← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 5076–5115 · переход к 5081.

стр. 5076

عن رسول الله ﷺ : «من قرأ سورة مريم أعطى عشر حسنات بعدد من كذب زكريا وصدق به، ويحيى ومريم وعيسى وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وموسى وهرون وإسماعيل وإدريس، وعشر حسنات بعدد من دعا الله في الدنيا وبعدد من لم يدع الله». ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سهلنا بلسانك، وفصلنا مواقع البشارة والنذارة، وإنما كان خاتمة للسورة، بل للقرآن بأسره، لأنها مشتملة على البشارة لأولياء الله والنذارة لأعدائه. قال القاضي: ضمن (يَسَّرْنَاهُ) معنى: أنزلناه بلغتك، وعُدي بالباء، وإلا فحقه: على لسانك.

стр. 5077

سورةُ طه مكية وهي مئة وثلاثون وأربع آيات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (طه (١) ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى (٢) إِلاَّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى (٣) تَنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى) [طه: ١ - ٤]. (طه) أبو عمرو فخم الطاء لاستعلائها. وأمال الهاء وفخمها ابن كثير وابن عامر على الأصل، والباقون أمالوهما. وعن الحسن رضى الله عنه: (طه)، وفسر بأنه أمر بالوطء، وأن النبي ﷺ كان يقوم في تهجده على إحدى رجليه فأمر بأن يطأ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سورة طه مكيةٌ، وهي مئة ثلاثون وأربع آيات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله: (أبو عمرو فخم الطاء)، قال صاحب "التيسير": قرأ أبو بكر وحمزة والكسائي بإمالة فتحة الطاء والهاء، وورشٌ وأبو عمرو بإمالة الهاء خاصة، والباقون بفتحهما.

стр. 5078

الأرض بقدميه معا، وأن الأصل (طأ)، فقلبت همزته هاء، أو قلبت ألفا في (يطأ) فيمن قال: لا هناك المرتع ثم بنى عليه الأمر، والهاء للسكت. ويجوز أن يكتفى بشطرى الاسمين وهما الدالان بلفظهما على المسلمين، والله أعلم بصحة ما يقال: إن «طاها» ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أو قُلبت في "يطأ")، أي: قُلبت الهمزة في "يطأ" ألفاً، وبنى الأمر عليه، كما قالوا في هنأك: لا هناك، وإذا بنى عليه الأمر فيكونُ: ط، كما يكون الأمر من "يرى": رَ، ثم ألحق هاء السكت فصار: طه. قوله: (لا هناك المرتع)، أوله: راحت بمسلمة البغالُ عشية … فارعي فزارة لا هناك المرتع الرواحُ: نقيضُ الغدو، لا هناك: دعاءٌ على الناقة من الهنو، أ]: لا هناك رعيُ هذا المرتع، راحت بمسلمة البغال، نحو: مر بفلانٍ فلانٌ، فزارةُ حي من الغطفان، يخاطب ناقته وقد رحل مسلمة بالبغال عشية، وقد فقد بنى فزارة، أي: ما مقامك هاهنا ورعيك مرعاها، فاقصدي بني فزارة ارعي مرعاها. قوله: (ويجوز أن يكتفى بشطري الاسمين)، أي: بنصف كل واحدٍ من الطاء والهاء، وقد سبق في فاتحة البقرة أنها أسماءٌ مسمياتها الحروف المبسوطة، فأسقطت الألفُ من كل واحد منهما، فقيل: (طه). عن نور الدين الحكيم: كأنه قصد بهذا الكلام الذب عن الحسن، فإنه أشهر القول بأن هذه السورة من السور الثمان والعشرين المبتدأ فيها بفواتح السور، فأراد أن يُدرج (طه) بالفواتح فقال: "يجوز أن يُكتفي بشطري الاسمين"، أي: بهذين الحرفين من طاها اللذين هما اسمان من الفواتح. قوله: (والله أعلمُ بصحة ما يقال)، وجهٌ آخر.

стр. 5079

في لغة عك في معنى: يا رجل، ولعل عكا تصرفوا في «يا هذا» -كأنهم في لغتهم قالبون الياء طاء- فقالوا في «يا»: «طا»، واختصروا (هذا) فاقتصروا على (ها)، وأثر الصنعة ظاهر لا يخفى في البيت المستشهد به: إنّ السّفاهة طاها في خلائقكم … لا قدّس الله أخلاق الملاعين والأقوال الثلاثة في الفواتح: أعنى التي قدمتها في أول الكاشف عن حقائق التنزيل، هي التي يعوّل عليها الألباء المتقنون (ما أَنْزَلْنا) إن جعلت (طه) تعديداً لأسماء الحروف على الوجه السابق ذكره فهو ابتداء كلام. وإن جعلتها اسما للسورة احتملت أن تكون خبرا عنها وهي في موضع المبتدأ، و (الْقُرْآنَ) ظاهر أوقع موقع الضمير لأنها قرآن، وأن يكون جوابا لها وهي قسم. وقرئ: (ما نُزل ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (في لغة عك)، الجوهري: وهو عكُّ بن عدنان. أخو معد. وهو اليوم في اليمن. قوله: (تصرفوا في "يا هذا")، أي: في لفظة "هذا"، فقلبوا حرف النداء طاء، واختصروا لفظة "هذا" بحذف الذال، وقالوا: "طا ها"، قال الواحدي: وأكثرُ المفسرين على أن معنى (طه): يا رجلُن يريد النبي ﷺ ، وهو قولا لحسن وعكرمة وسعيد بن جبير والضحاك وقتادة ومجاهدٍ وابن عباس في رواية عطاء والكلبي، غير أن بعضهم يقول: هي بلسان الحبشة وبالنبطية والسريانية، ويقول الكلبي: بلغة عك، قال ابن الأنباري: ولغة قريش وافقت تلك اللغة في هذا المعنى، لأن الله لم يخاطب نبيه ﷺ بلسان غير قريش، وقد ذكر محيي السنة مختصراً من هذا، والمصنفُ ما رضي بهذا القول، حيث قال: والله أعلمُ بصحة ما يقال. وقال: والأقوال الثلاثة في الفواتح هي التي يُعول عليها الألباءُ المتقنون. قوله: (و (الْقُرْآنَ) ظاهر أوقع موقع الضمير)، يعني: (طه) إذا كان اسماً للسورة

стр. 5080

عليك القرآن) (لِتَشْقى) لتتعب بفرط تأسفك عليهم وعلى كفرهم، وتحسرك على أن يؤمنوا كقوله تعالى: (فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ) [الشعراء: ٣]، والشقاء يجيء في معنى التعب. ومنه المثل: "أتعب من رائض مهر"، أى: ما عليك إلا أن تبلغ وتذكر، ولم يكتب عليك أن يؤمنوا لا محالة، بعد أن لم تفرط في أداء الرسالة والموعظة الحسنة. وقيل: إن أبا جهل والنضر بن الحارث قالا له: إنك شقى لأنك تركت دين آبائك، فأريد ردّ ذلك بأن دين الإسلام وهذا القرآن هو السلم إلى نيل كل فوز، والسبب في درك كل سعادة، وما فيه الكفرة هو الشقاوة بعينها. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كان مبتدأ خبره: (مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى)، ولابد في الجملة إذا وقعت خبرا ًمن عائد، وهنا أقيم مقام العائد (الْقُرْآنَ)، وهو إما اسمٌ للسورة، فاستغنى عن الضمير به إشعاراً بالعلية وإيذاناً بأن ما هو رحمةٌ لك لا يكون إنزاله لشقاوتك، أو القرآن كله، فاكتفى عن الضمير بالعموم، كما في قول: نعم الرجل زيدٌ، في وجه، وقد أشار إلى الوجهين بقوله: لأنها قرآن. قوله: (والشقاء يجيء في معنى التعب)، قال تعالى: (فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنْ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى) [طه: ١١٧]، أي: فتتعب، الأساس: ولم يزل في شقاء من امرأته في تعب، وما زلت تُشاقي فلاناً منذ اليوم مشاقاة تعاسره ويعاسرك. قوله: (أتعبُ من رائض مُهر)، قال الميداني: هو كقولهم: لا يعدم شقي مهرا، يريد أن معالجة المهارة شقاءٌ، لما فيها من التعب. قوله: (فأريد رد ذلك)، أي: قوله تعالى: (طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى) رد لقول المشركين: إنك تشقى بتركك دين آبائك، وتعريضٌ بأنهم الأشقياء؛ لأن (طه) إذا جُعل اسماً للسورة و (مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ) خبره، يكون "القرآن" من وضع المُظهر موضع المضمر لما ذكرنا، وللتفخيم تعظيماً له، وأنه هو السُّلمُ في نيل كل فوزٍ وسعادة، ومن

стр. 5081

وروي أنه ﵊ صلى بالليل حتى اسمغدَّتْ قدماه، فقال له جبريل ﵇: أبق على نفسك فإن لها عليك حقا. أى: ما أنزلناه لتنهك نفسك بالعبادة وتذيقها المشقة الفادحة، وما بعثت إلا بالحنيفية السمحة، وكل واحد من (لِتَشْقى) و (تَذْكِرَةً) علة للفعل، إلا أن الأول وجب مجيئه مع اللام لأنه ليس لفاعل الفعل المعلل ففاتته شريطة الانتصاب على المفعولية، والثاني جاز قطع اللام عنه ونصبه لاستجماعه الشرائط. فإن قلت: أما يجوز أن تقول: ما أنزلنا عليك القرآن ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ حُرم فهو الشقي الخائب الخاسر، وإذا جُعل قسماً، و (مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى) المُقسم عليه، دال أيضاً على شرفه، كقوله: وثناياك إنها إغريض من كون القسم والمقسم عيه من وادٍ واحد، فقوله: طوما فيه الكفرة هو الشقاوة بعينها" إشارةٌ إلى معنى التعريض. قوله: (حتى اسمغدت قدماه)، النهاية: وفي الحديث: أنه صلى حتى اسمغدت رجلاه، أي: تورمتا وانتفختا، واسمغد الجُرحُ: إذا ورم. قوله: (لتنهك نفسك)، الجوهري: نهكته الحمى: إذا جهدته وأضنته، وفدحه الدين: أثقله، وأمرٌ فادح: إذا عاله وبهظه. قوله: (لاستجماعه الشرائط)، "الشرائط"، بالرفع في بعض النسخ، وفي الحاشية عن المصنف: "لاستجماع الشرائط بغيرها"، هذا هو الصحيح، لما ذكر صاحب "المُغرب": استجمع السيلُ: اجتمع من كل موضع، واستجمعت للمرء أموره: اجتمع له ما يحبه، وهو لازمٌ كما ترى. وقولهم: استجمع الفرس جرياً: نصبٌ على التمييز، وأما قول الفقهاء مستجمعاً شرائط الجمعة، فليس يثبت. وأما قول الأبيودري:

стр. 5082

أن تشقى، كقوله تعالى: (أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ) [الحجرات: ٢]؟ قلت: بلى، ولكنها نصبة طارئة، كالنصبة في (وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ) [الأعراف: ١٥٥]، وأما النصبةُ في (تذكرةً) فهي كالتي في ضربت زيدا؛ لأنه أحد المفاعيل الخمسة التي هي أصول ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ شآميةٌ تستجمع الشول حرجفٌ فكأنه قاسها على ما هو الغالب في الباب، أو سمعه من أهل الحضر فاستعمله. تم كلامه. ويمكن أن تُصحح الرواية بالرفع بأن يقال التقدير: لاستجماع الشرائط فيه، كقول الشاعر: ويوم شهدناه سليماً وعامراً قوله: (نصبة طارئة)، أي: في قوله تعالى: (وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ) [الحجرات: ٢]، يعني: كان من حقه دخولُ اللام لضعف دلالته على التعليل، لأنه ليس على الشريطة لكنها نصبةٌ عارضةٌ كما في قوله تعالى: (وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ) [الأعراف: ١٥٥]، قال صاحب "الفرائد": هذا السؤال مبنيٌّ على قوله: إلا أن الأول وجب مجيئه باللام، يعني: ذكرت الوجوب وليس به؛ لأنه يجوز مجيئه بدون اللام كما في قوله تعالى: (أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ) [الحجرات: ٢٠]، وخلاصة الجواب أن الواجب: أن يُجاء باللام، إلا أنه حذف اللام تخفيفاً لطول الصلة والموصول، ولذلك قالوا: يُحذف حرف الجر مع "أنّ" و"أنْ" كثيراً، واللامُ هاهنا متحققٌ حكماً، ولم يكن متحققاً في (تَذْكِرَةً) لا حقيقة ولا حُكماً.

