Полный текст (9 345 стр.). Показаны 5041–5080 · переход к 5046.
стр. 5041
لا تكون إلا واضحة وحججا (لِلَّذِينَ آمَنُوا) يحتمل أنهم يناطقون المؤمنين بذلك ويواجهونهم به، وأنهم يفوهون به لأجلهم وفي معناهم، كقوله تعالى: (وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ) [الأحقاف: ١١]. قرأ ابن كثير (مَقاماً) بالضم وهو موضع الإقامة والمنزل، والباقون بالفتح وهو موضع القيام، والمراد: المكان والموضع. والندىّ: المجلس ومجتمع القوم، وحيث ينتدون. والمعنى: أنهم إذا سمعوا الآيات وهم جهلة لا يعلمون إلا ظاهرا من الحياة الدنيا وذلك مبلغهم من العلم، قالوا: أىّ الفريقين من المؤمنين بالآيات والجاحدين لها أوفر حظا من الدنيا حتى يجعل ذلك عيارا على الفضل والنقص، والرفعة والضعة. ويروى أنهم كانوا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ينتدون)، الأساس: وانتدو وتنادوا: تجالسوا.
الراغب: النداءُ: رفعُ الصوت وظهوره، وقد يقال للصوت المجرد، كقوله تعالى: (مَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً) [البقرة: ١٧١]، أي: لا يُعرف، أي: الصوت المجرد دون المعنى الذي يقتضيه تركيبُ الكلام، ويقالُ للمركب الذي يُفهم منه المعنى ذلك كقوله تعالى: (وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى) [الشعراء: ١٠]، وقوله: (وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ) [المائدة: ٥٨]، أي: دعوتم. ونداءُ الصلاة مخصوصٌ بالألفاظ المعروفة، وأصلُ من الندى، أي: الرطوبة، يقال: صوتٌ ندٍ، أي: رفيعٌ. واستعارةُ النداء للصوت من حيث إن من تكثر رطوبةُ فمه يحسن كلامه، ولهذا يوصف الفصيح بكثرة الريق، يقال: ندى وأنداءٌ وأنديةٌ، ويُسمى الشجرُ ندى لكونه منه، وعُبر عن المجالسة بالنداء حتى قيل للمجلس: النادي والمنتدى والنُّديُّ، وقيل ذلك للجليس، قال تعالى: (فَلْيَدْعُ نَادِيَه) [العلق: ١٧]، ومنهُ سُميت دارُ الندوة بمكة، وهو مكانٌ يجتمعون فيه، ويعبر عن السخاء بالندى، فيقال: أندى كفا من فلان، ويتندى على أصحابه، أي: يتسخى، وما نديت بشيءٍ من فلان، أي: ما نلتُ منه ندى.
стр. 5042
يُرجلون شُعورهم ويدهنون ويتطيبون ويتزينون بالزين الفاخرة، ثم يدعون مفتخرين على فقراء المسلمين أنهم أكرم على الله منهم.
(وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً وَرِءْياً) [مريم: ٧٤].
"كَمْ" مفعول (أَهْلَكْنا) و (مِنْ) تبيين لإبهامها، أى: كثيراً من القرون أهلكنا. وكل أهل عصر قرن لمن بعدهم لأنهم يتقدمونهم. و (هُمْ أَحْسَنُ) في محل النصب صفة ل"كم". ألا ترى أنك لو تركت (هُمْ)؛ لم يكن لك بدّ من نصب (أَحْسَنُ) على الوصفية؟ . الأثاث: متاع البيت. وقيل: هو ماجد من الفرش.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وكل أهل عصر قرنٌ لمن بعدهم) الراغب: القرنُ: القومُ المقترنون في زمنٍ واحد.
النهاية: القرنُ: أهل زمان، وهو مقدارُ التوسط في أعمارِ كل زمان، مأخوذٌ من الاقتران، فكأنه المقدارُ الذي يقترنُ فيه أهلُ ذلك الزمان في أعمارهم، مثل: أربعون سنةُ. وقيل: ثمانون. وقيل: مئة. الجوهري: قرنُ الشمس: أعلاها وأولُ ما يبدو منها في الطلوع، وهُو المناسبُ لقوله: "لأنهم يتقدمونهم".
قوله: (لم يكن لك بدٌّ من نصب (أَحْسَنُ) على الوصفية)، معناه: أن قولهم: (هُمْ أَحْسَنُ) يجب إجراؤه على الوصف دون الاستئناف، إذ لو جيء مفرداً لم يكن بُدٌّ من نصبه على الوصف. قال أبو البقاء: (هُمْ أَحْسَنُ) صفةُ "كم".
قوله: (ما جد من الفُرُش). الجوهري: جد الشيءُ يجد، بالكسر، جدة: صار جديداً، وهو نقيضُ الخلق.
الراغب: الأثاثُ: متاعُ البيت الكثيرُ، من أثَّ، أي كثُر وتكاثف. وقيل: للمال كله إذا كثُر: أثاثٌ ولا واحد له كالمتاع، وجمعُه أثاثٌ، ونساءٌ أُثائثُ: كثيراتُ اللحم، كأنّ
стр. 5043
والخُرثي: ما ليس منها. وأنشد الحسن بن على الطوسي:
تقادم العهد من أمّ الوليد بنا … دهرا وصار أثاث البيت خرثيّا
قرئ على خمسة أوجه (رِئياً)؛ وهو المنظر والهيئة، فعل بمعنى مفعول، من رأيت. و (ريْئاً)، على القلب كقولهم راء في رأى. و (رِيَّا)، على قلب الهمزة ياء والإدغام،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عليهن أثاثٌ، وتأثث فلانٌ: أصاب أثاثاً.
قوله: (والخرثيُّ: ما لُبسَ منها). وفي "الأساس": هو السقطُ من الثياب.
قوله: (قرئ على خمسةِ أوجهٍ: رئياً)، قالون وابن ذكوان: "ريًّا"، بتشديد الياء من غير همز، والباقون: بالهمز إلا حمزة، فإن له في حالة الوقف ثلاثة أوجه: إدغامٌ وإبدالٌ وحذف.
قال ابن جني: قرأ طلحةُ: "ورياًّ" خفيفة بلا همز، وقرأ: "وزياًّ" بالزاي سعيدُ بن جبير، والنظر من ذلك في "وريا"، وهو في الأصل فعلٌ بكسر الفاء وضم العين، من: رأيتُ، فأصله "ريا" ـ"رعيا" على قراءة أبي عمرو وغيره، أريد تخفيف الهمز فأبدلت الهمزة ياء لسونها وانكسار ما قبلها، ثم أدغمت الياء المبدلة من الهمزة في الياء الثانية التي هي لام الفعل، فصارت "رِيا". ويجوزٌ أن يكون من: رويت، قال أبو علي: لأن للريان نضارة وحُسناً.
وأما "رياً" مخففةً غير مهموزة فتحتمل أمرين، أحدهما: أن تكون مقلوبة من فعلٍ إلى فِلْع، فصارت في التقدير: "رِئياً"، ثم خُفف فحذفت الهمزة وألقيت حركتها على الياء فصارت "ريا". وثانيهما: أن يكون "ريا" من: رويتُ، ثم خففت بحذف إحدى الياءين، وينبغي أن تكون المحذوفة الياء الثانية؛ لأنها هي المكررة، وبها وقع الاستثقال، ولأنها لامٌ وقد كثُرَ حذفُ اللام حرف علةٍ كمئةٍ ورئة وفئة.
وأما "الزيُّ" بالزاي ففعلٌ من: زويت، وذلك أنه لا يقال لمن له شيء واحد من آلته زيٌّ حتى تكثُر آلته المستحسنة، فهي إذاً من "زويت"، أي: جُمعت، من قول النبي ﷺ :
стр. 5044
أو من الري الذي هو النعمة والترفه، من قولهم: رَيَّان من النَّعيم. و (رِياً)، على حذف الهمزة رأسا، ووجهه أن يخفف المقلوب -وهو «ريِئاً» - بحذف همزته وإلقاء حركتها على الياء الساكنة قبلها. و (زِيًّا)، واشتقاقه من الزىّ وهو الجمع: لأن الزىّ محاسن مجموعة، والمعنى: أحسن من هؤلاء.
(قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً) [مريم: ٧٥].
أى: مدّ له الرحمن، يعنى: أمهله وأملى له في العمر، فأخرج على لفظ الأمر إيذانا بوجوب ذلك، وأنه مفعول لا محالة، كالمأمور به الممتثل، لتقطع معاذير الضال، ويقال له يوم القيامة: (أَوَ لَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ) [فاطر: ٣٧]، أو كقوله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"زُويت لي الأرضُ"، أي: جُمعت، فأصلها: زويٌ، بكسر الزاي وسكون الواون فقلبت على ما مضىن وأدغمت في الياء.
قوله: ((أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ) [فاطر: ٣٧] أي: عمرناكم العمر الذي يتذكر فيه من يتصدى للتذكير. قال مجاهدٌ: هو العمرُ الذي أعذر الله إلى ابن آدم. روينا في "صحيح البخاري"، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: أعذر الله إلى امرئٍ أخر أجله حتى بلغه ستين سنة".
النهاية: أعذر الله إلى امرئ، أي: لم يبق فيه موضعاً للاعتذار، حيث أمهله طول هذه المدة ولم يعتذر، يقال: أعذر الرجل: إذا بلغ أقصى الغاية في العُذر.
قوله: (أو كقوله) عطفٌ من حيثُ المعنى على قوله: "ليقطع معاذير الضال"، أي: أخرج على لفظ الأمر ليقطع معاذير الضال، كقوله: (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ) [فاطر: ٣٧] أو ليكونن مبالغة في إرادة ازدياد الضلالة كقوله تعالى: (إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً) [آل عمران: ١٧٨]، أي: ما نُملي لهم إلا لهذا.
стр. 5045
تعالى: (إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً) [آل عمران: ١٧٨]. أو: مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَمد لَهُ الرَّحْمنُ، في معنى الدعاء بأن يمهله الله ويُنفس في مدّة حياته. في هذه الآية وجهان. أحدهما: أن تكون متصلة بالآية التي هي رابعتها، والآيتان اعتراض بينهما، أى قالوا: (أى الفريقين خير مقاما وأحسن نديا)، (حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ)، أى: لا يبرحون
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أو: من كان في الضلالة فليمدد له الرحمنُ مداً، في معنى الدعاء) وفي بعض النسخ: "فمد له الرحمنُ، في معنى الدعاء"، هو عطفٌ على قوله: "مد له الرحمنُ".
