Полный текст (9 345 стр.). Показаны 5146–5185 · переход к 5151.
стр. 5146
كفاتهم إذا ماتوا. ومن ثم قال رسول الله ﷺ «تمسحوا بالأرض فإنها بكم برّة».
(وَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وَأَبى) [طه: ٥٦].
(أَرَيْناهُ) بصرناه أو عرفناه صحتها ويقناه بها. وإنما كذب لظلمه، كقوله تعالى (وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا)] النمل: ١٤ [وقوله تعالى (قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ)] الإسراء: ١٠٢ [وفي قوله تعالى (آياتِنا كُلَّها) وجهان، أحدهما: أن يحذى بهذا التعريف الإضافى حذو التعريف باللام لو قيل الآيات كلها، أعنى أنها كانت لا تعطى إلا تعريف العهد، والإشارة إلى الآيات المعلومة التي هي تسع الآيات المختصة بموسى ﵇: العصا، واليد، وفلق البحر، والحجر، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، ونتق الجبل. والثاني:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كفاتهم إذا ماتوا)، هو من قوله تعالى: (أَلَمْ نَجْعَلْ الأَرْضَ كِفَاتاً) [المرسلات: ٢٥]، قال: الفاتُ من كفت الشيء: إذا ضمه وجمعه، وهو اسم ما يكفتُ أي: كافتةً أحياءً وأمواتاً.
قوله: (بصرناه أو عرفناه صحتها)، يعني: يجوزُ أن يكون (أَرَيْنَاهُ) من الرؤية بمعنى الإبصار، وأن يكون من الرؤية بمعنى المعرفة، وعلى التقديرين متعد إلى مفعولين، وعلى الثاني المضاف محذوفٌ، ولا يجوز أن تكون الرؤية بمعنى العلم؛ لئلا يلزم حذفُ المفعول الثالث من الإعلام وهو غير جائز.
قوله: (العصا واليد وفلقُ [البحر و] الحجر)، إلى آخره، وليس في "معالم التنزيل" ذكرُ الحجر ولا نتقِ الجبل، وفيه في روايةٍ عن ابن عباس ﵁: والعقدة التي كانت بلسانه فحلها، وفي رواية عكرمة: والسنون ونقصٌ من الثمرات، وفي رواية محمد بن كعبٍ: الطمسُ، وأما الحجرُ ونتقُ الجبل فغيرُ مناسبين؛ لأنهما من الآيات التي اختصت ببني إسرائيل بعد هلاك فرعون.
стр. 5147
أن يكون موسى قد أراه آياته وعدّد عليه ما أوتيه غيره من الأنبياء من آياتهم ومعجزاتهم، وهو نبىّ صادق لا فرق بين ما يخبر عنه وبين ما يشاهد به، فكذبها جميعا (وَأَبى) أن يقبل شيئا منها. وقيل:
فكذب الآيات وأبى قبول الحق.
(قالَ أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى) [طه: ٥٧].
يلوح من جيب قوله (أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أن يكون موسى قد أراه)، والإضافة على هذا بمعنى اللام الاستغراقي، ومعنى (أَرَيْنَاهُ): عرفناه؛ لأنه قدرٌ مشتركٌ بين الإراءة بالبصر بالنسبة إلى الآيات التي أظهرها الله علىي د موسى وبني الإراءة التي هي الإعلام والإخبار بالنسبة إلى ما أوتيه غيره، ولهذا قال: لا فرق بين ما يخبر عنه وبين ما يشاهد به. قال القاضي: (كُلَّهَا) تأكيدٌ لشمول الأنواع أو لشمول الأفراد على أن المراد بآياتنا: آياتٌ معهودةٌ، هي الآياتُ التسعُ المختصةُ بموسى، وأنه ﵇ أراه آياته وعدد عليه ما أوتي غيره من المعجزات. وقال السجاوندي: (كُلَّهَا) أي: كل أجناس الآيات، إيجادُ المعدوم كإيجاد الضوء من اليد، وإعدام الموجود كإعدام حبال السحرة، وتغيير الموجود كقلب العصا حيةً وإعادتها حيةً.
قوله: (بين ما يشاهد به)، بكسر الهاء، أي: يحاضر به ويريه، قاله نور الدين الحكيم.
قوله: (وقيل: فكذب)، عطفٌ على "فكذبهما جميعاً"، يعني: (أَبَى)، حذف مفعوله إما بواسطة القرينة الظاهرة أو المعنوية، فعلى الأول: "أبى": تتميمٌ، وعلى الثاني: تكميل؛ لأن الحق أعمُّ من المعجزات.
قوله: (يلوحُ من جيب قوله)، الرواية: "جيب" بالجيم والباء الموحدة، ويُروى: "من خيث" بالخاء المعجمة والثاء المثلثة، وهو تصحيفٌ، والصحيح الأول، وقد تضمنت الاستعارة الموشحة بالترشيح، وذلك أن قوله: (لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا) فيه إظهارُ تجلدٍ من اللعين للقوم، وفي ضمنه استشعارُ خوفٍ عظيم، وقوله: " (بِسِحْرِكَ): تعميةٌ وإلباسٌ على
стр. 5148
أن فرائصه كانت ترعد خوفا مما جاء به موسى ﵇، لعلمه وإيقانه أنه على الحق، وأن المحق لو أراد قود الجبال لانقادت وأن مثله لا يخذل ولا يقل ناصره، وأنه غالبه على ملكه لا محالة. وقوله (بِسِحْرِكَ) تعلل وتحير وإلا فكيف يخفى عليه أن ساحرا لا يقدر أن يخرج ملكا مثله من أرضه ويغلبه على ملكه بالسحر.
(فَلَنَاتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكاناً سُوىً (٥٨) قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (٥٩) فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى) [طه: ٥٨ - ٦٠].
لا يخلو الموعد في قوله (فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً) من أن يجعل زمانا أو مكانا أو مصدرا. فإن جعلته زمانا نظرا في أن قوله تعالى (مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَة) ِ مطابق له، لزمك شيئان أن تجعل الزمان مخلفا، وأن يعضل عليك ناصب (مَكَاناَ): وإن جعلته مكانا لقوله تعالى (مَكاناً سُوىً) لزمك «١». أيضا أن توقع الإخلاف على المكان،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمقى والجهلة"؛ لأن هذا الكلام ما صدر عن اللعين إلا بعد ما أيقن وحقق أن ما جاء به ليس من قبيل الباطل الذي هو السحرُ، بل هو من الحق الساطع الغالب على كل باطلٍ ارتكبه، فإبرازه في معرض السحر استشعار للخوف، فشبه بالثوب الساتر على عيوب لابسه مع اطلاع ذي الدرية على عيبه من جيبه.
قوله: (فرائصه)، الجوهري: عن الأصمعي: الفريصةٌ: اللحمةُ بين الكتف والجنب التي لا تزال ترتعد من الدابة.
قوله: (أن تجعل الزمان مخلفاً)، قال ابن الحاجب في "الأمالي": الظاهر أن الموعد: الوعد، لأنه وصف بقوله: (لا نُخْلِفُهُ)، والإخلاف إنما يتعلق بالوعد، يقال: أخلف وعده لا بمكانه ولا بزمانه، ولو جُعل مكاناً وزماناً لوقع الإخلافُ على غير الوعد، وهو بعيدٌ.
стр. 5149
وأن لا يطابق قوله (مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ) وقراءة الحسن غير مطابقة له مكانا وزمانا جميعا، لأنه قرأ (يَوْمُ الزِّينَةِ) بالنصب، فبقى أن يجعل مصدرا بمعنى الوعد، ويقدر مضاف محذوف، أى: مكان موعد، ويجعل الضمير في (نُخْلِفُهُ) للموعد و (مَكاناً) بدل من المكان المحذوف. فإن قلت. فكيف طابقه قوله (مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ) ولا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وأن لا يطابق قوله: (مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ)؛ لأنه يكون حينئذٍ (فَاجْعَل) طلباً لمكان الوعد، فلا يكون تعيين زمان الوعد مطابقاً للسؤال.
قوله: (وقراءة الحسن غير مطابقة له)، أي: للموعد من جهة المكان والزمان، أما المكانُ فظاهر وأما الزمان فلأن زمان الوعد زمانُ التكلم لا زمان الزينة، وإنما يُتوقع إنجازه فيه. قال ابن جني: أما نصب (يَوْمُ الزِّينَةِ) فعلى الظرف، والموعد مصدرٌ، والظرفُ بعده خبرٌ عنه على حذف المضاف، أي: إنجاز موعدنا إياكم في ذلك اليوم. ألا ترى أنه لا يراد: في ذلك اليوم نعدكم، وكيف ذا والوعدُ قد وقع الآن وإنما يتوقع إنجازه في ذلك اليوم؟ وإليه الإشارة بقوله: "فالموعد في قراءة الحسن: مصدرٌ لا غيرُ"؛ لأن التقدير: اجعل بيننا وبينك يوم إنجاز وعد، فقيل: إنجاز وعدكم في يوم الزينة. وقال أبو البقاء: تقديره: موعدكم واقعٌ يوم الزينة.
قوله: (و (مَكَاناً): بدل من المكان المحذوف)، وجاز الإبدال لتغغايرهما بوصف الثاني بـ (سُوًى).
قوله: (فكيف طابقه؟ )، أتى بالفاء إنكاراً، يعني: قررت أنه لا يجوز جعلُ الموعد مكاناً، لما يلزمُ منه عدم المطابقة بينه وبين قوله: (مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ)، وحين جعلته مصدراً على تقدير المضاف وقعت فيما فررت منه. وأجاب: أنه كان يلزمُ من الأول محذوران: جعلُ
стр. 5150
بد من أن تجعله زمانا، والسؤال واقع عن المكان لا عن الزمان؟ قلت: هو مطابق معنى وإن لم يطابق لفظا، لأنهم لا بدّ لهم من أن يجتمعوا يوم الزينة في مكان بعينه، مشتهر باجتماعهم فيه في ذلك اليوم، فبذكر الزمان علم المكان. وأما قراءة الحسن فالموعد فيها مصدر لا غير. والمعنى: إنجاز وعدكم يوم الزينة. وطباق هذا أيضا من طريق المعنى. ويجوز أن لا يقدر مضاف محذوف، ويكون المعنى: اجعل بيننا وبينك وعدا لا نخلفه. فإن قلت:
فبم ينتصب (مَكَاناَ)؟ قلت: بالمصدر. أو بفعل يدل عليه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المكان مخلفاً، وعدم المطابقة، ومن الثاني محذورٌ واحدٌ وهو: عدما لمطابقة، فتأول كما أشار إليه وذلك كما يقالُ لمن يقولُ لصاحبه: أين أراك يوم عرفة؟ أي: في عرفات.
وقال صاحب "الانتصاف": ويحتملُ أن يجعل موعدٌ اسم مكانٍ فيطابق مكاناً والزمان بما ذكره ويعود الضمير في (لا نُخْلِفُهُ) على المصدر المفهوم من اسم المكان، إذ حروفه فيه. والموعد إذا كان اسم مكان حاصله مكانُ وعد، وكذا إذا كان اسم زمان حاصله زمانُ وعد، وإذا جاز عودُ الضمير إلى ما دلت عليه قوة الكلام فرجوعه إلى ما هو المنطوق به أولى. قالوا: من صدق كان خيراً له، فأعادوا الضمير على مصدر "صدقٍ" لدلالة الفعل عليه، ويكون على هذين التأويلين جواب موسى من جوامع الكلم، سألوه مكاناً فعلم أن الزمان لابد أن يُسأل عنه فأجاب جواب مفردٍ كافٍ في الجميع.
