Полный текст (9 345 стр.). Показаны 5181–5220 · переход к 5186.
стр. 5181
أحدهما: إنكار العجلة في نفسها. والثاني: السؤال عن سبب المستنكر والحامل عليه، فكان أهمّ الأمرين إلى موسى بسط العذر وتمهيد العلة في نفس ما أنكر عليه، فاعتل بأنه لم يوجد منى إلا تقدّم يسير، مثله لا يعتدّ به في العادة ولا يحتفل به. وليس بيني وبين من سبقته إلا مسافة قريبة يتقدّم بمثلها الوفد رأسهم ومقدمهم، ثم عقبه بجواب السؤال عن السبب فقال (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى) ولقائل أن يقول: حار لما ورد عليه من التهيب لعتاب الله، فأذهله ذلك عن الجواب المنطبق المرتب على حدود الكلام.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المكالمة وطلب الرؤية، على أنه يجوز أن يُراد بالقوم: جميعُ قومه الذين خلفهم مع هارون، ويفسرُ (هُمْ أُولاءِ عَلَى أَثَرِي) بأنهم بالقرب مني ينتظرونني، كما أورده الإمام.
وقلتُ: ويؤيدُ هذا الوجه التعقيبُ بقوله تعالى: (فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا) بحرف الترتيب، أي: الفاء، قول موسى ﵇: (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى)، كما عطف إبراهيمُ ﵇ قوله: (مِنْ ذُرِّيَّتِي) [البقرة: ١٢٤] على الكاف في قوله تعالى: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً) [البقرة: ١٢٤]، ثم التصريح بقوله: (قَوْمُكَ) بعد قوله: (وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ) يدل على أنهم هم؛ لأن المُعرف إذا أعيد كان الثاني عين الأول، ولأن المفتونين ليسوا السبعين من المتخلفين، ويُحتمل التعجيلُ على أنه ﵇ ما صبر لانقضاء الميقات المضروب عند القوم، بل حسب الميقات تمامه عند مجيئه إلى الميقات، بدليل اللام في قوله: (لِمِيقَاتِنَا)، أي: لوقت ميقاتنا، ولهذا كان من جواب الله: (فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ) يعني: إن فعلت ذاك فإنا قد فتناهم.
وقال صاحب "الانتصاف": والمرادُ بسؤال موسى تعليمُه أدب السفر، وهو أن يتأخر رئيس القوم ليحيط بصره بطائفته، كما علم لوطاً بقوله: (وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ) [الحجر: ٦٥] وموسى إنما أغفل ذلك لعلة طلب الرضى بمسارعته إلى الميعاد الذي يود لو ركب أجنحة الطير.
стр. 5182
(قالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ) [طه: ٨٥].
أراد بالقوم المفتونين: الذين خلفهم مع هارون وكانوا ست مائة ألف ما نجا من عبادة العجل منهم إلا اثنا عشر ألفا. فإن قلت: في القصة أنهم أقاموا بعد مفارقته عشرين ليلة، وحسبوها أربعين مع أيامها، وقالوا: قد أكملنا العدة، ثم كان أمر العجل بعد ذلك، فكيف التوفيق بين هذا وبين قوله تعالى لموسى عند مقدمه (فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ)؟ قلت: قد أخبر الله تعالى عن الفتنة المترقبة، بلفظ الموجودة الكائنة على عادته. أو افترص السامري غيبته فعزم على إضلالهم غب انطلاقه، وأخذ في
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فكيف التوفيق بين هذا وبين قوله تعالى لموسى عند مقدمه: (فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ)؟ )، قال صاحب "الفرائد": لو كانت الفاءُ داخلةٌ على "قال" لزم أن يكون عند مقدمه؛ لأن المعنى حينئذ: قال عقيب قول موسى: إنا قد فتنا قومك، لكنها داخلة على ما بعد "قال"، فلا يلزم ذلك، وعلى تقدير التسليم المراد من قوله: (فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ) أردنا فتنتهم أو حكمنا بوقوع الفتنة، كقوله تعالى: (وَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآنَ) [الإسراء: ٤٥]، وقوله تعالى: (فَجَاءَهَا بَاسُنَا) [الأعراف: ٤]، أي: من بعد انطلاقك، و (مِن): للابتداء، فوجه التوفيق: لا نُسلمُ أن (مِن) للابتداء، بل بعدك ومن بعدك سواءٌ في الاستقبال، فيصح من بعدك ولو بعد عشرين ليلةً، والفاءُ وقد ليستا لتعقيب الفتنة، بل هما للإخبار بالفتنة لأنفسهما.
وقلتُ: مرادُ المصنف من السؤال انه تعالى كيف قال: (فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا) بلفظ الماضي، والمقتضي المستقبل، يدل عليه جوابه: قد أخبر الله عن الفتنة المرتقبة بلفظ الموجودة الكائنة، أي: الماضي. والمقتضي المستقبل، يدل عليه جوابه: قد أخبر الله عن الفتنة المرتقبة بلفظ الموجودة الكائنة، أي: الماضي. وإنما قال: (فَتَنَّا) لما أن مقدمات الفتنة كانت موجودةً، فجعلها لذلك أنها وُجدت، وإليه الإشارة بقوله: "فكان بدءُ الفتنة موجوداً".
стр. 5183
تدبير ذلك. فكان بدء الفتنة موجودا. قرئ "وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ" أى وهو أشدّهم ضلالا: لأنه ضال مضل، وهو منسوب إلى قبيلة من بنى إسرائيل يقال لها السامرة. وقيل: السامرة قوم من اليهود يخالفونهم في بعض دينهم: وقيل: كان من أهل باجرما. وقيل: كان علجا من كرمان، واسمه موسى بن ظفر، وكان منافقا قد أظهر الإسلام، وكان من قوم يعبدون البقر.
(فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ يا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (٨٦) قالُوا ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْناها فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ) [طه: ٨٦ - ٨٨].
الأسف: الشديد الغضب. ومنه قوله ﵇ في موت الفجأة «رحمة المؤمن وأخذة أسف للكافر» وقيل: الحزين. فإن قلت. متى رجع إلى قومه؟ قلت:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (من أهل باجرما)، في الحاشية: أنها قريةٌ من قُرى الموصل. وقال الزجاج: الأكثرُ في التفسير أن السامري كان عظيماً من عُظماءِ بني إسرائيل من قبيلةٍ تُعرفُ بالسامرة، وهم إلى هذه الغاية في الشام يعرفون بالسامريين.
قوله: (علجا من كرمان)، النهاية: العلجُ: الرجلُ القوي الضخم، والعِلجُ: الرجلُ من كُفار العجم وغيرهم، والأعلاج والعلوجُ: جمعُه.
قوله: (في موت الفجأة: "رحمةٌ للمؤمن")، الحديثُ من رواية رجُل من أصحاب النبي ﷺ قال: "موتُ الفجأة أخذةُ أسفٍ للكافر، ورحمةٌ للمؤمن"،
стр. 5184
بعد ما استوفى الأربعين: ذا القعدة وعشر ذى الحجة. وعدهم الله سبحانه أن يعطيهم التوراة التي فيها هدى ونور، ولا وعد أحسن من ذاك وأجمل، حكى لنا أنها كانت ألف سورة كل سورة ألف آية، يحمل أسفارها سبعون جملا (الْعَهْدُ) الزمان، يريد: مدّة مفارقته لهم. يقال: طال عهدى بك، أى: طال زماني بسبب مفارقتك. وعدوه أن يقيموا على أمره وما تركهم عليه من الإيمان، فأخلفوا موعده بعبادتهم العجل (بِمَلْكِنا) قرئ بالحركات الثلاث، أى: ما أخلفنا موعدك بأن ملكنا أمرنا، أي: لو ملكنا أمرنا وخلينا وراءنا لما أخلفناه، ولكنا غلبنا من جهة السامري وكيده. أى: حملنا أحمالا من حلىّ القبط التي استعرناها منهم. أو أرادوا بالأوزار: أنها آثام وتبعات، لأنهم كانوا معهم في حكم المستأمنين في دار الحرب. وليس للمستأمن أن يأخذ مال الحربي، على أن الغنائم لم تكن تحل حينئذ (فَقَذَفْناها) في نار السامري
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وفي روايةٍ عن عبيدة بن مرة، عن النبي ﷺ ، وقال: مرةُ عن عبيدة: "موتُ الفجأة أخذُ أسف"، أخرج الثانية أبو داود، والأولى ذكرها رزينٌ.
النهاية: أي: أخذةُ غضب أو غضبان، يقال: أسف يأسفُ أسفاً فهو أسيف: إذا غضب.
قوله: (فأخلفوا موعده)، أي: ما وعدوه، قال تعالى: (فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي)، أي: ما وعدتموني من الإقامة على الإيمان، وهو من إضافة المصدر إلى المفعول.
قوله: ((بِمَلْكِنَا) قرئ بالحركات الثلاث)، بالضم: حمزة والكسائي، وبالفتح: نافعٌ وعاصم، والباقون: بالكسر، فالفتح: مصدرُ ملكت الشيء أملكه ملكاً، والملكُ: ما مُلك، ويستعملُ استعمال المصدر كالرزق، وبالضم: السلطانُ والقدرة، أي: لو ملكنا وقدرنا عليه وخلينا وراءنا.
قوله: (وليس للمستأمن أن يأخذ مال الحربي)، أي: ليس له أن يأخذه إلا بإذنه، حتى
стр. 5185
التي أوقدها في الحفرة وأمرنا أن نطرح فيها الحلىّ. وقرئ (حملنا)، (فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ) أراهم أنه يلقى حليا في يده مثل ما ألقوا. وإنما ألقى التربة التي أخذها من موطئ حيزوم فرس جبريل. أوحى إليه وليه الشيطان أنها إذا خالطت مواتا صار حيوانا (فَأَخْرَجَ لَهُمْ) السامري من الحفرة عجلا خلقه الله من الحلىّ التي سبكتها النار يخور كما تخور العجاجيل. فإن قلت: كيف أثرت تلك التربة في إحياء الموات؟ قلت: أما يصحّ أن يؤثر الله سبحانه روح القدس بهذه الكرامة الخاصة كما آثره بغيرها من الكرامات، وهي أن يباشر فرسه بحافره تربة إذا لاقت تلك التربة جمادا أنشأه الله إن شاء عند مباشرته حيوانا. ألا ترى كيف أنشأ المسيح من غير أب عند نفخه في الدرع. فإن قلت: فلم خلق الله العجل من الحلىّ حتى صار فتنة لبني
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لو أخذ ماله بطريق الربا حل عند أبي حنيفة، وإن جرى بينه وبين مسلم أسلم هناك، كما يجوز للمسلم المستأمن أخذه من الحربي برضاه.
قوله: (وقرئ: (حُمِّلْنَا))، الحرميان وابن عامر وحفصٌ: بضم الحاء وكسر الميم مشدداً، والباقون: بفتحهما تخفيفاً.
قوله: (حيزوم)، النهاية: في حديث بدرٍ: "أقدم حيزومُ" جاء في التفسير أنه: قال في قوله تعالى: (مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ) [البقرة: ١٠٢]: والسحرُ حيلةٌ وتمويهٌ كالنفث في العقد ونحو ذلك مما يُحدثُ الله تعالى عند الفرك والنشوز ابتلاءً منه؛ لأن السحر له أثرٌ.
