبس.
قوله: (إهالة)، الأساس: هو الودك وكل من الأدهان يؤتدم به كالزيت والحلا بالحاء المهملة.
قوله: (دواية)، الأساس: يقالُ: ما على لبتك دوايةٌ، وهي جلدةٌ تعلو المرق والماء الراكد، شبه النار وحرارتها بالنسبة إلى المؤمنين بحرارة الإهالة والدواية مع دسمها ونعومتها، ليشير إلى السلامة المقرونة بالنعومة، فإن الجمود وإن دل على السلامة لكن لم يُعلم منه النعومةُ، فكلمةُ (بها) كقوله تعالى: (يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ) [الأنبياء: ٦٩]، فإنه لو اقتصر على كونها سلاماً لم يُعلم معنى البرودة، وهو الإيناسُ بها.
قوله: (حتى إن للنار ضجيجاً من بردها)، روينا في "مسند أحمد بن حنبل"، عن أبي سمية: اختلفنا في الورود، فمن قائل: لا يدخلها مؤمنٌ، ومنهم من يقول: يدخلونها جميعاً (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا)، فسألنا جابراً عن ذلك، فأهوى بإصبعيه إلى أذنيه وقال: صُمتاً إن لم أكنْ سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "الورودُ الدخول، لا يبقى برٌّ ولا فاجرٌ إلا دخلها،
стр. 5037
فالمراد عن عذابها. وعن ابن مسعود والحسن وقتادة: هو الجواز على الصراط؛ لأنّ الصراط ممدود عليها.
وعن ابن عباس: قد يرد الشيء الشيء ولا يدخله، كقوله تعالى: (وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ) [القصص: ٢٣]. ووردت القافلةُ البلد، وإن لم تدخُله ولكن قربت منه. وعن مجاهد: ورود المؤمن النار هو مس الحمى جسده في الدنيا، لقوله ﵊ «الحُمى من فيح جهنم» وفي الحديث: «الحمى حظ كل مؤمن من النار». ويجوز أن يراد بالورود: جثوّهم حولها. وإن أريد الكفار خاصة، فالمعنى بيِّن.
الحتم: مصدر حتم الأمر إذا أوجبه، فسمى به الموجب، كقولهم: خلق الله، وضرب الأمير، أى: كان ورودهم واجبا على الله، أوجبه على نفسه وقضى به، وعزم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فتكون على المؤمن برداً وسلاماً، كما كانت على إبراهيم، حتى إن لجهنم ضجيجاً من بردهم (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً).
قال محيي السُّنة: وفي الحديث: "تقول النار للمؤمن: جُز يا مؤمن، فقد أطفأ نورك لهبي".
قوله: (الحمى من فيح جهنم)، وتمامه: "فأبردوها بالماء"، أخرجه البخاري ومسلمٌ والترمذيُّ، عن عائشة ﵂.
النهاية: الفيحُ: سطوعُ الحر وفورانه.
стр. 5038
على أن لا يكون غيره. قرئ (نُنَجِّي) و (ننجي)، و (ينجى) و (ينجى) على ما لم يسم فاعله. إن أريد الجنس بأسره فهو ظاهر، وإن أريد الكفرة وحدهم فمعنى (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا): أنّ المتقين يساقون إلى الجنة عقيب ورود الكفار،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (قرئ: (نُنَجِّي))، بالتخفيف: الكسائي، والباقون: بالتشديد، والقراءتان: شاذتان.
قوله: (فمعنى (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا): أن المتقين يساقون إلى الجنة عقيب ورود الكفار)، يعني: إذا جعل الورود للكفار خاصة، ينبغي أن يفسر (نُنَجِّي) بالسوق، ليتقابلا، لقوله تعالى: (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً) [الزمر: ٧١]، وقوله: (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً) [الزمر: ٧٣]، وعلى الأول قوله: (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا) مقابلٌ لقوله: (وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً) لأنها برمتها بمعنى الهلاك.
فإن قلت: إذا كانت الآية من التقابل، فلم خُولف بين قوله: (الَّذِينَ اتَّقَوْا) وقوله: (الظَّالِمِينَ)؟
قلت: ليؤذن بترجيح جانب الرحمة، وبأن التوحيد هو المنجي، والإشراك هو المُردي، فكأنه قيل ثم ننجي من وُجد منه تقوى ما وهو احترازٌ من الشرك، ونهلكُ من اتصف بالظلم، أي: بالشرك ويثبت عليه، قال تعالى: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) [لقمان: ١٣]، قال المصنف في قوله تعالى: (وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) [هود: ١١٣]، أي: الذين وجدتُم منهم الظلم، ولم يقل: الظالمين، وفي إيقاع "نذر" مقابلاً لقوله: (نُنَجِّي) إشعارٌ بتلك اللطيفة أيضاً.
