Полный текст (9 345 стр.). Показаны 5111–5150 · переход к 5116.
стр. 5111
نخب وسيلا دفع، والحمد لله من غير شبع، سمعته من غير واحد من العرب. ونخب: واد قريب من الطائف كثير السدر. وفي قراءة النخعي: (وأهش)، وكلاهما من هش الخبز يهش: إذا كان ينكسر لهشاشته. وعن عكرمة: (أهس) بالسين، أى: أنحى عليها زاجرا لها. والهس: زجر الغنم. ذكر على التفصيل والإجمال المنافع المتعلقة بالعصا، كأنه أحس بما يعقب هذا السؤال من أمر عظيم يحدثه الله تعالى فقال: ما هي إلا عصا لا تنفع إلا منافع بنات جنسها وكما تنفع العيدان، ليكون جوابه مطابقا للغرض الذي فهمه من فحوى كلام ربه. ويجوز أن يريد أن يعدّد المرافق الكثيرة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأساس: جاء الوادي بدفاع، أي: بالسيل العظيم، وفي المثل: "آكل من لُقمانَ"، قال الميداني: يعنون لقمان بن عاد، زعموا أنه كان يتغدى بجزورٍ ويتعشى بجزور، وهذا من أكاذيب العرب.
قوله: (وأهش)، "أهش" بكسر الهاء: لغةٌ في "أهش"، فقد جاء "يفعلُ" في مثل هذا متعدياً، كذا في "المنتقى" و"اللوامح"، وأما في "الموضح"، فنقل عن قراءة النخعي: "أُهشُّ"، بضم الهمزة وكسر الهاء والشين المعجمة.
قوله: (ليكون جوابه مطابقاً للغرض الذي فهمه من فحوى كلام ربه)؛ لأنه تعالى إنما سأله ليريه عظم ما يخترعه من الخشبة اليابسة، وموسى ﵇ تفطن لذلك، وأتى بالجواب مطابقاً للغرض، وقال: (هِيَ عَصَايَ) إلى آخره.
وكان يكفي أن يقول: عصا، أي: ليست إلا هذه الخشبة اليابسة التي منافعها معلومة عند كل أحد.
قوله: (ويجوز أن يريد عز وعلا)، عطف على قوله: "ليريه عظم ما يخترعه عز وعلا"،
стр. 5112
التي علقها بالعصا ويستكثرها ويستعظمها، ثم يريه على عقب ذلك الآية العظيمة، كأنه يقول له: أين أنت عن هذه المنفعة العظمى والمأربة الكبرى المنسية عندها كل منفعة ومأربة كنت تعتدّ بها وتحتفل بشأنها، وقالوا: إنما سأله ليبسط منه ويقلل هيبته. وقالوا: إنما أجمل موسى ليسأله عن تلك المآرب فيزيد في إكرامه، وقالوا: انقطع
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فعلى الأول: التعداد لأجل تحقير شأنها، والمراد بقوله: (وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى) التتميم للتحقير، أي: مآرب معدودة، وعلى الثاني: التعداد لأجل التعظيم، و (مَآرِبُ أُخْرَى): تتميم للتفخيم، أي: لا تُحصى ولا تُعد، ولعل هذا الوجه أحسن الوجوه، ولذلك نبهه في النداء بقوله: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى)، أي: تفطن لها؛ لأنها مما اشتملت على مرافق عجيبةٍ وآياتٍ عظيمة، ومن ثم أجاب موسى بما عرفه منها من المنافع والمآرب ثم نبهه تعالى على منفعة أعظم منها بقوله: (أَلْقِهَا يَا مُوسَى)، فكرر النداء اهتماماً بشأنها، وإليه الإشارة بقوله: "أين أنت عن هذه المنفعة العظمى؟ " إلى آخره، فإجراء هذه الصفات على العصا كإجراء النعوت المادحة نداء على الجميل وإبداء للصنيع الذي يستزيد مواجب الشكر، لا للتفصلة والتمييز، كما ظن بعضهم، وأورد على صاحب "المفتاح" ما أورد، وقد بسطناه في "شرح التبيان"، فلينظر هناك. ومما يشد من عضد ما ذكرنا من أن المقام مقام الامتنان على موسى قوله تعالى: (وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى) [طه: ٣٧] إلى آخره.
قوله: (ليبسط منه)، الأساس: وقد بسط بساطه، وبسط إلينا يده ولسانه: أتى بما يُحب أو بما يُكره، وإنه ليبسطني ما بسطك، ويقبضني ما قبضك، أي: يسرني ويطيب نفسي ما سرك، ويسوؤني ما ساءك، كأن الإنسان إذا سُرَّ انبسط وجهه واستبشر، وبعكسه إذا اغتم.
الجوهري: الانبساطُ: ترك الاحتشام، يقال: بسطت من فلانٍ فانبسط.
قوله: (إنما أجمل موسى ليسأله عن تلك المآرب فيزيد في إكرامه)، ونحوه قول بعضهم:
стр. 5113
لسانه بالهيبة فأجمل، وقالوا: اسم العصا نبعة. وقيل في المآرب: كانت ذات شعبتين ومحجن، فإذا طال الغصن حناه بالمحجن، وإذا طلب كسره لواه بالشعبتين، وإذا سار ألقاها على عاتقه فعلق بها أدواته من القوس والكنانة والحلاب وغيرها، وإذا كان في البرية ركزها وعرض الزندين على شعبتيها وألقى عليها الكساء واستظلّ وإذا قصر رشاؤه وصله بها، وكان يقاتل بها السباع عن غنمه. وقيل: كان فيها من المعجزات أنه كان يستقى بها فتطول بطول البئر وتصير شعبتاها دلوا، وتكونان شمعتين بالليل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تصاممت إذ نطقت ظبية … تصيد الأسود بألحاظها
وما بين وقرٌ ولكنني … أردتُ إعادة ألفاظها
ولعل موسى ﵇ أطنب أولاً للاستصغاء انبساطاً، وأوجز آخراً للاستصغاء استلذاذاً.
قوله: (اسم العصا: نبعة)، وهي غير منصرفة للعلمية التأنيث.
قوله: (والحلاب)، وهو المحلب، وهو الذي يُحلب فيه اللبن، قال:
صاح هل ريت أو سمعت براعٍ … رد في الضرع ما قرى في الحلاب
قوله: (وعرض الزندين على شعبتيها)، الجوهري: عرض العود على الإناء والسيف على فخذه يعرضه ويعرضه أيضاً، الأساس: الزندان: هما الزند الأعلى والزندة السفلى.
قوله: (وتكونان شمعتين بالليل)، قال بعضهم: يدفع هذا قوله: "وقدح فصلد زنده" في تفسير قوله تعالى: (إِنِّي آنَسْتُ نَاراً)، وأجيب أن المطلوب حينئذٍ هو النار لاستدفاء النفساء بها، لا الضوء وحدهن وما يدل على أن العصا لم تكن للنار: قوله هاهنا: "وعرض الزندين على شعبتيها"، لأن الزند إنما يُعد للنار، ولكن يدفعه هناك قوله: "في ليلةٍ شاتيةٍ
стр. 5114
وإذا ظهر عدوّ حاربت عنه، وإذا اشتهى ثمرة ركزها فأورقت وأثمرت، وكان يحمل عليها زاده وسقاءه فجعلت تماشيه، ويركزها فينبع الماء، فإذا رفعها نضب، وكانت تقيه الهوام.
(قالَ أَلْقِها يا مُوسى (١٩) فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى) [طه: ١٩ - ٢٠].
السعى: المشي بسرعة وخفة حركة. فإن قلت: كيف ذكرت بألفاظ مختلفة: بالحية، والجان، والثعبان؟ قلت: أمّا الحية فاسم جنس يقع على الذكر والأنثى والصغير والكبير. وأمّا الثعبان والجان فبينهما تناف، لأنّ الثعبان العظيم من الحيات، والجان الدقيق. وفي ذلك وجهان: أحدهما أنها كانت وقت انقلابها حيه تنقلب حية صفراء دقيقة، ثم تتورم ويتزايد جرمها حتى تصير ثعبانا، فأريد يا لجان أوّل حالها، وبالثعبان مآلها. الثاني: أنها كانت في شخص الثعبان وسرعة حركة الجان. والدليل عليه قوله تعالى: (فلما رآها تهترّ كأنها جانّ). وقيل كان لها عرف كعرف الفرس. وقيل كان بين لحييها أربعون ذراعا.
(قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى) [طه: ٢١].
لما رأى ذلك الأمر العجيب الهائل ملكه من الفزع والنفاز ما يملك البشر عند الأهوال والمخاوف. وعن ابن عباس: انقلبت ثعبانا ذكرا يبتلع الصخر والشجر، فلما رآه يبتلع كل شيء خاف ونفر. وعن بعضهم: إنما خافها لأنه عرف ما لقي آدم منها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مُظلمةٍ مثلجةٍ وقد ضل الطريق"، ولعل الجواب: أن الله طمس نورها كما جعل الزند صلداً اضطراراً إلى الطلب ليفوز بالمطلوب الحقيقي.
قوله: (عرف ما لقي آدمُ منها)، يريد الحية التي كانت سبباً لإخراجه بسببٍ تمكن منه إبليس من الوسوسة.
стр. 5115
وقيل: لما قال له ربه (لا تَخَفْ) بلغ من ذهاب خوفه وطمأنينة نفسه أن أدخل يده في فمها وأخذ بلحييها.
السيرة من السير: كالركبة من الركوب. يقال: سار فلان سيرة حسنة، ثم اتسع فيها فنقلت إلى معنى المذهب والطريقة. وقيل: سير الأوّلين، فيجوز أن ينتصب على الظرف، أى: سنعيدها في طريقتها الأولى، أى: في حال ما كانت عصا، وأن يكون. (أعاد) منقولا من (عاده) بمعنى عاد
إليه. ومنه بيت زهير:
وعادك أن تلاقيها عداء
فيتعدى إلى مفعولين. ووجه ثالث حسن: وهو أن يكون (سَنُعِيدُها) مستقلا بنفسه غير متعلق ب (سِيرَتَهَا)، بمعنى أنها أنشئت أوّل ما أنشئت عصا، ثم ذهبت
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (بمعنى: عاد إليه)، الجوهري: عاد إليه يعود عوداً وعودةً: رجع.
قوله: (وعادك أن تلاقيها عداء)، أوله:
فصرم حبلها إذا صرمته
الحبلُ: العهدُ، قال أبو عمرو: وعادك بمعنى: شغلك، وقال الأصمعي: صرفك، والعداء: البُعد والشغل، وقال الأصمعي: الحورُ، وعادك: عطفٌ على "صرمته"، تقول: اقطع عهدها إذا قطعتهُ هي وعاد إليك وشغلك البُعدُ والحورُ عن ملاقاتها. وتلخيص الآية (سَنُعِيدُهَا) إلى سيرتها الأولى.
قوله: (وهو أن يكون (سَنُعِيدُهَا) مستقلاً بنفسه غير متعلقٍ بـ (سِيرَتَهَا))، أي: لا يكون عاملاً في (سِيرَتَهَا)، بل يكون عاملها مضمراً، ويكون حالاً من الهاء في (سَنُعِيدُهَا)، كما قدر: سنعيدها سائرة سيرتها الأولى، والفرقُ بين هذا وبين الوجهين الأولين أن الحية في الوجهين انقلبت عصا خشبةً كسائر ما يُسمى عصا، على هذا انقلبت
стр. 5116
وبطلت بالقلب حية، فسنعيدها بعد ذهابها كما أنشأناها أوّلا. ونصب (سِيَرَتهَا) بفعل مضمر، أى: تسير سيرتها الأولى: يعنى سنعيدها سائرة سيرتها الأولى حيث كنت تتوكأ عليها ولك فيها المآرب التي عرفتها.
(وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى (٢٢) لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى) [سورة طه ٢٢ - ٢٣].
قيل لكل ناحيتين: جناحان، كجناحى العسكر لمجنبتيه، وجناحا الإنسان: جنباه، والأصل المستعار منه جناحا الطائر. سميا جناحين لأنه يجنحهما عند الطيران. والمراد إلى جنبك تحت العضد، دل على ذلك قوله (تَخْرُجْ). السوء: الرداءة والقبح في كل شيء، فكنى به عن البرص كما كنى عن العورة بالسوأة، وكان جذيمة صاحب الزباء أبرص
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إلى عصا ذات شُعبتين ومحجن، فإذا طال الغُصن جناهُ بالمحجن، إلى سائر ما ذكره المصنف من المآرب، وقال أبو البقاء: يجوز أن يكون (سِيرَتَهَا) بدل اشتمال من ضمير المفعول في (سَنُعِيدُهَا)؛ لأن معنى سيرتها: صفتها أو طريقتها.
الراغب: السيرة: الحالة التي يكون عليها الإنسان وغيره، غريزياً كان أو مُكتسباً، يقال: له سيرة حسنة وسيرة قبيحة، وقوله تعالى: (سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولَى) أي: الحالة التي كانت عليها من كونها عوداً.
قوله: (لمجنبتيه)، وهي الميمنة والميسرة.
قوله: (والأصل المستعارُ منه جناحا الطائر)، هذه الاستعارة غير مسبوقة بالتشبيه؛ كاستعارة الأسد للمقدام، بل هي من المجاز الخالي من الفائدة، نحو إطلاق المرسن على لطف الإنسان.
стр. 5117
فكنوا عنه بالأبرش،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فكنوا عنه بالأبرش)، الجوهري: البرشُ في شعر الفرس: نكتٌ صغارٌ تخالفُ سائر لونهن والفرس أبرش، والبرص: البياض في ظاهر الجلد، وفي زعم الأطباء: مادة نفاحةٌ بسبب اجتماع الرطوبات اللزجة، وكان من أخبار جذيمة على ما ذكره ابن الأثير في "الكامل": أنه كان من أفضل الملوك رأياً وأبعدهم مغاراً وأشدهم نكاية، وأول من استجمع له الملك بأرض العراق وضم العرب، وكان به برص، فكنت العرب عنه فقيل: الوضاح والأبرش إعظاماً له، وكانت منازله بين الحيرة والأنبار، وكان ملك العرب بأرض الجزرة ومشارف الشام عمرو بن الظرب العمليقي، فحاربه جذيمة وقتله، وملكت بعد عمرو ابنته الزباء واسمها: نائلة، فلما استحكم مُلكها أجمعت لغزو جذيمة تطلب ثأر أبيها، فأشارت لها أختها زينب بترك الحرب وإعمال الحيلة، فأجابتها إلى ذلك، وكتبت إلى جذيمة تدعوه على نفسها وملكها، فلما انتهى الكتاب إلى جذيمة استخفه ما دعته إليه، وجمع إليه ثقاته واستشارهم، وأجمع رأيهم على المسير إليها، فخالفهم قصير، وكان أريباً حازماً ناصحاً قريباً منه، وقال: "رأيٌ فاتر وعدو حاضر" فذهبت مثلاً، اكتب إليها، فإن كانت صادقة فلتقبل إليك، وإلا لا تمكنها من نفسك وقد وترتها وقتلت أباها، فلم يُوافق جذيمة رأيه.
فاستخلف جذيمة عمرو بن عدي ابن أخته على مُلكه فسار في وجوه أصحابه، فلما نزل الفرضة استقبلته رسل الزباء بالهدايا والألطاف فقال: يا قصير، كيف ترى؟ فقال: "خطبٌ يسير في خطب كبير" فذهبت مثلا، وستلقاك الخيول، فإن سارت أمامك فإن المرأة صادقة، وإن أخذت جنبيك وأحاطت بك فإن القوم غادرون، فاركب العصا، وكانت فرساً لجذيمة لا تُباري، فإني راكبها ومسايرك عليها، فلقيته الكتائب فحالت بينه وبين العصا، فركبها قصيرٌ ونظر إلى جذيمة مولياً على متنها، فقال: "ويلُ أمةٍ حزمها على ظهر العصا"، فذهبت مثلاً.
стр. 5118
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فلما دخل جذيمة على الزباء تكشفت، فإذا هي مضفورة الأسب، بالباء الموحدة، وهو شعر الاست، وقالت: يا جذيمة، "أدأب عروس ترى؟ " فذهبت مثلاً، وقالت: أنبئت أن دماء الملوك شفاءٌ من الكلب، ثم أجلسته على نطع، وسقته الخمر حتى أخذت منه، ثم أمرت براهشيه فقُطعا، وقدمت إليه طستاً وقيل لها: إن قطر من دمه شيءٌ في غير الطست طُلب بدمه، فلما ضعفت يداه سقطتا، فقطر من دمه في غير لطست، فقالت: لا يُضيعوا الدم، فقال جذيمة: "دعوا دماً ضيعه أهله"، فذهبت مثلاً، فهلك جذيمة وخرج قصيرٌ حتى قدم على عمرو بن عدي، فقال له قصير: تهيأ واستعد ولا تُطل دم خالك، فقال: "وكيف لي بها وهي أمنعُ من عقاب الجو؟ " فذهبت مثلاً.
وكانت الزباء سألت عن هلاكها فقيل: سبب هلاكها عمرو بن عدي، ولكن حتفك بيدك، فحذرت عمراً واتخذت نفقاً من مجلسها إلى حصن لها داخل مدينتها، وصورت صورة عمرو فلا تراه إلا وعرفته، وقال قصيرٌ لعمرو بن عدي: اجدع أنفي واضرب ظهري ودعني وإياها، فأبي عمرو، فجدع قصير أنفه وأثر بظهره وهر كأنه هاربٌ، وأظهر أن عمراً فعل ذلك به، وقدم على الزباء فقالت: ما الذي أرى بك يا قصير؟ فقال: زعم عمرو أني غدرت خاله وزينت له المسير إليك ومالأتك عليه، ففعل ما ترين، فأقبلت إليك وعرفت أني لا أكون مع أحد هو أثقل عليه منك فأكرمته وأصابت عنده بعض ما أرادت من الحزم والرأي والتجربة والمعرفة بأمور الملك، فلما عرف أنها قد وثقت به، فقال لها: إن لي بالعراق أموالاً كثيرةً، وبها طرائف وعطر، فابعثيني لأحمل مالي وأحمل إليك من طرائفها، فدفعت إليه أموالاً وجهزت معه عيراً، فسار حتى قدم على عمرو بن عدي مستخفياً وأخبره الخبر وقال: جهزني بالمز والطرف وغير ذلك، لعل الله يمكن من الزباء فتصيب ثأرك، فأعطاه حاجته، فلما عُرض عليها سرها وازدادت به ثقةً، ثم جهزته بعد ذلك بأكثر مما جهزته به أولاً، ثُم عاد الثالثةَ فأخبر عمراً الخبر وقال: اجمع ثقات أصحابك
стр. 5119
والبرص أبغض شيء إلى العرب، وبهم عنه نفرة عظيمة، وأسماعهم لاسمه مجاجة، فكان جديرا بأن يكنى عنه، ولا نرى أحسن ولا ألطف ولا أحز للمفاصل من كنايات القرآن وآدابه. يروى أنه كان آدم فأخرج يده من مدرعته بيضاء لها شعاع كشعاع الشمس يعشى البصر. (بَيْضاءَ) و (آيَةً) حالان معا. و (مِنْ غَيْرِ سُوءٍ)،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وجُندك وهيء لهم الغرائر واحمل كل رجلين في غرارتين اجعل معقد رؤوسها من باطنها، وقال له: إذادخلت مدينة الزباء أقمتك على باب نفقها وتخرج الرجال من الغرائر فيصيحوا بأهل المدينة، فمن قاتلهم قاتلوه، ففعل ذلك ثم ساروا، فملا قربوا تقدم قصيرٌ إليها فبشرها وأعلمها كثرة ما حمل من الثياب والطرائف، فخرجت الزباء فأبصرت الإبل تكاد قوائمها تسوخ في الأرض، فقالت: يا قصير:
ما للجمال مشيها وئيدا … أجندلاً يحملن أم حديدا؟
أم صرفاناً تسارزاً شديدا … أم الرجال جُثما قعودا؟
فلما توسطت الإبلُ المدينة خرج الرجال من الغرائر، فدل عمرو على باب النفق وأقبلت الزباء مولية تريد الخروج من النفق، فأبصرت عمراً قائماً فعرفته بالصورة، فمصت لما في خاتمها، وقالت: "بيدي لا بيد عمرو"، فتلقاها عمرو بالسيف فقتلها وأصاب ما أصاب من المدينة، ثم عاد إلى العراق وصار الملك له. والصرفان: الرصاص، والصرفان: نوعٌ من التمر، والله أعلم.
قوله: (أحز للمفاصل)، الأساس: وهو أصفى من المفاصل، وهو الماء الذي يقطر من بين العظمين إذا فُصلا. وتقول رب كلام بالمفصل أشد من كلام بالمقصل، وتكلم فأصاب المحز.
قوله: ((َيْضَاءُ) و (آيَةً): حالان معاً)، قال الزجاج: آية: اسمٌ في موضع الحال، أي تخرج بيضاء مبينة آية أخرى.
стр. 5120
(مِن) صلة ل (بَيضَاءَ)، كما تقول ابيضت من غير سوء، وفي نصب (آيَةً) وجه آخر، وهو أن يكون بإضمار نحو: خذ، ودونك، وما أشبه ذلك، حذف لدلالة الكلام، وقد تعلق بهذا المحذوف (لِنُرِيَكَ) أي خذ هذه الآية أيضا بعد قلب العصا حية لنريك بهاتين الآيتين بعض آياتنا الكبرى. أو لنريك بهما الكبرى من آياتنا.
أو لنريك من آياتنا الكبرى فعلنا ذلك.
[(اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى* قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي* وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي* وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي* يَفْقَهُوا قَوْلِي* وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي* هارُونَ أَخِي* اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي* وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي* كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً* وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً* إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً)].
لما أمره بالذهاب إلى فرعون الطاغي لعنه الله عرف أنه كلف أمرا عظيما وخطبا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقال أبو البقاء: (بَيْضَاءَ): حالٌ، و (مِنْ غَيْرِ سُوءٍ) يجوز أن يتعلق بتخرج، وأن يكون صفة لـ (بَيْضَاءَ) أو: حالاً من الضمير في (بَيْضَاءَ)، و (آيَةً): حالٌ أخرى بدلٌ من الأولى، وحالٌ من الضمير في (بَيْضَاءَ)، أي: تبيض آية، أو: حالاً من الضمير في الجار مع المجرور، وهو قوله: (مِنْ غَيْرِ سُوءٍ).
قوله: (أو: لنريك من آياتنا الكبرى)، فعلى ذلك عطف على قوله: "وقد تعلق بهذه المحذوف لـ (نُرِيَكَ) "، ومن في قوله: (مِنْ آيَاتِنَا) إما للتبعيض، وإليه الإشارة بقوله: بعض آياتنا، أو للبيان، وإليه الإشارة بقوله: أو لنريك بهما الكبرى من آياتنا، يؤيده قول ابن عباس: (كانت يد موسى أكبر آياته)، فيكون (مِنْ آيَاتِنَا) حالاً من (الْكُبْرَى) قُدمت عليها وإن كان ذو الحال معرفة، مراعاةً للفواصل.