فإن قلت: الآمِرُ والداعي هو رسول الله ﷺ بشهادة قوله: (قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلالَةِ)، فعلى التقديرين: دعاءٌ لا أمرٌ قلتُ: كل من الأمر والدعاء يقتضي الإنشاء، وأن لا يكون المطلوبُ حاصلاً، لكن الدعاء: طلبُ ما يتوقع حصوله، والأمرُ: طلبُ الإيجاد على الفور، وهو أقرب إلى التحقيق، وتقديره: قل لهم قولي لك: فليمدد له الرحمنُ. وفيه معنى التجريد؛ لأنه تعالى أمر به نفسه على سبيل الغيبة، وفي تخصيص ذكر الرحمن تتميم وتربية بمعنى الاستدراج والإمهال، كقوله تعالى: (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) [القلم: ٤٤ - ٤٥]، فلما أريد في الوجه الأول الإخبار عن الحصول قطعاً قال: أخرج على لفظ الأمر، ولهذا رح بالماضي حيث قال: أي: مد له الرحمن، وفائدته: تصوير تلك الحالة الماضية، وعدم انقطاعها وقتاً فوقتاً، وأتى في الثاني بالمضارع، وهو أن يمهله الله تعالى.
قوله: (ويُنفس في مدة حياته)، الأساس: ومن المجاز: وأنتَ في نفس من أمرك: في سعة. وتنفس النهارُ: طال، وتنفس به العمر، وبلغك الله أنفس الأعمار.
قوله: (في هذه الآية)، أي: قوله: (حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ).
قوله: (بالآية التي هي رابعتها)، أي: بالآية التي هذه الآية رابعة تلك الآية، وهي قوله: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ).
قوله: (والآيتان)، أي: (كَمْ أَهْلَكْنَا)، (قُلْ مَنْ كَانَ). وأما بيانُ وجه الاعتراض فهو أن مضمون الآيتين الإنكارُ على الكفرة في أنهم حين تُتلى عليهم آياتُ الله ليهتدوا بها للإيمان يفتخرون بالحظوظ الدنيوية ويرجحونها على السعادة الأخروية، فأكد هذا المعنى بقوله: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ) إلى قوله: (فَلْيَمْدُدْ لَهُ).
стр. 5046
يقولون هذا القول ويتولعون به لا يتكافون عنه إلى أن يشاهدوا الموعود رأى عين (إِمَّا الْعَذابَ) في الدنيا؛ وهو غلبةُ المسلمين عليهم وتعذيبهم إياهم قتلا وأسراً، وإظهارُ الله دينه على الدين كله على أيديهم؛ وإما يوم القيامة وما ينالهم من الخزي والنكال، فحينئذ يعلمون عند المعاينة أن الأمر على عكس ما قدروه، وأنهم (شرٌ مكانا وأضعف جندا)، لا خيرٌ مقاماً وأحسن نديًّا، وأن المؤمنينَ على خلاف صفتهم. والثاني: أن تتصل بما يليها. والمعنى: أن الذين في الضلالة ممدود لهم في ضلالتهم. والخذلان لاصق بهم لعلم الله بهم، وبأن الألطاف لا تنفع فيهم وليسوا من أهلها. والمراد بالضلالة: ما دعاهم من جهلهم وغلوهم في كفرهم إلى القول الذي قالوه. ولا ينفكون عن ضلالهم إلى أن يعاينوا نصرة الله المؤمنين أو يشاهدوا الساعة ومقدّماتها. فإن قلت: (حتى) هذه ما هي؟ قلت: هي التي تحكى بعدها الجمل. ألا ترى الجملة الشرطية واقعة بعدها وهي قوله: (إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ) (فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً) في مقابلة (خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا)؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وظهر من هذا أن حمل قوله: (فَلْيَمْدُدْ) على الأمر للاستمرار أولى من الدعاء، وتصريحُ "قل" لبيان الاهتمام، وأن سُنة الله جاريةٌ على هذان وأما إذا اتصل "حتى" بقوله: (مَنْ كَانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ) فيكون قوله: (قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلالَةِ) أمراً بالجواب عن قولهم: (أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً) المعنى: أنكم تفتخرون على الفقراء بما نلتم من الحظوظ الدنيوية وتزعمون أنها كرامةٌ من الله، وما تدرون أن ذلك استدراجٌ وإملاءٌ وإمهال، فتزدادوا بها إثماً فيأخذكم عذابُ الاستئصال في الدنيا وعذاب النار في العقبى، فيكون قوله: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِئْياً) مُعترضة.
وإنما لم يقُل: خيرٌ أثاثاً، كما قيل في الفواصل الثلاث اللاتي هذه الجملة معترضةٌ فيها، لأن ما عليه المشركون شر كله، ولا يليق بظاهر حالهم إلا أن يُقال: "أحسنُ"، وإنما أتى في الفاصلة الأخيرة بالخير للمشاكلة ومطابقة الجواب على السؤال، ولو حمل (فَلْيَمْدُدْ) في هذا الوجه على الدعاء لكان له وجهٌ.
قوله: (لا ينفكون): حالٌ من ضمير الفاعل في "قالوا".
стр. 5047
لأن مقامهم هو مكانهم ومسكنهم. والندىّ: المجلس الجامع لوجوه قومهم وأعوانهم وأنصارهم. والجند: هم الأنصار والأعوان.
(وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ مَرَدًّا) [مريم: ٧٦].
(يَزِيدُ): معطوف على موضع (فليمدد)؛ لأنه واقع موقع الخبر، تقديره: من كان في الضلالة مدّ أو يمدّ له الرحمن. ويزيد: أى يزيد في ضلال الضلال بخذلانه،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لأن مقامهم هو مكانهم) تعليلٌ لمعلل مقدر، يعني: ذكرت أن هذه الآية مقابلة لتلك، وقد ذُكر هناك: (خَيْرٌ مَقَاماً) وفسرته بقولك: "أي الفريقين أوفر حظا من الدنيا"، والمذكور هنا (شَرٌّ مَكَاناً)، وذُكر هناك: (وَأَحْسَنُ نَدِيّاً)، والنديُّ: المجلس ومجتمع القوم، وهاهنا (وَأَضْعَفُ جُنداً) فأين التقابل؟ أجاب: وإنما كانا متقابلين، كذلك (جُنداً) مقابلٌ لقوله: (نَدِيّاً) لكن من حيث التصريح والكناية، فإن الجُند هم الأنصارُ والأعوانُ، والنديُّ: المجلسُ عُبرَ به عن وجوه الناس والأعوان، كما يُقال: المجلسُ العالي عزت أنصارُ دولته، فحصل التقابُل.
قوله: (مد أو يمُدُّ له الرحمن) هذا الاختلاف مبنيٌّ على اختلاف التفسيرين هناك، فإذا كان (فَلْيَمْدُدْ) بمعنى الأمر على تأويل الإخبار عن الماضي يُقدرُ "مدَّ" ويُعطفُ عليه: "يزيدُ"، وإذا كان بمعنى الدعاء يقدر "يمدُّ" مضارعاً ويعطفُ عليه "يزيد"، ومن ثم قدرهُ هناك بأن يمهله الله وينفس في مدة حياته، وفي قوله: "معطوفٌ على موضع (فَلْيَمْدُدْ) " بحثٌ؛ لأن المعطوف على جزاء الشرط ينبغي أن يصلح جزاءً له. ولو قُلتَ: من كان في الضلالة يزيدُ الله الذين اهتدوا هدى، لا يستقيم إذ لا عائد فيه ولا رابطة معنوية. قيل:
стр. 5048
ويزيد المهتدين هداية بتوفيقه. الْباقِياتُ الصَّالِحاتُ أعمال الآخرة كلها. وقيل: الصلوات. وقيل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، أى: هي خَيْرٌ ثَواباً من مفاخرات
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الجواب: أن الجملة الشرطية جملةٌ خبرية مقيدة بقيد، كما ذكره صاحب "المفتاح"، فقوله: (فَلْيَمْدُدْ)، في معنى: يمد أو مد له، والشرط كالقيد، والعطف لا يقتضي الاشتراك في جميع القيود، فكأنه قال: مد الرحمن مداً لمن كان في الضلالة (وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى).
وأقول: إنما صح العطفُ لأن قوله: (الَّذِينَ اهْتَدَوْا) حكاية أعدائهم، فكأنه قال: من كان في الضلالة فيزيد الله ضلالته، ويزيد هداية أعدائهم من المؤمنين تشويراً لهم وغيظاً؛ لأن الإحسان إلى غيرهم مما يغمهم، فكان داخلا ًفي جملة التنكيل بهم، فوضع الظاهر موضع المضمر.
وقال القاضي: (وَيَزِيدُ اللَّهُ) عطفٌ على الشرطية المحكية بعد القول، كأنه لما بين أن إمهال الكافر وتمتيعه بالحياة الدنيا ليس لفضله، أراد أن يبين أن قصور حظ المؤمن منها ليس لنقصه، بل لأن الله تعالى أراد به ما هو خيرٌ.
وقلتُ- والله أعلم-: قد سبق أن قوله: (قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدّاً) أمرٌ للرسول ﷺ بأن يجيب عن قول المعاندين الذين إذا تليت عليهم آيات الله قالوا للذين آمنوا: (أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً)، فالواجبُ على المجيب أن يُراعي المطابقة في الجوابن ويذكر الفريقين أيضاً أصالة لا استطراداً، كما عليه كلام القاضي، فكأنه قيل: من كان في الضلالة من الفريقين فليمهله الله وينفس في مدة حياته ليزيد في الغي ويجمع الله له عذاب الدارين، ومن كان في الهداية يزيد الله هدايته فيجمع له خير الدارين، والجواب من الأسلوب الحكيم، وفيه معنى قول حسان:
أتهجوه ولست له بكفءٍ … فشركما الخيركما فداءُ
في الدعاء والاحتراز عن المواجهة.
стр. 5049
الكفار (وَخَيْرٌ مَرَدًّا) أى: مرجعا وعاقبة، أو منفعة، من قولهم: ليس لهذا الأمر مردّ،
وهل يرد بكاى زندا
فإن قلت: كيف قيل: "خيرٌ ثواباً" كأنّ لمفاخراتهم ثواباً، حتى يجعل ثواب الصالحات خيرا منه؟ قلت: كأنه قيل: ثوابهم النار. على طريقة قوله:
فأعتبوا بالصّيلم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وهل يرد بُكاي زندا). أوله:
ما إن جزعتُ ولا هلعـ … ـتُ وهل يرد بُكاي زندا
الزند مثلٌ في القلة. مضى شرحه في سورة الرعد.
قوله: (كأن لمفاخراتهم ثواباً)، والمراد بالمفاخرات قولهم: (أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً) وتفسيرُ ما سبق، أي الفريقين من المؤمنين بالآيات والجاحدين أوفرُ حظاً من الدنيا. ويُروى: أنهم كانوا يرجلون شعورهم ويدهنون ويتطيبون ويتزينون، وهذا التفسير يعضد ما ذهبنا إليه أن قوله: (قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلالَةِ) أمرٌ بالجواب عن قولهم: (أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً).
قوله: (فأعتبوا بالصيلم)، أوله:
غضبت تميمٌ أن يُقتل عامرٌ … يوم النسار فأُعتبوا بالصيلم
مضى شرحه في "البقرة".