قال الراغب: يقال: فلانٌ يذر الشيء، أي: يقذفه لقلة اعتداده به (وَنَذَرَ مَا كَانَ
стр. 5039
لا أنهم يواردونهم ثم يتخلصون. وفي قراءة ابن مسعود وابن عباس والجحدري وابن أبى ليلى: (ثم ننجي)، بفتح الثاء، أى هناك. وقوله: (وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا) دليل على أنّ المراد بالورود الجثوّ حواليها، وأن المؤمنين يفارقون الكفرة إلى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يَعْبُدُ آبَاؤُنَا) [الأعراف: ٧٠]، والوذرة: قطعةٌ من اللحم، وسميت له لقلة الاعتداد بها، نحو قولهم فيما لا يُعتد به: هو لحمٌ على وضم.
فإن قلت: أي الوجهين أحسن؟ قلت: أن يراد بـ (مِنْكُمْ) ضمير جنس الإنسان رواية ودراية، أما الرواية: فكما سبق، وأما الدراية فإن (نُنَجِّي) إذا تُرك على ظاهره ليقع مقابلاً لنذر كما سبق، ويكونان كالتفصيل لقوله: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا) على إرادة الجنس، كان أحسن من التأويل وفقدان التفصيل.
فإن قلت: موقعُ "ثم" في قوله: (ثُمَّ نُنَجِّي) على ذلك الوجه أحسنُ؛ لأنها حينئذٍ لبيان التفاوت بين ورود الكافرين النار وسوق المتقين إلى الجنة، وأن أحدهما للإهانة، والآخر للكرامة.
قلت: وعلى هذا الوجه ينبني على التفاوت بين فعلِ الخلق، وهو ورودهم النار، وفعل الحق سبحانه، وهو النجاة والدمارُ - زماناً ورتبة.
قوله: (دليلٌ على أن المراد بالورود الجثو حواليها)، يعني: سبق أن المراد بالجثو إما الدخول أو الجواز على الصراط أو القرب والدنو من جهنم أو الجثو حولها، والذي يدل على ظهور الوجه الأخير قوله: (وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً) لما قلنا: إن (نُنْجِي) و"نذَرُ" تفصيلٌ لقوله: (إِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا) فإذا قيل: (وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً) بمعنى: نتركهم على ما كانوا عليه، عُلم أن حال المتقين بخلافه، فيلزم اشتراكهم في الجثو. ولا بُدَّ
стр. 5040
الجنة بعد تجاثيهم، وتبقى الكفرة في مكانهم جاثين.
(وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا) [مريم: ٧٣].
(بَيِّناتٍ): مرتلات الألفاظ، ملخصات المعاني، مبينات المقاصد: إما محكمات أو متشابهات، قد تبعها البيان بالمحكمات. أو بتبيين الرسول قولا أو فعلا. أو ظاهرات الإعجاز تحدّى بها ولم يقدر على معارضتها. أو حججا وبراهين. والوجه أن تكون حالا مؤكدة كقوله تعالى: (وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً) [البقرة: ٩١]؛ لأن آيات الله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
على هذا الوجه من تقدير مضاف، أي: نذرُ الظالمين في حول جهنم جثياً، ويؤيده أيضاً قوله: (ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً).
قوله: (أو ظاهرات الإعجاز) عطفٌ على قوله: "مُرتلات الألفاظ"، وعلى الأول: (بَيِّنَاتِ) من: بان الشيءُ عن الشيءِ: انفصل وانقطع، وعلى الثاني من: بانَ الشيءُ بياناً: ظهر. الأساس: بانَ الشيءُ بيناً وبينونةً، وباينهُ مباينةً.
فقوله: "مُرتلاتِ الألفاظ" اعتبارُها بحسب الفصاحة. وقوله: "ملخصاتِ المعاني" بالنظر إلى البلاغة. وقوله: "مبينات المقاصد" بالنسبة إلى الأصول والفروع؛ لأن المعنى إما نصٌّ ملخصٌ، فهو المحكماتُ، وإما مُؤولٌ مُبينٌ مقاصده فهو المتشابهات التي تبعها البيانُ، إما بالقرآن أو بالسنة. والسنة: ما قولُ الرسول ﷺ أو فعله أو تقريره.