قوله: (لما أمره بالذهاب إلى فرعون الطاغي، عرف أنه كُلف أمراً عظيما)، إلى قوله: (فاستوهب ربه أن يشرح صدره)، يعني: لما علل الله الأمر بالذهاب إلى
стр. 5121
جسيما يحتاج معه إلى احتمال ما لا يحتمله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فرعون بوصفه بالطغيان، عرف موسى ذلك وطلب ما طلب، والإمام علق قول موسى ﵇ (رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي) بما خاطبه من لدن قوله: (إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ) إلى هذا المقام، قال تارةً: إن شرح الصدر مقدمةٌ لسطوع الأنوار الإلهية في القلب، والاستماع أيضاً مقدمة لفهم كلام الله المجيد، فلما كلفه الله بالمقدمة التي هي الاستماع في قوله: (فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى) نسج ﵇ على ذلك المنوال وطلبا لمقدمة، وقال: (رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي) حتى يتمكن قلبي في بهو ضوء المعرفة ووسادة قذف النور من تلقي سماع كلامك. وقال أخرى: لما نُصب موسى ﵇ لذلك المنصب العظيم احتاج إلى تكاليف شاقة من تلقي الوحي وتبليغه إلى المعاندين والمواظبة على خدمة الباري وإصلاح العالم السفلي، فكأنه كلف بتدبير العالمين، والالتفات إلى أحدهما يمنع من الاشتغال بالآخر، فطلب ﵇ شرح الصدر حتى يفيض عليه كمالاً من القوة لتكون قوته وافية لضبط تدبير العالمين.
الراغب: شرحُ الصدر: بسطه بنور إلهي وسكينة من جهة الله تعالى. قال الله تعالى: (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ) [الزمر: ٢٢].
وقلتُ: يؤيد هذا التأويل قوله ﵇: (كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً * وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً * إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيراً) بعد طلب تيسير الأمر وحل العقدة ومؤازرة أخيه للتبليغ ليطابق قوله: (فَاعْبُدْنِي وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي)، وقوله: (اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى)، وعلى ما فسره المصنف يكون قوله: (كَيْ نُسَبِّحَكَ) الآية أجنبياً، وفيه نُكتةٌ أخرى، وهي أن الله : كما علل إقامة الصلاة بذكره في قوله: (وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي). وقوله (اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى)، كذلك علل ﵇ مطالبه كلها بالقيام على تكثير ذكر الله فآذن بأن ذكر الله لا مطلب فوقه. وفي "حقائق" السلمي عن عطاء أنه قال: اكشف
стр. 5122
إلا ذو جأش رابط وصدر فسيح، فاستوهب ربه أن يشرح صدره ويفسح قلبه، ويجعله حليما حمولا يستقبل ما عسى يرد عليه من الشدائد التي يذهب معها صبر الصابر بجميل الصبر وحسن الثبات، وأن يسهل عليه في الجملة أمره الذي هو خلافة الله في أرضه وما يصحبها من مزاولة معاظم الشؤون ومقاساة جلائل الخطوب. فإن قلت: (لِي) في قوله (اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي) ما جدواه «٢» والكلام بدونه مستتب؟ قلت: قد أبهم الكلام أولا فقيل: اشرح لي ويسر لي، فعلم أن ثم مشروحا وميسرا، ثم بين ورفع الإبهام بذكرهما، فكان آكد لطلب الشرح والتيسير لصدره وأمره، من أن يقول: اشرح صدري ويسر أمري على الإيضاح الساذج، لأنه تكرير للمعنى الواحد من طريقى الإجمال والتفصيل. عن ابن عباس: كان في لسانه رتة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لي عن صدري حتى لا أشاهد غيرك؛ ويسر لي أمري حتى لا أنظر إلا بمعرفتك، واحلل عقدة من لساني حتى لا أتكلم إلا بما أبلغه عنك. وقال جعفر: قيل لموسى: استكثرت تسبيح ونسيت بدايات فضلنا عليك في اليم وردك إلى أمك وتربيتك في حجر عدوك، وأكبر من هذا كله خطابنا معك وكلامنا إياك، وأكبر منه إخبارنا باصطناعنا لك.
قوله: (ذو جأش رابط)، الأساس: والجأش والجؤشوش: الصدرُ، يقال: فلانٌ قد ربط لذلك الأمر جأشاً. ويقال لمن يربط نفسه عن الفرار لشجاعته: رابط الجأش.
قوله: (يستقبل ما عسى يردُ عليه)، استعمل "عسى" بغير "أنْ" تشبيهاً لها بـ "كاد" كما في قوله:
عسى الكربُ الذي أمسيتُ فيه … يكون وراءه فرجٌ قريب
قوله: (مستتب)، أي: مستقيم، الأساس: استتب الطريق: ذل وانقاد كما يقال: طريق معبدٌ، واستتب له الأمر.
قوله: (بذكرهما)، أي: بذكر المشروح والميسر.
стр. 5123
لما روي من حديث الجمرة. ويروى أن يده احترقت، وأن فرعون اجتهد في علاجها فلم تبرأ، ولما دعاه قال: إلى أى رب تدعوني؟ قال: إلى الذي أبرأ يدي وقد عجزت عنها. وعن بعضهم: إنما لم تبرأ يده لئلا يدخلها مع فرعون في قصعة واحدة فتنعقد بينهما حرمة المواكلة. واختلف في زوال العقدة بكمالها فقيل: ذهب بعضها وبقي بعضها، لقوله تعالى (وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً)] القصص: ٣٤ [وقوله تعالى (وَلا يَكادُ يُبِينُ)] الزخرف: ٥٢ [وكان في لسان الحسين بن على رضى الله عنهما رتة «٣» فقال رسول الله ﷺ : "ورثها من عمه موسى". وقيل: زالت بكمالها لقوله تعالى (قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى) وفي تنكير العقدة -وإن لم يقل عقدة لساني-: أنه طلب حل بعضها إرادة أن يفهم عنه فهما جيدا، ولم يطلب الفصاحة الكاملة. و (مِنْ لِسانِي) صفة للعقدة كأنه قيل: عقدة من عقد لساني.
الوزير من الوزر، لأنه يتحمل عن الملك أو زاره ومؤنة. أو من الوزر، لأن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لما رُوي من حديث الجمرة)، روى محيي السنة: أنه نشأ موسى ﵇ في حجر فرعون وامرأته، فبينا هو يلعب وبيده قضيبٌ فضرب رأس فرعون، فغضب حتى هم بقتله، فقالت آسية: أيها الملك، إنه صغيرٌ لا يعقل، جربه إن شئت، فجاءت بطستين في احدهما الجمر وفي الآخر الجوهر، فأراد موسى أن يأخذ الجوهر فأخذ جبريل ﵇ يده فوضعها في النار فاخذ جمرةً فوضعها في فيه فاحترق لسانه وصارت عليه عقدة.
الراغب: اللسان: الجارحة وقوتها، وقوله تعالى: (وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي) يعني به: من قوة لساني فإن العقدة لم تكن في الجارحة وإنما كانت في قوته التي هي النطق به، يقال لكل قوم لسانٌ ولسنٌ.
قوله: (أو من الوزر)، أي: الملجأن وأصلُ الزر: الجبل. الراغب: الوزر: الملجأ الذي
стр. 5124
الملك يعتصم برأيه ويلجئ إليه أموره. أو من المؤازرة وهي المعاونة. عن الأصمعى قال: وكان القياس أزيرا، فقلبت الهمزة إلى الواو، ووجه قلبها أنّ فعيلا جاء في معنى مفاعل مجيئا صالحا، كقولهم: عشير وجليس وقعيد وخليل وصديق ونديم، فلما قلبت في أخيه قلبت فيه، وحمل الشيء على نظيره ليس بعزيز، ونظرا إلى يؤازر وإخواته، وإلى الموازرة. (وَزِيراً) و (هارُونَ) مفعولا قوله (واجْعَل لِّي وزِيرًا مِّنْ أَهْلِي) قدم ثانيهما على أولهما عناية بأمر الوزارة. أو (لِي وَزِيراً) مفعولاه، وهارون عطف بيان للوزير. و (أَخِي) في الوجهين بدل من هارون، وإن جعل عطف بيان آخر جاز وحسن.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يُلتجأ إليه من الجبل، قال تعالى: (كَلاَّ لا وَزَرَ) [القيامة: ١١]، الوزرُ: الثقلُ تشبيهاً بوزر الجبل، ويعبر بذلك عن الإثم، قال تعالى: (لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً) بالنحل: ٢٥].
قوله: (أو من المؤازرة، وهي المعاونة)، قال في "الأساس": وزير الملك: الذي يؤازره أعباء الملك، أي يحامله، وليس من المؤازرة؛ لأن واوها عن همزةٍ، وفعيلٌ منها: أزيرٌ، يقال: ازره، أي: شد به أزره، وأردت كذا فآزرني عليه فلانٌ: إذا ظاهرك وعاونك، وأجاز في الكتاب أن يكون منه بناء على الوزن وحمل النظير على النظير، وذلك أن أزيراً أخو المؤازر، كما أن العشير والجليس والخليل أخواتُ المعاشر والمجالس والمخال، وإذا ثبت أنه أخو المؤازر فكما قُلبت الهمزة في أخيه، وهو المؤازر، واواً. وقيل: مؤازرٌ، لانضمام ما قبله، تُقلب فيه، وإن لم ينضم ما قبله حملاً للنظير على النظير، ونُظرٍ إلى المضارع منه والمصدر، وهما: يؤازر والمؤازرة، فقوله: "ونظراً إلى يؤازر" عطفٌ على قوله: "إن فعيلاً جاء من حيث المعنى",
قوله: (أو (لِي وَزِيراً): مفعولاه)، فعلى هذا أيضاً قدم الثاني على الأول عناية بشأن نفسه، وأنه محتاجٌ إلى عون، ولذلك عقب به قوله: (يَفْقَهُوا قَوْلِي) كما قال: (هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي) [القصص: ٣٤].
قوله: (وإن جُعل عطف بيان آخر جاز وحسن)، يعني: (هَارُونُ) عطفُ بيانٍ للوزير،
стр. 5125
قرؤوا جميعا (اشْدُدْ) (وَأَشْرِكْهُ) على الدعاء. وابن عامر وحده: (أشدُد). و (أُشرِكه)، على الجواب.
وفي مصحف ابن مسعود: (أخى واشدُد). وعن أبى بن كعب: (أشركه في أمرى، واشدد به أزرى).
ويجوز فيمن قرأ على لفظ الأمر: أن يجعل (أَخِي) مرفوعا على الابتداء: و (اشْدُدْ بِهِ) خبره، ويوقف على (هارُونَ). الأزر: القوة. وأزره: قواه، أى: اجعله شريكي في الرسالة حتى نتعاون على عبادتك وذكرك، فإن التعاون - لأنه مهيج الرغبات - يتزايد به الخير ويتكاثر (إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً) أى: عالما بأحوالنا وبأن التعاضد مما يصلحنا، وأن هارون نعم المعين والشادّ لعضدى، بأنه أكبر منى سنا وأفصح لسانا.
(قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى) [طه: ٣٦]
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
و(أخِي) مثله، وإنما جاز ذلك وحسن وإن لم يكن أشهر الاسمين، مثل: (هَارُونُ) لكونه بمنزلته في الشهرة. وقليلاً ما نسمعه في التنزيل، ولم يشعبه، وفي "جاز وحسن" إيماءٌ إلى أن تقدير البدل أحسنُ.
قوله: (قرؤوا جميعاً (اشْدُدْ))، وفي "التيسير": قرأ ابن عامر: "أشدد به"، بقطع الألف وفتحها في الحالين، و"أشركه": بضم الهمزة، والباقون: بوصل الألف في الأول، ويبتدئونها بالضم وفتح الهمزة في الثاني. قال الزجاج: أما قطع الألف وفتحها وضم الألف في "وأشركه" فعلى جواب الأمر، المعنى: اجعل لي أخي وزيراً، فإنك إن فعلت ذل أشد به أزري وأشركه في أمري، على الإخبار عن النفس، وأما من قرأ (أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي) بوصل الألف، (وَأَشْرِكْهُ) بفتح الهمزة، فعلى الدعاء. المعنى: اللهم اشدد به أزري وأشركه في أمري.
стр. 5126
السؤل: الطلبة، فعل بمعنى مفعول، كقولك: خبز، بمعنى مخبوز. وأكل، بمعنى مأكول.
[سورة طه (٢٠): الآيات ٣٧ إلى ٣٩]
(وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى (٣٧) إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى (٣٨) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَاخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي) [طه: ٣٧ - ٣٩].
الوحى إلى أم موسى: إما أن يكون على لسان نبىّ في وقتها، كقوله تعالى (وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ)] المائدة: ١١١ [، أو يبعث إليها ملكا لا على وجه النبوة، كما بعث إلى مريم. أو يريها ذلك في المنام فتتنبه عليه. أو يلهمها كقوله تعالى (وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ)] النحل: ٦٨ [أى أوحينا إليها أمرا لا سبيل إلى التوصل إليه ولا إلى العلم به إلا بالوحي، وفيه مصلحة دينية فوجب أن يوحى ولا يخل به، أى: هو مما يوحى لا محالة وهو أمر عظيم، مثله يحق بأن يوحى (إذْ أَوْحَيْنَا إلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى) «أن» هي المفسرة لأن الوحى بمعنى القول.
القذف مستعمل في معنى الإلقاء والوضع. ومنه قوله تعالى (وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ)] الأحزاب: ٢٦ [، وكذلك الرمي قال:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أي: أوحينا إليها أمراً لا سبيل إلى التوصل إليه … إلا بالوحي)، هذا يؤذن أن الوحي الذي هو بمعنى الإلهام، لا يكون إلا في أمر يعز على كل أحد.
قوله: (ولا يُخل به)، بضم الياء وفتح الخاء، من: أخل الفارس بمركزه؛ إذا ترك موضعه الذي عينه الأمير له.
قوله: (القذف مستعمل في معنى الإلقاء)، الراغب: القذفُ: الرمي البعيدُ، ولاعتبار البُعد فيه قيل: منزلٌ قذفٌ وقذيفٌ وبلدةٌ قذوفٌ: بعيدةٌ. وقوله : (فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ) أي: اطرحيه فيه، واستعير القذف للشتم والعيب، كما استعير للرمي.
стр. 5127
غلام رماه الله بالحسن يافعا
أى: حصل فيه الحسن ووضعه فيه، والضمائر كلها راجعة إلى موسى. ورجوع بعضها إليه وبعضها إلى التابوت: فيه هجنة، لما يؤدى إليه من تنافر النظم. فإن قلت: المقذوف في البحر هو التابوت، وكذلك الملقى إلى الساحل. قلت: ما ضرك لو قلت: المقذوف والملقى هو موسى في جوف التابوت، حتى لا تفرق الضمائر فيتنافر عليك النظم الذي هو أم إعجاز القرآن. والقانون الذي وقع عليه التحدّى، ومراعاته أهم ما يجب على المفسر. لما كانت مشيئة الله تعالى وإرادته أن لا تخطئ جرية ماء اليم الوصول به إلى الساحل وإلقاءه إليه، سلك في ذلك سبيل المجاز، وجعل اليم كأنه ذو تمييز، أمر بذلك ليطيع الأمر ويمتثل رسمه، فقيل (فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ) روى أنها جعلت في التابوت قطنا محلوجا، فوضعته فيه وجصصته وقيرته، ثم ألقته في اليم وكان يشرع منه إلى بستان فرعون تهر كبير، فبينا هو جالس على رأس بركة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (غلامٌ رماه الله بالحسن يافعا)، تمامه في "المطلع":
له سيمياءٌ لا تشق على البصر
غلامٌ يافعٌ ويفعة: تحرك ولما يبلغ. والسيماءُ السيمياء: العلامة، وأصله الواو.
قوله: (فيه هجنةٌ)، والهجنة: مصدر الهجين، وهو الذي ولدته أمةٌ. الأساس: أنا أستهجنُ فعلك، وفيه هجنةٌ، وفي زناده هجنةٌ: إذا كان أحد الزندين واريا والآخر صلودا.
قوله: (سلك في ذلك)، جواب "لما"، والمشار إليه قوله: (فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ)، والمجاز من باب الاستعارة المكنية، شبه اليم بمأمورٍ ذي تمييز أورد عليه أمر آمر مطاع، وجعل القرينة أمره بقوله: (فَلْيُلْقِهِ).
стр. 5128
مع آسية إذا بالتابوت، فأمر به فأخرج ففتح، فإذا صبى أصبح الناس وجها، فأحبه عدوّ الله حبا شديدا لا يتمالك أن يصبر عنه. وظاهر اللفظ أنّ البحر ألقاه بساحله وهو شاطئه، لأنّ الماء يسحله أى يقشره وقذف به ثمة فالتقط من الساحل، إلا أن يكون قد ألقاه اليم بموضع من الساحل فيه فوهة نهر فرعون، ثم أداه النهر إلى حيث البركة (مِنِّي) لا يخلو إما أن يتعلق ب (ألقيت)، فيكون المعنى على: أنى أحببتك ومن أحبه الله أحبته القلوب.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لا يتمالك أن يصبر عليه)، الجوهري: ما تمالك: ماتماسك.
قوله: (وظاهر اللفظ)، عطفٌ على قوله: "رُوي" أو حالٌ من الضمير في "رُويَ"، يعني ظاهر لفظ القرآن يخالف الرواية المذكورة؛ لأن اليم: البحر، الساحل: هو شاطئه، والقذف من اليم إنما يكون بالساحل، وكذلك الالتقاط منه، وليس فيه دخول التابوت البركة فيلتقط منها إلا أن يُحمل اللفظُ على أن الساحل كان متصلاً بفوهة نهر فرعون، وقلتُ: رواية الواحدي ومحيي السنة: أن اليم هو نهر النيل والشاطئ هو شاطئ النيل، وكان يشرعُ من النيل نهر كبيرٌ في دار فرعون، فبينما فرعون جالس مع امرأته على رأس البركة إذا بتابوت يجيء به الماء، فأمر بإخراجه فأخرجوه.
قوله: (لأن الماء يسحله)، الجوهري: الساحلُ: شاطئ البحر، قال ابن دريد: هو مقلوبٌ، وإنما الماء سحله.
قوله: (وقذف به ثمة)، الفاعل المستتر في "قذف" للبحر، وهو عطفٌ تفسيريٌّ على "ألقاه بساحله"، وما بينهما معترض.
قوله: (فوهة نهر فرعون)، الجوهري: وأفواه الأزقة والأنهار، واحدتها فوهة بتشديد الواو.
стр. 5129
وإما أن يتعلق بمحذوف هو صفة لمحبة، أى: محبة حاصلة أو واقعة منى، قد ركزتها أنا في القلوب وزرعتها فيها، فلذلك أحبك فرعون وكل من أبصرك. روى أنه كانت على وجهه مسحة جمال، وفي عينيه ملاحة، لا يكاد يصبر عنه من رآه (عَلى عَيْنِي) لتربى ويحسن إليك وأنا مراعيك وراقبك،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وإما أن يتعلق بمحذوفٍ)، يعني: الجار والمجرور، يحتمل أن يكون ظرفاً لغواً، وأن يكون مستقراً، على الأول: "من" ابتدائي، فيكون إنشاء إلقاء المحبة من الله، ثم يسري منه إلى الخلق، وإليه الإشارة بقوله: "من أحبه الله تعالى أحبته القلوبُ"، وعلى الثاني: إما أن يُقدر عاملاً عاماً، كما هو المشهور، وهو المراد من قوله: "أي: محبةً حاصلةً - أي كائنة موجودة- مني"، أو خاصاً لقرائن الأحوال، وهو أن الله تعالى أوقع محبته في قلب آسية وأعدى عدوه فرعون وغيرهما، وإليه الإشارة بقوله: "قد ركزتها أنا في القلوب"، فلذلك أحبك فرعونُ، وكل من أبصرك، والوجه الثاني أشمل من حيث المنطوق، والأول أدخلُ في البلاغة من حيث المفهوم، ويساعد عليه ما روينا عن البخاري ومالك والترمذي عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: "إذا أحب الله العبد نادى جبريل: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض"، ورواية مسلم أبسط من هذا.
قوله: (مسحة جمال)، الأساس: مسحه بالماء والدهن، ومسح رأسه: أمر يده عليه، ومن المجاز: به مسحةٌ من جمال، يعني: كأن الجمال مسح وجهه، ومنه بيت الحماسة:
على الوجه مني مسحةٌ من ملاحةٍ … وتحت الثياب الخزي لو كان باديا
قوله: (وأنا مُراعيك وراقبك)، وفي نسخة: "ورافيك" من: رفوته سكينة من رُعب، يريد أن (عَلَى عَيْنِي): حالٌ من المستتر المرفوع في "لتُصنع"، وليس بصلة "لتُصنَعَ".
стр. 5130
كما يراعي الرجل الشيء بعينيه إذا اعتنى به، وتقول للصانع: اصنع هذا على عينى أنظر إليك لئلا تخالف به عن مرادى وبغيتي. (ولتصنع): معطوف على علة مضمرة، مثل: ليتعطف عليك وترأم «١» ونحوه. أو حذف معلله، أي: ولتصنع فعلت ذلك. وقرئ: (ولتصنع) ولتصنع، بكسر اللام وسكونها. والجزم على أنه أمر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كما يراعي الرجل الشيء بعينيه: إذا اعتنى به)، إشارةٌ إلى أن في التركيب تمثيلاً واستعارة، قال الواحدي: وتفسير قوله: (عَلَى عَيْنِي): بمرأى مني صحيح، ولكن لا يكون في هذا تخصيصٌ لموسى، فإن جميع الأشياء بمرأى من الله. الصحيح: لتُغذى على محبتي وإرادتي. وهذا قول قتادة اختيار أبي عبيدة وابن الأنباري، وقال أبو زيد: العرب تقول: اتخذ شيئاً على عيني: على محبتي.
وقلت: هذا الاختصاص للتشريف كاختصاص عيسى ﵇ بكلمة الله، والكعبة ببيت الله، فإن الكل موجودٌ بـ "كُن"، وكل البيوت بيت الله، على أن خلاصة الكلام وزبدته تفيد مزيد الاعتناء بشأنه، وأنه من الملحوظين بسوابق إنعامه.
قوله: (وترأم)، الجوهري: رئمت الناقة ولدها رئماناً: إذا أحبته.