стр. 5050
وقوله:
شجعاء جرّتها الذّميل تلوكه … أصلا إذا راح المطي غراثا
وقوله:
تحيّة بينهم ضرب وجيع
ثم بُنى عليه خير ثوابا. وفيه ضربٌ من التهكم الذي هو أغيظ للمتهدد من أن يقال له: عقابك النار. فإن قلت: فما وجه التفضيل في الخير كأن لمفاخرهم شركا فيه؟ قلت: هذا من وجيز كلامهم،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (شجعاء جرتُها الذميلُ) البيتُ، "شجعاءُ" من الشجاعة، والشجعُ في الإبل: سرعةُ نقل الأقدام، يقال: ناقةٌ شجعةٌ، الجرة بالكسر: ما تجتره الإبل من أجوافها من العلف، والذميلُ: ضربٌ من السير، واللوكُ: مضغُ الشيء. إذا راح، أي: دخل في الرواح، وهو من زوال الشمس إلى الليل، وغراثاً، أي: جياعاً من السير.
تقولُ: تسير هذه الناقة الشجعاء لمفازة فسيرها لها بمثابة الاجترار لغيرها إذا كان سائرُ المطايا لا تسيرُ، ومثله في المعنى قول أبي تمام:
وركبٍ يساقون الركاب زجاجة … من السير لم يقصد لها كف قاطب
جعل الشاعرُ بالادعاء أفرادَ جنس الجرة قسمين، متعارفٌ هو: ما تفعله الإبل عند إخراج العلف، غير متعارفٍ وهو: السير، وكنى عنه بأحدِ قسميه وهو الذميل. والبيت إنما استشهد به لهذا المعنى فقط.
قوله: (هذا من وجيز كلامهم)، أي: في الكلام حذفٌ وإضمارٌ، ومن الأمثلة: العسلُ
стр. 5051
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أحلى من الخل، وحاصل الجوابين أنه سأل أولاً عن الاشتراك في الثواب، وأجاب انه من باب التهكم على وجه لزم منه وجه التفصيل، ثم سال ثانياً عن وجه التفصيل، وأجاب بوجه عام غير ما لزم أولاً، أي: ثواب المؤمنين أبلغ في بابه من عقابهم في بابه، فلا يكون السؤال الثاني مستدركاً.
قال صاحب "الفرائد": هذا بعيدٌ عن الطبع عن الطبع والاستعمال، ولم أظفر في تراكيبهم بما يفيد هذا المعنى، ولم يُذكر ما يكونُ دليلاً على تحقيقه في كلامهم، ثم إنه أراد بما قال، أن الأعمال الصالحة في ثوابها خيرٌ من مفاخرتهم في ثوابها، وهو النارُ، ويمكن أن يُقال: المرادُ ثوابُ الأعمال الصالحة في الآخرة خيرٌ من ثوابهم في الدنيا، وهو ما حصل لهم منها من الخير بزعمهم، ومما أوتوا من المال والجاه والمنافع الحاصلة منهما.
وقال صاحب "التقريب": وفي قول المصنف نظرٌ، إذ يؤول إلى أن ثوابهم في بابه أبلغ من عقابهم في بابه، وهو غير محقق ولا مناسب للتهديد، بل الأولى أن تُجرى الخيرية أيضاً على التهكم كما ذكر في الثواب، كأنه قال: ثوابهم النار، وهو ثوابٌ حسن على التهكم، وهذا أحسنُ منه وخيرٌ.
والجواب عن قوله: "ولم أفر في تراكيبهم ما يفيد هذا المعنى"، هو أن الزجاج ذكر في تفسير قوله تعالى: (قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ) [الفرقان: ١٥]: إن قال قائل: كيف يقال: الجنة خير أم النار، وليس في النار خيرٌ البتة؟ فيقال: إنما وقع التفضيل فيما دخل في صنف واحد، فالجنة والنار قد دخلا في باب المنازل في صنفٍ واحد، فلذلك قيل: (قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ) [الفرقان: ١٥]، كما قال: (خَيْرٌ مُسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً).
стр. 5052
يقولون: الصيف أحرّ من الشتاء، أى: أبلغ من الشتاء في برَدْه.
[(أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالاً وَوَلَداً* أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً* كَلاَّ سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا* وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ وَيَاتِينا فَرْداً)].
لما كانت مشاهدة الأشياء ورؤيتها طريقا إلى الإحاطة بها علما وصحة الخبر عنها، استعملوا «أرأيت» في معنى «أخبر» والفاء جاءت لإفادة معناها الذي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقلت: والذي يقتضيه النظمُ أن قوله: (وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً) تتميمٌ لمعنى قوله: (وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى) ومشتملٌ على تسلية قلوب المؤمنين مما عسى أن يختلج فيها من مفاخرة الكفرة شيءٌ، كما أن قوله: (حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَاناً وَأَضْعَفُ جُنداً) تتميم لوعيدهم، وكلاهما من تتمة الأمر بالجواب عن قولهم: (أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً) ما قررنا، يدل عليه قول المصنف هاهنا قوله: "كأن لمفاخرهم شركاء فيه"، وتفسيرُ المفاخرة هو ما قال: " (أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ) أوفر حظاً من الدنيا". وقال: "يدعون أنهم أكرمُ على الله منهم"، وتحقيقه: أن الكفرة لما بنوا الخيرية في قولهم: (أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَاماً) على زعم المؤمنين جيء في الجواب بما يردُّ ذلك على طريق المشاكلة، وإطباق الجواب على السؤال، فقيل: (خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ مَرَدّاً)، ولا يخلو من شائبة الوعيد والتهكم بهم.
قوله: (استعملوا "أرأيت" في معنى: "أخبر")، قال صاحب "الفرائد": ذكر أهل التفسير هذا المعنى، أعني: إقامة "أرأيت" مقام "أخبرني"، ولابد فيه من ملاحة معنوية بينهما، بحيث ينتقل الذهن من المعنى المذكور إلى المراد، ولا شك أن الذهن ينتقل من معنى "أرأيت" إلى معنى "علمت" وينتقلُ أيضاً إلى معنى طلب الرؤية؛ لأن "أرأيت" سؤالٌ عن الرؤية في الماضي من الزمان، فإن لم تكن الرؤية حاصلة في الماضي كان هذا السؤال باعثاً له على تحصيلها في المستقبل منه، كأنه قيل: وإن لم تره فره لتتعجب من اله. هذا في الظاهر أقرب.
стр. 5053
هو التعقيب، كأنه قال: أخبر أيضا بقصة هذا الكافر، واذكر حديثه عقيب حديث أولئك (أَطَّلَعَ الْغَيْبَ) من قولهم: أطلع الجبل: إذا ارتقى إلى أعلاه، وطلع الثنية. قال جرير:
لاقيت مطّلع الجبال وعورا
ويقولون: مرّ مطلعا لذلك الأمر، أى عاليا له مالكا له، ولاختيار هذه الكلمة شأن، يقول:
أو قد بلغ من عظمة شأنه أن ارتقى إلى علم الغيب الذي توحد به الواحد القهار. والمعنى: أن ما ادعى أن يؤتاه وتألى عليه لا يتوصل إليه إلا بأحد هذين الطريقين: إما علم الغيب، وإما عهد من عالم الغيب، فبأيهما توصل إلى ذلك؟ قرأ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقلت: مآل كلام المصنف يعودُ إلى التعجب؛ لأن طلب الله الإخبار، وهو عالمُ الغيب والشهادة، يعود إلى أن هاتين القضيتين مما لا ينبغي أن يُتركا، والمعنى تعجب أيضاً من قضية هذا الكافر عقيب تعجبك من تلك القضية.
قوله: (لاقيت مطلع الجبال وُعورا)، أوله:
إني إذا مُضرٌ عليَّ تحدثت
الوعر: المكان الصلبُ، الجمع الوعور، مطلعُ الجبل: مصعده ومرتقاه، وعوراً انتصب على الحال من "مُطلع"، ويجوز أن يكون مفعولاً به. ويقول: إذا مُضرُ تحدثت عليَّ، أي: تقولوا في ما لا أرضى به، لقيتُ رؤوس الجبال التي هي بمثابة الحصون.
قوله: (وتألى عليه) أي: حلف، وهو مستفادٌ من قوله: (لأوتَيَنَّ مَالاً)، فإنه جوابُ قسم محذوف.
стр. 5054
حمزة والكسائي: (وُلْداً)، وهو جمع ولد، كأسد في أسد. أو بمعنى الولد كالعرب في العرب. وعن يحيى بن يعمر: (وولداً)، بالكسر. وقيل في العهد: كلمة الشهادة. وعن قتادة: هل له عمل صالح قدّمه فهو يرجو بذلك ما يقول؟ وعن الكلبي: هل عهد الله إليه أنه يؤتيه ذلك؟ عن الحسن ﵀: نزلت في الوليد بن المغيرة، والمشهور أنها في العاصي بن وائل. قال خباب بن الأرت: كان لي عليه دين فاقتضيته، فقال: لا والله حتى تكفر بمحمد. قلت: لا والله لا أكفر بمحمد حيا ولا ميتا ولا حين تبعث. قال: فإنى إذا مت بعثت؟ قلت: نعم. قال: إذا بعثت جئتني وسيكون لي ثم مال وولد فأعطيك. وقيل: صاغ له خباب حليا فاقتضاه الأجر، فقال: إنكم تزعمون أنكم تبعثون، وأن في الجنة ذهبا وفضة وحريراً، فأنا أقضيك ثم، فإنى أوتى مالا وولدا حينئذ. (كَلَّا): ردع وتنبيه على الخطأ أى: هو مخطئ فيما يصوره لنفسه ويتمناه،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقيل في العهد كلمةُ الشهادة) شروعٌ في تفسير قوله: (أَمْ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً) وتعداد الأقوال فيه، وسُميت كلمةُ الشهادة عهداً لأنه تعالى وعد قائلها إخلاصاً أن يُدخله الجنة البتة، فهو كالعهد الموثق الذي لابد أن يوفى به.
قوله: (والمشهور أنها في العاص بن وائل). روينا عن الإمام أحمد بن حنبل والبخاري ومسلم والترمذي، عن خباب بن الأرت، قال: كنت قينا في الجاهلية، وكان لي على العاص ابن وائل دينٌ، فأتيته أتقاضاه، فقال: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد، فقال: لا أكفرُ حتى يميتك الله ثم تُبعث، فقال: إني لميتٌ ثم مبعوث؟ قلتُ: نعم. قال: دعني حتى أموت وأُبعث. فسأوتي مالاً وولداً فأقضيك، فنزلت: (أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ … ) الآيات.
قوله: (ولا حين تُبعث) أي: لا أكفرُ أبداً ما دمتُ حياً ولا ميتاً ولا في حال بعثك أيها الكافرُ وأنت مُعذب، يعني أومنُ بثوابي بعد الموت وعقابك بعد البعث، يدل عليه ذكره الموت والبعث.