قوله: (والوجه أن تكون حالاً مؤكدةً) يعني: (بَيِّنَاتِ) يحتملُ أن تكون حالاً منتقلةً من (آيَاتِنَا)، وأن تكون مؤكدة لمضمون الجملة. والوجه الثاني أوجه وإن لم تكن الجملة عقدها من اسمين؛ لأن المعنى عليه كقوله تعالى: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ) [آل عمران: ١٨]. وأما بيان النظم، فإنه تعالى لما حكى عن المشركين طعنهم في البعث والحشر بقوله: (وَيَقُولُ الإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً) [مريم: ٦٦]، وأجابهم ذلك الجواب العتيد، شرع في طعنهم في القرآن المجيد، وقال: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا … ) [مريم: ٧٣] الآية.
стр. 5041
لا تكون إلا واضحة وحججا (لِلَّذِينَ آمَنُوا) يحتمل أنهم يناطقون المؤمنين بذلك ويواجهونهم به، وأنهم يفوهون به لأجلهم وفي معناهم، كقوله تعالى: (وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ) [الأحقاف: ١١]. قرأ ابن كثير (مَقاماً) بالضم وهو موضع الإقامة والمنزل، والباقون بالفتح وهو موضع القيام، والمراد: المكان والموضع. والندىّ: المجلس ومجتمع القوم، وحيث ينتدون. والمعنى: أنهم إذا سمعوا الآيات وهم جهلة لا يعلمون إلا ظاهرا من الحياة الدنيا وذلك مبلغهم من العلم، قالوا: أىّ الفريقين من المؤمنين بالآيات والجاحدين لها أوفر حظا من الدنيا حتى يجعل ذلك عيارا على الفضل والنقص، والرفعة والضعة. ويروى أنهم كانوا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ينتدون)، الأساس: وانتدو وتنادوا: تجالسوا.
الراغب: النداءُ: رفعُ الصوت وظهوره، وقد يقال للصوت المجرد، كقوله تعالى: (مَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً) [البقرة: ١٧١]، أي: لا يُعرف، أي: الصوت المجرد دون المعنى الذي يقتضيه تركيبُ الكلام، ويقالُ للمركب الذي يُفهم منه المعنى ذلك كقوله تعالى: (وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى) [الشعراء: ١٠]، وقوله: (وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ) [المائدة: ٥٨]، أي: دعوتم. ونداءُ الصلاة مخصوصٌ بالألفاظ المعروفة، وأصلُ من الندى، أي: الرطوبة، يقال: صوتٌ ندٍ، أي: رفيعٌ. واستعارةُ النداء للصوت من حيث إن من تكثر رطوبةُ فمه يحسن كلامه، ولهذا يوصف الفصيح بكثرة الريق، يقال: ندى وأنداءٌ وأنديةٌ، ويُسمى الشجرُ ندى لكونه منه، وعُبر عن المجالسة بالنداء حتى قيل للمجلس: النادي والمنتدى والنُّديُّ، وقيل ذلك للجليس، قال تعالى: (فَلْيَدْعُ نَادِيَه) [العلق: ١٧]، ومنهُ سُميت دارُ الندوة بمكة، وهو مكانٌ يجتمعون فيه، ويعبر عن السخاء بالندى، فيقال: أندى كفا من فلان، ويتندى على أصحابه، أي: يتسخى، وما نديت بشيءٍ من فلان، أي: ما نلتُ منه ندى.
стр. 5042
يُرجلون شُعورهم ويدهنون ويتطيبون ويتزينون بالزين الفاخرة، ثم يدعون مفتخرين على فقراء المسلمين أنهم أكرم على الله منهم.
(وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً وَرِءْياً) [مريم: ٧٤].
"كَمْ" مفعول (أَهْلَكْنا) و (مِنْ) تبيين لإبهامها، أى: كثيراً من القرون أهلكنا. وكل أهل عصر قرن لمن بعدهم لأنهم يتقدمونهم. و (هُمْ أَحْسَنُ) في محل النصب صفة ل"كم". ألا ترى أنك لو تركت (هُمْ)؛ لم يكن لك بدّ من نصب (أَحْسَنُ) على الوصفية؟ . الأثاث: متاع البيت. وقيل: هو ماجد من الفرش.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وكل أهل عصر قرنٌ لمن بعدهم) الراغب: القرنُ: القومُ المقترنون في زمنٍ واحد.