قوله: (فلم خلق الله العجل من الحُلي حتى صار فتنةً؟ )، الانتصاف: قد ثبت أن الله
стр. 5186
إسرائيل وضلالا؟ قلت: ليس بأوّل محنة محن الله بها عباده ليثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين. ومن عجب من خلق العجل، فليكن من خلق إبليس أعجب. والمراد بقوله (فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ) هو خلق العجل للامتحان، أى: امتحناهم بخلق العجل وحملهم السامري على الضلال، وأوقعهم فيه حين قال لهم (هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ) أى: فنسي موسى أن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تعبدنا بالبحث عن علل أحكامه لاعن علل أفعالهن وحتم ذلك بقوله: (لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ) [الأنبياء: ٢٣٠]، والزمخشري يُراعي قاعدة رعاية الأصلح.
قوله: ((فَنَسِيَ)، أي: فنسي موسى)، يجوز أن يكون من كلام القوم، والفاء فصيحةٌ، أي: قال بعضهم لبعض: (هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى) الذي كنتم ترومونه منه فالزموا عبادته ولا تطلبوه في الموضع الذي ذهب إليه موسى للطلب، فإن موسى اعتراه النسيانُ فغفل عن ذلك، ودل على المبالغة إتيان اسم الإشارة والمشار إليه بمرأى منهم، كقوله:
هذا أبو الصقر فرداً في محاسنه
وتكريرُ "إله" وتخصيصُ موسى بالذكر وإتيان الفاء، أي: قد ظهرت لكم إلهيته، فلا تتركوا عبادته، ولم يوفق موسى لذلك، فغفل ونسي، ومثله قول الشاعر:
خولانُ فانكح
أي: هؤلاء القومُ يستحق أن يُنكح منهم لجمال نسائهم ووفور حُسنها، فلا يُغفلُ عن النكاح فيهم، وان يكون من كلام الله، و (وَنَسِيَ) بمعنى ترك، وإليه الإشارة بقوله: أي: ترك ما كان عليه من الإيمان الظاهر
стр. 5187
يطلبه هاهنا، وذهب يطلبه عند الطور. أو فنسي السامري: أى ترك ما كان عليه من الإيمان الظاهر.
(أَفَلا يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً (٨٩) وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى) [طه: ٨٩ - ٩١]
(يَرْجِعُ) من رفعه فعلى أنّ "أن" مخففة من الثقيلة. ومن نصب فعلى أنها الناصبة للأفعال (مِنْ قَبْلُ) من قبل أن يقول لهم السامري ما قال، كأنهم أوّل ما وقعت
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((يَرْجِعُ) من رفعه فعلى أن "أنْ" مخففةٌ من الثقيلة) قال الزجاجُ: هذا الاختيارُ، والمعنى: أفلا يرون أنه لايرجع إليهم قولاً، كما قال تعالى: (أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ) [الأعراف: ١٤٨]، ويجوز أن "لا يرجع" يُنصبُ بـ"أنْ"، والاختيارُ مع "علِمتَ" و"رأيتَ" أن يكون "أن لا يفعلُ" في معنى: قد علمت أنه لا يفعلُ، وكذا قال أبو البقاء في قوله: (وَحَسِبُوا أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ) [المائدة: ٧١]: لا يجوز أن تكون المخففة من الثقيلة مع أفعال الظن والشك، ولا الناصبة للفعل مع "علمتَ"، وما كان في معناها.
قوله: (من قبلِ أن يقول لهم السامري ما قال)، قال الواحدي: ولقد قال لهم هارون من قبل رجوع موسى: يا قوم، إنما ابتليتم بالعجل (وَإِنَّ رَبَّكُمْ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي) في عبادة الله وأطيعوا أمري في ترك عبادة العجل، (قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى)، وقيل: هذا أشدُّ ملاءمةً من كلام المصنف، لقوله: (لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى).
стр. 5188
عليه أبصارهم حين طلع من الحفرة افتتنوا به واستحسنوه، فقبل أن ينطق السامري بادرهم هارون ﵇ بقوله (إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ)
(قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي) [طه: ٩٢ - ٩٣].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقلتُ: تفسيرُ المصنفِ أدخلُ في المعنى وأولى بالقبول؛ لأن الكلام واردٌ على توبيخ القوم وتقريعهم على الغباوة، وأن دليلي العقل والسمع تعاضدا على بطلان إلهية العجل، وأنهم ما التفتوا إليهما وما رفعوا لهما رأساً، وهذا إنما يستقيم على تقدير المصنف، والنظمُ أيضاً يساعد عليه، وذلك أنه تعالى لما حكى عن السامري أنه حين قال للقوم: (هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى) قبلوا منه (وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ) [البقرة: ٩٣] عقب ذلك بقوله: (أَفَلا يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً) الآيات، تنبيهاً على غباوتهم، فأتى بهمزة الإنكار داخلةً على الفاء العاطفة المستدعيتين تقدير فعلٍ يصلُحُ أن يكون معطوفاً عليه لما بعد الفاء، وهو أن يقال: أحرموا العقل الهادي، فلا يتفكرون ولا ينظرون بنظر البصيرة أن هذا المتخذ نم هذه الأجرام لا يصلح للإلهية، أم عموا وصموا فلا يهتدون إلى أن الإله ينبغي أن يكون سامعاً لدعاء عابده، عالماً بأفعاله، دافعاً عنه المضار، مثيباً ومعاقباً، مع أن دليل السمع شاهدٌ ببطلانه، وهو تنبيهُ نبي الله هارون بقوله: (يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمْ الرَّحْمَنُ) على سبيل التوكيد والحصر قد سبق على وقوعهم في تلك الفتنة، وأيضاً، في إيثار المضارع في قوله: (أَفَلا يَرَوْنَ)، وعطفِ (وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ) عليه للدلالة على استحضار تلك الحالة الفظيعة في ذهن السامع واستدعاء الأفكار عليهم، ويجوز أن تكون الجملة القسمية حالاً من فاعل (يَرَوْنَ) مقررةً لجهة الإشكال، أي: (أَفَلا يَرَوْنَ) والحالُ أن هارون نبههم قبل ذلك ببطلانها، وأما جوابهم، وهو قوله: (قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ) فمن باب الأسلوب الأحمق نقيض الأسلوب الحكيم؛ لأنهم قالوه عن قلة مبالاةٍ بالأدلة الظاهرة، كما قال نمرود في جواب الخليل: (أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ) [البقرة: ٢٥٨]، وذكر القاضي الوجهين في "تفسيره".