قوله: ((كَلاَّ): ردعٌ وتنبيه). الراغب: (كَلاَّ): ردعٌ وزجرٌ وإبطالٌ لقولِ
стр. 5055
فليرتدع عنه. فإن قلت: كيف قيل: (سَنَكْتُبُ) بسين التسويف، وهو كما قاله كتب من غير تأخير، قال الله تعالى: (ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) [ق: ١٨]؟ قلت: فيه وجهان، أحدهما: سنظهر له ونعلمه أنا كتبنا قوله، على طريقة قوله:
إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة
أى: تبيِّن وعُلِمَ بالانتساب أنى لستُ بابن لئيمة. والثاني: أن المتوعد يقول للجاني: سوف أنتقم منك، يعنى: أنه لا يخل بالانتصار وإن تطاول به الزمان واستأخر،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
القائل، وذلك نقيضٌ، أي: في الإثبات. قال تعالى: (أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا) إلى قوله: (أَمْ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً * كَلاَّ) إلى غير ذلك من الآيات.
قوله: (وهو كما قاله)، أي: يُكتبُ عند صدور القول منه من غير تأخير، والكافُ لمقارنة الوجود. قال صاحب "اللباب": تجيء الكاف لقران الوقوع، وفي الحديث: "خيرُ الناس رجلٌ ممسكٌ بعنان فرسه، كلما سمع هيعة أو فزعةً طار إليها". رواه النسائي، عن أبي سعيد.
قوله: (إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمةٌ)، تمامه:
ولم تجدي من أن تُقري بها بُدا
قيل: البُد: العوض. الجوهري: لابد من كذا، أي: لا فراق منه، ولم تلدني: جواب (إذا)، وهو ليس في معنى الاستقبال؛ لأن الولادة كانت قبلُ. والمعنى على البيتين: يقول: إذا انتسبتُ علمت - يا فلانةُ - أني لست بابن لئيمة، وظهر لك ما تضطرين به إلى الإقرار بذلك. قال: لم تلدني لئيمةٌ؛ لأن الأم إذا كانت من الكرام فالأب أولى.
стр. 5056
فجُرِّدَ هاهنا لمعنى الوعيد. (وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ) أى: نطوّلُ له من العذاب ما يستأهله، ونعذبه بالنوع الذي يعذب به الكفار المستهزئون. أو: نزيدُه من العذاب ونضاعف له من المدد. يقال: مده وأمده بمعنى، ويدل عليه قراءة عليِّ بن أبى طالب ﵁: (ونمد له) بالضمِّ. وأكد ذلك بالمصدر، وذلك من فرط غضب الله، نعوذ به من التعرّض لما نستوجب به غضبه (وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ) أى: نزوى عنه ما زعم أنه يناله في الآخرة ونعطيه من يستحقه. والمعنى مسمى ما يقول. ومعنى ما يَقُولُ وهو المال والولد. يقول الرجل: أنا أملك كذا، فتقول له: ولى فوق ما تقول، ويحتمل أنه قد تمنى وطمع أن يؤتيه الله في الدنيا مالا وولدا، وبلغت به أشعبيته أن تألَّى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فجُرد هاهنا لمعنى الوعيد) أي: اشتمل التركيب على معنى إثبات العمل المؤدي إلى المُجازاة، فجُرد لأحد المعنيين، كأنه قيل: كلا سننتقم منه وإن استأخر الزمانُ. وحاصلُ الجواب أن القصد في كتابة الأعمال إظهار ما فيها على العامل وإعلامها إياه ليسر به أو يحزن، ثم مجازاته بمقتضاها: إن خيرا ًفخيرٌ وإن شراً فشر. فالجواب الأول مبني على الأول، والثاني على الثاني.
قوله: (أو: نزيدُه من العذاب ونضاعف له من المدد). فإن قلت: أليس هذا مخالفاً لما ذكر في "البقرة": (وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) [البقرة: ١٥] أنه من: مد الجيش، وأمده: إذا زاده، إلى آخره، وليس من المد في العمر والإملاء؛ ولأن الذي بمعنى أمهله إنما هو مدٌّ له مع اللام، كأملي له. قلتُ: بلى، وقد تقرر هنا ما هو عليه.
قوله: (ويدل عليه: "ونُمدُّ له")؛ لأنه جاء: أمددت الدواة بالمداد ومددتها، بمعنى: الزيادة.
قوله: (ومعنى ما يقول) عطفٌ على مسمى ما يقول؛ على سبيل البيان.
стр. 5057
على ذلك في قوله: (لَأُوتَيَنَّ) لأنه جواب قسم مضمر، ومن يتأل على الله يكذبه، فيقول الله عز وعلا هب أنا أعطيناه ما اشتهاه، أما نرثه منه في العاقبة ويأتينا فردا غدا بلا مال ولا ولد، كقوله : (وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى) … الآية [الأنعام: ٩٤]، فما يجدى عليه تمنيه وتأليه. ويحتمل أن هذا القول إنما يقوله ما دام حيا، فإذا قبضناه حلنا بينه وبين أن يقوله، ويأتينا رافضا له منفردا عنه غير قائل له، أو لا ننسى قوله هذا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (يُكذبه) وفي نسخة: "يكذبه" بالتشديد. الجوهري: أكذبت الرجل: ألفيته كاذباً، وكذبته: إذا قلت له: كذبت. قال الكسائي: أكذبته: إذا أخبرت أنه جاء بالكذب ورواه، وكذبته: إذا أخبرت أنه كاذبٌ. وقال ثعلبٌ: أكذبته وكذبته بمعنى.
قوله: (أو: لا ننسى قوله هذا) هو عطفٌ على قوله: "نزوي عنه ما زعم أنه يناله"، يريد أن معنى "نرثه" إما: نزوي عنهُ. قال في "الأساس": زوى المال غيره: اختاره، وزوى عنه حقه، وزوى الرجل الميراث عن ورثته: عدل به عنهم، وقد انزويت عنا، أي: انقبضت، أو نثبته ولا ننساه، من قوله صلوات الله عليه وسلم: "واجعله الوارث منا"، قال صاحب "النهاية": أي أبقهما، أي: السمع والبصر، صحيحين سليمين.
والقول الأول على وجهين، أحدهما: أن يُروى عن القائل مسمى ما قال، وهو ماله ولده حقيقة، يحال بينه وبينهما في الآخرة، ويعطى من يستحقه. وثانيهما: يحتمل وجهين أيضاً: أن يُزوى عنه ماله وولده تقديراًن وهو كما إذا تمنى ذلك، فيقال في حقه: هب أنا اعطيناه ما اشتهاه إما نزوي عنه في العاقبة ما تمناه ويأتينا فرداً بلا مال وولد، وان يُحال بينه وبين قوله ذلك ما قال: "إذا قبضناه حُلنا بينه وبين أن يقوله ويأتينا فرداً منفرداً عنه غير قائل له". ولما كان الوجه الأول هو الوجه، لما سبق من حديث العاص بن وائل، قال في الوجهين الآخرين: "ويحتملُ".
стр. 5058
ولا نُلغيه، بل نثبته في صحيفته لنضرب به وجهه في الموقف ونعيره به (وَيَاتِينا) على فقره ومسكنته (فَرْداً) من المال والولد، لم نوله سؤله ولم نؤته متمناه، فيجتمع عليه الخطبان: تبعة قوله ووباله، وفقد المطموع فيه. (فرداً) على الوجه الأول: حال مقدرة نحو (فَادْخُلُوها خالِدِينَ) [الزمر: ٧٣]؛ لأنه وغيره سواء في إتيانه فردا حين يأتى، ثم يتفاوتون بعد ذلك.
(وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا) [مريم: ٨١ - ٨٢].
أى: ليتعززوا بآلهتهم حيث يكونون لهم عند الله شفعاء وأنصارا ينقذونهم من
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال أبو البقاء: في (مَا) في (مَا يَقُولُ) وجهان، أحدهما: هي بدلٌ من الهاء، وهي بدلُ الاشتمالن أي: نرثث قوله. والثاني: هو مفعولٌ به، أي: نرثُ منهُ قوله.
قوله: ((فَرْداً) على الوجه الأول: حالٌ مقدرةٌ. وهو أن يُراد بـ (مَا يَقُولُ): مسمى ما يقولُ، وهو المال والولد، ويُراد من الفردية الانقطاع منهما في العاقبة بالكلية، ولا شك أن مثل هذه الفردية لا تحصل إلا للكافر، وغلا فالمؤمن والكافر سواءٌ عند البعث في كونهما منفردين عن المال والولد، لقوله تعالى: (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ) [الأنعام: ٩٤]، ثم يتفاوتون بعد ذلك، فالمؤمن يلاقي أحبته وأولاده وما اشتهاه، والكافر يحالُ بينه وبين ما يشتهيه وينفرد عنه أبداً. ومثلُ هذا الانفراد لا يحصل في بقية الوجوه.
قوله: (لأنه وغيره سواءٌ) تعليلٌ لشبه الحال المقدرة بقوله: (فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ) [الزمر: ٧٣] في أن المراد منها خاتمة الأمر وعاقبته. وأما اتصال قوله: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً) [مريم: ٨١] بما قبله، فإنه عطفٌ على (وَيَقُولُ الإِنسَانُ)، وسبق أن قوله: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا) عطفٌ عليه، حكى الله تعالى عنهم أولاً إنكارهم الحشر، ثم طعنهم في القرآن، والافتخار بالمال والولد، ثم إثبات الشريك لله تعالى.
стр. 5059
العذاب (كَلَّا): ردعٌ لهم وإنكار لتعززهم بالآلهة. وقرأ ابن نهيك: كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ أى: سيجحدون كلا سيكفرون بعبادتهم، كقولك: زيدا مررت بغلامه. وفي "محتسب" ابن جنى: (كلا) بفتح الكاف والتنوين، وزعم أن معناه كل هذا الرأى والاعتقاد كلا. ولقائل أن يقول: إن صحت هذه الرواية فهي "كلا" التي هي للردع، قلب الواقف عليها ألفها نونا كما في (قواريرا) [الإنسان: ١٥]. والضمير في (سَيَكْفُرُونَ) للآلهة، أى: سيجحدون عبادتهم وينكرونها ويقولون: والله ما عبدتمونا وأنتم كاذبون. قال الله تعالى: (وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (زيداً مررتُ بغلامه)، أي: جُزتُ زيداً مررتُ بغلامه، كذلك (كلاً) منصوبٌ بفعلٍ يدل عليه (سَيَكْفُرُونَ) مناسب لهذا المفعول؛ لأن المراد من (سَيَكْفُرُونَ) إنكارُ الآلهة، وكل ما نسب المشركون إليها من الشفاعة والنصرة والإنقاذ من النار الدال عليه قوله: (لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً) فيُقدرُ الناصبُ: سيجحدون.