النهاية: القرنُ: أهل زمان، وهو مقدارُ التوسط في أعمارِ كل زمان، مأخوذٌ من الاقتران، فكأنه المقدارُ الذي يقترنُ فيه أهلُ ذلك الزمان في أعمارهم، مثل: أربعون سنةُ. وقيل: ثمانون. وقيل: مئة. الجوهري: قرنُ الشمس: أعلاها وأولُ ما يبدو منها في الطلوع، وهُو المناسبُ لقوله: "لأنهم يتقدمونهم".
قوله: (لم يكن لك بدٌّ من نصب (أَحْسَنُ) على الوصفية)، معناه: أن قولهم: (هُمْ أَحْسَنُ) يجب إجراؤه على الوصف دون الاستئناف، إذ لو جيء مفرداً لم يكن بُدٌّ من نصبه على الوصف. قال أبو البقاء: (هُمْ أَحْسَنُ) صفةُ "كم".
قوله: (ما جد من الفُرُش). الجوهري: جد الشيءُ يجد، بالكسر، جدة: صار جديداً، وهو نقيضُ الخلق.
الراغب: الأثاثُ: متاعُ البيت الكثيرُ، من أثَّ، أي كثُر وتكاثف. وقيل: للمال كله إذا كثُر: أثاثٌ ولا واحد له كالمتاع، وجمعُه أثاثٌ، ونساءٌ أُثائثُ: كثيراتُ اللحم، كأنّ
стр. 5043
والخُرثي: ما ليس منها. وأنشد الحسن بن على الطوسي:
تقادم العهد من أمّ الوليد بنا … دهرا وصار أثاث البيت خرثيّا
قرئ على خمسة أوجه (رِئياً)؛ وهو المنظر والهيئة، فعل بمعنى مفعول، من رأيت. و (ريْئاً)، على القلب كقولهم راء في رأى. و (رِيَّا)، على قلب الهمزة ياء والإدغام،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عليهن أثاثٌ، وتأثث فلانٌ: أصاب أثاثاً.
قوله: (والخرثيُّ: ما لُبسَ منها). وفي "الأساس": هو السقطُ من الثياب.
قوله: (قرئ على خمسةِ أوجهٍ: رئياً)، قالون وابن ذكوان: "ريًّا"، بتشديد الياء من غير همز، والباقون: بالهمز إلا حمزة، فإن له في حالة الوقف ثلاثة أوجه: إدغامٌ وإبدالٌ وحذف.
قال ابن جني: قرأ طلحةُ: "ورياًّ" خفيفة بلا همز، وقرأ: "وزياًّ" بالزاي سعيدُ بن جبير، والنظر من ذلك في "وريا"، وهو في الأصل فعلٌ بكسر الفاء وضم العين، من: رأيتُ، فأصله "ريا" ـ"رعيا" على قراءة أبي عمرو وغيره، أريد تخفيف الهمز فأبدلت الهمزة ياء لسونها وانكسار ما قبلها، ثم أدغمت الياء المبدلة من الهمزة في الياء الثانية التي هي لام الفعل، فصارت "رِيا". ويجوزٌ أن يكون من: رويت، قال أبو علي: لأن للريان نضارة وحُسناً.
وأما "رياً" مخففةً غير مهموزة فتحتمل أمرين، أحدهما: أن تكون مقلوبة من فعلٍ إلى فِلْع، فصارت في التقدير: "رِئياً"، ثم خُفف فحذفت الهمزة وألقيت حركتها على الياء فصارت "ريا". وثانيهما: أن يكون "ريا" من: رويتُ، ثم خففت بحذف إحدى الياءين، وينبغي أن تكون المحذوفة الياء الثانية؛ لأنها هي المكررة، وبها وقع الاستثقال، ولأنها لامٌ وقد كثُرَ حذفُ اللام حرف علةٍ كمئةٍ ورئة وفئة.
وأما "الزيُّ" بالزاي ففعلٌ من: زويت، وذلك أنه لا يقال لمن له شيء واحد من آلته زيٌّ حتى تكثُر آلته المستحسنة، فهي إذاً من "زويت"، أي: جُمعت، من قول النبي ﷺ :
стр. 5044
أو من الري الذي هو النعمة والترفه، من قولهم: رَيَّان من النَّعيم. و (رِياً)، على حذف الهمزة رأسا، ووجهه أن يخفف المقلوب -وهو «ريِئاً» - بحذف همزته وإلقاء حركتها على الياء الساكنة قبلها. و (زِيًّا)، واشتقاقه من الزىّ وهو الجمع: لأن الزىّ محاسن مجموعة، والمعنى: أحسن من هؤلاء.
(قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً) [مريم: ٧٥].