فإن قيل: المسؤول عنه جُعل ضمناً وهو المكان وصرح بما لم يطلب، وهو الزمان. فالجواب: أن قرينة سؤالهم دلت على المضمن، ما لم يسألوا عنه صرح به، إذ لا قرينة معه.
وقلتُ: في قوله: "يعودُ الضمير إلى المصدر المفهوم من اسم المكان" نظرٌ؛ لأن قوله: (لا نُخْلِفُهُ) صفةٌ لـ"موعد"، أو المضير فيه لا يرجع إلا إليه قطعاً.
قوله: (بالمصدر)، أي: انتصب (مَكَاناً) بالمصدر. قاله أبو البقاء. وكلامُ صاحب "التقريب" و"الانتصاف" فيه نظرٌ؛ لأن المصدر الموصوف لا يعمل، وغايةُ ما يُقال فيه:
стр. 5151
المصدر. فإن قلت: فكيف يطابقه الجواب؟ قلت: أما على قراءة الحسن فظاهر. وأما على قراءة العامة فعلى تقدير: (وعدكم وعد يوم الزينة). ويجوز على قراءة الحسن أن يكون (مَوْعِدُكُمْ) مبتدأ، بمعنى الوقت. و (ضُحًى) خبره، على نية التعريف فيه لأنه ضحى ذلك اليوم بعينه. وقيل في يوم الزينة: يوم عاشوراء، ويوم النيروز،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إن عمله في الظرف من الاتساع. وقال ابن الحاجب: لا يستقيم نصب مكاناً بالوعد وإن كان مصدراً؛ لأنه قد فُصل بينه وبينه بالوصف، فصار مثل قولك: أعجبني ضربٌ حسنٌ زيداً، وهو غير سائغ: لأن المنصوب بالمصدر من تتمته، ولا يوصف الشيء إلا بعد تمامه، فكان كوصف الموصول قبل تمام صلته. وقال صاحب "الفرائد": إن جعلته مصدراً فالتقديرُ: اجعل لنا وعداً لا نُخلفه، جاء يبين (مَكَاناً سُوًى) , وقال أبو البقاء: يجوز أن يكون (مَكَاناً) مفعولاً ثانياً لـ"اجعل".
قوله: (كيف يطابقه الجواب؟ )، أي: قوله: (مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ) كيف يستقيم جواباً لقوله: (فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً)، فإن يوم الزينة حُمل على موعدكم؟ وأجاب: أنه على قول الحسن: ظرفٌ مستقرٌ، وعلى المشهورة: يقدر في الخبر مضافٌ بأن يقال: وعدكم وعدُ يوم الزينة.
قوله: (لأنه ضُحى ذلك اليوم بعينه)، أي: يوم الزينة، فـ"يوم الزينة": ظرفٌ، والظرفُ من المخصصات، والمراد من قوله: "على نية التعريف فيه" - أي: في (ضُحىً) - أنه لما وقع خبراً من المجموع لم يلتبس على أحد أنه ضُحى غير ذلك اليوم، فإنه وإن كان نكرةً لفظاً إلا أنه وقع معرفةً معنى ونية، إذ التقدير: موعدكم في يوم الزينة ضُحاه.
قال صاحبُ "التقريب": وعلى هذا في نصب "يوم الزينة" نظرٌ، إلا أن يُجعل صفة
стр. 5152
ويوم عيد كان لهم في كل عام، ويوم كانوا يتخذون فيه سوقا ويتزينون ذلك اليوم. قرئ (نُخْلِفُهُ) بالرفع على الوصف للموعد. وبالجزم على جواب الأمر. وقرئ (سُوىً) و (سوى)، بالكسر والضم، ومنونا وغير منون. ومعناه: منصفا بيننا وبينك عن مجاهد، وهو من الاستواء لأنّ المسافة من الوسط إلى الطرفين مستوية لا تفاوت
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
للضحى تقدمت عليه، أي: ضُحى كائناً في ذلك اليوم، وحينئذٍ يُستغنى عن نية التعريف فيه، وقلتُ: لا يجوز أن يكون حالاً من (ضُحىً) لفقد العامل.
قوله: (وقرئ: "سوى" و (سُوىً))، عاصمٌ وابنُ عامرٍ وحمزةُ: بالضم، والباقون: بالكسر، ووقف أبو بكر وحمزة والكسائي: "سوى" بالإمالة، وورشٌ وأبو عمرو: بين بين، والباقون: بالفتح. قال محيي السنة: وهما لغتان، مثلُ: عُدى وعِدَى، قال مُقاتلٌ وقتادة: مكاناً عدلاً بيننا وبينك، ابن عباس: نصفاً يستوي مسافةُ الفريقين إليه قال مجاهدٌ: منتصفاً.
قوله: (لأن المسافة من الوسط إلى الطرفين مستوية)، تعليلٌ لتصحيح قول مجاهد، أي: لما كان أصل (سُوىً) من الاستواء جعله بمعنى: منصفاً؛ لأن المسافة: أي: البعد، لكل فريق من السحرة والمؤمنين إلى ذلك المكان مُستوٍ لا تفاوت فيه. قال الزجاج: منصفاً، أي: مكاناً يكون النصفُ فيما بيننا وبينك.
الراغب: سواءٌ: وسطٌ، ويقال: سواءٌ وسُوى، قال تعالى: (مَكَاناً سُوًى)، أي: يستوي طرفاه، ويُستعملُ ذلك وصفاً وظرفاً، وأصلُ ذلك مصدرٌ، والشيء المساوي كعدلٍ ومعادل وقتلٍ ومقاتل، تقول: سيان زيدٌ وعمرو، والمساواة متعارفة في المثمنات، يقال: هذا الثوب يساوي كذا.
стр. 5153
فيها. ومن لم ينون فوجهه أن يجرى الوصل مجرى الوقف. قرئ: (وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ) بالتاء والياء. يريد: وأن تحشر يا فرعون. وأن يحشر اليوم. ويجوز أن يكون فيه ضمير فرعون ذكره بلفظ الغيبة إما على العادة التي يخاطب بها الملوك، أو خاطب القوم بقوله (مَوْعِدُكُمْ) وجعل (يُحْشَرَ) لفرعون. ومحل (وأَنْ يُحْشَرَ) الرفع أو الجرّ، عطفا على "اليوم" أو "الزينة": وإنما واعدهم ذلك اليوم ليكون علو كلمة الله وظهور دينه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ومن لم يُنون فوجهه أن يُجري الوصل مجرى الوقف)، قال صاحب "التقريب": وفيه نظرٌ؛ لأنه وقفٌ حقيقةٍ فعدمُ التنوين وقفاً لإجراء الوصل مجرى الوقف، إلا أن يثبت عدم التنوين في الوصل أيضاً.
وقال ابن جني: وهي قراءة الحسن، وتركُ صرفه مُشكل؛ لأنه وصفٌ على "فُعَل" وهو مصروفٌ، يقال: رجلٌ حُطمٌ ودليلٌ ختعٌ ومالٌ لبدٌ، إلا أنه ينبغي أن يُحمل على أنه محمولٌ على الوقف عليه فجاء بترك التنوين، فإن وصل على لك فعلى نحو قولهم: سبسباً وكلكلاً، فيجري في الوصل مجراهُ في الوقف. "دليلٌ خُتعٌ"، أي: ما هو في الدلالة.
قوله: (ومحلُّ (وَأَنْ يُحْشَرَ) الرفع أو الجر عطفاً على "اليوم" أو "الزينة")، قال أبو البقاء: (وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ): معطوفٌ على "الزينة"، أي: ويومُ أن يُحشر الناسُ، فيكونُ في موضع جر، ويجوزُ أن يكون في موضع رفع، أي: موعدكم أن يُحشر الناسُ.
وقال ابن جني: [لكن] في قوله تعالى: (وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى) النظر، فظاهر حاله أنه مجرورٌ، كأنه قيل: موعدكم يوم الزينة وحشر الناس ضُحى، ويجوز أن يكون مرفوعاً عطفاً على "الموعد"، كأنه قال: إنجاز موعدكم وحشرِ الناس ضُحى في يوم الزينة، فكأنه
стр. 5154
وكبت الكافر وزهوق الباطل على رءوس الأشهاد وفي المجمع الغاص لتقوى رغبة من رغب في اتباع الحق، ويكل حدّ المبطلين وأشياعهم، ويكثر المحدث بذلك الأمر العلم في كل بدو وحضر، ويشيع في جميع أهل الوبر والمدر.
(قالَ لَهُمْ مُوسى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى) [طه: ٦١].
(لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً) أى لا تدعوا آياته ومعجزاته سحرا. قرئ (فَيُسْحِتَكُمْ) والسحت لغة أهل الحجاز.
والإسحات: لغة أهل نجد وبني تميم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جعل الموعد عبارة عن جميع ما يتجدد في ذلك اليوم من الثواب والعقاب وغيرهما سوى الحشر، ثم عطف (وَأَنْ يُحْشَرَ) عليه، فهو على منوال (وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ) [البقرة: ٩٨]، ومن رفع فقال: (يَوْمُ الزِّينَةِ)، فإن الموعد إذن زمانٌ، أي: وقتُ وعدكم يومُ الزينة، وعطفُ (وَأَن يُحْشَرَ) يؤكد الرفع؛ لأن "أنْ" لا تكونُ ظرفاً، ألا ترى أن من قال: زيارتك إياي مقدم الحاجٌ، لا تقول: زيارتك إياي أن يقدم الحاج، وذلك أن لف المصدر الصريح أشبه بالظرف من "أنْ" وصلتها التي بمعنى المصدر إذا كان اسماً لحدث، والظرفُ اسمٌ للوقت، والوقتُ يكادُ يكون حدثاً.
قوله: (وكبت الكافر)، الجوهري: الكبتُ الصرفُ والإذلالُ، يقالُ: كبت الله العدو، أي: صرفه وأذله.
قوله: (قُرئ (فَيُسْحِتَكُمْ))، حفصٌ وحمزة والكسائي: بكسر الحاء وضم الياء، والباقون: بفتحها، قال الزجاج: يقال: سحته الله وأسحته: إذا استأصله وأهلكه، قال الفرزدق:
стр. 5155
ومنه قول الفرزدق:
إلّا مسحتا أو مجلّف
في بيت لا تزال الركب تصطك في تسوية إعرابه:
(فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوى (٦٢) قالُوا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى (٦٣) فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى) [طه: ٦٢ - ٦٤].
عن ابن عباس: إن نجواهم: إن غلبنا موسى اتبعناه. وعن قتادة: إن كان ساحرا فسنغلبه وإن كان من السماء فله أمر. وعن وهب لما قال (وَيْلَكُمْ) … الآية قالوا: ما هذا بقول ساحر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وعض زمانٌ يا ابن مروان لم يدع … من المال إلا مُسحت أو مجلفُ
لم يدع: لم يستقر، من الدعة، إلا مسحت بالرفع. والأكثر بالنصب، فهذا بناء على قولهم: أسحت فهو مسحتٌ.