стр. 5083

وقوانين لغيرها. فإن قلت: هل يجوز أن يكون (تَذْكِرَةً) بدلا من محل (لِتَشْقى)؟ قلت: لا، لاختلاف الجنسين، ولكنها نصب على الاستثناء المنقطع الذي (إلا) فيه بمعنى «لكن» ويحتمل أن يكون المعنى: إنا أنزلنا عليك القرآن لتحتمل متاعب التبليغ ومقاولة العتاة من أعداء الإسلام ومقاتلتهم وغير ذلك من أنواع المشاق ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لاختلاف الجنسين)، قال صاحب "الفرائد": هذا ليس بجواب. الجوابُ أن يُقال: المبدلُ منه لابد من أن لا يكون مقصوداً في الكلام، والمقصود هو البدل، ولهذا يجوز اطراحه إلا حيث لا يستقيم بقية الكلام، كما في قولك: زيدٌ أرأيت غلامه رجلاً صالحاً، وهاهنا (لِتَشْقَى) مقصود في الكلام، واطراحه يخل بالمقصود مع أن بقية الكلام يصح بعد اطراحه. وقال صاحب "التقريب": لا يجوز البدل لاختلاف الجنسين في الانتصاب، لكنه نُصب على الاستثناء المنقطع. وقلتُ: الظاهر أن مقصود المصنف من قوله: "اختلاف الجنسين" أن التذكرة والشقاوة لا تتراءى ناراهما، ولو أبدلته منه لكنت جعلت الشيء بدلاً مما لا يجانسه، والقائم مقام الشيء لابد أن يكون بينهما مجانسة، ولأن البدل كالبيان للمبدل من حيث الإيضاح وكالتأكيد له من حيث تكرير العامل، كما سبق في (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) [الفاتحة ٦ - ٧]، ولهذا جاز أن يكون استثناء منقطعاً؛ لأن اختلاف الجنسية شرط فيه، إما تحقيقاً نحو: ما جاءني أحدٌ إلا حماراً، أو تقديراً نحو (إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ * إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ) [الحجر: ٥٨ - ٥٩]، على ما سبق، ويؤيده ما ذكره صاحب "الكشف": لا يجوز البدلُ؛ لأن التذكرة ليست من الشقاوة في شيء ليس هو إياه ولا بعضه ولا مشتملاً عليه. قوله: (المعنى: إنا أنزلنا عليك القرآن لتحتل متاعب التبليغ)، يريد أن (لِتَشْقَى) تعليلٌ لـ (أَنزَلْنَا)، ثم دخل النفيُ على المعلل والاستثناء متصلٌ إما على تقدير الحال، فيقال:

стр. 5084

وتكاليف النبوّة، وما أنزلنا عليك هذا المتعب الشاق إلا ليكون تذكرة، وعلى هذا الوجه يجوز أن يكون (تذكرة) حالا ومفعولا له (لِمَنْ يَخْشى) لمن يؤول أمره إلى الخشية، ولمن يعلم الله منه أنه يبدل بالكفر إيمانا وبالقسوة خشية. في نصب ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ما أنزلنا عليك القرآن لتتعب في حالٍ من الأحوال إلا في حال التذكرة، وإما على تقدير أن يكون مفعولاً له، فيكونُ التقدير ما أنزلنا هذا القرآن المتعب لأمر من الأمور إلا تذكرة. وقال صاحب "الانتصاف": في هذا الوجه بُعدٌ؛ لأنه حينئذ يكون الشقاء سبب النزول، وما جرت به عادة الله مع نبيه ﷺ ؛ لأنه نهاه عن الشقاء وضيق الصدر. قال تعالى: (فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ) [الأعراف: ٢]، (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ) [الشعراء: ٣]. وقلتُ: ما ذكره ليس بشيء؛ لأن المراد بالشقاء التعبُ، وقد جاء ذلك في قوله تعالى: (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً) [المزمل: ٥]، حيثُ فسره المصنف بقوله: إن المعنى بالقول الثقيل القرآنُ، وما فيه من الأوامر والنواهي التي هي تكاليفُ شاقةٌ ثقيلة، لا سيما عليه صلوات الله عليه؛ لأنه متحملها بنفسه، فهي أثقلُ عليه. والمعنى على هذا التفسير: ما أنزلنا عليك القرآن المتعب إلا ليكون تذكرة، لا لأن تحملَ على نفسك قيام الليل وتُذيقها المشقة، فحسبك منه ما تلقاه من متاعب ومشاق مقاولة الأعداء. ومعنى قوله تعالى: (فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ) [الأعراف: ٢] لا تخف تكذيب القوم وإعراضهم، ولا يضق صدرك من الأذى، فنهاه عن مبالاتهم، وهو صريحٌ في تلقي المكاره وتحمل المتاعب. وقوله تعالى: (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ) [الشعراء: ٣] معناه: لا تتساقط عليهم حسراتٍ إن لم يؤمنوا بهذا الحديث، ودُم على التبليغ ولا تتهاون. وتلخيص ذلك أن الشفاء الذي نهاه عنه غيرُ الشقاء الذي هو سبب النزول، وهو الذي نحن بصدده. قوله: (لمن يؤول أمره إلى الخشية)، هذا لأن القرآن تذكيرٌ للناس كلهم الخاشي وغير الخاشي، خص الخاشي لأنه المنتفع به. قوله: (ولمن يعلمُ الله)، عطفٌ تفسيريٌّ لقوله: "لمن يؤولُ أمره".

стр. 5085

(تَنْزِيلًا) وُجوه: أن يكون بدلا من (تذكرة) إذا جعل حالا، لا إذا كان مفعولا له لأن الشيء لا يعلل بنفسه، وأن ينصب ب (نُزًلَ) مضمرا، وأن ينصب بـ (أنزلنا)، لأن معنى: ما أنزلناه إلا تذكرة: أنزلناه تذكرة، وأن ينصب على المدح والاختصاص وأن ينصب بـ (يخشى) مفعولا به، أى: أنزله الله تذكرة لمن يخشى تنزيل الله، وهو معنى حسن وإعراب بين. وقرىّ: (تنزيل)، بالرفع على خبر مبتدأ محذوف. ما بعد (تَنْزِيلًا) إلى قوله: (لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى) تعظيم وتفخيم لشأن المنزل، لنسبته إلى من هذه أفعاله وصفاته، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لأن الشيء لا يُعللُ بنفسه)، يعني تذكرةً علةٌ لأنزلنا، ولو أبدل تنزيلاً عنه، رجع إلى كونه علةً لـ (أَنزَلْنَا)، فيلزم تعليلُ الشيء بنفسه، وإذا جُعل حالاً يكون بمعنى مُنزلاً، فيكونُ حالاً موطئة، كقوله: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً) [يوسف: ٢]، بخلافه إذا جُعل مفعولاً له، فإنه يبقى على مصدريته، فيكون تعليلا ًلنفسه بهذا التقدير؛ لأنه لو كان منصوباً بـ (أَنزَلْنَا) لا على هذا التقدير، بل على ظاهره، يكون تقدير الكلام: ما أنزلنا تنزيلاً ممن خلق الأرض، وهو فاسد. قوله: (لأن معنى: ما أنزلناه إلا تذكرة: أنزلناه تذكرة)، تعليلٌ لجواز أن يكون أنزلناه عاملاً في المصدر المؤكد بهذا التقدير؛ لأنه لو كان منصوباً بأنزلنا لا على هذا التقدير، بلعلى ظاهره، يكونُ تقدير الكلام: ما أنزلنا تنزيلاً ممن خلق الأرض، وهو فاسد. قوله: (وهو معنى حسنٌ وإعرابٌ بيِّن)؛ لأن المعنى: ما أنزلنا عليك القرآن إلا تذكيراً لمن يخشى المنزل الذي شأنه أنه من جهة القادر العظيم القاهر السلطان الواسع الملك، فإذا خشيه بدل الكفر إيماناً، والعصيان طاعةً، ولا يتقدم على التكذيب والارتياب. وقوله: (ما بعد (تَنزِيلاً) إلى قوله: (الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى)؛ تعظيم وتفخيم لشأن المنزل)، فيه إيماءٌ إلى ترتب الحكم على الوصف.

стр. 5086

ولا يخلو من أن يكون متعلقُه إما (تَنْزِيلًا) نفسه فيقع صلة له، وإما محذوفا فيقع صفة له. فإن قلت: ما فائدة النقلة من لفظ المتكلم إلى لفظ الغائب؟ قلت: غير واحدة منها عادة الافتنان في الكلام وما يعطيه من الحسن والروعة. ومنها أنّ هذه الصفات إنما تسردت مع لفظ الغيبة. ومنها أنه قال أولا: (أَنْزَلْنا) ففخم بالإسناد إلى ضمير الواحد المطاع. ثم ثنى بالنسبة إلى المختص بصفات العظمة والتمجيد فضوعفت الفخامة من طريقين: ويجوز أن يكون (أَنْزَلْنا) حكاية لكلام جبريل ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ولا يخلو من أن يكون متعلقه)، الضمير في "لا يخلو": راجعٌ إلى قوله: "ما بعد (تَنزِيلاً) ". وعليه قول صاحب "التقريب" في قول المصنف: "فيقع صلة"، ويُمكن أن يقال: إن "مَن" فاعل، أي: لا يخلو من أن يكون، يعني (مِمَّنْ خَلَقَ) إما أن يكون معمولاً لـ (تَنزِيلاً) أو لمُقدر، وهو صفة (تَنزِيلاً)، والصفة أدخل في التفخيم والتعظيم المطلوب؛ لأن الصفة حينئذ تكون مادحة. قوله: (أن هذه الصفات إنما تسردت مع لفظ الغيبة)، يعني قوله: (وَالسَّمَوَاتِ الْعُلا (٤) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى* لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ … اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ)، فلو دام على لفظ المتكلم لم يحسن سرد هذه الصفات على ما هو عليه؛ لأن المعنى: إنا أنزلنا عليك القرآن تذكرة لمن يخشى، تنزيلاً ممن هو مستحقٌّ لأن يُطاعَ فيما أمرَ ونهى، وأن يُعبد ويُخضع له، وأن لا يُستعان إلا به لأنه متصفٌ بهذه الصفات الكاملة، ومن الأسلوب قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ) بالنساء: ٦٤]، فلم يقل: استغفرت لهم؛ تعظيماً لشأن الرسول ﷺ وتفخيماً لاستغفاره، وتنبيهاً على أن شفاعة من اسمه الرسول من الله بمكان. وأما قوله: "إن هذه الصفات إنما تسردت على لفظ الغيبة"، فمعناه: أنه ما انتقل من ضمير المتكلم إلى ضمير الغيبة كما عليه ظاهرُ الالتفات، وإنما انتقل منه إلى ما من حقه أن يكون على لفظ الغيبة، وهو المُظهر، كما في هذه الآية من لفظ الرسول، فهو في الحقيقة من وضع المُظهر موضع المضمر لتوخي بيان العلة؛ لأن حق العود بعد المضمر أن يُجاء بالمضمر. قوله: (فضوعفت الفخامة من طريقين)، يعني: إذا ابتدئ الكلامُ بنوع من التعظيم،