стр. 5189
"لا" مزيدة. والمعنى ما منعك أن تتبعني في الغضب لله وشدة الزجر عن الكفر والمعاصي؟
وهلا قاتلت من كفر بمن آمن؟ ومالك لم تباشر الأمر كما كنت أباشره أنا لو كنت شاهدا؟
أو مالك لم تلحقني.
(قالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَاخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَاسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي) [طه: ٩٤].
قرئ (لِحْيَتِي) بفتح اللام وهي لغة أهل الحجاز، كان موسى صلوات الله عليه رجلا حديدا مجبولا على الحدة والخشونة والتصلب في كل شيء، شديد الغضب لله ولدينه، فلم يتمالك حين رأى قومه يعبدون عجلا من دون الله بعد ما رأوا من الآيات العظام، أن ألقى ألواح التوراة لما غلب ذهنه من الدهشة العظيمة، غضبا لله واستنكافا وحمية، وعنف بأخيه وخليفته على قومه، فأقبل عليه إقبال العدّو المكاشف قابضا على شعر رأسه - وكان أفرع - وعلى شعر وجهه يجرّه إليه. أى: لو قاتلت بعضهم ببعض لتفرقوا وتفانوا، فاستأنيتك أن تكون أنت المتدارك بنفسك، المتلافى برأيك وخشيت عتابك على إطراح ما وصيتنى به من ضم النشر …
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وما لك لم تلحقني)، قال محيي السُّنة: أي: ما منعك من اللحوق بي وإخباري بضلالتهم، فتكون مفارقتك إياهم زجراً لهم عما أتوه؟ .
قوله: (العدو المكاشف)، الجوهري: كاشفه بالعداوة، أي: بادأه بها، ويقال: لو تكاشفتم ما تدافنتم.
قوله: (وكان أفرع)، أي تام الشعر. الأساس: امرأة طويلةُ الفروع، ولها فرعٌ تطؤه.
قوله: (فاستأنيتكَ)، الجوهري: واستأنى به، أي: انتظر به.
стр. 5190
وحفظ الدهماء، ولم يكن لي بد من رقبة وصيتك والعمل على موجبها.
(قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ (٩٥) قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي) [طه: ٩٥ - ٩٦]
الخطب: مصدر (خطب الأمر إذا طلبه)، فإذا قيل لمن يفعل شيئا: ما خطبك؟ فمعناه:
ما طلبك له؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وحفظ الدهماء)، الجوهري: الدهمُ: العددُ الكثيرُ، يريد بقوله: ضم النشر، أي: المنشور، وحفظ الدهماء، قوله: (وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ) [الأعراف: ١٤٢].
قوله: (ما خطبُك؟ )، ما شأنك، فمعناه: ما طلبك له؟ الجوهري: الخطبُ: سببُ الأمر، تقول: ما خطبك؟ الأساس: ومن المجاز: فلانٌ يخطبُ عمل كذا: يطلبه، وما خطبك؟ ما شأنك الذي تخطبه؟ ومنه: هذا خطبٌ جليلِ.
والظاهر أن المراد بما في الآية هذا الأخير؛ لأن هذا السؤال المترتب بالفاء على ما سبق من السؤال عن القوم وعن هارون وجوابهم ما يدل على جلالة الخطب، وعليه النظم؛ لأنه ﵇ لما وبخ القوم بقوله أولاً: (يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً) إلى آخره وأجابوا (مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا) أي: بأن ملكنا أمرنا، بل بسبب أن صدر كيت وكيت ورأينا خطباً جليلاً، ثم ثنى إلى أخيه بالمعاتبة وأجاب بما ظهر عجزه من جلالة الخطب، ثم التفت ثالثاً إلى السامري بقوله: (فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ)؟ أجاب بما ينبئ عن عظم الشأن حيث قال: (بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ) أي: علمتُ ما لم تعلموه وفطنتُ ما لم تفطنوا له، كما نص عليه المصنفُ، أي: كان من خطبي أن أُظهر للقوم أني تفوقتُ عليك بالعلم والبصارة، وأنا أحق بالاتباع منك، لكن تذييله الكلام بقوله: (وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي) دل على حمقه وأن جوابه من الأسلوب الأحمق وأنطقه الذي أنطق كل شيء به.