الجوهري: المُسحتُ: المهلكُ، والمجلفُ، بالجيم: الذي بقيت منه بقيةٌ، يريد إلا مُسحتاً وهو مجلفٌ، قيل: معنى لم يدع: لم يبق، حيث رفع به مجلفٌ. ومن روى مسحتاً، فهو على معناه، وتمامُ تقريره مضى في قوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي) [البقرة: ٢٤٩].
قوله: (لا تزال الرُّكبُ تصطك)، مثلٌ في عقده وعضله.
قوله: (وعن وهب: لما قال: (وَيْلَكُمْ)، قالوا: ما هذا بقول ساحر) مؤذنٌ بأن قوله: (قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ) كلامٌ مع السحرة، وبه صرح الواحديُّ، وعليه ينطبق قوله:
стр. 5156
والظاهر أنهم تشاوروا في السر وتجاذبوا أهداب القول، ثم قالوا: إن هذان لساحران. فكانت نجواهم في تلفيق هذا الكلام وتزويره، خوفا من غلبتهما. وتثبيطا للناس عن اتباعهما. قرأ أبو عمرو (إِنْ هذانِ لَساحِرانِ) على الجهة الظاهرة المكشوفة. وابن كثير وحفص: (إن هذان لساحران)، على قولك: إن زيد لمنطلق. واللام هي الفارقة بين (إن) النافية والمخففة من الثقيلة.
وقرأ أبىّ: (إن ذان إلا ساحران). وقرأ ابن مسعود:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى)، أي: ثُم أتى بجميع ما رأى أن يؤتي به من القوم والسحرة والآلات، فلما حضر موسى للميقات ونظر إلى السحرة وما استعدوا به قال: (وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً) فحينئذ تنازع السحرة أمرهم وأسروا النجوى، وقالوا: ما هذا بقول ساحر، ثم اتجه لسائل أن يقول: ما فعل فرعونُ وقومه عند هذا التقاعد والتواني وما قالوا للسحرة؟ أجيب: قالوا: (إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ) إلى قوله: (اسْتَعْلَى).
قوله: (وتجاذبوا أهداب القول)، استعارةٌ، وتجاذبوا ترشيحها، والمجموع كنايةٌ عن أن الكلام ذو شجون. وفيه أن كلامهم كان أقوالاً ملفقةً لا حقيقة لها؛ لأن هدبة الثوب مثل في الرخاوة، يدل عليه قوله: "في تلفيق هذا الكلام وتزويره"، ويروى: "وترويزه"، من الروز، وهو الذوق، يقال: راز العدل، أي: حركه، هل يقدرُ على حمله أم لا؟
قوله: (خوفاً من غلبتهما)، يريد أن نجواهم في السر كان لتلفيق قوله: (إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ) يعني: إن صرحنا بالحق نخافُ من غلبتهما علينا بأن يقولا: فاتبعونا إذن. ومن تثبيط الناس أيضاً، فإنهم إذا سمعوا ذلك رغبوا في اتباعهما، فالواجب أن يقول: إن هذين لساحران، فيأمن من ذلك، هذا يقوي رواية من روى "تزويره" بالراء بعد الزاي.
قوله: (قرأ أبو عمرو: "إن هذين")، وفي "التيسير": وقرأ ابنُ كثيرٍ وحفص: (إِنْ هَذَانِ) بإسكان النون والباقون بتشديدها. وقرأ أبو عمرو: "هذين" بالياء، والباقون: بالألف.
стр. 5157
(أن هذان ساحران): بفتح (أن) وبغير لام، بدل من (النجوى). وقيل في القراءة المشهورة (إِنْ هذانِ لَساحِرانِ) هي لغة بلحارث بن كعب، جعلوا الاسم المثنى نحو الأسماء التي آخرها ألف، كعصا وسعدى، فلم يقلبوها ياء في الجر والنصب.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ("أن هذان ساحران" بفتح "أنْ" وبغير لام)، بدلٌ من (النَّجْوَى)، هذا على أن يكون قوله: "أن هذان لساحران" من كلام السحرة كما قال، والظاهر أنهم تشاوروا في السر، فيكون قوله: (قَالُوا) مقحماً توكيداً لأن "أسروا" نوعٌ من القول، وقوله: (فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ) كلام بعضهم مع بعض، وفي "الموضح": بحذف (قَالُوا) من البين.
قوله: ٠ جعلوا الاسم المُثنى نحو الأسماء التي آخرها ألفٌ كعصا)، قال الزجاج: حكى أبو عبيدة عن أبي الخطاب، وهو رأسٌ من رؤساء الرواة، أنها لغةٌ لكنانة يجعلون ألف الاثنين في الرفع والنصب والخفض على لفظ واحد، وينشدون:
فأطرق إطراق الشجاع ولو يرى … مساغاً لناباه الشجاع لصمما
ويقولون: ضربته بين أذناه، وكذلك روى الكوفيون أنها لغة لبني الحاث بن عب، وقالت النحاة القدماء: إن الضمير فيه مضمر، أي: إن هذان لساحران، وقالوا أيضاً: إن معنى "إنْ": نعم، وينشدون.
ويقلن شيبٌ قد علا … ك وقد كبرت فقلتُ إنه
وحكى صاحب "المطلع": أن أعرابياً أتى ابن الزبير يستجديه فلم يعطه شيئاً. فقال: لعن الله ناقةً حملتني إليك، قال ابن الزبير: إن وراكبها، أي: نعم.
وقال ابن الحاجب في "الأمالي": وهذه القراءة مشكلة، وأهرها أن (هذان) مبني لأنه من أسماء الإشارة، فجاء في الرفع والنصب والجر على حالٍ واحدة، وهي لغةٌ واضحةٌ،
стр. 5158
وقال بعضهم: "إِنْ" بمعنى نعم. و (ساحِرانِ) خبر مبتدأ محذوف، واللام داخلة على الجملة تقديره: لهما ساحران. وقد أعجب به أبو إسحاق.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ومما يُقويها أن اختلاف الصيغ في اللغة الأخرى ليس إعراباً في التحقيق، لوجود علة البناء من غير معارض؛ لأن العلة في هذا وهؤلاء كونها اسم إشارة. وقال: "إنْ" بمعنى "نعم": شاذ.
قوله: (وقال بعضهم: "إنْ" بمعنى: نعم)، وقد أُعجب به أبو إسحاق، أي: الزجاج، قال بعدما نقل كلام النحويين: هذا جميعُ ما اتجوا به، والذي عندي - والله أعلمُ - وكنتُ عرضته على عالمينا: محمد بن يزيد، يعني: المبرد، وعلى إسماعيل بن إسحاق فقبلاه وذرا أنه أجود ما سمعاه في هذا المعنى: أن تقديره: نعم هذان لهما ساحران، وأن اللام قد وقعت موقعها، أي: دخلت على المبتدأ لا الخبر. وقال النحاة أصل هذا اللام أن تقع في الابتداء ووقوعها في الخبر جائزٌ، وأنشدوا:
أم الحليس لعجوزٌ شهربه … ترضى من اللحم بعظم الرقبة
أي: لأم الحُليس عجوزٌ.
وقال أبو عليٍّ في "الإغفال": هذا غيرُ مرضي؛ لأن اللام للتأكيد، ويقبح أن يُذكر للتأكيد ويُحذف نفسُ المؤكد؛ لأن التأكيد إنما يُحتاج إليه فيما خيف لبسه على السامع، فإذا بلغ به الحال التي يستجاز معها حذفه لعلم المخاطب به استغنى لذلك عن التأكيد، ولهذا حمل النحويون قوله: "أمُّ الحُليس لعجوزٌ" على الضرورة، حيث أدخل اللام على الخبر وحقها أن تدخل على المبتدأ، ولو كان للي ذكره وجهٌ ما حملوا هذا على الضرورة بلقدروا فيه ما قدروه في قوله: ويحذفُ نفسُ المؤكد نظراً لأن المؤكد مضمونُ الجملةِ، كما نص
стр. 5159
سموا مذهبهم الطريقة المثلى (بِطَريقَتِكمً الْمُثْلى) والسنة الفضلى، وكل حزب بما لديهم فرحون. وقيل: أرادوا أهل طريقتهم المثلى، وهم بنو إسرائيل، لقول موسى:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عليه المصنف في قوله: (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى) [الضحى: ٥].
ثم قال أبو علي: فإن قلت: أليسوا قد أجازوا حذف الخبر في نحو:
إن مُحلاً وإن مُرتحلاً
وإذا لم يُمنع الحذفُ في الخبر مع "إنْ" لم يمتنع في المبتدأ مع اللام؟
قلتُ: لا يلزمُ من جواز هذا جوازُ ذاك وإن اجتمعا في التأكيد وتلقي القسم؛ لأن "إنْ" مشبهةٌ بـ"لا" من حيث كانت تعملُ عملها وكانت نقيضتها، وحملُ النقيض على النقيض شائعٌ، وإنما حسُن الحذفُ مع "لا"؛ لأن المنفي في تقدير التكرير لأنه لا يقعُ إلا بعد إثبات مُثبت وبعد إثباته يحسنُ الحذفُ، وكفى بدخول اللام شاهد صدقٍ، ما روي عن أفصح من نطق بالضاد من قوله: "أغبطُ أوليائي عندي، لمؤمنٌ خفيفُ الحاذ". أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه، عن أبي أمامة.
قوله: (سموا مذهبهم الطريقة المثلى)، الراغب: الطريقُ: السبيلُ الذي يُطرقُ بالأرجل، قال تعالى: (فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً) [طه: ٧٧]، وعنه استعير كل مسلكٍ يسلكه الإنسان في فعلٍ، محموداً كان أو مذموماً، قال تعالى: (وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمْ الْمُثْلَى).
стр. 5160
(فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ) وقيل «الطريقة» اسم لوجوه الناس وأشرافهم الذين هم قدوة لغيرهم. يقال: هم طريقة قومهم. ويقال للواحد أيضا: هو طريقة قومه (فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ) يعضده قوله (فَجَمَعَ كَيْدَهُ) وقرئ (فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ) أى أزمعوه واجعلوه مجمعا عليه، حتى لا تختلفوا ولا يتخلف عنه واحد منكم، كالمسألة المجمع عليها. أمروا بأن يأتوا صفا لأنه أهيب في صدور الرائين. وروى أنهم كانوا سبعين ألفا مع كل واحد منهم حبل وعصا وقد أقبلوا إقبالة واحدة. وعن أبى عبيدة أنه فسر الصف بالمصلى، لأن الناس يجتمعون فيه لعيدهم وصلاتهم مصطفين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقيل: الطريقة: اسم لوجوه الناس وأشرافهم)، قال الزجاج: يعني بـ "طريقتكمُ المثلى": جماعتكم الأشراف، والمثلى تأنيثُ الأمثل، والأمثل والمثلى ذو الفضل الذي به يستحق أن يُقال: هذا أمثلُ قومه، والعربُ تقوله للرجل الفاضل: وإنما تأويله هذا الذي ينبغي أن يجعله قومُه قُدوةً ويسلكوا طريقته، والذي عندي أنه أهلُ طريقتكم، كقولهم: هذا طريقةُ قومه، أي: صاحب طريقة قومه.