стр. 5087

والملائكة النازلين معه. وصف السموات بالعلى: دلالة على عظم قدرة من يخلق مثلها في علوها وبعد مرتقاها. (الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى (٥) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى) [طه: ٥ - ٦]. قرئ: (الرَّحْمنُ) مجروراً صفة لمن خلق والرفع أحسن، لأنه إما أن يكون رفعا على المدح على تقدير: هو الرحمن. وإما أن يكون مبتدأ مشارا بلامه إلى "من خلق". فإن قلت: الجملة التي هي: (عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى) ما محلُّها - إذا جررت "الرحمن" أو رفعته على المدح؟ قلت: إذا جررت فهي خبر مبتدأ محذوف لا غير وإن رفعت جاز أن تكون كذلك وأن تكون مع "الرحمن" خبرين للمبتدأ. لما كان الاستواء على العرش وهو سرير الملك مما يردف الملك، جعلوه كناية عن الملك فقالوا: استوى فلان على العرش يريدون ملك وإن لم يقعد على السرير البتة، وقالوه أيضا لشهرته في ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وهو إتيان الضمير الدال على أن المتكلم به معظمٌ مطاعٌ ذو سلطان، ثم ثنى بما يتمكن من إجراء الأوصاف الجليلة على الموصوف بنوع التعظيم وتكرر المعنى المقصود، ويفوت هذا لأن أجري الكلام على سنن واحد. قوله: (وإما أن يكون مبتدأ مشاراً بلامه إلى "من خلق")، يريدُ أن التعريف فيه كالتعريف في قوله: (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى) [آل عمران: ٣٦]، فإن المشار إليه ما يُعلم من مفهوم قوله: (نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً) [آل عمران: ٣٥]، من الذكورة، فإنه لما قيل: (مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ الْعُلا) فُهِم منه معنى الرحمن، وأنه مولى جلائل النعم، ولا نعمة أجل من إيجاد الأشياء من العدم، فأشير باللام إلى ذلك المعهود، كأنه قيل: ذلك الخالقُ (عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)، وفيه إثباتُ وصفين مستقلين، أي: الخالقية والمالكية. قوله: (قالوه أيضاً)، جزاءٌ لقوله: "وإن لم يقعد"، وقوله: "ملك" مفعولٌ لقوله:

стр. 5088

ذلك المعنى ومساواته "ملك" في مُؤدّاه، وإن كان أشرح وأبسط وأدل على صورة الأمر. ونحوه قولك: يد فلان مبسوطة، ويد فلان مغلولة، بمعنى أنه جواد أو بخيل، لا فرق بين العبارتين إلا فيما قلت، حتى أنّ من لم يبسط يده قط بالنوال أو لم تكن له يد رأسا قيل فيه يده مبسوطة لمساواته عندهم قولهم: هو جواد. ومنه قول الله : (وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ) [المائدة: ٦٤]. أى: هو بخيل، (بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ) [المائدة: ٦٤]، أى: هو جواد، من غير تصوّر يد ولا غل ولا بسط، والتفسير بالنعمة والتمحل للتثنية من ضيق العطن والمسافرة عن علم البيان مسيرة أعوام ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ "ومُساواته"، يعني: أنهم يكنون بقوله: استوى فلانٌ على العرش، عن: ملك، سواءٌ قعد على السرير أو لم يقعد؛ لأن اللازم مساوٍ في تأدية المعنى، كما يقال: يدُ فلانٍ مبسوطةٌ ويد فلان ٍمغلولةٌ بمعنى أنه جوادٌ أو بخيلٌ، حتى إن لم يكن له يدٌ رأساً قيل هذا الكلام في حقه. قوله: (وإن كان أشرح)، اسم "كان": ضميرٌ يرجعُ إلى قولهم: استوى فلانٌ على العرش، لا إلى: ملك، كما ظُن: فالمعنى: قالوا: استوى فلانٌ على العرش، يريد: ملك، سواءٌ قعد على السرير أو لم يقعد؛ لمساواة هذا اللفظ "ملك" في تأدية المقصود، وإن كان هذا اللفظ أبسط من "مَلكَ" وأبلغ منه، كما عُلم في البيان أن الكناية أوقع من الإفصاح بالذكر؛ لأنك مع الكناية كمُدعي الشيء بالبينة، ولأنه لا يقال: فلانٌ استوى على العرش إلا بعد تمكنه على الملك استقراره له، بخلاف ما إذا قيل: ملك، ولأن في تلك العبارة تصويراً لصورة العرش في الذهن، وتخييلاً لحالة الاستواء عليه، ويلزمه لمزيد المعنى الآخر لا عكسه، فيكونُ أبسط وأدل. قوله: (والتمحل للتثنية من ضيق العطن)، يريدُ أن قولهم: إن معنى اليد: النعمة، فمعنى (يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ) [المائدة: ٦٤]: نعمةُ الله مقبوضةٌ، ومعنى (يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ): نعمته في الدنيا ونعمته في الآخرة. نقله الواحدي عن بعضهم. قوله: (من ضيق العطن)، أي: من ضيق مجاله في المعاني والبيان، الأساس: ضرب القومُ

стр. 5089

(وَما تَحْتَ الثَّرى) ما تحت سبع الأرضين: عن محمد بن كعب وعن السدى: هو الصخرة التي تحت الأرض السابعة. [(وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى* اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى) [طه: ٧ - ٨]. أي: يعلمُ ما أسررته إلى غيرك وأخفى من ذلك، وهو ما أخطرته ببالك، أو ما ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بعطنٍ: إذا أناخوا حول الورد، وإذا أناخُوا حول الماء بعد السقي، والعطنُ والمعطنُ: المناخُ حول الورد، وأما في مكان آخر فمُراحٌ ومأوى. ومن المستعار: فلانٌ واسعُ العطن، إذا كان رحب الذراع، وقال الإمام في قوله: من غير تصوير يدٍ ولا غلٍّ ولا بسط، نظرٌ؛ لأنا لو فتحنا هذا الباب لانفتحت تأويلاتُ الباطنية، فإنهم يقولون أيضاً: المراد من قوله تعالى: (فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى) [طه: ١٢]: الاستغراق في خدمة الله من غير تصور فعل، وقوله تعالى: (بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ) [الأنبياء: ٦٩]: المرادُ منه تخليصُ إبراهيم من يد الظالم من غير أن يكون هنا نارٌ وخطابٌ البتة، وكذا القول في كل ما ورد في كتاب الله المجيد، بل القانون: أنه يجب حملُ كل لفظٍ ورد في التنزيل على حقيقته إلا إذا قامت دلالةٌ عقلةٌ قطعيةٌ توجبُ الانصراف عنه، وليت من لم يعرف شيئاُ لم يخض فيه. وأقولُ: سلمنا أن الأصل إجراءُ اللفظ على حقيقته إلا إذا منع مانعٌ، لكن طريق العدول غير منحصر في المجاز في المفرد جاز العدول من الإسناد إلى الإسناد، في مثل قولنا: أنبت الربيع البقل وهزم الأمير الجُندَ، ومن المركب إلى المركب ما نحن بصدده، فإنه عدولٌ إلى أخذ الزبدة الخلاصة من المجموع لمانع إجرائها على مفهومها الظاهري، ويُسمى هذا بالكناية الإيمائية. قوله: ((وَمَا تَحْتَ الثَّرَى) ما تحت سبع الأرضين)، والثرى هو: التُّرابُ الندي.

стр. 5090

أسررته في نفسك (وَأَخْفى) منه وهو ما ستسره فيها. وعن بعضهم: أن "أخفى" فعل يعنى أنه يعلم أسرار العباد وأخفى عنهم ما يعلمه، هو كقوله تعالى: (يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً) [طه: ١١٠]، وليس بذاك. فإن قلت كيف طابق الجزاء الشرط؟ قلت: معناه وإن تجهر بذكر الله من دعاء أو غيره فاعلم أنه غنى عن جهرك، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وعن بعضهم أن "أخْفَى" فعلٌ)، قال محيي السنة: رُوي عن زيد بن أسلم؛ أي: يعلمُ أسرار العباد، وأخفى سرهُ عن عباده، فلا يعلمه أحدٌ، تحريرهُ أنه يعلمُ أسرار العباد، العبادُ لا يعلمون أسراره، كقوله تعالى: (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً) [طه: ١١٠]. قوله: (وليس بذاك) أي: الشرط لا يلائمه، لأن الكلام ليس في إثبات العلم لله تعالى ونفيه عما سواه. قال صاحب "الانتصاف": يلزمُ منه عطفُ الجملة الفعلية على الاسمية إن عطفته على الجملة الكبرى، أو عطفُ الماضي على المضارع إن عطفت على الجملة الصغرى، هذا من اللفظ، ومن المعنى: القصد: الحض على ترك الجهر وسقوط فائدته، يعلم الله ما هو أخفى منه، وإذا جعلته فعلاً ماضياً خرج عن قصد السياق، وليس مثله قوله تعالى: (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً) [طه: ١١٠]، إذ بين السياقين اختلاف. قوله: (فاعلم أنه غنيٌّ عن جهرك)، فيه إيذانٌ بأن السُّؤال عن وجه ترتب الجزاء على الشرط، يعني: أن من شرط الجزاء أن يكون مسبباً عن الشرط، وهاهنا الشرطية مفقودة. وأجاب بوجهين مآلهما إلى تقدير الإعلام والتنبيه والتوبيخ، والجواب الأول مبنيٌّ على نفي الجهر وإثبات الغير، والثاني على الإرشاد إلى وجه حكمته، أما قوله أولا: "فاعلم أنه غني عن جهرك" فتوبيخٌ؛ يعني: جهرك بالقول سببٌ لأن أوقفك على قلة جدواه؛ لأن السامع