стр. 5191
قرئ (بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ) بالكسر «٤»، والمعنى: علمت ما لم تعلموه، وفطنت ما لم تفطنوا له. قرأ الحسن (قَبْضَةً) بضم القاف وهي اسم المقبوض، كالغرفة والمضغة. وأما القبضة فالمرة من القبض، وإطلاقها على المقبوض من تسمية المفعول بالمصدر، كضرب الأمير. وقرأ أيضا: (فقبصت قبصة)، بالصاد المهملة. الضاد: بجميع الكف. والصاد: بأطراف الأصابع. ونحوهما: الخضم، والقضم: الخاء بجميع الفم، والقاف بمقدمه: قرأ ابن مسعود: (من أثر فرس الرسول). فإن قلت: لم سماه الرسول دون جبريل وروح القدس؟ قلت: حين حل ميعاد الذهاب إلى الطور أرسل الله إلى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (بَصُرْتُ بِمَا لَمْ تَبْصُرُوا بِهِ)، إلى قوله: (فطنت ما لم تفطنوا له)، قال القاضي: وهو أن الرسول الذي جاءك روحانيٌّ محضٌ لا يمس أثره شيئاً إلا أحياه.
قوله: (فقبضت قبضةً)، بالصاد، قال ابن جني: تقارب الألفاظ لتقارب المعاني، وذلك أن الضاد المعجمة لتشيها واستطالة مخرجها جُعلت عبارةً عن الأكثر، وهو القبض بكل اليد، وأن الصاد المهملة لصفائها وضيق محلها وانحصار مخرجها جُعلت عبارةً عن القبض بأطراف الأصابع، ولعلنا لو جمعنا من هذا الضرب لكان أكثر من ألف موضع.
قوله: (ونحوهما: الخضم والقضم)، الجوهري: الخضمُ: هو الأكل بجميع الفم، والقضمُ: الأكلُ بأطرافِ الأسنان، قال الأصمعي: أخبرنا ابن أبي طرفة قال: قدم أعرابيٌّ على ابن عم له بمكة فقال له: إن هذه بلادُ مقضم وليست ببلاد مخضم.
قوله: (لم سماه الرسول)، يعني: السامريُّ كان يعرف جبريل، فلم عدل عن اسمه وسماه الرسول؟ قالوا: تلخيص الجواب أنه عرف منه أنه رسولٌ مبعوثٌ له شأنٌ، ولعله لم يعرف أنه جبريل حين جاء إلى موسى راكباً الحيزوم، فيكون جواباً واحداً، وعليه ظاهرُ كلام صاحبِ "التقريب". وقلتُ: الظاهر أنه جوابان، أحدهما: أن السامري عرف جبريل،
стр. 5192
موسى جبريل راكب حيزوم فرس الحياة ليذهب به، فأبصره السامري فقال: إنّ لهذا شأنا، فقبض قبضة من تربة موطئه، فلما سأله موسى عن قصته قال: قبضت من أثر فرس المرسل إليك يوم حلول الميعاد، ولعله لم يعرف أنه جبريل.
(قالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً) [طه: ٩٧].
عوقب في الدنيا بعقوبة لا شيء أطم منها وأوحش، وذلك أنه منع من مخالطة الناس منعا كليا، وحرم عليهم ملاقاته ومكالمته ومبايعته ومواجهته وكل ما يعايش به الناس بعضهم بعضا، وإذا اتفق أن يماس أحدا رجلا أو امرأة، حم الماس والممسوس، فتحامى الناس وتحاموه، وكان يصيح: لا مساس، وعاد في الناس أوحش من القاتل اللاجئ إلى الحرم، ومن الوحشي النافر في البرية. ويقال: إن قومه باق فيهم ذلك إلى اليوم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وإنما عدل إلى الرسول عن اسمه ليُصور تلك الحالة البديعة، وهو كونه راكب حيزوم جاء لأمرٍ له شأنٌ غريب، وهو عرف الحال، يدل عليه قوله: (بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ)، على ما فسره الإمام: علمتُ أن تُراب فرسِ جبريلَ له خاصيةُ الإحياء، وفي كلام محيي السُّنة أنه إشعارٌ بأنه عرف أنه جبريل ﵇. وثانيهما: أنهُ لم يعرف إلا كونه رسولاً مبعوثاً لأمرٍ، فأتى بما عرفه.
قوله: (أوحش من القاتل اللاجيء إلى الحرم)، قال المصنف: عند أبي حنيفة ﵁: من لزمه القتلُ في الحل فالتجأ إلى الحرم لم يُتعرض له، إلا أنه لا يؤوى ولا يُطعمُ ولا يُسقى ولا يبايع حتى يضطر إلى الخروج.
قوله: (باقٍ فيهم ذلك إلى اليوم)، قيل: الصوابُ: النصبُ، روى سيبويه عن بعض العرب: اليومُ يومُ الجمعة، وعلى ذلك قوله:
стр. 5193
وقرئ (لا مِساسَ) بوزن (فجار). ونحوه قولهم في الظباء. إذا وردت الماء فلا عباب،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اليوم يومٌ باردٌ سمومهُ … من جزع اليوم فلا تلومه
"اليوم" إذا كان بمعنى الوقت يُفتح، ورُدَّ بأنه يلزمُ أن يكون للزمان ظرفٌ، ولذلك أولوا اليوم الجمعة، واليوم السبت، من سبتتٍ اليهودُ، أي: قامت بأمرِ سبتها، ومن ثم لم يجز في سائر الأيام، فلا يقال: اليوم الأحد، وأولوا قولهم: اليوم يومُك على غلبتك. ومثلُ هذه التأويلات تبعدُ في "الكتاب"، فإنه اسمٌ معربٌ دخل فيه حرفُ الجر فلا وجه لنصبه.