وقال القاضي: (بِطَرِيقَتِكُمْ الْمُثْلَى) أي: بمذهبكم الذي هو أفضل المذاهب بإظهار مذهبهما، وإعلاء دينهما، لقوله: (أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ) [غافر: ٢٦].
قوله: (فاجمعوا كيدكم)، بوصل الألف وفتح الميم، قرأها أبو عمرو، والباقون: بقطع الألف وكسر الميم. قال صاحب "الكشف": من قال: (فَأَجْمِعُوا) بقطع الألف حذف الجار كما حذفها في قوله: (وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ) [البقرة: ٢٣٥]، أي: على عقدة النكاح، كقوله: (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ) [يونس: ٧١]، ومن قال: "فاجمعوا" فوصل لم يحتج إلى حذف الجار لأنه متعد بنفسه.
стр. 5161
ووجه صحته أن يقع علما لمصلى بعينه، فأمروا بأن يأتوه. أو يراد. ائتوا مصلى من المصليات (وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى) اعتراض. يعنى: وقد فاز من غلب.
(قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى (٦٥) قالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى) [طه: ٦٥ - ٦٦].
(أَنْ) مع ما بعده إما منصوب بفعل مضمر. أو مرفوع بأنه خبر مبتدأ محذوف. معناه:
اختر أحد الأمرين، أو الأمر إلقاؤك أو إلقاؤنا. وهذا التخيير منهم استعمال أدب حسن معه، وتواضع له وخفض جناح، وتنبيه على إعطائهم النصفة من أنفسهم،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ووجه صحته)، أي: صحة هذا المجاز والعدول من الحقيقة وإرادة المُصلى بـ (صفاً) في قول فرعون: (ائْتُوا صَفّاً) بعد تقرير المجاز هو أن يقع علماً ويُراد مُصلى من المصليات.
قوله: (إما منصوبٌ بفعلٍ مضمر أو مرفوع بأنه خبر مبتدأ محذوف)، قال أبو البقاء: أي: إما أن تفعل الإلقاء أو أمرنا الإلقاء.
قوله: (وهذا التخيير منهم استعمال أدب حسن)، قال في "الانتصاف": سبق أدبهم في قولهم: فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ)، جعلوا الموعد من موسى ثم قالوا: (إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ) وألهم الله تعالى موسى ﵇ أن يجعل الموعد يوم عيدهم ليفتضحوا على رؤوس الأشهاد، وألهمه بأن يبدؤوا ليكون إلقاؤه قذفاً بالحق على الباطل.
وقال القاضي: أمرهم بأن يبدؤوا في الإلقاء إسعافاً إلى ما أوهموا من الميل إلى البدء بذكر الأول في جانبهم وتغير النظم إلى وجه أبلغ وهو: (إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى).
стр. 5162
وكأن الله عز وعلا ألهمهم ذلك، وعلم موسى صلوات الله عليه اختيار إلقائهم أولا، مع ما فيه من مقابلة أدب بأدب، حتى يبرزوا ما معهم من مكائد السحر. ويستنفدوا أقصى طوقهم ومجهودهم، فإذا فعلوا: أظهر الله سلطانه وقذف بالحق على الباطل فدمغه، وسلط المعجزة على السحر فمحقته، وكانت آية نيرة للناظرين، وعبرة بينة للمعتبرين. يقال في «إذا» هذه: إذا المفاجأة. والتحقيق فيها أنها (إذا) الكائنة بمعنى الوقت، الطالبة ناصبا لها وجملة تضاف إليها، خصت في بعض المواضع بأن يكون ناصبها فعلا مخصوصا وهو فعل المفاجأة الجملة ابتدائية لا غير، فتقدير قوله تعالى (فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ) ففاجأ موسى وقت تخييل سعى حبالهم وعصيهم. وهذا تمثيل. والمعنى: على مفاجأته حبالهم وعصيهم مخيلة إليه السعى. وقرئ (عِصِيُّهُمْ) بالضم وهو الأصل، والكسر إتباع، ونحوه: دلىّ ودلىّ، وقسىّ وقسىّ. وقرئ «تخيل» على إسناده إلى ضمير الحبال والعصى وإبدال قوله (أَنَّها تَسْعى) من الضمير بدل الاشتمال،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وهذا تمثيلٌ، والمعنى على مفاجأته)، قال صاحب "التقريب": والتقدير: فاجأ موسى وقت تخييل سعي حبالهم وعصيهم، وهذا تمثيلٌ وليس عين المدعى؛ لأن وقت في التقدير: مفعولٌ به لـ"فاجأ"، والمدعى أنه ظرفٌ، فالأولى أن يقال: فاجأ موسى حبالهم في وقت تخييلها السعي، وقد نبه في قوله: "والمعنى على هذا". وقلتُ: المراد من قوله: "هذا تمثيلٌ" أن ما ذكره، وهو قوله: "فاجأ موسى وقت تخييل سعي حبالهم وعصيهم"، واردٌ على سبيل تنظير الآية به، بحسب هذه القاعدة، لكن معنى الآية: على مفاجأته حبالهم وعصيهم مخيلةً إليه السعي، بناء على قولهم: "إذا" هذه للمفاجأة، كأن الظرف سد مسد فعله، قال ابن الحاجب: ولا يقع بعد "إذا" المفاجأة إلا المبتدأُ والخبرُ، والعاملُ فيها معنى المفاجأة، وهو عاملٌ لا يظهر، استغنوا عن إظهاره بقوة ما فيها من الدلالة عليه.
قوله: ٠ وقرئ: "تخيلُ"، على إسناده إلى ضمير الحبال)، ابن ذكوان، والباقون: بالياء
стр. 5163
كقولك: أعجبني زيد كرمه، و (تُخَيلُ) على كون الحبال والعصىّ مخيلة سعيها. و (تَخَيَّل). بمعنى تتخيل. وطريقه طريق (تخيل). و (نُخيل): على أنّ الله تعالى هو المخيل للمحنة والابتلاء. يروى أنهم لطخوها بالزئبق، فلما ضربت عليها الشمس اضطربت واهتزت، فخيلت ذلك.
(فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى (٦٧) قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى (٦٨) وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى) [طه: ٦٧ - ٦٩].
إيجاس الخوف: إضمار شيء منه، وكذلك توجس الصوت: تسمع نبأة يسيرة منه «١» منه، وكان ذلك لطبع الجبلة البشرية، وأنه لا يكاد يمكن الخلو من مثله. وقيل: خاف أن يخالج الناس شك فلا يتبعوه (إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى) فيه تقرير لغلبته وقهره، وتوكيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التحتاني، قال ابن جني: القراءة بالتاء الفوقانية: للحسن والثقفي، (أَنَّهَا تَسْعَى) بدلٌ من الضمير في (يُخَيَّلُ)، وهو عائدٌ إلى الحبال والعصي، كقول: إخوتك يعجبونني أحوالهم. وقوله تعالى: (جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمْ الأَبْوَابُ) فيمن جعل "الأبواب" بدلاً من الضمير في (مُفَتَّحَةً)، وهذا أمثل من أن يعتقد خلوُّ (يُخَيَّلُ) من الضمير.
قال أبو البقاء: (حِبَالُهُمْ): مبتدأ، والخبرُ "إذا"، و (يُخَيَّلُ): حالٌ.
قوله: (نبأة يسيرة)، الجوهري: النباوة: الصوت الخفي.
قوله: (إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى) فيه تقريرٌ لغلبته وقهره، وتوكيدٌ)، يجوز أن يكون قوله: "وتوكيدٌ" عطفاً على قوله: "تقريرٌ لغلبته" على البيان، وقوله: "بالاستئناف وبكلمة التشديد" أي: التحقيق، وهي "إن" إلى آخره تعدادٌ للمؤكدات، ويجوزُ أن يكون "توكيدٌ"
стр. 5164
بالاستئناف وبكلمة التشديد وبتكرير الضمير وبلام التعريف وبلفظ العلوّ وهو الغلبة الظاهرة وبالتفضيل. وقوله (ما فِي يَمِينِكَ) ولم يقل عصاك: جائز أن يكون تصغيرا لها، أى: لا تبال بكثرة حبالهم وعصيهم، وألق العويد الفرد الصغير الجرم الذي في يمينك، فإنه بقدرة الله يتلقفها على وحدته وكثرتها، وصغره وعظمها. وجائز أن يكون تعظيما لها أى: لا تحتفل بهذه الأجرام الكبيرة الكثيرة، فإن في يمينك شيئا أعظم منها كلها، وهذه على كثرتها أقل شيء وأنزره عندها، فألقه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
غير الأول فيتعلق قوله: "بالاستئناف" بقوله: "تقريرٌ لغلبته" ويتعلقُ البواقي بقوله: "وتوكيدٌ". أما دلالةُ الاستئناف على تقرير الغلبة والقهر فهي أنه لما قيل له: (لا تَخَفْ)، أي: لا تُبالِ، سأل: لم ذاك والحالُ حالُ استشعار الخوف؟ فأجيب: (إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى)، وأما دلالة لام التعريف على تقرير الغلبة فإنها للجنس. وقد دخلت على الخبر فأفادت أن حقيقة العُلو والغلبة مختصةٌ بك لا تتعدى إلى غيرك. وقوله: (وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ) أمرٌ عُطف على النهي وهو: (لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى)، وفصل فيه ما كان مجملاً في (أَنْتَ الأَعْلَى) بقوله: (تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا) إلى قوله: ٠ آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى).
قوله: (جائزٌ أن يكون تصغيراً لها)، خبرٌ لقوله: (مَا فِي يَمِينِكَ)، فـ"ما" حينئذٍ: موصولةٌ، والصلة تدل على التحقير، أي: ألق الذي اشتمل عليه يمينك من العُويد الخفيف الحقير، وعلى تقير أن يكون تغظيماً لها: "ما" موصوفة أنها منه، والتنكير للتعيم، أي: ألق شيئاً استقر في يمينك، أي: شيئاً عظيماً، وإلى الأول الإشارة بقوله: "الصغير الجرم الذي في يمينك"، وإلى الثاني بقوله: "لا تحتفل" إلى قوله: "فإن في يمينك شيئاً أعظم منها"، قال صاحب "الانتصاف": ويحتملُ وجهاً آخر، وهو أن الله تعالى غنما قال لموسى ﵇: (وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ) ليتيقظ بهذه الصيغة للوقت الذي قيل له: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ) وأظهر له معجزتها فآنسه بأن خاطبه مما خاطبه به وقت ظهور آيتها لينبه على ما فيها من المعجزة القاهرة، ويقوي قلبه.