стр. 5091

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قريبٌ يسمعُ السر وأخفى، ومنه: تأديب رسول الله ﷺ أصحابه، روينا عن البخاري ومسلم، عن أبي موسى قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فجعل الناس يجهرون بالتكبير، فقال رسول الله ﷺ : "اربعوا على أنفسكم، إنكم ما تدعون أصم ولا غائبا، إنكم تدعون سميعاً بصيراً وهو معكم" الحديث. وأما قولُه ثانياً: "أن يكون نهياً عن الجهر" فمعناهُ: لا تجهروا بالقول في الدعاء، بل اعتمدوا الخُفية، فإنها أبعدُ من الرياء وأقربُ إلى الخضوع وأهضمُ للنفس، كما قال تعالى: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنْ الْقَوْلِ) [الأعراف: ٢٠٥]. وأما قوله ثالثاً: تعليماً للعباد، فتأويله: إني ما كلفتكم الجهر لأني لا أسمع إلا الجهر، فإني أسمع السر وأخفى، وإنما كلفتكم لأمر آخر فروموه من مظانه، كأنه قيل: شرعية الأمر بالجهر سببٌ للتنبيه على وجه الحكمة ودفع الريبة، قال القاضي: الغرض في شرعية الجهر يس لإعلام الله، بل لتصوير النفس بالذكر ورسوخه فيها، ومنعها عن الاشتغال بغيره وهضمها بالتضرع والجؤار. وقلتُ: وقد أسلفنا في خاتمة الأعراف مراتب الدعاء بحسب اختلاف المقامات على لسان العارفين. ومن الاعتبارين ما روينا عن أبي داود والترمذي، عن أبي قتادة: أن رسول الله ﷺ خرج ليلةً، فإذا هو بأبي بكر ﵁ يخفض من صوته، ومر بعمر ﵁ يُصلي يرفع صوته، فسأل أبا بكر فقال: قد أسمعت من ناجيت يا رسول الله، وسأل عمر ﵁ فقال: أوقظ الوسنان وأطرد الشيطان. وأخرج الإمام أحمد نحوه عن علي، وزاد الحسن في حديثه فقال: "يا أبا بكر ارفع من صوتك شيئاً"، وقال لعمر: "اخفض من صوتك شيئاً". ورواه أبو داود، عن أبي هريرة أيضاً.

стр. 5092

فإما أن يكون نهيا عن الجهر كقوله تعالى: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ) [الأعراف: ٢٠٥]، وإما تعليماً للعباد أنّ الجهر ليس لإسماع الله وإنما هو لغرض آخر، (الْحُسْنى) تأنيث الأحسن، وصفت بها الأسماء لأنّ حكمها حكم المؤنث كقولك: الجماعة الحسنى، ومثلها (مَآرِبُ أُخْرى) [طه: ١٨]، و (مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى) [طه: ٢٣]. والذي فضلت به أسماؤه في الحسن سائر الأسماء: دلالتها على معاني التقديس والتمجيد والتعظيم والربوبية، والأفعال التي هي النهاية في الحسن. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ واعلم أن هذه المعاني المذكورة مستنبطةٌ من الآية باستعانة إشارة النص. وأما عبارتُه فلإثبات علمه الشامل للكائنات من جزئياتها وكلياتها وما يتصل بها من باطن أحوالها وظاهرها؛ لأن قوله تعالى: (خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ الْعُلا) بيان لكمال الخالقية، وقوله: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) إيماءٌ على التدبر التام، وقوله: (لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ) [البقرة: ٢٥٥]، إشارةٌ إلى المالكية العامة، فيكون قوله: (وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ) [طه: ٧]، إثباتٌ للعالمية، فالمعنى: تنبه أيها السامعُ على أن علمه محيطٌ بكل شيء وإن أردت أن تجهر بالقول وتخفي في نفسك خلافه فاعلم أنه يعلمُ المضمر وأخفى منه مما ستسره فيها، وهو في المبالغة في جانب العلم مثل (وَمَا تَحْتَ الثَّرَى) في جانب المُلك فينطبق على هذا التأويل مجيء اسمه المقدس الجامع لأجل ترتب الحكم بالتوحيد عليه وإرداف قوله: (لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى)، به على التتميم. قوله: (سائر الأسماء)، الجوهري: سائر الناس: جميعهم، وذكره في السين مع الياء، وقال ابن الأثير في "النهاية": السائر مهموزٌ، ومعناه: الباقي، والناسُ يستعملونه في معنى الجميع، وليس بصحيح. وقد تكررت هذه اللفظة في الحديث، وكلها بمعنى باقي الشيء، ومنه: فضلُ عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" أي: باقيه، وفي "المُغرب": الأسارُ: جمعٌ على أفعالٍ، جمع سؤر، هو بقية الماء التي يبقيها الشارب في الإناء، ثم استعير

стр. 5093

(وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (٩) إِذْ رَأى ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً) [طه: ٩ - ١٠]. قفاهُ بقصة موسى ﵇ ليتأسى به في تحمل أعباء النبوّة وتكاليف الرسالة والصبر على مقاساة الشدائد، حتى ينال عند الله الفوز والمقام المحمود. يجوز أن ينتصب (إِذْ) ظرفا للحديث؛ لأنه حدث. أو لمضمر، أى: حين (رَأى ناراً) كان ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لبقية الطعام وغيره، وقال الحريري في "درة الغواص": يستعملون "سائر" بمعنى: جميع، وهو في كلام العرب بمعنى الباقي، والدليلُ عليه قول النبي ﷺ لغيلان حين أسلم وعنده عشرُ نسوة: "اختر أربعاً منهن وفارق سائرهن"، وما أنشد سيبويه: ترى الثور فيها مدخل الظل رأسه … وسائره بادٍ إلى الشمس أجمعُ قوله: (قفاه بقصة موسى ﵇ ليتأسى به)، الضمير راجعٌ إلى معنى قوله: (طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلاَّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى) [طه: ١ - ٣] على أن يكون المعنى: إنا أنزلنا عليك القرآن لتحمل متاعب التبليغ ومقاولة العُتاة من أعداء الإسلام ومقابلتهم وغير ذلك، كما أنزلنا على موسى التوراة كذلك، فتكون الواو عاطفةً قصة باستقلالها على قصة مثلها. قوله: (أعباء النبوة)، الجوهري: العبء، بالكسر: الحملُ، والجمع الأعباء. قوله: (ظرفاً للحديث)؛ لأنه حدثٌ، أي: مصدرٌ هنا بدليل قوله: (فَقَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا) [طه: ١٠] بخلاف قوله: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ) [الغاشية: ١] فإنهُ بمعنى الخبر، قال الجوهري: والحديثُ: الخبرُ، يأتي على القليل والكثير.

стр. 5094

كيت وكيت. أو مفعولا لـ (اذكُر) استأذن مُوسى شعيباً ﵉ في الخروج إلى أمه وخرج بأهله، فولد له في الطريق ابن في ليلة شاتية مظلمة مثلجة، وقد ضلّ الطريق وتفرّقت ماشيته ولا ماء عنده، وقدح فصلد زنده فرأى النار عند ذلك. قيل: كانت ليلة جمعة. (امْكُثُوا) أقيموا في مكانكم. الإيناس: الإبصار البين الذي لا شبهة فيه، ومنه إنسان العين لأنه يتبين به الشيء، والإنس: لظهورهم، كما قيل الجنّ لاستتارهم وقيل هو إبصار ما يؤنس به. لما وجد منه الإيناس فكان مقطوعا متيقنا، حققه لهم بكلمة «إنّ» ليوطن أنفسهم. ولما كان الإتيان بالقبس ووجود الهدى مترقبين متوقعين، بنى الأمر فيهما على الرجاء والطمع وقال: (لَعَلِّي) ولمْ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الراغب: كل كلام يبلغ الإنسان من جهة السمع أو الوحي في يقظته أو منامه، يقال له حديثٌ، قال تعالى: (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً) [التحريم: ٣] وقال: (وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَاوِيلِ الأَحَادِيثِ) [يوسف: ١٠١]، أي: ما يحدث به الإنسان في نومه، وسمى تعالى كتابه حديثاً، قال: (فَلْيَاتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ) [الطور: ٣٤]، وقال: (فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً) [النساء: ٧٨]، والحديث: الطري من الثمار، ورجلٌ حدوثٌ: حسنُ الحديث: ورجلٌ حدثٌ وحديثُ السن: بمعنى. قوله: (شاتية)، قيل: هي من قولهم: شتوت بموضع كذا؛ أقمت به الشتاء. قوله: (مثلجة)، أي: ذاتُ ثلج. قوله: (وقدح فصلد زنده)، الجوهري: وصلد الزند يصلدُ - بالكسر- صُلوداً: ذا صوت ولم يُخرج ناراً. قوله: (لما وجد منه الإيناس)، يُروى "وجد" معروفاً ومجهولاً، والأولُ أوجه لمطابقة "خيفةً" لهم، أي: لما وجد موسى من نفسه الإيناس حققهُ للأهل بأن قال: (إِنِّي آنَسْتُ) بكلمة التحقيق.

стр. 5095

يقطع فيقول: إنى (آتِيكُمْ)؛ لئلا يعد ما ليس بمستيقن الوفاء به. القبس: النار المقتبسة في رأس عود أو فتيلة أو غيرهما. ومنه قيل: المقبسة، لما يقتبس فيه من سعفة أو نحوها (هُدىً) أى: قوما يهدوننى الطريق أو ينفعوننى بهداهم في أبواب الدين، عن مجاهد وقتادة، وذلك لأنّ أفكار الأبرار مغمورة بالهمة الدينية في جميع أحوالهم لا يشغلهم عنها شاغل. والمعنى: ذوى هدى. أو إذا وجد الهداة فقد وجد الهدى. ومعنى الاستعلاء في (عَلَى النَّارِ) أنّ أهل النار يستعلون المكان القريب منها، كما قال سيبويه في (مررت بزيد): أنه لصوق يقرب من زيد. أو لأنّ المصطلين بها ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (من سعفةٍ)، السعفة: الخرقة بلغة أهل مكة، والسعافُ: الخزاف. قوله: (إذا وجد الهداة فقد وجد الهدى)، يريد أن أطلق "الهدى" وأريد "الهدى" إطلاقاً للازم على الملزوم، ويمكن أن تكون الآية من باب قول ابن المناذر: إن عبد الحميد لما تولى … هد رُكنا ما كان بالمهدود ما درى نعشه ولا حاملوه … ما على النعش من عفافٍ وجود لأنه إذا وجد الهدى في ذلك المكان ولا ارتياب في أنه لا يتقوم فيه بنفسه، فقد وجد الهداة، وعليه البيت المستشهد به في "الكتاب". قوله: (كما قال سيبويه)، يعني: جعل استعلاء مكانٍ يقربُ منها بمثابة استعلائها، كما جعل اللصوق بما كان يقربُ من زيدٍ بمثابة اللصوق بمكان زيد. قوله: (أو لأن المصطلين بها)، اعلم أن (عَلَى النَّارِ): ظرفٌ مستقرٌ حالٌ من (هُدًى)، و"كان": صفة قُدمت، صارت حالاً. قال صاحب "الفرائد": (عَلَى): حرفُ جر لا بد له من متعلق، فالتقدير: أو أجدُ ذوي هدى مشرفين على النار؛ لأنه لابد في الاصطلاء بالنار من أن تكون النار تحت أذيالهم.