قوله: ("لا مساس" بوزن "فجارٍ")، قال ابن جني: قرأها أبو حيوة. وأما قراءةُ الجماعة: (لا مِسَاسَ) فواضحةٌ. وفي هذه القراءة نظرٌ، وذلك بأنها كنزال ودراك وحذار، وليس هذا الضرب من الكلام. أعني: ما سُمي به الفعلُ مما يدخل فيه "لا" النافية للنكرة، نحو: لا رجُل عندك، فـ"لا" إذن في قوله: (لا مِسَاسَ) نفيٌ للفعل، كقولك: لا أمسُّك ولا أقربُ منك.
قوله: (فلا عباب)، علمٌ للعبةِ، من: عب الماء: شربه من غير مص، والأبابُ: علمٌ للأبة، من الأب: الطلب، يصفُ الظباء بالصبر عن الماء، أي: إذا وردت الماء فلا تفعل العبَّ، وإذا لم ترد لم تفعل الأب. قال الميداني: يقال: إن الظباء إذا أصابت الماء لم تعب فيه، وإن لم تصبه لم تؤب إليه، أي: لم تتهيأ لطلبه، يقال: أب يؤب أبا: إذا قصد وتهيا. قال: وليس شيءٌ من الوحوش من الظباء والنعام والبقر يطلبُ الماء إلا أن ترى الماء قريباً منه فترده، وإن تباعد عنها لم تطلبه، ولم ترده كما يردُ الحمير، يُضربُ للرجل يُعرضُ عن الشيء استغناء.
стр. 5194
وإن فقدته فلا أباب: وهي أعلام للمسة والعبة والأبة، وهي المرة من الأب وهو الطلب (لَنْ تُخْلَفَهُ) أى لن يخلفك الله موعده الذي وعدك على الشرك والفساد في الأرض، ينجزه لك في الآخرة بعد ما عاقبك بذلك في الدنيا، فأنت ممن خسر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين. وقرئ (لن تخلفه) وهذا من أخلفت الموعد إذا وجدته خلفا. قال الأعشى:
أثوى وأقصر ليله ليزوّدا … فمضى وأخلف من قتيلة موعدا
وعن ابن مسعود: (نخلفه)، بالنون، أى: لن يخلفه الله، كأنه حكى قوله كما مر في (لِأَهَبَ لَكِ)] مريم: ١٩ [. (ظَلْتَ) وظلت، وظلت والأصل ظللت، فحذفوا اللام الأولى ونقلوا حركتها إلى الظاء، ومنهم من لم ينقل (لَنُحَرِّقَنَّهُ) و (لنحرقنه) و (لنحرقنه). وفي حرف ابن مسعود: (لنذبحنه)، و (لنحرقنه)، و (لتحرقنه): القراءتان من الإحراق.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: "لن تُخلفهُ")، ابن كثير وأبو عمرو: بكسر اللام، والباقون: بفتحها.
قوله: (أثوى وقصر) البيت، أثوى: أقام، وقيل: أثوى، أي: صار ضيفاً. وقصر ليله: أي: صيره قصيراً ليُزود، وقتيلةَ: اسمُ المحبوبة. يقولُ: صار العاشقُ ضيفاً في الحي ليرى معشوقه، وقصر ليله برجاء الوصال، فمضى الليلُ ووجد الموعد من قتيلة خُلفاً ولم يتمتع بوصالها.
قوله: (كما مر في (لأَهَبَ لَكِ))، قال: " (إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ) أمرني أن أهب لك، أو: هي حكايةٌ عن قول الله".
قوله: (القراءتان من الإحراق)، أي: "لنحرقنه" و"لتحرقنه"، بمعنى.
стр. 5195
وذكر أبو علي الفارسي في (لنحرقنه) انه يجوز أن يكون "حرّق" مبالغة في "حرق" إذا برد بالمبرد. وعليه القراءة الثالثة، وهي قراءة على بن أبى طالب رضى الله عنه (لَنَنْسِفَنَّهُ) بكسر السين وضمها، وهذه عقوبة ثالثة وهي إبطال ما افتتن به وفتن، وإهدار سعيه، وهدم مكره (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ) [آل عمران: ٥٤].
(إِنَّما إِلهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً) [طه: ٩٨].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وذكر أبو علي الفارسي في (لَنُحَرِّقَنَّهُ) أنه يجوز أن يكون "حرق" مبالغةً في "حرق" إذا بُرد بالمبرد)، وقال الزجاج: (لَنُحَرِّقَنَّهُ) إذا شثدد فالمعنى: نحرقه مرةً بعد مرة. وقرئت: "لنحرقنه"، أي: لنبردنه بالمبرد، يقال: حرقتُ الشيء أحرقه وأحرقُ الشيء، إذا بردته. قال أبو علي: أن من قرأ (لَنُحَرِّقَنَّهُ) فحملهُ على الحرق بالنار بعيدٌ؛ لأنه لا يحتمل الإحراق. يعني: لم يستعمل حرقته بالنار، لكن أحرقته وحرقته.
قوله: (وعليه القراءة الثالثة)، قال ابن جني: قرأ عليٌّ وابن عباس ﵄: لنحرقنه، بفتح النون وضم الراء، يقالُ: حرقتُ الحديد: إذابردته فتحات وتساقط. ومنه قولهم: إنه ليحرقُ علي الأرم أي: يحك أسنانه بعضها ببعضٍ غيظاً علي.
قوله: ((لَنَنسِفَنَّهُ) بكسر السين)، المشهورة، وبضمها: شاذة.
قوله: (وهذه عقوبة ثالثة)، أولاها: الدعاء عليه، ب قوله: (لا مِسَاسَ)، وثانيها: (لَنُحَرِّقَنَّهُ)، قال القاضي: المقصود من ذلك زيادة عقوبته وإظهار غباوة المفتتنين به لمن له أدنى نظر.