стр. 5165
يتلقفها بإذن الله ويمحقها. وقرئ (تَلْقَفْ) بالرفع على الاستئناف. أو على الحال، أى:
ألقها متلقفة. وقرئ: (تلقف)، بالتخفيف. (صَنَعُوا) هاهنا بمعنى زوّروا وافتعلوا، كقوله
تعالى (تَلْقَفُ ما يَافِكُونَ)] الأعراف: ١١٧ [. قرئ (كَيْدُ ساحِرٍ) بالرفع والنصب. فمن رفع فعلى أنّ (ما) موصولة. ومن نصب فعلى أنها كافة. وقرئ: (كَيدُ سِحرٍ)، بمعنى: ذى سحر: أو ذوى سحر. أو هم لتوغلهم في سحرهم كأنهم السحر بعينه وبذاته. أو بين الكيد، لأنه يكون سحرا وغير سحر، كما تبين المائة بدرهم. ونحوه: علم فقه، وعلم نحو. فإن قلت: لم وحد "ساحر" ولم يجمع؟ قلت: لأنّ القصد في هذا الكلام إلى معنى الجنسية، لا إلى معنى العدد، فلو جمع، لخيل أنّ المقصود هو العدد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (يتلقفها بإذن الله ويمحقها)، الراغب: لقفت الشيء ألقفه وتلقفته: تناولته بالحذق، سواءٌ كان تناوله بالفم أو اليد.
قوله: (وقرئ: "تلقفُ" بالرفع)، ابن عامر: في "المعالم"، وفي "التيسير": ابن ذكوان، والباقون: بالجزم على جواب الأمر.
قوله: (وقرئ: "كيدُ سحرٍ")، حمزة والكسائي: بكسر السين بلا ألف، والباقون: بفتحها وألفٌ بعدها، وإضافة الكيد إلى الفاعل أولى من إضافته إلى المفعول، قال الزجاج: ويجوز: "كيد ساحر"، بنصب الدال. وأما رفعها فعلى أن الذي صنعوه كيدُ ساحر، على خبر "إنّ"، و"ما" اسمٌ. ومن قرأ بالنصب جعل "ما" مانعةً لـ"إن" من العمل، وتسوغُ الفعل أن يكون بعدها، ونصب "كيد ساحر" بـ"صنعوا".
قوله: (لأن القصد … إلى معنى الجنسية لا إلى معنى العدد)، مضى بيانه في أول مريم عند قوله: (وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي) مستوفى.
стр. 5166
ألا ترى إلى قوله (وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ) أى هذا الجنس. فإن قلت: فلم نكر أوّلا وعرف ثانيا؟
قلت: إنما نكر من أجل تنكير المضاف، لا من أجل تنكيره في نفسه، كقول العجاج:
في سعى دنيا طالما قد مدّت
وفي حديث عمر رضى الله عنه «لا في أمر دنيا ولا في أمر آخرة. المراد تنكير الأمر، كأنه قيل: إن ما صنعوا كيد سحري. وفي سعى دنيوى. وأمر دنيوى وآخري (حَيْثُ أَتى) كقولهم: حيث سير، وأية سلك، وأينما كان.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (في سعي دنيا طالما قد مُدت)، قبله:
يوم ترى النفوس ما أعدت … من نُزلٍ إذا الأمور غبت
ما أعدت، أي: جعلته عُدةً، غبتِ الأمورُ: إذا بلغت أواخرها، "ما" في "طالما": كافةٌ، أو مصدريةٌ، مضى شرحه في الخطبة، مُدت، أي: أمهلت، في جمعها وتهيئة أسبابها.
وإنما نكر "دنيا" لتنكير السعي، إذ لو عرف الدنيا صار السعي معرفة، والمراد تنكيره، المعنى: في سعي دنيوي. وقوله: "في سعي دنيا" ظرفُ "غبت"، يقول: يوم القيامة ترى النفوس ما جعلته عدة، من نُزل يوم القيامة، حتى تبلغ الأمور أواخرها.
قوله: (وفي حديث عُمر ﵁، النهاية: في حديث عمر ﵁ قال: "إني لأكرهُ أن أرى أحدكم سبهللاً، لا في عمل دنيا ولا في عمل آخرة". سبهللاً: أي: فارغاً، يقال: جاء يمشي سبهللاً: إذا جاء وذهب فارغاً في غير شيء. التنكيرُ في "دنيا" و"آخرة" يرجعُ إلى المضاف، وهو العمل، كأنه قال: لا في عمل من أعمال الدنيا، ولا في عمل من أعمال الآخرة.
قوله: ((حَيْثُ أَتَى) كقولهم: حيثُ سير)، الراغب: حيثُ عبارةٌ عن مكان مبهمٌ،
стр. 5167
(فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى) [طه: ٧٠].
سبحان الله ما أعجب أمرهم. قد ألقوا حبالهم وعصيهم للكفر والجحود ثم ألقوا رؤسهم بعد ساعة للشكر والسجود، فما أعظم الفرق بين الإلقاءين! وروى أنهم لم يرفعوا رؤسهم
حتى رأوا الجنة والنار ورأوا ثواب أهلها. وعن عكرمة: لما خروا سجدا أراهم الله في سجودهم منازلهم التي يصيرون إليها في الجنة.
(قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى) [طه: ٧١].
(لَكَبِيرُكُمُ) لعظيمكم، يريد: أنه أسحرهم وأعلاهم درجة في صناعتهم. أو لمعلمكم، من قول أهل مكة للمعلم: أمرنى كبيرى، وقال لي كبيرى: كذا يريدون معلمهم وأستاذهم في القرآن وفي كل شيء. قرئ (فَلَأُقَطِّعَنَّ) (ولأصلبنّ). بالتخفيف. والقطع من خلاف: أن تقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى، لأنّ كل واحد من العضوين خالف الآخر، بأن هذا يد وذاك رجل، وهذا يمين وذاك شمال. و «من» لابتداء الغاية: لأن القطع مبتدأ وناشئ من مخالفة العضو العضو، لا من وفاقه إياه. ومحل الجار والمجرور النصب على الحال، أى: لأقطعنها مختلفات، لأنها إذا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يشرحُ بالجملة التي بعده، نحو قوله تعالى: (وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ)، (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ).
قوله: (قد ألقوا حبالهم … ثم ألقوا رؤوسهم … ، فما أعظم الفرق بين الإلقاءين)، قال في "الانتصاف": في تكرير لفظ الإلقاء والعدول عن قوله: فسجدوا إشعارٌ بلطفه في نقلهم من غاية الكفر إلى غاية الانقياد، ويحصلُ ذلك بتكرير لفظٍ واحدٍ لمعنيين متناقضين، وفيه مناسبةٌ لما قدمه (وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ)، (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ).
стр. 5168
خالفت بعضها بعضا فقد اتصفت بالاختلاف. شبه تمكن المصلوب في الجذع بتمكن الشيء الموعى في وعائه، فلذلك قيل (فِي جُذُوعِ النَّخْلِ). (أَيُّنا) يريد نفسه لعنه الله وموسى صلوات الله عليه بدليل قوله (آمَنْتُمْ لَهُ) واللام مع الإيمان في كتاب الله لغير الله تعالى، كقوله تعالى (يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ)] التوبة: ٦١ [، وفيه نفاجة «١» باقتداره وقهره، وما ألفه وضرى به: من تعذيب الناس بأنواع العذاب. وتوضيع لموسى ﵇، واستضعاف له مع الهزء به: لأن موسى لم يكن قط من التعذيب في شيء.
(قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالَّذِي فَطَرَنا فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا (٧٢) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى (٧٣) إِنَّهُ مَنْ يَاتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى (٧٤) وَمَنْ يَاتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى (٧٥) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى) [طه: ٧٢ - ٧٦]
(وَالَّذِي فَطَرَنا) عطف على ما جاءنا أو قسم. قرئ: (تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا)،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (شبه تمكن المصلوب في الجذع بتمكن الشيء المُوعي)، بيانٌ لمجاز استعمال "في" موضع "على".
قوله: (بدليل قوله: (آمَنْتُمْ لَهُ))، يعني: دل هذا على أن المراد من قوله: (أَيُّنَا أَشَدُّ) نفسه وموسى ﵇؛ لأن معنى (آمَنْتُمْ لَهُ): آمنتم لأجله وبسببه؛ لأنكم خفتُم على أنفسكم أن يعذبكم إن لم تؤمنوا له استهزاء بموسى؛ لأنه لم يُعذب قط.
قوله: (وفيه نفاجةٌ)، النهاية: النفاج: الذي يُمتدح بما ليس فيه، من الانتفاج: الارتفاع، يعني: تعلمون عادتي في العذاب، ولا تشكون في ضعف موسى.
стр. 5169
ووجهها أن الحياة في القراءة المشهورة منتصبة على الظرف، قاتسع في الظرف بإجرائه مجرى المفعول به، كقولك في «صمت يوم الجمعة»: «صيم يوم الجمعة» وروى أن السحرة - يعنى رؤسهم - كانوا اثنين وسبعين: الاثنان من القبط، والسائر من بنى إسرائيل، وكان فرعون أكرههم على تعلم السحر. وروى أنهم قالوا لفرعون: أرنا موسى نائما ففعل، فوجدوه تحرسه عصاه، فقالوا: ما هذا بسحر الساحر، لأن الساحر إذا نام بطل سحره، فأبى إلا أن يعارضوه (تَزَكَّى) تطهر من أدناس الذنوب. وعن ابن عباس: قال لا إله إلا الله. قيل في هذه الآيات الثلاث: هي حكاية قولهم. وقيل: خبر من الله، لا على وجه الحكاية.
(وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لا تَخافُ دَرَكاً وَلا تَخْشى (٧٧) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ (٧٨) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى) [طه: ٧٧ - ٧٩]
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أن "الحياة" في القراءة المشهورة منتصبةٌ على الظرف)، قال القاضي: المعنى: فاقض ما أنت قاضيه، أي: صانعهُ أو حاكمٌ به (إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا)، أي: إنما تصنع ما تهواه أو تحكم بما تراه في هذه الحياة الدنيا، والآخرةُ خيرٌ وأبقى، فهو كالتعليل لما قبله، والتمهيد لما بعده.
قوله: (والسائر من بني إسرائيل)، مؤذنٌ أن "سائراً" من السؤر الباقي، لا بمعنى الجميع، كما مر عن صاحب "النهاية".
قوله: (قيل في هذه الآيات الثلاث)، أي: قيل في شأنها وحقها: من كلام السحرة، وهي حكاية الله قولهم، والآيات: قوله تعالى: (إِنَّهُ مَنْ يَاتِ رَبَّهُ مُجْرِماً) إلى قوله: (جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى)، كذا عن القاضي وصاحب "التقريب".
стр. 5170
(فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً) فاجعل لهم، من قولهم: ضرب له في ماله سهما. وضرب اللبن: عمله.
اليبس: مصدر وصف به. يقال: يبس يبسا ويبسا «١». ونحوهما: العدم والعدم. ومن ثم وصف به المؤنث فقيل: شاتنا يبس، وناقتنا يبس: إذا جف لبنها. وقرئ: (يبسا)، و (يابسا). ولا يخلو اليبس من أن يكون مخففا عن اليبس. أو صفة على فعل. أو جمع يابس، كصاحب وصحب، وصف به الواحد تأكيدا، كقوله:
… ومعى جياعا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: "يبسا" و"يابساً")، قال الزجاجُ: فمن قرأ "يابساً" جعلهُ نعتاً للطريق، ومن قرأ "يبساً"، فإنهُ نعتهُ بالمصدر، أي: ذا يبسٍ، يقال: يبس الشيء ييبسُ يبساً ويُبساً ويبساً، ثلاثُ لغاتٍ: بفتح الياء والباء، وبضمها وسكون الباء، وفتحها وسكون الباء.