قوله: (في "محتسب" ابن جني)، وفيه: "كلا سيكفرون": قراءةُ ابن نهيك، وينبغي أن تكون مصدراً لقولك: كل السيف كلاً، ومنصوباً بفعل مضمر، فكأنه تعالى لما قال: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً) قال الله رداً عليهم: كلا، أي: كل هذا الاعتقادُ كلا، كما يقال: ضعفاً لهذا الرأي، ثم استأنف (سَيَكْفُرُونَ)، والوقف إذاً على (عِزّاً)، ثم استأنف فقال: كل رأيهم كلا، ثم وقف، ثم قال: (سَيَكْفُرُونَ).
قوله: (كما في قوله: (قَوَارِيرَا)، أي: قلب ألف إطلاقه نوناً، قال الشاعر:
اقلي اللوم عاذلُ والعتابن
стр. 5060
لَكاذِبُونَ) [النحل: ٨٦]؛ أو للمشركين، أى: يُنكرون لسُوء العاقبة أن يكونوا قد عبدوها. قال الله تعالى: (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ) [الأنعام: ٢٣] (عَلَيْهِمْ ضِدًّا) في مقابلة (لَهُمْ عِزًّا)، والمراد: ضدّ العز وهو الذل والهوان، أى: يكونون عليهم ضدا لما قصدوه وأرادوه، كأنه قيل: ويكونون عليهم ذلا، لا لهم عزا أو يكونون عليهم عونا، والضدّ: العون. يقال من أضدادكم؟ أى: أعوانكم وكأن العون سمى ضدا؛ لأنه يضاد عدوك وينافيه بإعانته لك عليه. فإن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أي: يكونون عليهم ضداً لما قصدوه وأرادوه)، المعنى: طلب العز فانقلب ضدها وهو الذُل، فيكون من الطباق المقدر.
قوله: (أو يكونون عليهم عوناً) والعونُ هاهنا على التهكم، كما في قوله تعالى: (بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ) [هود: ٩٩]، أي: بئس العون المُعان، فيلزمُ التقابل أيضاً لان ضد المعين لا يكونُ غلا الخاذل المُذل، قال القاضي: ومعنى كونهم ضداً أنها تكونُ معونةً في عذابهم، بأن توقد بها نيرانهم.
قوله: (وأن العون سُمي ضداً لأنه يُضاد عدوك وينافيه). الراغب: الضدان: الشيئان اللذان تحت جنس واحد، وينافي كل منهما الآخر في أوصافه الخاصة، وبينهما أبعد البعد، كالسواد والبياض، والخير والشر، وما لم يكونا تحت جنسٍ واحدٍ لا يقال لهما: ضدان، كالحلاوة والحركة، وكثيرٌ من المتكلمين وأهل اللغة يقولون: الضدان: ما لايصح اجتماعهما في محل واحد. وقيل: الله تعالى لا ند له ولا ضد؛ لأن الند هو الاشتراك في الجوهر، والضد هو أن يعتقب الشيئان المتنافيان على جنسٍ واحد، والله تعالى منزهٌ عن أن يكون له جوهر، فإذاً لا ضد له ولا ند.
стр. 5061
قلت: لم وحد؟ قلت: وحد توحيده قوله ﵊: «وهم يد على من سواهم» لاتفاق كلمتهم وأنهم كشيء واحد لفرط تضامهم وتوافقهم ومعنى كون الآلهة عونا عليهم: أنهم وقود النار وحصب جهنم، ولأنهم عذبوا بسبب عبادتها وإن رجعت الواو في (سيكفرون) و"يكونون" إلى المشركين، فإن المعنى: ويكونون عليهم - أي أعداءهم - ضدا، أى: كفرة بهم، بعد أن كانوا يعبدونها.
(أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا) [مريم: ٨٣].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وهم يدٌ على من سواهم)، الحديث من رواية النسائي، عن أبي حسان، عن علي ﵁: "المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يدٌ على من سواهم".
النهاية: تتكافأ دماؤهم، أي: تتساوى في القصاص والديات، والكفؤ: النظير والمُساوي، وهم يدٌ على من سواهم، أي: مجتمعون على أعدائهم لا يسعهم التخاذل، بل يعاون بعضهم بعضاً على جميع الأديان، كأنه جعل أيديهم يداً واحدة وفعلهم فعلاً واحداً، ونظيره: جعل الفُساق يداً يداً، أي: فرق بينهم، فإذا أفردت اليد في مقام الجمع، دل على الاتفاق والاجتماع، وإذا جمعت أريد الشتات والافتراق.
وقال صاحب "الفرائد": إنما وحد لأنه ذكر في مقابله قوله: (عزاً) وهو مصدرٌ يصلح أن يكون جمعاً، فهذا وإن لم يكن مصدراً لكن يصلح أن يكون جمعاً بالنظر إلى ما يُراد منه، وهو الذل، وكأنه قيل: ويكونون عليهم خلافاً.
قوله: (ويكونون عليهم أي: أعدائهم)، جاء في كلامهم: الناس عليكم، أي: أعداؤكم، ومنه: اللهم كُن لنا ولا تكن علينا، وعلى هذا الضمير في (عَلَيْهِمْ) للمعبودين، وفي (سَيَكْفُرُونَ) ويكونون للكفرة، أي: يكونون على معبوديهم كافرين بعد أن كانوا عابدين.
стр. 5062
الأزّ، والهزّ، والاستفزاز: أخوات، ومعناها التهييج وشدة الإزعاج، أى: تغريهم على المعاصي وتهيجهم لها بالوساوس والتسويلات. والمعنى: خلينا بينهم وبينهم ولم نمنعهم ولو شاء لمنعهم قسرا. والمراد تعجيب رسول الله ﷺ بعد الآيات التي ذكر فيها العتاة والمردة من الكفار، وأقاويلهم، وملاحتهم، ومعاندتهم للرسل، واستهزاؤهم بالدين
من تماديهم في الغىّ وإفراطهم في العناد، وتصميمهم على الكفر، واجتماعهم على دفع الحق بعد وضوحه وانتفاء الشكّ عنه، وإنهما كهم لذلك في اتباع الشياطين وما تسوّل لهم.
(فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا) [مريم: ٨٤].
عجلت عليه بكذا: إذا استعجلته منه، أى: لا تعجل عليهم بأن يهلكوا ويبيدوا،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وشدة الإزعاج). الراغب: قال تعالى: (تَؤُزُّهُمْ أَزّاً) أي: تزعجهم إزعاج القِدْرِ إذا أزت. أي: اشتد غليانُها. ورُوي في الحديث: "كان يُصلي ولجوفه أزيزٌ كأزيزِ المرجل"، و"أزهُ" أبلغُ من "هزه".
قوله: (بعد الآيات التي ذكر فيها العُتاة)، وهي قوله تعالى: (وَيَقُولُ الإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً) وأشار بالعتاة والمراد إلى ما في قوله: (أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيّاً) وبقوله: "وأقاويلهم" إلى قوله تعالى: (وَيَقُولُ الإِنسَانُ)، (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا)، وبقوله: "مُلاجتهم ومُعاندتهم" إلى قوله: (لأوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً)، فهذه الآية واردةٌ كالتذييل لتلك الآيات، والتقرير لمضمونها لأن المقصود من أقاصيصهم تسلية رسول الله ﷺ ، وقلة اكتراثٍ منه إلى أحوالهم، ومنعٌ من الدعاء عليهم بالاستئصال، ومن ثم رتب عليها قوله: (فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ).
قوله: (عجلت عليه بكذا: إذا استعجلته منه). الأساس: أعجلته عن إسلال سيفه، وتعجلتُ إخراجه: كلفته أن يعجله، واستعجل الكفار العذاب.
стр. 5063
حتى تستريح أنت والمسلمون من شرورهم، وتطهر الأرض بقطع دابرهم، فليس بينك وبين ما تطلب من هلاكهم إلا أيام محصورة وأنفاس معدودة، كأنها في سرعة تقضيها الساعة التي تعد فيها لو عدت. ونحوه قوله تعالى: (وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ * كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ) [الأحقاف: ٣٥]، وعن ابن عباس رضى الله عنه: أنه كان إذا قرأها بكى وقال: آخر العدد خروج نفسك، آخر العدد فراق أهلك، آخر العدد دخول قبرك. وعن ابن السماك أنه كان عند المأمون فقرأها، فقال: إذا كانت الأنفاس بالعدد ولم يكن لها مدد، فما أسرع ما تنفد.
(يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً) [مريم: ٨٥].
نُصب (يَوْمَ) بمضمر، أى: يوم نَحْشُرُ ونسوق: نفعل بالفريقين ما لا يحيط به الوصف. أو اذكر يوم نحشر. ويجوز أن ينتصب ب (لا يملكون)] مريم: ٨٧ [. ذكر المتقون بلفظ التبجيل، وهو أنهم يجمعون إلى ربهم الذي غمرهم برحمته وخصهم برضوانه وكرامته، كما يفد الوفاد على الملوك منتظرين للكرامة عندهم. وعن عليٍّ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كأنها في سرعة تقضيها الساعة)، يريد أن قوله: (إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً) كنايةٌ عن سرعة تقضي أجلهم. قال- في قوله تعالى: (دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ) [يوسف: ٢٠]-: "قليلةٌ تُعد عداً، وقيل للقليل: معدودٌ؛ لأن الكثير يمنع من عده كثرته".
قوله: (إذا كانت الأنفاس بالعدد، إلى آخره)، وفي معناه قولُ القائل:
إن الحبيب من الأحباب مختلس … لا يمنع الموت بوابٌ ولا حرس
وكيف تفرحُ بالدنيا ولذتها … يا من يُعدُّ عليه اللفظ والنفس
قوله: (كما يفدُ الوفاد على الملوك)، يعني: ذكر الوفد تمثيلٌ وتشبيهٌ لحالة المتقين بحالة الوفود.
стр. 5064
رضي الله عنه: ما يُحشرون -والله- على أرجلهم، ولكنهم على نوق رحالها ذهب، وعلى نجائب سروجها ياقوت.
(وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً) [مريم: ٨٦].
وذُكِرَ الكافرون بأنهم يساقون إلى النار بإهانة واستخفاف كأنهم نعم عطاش تساق إلى الماء. والورود: العطاشُ؛ لأنّ من يَردُ الماء لا يرده إلا لعطش وحقيقة الورد: المسير إلى الماء، قال:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
النهاية: الوفد هم القوم يجتمعون ويردون البلاد، واحدهم وافدٌ، وكذلك الذين يقصدون الأمراء لزيارةٍ استرفادٍ وانتجاع وغير ذلك تقول: وفد يفد فهو وافدٌ.
قال الراغب: وفد القوم تفد وفادةً، وهو وافدٌ، وهم وفدٌ ووفود، وهم: الذين يقدمون على الملوك مستنجزين الحوائج، ومنه الوافد من الإبل، وهو السابق لغيره، قال تعالى: (يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْداً).
قال القاضي: ولاختيار الرحمن في هذه السورة شأنٌ، ولعله أن ساق الكلام فيها لتعداد النعم الجسام، وشرح حال الشاكرين لها والكافرين بها، كأنه قيل: يوم نحشر المتقين إلى ربهم الذي غمرهم برحمته وشملهم برأفته.