стр. 5196
قرأ طلحة: الله الذي لا إله إلا هو الرحمن رب العرش (وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً) وعن مجاهد وقتادة: وسع، ووجهه أن (وَسِعَ) متعدّ إلى مفعول واحد، وهو كل شيء. وأمّا (عِلْماً) فانتصابه على التمييز، وهو في المعنى فاعل، فلما ثقل نقل إلى التعدية إلى مفعولين، فنصبهما معا على المفعولية لأنّ المميز فاعل في المعنى، كما تقول في «خاف زيد عمرا» خوفت زيدا عمرا، فترد بالنقل ما كان فاعلا مفعولا.
[سورة طه (٢٠): الآيات ٩٩ إلى ١٠١]
(كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً (٩٩) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْراً (١٠٠) خالِدِينَ فِيهِ وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلاً) [طه: ٩٩ - ١٠١].
الكاف في (كَذلِكَ) منصوب المحل، وهذا موعد من الله لرسوله ﷺ ، أى: مثل ذلك الاقتصاص ونحو ما اقتصصنا عليك قصة موسى وفرعون، نقصّ عليك من سائر أخبار الأمم وقصصهم وأحوالهم، تكثيرا لبيناتك، وزيادة في معجزاتك، وليعتبر السامع ويزداد المستبصر في دينه بصيرة، وتتأكد الحجة على من عاند وكابر، وأن هذا الذكر الذي آتيناك يعنى القرآن مشتملا على هذه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فنصبهما معاً على المفعولية)، قال ابن جني: معناه: خرقَ كل مُصمتٍ بعلمه لأنه بطنُ كل مُخفى ومستبهم، فصار لعلمه فضاءً متسعاً بعد ما كان متلاقياً.
قوله: (تكثيراً لبيناتك)، إلى آخره: بيانٌ لفائدة ذكر الأقاصيص في التنزيل، فقوله: "زيادة لمعجزاتك" تفسيرٌ لقوله: "تكثيراً لبيناتك"؛ لأن القرآن كما دل بنظمه الفائق على الإعجاز دل بذكر الأقاصيص فيها كما هي عليه من غير نقصان ولا زيادة على الإعجاز؛ لأنه ﷺ ما سمعها من أحدٍ ولا قرأها في الكتب.
قوله: (ويزداد المستبصر)، وتتأد الحجة، أي: السامعُ إن كان الموافق فيزداد بصيرةً على بصيرة، وإن كان المخالف فيزدادُ الإلزام على الإلزام.
قوله: (وأن هذا الذكر الذي آتيناك)، إلى آخره، تفسيرٌ لقوله: (وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا
стр. 5197
الأقاصيص والأخبار الحقيقة بالتفكر والاعتبار، لذكر عظيم وقرآن كريم، فيه النجاة والسعادة لمن أقبل عليه، ومن أعرض عنه فقد هلك وشقى. يريد بالوزر: العقوبة الثقيلة الباهظة، سماها وزرا تشبيها في ثقلها على المعاقب وصعوبة احتمالها بالحمل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ذِكْراً)، وقد أشار فيه إلى وجه منه مع الآية السابقة واللاحقة. أما ربطه بالسابقة فهو أن العطف فيه للتفسير، ولذلك أعاد ذكر الأخبار والأقاصيص فيه واعتبر التفكر والاعتبار، وأما بيانُ التئامه مع الآية الثالثة فهو قوله: "وإن هذا الذكر الذي آتيناك" إلى قوله: "لمن أقبل عليه"، فآذن به أنه مقابلٌ لقوله: (مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ)، فكأنه قيل: نحو ما قصصنا عليك قصة موسى وفرعون، نقص عليك أخبار الأمم وقصص الأنبياء لتكثير بيناتك ومزيد معجزاتك، من أقبل عليه فاز بالقدح المُعلى، ومن أعرض عنه فقد شقي وتردى.
وأما دلالته على قوله: "وإنهُ لذكرٌ عظيم، وقرآنٌ كريم، فيه النجاةُ والسعادة"، فإن التنكير في (ذِكْراً) وإيثار ضمير الجماعة في (آتَيْنَاكُ)، واختصاص (مِنْ لَدُنَّا) مُنادٍ بلسانٍ طلق: إن المؤتى مما لا يُقادرُ قدرته ولا يكتنه كنهه، كأنه قيل: أعظم بمؤتى موليه عظيمُ الشأن قوي السلطان، وأنه من عنده ومن خزائن لطفه وكرمه.
وفي تخصيص اليوم بالذكر وتكرير الجُمل في التذييل، وهو سائلهم يوم القيامة حِملاً: الإشعارُ بأن الموجب للحمل في الدنيا أمرٌ عظيمٌ وخطبٌ جسيم، وهو الإعراض المؤدي إلى تفويت السعادات والكمالات: الدنيوية والأخروية، وبأن تبعة الحمل في ذلك اليوم مما لا يدخل تحت الوصف، فيجبُ أن يُقدر مثله في مقابله، والمصنفُ اقتصر على لفظ النجاة والسعادة اختصاراً وإيجازاً.
قوله: (لذكرٌ عظيم وقرآنٌ كريم)، من عطف الشيء على نفسه تجريداً، نحو قولهم: مررتُ بالرجل الكريم والنسمة المباركة.
قوله: (الباهظة)، الجوهري: بهظه الحملُ يبهظه بهظاً: إذا أثقله وعجز عنه، وهذا أمر باهظٌ، أي: شاقٌّ.
стр. 5198
الذي يفدح الحامل، وبنقض ظهره، ويلقى عليه بهره: أو لأنها جزاء الوزر وهو الإثم. وقرئ: (يحمل).