قوله: ((وَلِتُصْنَعَ) بكسر اللام وسكونها) قال ابن جني: وهي قراءة أبي جعفر، وليس دخول لام الأمر هنا كدخولها في قوله: (فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا) [يونس: ٥٨] بالتاء؛ لأن المأمور في (فَلْيَفْرَحُوا) مخاطبٌ، وهاهنا غائبٌ، وهو كقولنا: ولتعن بحاجتي ولتوضع في تجارتك؛ لأن المعاني بها، والواضع فيها غير المخاطبين، نحو: ليضرب زيدٌ ولتكرم هندٌ، فأما قول الرجل: خُذ طرفك لآخذ طرفين وقولهم: لنمش كلنا، وإنما جاء باللام ولم يخفف تخفيف "قُم" و"سِرْ" ونحوهما؛ لأنه لم يكثر أمرُ الإنسان لنفسه كرة أمره لغيره، فلما قل استعماله لم يخفف.
стр. 5131
وقرئ: (ولتَصنَعَ)، بفتح التاء والنصب، أى: وليكون عملك وتصرفك على عين منى.
(إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى (٤٠) وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي) [طه: ٤٠ - ٤١].
العامل في (إِذْ تَمْشِي) (أَلْقَيْتُ) أو (ِتُصْنَعَ) ويجوز أن يكون بدلا من (إِذْ أَوْحَيْنا).
فإن قلت: كيف يصح البدل والوقتان مختلفان متباعدان؟ قلت: كما يصح - وإن اتسع الوقت وتباعد طرفاه - أن يقول لك الرجل: لقيت فلانا سنة كذا، فتقول: وأنا لقيته إذ ذاك. وربما لقيه هو في أولها وأنت في آخرها. يروى أن أخته واسمها مريم جاءت متعرفه خبره، فصادفتهم يطلبون له مرضعة يقبل ثديها، وذلك أنه كان لا يقبل ثدي امرأة فقالت: هل أدلكم فجاءت بالأمّ فقبل ثديها. ويروى أن آسية استوهبته من فرعون وتبنته، وهي التي أشفقت عليه وطلبت له المراضع.
هي نفس القبطي الذي استغاثه عليه الإسرائيلى. قتله وهو ابن اثنتي عشرة سنة:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ("ولتصنع" بفتح التاء والنصب)، وكسر اللام، قرأها أبو نهيك.
قوله: (العامل في (إِذْ تَمْشِي): "ألقيتُ" أو"تُصنع")، قال صاحب "الانتصاف": (وَلِتُصْنَعَ) أولى؛ لأن معناه: إنك محفوظٌ مكلوءٌ وزمانُ التربية هو زمان رده إلى أمه، وأما إلقاء المحبة عليه، فقيل: ذلك من أول ما التقطه فرعون.
وقلتُ: والأولى تقدير: اذكر؛ لأن كونه مراقباً محفوظاً قبل زمان رده إلى أمه من حين وجوده وإلقائها له في التابوت واليم وغير ذلك، وكأن الكلام سيق للامتنان فاستقلاله، بالذكر أحرى.
стр. 5132
اغتم بسبب القتل خوفا من عقاب الله ومن اقتصاص فرعون، فغفر الله له باستغفاره حين قال (رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي)] القصص: ١٦ [ونجاه من فرعون أن ينشب فيه أظفاره حين هاجر به إلى مدين.
(فُتُوناً) يجوز أن يكون مصدرا على فعول في المتعدّى، كالثبور والشكور والكفور. وجمع فتن أو فتنة، على ترك الاعتداد بتاء التأنيث، كحجوز وبدور، في حجزة وبدرة: أى فتناك ضروبا من الفتن. سأل سعيد بن جبير ابن عباس رضى الله عنه، فقال: خلصناك من محنة بعد محنة: ولد في عام كان يقتل فيه الولدان، فهذه فتنة يا ابن جبير. وألقته أمّه في البحر. وهمّ فرعون بقتله. وقتل قبطيا. وأجر نفسه عشر سنين. وضلّ الطريق وتفرّقت غنمه في ليلة مظلمة، وكان يقول عند كل واحدة: فهذه فتنة يا ابن جبير. والفتنة: المحنة، وكل ما يشق على الإنسان. وكل ما يبتلى الله به عباده: فتنة. قال (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً)] الأنبياء: ٣٥ [. (مَدْيَنَ) على ثماني مراحل من مصر. وعن وهب: أنه لبث عند شعيب ثمانيا وعشرين سنة، منها مهر ابنته،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ونجاه من فرعون أن يُنشب فيه أظفاره)، بدلٌ من فرعون بدل اشتمال، أي: نجاه من أن ينشب فرعون فيه الأظفار، شبه فرعون بسبعُ ضارٍ لقوة غضبه وشدة شكيمته وأثبت له لازمه. كقول الهُذلي:
وإذا المنية أنشبت أظفارها
قوله: (هاجر به)، الباء للتعدية، أي: جعله الله مهاجراً إلى مدينة
قوله: (على فعول في المتعدي)، إشارة إلى أن ذلك قليل، وهو مع قلته قد جاء كالأمثلة المذكورة.
قوله: (وجمع فتن)، من قولهم: فتن الذهب بالنار: إذا خلصته بها.
стр. 5133
وقضى أوفى الأجلين. أي سبق في قضائي وقدرى أن أكلمك وأستنبئك، وفي وقت بعينه قد وقته لذلك، فما جئت إلا على ذلك القدر غير مستقدم ولا مستأخر. وقيل: على مقدار من الزمان يوحى فيه إلى الأنبياء، وهو رأس أربعين سنة. هذا تمثيل لما خوّله من منزلة التقريب والتكريم والتكليم. مثل حاله بحال من يراه بعض الملوك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقضى أوفى الأجلين)، أي: المذكورين في قوله تعالى حكاية عن شُعيب: (إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَاجُرَنِي ثَمَانِيَةَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ … ) إلى قوله: ( … فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ) [القصص: ٢٩].
قوله: (قد وقته لذلك)، أي: التكليم والاستنباء. المُغرب: الوقت من الأزمنة المبهمة، ثم استعمل في كل حد، وقد اشتقوا منه فقالوا: وقت الله الصلاة ووقتها، أي: بين وقتها وحدده، ثم قيل لكل محدودٍ: موقوتٌ وموقت.
قوله: (هذا تمثيل لما خوله)، يعني قوله: (وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي) لا يجوز أن يجري على ظاهره لاستغنائه تعالى عن ذلك، فهو استعارةٌ تمثيلية وبيانها قوله "مثل حاله بحال من يراه" إلى آخره.
الراغب: الصنيعة ما اصطنعته من خير. وفرس صنيع: أُحسن القيام عليه، عُبر عن الأمكنة الشريفة بالمصانع، قال تعالى: (وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ) بالشعراء: ١٢٩]، وكُني عن الرشوة بالمصانعة، والاصطناع: المبالغة في إصلاح الشيء، قال تعالى: (وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي) [طه: ٤١]، قوله: (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) إشارة إلى نحوٍ ما قال بعض الحكماء: إن الله إذا أحب عبداً تفقده كما يتفقد الصديقُ الصديقَ، والصنعُ: إجادةُ الفعل، ولا ينسبُ إلى الحيوانات والجمادات، كما ينسب إليها الفعل، قال تعالى: (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ) [النمل: ٨٨]، وللإجادة يقالُ للاذق المجيد: صنعٌ وللمرأة صناع.
стр. 5134
لجوامع خصال فيه وخصائص، أهلا لئلا يكون أحد أقرب منزلة منه إليه، ولا ألطف محلا، فيصطنعه بالكرامة والأثرة، ويستخلصه لنفسه. ولا يبصر ولا يسمع إلا بعينه وأذنه، ولا يأتمن على مكنون سره إلا سواء ضميره.
(اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي (٤٢) اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (٤٣) فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى) [طه: ٤٢ - ٤٤].
الونى. الفتور والتقصير. وقرئ: (تِنيا)، بكسر حرف المضارعة للإتباع، أى: لا تنسيانى ولا أزال منكما على ذكر حيثما تقلبتما، واتخذا ذكرى جناحا تطيران به
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لئلا يكون أقرب منزلة)، "يكون" تامة، والفاعل "أقربُ"، أي: لئلا يوجد أحدٌ أقرب منزلةً منه.
قوله: (ولا يأتمن على مكنون سره إلا سواء ضميره)، الأساس: سواءُ الشيء: وسطه، وضرب سواءه: وسطه ومستوى مفرقه، (فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ) بالصافات: ٥٥] أي: وسطها.
قوله: (الوني: الفتور والتقصير)، الأساس: ونى في الأمر: ضعف وفتر، وفلانٌ عمل فونى: تعب، وأونيته: أتعبته.
قوله: (واتخذا ذكري جناحا)، ولما عقب النهي عن الونى في الذكر بالأمر بالذهاب، وكرره إجمالاً وتفصيلاً حسن قوله: "واتخذا ذكري جناحاً تطيران به"، يعني: اذهبا بآياتي وأسرعا فيه استعينا على إمضائها بمداومة ذكري، فإن الأمر الذي وجهتما إليه ما يتمشى إلا بمداومة الذكر والاصطبار عليها، وفيه تلويح إلى إشارات العارفين، وأن الترقي إلى المقامات العالية والعروج إلى مظان الزلفى إنما يحصل بملازمة الذكر وشد أعضاده بالأعمال الصالحة، (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) [فاطر: ١٠]، انظر
стр. 5135
مستمدين بذلك العون والتأييد منى، معتقدين أن أمرا من الأمور لا يتمشى لأحد إلا بذكرى. ويجوز أن يريد بالذكر تبليغ الرسالة، فإن الذكر يقع على سائر العبادات، وتبليغ الرسالة من أجلها وأعظمها، فكان جديرا بأن يطلق عليه اسم الذكر. روى أن الله تعالى أوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى. وقيل: سمع بمقبله. وقيل: ألهم ذلك. قرئ (لَيِّناً) بالتخفيف والقول اللين. نحو قوله تعالى (هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى)] النازعات: ١٨ - ١٩ [لأنّ ظاهره الاستفهام والمشورة، وعرض ما فيه من الفوز العظيم. وقيل: عداه شبابا لا يهرم بعده، وملكا لا ينزع منه إلا بالموت، وأن تبقى له لذة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته. وقيل: لا تجبهاه بما يكره، والطفا له في القول، لما له من حق تربية موسى، ولما ثبت له من مثل حق الأبوّة. وقيل:
كنياه وهو من ذوى الكنى الثلاث: أبو العباس، وأبو الوليد، وأبو مرّة. والترجي لهما، أى: اذهبا على رجائكما وطمعكما، وباشرا الأمر مباشرة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كيف كرر الذكر من أول ما بدأ بالكليم ليعرف عائدته، ومن ثم قال: إن أمراً من الأمور لا يتمشى لأحدٍ إلا بذكري.
قوله: (سمع بمقبله)، أي: بإقباله، الأساس: رأيتُ بذلك القبل شخصاً وهو ما استقبلك من نشز أو جبل.
قوله: (وعرضُ ما فيه من الفوز العظيم)، عطفٌ تفسيري على قوله: "والمشورة"، وهي على قوله: "الاستفهام"، يعني: القول اللين من مثل موسى ﵇ لمثل فرعون لا يكون إلا على المشورة التعريض، فصح الاستشهاد بقوله: (هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى) [النازعات: ١٨ - ١٩].
قوله: (عداه)، وهو أمر للاثنين، من الوعد.
قوله: (لا تجبهاه بما يكره)، الأساس: جبهته، ومن المجاز: لقيه بما يكره، ولقيت منه جبهة، أي: مذلة.