стр. 5096

والمستمتعين بها إذا تكنفوها قياما وقعودا كانوا مشرفين عليها. ومنه قول الأعشى: وبات على النّار النّدى والمحلّق ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (تكنفوها)، الجوهري: تكنفوه واكتنفوه، أي: أحاطوا به، والتكنيف مثله. قوله: (وبات على النار) البيت، أوله لعمري لقد لات عيونٌ كثيرةٌ … إلى ضوء نار في يفاع تحرق تشب لمقرورين يصطليانها … وبات على النار الندى والمحلق ريعي لبانٍ ثدي أم تقاسما … بأسحم داجٍ عوضُ لا نتفرقُ قال الحريري في "درة الغواص" بعد إنشاد البيتين الأخيرين: يعني أن المحلق الممدوح والندى ارتضعا ثدي أم وتحالفا على أنهما لا يفترقان أبداً؛ لأن عوض: من أسماء الدهر، هي مما بُني على الضم والفتح، وهو للمستقبل، كما أن قط للماضي، وعني بالأسحم الداجي: ظُلمة الرحم المشار إليها في قوله تعالى: (يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ) [الزمر: ٦]، وقيل: بل عُني به الليلُ. ومعنى "تقاسما" على التقديرين: تحالفا. وقيل: تقاسما: اقتسما، وأن المراد بالأسحم الداجي: الدمُ. و"اليفاعُ": المكان المرتفع، وهو أشهر النار للقاصدين. "تُشبُّ": توقد، و"المقرور": من أصابه القُر، أي: البردُ، و"المحلقُ" بكسر اللام وفتحها: اسم رجلٍ من بني عُكاظ، كان خاملاً فقيراً له عدةُ بناتٍ لا يرغبُ فيهن فانعزل عن قومه إلى بعض المهامه، فنزل به الأعشى ذات ليلةٍ، فأحسن قراه، ونحر ناقته ولم يكن عنده غيرها، فوقع صنعه من الأعشى موقعاً جليلاً، فلما أراد الانصراف قال: ألك حاجةٌ؟ قال: أريد أن تسير بذكري في بني عُكاظ؛ لعلي أشتهر ويرغب في بناتي، فقد مسهن الضر، فتوجه الأعشى على قومه ومدحه بقصيدة ذكر فيها محاسن شيمته ومكارم أخلاقه واستمال به قلوبهم إلى مواصلته، فمل يمض قليلٌ حتى خُطب إليه جميعُ بناته.

стр. 5097

(فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٢) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي) [طه: ١١ - ١٤]. قرأ أبو عمرو وابن كثير (أِنِّي) بالفتح، أى: نودي بأنى (أَنَا رَبُّكَ) وكسر الباقون، أى: نودي فقيل يا موسى. أو لأنّ النداء ضرب من القول فعومل معاملته. تكرير الضمير في (إِنِّي أَنَا رَبُّكَ) لتوكيد الدلالة وتحقيق المعرفة وإماطة الشبهة. روى أنه لما نودي (يا مُوسى) قال: من المتكلم؟ فقال له الله : (إِنِّي أَنَا رَبُّكَ)، وأن إبليس وسوس إليه فقال: لعلك تسمع كلام شيطان. فقال: أنا عرفت أنه كلام الله بأنى أسمعه من جميع جهاتى الست، وأسمعه بجميع أعضائي. وروي: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أي: نُودي فقيل: يا موسى)، قال صاحب "الكشف": فعلى هذا الذي قام مقام الفاعل في الحقيقة في (نُودِي) هو: المصدر، دون قوله: (يَا مُوسَى)؛ لأنه جملةٌ، والجملة لا تقوم مقام الفاعل، ألا ترى أنه قال في قوله: (ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوْا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّه) [يوسف: ٣٥]، أن التقدير: ثم بدا لهم بداءٌ، ولا يقوم (لَيَسْجُنُنَّه) مقام الفاعل؛ لأنه جملةٌ والجملُ نكرات، والفاعلُ يضمرُ، والمضمر أعرف المعارف، فإذن التقدير: نودي النداء، ثم فسر فقيل: (يَا مُوسَى). قوله: (بأني أسمعه من جميع جهاتي الست وأسمعه بجميع أعضائي)، قال صاحب "الانتصاف": إن كان الزمخشري قصد بهذا التعصب لمذهبه في حدوث الكلام لا يبعد منه، وإن كن نقلهن كما وجده في كتب التفسير، فلا عليه، والمعتقد الحق أن الذي سمعه موسى ليس حرفاً ولا صوتاً، إذ لو كان صوتاً عرضٌ، والعرضُ الواحدُ لا يوجد في الجهات الست، فعبر بنفي لازم كونه صوتاً عن ني الصوت، كقوله صلوات الله عليه: "وكلتا يديه يمينٌ"، أي: لو كانتا جارحتين لكانت أحداهما يُسرى.

стр. 5098

أنه حين انتهى رأى شجرة خضراء من أسفلها إلى أعلاها كأنها نار بيضاء تتقد، وسمع تسبيح الملائكة، ورأى نورا عظيما فخاف وبهت، فألقيت عليه السكينة ثم نودي، وكانت الشجرة عوسجة. وروى: كلما دنا أو بعد لم يختلف ما كان يسمع من الصوت. وعن ابن إسحاق: لما دنا استأخرت عنه، فلما رأى ذلك رجع وأوجس في نفسه خيفة، فلما أراد الرجعة دنت منه، ثم كلم. قيل: أمر بخلع النعلين لأنهما كانتا من جلد حمار ميت غير مدبوغ عن السدى وقتادة. وقيل: ليباشر الوادي بقدميه مُتبركاً ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أما أن الصوت لا يختلف بقُربٍ وبعدٍ فمما يجبُ تغليطُ رواته. والذي يثبت صوتاً وجسماً يقول: إن موسى قال: سبحانك أسمعُ صوتك ولا أرى شخصك. وقلتُ: روى الواحدي ومحيي السنة عن وهب: نودي من الشجرة فقيل: يا موسى، فأجاب سريعاً - ما يدري من دعاه - فقال: إني أسمعُ صوتك ولا أرى مكانك، فأين أنت؟ فقال: أنا فوقك ومعك وأمامك وخلفك وأقربُ إليك من نفسكن فعلم أن ذلك لا ينبغي إلا لله فأيقن به، هذا كله لايدل على لزوم الجسمية، وكذلك القرب والبعدُ. وقال القاضي: وهذا إشارةٌ إلى أنه ﵇ تلقى من ربه كلامه تلقياً روحانياً ثم تمثل ذلك الكلام لبدنه وانتقل إلى الحس المشترك فانتقل إليه من غير اختصاص بعضو وجهة. قوله: (فألقيت عليه السكينة)، السكينة: فعيلةٌ من السكون، وهي الطمأنينة. قوله: (عوسجة)، الجوهري: العوسج: ضربٌ من الشوك، الواحد منها عوسجةٌ. قوله: (لأنهما كانتا من جلد حمار)، عن الترمذي، عن ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 5099

به. وقيل: لأن الحفوة تواضع لله، ومن ثم طاف السلف بالكعبة حافين، ومنهم من استعظم دخول المسجد بنعليه، وكان إذا ندر منه الدخول منتعلا تصدق، والقرآن يدل على أن ذلك احترام للبقعة وتعظيم لها وتشريف لقدسها. وروى أنه خلع نعليه وألقاهما من وراء الوادي، (طُوىً) بالضم والكسر منصرف وغير منصرف ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال: "كان على موسى يوم كلمه ربه سراويل صوفٍ وكُمةُ صوف ونعلان من جلد حمارٍ ميت". الراغب: الخلعُ: خلعُ الإنسان ثوبه، والفرس جُله وعذاره، وإذا قيل: خلع فلانٌ على فلان، معناه: أعطاه ثوباً، واستفيد معنى العطاء من هذه اللفظة بأن وصل به على فلان لابمجرد الخلع. النعل معروفة، وشبه به نعل الفرس ونعل السيف، وفرس منعل: في أسفل رسغه بياض، ورجلٌ ناعلٌ ومنتعل، ويعبرُ به عن الغنى كما يعبر عن الفقير بالحافي. قوله: (الحفوة: تواضع)، الجوهري عن الكسائي: رجلٌ حافٍ بين الحفوة والحفاء بالمد، وقد حفي يحفى. وهو الذي يمشي بلا خُف ولا نعل. وأما الذي حفي من كثرة المشي أي: رقت قدمه أو حافره - فإنه حفٍ. قوله: ((طُوًى) بالضم والكسر، مُنصرفٌ وغير منصرف)، في "معالم التنزيل": قرأ أهلُ الكوفة الشام بالتنوين والآخرون بلا تنوين؛ لأنه معدولٌ عن طاوٍ.

стр. 5100

بتأويل المكان والبقعة. وقيل: مرتين، نحو ثنى، أى: نودي نداءين أو قدس الوادي كرة بعد كرة (وَأَنَا اخْتَرْتُكَ) اصطفيتك للنبوة. وقرأ حمزة: (وأنا اخترناك)، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الراغب: طويت طياً، وذلك كطي الدرج، وعليه قوله تعالى: (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ) [الأنبياء: ١٠٤]، ومنه طويتُ الفلاة، ويعبرُ بالطي عن مُضي العمر، يقال: طوى الله عمره. وقوله تعالى: (وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ) بالزمر: ٦٧]: يجوزُ أن يكون من الأول وأن يكون من الثاني، والمعنى: مُهلكاتٌ. وقوله تعالى: (إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى) [طه: ١٢]، قيل: هو اسمٌ للوادي الذي حصل فيه، وقيل: إن ذلك جُعل إشارة إلى حالةٍ حصلت له على طريق الاجتباء، فكأنه طوى عليه مسافةً لو احتاج إليها أن ينالها بالاجتهاد لبعد عليه. وقيل: هو اسم أرض، فمنهم من يصرفه ومنهم من لا يصرفه. وقيل: مصدرُ طويتُ فيصرف ويفتح أوله ويكسر، نحو: ثني وثني، ومعناه: ناديته مرتين. قوله: (وقيل: مرتين، نحو: ثنى)، الجوهري: قال بعضهم: مثل طوى، وهو الشيء المثني، وقال: "ثُنيت فيه البركة والتقديس مرتين". قله: (كرة بعد كرة)، نحو: لبيك وسعديك. قوله: (وقرأ حمزةُ: "وأنا اخترناك")، يعني: "أنا" بتشديد النون، والباقون: بتخفيف النون. الراغب: الاختيارُ: طلبُ ما هو خيرٌ وفعله، وقد يقال لما يراه الإنسان خيراً، وإن لم يكن خيرا، وقوله تعالى: (وَلَقَدْ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) بالدخان: ٣٢]، يجوز أن يكون إشارة إلى إيجاده تعالى إياهم خيراً، وأن يكون إشارة إلى تقديمهم على غيرهم، المختار في عرف المتكلمين يقال لكل فعل يفعله الإنسانُ لا على سبيل الإكراه، فقولهم:

стр. 5101

(لِما يُوحى): للذي يوحى، أو للوحى. تُعلَّقُ اللام بـ (استمع)، أو بـ (اخترتك) (لِذِكْرِي): لتذكرني فإن ذكرى أن أعبد ويصلى لي. أو لتذكرني فيها لاشتمال الصلاة على الأذكار عن مجاهد. أو: لأنى ذكرتها في الكتب وأمرت بها. أو لأن أذكرك بالمدح والثناء وأجعل لك لسان صدق. أو لذكرى خاصة لا تشوبه بذكر غيرى أو لإخلاص ذكرى وطلب وجهى لا ترائى بها ولا تقصد بها غرضا آخر. أو لتكون لي ذاكرا غير ناس فعل المخلصين ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ هو مختارٌ في كذا، فليس يريدون به ما يراد بقولهم: فلانٌ له اختيار، فإن الاختيار أخذُ ما يراه خيراً. قله: (لتذكرني فيها لاشتمال الصلاة على الأذكار)، هذا هو الوجه. وقوله: (أو لتكون لي ذاكراً غير ناسٍ فعل المخلصين)، إلى آخره، متقاربان، لكن المراد بالإقامة على الأول: تعديل أركانها، وعلى الثاني: إدامتها، وجُعلت الصلاة في الأول مكاناً لذكر ومقره وعلته، وعلى الثاني: جُعلت إقامة الصلاة، أي: إدامتها، علة لإدامة الذكر، أي: أدم الصلاة لتستعين بها على استغراق فكرك وهمتك في الذكر، كقوله تعالى: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ) [البقرة: ٤٥] ولخصهما القاضي حيث قال: خص الصلاة بالذكر وأفردها بالأمر للعلة التي أناط بها إقامتها، وهو تذكر المعبود وشُغلُ القلب واللسان بذكره يعني: ولتنويه الذكر أفردت الصلاةُ عن جنس العبادات وجُعلت جنساً أشرف وأعلى منها، ثم نيط بها الذكر للعلية ليؤذن بأن الذكر مُخ العبادة تم كلامه. واعلم أنه تعالى كلما خاطب كليمه ﵇ في مقام القدس بخطاب رتب عليه بالفاء حُكماً، قال أولاً: (إِنِّي أَنَا رَبُّكَ) فعقبه بقوله: (فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ)، قال الإمام: نبه به على تعظيم البُقعة وعلى أن لا يطأها إلا حافياً، ولذلك علله بقوله: (إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ

стр. 5102

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ طُوًى) وإكرام الديار لساكنيها، كأنه أُشير به، إنك بوادي فقد سجلال الله وطهارة عزته، فتجرد عما سوى الله. ويمكن أن يُقال: خلع النعلين إشارة إلى تجريد ما وقع النظر عن السعي بالكلية؛ لأن بالقدم يعبر عن السعي، كما أن باليد يعبر عن القوة، ويوافقه ما رواه السلمي في "الحقائق" عن الشبلي: اخلع الكل منك تصل إلينا بالكلية، فيكون ولا يكون، فتحقق في عين الجمع ليكون إخبارك عنا وفعلك فعلنا، وقال ابن عطاء: اخلع نعليك: انزع عنك قوة الاتصال والانفصال إنك بوادي الانفراد معي، ليس معك أحدٌ سواي. الله أعلم. وثانياً: (وَأَنَا اخْتَرْتُكَ) فعقبه بقوله: (فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى)، قال الإمام: (وَأَنَا اخْتَرْتُكَ) لذلك المنصب العالي ابتداء لا أنه استحقاقٌ منك على الله فتأهب له واجعل نفسك وعقلك مصروفاً إليه، فقوله: (وَأَنَا اخْتَرْتُكَ) يفيد نهاية اللطف والرحمة، وقوله: (فَاسْتَمِعْ) غاية الهيبة والرهبة. وثالثا: (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي)، قال الإمام: الفاء دلت على أن إلهيته هي التي ألزمت العبادة، هذا هو تحقيق قول العلماء (لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ) معناهُ: المستحقُ للعبادة ورابعاً: (إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى * فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا) رتب نهي المخاطب عما يصده عن الآيات على مجيء الساعة، كما رتب نهي مد النظر على إيتاء السبع المثاني في قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنْ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ * لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ) بالحجر: ٨٧ - ٨٨]، أي: لا يصدنك النظر إلى متمتعاتهم التي هي زهرةث الحياة الدنيا عن التهيئة لزاد المعاد، (إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ

стр. 5103

في جعلهم ذكر ربهم على بال منهم وتوكيل هممهم وأفكارهم به، قال: (رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ) [النور: ٣٧]، أو لأوقات ذكرى وهي مواقيت الصلاة، كقوله تعالى: (فَإِذاَ قَضَيْتُمُ الصَلَاةَ فَاذكُرُوا اللهَ قِيَاماً وقُعُوداً) [النساء: ١٠٣]، واللامُ مثلُها في قولك: جئتك لوقت كذا، وكان ذلك لست ليال خلون. وقوله تعالى: (يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي) [الفجر: ٢٤]، وقَدْ حُملَ على ذكر الصلاةِ بعد نسيانها من قوله ﵇ «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها» ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى) [طه: ١٥]. وقال الإمام: قوله: (فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ) تخليةٌ. والثلاثة الأخرى تحلية، فقوله: (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا) إشارةٌ إلى علم المبدأ، وقوله: (فَاعْبُدْنِي وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي) علمُ الوسط، وهو مشتملٌ على العمل بالجارح وبالقلب، (فَاعْبُدْنِي): إشارةٌ إلى الأول، (وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي): إلى الثاني، وقوله: (إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ) علمُ المعاد. وقلتُ: إذا تقرر هذا المعنى انخرط فيه معنى قول سيد المرسلين: "من نسي صلاة فليقضها إذا ذكرها"، روينا عن مالك ومسلم والترمذي وأبي داود، وغيرهم، عن أبي هريرة، في حديث طويل: فلما قضى رسول الله صلى الله عليه سلم-أي: صلاة الصبح حين نام عنها- قال: "من نسي صلاةً فليقضها إذا ذكرها"، فإن الله تعالى قال: (وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي) لأن الحكمة في وضع إقامة الصلاة كما سبق تذكر المعبود فيها، وأنها مكانهُ ومحله، فإذا ذكرت الصلاة بادرت الحكمة في شرعيتها في الذهن، فتكون الحكمة حاملة للمكلف على إقامتها، فصح أن يكون وجود ذكر الله سبباً لإقامة الصلاة، فالعدول عن هذا التأويل إلى الوجوه التي ذكرها المصنف في تأويل الحديث، وجعلُها متمحلة تعسفٌ وتمحل. قوله: (وكان ذلك لست ليالٍ خلون)، قال الحريري في "دُرة الغواص": والاختيارُ أن يقال من أول الشهر إلى منتصفه: خلت وخلون، وإن يُستعمل في النصف الثاني بقيت

стр. 5104

وكان حق العبارة أن يقال: لذكرها، كما قال رسول الله ﷺ «إذا ذكرها» ومن يتمحل له يقول: إذا ذكر الصلاة فقد ذكر الله. أو بتقدير حذف المضاف، أى: لذكر صلاتي. أو لأن الذكر والنسيان من الله في الحقيقة. وقرأ رسول الله ﷺ : (للذكرى). (إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى) [طه: ١٥]. أى: أكاد أخفيها فلا أقول هي آتية؛ لفرط إرادتى إخفاءها؛ ولولا ما في الإخبار بإتيانها مع تعمية وقتها من اللطف لما أخبرت به. وقيل: معناه أكاد أخفيها من نفسي، ولا دليل في الكلام على هذا المحذوف، ومحذوف لا دليل عليه مُطرح. والذي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وبقين، على أن العرب تختار أن تجعل النون للقليل والتاء للكثير، فيقولون: لأربع خلون، وإحدى عشرة خلت. قوله: (وكان حق العبارة أن يقال: لذكرها، كما قال رسول الله ﷺ : "إذا ذكرها")، يعني: حمل (لِذِكْرِي) على ذكر الصلاة بعد نسيانها غير صحيح؛ لأنه لو أريد ذلك لقيل: أقم الصلاة لذكرها، ولا يُجاء بضمير الله ، كما أن رسول الله ﷺ حين أراد هذا المعنى أتى بضمير الصلاة دون ضمير الله في قوله: "إذا ذكرها". قوله: (ومن يتمحل له)، تمحل، أي: احتال، فهو متمحلٌ. قاله الجوهري. قوله: (أو لان الذكر والنسيان من الله تعالى في الحقيقة)، يعني: لما كان الذكر والنسيان من الله تعالى حقيقةً أسند إليه في الآية كما أسند في قوله: أنبت الله البقل، والمستعمل: انبت الربيع البقل. قوله: (من اللطف)، لأن في الإعلام بتعيين وقوعها قطعاً، وفي إخفاء الوقت مع الانتظار ساعةً فساعةً تحذيراً. قوله: (ولا دليل في الكلام على هذا المحذوف)، يريد أنه لابد لهذا الكلام من وجود

стр. 5105

غرهم منه أن في مصحف أبى: أكاد أخفيها من نفسي. وفي بعض المصاحف: أكاد أُخفيها من نفسي فكيف أظهركم عليها وعن أبى الدرداء وسعيد بن جبير: (أخفيها) بالفتح، من خفاه إذا أظهره، أى: قرب إظهارها كقوله تعالى: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ) [القمر: ١]، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قرينة على تعيين المحذوف، والذي دل عليه الكلام الإتيان، فيجبُ أن يُقدر: أكادُ أخفي إتيانها، على حذف المضاف، وقيل: والذي يدل على ذلك المقدر إيجاب أخفيها من متعلقٍ، وهو على من أخفيها، فلا يجوز أن يُقال: (أَكَادُ أُخْفِيهَا) من الخلق؛ لأنه تعالى أخفاها عنهم ونص عليه بقوله: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ) [لقمان: ٣٤]، وبقوله: (إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي) [الأعراف: ١٨٧]، وغير ذلك، فتعين أنه تعالى كاد يخفيها من نفسه على سبيل المبالغة، قال محيي السنة: وأكثر المفسرين على أن معناها: أكاد أخفيها من نفسي، وكذلك هو في مصحف أبي بن كعب، عبدالله بن مسعود: أكاد أخفيها من نفسي فكيف أظهرها لكم؟ وهو على عادتهم إذا بالغوا في كتمان الشيء يقولون: كتمت سرك من نفسي، أي: أخفيته غاية الإخفاء. روى صاحب "الانتصاف"، عن أبي علي: (أُخْفِيهَا): أزيل خفاءها وأُظهرها، تقول: أخفيته: أزلت خفاءه، مثل: أشكيته وأعتبته، ويؤيده القراءة بالفتح من: خفاه: إذا أظهره. قوله: ("أخفيها" بالفتح)، قال ابن جني: أخفيت الشيء: كتمته وأظهرته جميعاً، وخفيته بلا ألف: أظهرته البتة، وقال أبو علي وابن جني: إذا كان "أخفيها" بالفتح و"أخفيها" بالضم بمعنى: أظهرها، فاللام في قوله: (لِتُجْزَى) متعلقةٌ بنفس (أُخفيها)، ولا يحسن الوقف دونها، وإذا كان بمعنى الإخفاء والستر فمتعلقةٌ بنفس "آتيةٍ" فالوجهُ أن يقف بعد أخفيها وقفةً قصيرةً.