أى: مدّ له الرحمن، يعنى: أمهله وأملى له في العمر، فأخرج على لفظ الأمر إيذانا بوجوب ذلك، وأنه مفعول لا محالة، كالمأمور به الممتثل، لتقطع معاذير الضال، ويقال له يوم القيامة: (أَوَ لَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ) [فاطر: ٣٧]، أو كقوله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"زُويت لي الأرضُ"، أي: جُمعت، فأصلها: زويٌ، بكسر الزاي وسكون الواون فقلبت على ما مضىن وأدغمت في الياء.
قوله: ((أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ) [فاطر: ٣٧] أي: عمرناكم العمر الذي يتذكر فيه من يتصدى للتذكير. قال مجاهدٌ: هو العمرُ الذي أعذر الله إلى ابن آدم. روينا في "صحيح البخاري"، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: أعذر الله إلى امرئٍ أخر أجله حتى بلغه ستين سنة".
النهاية: أعذر الله إلى امرئ، أي: لم يبق فيه موضعاً للاعتذار، حيث أمهله طول هذه المدة ولم يعتذر، يقال: أعذر الرجل: إذا بلغ أقصى الغاية في العُذر.
قوله: (أو كقوله) عطفٌ من حيثُ المعنى على قوله: "ليقطع معاذير الضال"، أي: أخرج على لفظ الأمر ليقطع معاذير الضال، كقوله: (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ) [فاطر: ٣٧] أو ليكونن مبالغة في إرادة ازدياد الضلالة كقوله تعالى: (إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً) [آل عمران: ١٧٨]، أي: ما نُملي لهم إلا لهذا.
стр. 5045
تعالى: (إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً) [آل عمران: ١٧٨]. أو: مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَمد لَهُ الرَّحْمنُ، في معنى الدعاء بأن يمهله الله ويُنفس في مدّة حياته. في هذه الآية وجهان. أحدهما: أن تكون متصلة بالآية التي هي رابعتها، والآيتان اعتراض بينهما، أى قالوا: (أى الفريقين خير مقاما وأحسن نديا)، (حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ)، أى: لا يبرحون
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أو: من كان في الضلالة فليمدد له الرحمنُ مداً، في معنى الدعاء) وفي بعض النسخ: "فمد له الرحمنُ، في معنى الدعاء"، هو عطفٌ على قوله: "مد له الرحمنُ".
فإن قلت: الآمِرُ والداعي هو رسول الله ﷺ بشهادة قوله: (قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلالَةِ)، فعلى التقديرين: دعاءٌ لا أمرٌ قلتُ: كل من الأمر والدعاء يقتضي الإنشاء، وأن لا يكون المطلوبُ حاصلاً، لكن الدعاء: طلبُ ما يتوقع حصوله، والأمرُ: طلبُ الإيجاد على الفور، وهو أقرب إلى التحقيق، وتقديره: قل لهم قولي لك: فليمدد له الرحمنُ. وفيه معنى التجريد؛ لأنه تعالى أمر به نفسه على سبيل الغيبة، وفي تخصيص ذكر الرحمن تتميم وتربية بمعنى الاستدراج والإمهال، كقوله تعالى: (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) [القلم: ٤٤ - ٤٥]، فلما أريد في الوجه الأول الإخبار عن الحصول قطعاً قال: أخرج على لفظ الأمر، ولهذا رح بالماضي حيث قال: أي: مد له الرحمن، وفائدته: تصوير تلك الحالة الماضية، وعدم انقطاعها وقتاً فوقتاً، وأتى في الثاني بالمضارع، وهو أن يمهله الله تعالى.
قوله: (ويُنفس في مدة حياته)، الأساس: ومن المجاز: وأنتَ في نفس من أمرك: في سعة. وتنفس النهارُ: طال، وتنفس به العمر، وبلغك الله أنفس الأعمار.
قوله: (في هذه الآية)، أي: قوله: (حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ).
قوله: (بالآية التي هي رابعتها)، أي: بالآية التي هذه الآية رابعة تلك الآية، وهي قوله: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ).
قوله: (والآيتان)، أي: (كَمْ أَهْلَكْنَا)، (قُلْ مَنْ كَانَ). وأما بيانُ وجه الاعتراض فهو أن مضمون الآيتين الإنكارُ على الكفرة في أنهم حين تُتلى عليهم آياتُ الله ليهتدوا بها للإيمان يفتخرون بالحظوظ الدنيوية ويرجحونها على السعادة الأخروية، فأكد هذا المعنى بقوله: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ) إلى قوله: (فَلْيَمْدُدْ لَهُ).
следующие страницы →