وقلتُ: في التقابل بين "الوفد" و"الرحمن" وبين "الورد" و"جهنم" إعلامٌ بتبجيل الوافد وتحصيل مطالبه، وأنها من جلائل النعم وإعظامٌ بالوافد الذي الموفود إليه من اسمه الرحمن، وإشعارٌ بإهانة الوارد وتهكمٌ به، كقوله: عتابه السيفُ ومقومهم لهذمياتٌ. وكفى بالعطش الذي ورده النار التي هي أعظم النيران.
стр. 5065
ردي ردي ورد قطاة صمّا … كدريّة أعجبها برد الما
فسمى به الواردون. وقرأ الحسن: (يُحشر المتقون)، و (يُساقُ المجرمون).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ردي ردي) البيت، صماء: قيل: إنها من الصمم لا تسمعُ صوت القانص فتفر. كُدريةٍ، أي: قطاةٌ كُدرية أي غبراء اللون، يُخاطب ناقته، أي: ردي الماء كما يرد القطا، يعبجها برد الماء.
قوله: (فسمي به الواردون) أي: حقيقة الورد: المسير إلى الماء، فشبه من يقصد الجواد ويستجديه بمن يسير إلى الماء ليرتوي منه، فاستعير له، وقيل: الوارد.
الراغب: الورورد أصله: قصد الماء، ثم يستعمل في غيره، يقال: وردت الماء، قال تعالى: (وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ) [القصص: ٢٣]، والوردُ: الماء المرشح للورود، واستعمل في النار على سبيل الفظاعة، قال تعالى: (فَأَوْرَدَهُمْ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ) [هود: ٩٨]، والوارد: الذي يتقدم القوم فيستقي لهم، قال تعالى: (فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ) [يوسف: ١٩] أي: ساقيهم. وقوله: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا) [مريم: ٧١] فقد قيل: هو مثلُ: وردت ماء كذا: إذا حضرته وإن لم تشرع فيه. وقيل: بل يقتضي ذلك الشروع فيه، ولكن من كان من أولياء الله لا تؤثر فيهم بل يكون حاله فيها كحال إبراهيم ﵇، ويعبر عن المحموم بالمورود، وعن الحُمى بالورد، وشعرٌ واردٌ: قد ورد العجز أو المتن. والوردُ قيل: هو من الوارد، تسميته بذلك لونه أول ما يرد من ثمار السنة، يقال لنور كل شجر: وردٌ، ويقال: ورد الشجر يورد: خرج نوره. وشُبه به لون الفرس فقيل: فرسٌ وردٌ، وقيل في صفة السماء: إذا احمرت احمراراً كالورد أمارة للقيامة، قال تعالى: (فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ) [الرحمن: ٣٧].
стр. 5066
(لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً) [مريم: ٨٧].
الواو في لا (يَمْلِكُونَ) إن جعل ضميراً؛ فهو للعباد، ودلَّ عليه ذكر المتقين والمجرمين لأنهم على هذه القسمة. ويجوز أن تكون علامة للجمع، كالتي في «أكلونى البراغيث» والفاعل (مَنِ اتَّخَذَ)؛ لأنه في معنى الجمع، ومحل (مَنِ اتَّخَذَ) رفع على البدل، أو على الفاعلية. ويجوز أن ينتصب على تقدير حذف المضاف، أى: إلا شفاعة من اتخذ. والمراد: لا يملكون أن يشفع لهم، واتخاذ العهد: الاستظهار بالإيمان والعمل. وعن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال لأصحابه ذات يوم: «أيعجز
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والفاعلُ: (مَنْ اتَّخَذَ))، هذا على أن يكون الضمير في: (لا يَمْلِكُونَ) علامة للجمع. قال أبو البقاء: (إِلاَّ مَنْ اتَّخَذَ) استثناء متصلٌ إذا كان الضمير في (يَمْلِكُونَ) للمتقين والمجرمين. وقيل: هو في موضع رفع بدل من الضمير في (يَمْلِكُونَ)، أو في موضع نصبٍ على الاستثناء المنقطع".
الانتصاف: في هذا الوجه تعسفٌ لأنه إذا جعله علامةً ثم أعاد على لفظها الإفراد بضمير اتخذ كان إجمالاً بعد إيضاح، وهو عكس طريق البلاغة التي هي: الإيضاح بعد الإجمال، فالواو على إعرابه وإن لم تكن عائدة على "مَن" إلا أنها كاشفةٌ لمعناها كشف الضمير العائد له.
قوله: (وعن ابن مسعود، أن النبي ﷺ قال لأصحابه ذات يوم)، الحديثُ الدعاء إلى آخر، أورده الإمام أحمد بن حنبل عنه في مسنده مع تغيير يسير.
стр. 5067
أحدُكمْ أن يتخذَ كل صباحٍ ومساءٍ عند الله عهداً» قالوا: وكيف ذلك؟ قال: «يقول كل صباح ومساء: اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة إنى أعهد إليك بأنى أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأن محمداً عبدك ورسولك، وأنك إن تكلني إلى نفسي تقرّبنى من الشر وتباعدني من الخير، وأنى لا أثق إلا برحمتك فاجعل لي عندك عهدا توفينيه يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد. فإذا قال ذلك طبع عليه بطابع ووضع تحت العرش، فإذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين الذين لهم عند الرحمن عهد، فيدخلون الجنة» وقيل: كلمة الشهادة.
أو يكون من «عهد الأمير إلى فلان بكذا» إذا أمره به، أى: لا يشفع إلا المأمور بالشفاعة المأذون له فيها. وتعضده مواضع في التنزيل: (وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَاذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى) [النجم: ٢٦]، (وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ)] سبأ: ٢٣ [(يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا) [طه: ١٠٩].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أعهد إليك). الجوهري: عهدتُ إليه، أوصيتُه، ومنه اشتق العهدُ الذي يكتبُ للولاة.
قوله: (طُبع عليه بطابع). النهاية: الطابع بالفتح: الخاتم، يريد أنه يُختمُ عليها وتُرفعُ كما يفعلُ الإنسانُ بما يعز عليه.
قوله: (أو يكونُ من: عهد الأمير): عطفٌ على قوله: "واتخاذ العهد: الاستظهار"، وحقيقةُ هذا الوجه تعودُ إلى قولك: عهد إليه واستعهد منه: إذا وصاه أو شرط عليه في الأساس.
قوله: (عهد الأمير إلى فلان بكذا) يريدُ أن عهده مضمنٌ معنى الأمر، وعُدي بالباء، فعلى هذا الباءُ في التنزيل محذوفٌ نحو قوله: "أمرتُك الخير".
стр. 5068
(وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا (٨٩) تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً) [مريم: ٨٨ - ٩١].
قرئ: (إِدًّا) بالكسر والفتح. قال ابن خالويه: الإدّ والأدّ: العجب. وقيل: العظيم المنكر. والإدّة: الشدّة. وأدنى الأمر وآدنى: أثقلنى وعظُم علىّ أدّا (تَكادُ) قراءة الكسائي ونافع بالياء. وقرئ: (يَتَفَطَرنَ) الانفطار من فطره إذا شقه. والتفطر، من فطره إذا شققه وكرر الفعل فيه. وقرأ ابن مسعود: (يَنصَدِعْنَ)، أى: تهد هدّا، أو مهدودة، أو مفعول له، أى: لأنها تهدّ. فإن قلت: ما معنى انفطار السموات وانشقاق
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (قرئ: (إداً) بالكسر والفتح) بالكسر: السبعةُ، والفتحُ: شاذ.
قوله: (قال ابن خالويه)، قال ابن الأنباري في "النزهة": إنه كان من كبار أهل اللغة، أخذ عن ابن دريد ونفطويه وابن الأنباري وأبي عمرو الزاهد، قيل: إنه اسمٌ مركبٌ مبنيٌّ على الكسر في ظاهر المذهب كسيبويه.
قوله: ((تَكَادُ)، قراءة الكسائي ونافع بالياء) التحتاني، الباقون: بالتاء.
قوله: (وقرئ: (يَتَفَطَّرْنَ)) الحرميان وحفصٌ والكسائي بالتاء الفقوانية وفتح الطاء مشددة، والباقون: بالنون ساكنةً وكسر الطاء مخففة. قال أبو البقاء: القراءة الأولى: هو مُطاوعُ "فطرَ" بالتشديد، وهو هنا أشبه بالمعنى، والثانية: مطاوع "فطر" بالتخفيف.
قوله: (وكرر الفعل) يعني أن "فعل" للتكثير، نحو: قطعتُ وغلقتُ.
قوله: (أو مفعولٌ له) يعني: (هْداً) إما: مفعولٌ مطلقٌ أو حالٌ أو مفعولٌ له، وهو إن لم ين من فعل الجبال، لكن إذا تُهدُّ يحصل له الهدُّ، فصح أن يكون مفعولاً له، وإليه الإشارة بقوله: لأنها تُهد.
стр. 5069
الأرض وخُرور الجبال؟ ومن أين تؤثر هذه الكلمة في الجمادات؟ قلت: فيه وجهان، أحدهما: أن الله سبحانه يقول: كدت أفعل هذا بالسماوات والأرض والجبال عند وجود هذه الكلمة غضبا منى على من تفوّه بها، لولا حلى ووقارى، وأنى لا أعجل بالعقوبة كما قال: (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً) [فاطر: ٤١]. والثاني: أن يكون استعظاما للكلمة، وتهويلا من فظاعتها، وتصويرا لأثرها في الدين وهدمها لأركانه وقواعده، وأنَّ مثال
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والثاني: أن يكون استعظاماً للكلمة وتهويلاً)، يريد أنه من باب التمثيل والتصوير وأخذ الزبدة من الجُمل كلها من غير نظر إلى مفرداتها، كقوله تعالى: (وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ) [الزمر: ٦٧].
قال صاحب "الإنصاف": ويظهر لي أنه استعار لدلالتها على وجود الله وعلى وصفه بصفات الكمال كونها مُسبحةً بحمده في قوله: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ) الآية [الإسراء: ٤٤]، ولما دلت عليه هي وكل ذرةٍ أنه مقدسٌ عن نسبة الولد إليه، فالمعتقد لذلك عطل وجه دلالتها على تقدسه ووحدانيته، فاستعير لما فيه من إبطال روح الدلالة التي خُلقت لأجلها إبطال صورتها بالهد والانفطار.