قوله: (ومعي جياعاً)، تمامه أنشد صاحب "المطلع":
كأن قتود رحلي حين ضمت … حوالب غُرزا ومعي جياعا
القتادُ: خشبُ الرحل، والجمعُ أقتادٌ وقتود، الحاليان: عرقان متنفان بالسرة، والغارزُ: الناقةُ التي قل لبنها، والجمع الغرزُ، والغازرُ بتقديم الزاي على الراء: ضدها، من الغزارة، وحوالبُ: خبرُ "كأن"، ومعي: عطفٌ عليه، وغُرزاً، جياعاً: حالان، وقيل: خبرُ "كأن" في البيت الذي يليه، و"حوالب": مفعولُ "ضمت"، أي: شُدت على حوالب ناقتي.
وقلتُ: الأظهرُ أن يُقدر مضافٌ، أي: ذات حوالب، وهو مفعولُ ضمت بفتح الضاد، فحُذف المضافُ على حوالبَ، وأقيم المضافُ إليه مقامه، وغُرزاً: صفة "حوالب"، و"معي" مع صفته: عطفٌ على "حوالب"، وخبرُ "كأن": في البيت الذي يليه، وهو قولُ: "على وحشيةٍ"، شبه حالة قتود رحله حين وُضعت على ناقةٍ موصوفةٍ بالضمور بحالة وضعها على وحشية فقدت ولدها، فحينئذ التشبيه مُركبٌ، فهذه الرواية أصحُّ معنى وإعراباً. أما
стр. 5171
جعله لفرط جوعه كجماعة جياع (لا تَخافُ) حال من الضمير في (فَاضْرِبْ) وقرئ: (لا تخف)، على الجواب. وقرأ أبو حيوة (دَرَكاً) بالسكون. والدرك والدرك: اسمان من الإدراك، أى: لا يدركك فرعون وجنوده ولا يلحقونك. في (وَلا تَخْشى)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من حيث المعنى: فلأن غرض الشاعر تشبيهُ ناقته بالوحشية في الضمور والنفور، لا تشبيه القتود بالحوالب، وأما من حيث الإعرابُ: فلأن حوالب ومعى نكرتان، فلا يصح وقوعهما ذا الحال مقدماً، وبعده:
على وحشيةٍ خُذلت خلوج … وكان لها طلا طفلٌ فضاعا
فكرت تبتغيه وصادفته … على دمه ومصرعه السباعا
والخلوجُ من النوق: التي اختلج عنها ولدُها فقل لذلك لبنُها، قال الأصمعي: إذا تخلفَ الظبيُ عن القطيع قيل: خذله.
قوله: (جعله لفرط جوعه كجماعة جياع)، كذا جعل الطريق، لفرط يبسها، كاليبس، والمعنى: ليس فيها ماءٌ ولا طينٌ ولا ندوة. الانتصاف: أو قدر كل جزء من أجزاء الطريق طريقاُ يابساً، فكانت لذلك اثنتي عشرة طريقاً، لكل سبط طريقٌ.
قوله: (وقرئ: "لا تخف")، على الجواب: حمزةُ، والباقون: برفعها وألفٌ قبلها. قال الزجاجُ: لا تخافُ، أي: لست تخافُ، ولا تخف، أي: ولا تخف أن يدركك فرعون ولاتخشى الغرق، فعلى هذا: الألفُ للإطلاق.
قوله: (الدرك والدركُ: اسمان من الإدراك)، الراغب: الدركُ كالدرج، لكن الدرج يقال اعتباراً بالصعود، والدرك اعتباراً بالحدور، ومنه درجات الجنة ودركات النار.
стр. 5172
إذا قرئ: (لا تخف)، ثلاثة أوجه: أن يستأنف، كأنه قيل وأنت لا تخشى، أى: ومن شأنك أنك آمن لا تخشى، وأن لا تكون الألف المنقلبة عن الياء التي هي لام الفعل ولكن زائدة للإطلاق من أجل الفاصلة، كقوله (فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا)، (وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا)] الأحزاب: ١٠ [وأن يكون مثله قوله:
كأن لم ترى قبلي أسيرا بمانيا
(ما غَشِيَهُمْ) من باب الاختصار، ومن جوامع الكلم التي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ولتصور الحدور بالنار سميت هاوية، والدركُ أقصى قعرِ البحر، ويقال للحبل الذي يوصل به حبل آخر ليدرك الماء: درك، ويقالُ لما يلحقُ الإنسان من تبعةٍ: دركٌ، كالدرك في البيع، قال تعالى: (لا تَخَافُ دَرَكاً وَلا تَخْشَى)، أي: تبعةً، وأدرك الصبي: بلغ غاية الصبا، وذلك حين البُلوغ.
قوله: (لا تخشى، أي: ومن شأنك أنك آمنٌ لا تخشى)، أي: أنها جُملةٌ معترضة.
قوله: (كأن لم تري قبلي أسيراً يمانيا)، قبله:
وتضحكُ مني شيخةٌ عبشميةٌ
القائل كان أسيراً يمانياً، فمرت به عجوزٌ من عبد شمس ضحكت منهُ، فقال البيت، وعبشميةٌ: منسوبٌ إلى عبد شمس، كعبدري: منسوبٌ إلى عبد الدار، وأثبت الألف مع الجازم في "لم تر" لضرورة الشعر، قيل: تري، كأنه جاء على الأصل ترى، ثم سكنه بالجازم.
стр. 5173
تستقل مع قلتها بالمعاني الكثيرة، أى: غشيهم ما لا يعلم كنهه إلا الله. وقرئ: (فغشاهم من اليم ما غشاهم) والتغشية: التغطية. وفاعل غشاهم: إما الله سبحانه. أو ما غشاهم. أو فرعون، لأنه الذي ورّط جنوده وتسبب لهلاكهم. وقوله (وَما هَدى) تهكم به في قوله (وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ) [غافر: ٢٩].
(يا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى (٨٠) كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى) [طه: ٨٠ - ٨١]
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (تستقل مع قلتها بالمعاني الكثيرة)، الأساس: ومن المجاز: هو مستقلٌ بنفسه، إذا كان ضابطاً لأمره، وهو لا يستقل بهذا الأمر، أي: لا يُطيقه.
قوله: (ورط جنوده)، الأساس: وقع في ورطة لا يتخلص منها، في بلية، وأورطه شر مورطٍ.
قوله: ((وَمَا هَدَى) تهكم به)، قال في "الانتصاف": التهكم: أن يُؤتي بعبارة والمقصود عكس مقتضاها، كقوله: (إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) [هود: ٨٧]، وأما (وَمَا هَدَى) فهو إخبارٌ عن عدم الهداية. قال في "الانتصاف": الأمرُ كذلك، لكن في العرف في قولك: ما هدى زيدٌ عمراً، إثبات كون زيد مهتدياً عالماً بطريق الهداية، وفرعونُ أضل الضالين، فكيف يُتوهمُ أن يهدي غيره، ولأن (وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ) كافٍ في المقصود من عدم الهداية زائداً عليه الإضلال، فإن من لا يهدي قد يكون غير مُضلّ.
وقلتُ: وتوضيح معنى التهكم: أن قوله: (وَمَا هَدَى) من باب التلميح، وهو: أن يُشار في أثناء الكلام إلى قصةٍ أو حالٍ؛ فإن مجيء (وَمَا هَدَى) إشارةٌ إلى ادعاء اللعين الرشاد في قوله: (وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ) [غافر: ٢٩]، فهو كمن ادعى دعوى وبالغ فيها، فإذا حان وقتُها ولم يأتِ بها قيل له: ما أتيت بما ادعيت، تهكماً.
стр. 5174
(يا بَنِي إِسْرائِيلَ) خطاب لهم بعد إنجائهم من البحر وإهلاك آل فرعون. وقيل: هو للذين كانوا منهم في عهد رسول الله ﷺ منّ الله عليهم بما فعل بآبائهم والوجه هو الأوّل، أى: قلنا يا بنى إسرائيل، وحذف القول كثير في القرآن. وقرئ «أنجيتكم» إلى «رزقتكم»، وعلى لفظ الوعد والمواعدة. وقرئ (الْأَيْمَنَ) بالجر على الجوار، نحو «جحر ضب خرب». ذكرهم النعمة في نجاتهم وهلاك عدوهم، وفيما واعد موسى صلوات الله عليه من المناجاة بجانب الطور، وكتب التوراة في الألواح. وإنما عدى المواعدة إليهم لأنها لا بستهم واتصلت بهم حيث كانت لنبيهم ونقبائهم، وإليهم رجعت منافعها التي قام بها دينهم وشرعهم، وفيما أفاض عليهم من سائر نعمه وأرزاقه. طغيانهم في النعمة: أن يتعدّوا حدود الله فيها بأن يكّفروها ويشغلهم اللهو والتنعم عن القيام بشكرها، وأن ينفقوها في المعاصي: وأن يزووا حقوق الفقراء فيها، وأن يسرفوا في إنفاقها، وأن يبطروا فيها ويأشروا ويتكبروا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والوجه هو الأول)، إذ النظمُ يستدعيه؛ لأن السابق واللاحق وهو قوله: (وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى) فيهم.
قوله: (وقرئ: "أنجيتكم")، أي: بتاءٍ مضمومةٍ: حمزة والكسائي، والباقون: بالنون المفتوحة وألفٍ بعدها.
قوله: (وأن يزووا)، أي: يصرفوا، الجوهري: زوى فلانٌ المال عن ورائه زياً.
قوله: (أن يبطروا فيها ويأشروا)، الجوهري: البطرُ: الأشرُ، وهو شدةُ المرح والفرح والنشاط، وقد بطر بالكسر يبطر بفتح الطاء.
стр. 5175
قرئ (فَيَحِلَّ) وعن عبد الله: (لا يحلن) «١» (وَمَنْ يَحْلِلْ) المكسور في معنى الوجوب، من حل الدين يحل إذا وجب أداؤه. ومنه قوله تعالى (حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ)] البقرة: ١٩٦ [والمضموم في معنى النزول.
وغضب الله عقوباته ولذلك وصف بالنزول (هَوى) هلك. وأصله أن يسقط من جبل فيهلك. قالت:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الراغب: الأشر: شدة البطر، والأشر أبلغ من البطر، والبطرُ أبلغُ من الفرح، فإن الفرح وإن كان في أغلب أحواله مذموماً كقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ) [القصص: ٧٦]، فقد يُحمد إذا كان على قدر ما يجب، وفي الموضع الذي يجب، وفي الموضع الذي يجب، كما قال تعالى: (فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا) [يونس: ٥٨].
قوله: (قرئ: (فَيَحِلَّ))، بالنصب، جواباً للنهي، والفاء عاطفةٌ بتأويل المصدر على مصدر ما قبلها، فيقدر: لا يكن منكم طغيانٌ فحلولُ غضبٍ مني، ونحوه: ائتني فأكرمك، أي: ليكن منك إتيانٌ فإكرامٌ مني، و"أن" مقدرةٌ، وقرأ الكسائي: "فيحلُّ": بضم الحاء، "ومن يحلل": بضم اللام الأولى، والباقون بكسر الحاء واللام.