стр. 5106

وقد جاء في بعض اللغات: أخفاه بمعنى خفاه. وبه فسر بيت امرئ القيس: فإن تدفنوا الدّاء لا نخفه … وإن تبعثوا الحرب لا نقعد فـ (أكاد أخفيها) مُحتمل للمعنيين (لِتُجْزى) متعلق بـ (آتيةٌ) (بِما تَسْعى): بسعيها. (فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى) [طه: ١٦]. أى: لا يصدنك عن تصديقها والضمير للقيامة. ويجوز أن يكون للصلاة. فإن ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فإن تدفنوا الداء) البيت، الأساس: ومن المجاز: فيه داءٌ دفين، وهو الذي لا يعلم به حتى يظهر شره، يقول: إن ترجعوا إلى الصلح لا تظهر العداوة، وإن تبعثوا الحرب، أي: تعودوا إلى الحرب، نعد إليها. قوله: (فـ (أَكَادُ أُخْفِيهَا) محتمل للمعنيين)، أي: القراءةُ المشهورة تحتمل: "أخفيها"، أي: أكتمها، و"أخفيها"، أي: أُظهرها على ما سبق. قوله: ((لِتُجْزَى) متعلقٌ بـ (آتِيَةٌ))، فيكون قوله: (أَكَادُ أُخْفِيهَا) معترضاً بين المتعلِق والمتعلَّق مؤكداً لمعنى الإخفاء؛ لأن قوله: (إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى)، دل على الإخبار بإتيانها مع تعمية وقتها وبيان الحكمة فيها. قوله: (والضمير للقيامة، ويجوز أن يكون للصلاة)، هذا هو الوجه، وعليه تأليفُ النظم؛ لأن قوله: (وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي) من عطف الخاص على العام، وهو (فَاعْبُدْنِي) أي: أعبدني وانتظر وقت الجزاء ولا تقصر في العبادة فيلحقك فيها فتورٌ؛ لأنك لا تدري متى تأتيك الساعة، لقوله تعالى: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَاتِيَكَ الْيَقِينُ) [الحجر: ٩٩]، وإن اعتراك صاد يصدك عن العبادة فلا تلتفت إليه، فعلى هذا المراد بقوله: (وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي): أدم الصلاة لتكون ذاكراً غير ناسٍ فعلَ المخلصين في جعلهم ذكر ربهم على

стр. 5107

قُلت: العبارة لنهي من لا يؤمن عن صدّ موسى، والمقصود نهى موسى عن التكذيب بالبعث أو أمره بالتصديق فكيف صلحت هذه العبارة لأداء هذا المقصود؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما: أن صد الكافر عن التصديق بها سبب للتكذيب. فذكر السببُ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بالٍ منهم وتوكيل همهم وأفكارهم به، كما قال: (لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ) [النور: ٣٧]، يدل عليه سياق الكلام، وينطبق عليه تأويل نبي الله صلوات الله عليه: "من نسي صلاة فليقضها إذا ذكرها"، يعني: دوموا على إقام الصلاة، فإذا طرأ النسيانُ الذي هو خلافُ العادة فارجعوا إلى ما كنتم عليه؛ لأن الشرط: تعليقٌ للحادث الطارئ. قوله: (العبارة)، يعني: قوله: (فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا)، وهو لنهي الكافر الغائب، والمقصود نهي موسى ﵇ عن التكذيب بالبعث، تهييجاً أو أمرةً بالمداومة على التصديق له. قوله: (فيه وجهان)، أي: في صلاح هذه العبارة لأداء هذا المقصود طريقان، أحدهما: أن الكافرين إذا صدوه ﵇ عن تصديقه البعث، وأثر فيه ذلك، كان سبباً بأن يُكذب بالبعث، فنهاهم عن الصد الذي هوا لسبب، وأريد المسبب وهو نهي موسى عن التكذيب تهييجاً وإلهاباً. وثانيهما: أن الكافر إنما يُنهي عن الصد إذا وجد في موسى ما يتأثر عن صد الكافر من الرخاوة واللين. فيكون تأثره سبباً للنهي، فذكر المسبب وهو النهي، ليدل على المسبب وهو الرخاوة واللين، فيرجع المعنى إلى قوله: كن شديد الشكيمة صليب المعجم، وفي اعتبار العكس إيذانا بأن الملازمة بين المذكور والمطلوب مساوية، وهذا شأن الكناية، ويجوز أن يكون الأول مجازاً والثاني كناية. قال صاحب "المفتاح": الانتقال من اللازم إلى ملزوم مُعين يعتمدُ مساواته إياها، لكنهما عند التساوي يكونان متلازمين، فيصير الانتقال من اللازم إلى الملزوم إذ ذاك بمنزلة الانتقال من الملزوم إلى اللازم، وفي قوله: "عن رخاوة الرجل" أدبٌ حسنٌ، حيث كنى به عن نبي الله.

стр. 5108

ليدل على المسبب. والثاني أن صد الكافر مسبب عن رخاوة الرجل في الدين ولين شكيمته، فذكر المسبب ليدل على السبب، كقولهم: لا أرينك هاهنا، المراد نهيه عن مشاهدته والكون بحضرته، وذلك سبب رؤيته إياه. فكان ذكر المسبب دليلا على السبب، كأنه قيل: فكن شديد الشكيمة صليب المعجم، حتى لا يتلوح منك لمن يكفر بالبعث أنه يطمع في صدك عما أنت عليه، يعنى: أن من لا يؤمن بالآخرة هم الجم الغفير إذ لا شيء أطم على الكفرة ولا هم أشد له نكيرا من البعث، فلا يهولنك وفور دهمائهم ولا عظم سوادهم، ولا تجعل الكثرة مزلة قدمك، واعلم أنهم وإنْ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (الشكيمة)، الأساس: إن فلاناً لشديد الشكيمة: إذا كان ذا جد وصرامة. قوله: (صليب المعجم)، الجوهري: عجمت العود أعجمه بالضم: إذا عضضته لتعلم صلابته من خوره، والعواجم: الأسنان، ورجلٌ صليبُ المعجم: إذا كان عزيز النفس. قوله: (يعني: أن من لا يؤمن بالآخرة)، شروعٌ في بيان كون موسى ﵇ على الوصف الذي يُراد نهيه عنه، فجعل نهي الكافر وسيلةً إلى ذلك النهي، وهو كونه في رخاوة وعدم تصلب في الدين، بحيث يهوله وفور دهماء الكفرة، ولذلك لخص المعنى بقوله: "ولا تجعل الكثرة مزلة قدمك" إلى آخره، وقلتُ- والله أعلم: ويمكن أن يحمل (مَنْ لا يُؤْمِنُ) على المُعرض عن عبادة الله المتهالك في الدنيا المنغمس في لذاتها وشهواتها، بدليل قوله: (وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى)، ويُحمل نهي الصد عن نهي النظر إلى متمتعاتهم من زهرة الحياة الدنيا ليكون على وزان قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنْ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ * لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ) [الحجر: ٨٧ - ٨٨]، كما سبق، وتُحمل متابعةُ الهوى على الميل إلى الإخلاد إلى الأرض، كقوله تعالى: (وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ) [الأعراف: ١٧٦] يعني: تفرغ لعبادتي ولا تلتفت إلى ما هم فيه، فإنها مُرديةٌ مؤديةٌ إلى المهالك، فإن ما أوليناك واخترناه لك هو المقصد الأسني، فإن شئت فانظر إلى أحقر ما معك، وهو العصا، فإنها تبطل ما معهم، وفي هذا حث عظيم على الاشتغال بالعبادة وزجرٌ بليغٌ عن الركون إلى الدنيا ونعيمها.

стр. 5109

كثروا تلك الكثرة فقدوتهم فيما هم فيه هو الهوى واتباعه، لا البرهان وتدبره. وفي هذا حث عظيم على العمل بالدليل، وزجر بليغ عن التقليد، وإنذار بأن الهلاك والردى مع التقليد وأهله. (وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى (١٧) قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى) [طه: ١٧ - ١٨]. (وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى) كقوله تعالى: (وَهذا بَعْلِي شَيْخاً) [هود: ٧٢]، في انتصاب الحال بمعنى الإشارة: ويجوز أن تكون (تِلْكَ) اسماً موصولاً صلته (بِيَمِينِكَ) إنما سأله ليريه عظم ما يخترعه عز وعلا في الخشبة اليابسة من قلبها حية نضناضة وليقرر في نفسه المباينة البعيدة بين المقلوب عنه والمقلوب إليه، وينبهه على قدرته الباهرة. ونظيره أن يريك الزرّاد زبرة من حديد ويقول لك: ما هي؟ فتقول: زبرة حديد، ثم يريك بعد أيام لبوسا مسردا فيقول لك: هي تلك الزبرة صيرتها إلى ما ترى من عجيب الصنعة وأنيق السرد. قرأ ابن أبى إسحاق: (عصىّ)، على لغة هذيل. ومثله: (يا بُشْرى) [يوسف: ١٩] أرادوا كسر ما قبل ياء المتكلم فلم يقدروا عليه، فقلبوا الألف إلى أخت الكسرة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كقوله: (وَهَذَا بَعْلِي شَيْخاً) [هود: ٧٢] في انتصاب الحال)، قال أبو البقاء: "ما": مبتدأ، و (تِلْكَ): خبره، و (بِيَمِينِكَ): حالٌ يعمل فيها معنى الإشارة. قوله: (نضناضة)، الأساس: حيةٌ نضناضةٌ تنضنض لسانها: تُحركها، قال: تبيت الحية النضناض منه … مكان الحب يستمع السرارا قوله: (زبرة)، الجوهري الزبرة: القطعة من الحديد.

стр. 5110

وقرأ الحسن: (عَصايَ) بكسر الياء لالتقاء الساكنين، وهو مثل قراءة حمزة (بِمُصْرِخِيَّ)] إبراهيم: ٢٢ [، وعن ابن أبى إسحاق: سكون الياء (أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها) أعتمد عليها إذا أعييت أو وقفت على رأس القطيع وعند الطفرة. هش الورق: خبطه، أى: أخبطه على رؤس غنمي تأكله. وعن لقمان بن عاد: أكلت حقا وابن لبون وجذع. وهشة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرأ الحسن: "عصاي"، بكسر الياء)، قال ابن جني: وقرأ الحسن وأبو عمرو أيضاً بخلاف عنهما، وكسرُ الياء في نحو هذا ضعيفٌ استثقالاً للكسرة التي فيها هرباً إلى الفتحة، وله وجه آخر، أنه قرأ حمزة: "ما أنتم بمصرخي"، بكسر الياء لالتقاء الساكنين، مع أن قبلها كرة وياء، والفتحة والألف في (عَصَايَ) أخف من الكسرة والياء في "بمصرخي" [إبراهيم: ٢٢] وروينا عن قُطربٍ وغيره: قال لها هل لك يا تافيٍّ أراد (في) ثم أشبع الكسرة للإطلاق فأنشأ عنها ياء، نحو: منزلي وحولي، وقول ابن مجاهد: هو مثل: غُلامي لا وجه له؛ لأن الكسرة في ياء "عصاي" لالتقاء الساكنين، الكسرة في ميم "غلامي" هي التي تحدثها ياء المتكلم. قوله: (أكلت حقا وابن لبون وجذع)، "الحق" بالكسر: ما كان من الإبل ابن ثلاث سنين وقد دخل في الرابعة، سُمي لاستحقاقه أن يُحمل عليه وينتفع به، وابن لبون: إذا استكمل الثانية ودخل في الثالثة؛ لأن أمه وضعت غيره فصار لها لبن، وهي نكرة تعرف بالألف واللام، والجذع، قيل: الثني، وهو من الإبل ما طعن في السنة الخامسة، وهو اسم زمن، ليس بسن تنبت ولا تسقط، أراد بهشة نخب: ثمار ذلك الوادي؛ وسيلاً دفع: ما انصب دفعاتٍ.