وقال صاحب "الانتصاف": استشهد هذا القائل على دلالة الموجودات على وحدانية الله بقول الشاعر:
وفي كل شيء له آيةٌ … تدل على أنه واحد
وأقولُ: الموجوداتُ تدل على أنلها خالقاً قادراً عالماً حكيماً؛ لأن الأثر دال على المؤثر، والمقدور على القدرة، وإتقانُ العمل دليلٌ على العلم والحكمة. وأما دلالةُ الموجودات على الوحدانية، فلا وجه له، وأصعبُ ما تحققُ به هذا الأصل قول الشاعر، ظن أن الموجودات
стр. 5070
ذلك الأثر في المحسوسات: أن يُصيب هذه الأجرام العظيمة التي هي قوام العالم ما تنفطر منه وتنشق وتخرّ. وفي قوله (لَقَدْ جِئْتُمْ) وما فيه من المخاطبة بعد الغيبة- وهو الذي يسمى الالتفات في علم البلاغة- زيادة تسجيل عليهم بالجرأة على الله، والتعرّض لسخطه، وتنبيه على عظم ما قالوا. في (أَنْ دَعَوْا) ثلاثة أوجه: أن يكون مجرورا بدلا من الهاء في (منهُ)، كقوله:
على حالة لو أنّ في القوم حاتما … على جوده لضنّ بالماء حاتم
ومنصوبا بتقدير سقوط اللام وإفضاء الفعل، أى: هذا لأن دعوا، علل الخرور بالهدّ، والهدّ بدعاء الولد للرحمن. ومرفوعا بأنه فاعل (هداً)، أى: هدها دعاء الولد (للرحمن). وفي اختصاص "الرحمن" وتكريره مرات من الفائدة: أنه هو
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تدل على الوحدانية، والنكتة التي أبداها إنما تتم له بناء على أن الموجودات شاهدةً بنفي الولد، وقد ظهر لك ما فيه. وقلتُ: كلامُ صاحب "الانتصاف" أحسنُ ما ذُهب إليه في هذا المقام.
قوله: (عُلل الخرور بالهد، والهد بدعاء الولد) يعني: هو من تداخل العلة، كقوله تعالى: (وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ)، قالوا: محل (أَلاَّ يَجِدُوا) نصبٌ على أنه مفعولٌ له، وناصبه المفعول له الذي هو (حَزَناً).
قوله: (أي: هدها دعاءُ الولد)، قيل: هو كما تقول: شاهدت ضرباً زيداً، أي: أن أضرب زيداً.
قوله: (وفي اختصاص "الرحمن" وتكريره مرات)، اعلم أنه ذكر أحوال المتقين، وكرر فيها هذه الكلمة مرتين ليُعلق بها أولاً ما يخصهم من الله من فضيلة التبجيل والإكرام، وثانياً: ما ينبئ عن القرب من الله والزلفى عنده من مزية درجة الشفاعة، وعلل حصول هذه المرتبة باتخاذ العهد وهو التوحيد والقيام بمواجب الشكر والعبودية، وعقبه بقوله:
стр. 5071
الرحمن وحده، لا يستحق هذا الاسم غيره، من قبل أنّ أصول النعم وفروعها منه: خلق العالمين، وخلق لهم جميع ما معهم، كما قال بعضهم: فلينكشف عن بصرك غطاؤه، فأنت وجميع ما عندك عطاؤه. فمن أضاف إليه ولدا فقد جعله كبعض خلقه وأخرجه بذلك عن استحقاق اسم الرحمن. هو من دعا بمعنى "سمى" المتعدي إلى مفعولين، فاقتصر على أحدهما الذي هو الثاني، طلبا للعموم والإحاطة بكل ما دعى له ولدا. أو من دعا بمعنى نسب، الذي مطاوعه ما في قوله ﵇ «من ادعى إلى غير مواليه» وقول الشاعر:
إنّا بنى نهشل لا ندّعي لأب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً) وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) إلى قوله: (سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَنُ وُدّاً) إعلاماً بعظم تأثير هذه الكلمة من الموافقين والمخالفين في الدنيا ليكون تكميلاً لتأثيره في العقبى، فأتى أولاً بذكر المخالفين، وكررها أربع مرات تشديداً لكفران النعم التي موليها الرحمن وتعكيساً لآرائهم، يعني: كان من حق مُولي أصول النعم وفروعها وخالق العالمين وما فيها أن لا يشكر غيره، فقد كفروا به بأن اتخذوا له ولداً، كقوله تعالى: (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) [الواقعة: ٨٢]، ثُم ثنى بذكر الذين اتخذوا عنده عهداً وأوثقوه توثقةً شديدة حتى علقت به عقدة المحبة والمودة تعريضاً بالمخالفين، وأنهم المبغوضون، ولذلك وُصفوا بالمغضوب عليهم.
قوله: (طلباً للعموم والإحاطة) أي: لم يقل: دعوا عيسى ولداً ولا عُزيراً ولا الملائكة، طلباً للعموم على منوال: فلانٌ يُعطي ويمنعُ، لكن اقتصر على أحد مفعوليه.
قوله: (إنا بني نهشلٍ لا ندعي لأبٍ)، تمامه:
عنه ولا هو بالأبناء يشربنا
стр. 5072
أي: لا ننتسب إليه.
(وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً) [مريم: ٩٢].
انبغى: مطاوعُ «بغى»؛ إذا طلب، أى: ما يتأتى له اتخاذ الولد وما ينطلب لو طلب مثلا، لأنه محال غير داخل تحت الصحة. أما الولادة المعروفة فلا مقال في استحالتها. وأما التبني فلا يكون إلا فيما هو من جنس المتبنى، وليس للقديم -سبحانه- جنس، تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
(إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً (٩٣) لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً) [مريم: ٩٣ - ٩٥].
(مَنْ) موصوفة؛ لأنها وقعت بعد "كل" نكرة، وقوعها بعد رب في قوله:
ربّ من أنضجت غيظا صدره
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ("انبغى" مطاوعُ "بغى") الجوهري: قولهم: ينبغي لك أن تفعل كذا، فهو من أفعال المُطاوعة. تقولُ: بغيته فانبغى.
قوله: (وما ينطلبُ) أي: ما يحصل طلبته.
قوله: ((مَن) موصوفةٌ؛ لأنها وقعت بعد "كل")، قال أبو البقاء: (مَن) نكرةٌ موصوفةٌ، و (فِي السَّمَوَاتِ) صفتها، و (إِلاَّ آتِي) خبرُ كل، ووحد (آتِي) حملاً على لفظ كل، وقد جمع في موضع آخر حملاً على معناها، ومن الإفراد (وَكُلُّهُمْ آتِيهِ).
قوله: (رُب من أنضجت غيظاً صدره)، تمامه:
قد تمنى لي موتاً لم يُطع
وبعده:
стр. 5073
وقرأ ابن مسعود وأبو حيوة: (آتِي الرَّحْمنِ) على أصله قبل الإضافة. الإحصاء الحصر والضبط يعنى: حصرهم بعلمه وأحاط بهم (وَعَدَّهُمْ عَدًّا) الذين اعتقدوا في الملائكة وعيسى وعزير أنهم أولاد الله، كانوا بين كفرين، أحدهما: القول بأن الرحمن يصح أن يكون والدا. والثاني: إشراك الذين زعموهم لله أولادا في عبادته، كما يخدم الناس أبناء الملوك خدمتهم لآبائهم، فهدم الله الكفر الأول فيما تقدم من الآيات، ثم عقبه بهدم الكفر الآخر. والمعنى: ما من معبود لهم في السماوات والأرض من الملائكة ومن الناس إلا وهو يأتى الرحمن، أى: يأوى إليه ويلتجئ إلى ربوبيته عبدا منقادا مطيعا خاشعا خاشيا راجيا، كما يفعل العبيد وكما يجب عليهم، لا يدعي لنفسه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ويراني كالشجا في حلقه … عسراً مخرجه ما يُنتزع
نضج اللحم والعنبُ ينضج نُضجاً فهو نضيج، والشجا: ما نشب في الحلق من غُصة هم أو نحوه. و"مَنْ" في "من أنضجتُ" موصوفة، أي: أي رجل أنضجت.
قوله: (فهدم الله الكفر الأول فيما تقدم من الآيات)، وأما الكفر الأول، وهو قوله: (اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً) فهدمه قوله: (لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ) الآية، وهذا غنما يصحُّ هدماً إذا ذهب إلى ما ذكره صاحبُ "الانتصاف"، أي: لو صح هذا لتعطل وجه دلالة المكونات على تقدسه ووحدانيته، فاستعير لما فيه من روح الدلالة التي خُلقت لأجلها إبطالُ صورتها بالهدم بالانفطار. وأما الكفر الثاني، وهو ما يلزم من إشراك الأولاد الآباء في المالكية، فهدمه قوله: (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً) الآيات؛ لأن من يأوي إلى الرحمن ويلتجيء على ربوبيته يكونُ عبداً منقاداً مطيعاً خاشعاً خاشياً لا يكونُ إلا ذليلاً فضلاً عن أن يكون شريكاً.
قوله: (لا يدعي لنفسه) الضمير المرفوع راجعٌ إلى قوله: "ما من معبودٍ"، وهو الذي
стр. 5074
ما يدعيه له هؤلاء الضلال. ونحوه قوله تعالى: (أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ) [الإسراء: ٥٧]. وكلُّهم متقلبون في ملكوته مقهورون بقهره وهو مهيمن عليهم محيط بهم وبحمل أمورهم وتفاصيلها وكيفيتهم وكميتهم، لا يفوته شيء من أحوالهم، وكل واحد منهم يأتيه يوم القيامة منفردا ليس معه من هؤلاء المشركين أحد وهم برآء منهم.
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا) [مريم: ٩٦].
قرأ جناح بن حبيش (وُدًّا) بالكسر: والمعنى: سيحدث لهم في القلوب مودّة ويزرعها لهم فيها من غير تودّد منهم ولا تعرّض للأسباب التي توجب الود ويكتسب بها الناس مودات القلوب، من قرابة أو صداقة أو اصطناع بمبرة أو غير ذلك، وإنما هو اختراع منه ابتداء اختصاصا منه لأوليائه بكرامة خاصة، كما قذف في قلوب أعدائهم الرعب والهيبة إعظاما لهم وإجلالا لمكانهم. والسين إما لأن السورة مكية وكان المؤمنون حينئذ ممقوتين بين الكفرة فوعدهم الله تعالى ذلك إذا دجا الإسلام. وإما أن يكون ذلك يوم القيامة يحببهم إلى خلقه بما يعرض من حسناتهم وينشر من ديوان أعمالهم. وروى أنّ النبي ﷺ قال لعلى رضى الله عنه: «يا علىّ قل اللهم اجعل لي عندك عهدا، واجعل لي في صدور المؤمنين مودّة» فأنزل الله هذه الآية. وعن ابن عباس رضى الله عنهما: يعنى يحبهم الله ويحببهم إلى خلقه. وعن رسول الله ﷺ :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
استتر في (ءاتى)، وقوله: "كما يجبُ عليهم" جملةٌ معترضةٌ تؤكدُ معنى: "كما يفعلُ العبيدُ" معطوفةٌ عليه، نحو: أعجبني زيدٌ وكرمه.
قوله: (مهيمنٌ). الجوهري: أصله مؤأمنٌ، لينت الثانية، وقلبت ياء، وقلبت الأولى هاءً.