قوله: (وغضب الله: عقوباته، ولذلك وُصف بالنزول)، الانتصاف: لا يسعه أن يذكر الغضب إلا بالعقوبة؛ لأنه ينفي الإرادة في جملة ما نفاه نم صفات الكمال، وعند أهل السُّنة: يجوز أن تكون الإرادة من صفات الذات، وعاملهم معاملةَ الغضبان لأنه صفةُ فعل، ولا يأبى وصفه بالحلول أن يكون صفة ذات ويكون كقوله ﷺ : "ينزل ربُّنا إلى سماء الدنيا" بتأويله المعروف، أو عبر عن حلول أثرِ الإرادة بحلول أمرها، كقولك: انظر إلى قدرة الله
стр. 5176
هوى من رأس مرقبة … ففتّت تحتها كبده
ويقولون: هوت أمّه. أو سقط سقوطا لا نهوض بعده.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أي: أثر قدرته.
قال المصنف في "المنهاج": وليس لله مثل صفة المريد منا، وهي القصد والميل.
وقال الإمام في "نهاية العقول": القائلون بنفي الإرادة من المعتزلة: أبو الهذيل والنظام والجاحظ والبلخيُّ والخوارزمي، وقد استقصينا القول فيه في أول البقرة عند قوله تعالى: (مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً) [البقرة: ٢٦].
قوله: (هوى من رأس مرقبةٍ)، القائلة: الخنساء. والمرقبة: مكانُ الدبران، مفعلةٍ، من: رقب؛ إذا نظر.
قوله: (فَقُتتَ)، أي: صارت فتاتاً دقاقاً.
قوله: (هوت أمهُ)، الجوهري: يقالُ: لا أم لك، وهو ذم، وربما وُضع موضع المدح، قال كعبُ بن سعدٍ يرثي أخاه:
هوت أمه ما يبعثُ الصبح غادياً … وماذا يؤدي الليلُ حين يؤوبُ
أي: أي رجلٍ بعثه الصبح، وأي رجل يؤديه الليلُ، على أن "ما" إبهاميةٌ للتفخيم والتعظيم، أي: حسدت أمه.
стр. 5177
(وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى) [طه: ٨٢]
الاهتداء: هو الاستقامة والثبات على الهدى المذكور وهو التوبة والايمان والعمل الصالح، ونحوه قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا)] فصلت: ٣٠ [وكلمة التراخي دلت على تباين المنزلتين دلالتها على تباين الوقتين في «جاءني زيد ثم عمرو» أعنى أنّ منزلة الاستقامة على الخير مباينة لمنزلة الخير نفسه، لأنها أعلى منها وأفضل.
(وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى (٨٣) قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى) [طه: ٨٣ - ٨٤]
(وَما أَعْجَلَكَ)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (الاهتداءُ هو الاستقامة والثباتُ على الهدى المذكور)، يعني: لما أفاد قوله: (لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً) الهُدى، حُمل قوله: (اهْتَدَى) على الاستقامة عليها، قال الإمامُ: المرادُ الاستمرارُ على تلك الطريقة، إذ المُهتدي في الحال لا يكفيه ذلك في الفوز بالنجاة حتى يستمر عليه في المستقبل ويموت عليه، ويؤكدهُ قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا) [فصلت: ٣٠]، وكلمةُ التراخي ليست لتباين المرتبتين بل لتباين الوقتين، فكأنه قال: الإتيان بالتوبة والإيمان والعمل الصالح مما قد يتفق لكل أحد، وإنما الصعوبة في المداومة عليها بعد ذلك.
وقلتُ: ومعنى قوله: "وكلمةُ التراخي دلت على تباين المنزلتين دلالتها على تباين الوقتين": ان مرتبة الاستقامة والدوام أعلى من مرتبة الإحداث والإبداع. قال:
لكل إلى شأوِ العلى حركاتُ … ولكن عزيزٌ في الرجال ثباتُ
стр. 5178
أي شيء عجل بك عنهم؟ على سبيل الإنكار، وكان قد مضى مع النقباء إلى الطور على الموعد المضروب. ثم تقدمهم شوقا إلى كلام ربه وتنجز ما وعد به، بناء على اجتهاده وظنه أن ذلك أقرب إلى رضا الله تعالى، وزل عنه أنه ما وقت أفعاله إلا نظرا إلى دواعي الحكمة، وعلما بالمصالح المتعلقة بكل وقت، فالمراد بالقوم: النقباء، وليس
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أي شيء عجل بك عنهم؟ على وجه الإنكار)، الراغب: العجلةُ: طلبُ الشيء وتحريه قبل أوانه، وهي من مقتضى الشهوة، فلذلك صارت مذمومةً في عامة القرآن، حتى قيل: "العجلةُ من الشيطان"، وقوله تعالى: (خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ) [الأنبياء: ٣٧] فيه تنبيهٌ على أنه لا يتعرى من ذلك، وأن ذلك أحدُ القوى التي رُكب عليها، وعلى ذلك قال: (وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً) [الإسراء: ١١]، وأما قوله: (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى) [طه: ٨٤]، فذكر أن عجلته وإن كانت مذمومة فالذي دعا إليها أمرٌ محمودٌ وهو رضى الله.
قوله: (وكان قد مضى مع النقباء إلى الطور على الموعد المضروب)، إلى قوله: "وزل عنه أنه تعالى ما وقت أفعاله إلا نظراً إلى دواعي الحكمة فيه"، إشعارٌ بأنه ﵇ ما تقدم القوم تقدم الموعد المضروب أيضاً. وقال الإمام: (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى) يدل على أنه ذهب إلى الميعاد قبل الوقت الذي عينه الله تعالى له.
وقلت: يرد هذا التأويل قوله تعالى: (وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) [الأعراف: ١٤٢] إلى قوله: (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا)، قال المصنف: (لِمِيقَاتِنَا): لوقتنا الذي وقتنا له وحددنا، وإنما المراد بـ"عجلتُ إليك": عجلتُ عن قومي، لا عن المقيات، لقوله تعالى: (وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى)، والله أعلم.
стр. 5179
لقول من جوز أن يراد جميع قومه وأن يكون قد فارقهم قبل الميعاد وجه صحيح، يأباه قوله (هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي) وعن أبى عمرو ويعقوب: (إثرى)، بالكسر وعن عيسى بن عمر: (أثرى) بالضم. وعنه أيضا: (أولا) بالقصر. والأثر أفصح من الأثر. وأما الأثر فمسموع، والمراد فالأفصح كثرة جريانه على ألسنة الفصحاء في فرند السيف «١» مدوّن في الأصول. يقال: إثر السيف وآثره، وهو بمعنى الأثر غريب.
فإن قلت: (وما أَعْجَلَكَ) سؤال عن سبب العجلة فكان الذي ينطبق عليه من الجواب أن يقال: طلب زيادة رضاك أو الشوق إلى كلامك وتنجز موعدك. وقوله (هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي) كما ترى غير منطبق عليه. قلت: قد تضمن ما واجهه به رب العزة شيئين:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (قد تضمن ما واجهه به رب العزة شيئين)، يريد أن قوله: (وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ) في الظاهر سؤالٌ عن سبب العجلة، ولما تضمن معنى الإنكار أفاد أيضاً إنكار نفس العجلة؛ لأن نفس العجلة لو لم تكن مُنكرةً لم يكن الحاملُ عليها منكراً، ولهذا قدم عُذر نفس العجلة في الجواب على العُذر على السبب الحامل عليها اهتماماً بشأنه، وإليه الإشارة بقوله: فكان أهم الأمرين إلى موسى بسط عذره تمهيداً لعلةٍ في نفس ما أنكر عليه، وقال القاضي: (وَمَا أَعْجَلَكَ): سؤالٌ عن سبب العجلة يتضمنُ إنكارها من حيث إنها نقيصةٌ في نفسها، وانضم إليها إعفال القوم وإيهامُ التعظيم عليهم.
وقال صاحب "الفرائد": الواو لمطلق الجمع، والجواب مجموعُ الكلام، فلا يلزم التقدم الذي ذكر، ألا ترى إلى أنه قال: (وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ) [البقرة: ٥٨]، وقال في موضع آخر: (وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً) [الأعراف: ١٦١]، والقصة واحدةٌ، فظاهر كلامه يقتضي أن يكون موسى ﵇ رد قوله تعالى: (وَمَا أَعْجَلَكَ) بقوله:
стр. 5180
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(هُمْ أُولاءِ عَلَى أَثَرِي)؛ لأنه قال في معناهُ: ما هذا تقدمٌ يعتدُ به، فلم يكن هذا تعجلاً مني في العادة. والوجه أن يقال: إني خشيت أن مثل هذا التقدم غير معتدٍ به نظراً إلى العادة.
وقلتُ: الأحسنُ أن يقال: إن الجواب هو قوله: (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى)، وقوله (هُمْ أُولاءِ عَلَى أَثَرِي) كالتوطئة والتمهيد للجواب، يعني: ما كانت عجلتي إلا لرضاك، وأن أكون من السابقين الذي يتقدمون على متابعتهم مسافةً يسيرة يتقدم بمثلها الوفد رئيسهم، فجاء قوله: (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى) كالبيان لذلك. ويؤيده ما في "المعالم": أن موسى ﵇ اختار من قومه سبعين رجلاً حتى يذهبوا معه إلى الطور ليأخذوا التوراة، فسار بهم، ثم عجل نم بينهم شوقاً على ربه وخلفهم وأمرهم أن يتبعوه إلى الجبل، فقال الله تعالى له: (وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى)، فقال مجيباً: هم بالقرب مني يأتون على أثري، وعجلتُ إليك لتزداد رضا.
ودل قوله: "لتزداد رضا" على وجود رضا.
فإن قلت: كيف التوفيق بين هذا الذي رُكب في هذا المقام وما سبق في "الأعراف" أن قصة ميقات الكلام وطلب الرؤية منه ﵇ غير قصة الميقات للاعتذار لأجل عبادتهم العجل وأنه ﵇ اختار السبعين في الكرة الثانية، وأنه لم يحضر معه القوم في الكرة الأولى، وما طلب الرؤية إلا لنفسه؟
قلتُ: وجهه أنه تعالى بعد هلاك فرعون واعد بني إسرائيل بقوله: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الأَيْمَنَ) إحضارهم جانب الطور، ثم إنه ﵇ اختار منهم سبعين فسار بهم، ثم عجل من بينهم إلى الجبل شوقاً إلى ربه فكلمه ربه وطلب الرؤية، وليس فيه أنهم لحقوه وطلبوا الرؤية. والحاصل أنه اختار السبعين مرتين، ففي الثانية كانوا معه. وأما في الأولى فليس في التنزيل ولا في الروايات أنهم حضروا معهُ في
стр. 5181
أحدهما: إنكار العجلة في نفسها. والثاني: السؤال عن سبب المستنكر والحامل عليه، فكان أهمّ الأمرين إلى موسى بسط العذر وتمهيد العلة في نفس ما أنكر عليه، فاعتل بأنه لم يوجد منى إلا تقدّم يسير، مثله لا يعتدّ به في العادة ولا يحتفل به. وليس بيني وبين من سبقته إلا مسافة قريبة يتقدّم بمثلها الوفد رأسهم ومقدمهم، ثم عقبه بجواب السؤال عن السبب فقال (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى) ولقائل أن يقول: حار لما ورد عليه من التهيب لعتاب الله، فأذهله ذلك عن الجواب المنطبق المرتب على حدود الكلام.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المكالمة وطلب الرؤية، على أنه يجوز أن يُراد بالقوم: جميعُ قومه الذين خلفهم مع هارون، ويفسرُ (هُمْ أُولاءِ عَلَى أَثَرِي) بأنهم بالقرب مني ينتظرونني، كما أورده الإمام.