قوله: (والترجي لهما)، إشارةٌ إلى أن معنى الترجي راجع إليهما لا إلى الله تعالى؛ لأنه يعلمُ
стр. 5136
من يرجو ويطمع أن يثمر عمله ولا يخيب سعيه، فهو يجتهد بطوقه، ويحتشد بأقصى وسعه. وجدوى إرسالهما إليه مع العلم بأنه لن يؤمن إلزام الحجة وقطع المعذرة (وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ)] طه: ١٣٤ [، أى: يتذكر ويتأمّل فيبذل النصفة من نفسه والإذعان للحق (أَوْيَخْشى) أن يكون الأمر كما تصفان، فيجرّه إنكاره إلى الهلكة.
(قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى) [طه: ٤٥].
فرط: سبق وتقدّم. ومنه الفارط: الذي يتقدّم الواردة. وفرس فرط: يسبق الخيل، أى: نخاف أن يعجل علينا بالعقوبة ويبادرنا بها. وقرئ (يَفْرُطَ) من أفرطه غيره إذا حمله على العجلة. خافا أن يحمله حامل على المعاجلة بالعقاب من شيطان، أو
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ما كان وما سيكون (وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ) [يونس: ٦١]، وقوله: "وجدوى إرسالهما" إلزام عطفٌ على قوله: "والترجي لهما".
قوله: (يتقدم الواردة)، أي: الذين يردون الماء.
قوله: (وقرئ: "يفرط"، من: أفرطه غيره)، هذه القراءة وما بعدها شاذتان. والمشهور: (أَنْ يَفْرُطَ) بفتح الياء وضم الراء، قال ابن جني: القراءة بفتح الراء وضم الياء لابن محيصن، وهي منقولة من (يَفْرُطَ عَلَيْنَا) أي: يسبق ويُسرع، فكأنه يفرطه مفرطٌ، أي: يحمله حاملٌ على السرعة وترك التأني بنا، والحم على العجلة في بابنا.
قال أبو البقاء الجمهور على فتح الياء وضم الراء، فيجوز أن يكون التقدير (أن يَفْرُطَ عَلَيْنَا) منه قولٌ، فأضمر القول، كما تقول: فرط مني قول. أو الفاعل: ضميرُ فرعون كما في (أَنْ يَطْغَى).
стр. 5137
من جبروته واستكباره وادّعائه الربوبية. أو من حبه الرياسة، أو من قومه القبط المتمرّدين الذين حكى عنهم ربّ العزّة (قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ)] الأعراف: ٦٠ [(قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ)] المؤمنون: ٣٣ [وقرئ: (يفرط)، من الإفراط في الأذية، أى: نخاف أن يحول بيننا وبين تبليغ الرسالة بالمعاجلة. أو يجاوز الحدّ في معاقبتنا إن لم يعاجل، بناء على ما عرفا وجرّبا من شرارته وعتوّه (أَوْ أَنْ يَطْغى) بالتخطي إلى أن يقول فيك ما لا ينبغي، لجرأته عليك وقسوة قلبه. وفي المجيء به هكذا على الإطلاق وعلى سبيل الرمز: باب من حسن الأدب وتحاش عن التفوّه بالعظيمة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أو بمجاوزة الحد)، عطفٌ على قوله: "بالمعاجلة"، ويروى: "أو يجاوز الحد" عطفٌ على: "يحول بيننا"، والمعنى على الأول، أي: على القراءتين الأوليين: نخاف من أن يحول بيننا وبين تبليغ الرسالة بالمعاجلة بالعقاب، فإنه لا أذية فوقها لماعهدنا من التوصية بإبلاغ الرسالة، وعلى الثاني المعنى: نخاف من الإفراط في الأذية، فإنه شرير عاتٍ عذابه شديدٌ، فقوله: أن يحول: مبني على القراءتين السابقتين، أو بمجاوزة الحد على الأخيرة على اللف والنشر.
قوله: (من شرارته)، الأساس: شر فلانٌ يشر شرارةً، وهو شريرٌ.
قوله: (على الإطلاق وعلى سبيل الرمز)، يريد أنهما ﵉ لم يذكرا متعلق (يَطْغَى)، وهو: عليك، بمعنى القول فيك بما لا ينبغي، وذكرا متعلق (يَفْرُطَ) وهو: (عَلَيْنَا)؛ لأن معرته عائدة إليهما إجلالاً لله تعالى وتهيباً من عزته واستزادة لرأفته واستنزالاً لرحمته، وذلك أن الجاهل بالله وبرسوله يخاف منه على الرسول بالإفراط في التكذيب أو في العقوبة، وعلى الله بما لا ينبغي من القول فيه (فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ) [الأنعام: ١٠٨].
стр. 5138
(قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى (٤٦) فَاتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى (٤٧) إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى) [طه: ٤٦ - ٤٨].
(مَعَكُما) أى حافظكما وناصركما (أَسْمَعُ وَأَرى) ما يجرى بينكما وبينه من قول وفعل، فأفعل ما يوجبه حفظي ونصرتي لكما، فجائز أن يقدّر أقوالكم وأفعالكم، وجائز أن لا يقدّر شيء، وكأنه قيل: أنا حافظ لكما وناصر سامع مبصر. وإذا كان الحافظ والناصر كذلك، تمّ الحفظ وصحت النصرة، وذهبت المبالاة بالعدّو. كانت بنو إسرائيل في ملكة فرعون والقبط، يعذبونهم بتكليف الأعمال الصعبة: من الحفر والبناء ونقل الحجارة، والسخرة في كل شيء، مع قتل الولدان، واستخدام النساء.
(قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ) جملة جارية من الجملة الأولى وهي (إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ) مجرى البيان والتفسير لأنّ دعوى الرسالة لا تثبت إلا ببينتها التي هي المجيء
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فجائز أن يُقدر)، الفاء تفصيل لقوله: "ما يجري بينكما وبينه من قول أو فعل"، يعني: يجوز إرادة هذا المعنى من التركيب، إما بالتقدير بحسب القرائن، وإما بغير التقدير على سبيل الكناية، بأن يجعل الفعل المتعدي لازماً ليعم، ثم يكنى به عن فعل خاص ما فعل البحتري في قوله:
شجو حساده وغيظ عداه … أن يرى مبصر ويسمع واع
أي: يكون ذو رؤية وذو سمع، فعبر به عن قوله: أن يرى مبصرٌ آثار محاسن الممدوح، ويسمع واع صيت محامده.
قوله: (مجرى البيان والتفسير)، وإنما لم يكن بياناً تاماً؛ لأنه في الظاهر كالعلة، والعلة غير المعلول، كأنه لما قالا: (إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ)، فقيل: لم قالا: (قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ)؟ لان دعوة الرسالة لا تثبت إلا ببينتها، إلى آخره.
стр. 5139
بالآية، إنما وحد قوله (بِآيَةٍ) ولم يثن ومعه آيتان، لأنّ المراد في هذا الموضع تثبيت الدعوى ببرهانها، فكأنه قال: قد جئناك بمعجزة وبرهان وحجة على ما ادعيناه من الرسالة، وكذلك (قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ)] الأعراف: ١٠٥ [، (فَاتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ)] الشعراء: ١٥٤ [، (أَوَ لَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ)] الشعراء: ٣٠ [.
يريد: وسلام الملائكة الذين هم خزنة الجنة على المهتدين، وتوبيخ خزنة النار والعذاب على المكذبين.
(قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى (٤٩) قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى) [طه: ٤٩ - ٥٠].
خاطب الاثنين، ووجه النداء إلى أحدهما وهو موسى، لأنه الأصل في النبوة، وهارون وزيره وتابعه. ويحتمل أن يحمله خبثه ودعارته على استدعاء كلام موسى دون كلام أخيه، لما عرف من فصاحة هارون والرتة في لسان موسى.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وسلام الملائكة الذين هم خزنة الجنة على المهتدين)، إلى آخره، فيه إشارة إلى التعريض، والسلام محمول على التحية والتعريف فيه للعهد، والأحسن ما قال الزجاج: والسلام ليس يعني به التحية، وإنما معناه أن من اتبع الهدى سلم من عذاب الله وسخطه، الدليل على أنه ليس بسلام أنه ليس ابتداء لقاء، وتحقيقه ما ذكر المصنف في قول عيسى ﵇: (وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ) [مريم: ٣٣]: "اللام: للجنس، فإذا قال: جنسُ السلام عليَّ خاصةً فقد عرض بأن ضده عليكم، ونظيره قوله تعالى: (وَالسَّلامُ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى)، يعني أن العذاب على من كذب وتولى، وكان المقام مقام مناكرة وعناد، فهو مظنة لنحو هذا من التعريض". وقلت: ولما دل قوله: (وَالسَّلامُ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى) على التوبيخ لمكان التعريض، كان قوله: (إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا) استئنافاً منطوياً على تعليل ذلك المفهوم المقصود في الإيراد، كأنه قيل: العذاب على من كذب وتولى؛ لأن الله تعالى أوحى إلينا ذلك، وفيه لمحة من كلام المصنف.
стр. 5140
ويدل عليه قوله (أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبِينُ)] الزخرف: ٥٢ [، (خَلْقَهُ) أول مفعولي (أَعطَى)، أي: أعطى خليقته كل شيء يحتاجون إليه ويرتفقون به. أو ثانيهما، أى: أعطى كل شيء صورته وشكله الذي يطابق المنفعة المنوطة به، كما أعطى العين الهيئة التي تطابق الإبصار، والأذن الشكل الذي يوافق الاستماع، وكذلك الأنف واليد والرجل واللسان: كل واحد منها مطابق لما علق به من المنفعة، غير ناب عنه. أو أعطى كل حيوان نظيره في الخلق والصورة، حيث جعل الحصان والحجر «٢» زوجين، والبعير والناقة، والرجل والمرأة، فلم يزاوج منها شيئا غير جنسه وما هو على خلاف خلقه. وقرئ: (خلقه)، صفة للمضاف أو للمضاف إليه، أي:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ويدل عليه قوله: (أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ))، أي: يدل على أن فرعون كان عارفاً من فصاحة هارون والرتةِ في لسان موسى: هذا الكلام.
قوله: (أعطى خيفته)، الجوهري: الخليقة: الخلائق، يقالُ: هم خليقةُ الله، وهم خلق الله أيضاً، وهو في الأصل مصدر.
قوله: (أو ثانيهما، أي: أعطي كل شيء صورته)، فالضمير في (خَلَقَهُ) لـ (شيءٍ)، وعلى الأول لله تعالى. قال القاضي: إنما قدم المفعول الثاني على الأول لأنه المقصود بيانه.
وقلتُ: لأن مقصود موسى ﵇ إيجاب العبودية على فرعون واستجلابُ الشكر على الوجه الثاني منه وأنه مغمورٌ في إنعام الله وعطائه، يؤيده قراءة من قرأ: "خلقَهُ" صفة، أي: كل شيءٍ خلقه الله لم يخله من عطائه وإنعامه، وتنزيلُ الجواب على الوجه الثاني يناسب قوله: (الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ) [الانفطار: ٧ - ٨].
стр. 5141
كل شيء خلقه الله لم يخله من عطائه وإنعامه (ثُمَّ هَدى) أى عرّف كيف يرتفق بما أعطى، وكيف يتوصل إليه. ولله درّ هذا الجواب ما أخصره وما أجمعه، وما أبينه لمن ألقى الذهن ونظر بعين الإنصاف وكان طالبا للحق.
(قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى (٥١) قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى (٥٢) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى (٥٣) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى) [طه: ٥١ - ٥٤].
سأله عن حال من تقدم وخلا من القرون، وعن شقاء من شقى منهم وسعادة من سعد، فأجابه بأنّ هذا سؤال عن الغيب، وقد استأثر الله به لا يعلمه إلا هو، وما أنا إلا عبد مثلك لا أعلم منه إلا ما أخبرنى به علام الغيوب، وعلم أحوال القرون
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كل شيء خلقه الله لم يخله من عطائه)، يؤذن أن ثاني مفعولي (أَعْطَى) محذوفٌ، إما للعموم أو الإطلاق، قال أبو البقاء: المفعول الثاني محذوفٌ للعلم به، أي: أعطى كل شيء ما يُصلحه.
قوله: (ولله در هذا الجواب ما أخره وما أجمعه، وما أبينه لمن ألقى الذهن)، يعني: وكان من حق الظاهر أن يقولا: رب العالمين، لكن سلكا طريق الإرشاد والأسلوب الحكيم.
قوله: (وعن شقاء من شقي منهم وسعادة من سعد)، يُريدُ به على سبيل التفصيل والتشخيص، يدل عليه الفاء في قوله: (فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى)؛ لأنه طلبُ تفصيل ما سبق من قوله: (وَالسَّلامُ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى)، وقوله: (أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى)، ومن ثم حسُنَ جوابه ﵇ بقوله: (عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي)، وتعليله بقوله: (لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى)، قال الإمام: إن موسى ﵇ لما هدد في قوله: (أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى)، فقال فرعون: (فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى) فإنها كذبت ثُم ما عُذبوا.
стр. 5142
مكتوب عند الله في اللوح المحفوظ، لا يجوز على الله أن يخطئ شيئا أو ينساه. يقال: ضللت الشيء إذا أخطأته في مكانه فلم تهتد له، كقولك: ضللت الطريق والمنزل. وقرئ: (يُضِلُّ)، من أضله إذا ضيعه. وعن ابن عباس: لا يترك من كفر به حتى ينتقم منه، ولا يترك من وحده حتى يجازيه. ويجوز أن يكون فرعون قد نازعه في إحاطة الله بكل شيء وتبينه لكل معلوم، فتعنت وقال: ما تقول في سوالف القرون، وتمادى كثرتهم، وتباعد أطراف عددهم، كيف أحاط بهم وبأجزائهم وجواهرهم؟ فأجاب بأنّ كل كائن محبط به علمه، وهو مثبت عنده في كتاب، ولا يجوز عليه الخطأ والنسيان، كما يجوزان عليك أيها العبد الذليل والبشر الضئيل، أى: لا يضل كما تضل أنت، ولا ينسى كما تنسى يا مدعى الربوبية بالجهل والوقاحة (الَّذِي جَعَلَ) مرفوع صفة (لربي). أو خبر مبتدأ محذوف أو منصوب على المدح، وهذا من مظانه ومجازه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كما يجوزان عليك أيها العبدُ الذليل)، إشارةٌ إلى أن قوله: (لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى) على سبيل التعريض، كما مر؛ لأنه زعم أن الربوبية مشتركةٌ ينه وبين الله لقوله: (أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى) [النازعات: ٢٤]، فإجراء الأوصاف الباقية على المدح أحرى وأولى، كأنه قال: ربي المعروفُ بالمالكية المشهور بالربوبية الذي لا يخفى على كل عالم وجاهل: خالقُ كل شيء في السماء والأرض وما بينهما من الخلائق والمرافق. ومن صفات كماله أنه جعل لكم الأرض مهاداً، وأنزل من السماء ماءً، ولو جُعل صفةً لـ (رَبِّي) أفاد تمييزاً وأن الرب مشتركٌ بينه وبين الله على زعمه، لقوله: (أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى) وفاتت الفوائد.
стр. 5143
(مَهْداً) قراءة أهل الكوفة، أى: مهدها مهدا. أو يتمهدونها فهي لهم كالمهد وهو ما يمهد للصبي (وَسَلَكَ) من قوله تعالى (ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ)] المدثر: ٤٢ [، (سَلَكْناهُ)] الشعراء: ٢٠٠ [، (نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ)] الحجر: ١٢ [أى حصل لكم فيها سبلا ووسطها بين الجبال والأودية والبراري (فَأَخْرَجْنا) انتقل فيه من لفظ الغيبة إلى لفظ المتكلم المطاع، لما ذكرت من الافتنان
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((مهداً) قراءةُ أهل الكوفة)، والباقون: (مِهَاداً).
قوله: (انتقل فيه من لفظ الغيبة إلى لفظ المتكلم المُطاع)، قال صاحب "الانتصاف": هذا ليس بالتفاتٍ؛ لأن الالتفات يكون في كلام مُتكلم واحد، وهاهنا حكى الله تعالى عن موسى ﵇ قوله لفرعون: (عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ) إلى قوله: (وَلا يَنسَى)، وقوله: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ) إلى قوله: (فَأَخْرَجْنَا بِهِ)، إما أن يكون من كلام موسى، فيكون كلام بعض خواص الملك: أمرنا وفعلنا، يريدون الملك، وليس بالتفات، وإن كان الله تعالى ابتدأ وصف ذاته فليس التفاتاً، وهو انتقال من حاكية إلى إنشاء خطاب، وعلى هذا يوقف على (وَلا يَنسَى)، ويحتملُ أن موسى وصف الله تعالى بهذه الصفة على لفظ الغيبة، وقال: (فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً) فلما حكاه الله عنه أسند الضمير إلى ذاته؛ لأنه الحاكي هو المحكي عنه، فمرجعُ الضميرين واحدٌ.
وقلتُ: هذا الأخير له وجهٌ؛ لأنه إذا نُظر إلى أن الله تعالى حكى عنه وغير العبارة يكون التفاتاً، وإذا نُظر إلى أن الله تعالى حكى عنه وغير العبارة يكون التفاتاً، وإذا نُظر أن موسى ﵇ سمع هذه الكلمات بعينها من الله تعالى فاقتبسه وأُدرج في كلامه، كان التفاتاً أيضاً، ونحوه في الإدراج قوله تعالى في الزخرف: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ مَهْداً) [الزخرف: ٩ - ١٠] إلى قوله: (وَالَّذِي نَزَّلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً
стр. 5144
والإيذان بأنه مطاع تنقاد الأشياء المختلفة لأمره، وتذعن الأجناس المتفاوتة لمشيئة، لا يمتنع شيء على إرادته. ومثله قوله تعالى (وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ)] الأنعام: ٩٩ [، (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها)] فاطر: ٢٧ [، (أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ)] النمل: ٦٠ [، وفيه تخصيص أيضا بأنا نحن نقدر على مثل هذا، ولا يدخل تحت قدرة أحد (أَزْواجاً) أصنافا، سميت بذلك لأنها مزدوجة ومقترنة بعضها مع بعض (شَتَّى) صفة للأزواج، جمع شتيت، كمريض ومرضى. ويجوز أن يكون صفة للنبات، والنبات مصدر سمى به النابت كما سمى بالنبت، فاستوى فيه الواحد والجمع، يعنى أنها شتى مختلفة النفع والطعم واللون والرائحة والشكل، بعضها يصلح للناس وبعضها للبهائم. قالوا: من نعمته عز وعلا أن أرزاق العباد إنما تحصل بعمل الأنعام، وقد جعل الله علفها مما يفضل عن حاجتهم ولا يقدرون على أكله،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مَيْتاً كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ) [الزخرف: ١١]، ومعنى (لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ) إلى آخره: لينسُبن خلقها إلى الذي وُصف بهذه الأوصاف وقيل في حقه تلك النعوت.
قوله: (والإيذان بأنه مُطاعٌ تنقاد الأشياء المختلفة لأمره)، يعني: في وضع ضمير الجمع موضع المفرد على سنن الملوك في هذه الآيات الدالة على سرعة تأتي المكونات على اختلافها لإرادته، فإن الملك لا يأبى من تحت تصرفه مع اختلاف أصنافهم لسرعة إجابته وامتثال أمره، وقد أدمج في الكلام معنى الاختصاص رداً لزعم الطبيعيين على منوال: إنا نفعلُ كذا أيتها العصابة، كما قال: بأنا نحن نقدرُ على مثل هذا، ولا يدخل تحت قدرة أحد، أي: الماء واحدٌ والأرض واحدةُ والمخرج مختلفٌ ألوانه، فلا يكون ذلك إلا بإيجاد قادرٍ مختارٍ لا يمتنع شيءٌ من إرادته ومشيئته، كقوله تعالى: (وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ) [الرعد: ٤].
стр. 5145
أي قائلين: (كُلُوا وَارْعَوْا) حال من الضمير في (فَأَخْرَجْنا) المعنى: أخرجنا أصناف النبات آذنين في الانتفاع بها، مبيحين أن تأكلوا بعضها وتعلفوا بعضها.
(مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى) [طه: ٥٥].
أراد بخلقهم من الأرض خلق أصلهم هو آدم ﵇ منها. وقيل إن الملك لينطلق فيأخذ من تربة المكان الذي يدفن فيه فيبدّدها على النطفة فيخلق من التراب والنطفة معا. وأراد بإخراجهم منها أنه يؤلف أجزاءهم المتفرقة المختلطة بالتراب، ويردّهم كما كانوا أحياء، ويخرجهم إلى المحشر (يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً)] المعارج: ٤٣ [، عدّد الله عليهم ما علق بالأرض من مرافقهم، حيث جعلها لهم فراشا ومهادا يتقلبون عليها، وسوّى لهم فيها مسالك يتردّدون فيها كيف شاءوا، وأنبت فيها أصناف النبات التي منها أقواتهم وعلوفات بهائمهم، وهي أصلهم الذي منه تفرعوا، وأمهم التي منها ولدوا، ثم هي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (عدد الله عليهم ما علق بالأرض)، بيانٌ للنظم وأن الآية كالتتميم للآية الأولى، والتكميل للمنافع المنوطة بالأرض، دلت الأولى على بيان مرافقهم وأصناف انتفاعهم، وهذه على أنها أصلهم وفيها تقلبهم حياً وميتاً، فكانت كالأم البارة بولدها في جميع ما يفتقر إليه، ومن ثم استشهد بقوله: "تمسحوا بالأرض فإنها أم بارة".
النهاية: أراد به التيمم، وقيل: أراد به مباشرة ترابها بالجباه في السجود من غير حائل، وهذا أمر تأديب واستحباب لا وجوب، فإنها أم برةٌ، أي: مُشفقة كالوالدة بأولادها، يعني أن منها خلقكم ومنها معاشكم وإليها بعد الموت معادكم.
стр. 5146
كفاتهم إذا ماتوا. ومن ثم قال رسول الله ﷺ «تمسحوا بالأرض فإنها بكم برّة».
(وَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وَأَبى) [طه: ٥٦].
(أَرَيْناهُ) بصرناه أو عرفناه صحتها ويقناه بها. وإنما كذب لظلمه، كقوله تعالى (وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا)] النمل: ١٤ [وقوله تعالى (قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ)] الإسراء: ١٠٢ [وفي قوله تعالى (آياتِنا كُلَّها) وجهان، أحدهما: أن يحذى بهذا التعريف الإضافى حذو التعريف باللام لو قيل الآيات كلها، أعنى أنها كانت لا تعطى إلا تعريف العهد، والإشارة إلى الآيات المعلومة التي هي تسع الآيات المختصة بموسى ﵇: العصا، واليد، وفلق البحر، والحجر، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، ونتق الجبل. والثاني:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كفاتهم إذا ماتوا)، هو من قوله تعالى: (أَلَمْ نَجْعَلْ الأَرْضَ كِفَاتاً) [المرسلات: ٢٥]، قال: الفاتُ من كفت الشيء: إذا ضمه وجمعه، وهو اسم ما يكفتُ أي: كافتةً أحياءً وأمواتاً.