стр. 5111

نخب وسيلا دفع، والحمد لله من غير شبع، سمعته من غير واحد من العرب. ونخب: واد قريب من الطائف كثير السدر. وفي قراءة النخعي: (وأهش)، وكلاهما من هش الخبز يهش: إذا كان ينكسر لهشاشته. وعن عكرمة: (أهس) بالسين، أى: أنحى عليها زاجرا لها. والهس: زجر الغنم. ذكر على التفصيل والإجمال المنافع المتعلقة بالعصا، كأنه أحس بما يعقب هذا السؤال من أمر عظيم يحدثه الله تعالى فقال: ما هي إلا عصا لا تنفع إلا منافع بنات جنسها وكما تنفع العيدان، ليكون جوابه مطابقا للغرض الذي فهمه من فحوى كلام ربه. ويجوز أن يريد أن يعدّد المرافق الكثيرة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الأساس: جاء الوادي بدفاع، أي: بالسيل العظيم، وفي المثل: "آكل من لُقمانَ"، قال الميداني: يعنون لقمان بن عاد، زعموا أنه كان يتغدى بجزورٍ ويتعشى بجزور، وهذا من أكاذيب العرب. قوله: (وأهش)، "أهش" بكسر الهاء: لغةٌ في "أهش"، فقد جاء "يفعلُ" في مثل هذا متعدياً، كذا في "المنتقى" و"اللوامح"، وأما في "الموضح"، فنقل عن قراءة النخعي: "أُهشُّ"، بضم الهمزة وكسر الهاء والشين المعجمة. قوله: (ليكون جوابه مطابقاً للغرض الذي فهمه من فحوى كلام ربه)؛ لأنه تعالى إنما سأله ليريه عظم ما يخترعه من الخشبة اليابسة، وموسى ﵇ تفطن لذلك، وأتى بالجواب مطابقاً للغرض، وقال: (هِيَ عَصَايَ) إلى آخره. وكان يكفي أن يقول: عصا، أي: ليست إلا هذه الخشبة اليابسة التي منافعها معلومة عند كل أحد. قوله: (ويجوز أن يريد عز وعلا)، عطف على قوله: "ليريه عظم ما يخترعه عز وعلا"،

стр. 5112

التي علقها بالعصا ويستكثرها ويستعظمها، ثم يريه على عقب ذلك الآية العظيمة، كأنه يقول له: أين أنت عن هذه المنفعة العظمى والمأربة الكبرى المنسية عندها كل منفعة ومأربة كنت تعتدّ بها وتحتفل بشأنها، وقالوا: إنما سأله ليبسط منه ويقلل هيبته. وقالوا: إنما أجمل موسى ليسأله عن تلك المآرب فيزيد في إكرامه، وقالوا: انقطع ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فعلى الأول: التعداد لأجل تحقير شأنها، والمراد بقوله: (وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى) التتميم للتحقير، أي: مآرب معدودة، وعلى الثاني: التعداد لأجل التعظيم، و (مَآرِبُ أُخْرَى): تتميم للتفخيم، أي: لا تُحصى ولا تُعد، ولعل هذا الوجه أحسن الوجوه، ولذلك نبهه في النداء بقوله: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى)، أي: تفطن لها؛ لأنها مما اشتملت على مرافق عجيبةٍ وآياتٍ عظيمة، ومن ثم أجاب موسى بما عرفه منها من المنافع والمآرب ثم نبهه تعالى على منفعة أعظم منها بقوله: (أَلْقِهَا يَا مُوسَى)، فكرر النداء اهتماماً بشأنها، وإليه الإشارة بقوله: "أين أنت عن هذه المنفعة العظمى؟ " إلى آخره، فإجراء هذه الصفات على العصا كإجراء النعوت المادحة نداء على الجميل وإبداء للصنيع الذي يستزيد مواجب الشكر، لا للتفصلة والتمييز، كما ظن بعضهم، وأورد على صاحب "المفتاح" ما أورد، وقد بسطناه في "شرح التبيان"، فلينظر هناك. ومما يشد من عضد ما ذكرنا من أن المقام مقام الامتنان على موسى قوله تعالى: (وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى) [طه: ٣٧] إلى آخره. قوله: (ليبسط منه)، الأساس: وقد بسط بساطه، وبسط إلينا يده ولسانه: أتى بما يُحب أو بما يُكره، وإنه ليبسطني ما بسطك، ويقبضني ما قبضك، أي: يسرني ويطيب نفسي ما سرك، ويسوؤني ما ساءك، كأن الإنسان إذا سُرَّ انبسط وجهه واستبشر، وبعكسه إذا اغتم. الجوهري: الانبساطُ: ترك الاحتشام، يقال: بسطت من فلانٍ فانبسط. قوله: (إنما أجمل موسى ليسأله عن تلك المآرب فيزيد في إكرامه)، ونحوه قول بعضهم:

стр. 5113

لسانه بالهيبة فأجمل، وقالوا: اسم العصا نبعة. وقيل في المآرب: كانت ذات شعبتين ومحجن، فإذا طال الغصن حناه بالمحجن، وإذا طلب كسره لواه بالشعبتين، وإذا سار ألقاها على عاتقه فعلق بها أدواته من القوس والكنانة والحلاب وغيرها، وإذا كان في البرية ركزها وعرض الزندين على شعبتيها وألقى عليها الكساء واستظلّ وإذا قصر رشاؤه وصله بها، وكان يقاتل بها السباع عن غنمه. وقيل: كان فيها من المعجزات أنه كان يستقى بها فتطول بطول البئر وتصير شعبتاها دلوا، وتكونان شمعتين بالليل ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ تصاممت إذ نطقت ظبية … تصيد الأسود بألحاظها وما بين وقرٌ ولكنني … أردتُ إعادة ألفاظها ولعل موسى ﵇ أطنب أولاً للاستصغاء انبساطاً، وأوجز آخراً للاستصغاء استلذاذاً. قوله: (اسم العصا: نبعة)، وهي غير منصرفة للعلمية التأنيث. قوله: (والحلاب)، وهو المحلب، وهو الذي يُحلب فيه اللبن، قال: صاح هل ريت أو سمعت براعٍ … رد في الضرع ما قرى في الحلاب قوله: (وعرض الزندين على شعبتيها)، الجوهري: عرض العود على الإناء والسيف على فخذه يعرضه ويعرضه أيضاً، الأساس: الزندان: هما الزند الأعلى والزندة السفلى. قوله: (وتكونان شمعتين بالليل)، قال بعضهم: يدفع هذا قوله: "وقدح فصلد زنده" في تفسير قوله تعالى: (إِنِّي آنَسْتُ نَاراً)، وأجيب أن المطلوب حينئذٍ هو النار لاستدفاء النفساء بها، لا الضوء وحدهن وما يدل على أن العصا لم تكن للنار: قوله هاهنا: "وعرض الزندين على شعبتيها"، لأن الزند إنما يُعد للنار، ولكن يدفعه هناك قوله: "في ليلةٍ شاتيةٍ

стр. 5114

وإذا ظهر عدوّ حاربت عنه، وإذا اشتهى ثمرة ركزها فأورقت وأثمرت، وكان يحمل عليها زاده وسقاءه فجعلت تماشيه، ويركزها فينبع الماء، فإذا رفعها نضب، وكانت تقيه الهوام. (قالَ أَلْقِها يا مُوسى (١٩) فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى) [طه: ١٩ - ٢٠]. السعى: المشي بسرعة وخفة حركة. فإن قلت: كيف ذكرت بألفاظ مختلفة: بالحية، والجان، والثعبان؟ قلت: أمّا الحية فاسم جنس يقع على الذكر والأنثى والصغير والكبير. وأمّا الثعبان والجان فبينهما تناف، لأنّ الثعبان العظيم من الحيات، والجان الدقيق. وفي ذلك وجهان: أحدهما أنها كانت وقت انقلابها حيه تنقلب حية صفراء دقيقة، ثم تتورم ويتزايد جرمها حتى تصير ثعبانا، فأريد يا لجان أوّل حالها، وبالثعبان مآلها. الثاني: أنها كانت في شخص الثعبان وسرعة حركة الجان. والدليل عليه قوله تعالى: (فلما رآها تهترّ كأنها جانّ). وقيل كان لها عرف كعرف الفرس. وقيل كان بين لحييها أربعون ذراعا. (قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى) [طه: ٢١]. لما رأى ذلك الأمر العجيب الهائل ملكه من الفزع والنفاز ما يملك البشر عند الأهوال والمخاوف. وعن ابن عباس: انقلبت ثعبانا ذكرا يبتلع الصخر والشجر، فلما رآه يبتلع كل شيء خاف ونفر. وعن بعضهم: إنما خافها لأنه عرف ما لقي آدم منها. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مُظلمةٍ مثلجةٍ وقد ضل الطريق"، ولعل الجواب: أن الله طمس نورها كما جعل الزند صلداً اضطراراً إلى الطلب ليفوز بالمطلوب الحقيقي. قوله: (عرف ما لقي آدمُ منها)، يريد الحية التي كانت سبباً لإخراجه بسببٍ تمكن منه إبليس من الوسوسة.

стр. 5115

وقيل: لما قال له ربه (لا تَخَفْ) بلغ من ذهاب خوفه وطمأنينة نفسه أن أدخل يده في فمها وأخذ بلحييها. السيرة من السير: كالركبة من الركوب. يقال: سار فلان سيرة حسنة، ثم اتسع فيها فنقلت إلى معنى المذهب والطريقة. وقيل: سير الأوّلين، فيجوز أن ينتصب على الظرف، أى: سنعيدها في طريقتها الأولى، أى: في حال ما كانت عصا، وأن يكون. (أعاد) منقولا من (عاده) بمعنى عاد إليه. ومنه بيت زهير: وعادك أن تلاقيها عداء فيتعدى إلى مفعولين. ووجه ثالث حسن: وهو أن يكون (سَنُعِيدُها) مستقلا بنفسه غير متعلق ب (سِيرَتَهَا)، بمعنى أنها أنشئت أوّل ما أنشئت عصا، ثم ذهبت ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (بمعنى: عاد إليه)، الجوهري: عاد إليه يعود عوداً وعودةً: رجع. قوله: (وعادك أن تلاقيها عداء)، أوله: فصرم حبلها إذا صرمته الحبلُ: العهدُ، قال أبو عمرو: وعادك بمعنى: شغلك، وقال الأصمعي: صرفك، والعداء: البُعد والشغل، وقال الأصمعي: الحورُ، وعادك: عطفٌ على "صرمته"، تقول: اقطع عهدها إذا قطعتهُ هي وعاد إليك وشغلك البُعدُ والحورُ عن ملاقاتها. وتلخيص الآية (سَنُعِيدُهَا) إلى سيرتها الأولى. قوله: (وهو أن يكون (سَنُعِيدُهَا) مستقلاً بنفسه غير متعلقٍ بـ (سِيرَتَهَا))، أي: لا يكون عاملاً في (سِيرَتَهَا)، بل يكون عاملها مضمراً، ويكون حالاً من الهاء في (سَنُعِيدُهَا)، كما قدر: سنعيدها سائرة سيرتها الأولى، والفرقُ بين هذا وبين الوجهين الأولين أن الحية في الوجهين انقلبت عصا خشبةً كسائر ما يُسمى عصا، على هذا انقلبت
следующие страницы →