وقلتُ: ويؤيدُ هذا الوجه التعقيبُ بقوله تعالى: (فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا) بحرف الترتيب، أي: الفاء، قول موسى ﵇: (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى)، كما عطف إبراهيمُ ﵇ قوله: (مِنْ ذُرِّيَّتِي) [البقرة: ١٢٤] على الكاف في قوله تعالى: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً) [البقرة: ١٢٤]، ثم التصريح بقوله: (قَوْمُكَ) بعد قوله: (وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ) يدل على أنهم هم؛ لأن المُعرف إذا أعيد كان الثاني عين الأول، ولأن المفتونين ليسوا السبعين من المتخلفين، ويُحتمل التعجيلُ على أنه ﵇ ما صبر لانقضاء الميقات المضروب عند القوم، بل حسب الميقات تمامه عند مجيئه إلى الميقات، بدليل اللام في قوله: (لِمِيقَاتِنَا)، أي: لوقت ميقاتنا، ولهذا كان من جواب الله: (فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ) يعني: إن فعلت ذاك فإنا قد فتناهم.
وقال صاحب "الانتصاف": والمرادُ بسؤال موسى تعليمُه أدب السفر، وهو أن يتأخر رئيس القوم ليحيط بصره بطائفته، كما علم لوطاً بقوله: (وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ) [الحجر: ٦٥] وموسى إنما أغفل ذلك لعلة طلب الرضى بمسارعته إلى الميعاد الذي يود لو ركب أجنحة الطير.
стр. 5182
(قالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ) [طه: ٨٥].
أراد بالقوم المفتونين: الذين خلفهم مع هارون وكانوا ست مائة ألف ما نجا من عبادة العجل منهم إلا اثنا عشر ألفا. فإن قلت: في القصة أنهم أقاموا بعد مفارقته عشرين ليلة، وحسبوها أربعين مع أيامها، وقالوا: قد أكملنا العدة، ثم كان أمر العجل بعد ذلك، فكيف التوفيق بين هذا وبين قوله تعالى لموسى عند مقدمه (فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ)؟ قلت: قد أخبر الله تعالى عن الفتنة المترقبة، بلفظ الموجودة الكائنة على عادته. أو افترص السامري غيبته فعزم على إضلالهم غب انطلاقه، وأخذ في
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فكيف التوفيق بين هذا وبين قوله تعالى لموسى عند مقدمه: (فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ)؟ )، قال صاحب "الفرائد": لو كانت الفاءُ داخلةٌ على "قال" لزم أن يكون عند مقدمه؛ لأن المعنى حينئذ: قال عقيب قول موسى: إنا قد فتنا قومك، لكنها داخلة على ما بعد "قال"، فلا يلزم ذلك، وعلى تقدير التسليم المراد من قوله: (فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ) أردنا فتنتهم أو حكمنا بوقوع الفتنة، كقوله تعالى: (وَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآنَ) [الإسراء: ٤٥]، وقوله تعالى: (فَجَاءَهَا بَاسُنَا) [الأعراف: ٤]، أي: من بعد انطلاقك، و (مِن): للابتداء، فوجه التوفيق: لا نُسلمُ أن (مِن) للابتداء، بل بعدك ومن بعدك سواءٌ في الاستقبال، فيصح من بعدك ولو بعد عشرين ليلةً، والفاءُ وقد ليستا لتعقيب الفتنة، بل هما للإخبار بالفتنة لأنفسهما.
وقلتُ: مرادُ المصنف من السؤال انه تعالى كيف قال: (فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا) بلفظ الماضي، والمقتضي المستقبل، يدل عليه جوابه: قد أخبر الله عن الفتنة المرتقبة بلفظ الموجودة الكائنة، أي: الماضي. والمقتضي المستقبل، يدل عليه جوابه: قد أخبر الله عن الفتنة المرتقبة بلفظ الموجودة الكائنة، أي: الماضي. وإنما قال: (فَتَنَّا) لما أن مقدمات الفتنة كانت موجودةً، فجعلها لذلك أنها وُجدت، وإليه الإشارة بقوله: "فكان بدءُ الفتنة موجوداً".
стр. 5183
تدبير ذلك. فكان بدء الفتنة موجودا. قرئ "وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ" أى وهو أشدّهم ضلالا: لأنه ضال مضل، وهو منسوب إلى قبيلة من بنى إسرائيل يقال لها السامرة. وقيل: السامرة قوم من اليهود يخالفونهم في بعض دينهم: وقيل: كان من أهل باجرما. وقيل: كان علجا من كرمان، واسمه موسى بن ظفر، وكان منافقا قد أظهر الإسلام، وكان من قوم يعبدون البقر.
(فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ يا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (٨٦) قالُوا ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْناها فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ) [طه: ٨٦ - ٨٨].
الأسف: الشديد الغضب. ومنه قوله ﵇ في موت الفجأة «رحمة المؤمن وأخذة أسف للكافر» وقيل: الحزين. فإن قلت. متى رجع إلى قومه؟ قلت:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (من أهل باجرما)، في الحاشية: أنها قريةٌ من قُرى الموصل. وقال الزجاج: الأكثرُ في التفسير أن السامري كان عظيماً من عُظماءِ بني إسرائيل من قبيلةٍ تُعرفُ بالسامرة، وهم إلى هذه الغاية في الشام يعرفون بالسامريين.
قوله: (علجا من كرمان)، النهاية: العلجُ: الرجلُ القوي الضخم، والعِلجُ: الرجلُ من كُفار العجم وغيرهم، والأعلاج والعلوجُ: جمعُه.
قوله: (في موت الفجأة: "رحمةٌ للمؤمن")، الحديثُ من رواية رجُل من أصحاب النبي ﷺ قال: "موتُ الفجأة أخذةُ أسفٍ للكافر، ورحمةٌ للمؤمن"،
стр. 5184
بعد ما استوفى الأربعين: ذا القعدة وعشر ذى الحجة. وعدهم الله سبحانه أن يعطيهم التوراة التي فيها هدى ونور، ولا وعد أحسن من ذاك وأجمل، حكى لنا أنها كانت ألف سورة كل سورة ألف آية، يحمل أسفارها سبعون جملا (الْعَهْدُ) الزمان، يريد: مدّة مفارقته لهم. يقال: طال عهدى بك، أى: طال زماني بسبب مفارقتك. وعدوه أن يقيموا على أمره وما تركهم عليه من الإيمان، فأخلفوا موعده بعبادتهم العجل (بِمَلْكِنا) قرئ بالحركات الثلاث، أى: ما أخلفنا موعدك بأن ملكنا أمرنا، أي: لو ملكنا أمرنا وخلينا وراءنا لما أخلفناه، ولكنا غلبنا من جهة السامري وكيده. أى: حملنا أحمالا من حلىّ القبط التي استعرناها منهم. أو أرادوا بالأوزار: أنها آثام وتبعات، لأنهم كانوا معهم في حكم المستأمنين في دار الحرب. وليس للمستأمن أن يأخذ مال الحربي، على أن الغنائم لم تكن تحل حينئذ (فَقَذَفْناها) في نار السامري
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وفي روايةٍ عن عبيدة بن مرة، عن النبي ﷺ ، وقال: مرةُ عن عبيدة: "موتُ الفجأة أخذُ أسف"، أخرج الثانية أبو داود، والأولى ذكرها رزينٌ.
النهاية: أي: أخذةُ غضب أو غضبان، يقال: أسف يأسفُ أسفاً فهو أسيف: إذا غضب.
قوله: (فأخلفوا موعده)، أي: ما وعدوه، قال تعالى: (فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي)، أي: ما وعدتموني من الإقامة على الإيمان، وهو من إضافة المصدر إلى المفعول.
قوله: ((بِمَلْكِنَا) قرئ بالحركات الثلاث)، بالضم: حمزة والكسائي، وبالفتح: نافعٌ وعاصم، والباقون: بالكسر، فالفتح: مصدرُ ملكت الشيء أملكه ملكاً، والملكُ: ما مُلك، ويستعملُ استعمال المصدر كالرزق، وبالضم: السلطانُ والقدرة، أي: لو ملكنا وقدرنا عليه وخلينا وراءنا.
قوله: (وليس للمستأمن أن يأخذ مال الحربي)، أي: ليس له أن يأخذه إلا بإذنه، حتى
стр. 5185
التي أوقدها في الحفرة وأمرنا أن نطرح فيها الحلىّ. وقرئ (حملنا)، (فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ) أراهم أنه يلقى حليا في يده مثل ما ألقوا. وإنما ألقى التربة التي أخذها من موطئ حيزوم فرس جبريل. أوحى إليه وليه الشيطان أنها إذا خالطت مواتا صار حيوانا (فَأَخْرَجَ لَهُمْ) السامري من الحفرة عجلا خلقه الله من الحلىّ التي سبكتها النار يخور كما تخور العجاجيل. فإن قلت: كيف أثرت تلك التربة في إحياء الموات؟ قلت: أما يصحّ أن يؤثر الله سبحانه روح القدس بهذه الكرامة الخاصة كما آثره بغيرها من الكرامات، وهي أن يباشر فرسه بحافره تربة إذا لاقت تلك التربة جمادا أنشأه الله إن شاء عند مباشرته حيوانا. ألا ترى كيف أنشأ المسيح من غير أب عند نفخه في الدرع. فإن قلت: فلم خلق الله العجل من الحلىّ حتى صار فتنة لبني
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لو أخذ ماله بطريق الربا حل عند أبي حنيفة، وإن جرى بينه وبين مسلم أسلم هناك، كما يجوز للمسلم المستأمن أخذه من الحربي برضاه.
قوله: (وقرئ: (حُمِّلْنَا))، الحرميان وابن عامر وحفصٌ: بضم الحاء وكسر الميم مشدداً، والباقون: بفتحهما تخفيفاً.
قوله: (حيزوم)، النهاية: في حديث بدرٍ: "أقدم حيزومُ" جاء في التفسير أنه: قال في قوله تعالى: (مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ) [البقرة: ١٠٢]: والسحرُ حيلةٌ وتمويهٌ كالنفث في العقد ونحو ذلك مما يُحدثُ الله تعالى عند الفرك والنشوز ابتلاءً منه؛ لأن السحر له أثرٌ.
قوله: (فلم خلق الله العجل من الحُلي حتى صار فتنةً؟ )، الانتصاف: قد ثبت أن الله
следующие страницы →