قوله: (دجا الإسلام) الأساس: ومن المجاز: ثوبٌ داجٍ: سابغٌ غطى جسده كله، وكان ذلك مُذ دجا الإسلام، وثوبُ الإسلام داجٍ.
стр. 5075
«يقول الله : يا جبريل قد أحببت فلانا فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادى في أهل السماء: إنّ الله قد أحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يضع له المحبة في أهل الأرض»
وعن قتادة: ما أقبل العبد إلى الله إلا أقبل الله بقلوب العباد إليه.
(فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا (٩٧) وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً) [مريم: ٩٧ - ٩٨].
هذه خاتمة السورة ومقطعها، فكأنه قال: بلغ هذا المنزل أو بشر به وأنذر، فإنما أنزلناه (بِلِسانِكَ) أى: بلغتك وهو اللسان العربي المبين، وسهلناه وفصلناه لِتُبَشِّرَ بِهِ وتنذر.
واللدّ: الشداد الخصومة بالباطل، الآخذون في كل لديد، أى في كل شق من المراء والجدال لفرط لجاجهم، يريد أهل مكة. وقوله (وَكَمْ أَهْلَكْنا) تخويف لهم وإنذار. وقرئ (تُحِسُّ) من حسه إذا شعر به. ومنه الحواس والمحسوسات. وقرأ حنظلة: (تَسْمَعُ) مضارع "أسمعتَ". والرَّكْز: الصوت الخفي. ومنه: ركز الرمح إذا غيب طرفه في الأرض. والركاز: المال المدفون.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (يقول الله : يا جبريل، قد أحببت فلاناً)، الحديث من رواية البخاري ومسلم والترمذي، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: "ذا أحب الله العبد نادى جبريل: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض".
قوله: (فكأنه قال) الفاءُ: جوابُ شرط محذوف، أي: إذا كانت الآية خاتمة للسورة "فكأنهُ قال: بلغ هذا المنزل"، وفيه إشعارٌ بأن الفاء التنزيلية، أعني (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ) فاءٌ فصيحة؛ لأن السبب المحذوف إما قوله: "بلغ هذا المُنزل"، أو قوله: "بشر وأندر"، يعني بلغ المُنزل لأنا أنزلناه بلُغتك لييسهُل عليك إبلاغه، فبشر وأنذر. وقال: بشر وأنذر فإنا
стр. 5076
عن رسول الله ﷺ : «من قرأ سورة مريم أعطى عشر حسنات بعدد من كذب زكريا وصدق به، ويحيى ومريم وعيسى وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وموسى وهرون وإسماعيل وإدريس، وعشر حسنات بعدد من دعا الله في الدنيا وبعدد من لم يدع الله».
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سهلنا بلسانك، وفصلنا مواقع البشارة والنذارة، وإنما كان خاتمة للسورة، بل للقرآن بأسره، لأنها مشتملة على البشارة لأولياء الله والنذارة لأعدائه. قال القاضي: ضمن (يَسَّرْنَاهُ) معنى: أنزلناه بلغتك، وعُدي بالباء، وإلا فحقه: على لسانك.
стр. 5077
سورةُ طه
مكية وهي مئة وثلاثون وأربع آيات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(طه (١) ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى (٢) إِلاَّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى (٣) تَنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى) [طه: ١ - ٤].
(طه) أبو عمرو فخم الطاء لاستعلائها. وأمال الهاء وفخمها ابن كثير وابن عامر على الأصل، والباقون أمالوهما. وعن الحسن رضى الله عنه: (طه)، وفسر بأنه أمر بالوطء، وأن النبي ﷺ كان يقوم في تهجده على إحدى رجليه فأمر بأن يطأ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سورة طه
مكيةٌ، وهي مئة ثلاثون وأربع آيات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (أبو عمرو فخم الطاء)، قال صاحب "التيسير": قرأ أبو بكر وحمزة والكسائي بإمالة فتحة الطاء والهاء، وورشٌ وأبو عمرو بإمالة الهاء خاصة، والباقون بفتحهما.
стр. 5078
الأرض بقدميه معا، وأن الأصل (طأ)، فقلبت همزته هاء، أو قلبت ألفا في (يطأ) فيمن قال:
لا هناك المرتع
ثم بنى عليه الأمر، والهاء للسكت. ويجوز أن يكتفى بشطرى الاسمين وهما الدالان بلفظهما
على المسلمين، والله أعلم بصحة ما يقال: إن «طاها»
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أو قُلبت في "يطأ")، أي: قُلبت الهمزة في "يطأ" ألفاً، وبنى الأمر عليه، كما قالوا في هنأك: لا هناك، وإذا بنى عليه الأمر فيكونُ: ط، كما يكون الأمر من "يرى": رَ، ثم ألحق هاء السكت فصار: طه.
قوله: (لا هناك المرتع)، أوله:
راحت بمسلمة البغالُ عشية … فارعي فزارة لا هناك المرتع
الرواحُ: نقيضُ الغدو، لا هناك: دعاءٌ على الناقة من الهنو، أ]: لا هناك رعيُ هذا المرتع، راحت بمسلمة البغال، نحو: مر بفلانٍ فلانٌ، فزارةُ حي من الغطفان، يخاطب ناقته وقد رحل مسلمة بالبغال عشية، وقد فقد بنى فزارة، أي: ما مقامك هاهنا ورعيك مرعاها، فاقصدي بني فزارة ارعي مرعاها.
قوله: (ويجوز أن يكتفى بشطري الاسمين)، أي: بنصف كل واحدٍ من الطاء والهاء، وقد سبق في فاتحة البقرة أنها أسماءٌ مسمياتها الحروف المبسوطة، فأسقطت الألفُ من كل واحد منهما، فقيل: (طه). عن نور الدين الحكيم: كأنه قصد بهذا الكلام الذب عن الحسن، فإنه أشهر القول بأن هذه السورة من السور الثمان والعشرين المبتدأ فيها بفواتح السور، فأراد أن يُدرج (طه) بالفواتح فقال: "يجوز أن يُكتفي بشطري الاسمين"، أي: بهذين الحرفين من طاها اللذين هما اسمان من الفواتح.
قوله: (والله أعلمُ بصحة ما يقال)، وجهٌ آخر.
стр. 5079
في لغة عك في معنى: يا رجل، ولعل عكا تصرفوا في «يا هذا» -كأنهم في لغتهم قالبون الياء طاء- فقالوا في «يا»: «طا»، واختصروا (هذا) فاقتصروا على (ها)، وأثر الصنعة ظاهر لا يخفى في البيت المستشهد به:
إنّ السّفاهة طاها في خلائقكم … لا قدّس الله أخلاق الملاعين
والأقوال الثلاثة في الفواتح: أعنى التي قدمتها في أول الكاشف عن حقائق التنزيل، هي التي يعوّل عليها الألباء المتقنون (ما أَنْزَلْنا) إن جعلت (طه) تعديداً لأسماء الحروف على الوجه السابق ذكره فهو ابتداء كلام. وإن جعلتها اسما للسورة احتملت أن تكون خبرا عنها وهي في موضع المبتدأ، و (الْقُرْآنَ) ظاهر أوقع موقع الضمير لأنها قرآن، وأن يكون جوابا لها وهي قسم. وقرئ: (ما نُزل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (في لغة عك)، الجوهري: وهو عكُّ بن عدنان. أخو معد. وهو اليوم في اليمن.
قوله: (تصرفوا في "يا هذا")، أي: في لفظة "هذا"، فقلبوا حرف النداء طاء، واختصروا لفظة "هذا" بحذف الذال، وقالوا: "طا ها"، قال الواحدي: وأكثرُ المفسرين على أن معنى (طه): يا رجلُن يريد النبي ﷺ ، وهو قولا لحسن وعكرمة وسعيد بن جبير والضحاك وقتادة ومجاهدٍ وابن عباس في رواية عطاء والكلبي، غير أن بعضهم يقول: هي بلسان الحبشة وبالنبطية والسريانية، ويقول الكلبي: بلغة عك، قال ابن الأنباري: ولغة قريش وافقت تلك اللغة في هذا المعنى، لأن الله لم يخاطب نبيه ﷺ بلسان غير قريش، وقد ذكر محيي السنة مختصراً من هذا، والمصنفُ ما رضي بهذا القول، حيث قال: والله أعلمُ بصحة ما يقال. وقال: والأقوال الثلاثة في الفواتح هي التي يُعول عليها الألباءُ المتقنون.
قوله: (و (الْقُرْآنَ) ظاهر أوقع موقع الضمير)، يعني: (طه) إذا كان اسماً للسورة
стр. 5080
عليك القرآن) (لِتَشْقى) لتتعب بفرط تأسفك عليهم وعلى كفرهم، وتحسرك على أن يؤمنوا كقوله تعالى: (فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ) [الشعراء: ٣]، والشقاء يجيء في معنى التعب. ومنه المثل: "أتعب من رائض مهر"، أى: ما عليك إلا أن تبلغ وتذكر، ولم يكتب عليك أن يؤمنوا لا محالة، بعد أن لم تفرط في أداء الرسالة والموعظة الحسنة. وقيل: إن أبا جهل والنضر بن الحارث قالا له: إنك شقى لأنك تركت دين آبائك، فأريد ردّ ذلك بأن دين الإسلام وهذا القرآن هو السلم إلى نيل كل فوز، والسبب في درك كل سعادة، وما فيه الكفرة هو الشقاوة بعينها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان مبتدأ خبره: (مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى)، ولابد في الجملة إذا وقعت خبرا ًمن عائد، وهنا أقيم مقام العائد (الْقُرْآنَ)، وهو إما اسمٌ للسورة، فاستغنى عن الضمير به إشعاراً بالعلية وإيذاناً بأن ما هو رحمةٌ لك لا يكون إنزاله لشقاوتك، أو القرآن كله، فاكتفى عن الضمير بالعموم، كما في قول: نعم الرجل زيدٌ، في وجه، وقد أشار إلى الوجهين بقوله: لأنها قرآن.
قوله: (والشقاء يجيء في معنى التعب)، قال تعالى: (فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنْ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى) [طه: ١١٧]، أي: فتتعب، الأساس: ولم يزل في شقاء من امرأته في تعب، وما زلت تُشاقي فلاناً منذ اليوم مشاقاة تعاسره ويعاسرك.
قوله: (أتعبُ من رائض مُهر)، قال الميداني: هو كقولهم: لا يعدم شقي مهرا، يريد أن معالجة المهارة شقاءٌ، لما فيها من التعب.
قوله: (فأريد رد ذلك)، أي: قوله تعالى: (طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى) رد لقول المشركين: إنك تشقى بتركك دين آبائك، وتعريضٌ بأنهم الأشقياء؛ لأن (طه) إذا جُعل اسماً للسورة و (مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ) خبره، يكون "القرآن" من وضع المُظهر موضع المضمر لما ذكرنا، وللتفخيم تعظيماً له، وأنه هو السُّلمُ في نيل كل فوزٍ وسعادة، ومن
следующие страницы →