قوله: (بصرناه أو عرفناه صحتها)، يعني: يجوزُ أن يكون (أَرَيْنَاهُ) من الرؤية بمعنى الإبصار، وأن يكون من الرؤية بمعنى المعرفة، وعلى التقديرين متعد إلى مفعولين، وعلى الثاني المضاف محذوفٌ، ولا يجوز أن تكون الرؤية بمعنى العلم؛ لئلا يلزم حذفُ المفعول الثالث من الإعلام وهو غير جائز.
قوله: (العصا واليد وفلقُ [البحر و] الحجر)، إلى آخره، وليس في "معالم التنزيل" ذكرُ الحجر ولا نتقِ الجبل، وفيه في روايةٍ عن ابن عباس ﵁: والعقدة التي كانت بلسانه فحلها، وفي رواية عكرمة: والسنون ونقصٌ من الثمرات، وفي رواية محمد بن كعبٍ: الطمسُ، وأما الحجرُ ونتقُ الجبل فغيرُ مناسبين؛ لأنهما من الآيات التي اختصت ببني إسرائيل بعد هلاك فرعون.
стр. 5147
أن يكون موسى قد أراه آياته وعدّد عليه ما أوتيه غيره من الأنبياء من آياتهم ومعجزاتهم، وهو نبىّ صادق لا فرق بين ما يخبر عنه وبين ما يشاهد به، فكذبها جميعا (وَأَبى) أن يقبل شيئا منها. وقيل:
فكذب الآيات وأبى قبول الحق.
(قالَ أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى) [طه: ٥٧].
يلوح من جيب قوله (أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أن يكون موسى قد أراه)، والإضافة على هذا بمعنى اللام الاستغراقي، ومعنى (أَرَيْنَاهُ): عرفناه؛ لأنه قدرٌ مشتركٌ بين الإراءة بالبصر بالنسبة إلى الآيات التي أظهرها الله علىي د موسى وبني الإراءة التي هي الإعلام والإخبار بالنسبة إلى ما أوتيه غيره، ولهذا قال: لا فرق بين ما يخبر عنه وبين ما يشاهد به. قال القاضي: (كُلَّهَا) تأكيدٌ لشمول الأنواع أو لشمول الأفراد على أن المراد بآياتنا: آياتٌ معهودةٌ، هي الآياتُ التسعُ المختصةُ بموسى، وأنه ﵇ أراه آياته وعدد عليه ما أوتي غيره من المعجزات. وقال السجاوندي: (كُلَّهَا) أي: كل أجناس الآيات، إيجادُ المعدوم كإيجاد الضوء من اليد، وإعدام الموجود كإعدام حبال السحرة، وتغيير الموجود كقلب العصا حيةً وإعادتها حيةً.
قوله: (بين ما يشاهد به)، بكسر الهاء، أي: يحاضر به ويريه، قاله نور الدين الحكيم.
قوله: (وقيل: فكذب)، عطفٌ على "فكذبهما جميعاً"، يعني: (أَبَى)، حذف مفعوله إما بواسطة القرينة الظاهرة أو المعنوية، فعلى الأول: "أبى": تتميمٌ، وعلى الثاني: تكميل؛ لأن الحق أعمُّ من المعجزات.
قوله: (يلوحُ من جيب قوله)، الرواية: "جيب" بالجيم والباء الموحدة، ويُروى: "من خيث" بالخاء المعجمة والثاء المثلثة، وهو تصحيفٌ، والصحيح الأول، وقد تضمنت الاستعارة الموشحة بالترشيح، وذلك أن قوله: (لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا) فيه إظهارُ تجلدٍ من اللعين للقوم، وفي ضمنه استشعارُ خوفٍ عظيم، وقوله: " (بِسِحْرِكَ): تعميةٌ وإلباسٌ على
стр. 5148
أن فرائصه كانت ترعد خوفا مما جاء به موسى ﵇، لعلمه وإيقانه أنه على الحق، وأن المحق لو أراد قود الجبال لانقادت وأن مثله لا يخذل ولا يقل ناصره، وأنه غالبه على ملكه لا محالة. وقوله (بِسِحْرِكَ) تعلل وتحير وإلا فكيف يخفى عليه أن ساحرا لا يقدر أن يخرج ملكا مثله من أرضه ويغلبه على ملكه بالسحر.
(فَلَنَاتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكاناً سُوىً (٥٨) قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (٥٩) فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى) [طه: ٥٨ - ٦٠].
لا يخلو الموعد في قوله (فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً) من أن يجعل زمانا أو مكانا أو مصدرا. فإن جعلته زمانا نظرا في أن قوله تعالى (مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَة) ِ مطابق له، لزمك شيئان أن تجعل الزمان مخلفا، وأن يعضل عليك ناصب (مَكَاناَ): وإن جعلته مكانا لقوله تعالى (مَكاناً سُوىً) لزمك «١». أيضا أن توقع الإخلاف على المكان،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمقى والجهلة"؛ لأن هذا الكلام ما صدر عن اللعين إلا بعد ما أيقن وحقق أن ما جاء به ليس من قبيل الباطل الذي هو السحرُ، بل هو من الحق الساطع الغالب على كل باطلٍ ارتكبه، فإبرازه في معرض السحر استشعار للخوف، فشبه بالثوب الساتر على عيوب لابسه مع اطلاع ذي الدرية على عيبه من جيبه.
قوله: (فرائصه)، الجوهري: عن الأصمعي: الفريصةٌ: اللحمةُ بين الكتف والجنب التي لا تزال ترتعد من الدابة.
قوله: (أن تجعل الزمان مخلفاً)، قال ابن الحاجب في "الأمالي": الظاهر أن الموعد: الوعد، لأنه وصف بقوله: (لا نُخْلِفُهُ)، والإخلاف إنما يتعلق بالوعد، يقال: أخلف وعده لا بمكانه ولا بزمانه، ولو جُعل مكاناً وزماناً لوقع الإخلافُ على غير الوعد، وهو بعيدٌ.
стр. 5149
وأن لا يطابق قوله (مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ) وقراءة الحسن غير مطابقة له مكانا وزمانا جميعا، لأنه قرأ (يَوْمُ الزِّينَةِ) بالنصب، فبقى أن يجعل مصدرا بمعنى الوعد، ويقدر مضاف محذوف، أى: مكان موعد، ويجعل الضمير في (نُخْلِفُهُ) للموعد و (مَكاناً) بدل من المكان المحذوف. فإن قلت. فكيف طابقه قوله (مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ) ولا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وأن لا يطابق قوله: (مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ)؛ لأنه يكون حينئذٍ (فَاجْعَل) طلباً لمكان الوعد، فلا يكون تعيين زمان الوعد مطابقاً للسؤال.
قوله: (وقراءة الحسن غير مطابقة له)، أي: للموعد من جهة المكان والزمان، أما المكانُ فظاهر وأما الزمان فلأن زمان الوعد زمانُ التكلم لا زمان الزينة، وإنما يُتوقع إنجازه فيه. قال ابن جني: أما نصب (يَوْمُ الزِّينَةِ) فعلى الظرف، والموعد مصدرٌ، والظرفُ بعده خبرٌ عنه على حذف المضاف، أي: إنجاز موعدنا إياكم في ذلك اليوم. ألا ترى أنه لا يراد: في ذلك اليوم نعدكم، وكيف ذا والوعدُ قد وقع الآن وإنما يتوقع إنجازه في ذلك اليوم؟ وإليه الإشارة بقوله: "فالموعد في قراءة الحسن: مصدرٌ لا غيرُ"؛ لأن التقدير: اجعل بيننا وبينك يوم إنجاز وعد، فقيل: إنجاز وعدكم في يوم الزينة. وقال أبو البقاء: تقديره: موعدكم واقعٌ يوم الزينة.
قوله: (و (مَكَاناً): بدل من المكان المحذوف)، وجاز الإبدال لتغغايرهما بوصف الثاني بـ (سُوًى).
قوله: (فكيف طابقه؟ )، أتى بالفاء إنكاراً، يعني: قررت أنه لا يجوز جعلُ الموعد مكاناً، لما يلزمُ منه عدم المطابقة بينه وبين قوله: (مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ)، وحين جعلته مصدراً على تقدير المضاف وقعت فيما فررت منه. وأجاب: أنه كان يلزمُ من الأول محذوران: جعلُ
стр. 5150
بد من أن تجعله زمانا، والسؤال واقع عن المكان لا عن الزمان؟ قلت: هو مطابق معنى وإن لم يطابق لفظا، لأنهم لا بدّ لهم من أن يجتمعوا يوم الزينة في مكان بعينه، مشتهر باجتماعهم فيه في ذلك اليوم، فبذكر الزمان علم المكان. وأما قراءة الحسن فالموعد فيها مصدر لا غير. والمعنى: إنجاز وعدكم يوم الزينة. وطباق هذا أيضا من طريق المعنى. ويجوز أن لا يقدر مضاف محذوف، ويكون المعنى: اجعل بيننا وبينك وعدا لا نخلفه. فإن قلت:
فبم ينتصب (مَكَاناَ)؟ قلت: بالمصدر. أو بفعل يدل عليه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المكان مخلفاً، وعدم المطابقة، ومن الثاني محذورٌ واحدٌ وهو: عدما لمطابقة، فتأول كما أشار إليه وذلك كما يقالُ لمن يقولُ لصاحبه: أين أراك يوم عرفة؟ أي: في عرفات.
وقال صاحب "الانتصاف": ويحتملُ أن يجعل موعدٌ اسم مكانٍ فيطابق مكاناً والزمان بما ذكره ويعود الضمير في (لا نُخْلِفُهُ) على المصدر المفهوم من اسم المكان، إذ حروفه فيه. والموعد إذا كان اسم مكان حاصله مكانُ وعد، وكذا إذا كان اسم زمان حاصله زمانُ وعد، وإذا جاز عودُ الضمير إلى ما دلت عليه قوة الكلام فرجوعه إلى ما هو المنطوق به أولى. قالوا: من صدق كان خيراً له، فأعادوا الضمير على مصدر "صدقٍ" لدلالة الفعل عليه، ويكون على هذين التأويلين جواب موسى من جوامع الكلم، سألوه مكاناً فعلم أن الزمان لابد أن يُسأل عنه فأجاب جواب مفردٍ كافٍ في الجميع.
فإن قيل: المسؤول عنه جُعل ضمناً وهو المكان وصرح بما لم يطلب، وهو الزمان. فالجواب: أن قرينة سؤالهم دلت على المضمن، ما لم يسألوا عنه صرح به، إذ لا قرينة معه.
وقلتُ: في قوله: "يعودُ الضمير إلى المصدر المفهوم من اسم المكان" نظرٌ؛ لأن قوله: (لا نُخْلِفُهُ) صفةٌ لـ"موعد"، أو المضير فيه لا يرجع إلا إليه قطعاً.
قوله: (بالمصدر)، أي: انتصب (مَكَاناً) بالمصدر. قاله أبو البقاء. وكلامُ صاحب "التقريب" و"الانتصاف" فيه نظرٌ؛ لأن المصدر الموصوف لا يعمل، وغايةُ ما يُقال فيه:
следующие страницы →