جمع (خالِدِينَ) على المعنى، لأنّ "من" معلق متناول لغير معرض واحد. وتوحيد الضمير في (أعرض) وما بعده للحمل على اللفظ. ونحوه قوله تعالى (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها)] الجن: ٢٣ [. (فِيهِ) أى في ذلك الوزر. أو في احتماله (ساءَ) في حكم (بئس). والضمير الذي فيه يجب أن يكون مبهما يفسره (حِمْلًا) والمخصوص بالذم محذوف لدلالة الوزر السابق عليه، تقديره: ساء حملا وزرهم، كما حذف في قوله تعالى: (نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ)] ص: ٣٠، ٤٤ [، أيوب هو المخصوص بالمدح. ومنه قوله تعالى (وَساءَتْ مَصِيراً)] النساء: ٩٧، ١١٥ [، أى وساءت مصيرا جهنم. فإن قلت: اللام في (لَهُمْ) ما هي؟ وبم تتعلق؟ قلت: هي للبيان، كما في (هَيْتَ لَكَ)] يوسف: ٣٢ [. فإن قلت. ما أنكرت أن تكون في
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (يفدحُ الحامل)، الجوهري: فدحه الدينُ: أثقله، وأمرٌ فادحٌ، إذا عالهُ وبهظه.
قوله: (وينقبض ظهره)، الجوهري: وأنقض الحملُ ظهره، أي أثقله، وأصله الصوتُ، والنقيضُ صوتُ المحامل والرحال.
قوله: (ويُلقي عليه بُهره)، بهره بهراً، أي: غلبه، والبهر بالضم: تتابع النفس، وبالفتح: المصدر، يقال: بهره الحملُ بهراً، أي: أوقع عليه البهرة فانبهر، أي: تتابع نفسه.
قوله: (أو لأنها جزاءُ الوزر)، عطفٌ على "تشبيهاً"، فالوزرُ على الأول، بمعنى الثقل، وُضع موضعَ العقوبة على الاستعارة، وعلى الثاني؛ بمعنى الإثم إقامةً للسبب مقام المسبب.
قوله: (جمعُ (خَالِدِينَ) على المعنى)، أي: حملاً على المعنى.
قوله: (هي للبيان، كما في (هَيْتَ لَكَ))، قال في قوله تعالى: (هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ)
стр. 5199
(ساء) ضمير الوزر؟ قلت: لا يصح أن يكون في (ساء) وحكمه حكم (بئس) ضمير شيء بعينه غير مبهم فإن قلت: فلا يكن (ساء) الذي حكمه حكم (بئس)، وليكن (ساء) الذي منه قوله تعالى (سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا)] الملك: ٢٧ [، بمعنى أهم وأحزن؟ قلت: كفاك صادّا عنه أن يؤول كلام الله إلى قولك: وأحزن الوزر لهم يوم القيامة حملا، وذلك بعد أن تخرج عن عهدة هذه اللام وعهدة هذا المنصوب.
[(يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً* يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً* نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً)].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[المؤمنون: ٣٦]: "اللامُ: لبيان المستبعد ما هو بعد التصويت بكلمة الاستبعاد، كما جاءت اللامُ في (هَيْتَ لَكَ) [يوسف: ٢٣]، لبيان المُهيت به"، كأنه لما قيل: (وَسَاءَ) قبل أن يُقال، فأجيب: (لَهُمْ)، فالعامل القولُ المقدر.
قوله: (وأحزن الوزرُ لهم يوم القيامة حملاً)، قال أبو البقاء: (حِمْلاً) تمييزٌ لاسم (سَاءَ)، "وساء" مثلث "بئس"، والتقديرُ: وساء الحِملُ حملاً، ولا ينبغي أن يكون التقدير: وساء الوزرُ؛ لأن المميز ينبغي أن يكون من لفظ اسم "بئس".
قوله: (بعد أن تخرج من عهدة هذه اللام)، لأن "ساء" يتعدى بنفسه، الجوهري: ساء يسوءه سوءاً، بالفتح: نقيضُ سرهُ، قيل: إنما كان صاداً لأنه لا يفهم من هذا التركيب معنى يصح التعبير عنه، مع أن اللام لا وجه له في هذا الموضع، إذ لا يقال: أحزن لهم، بل أحزنهم، المنصوب لايصح أن يكون تمييزاً؛ لأن الضمير إذا كان عائداً إلى الوزر لا يصح أن يميز بالوزر، غير التمييز لا وجه له. وفيه نظرٌ لجواز أن يكون اللام للبيان كما في قوله تعالى: (إِنْ كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ) [يوسف: ٤٣]، وحملاً: تمييزٌ، أو المعنى: أحزنهم حملُ الوزر وثقله.
стр. 5200
أسند النفخ إلى الآمريه فيمن قرأ: (ننفخ)، بالنون. أو لأن الملائكة المقرّبين -وإسرافيل منهم- بالمنزلة التي هم بها من رب العزة، فصح لكرامتهم عليه وقربهم منه أن يسند ما يتولونه إلى ذاته تعالى. وقرئ: (ينفخ)، بلفظ ما لم يسم فاعله. و (ينفخ). و (يحشر)، بالياء المفتوحة على الغيبة والضمير لله أو لإسرافيل ﵇. وأما (يحشر المجرمون) فلم يقرأ به إلا الحسن.
وقرئ (فِي الصُّورِ) بفتح الواو جمع صورة، و (في الصور): قولان، أحدهما: أنه بمعنى الصور وهذه القراءة تدل عليه. والثاني: أنه القرن. قيل في (الزرقة) قولان، أحدهما: أن الزرقة أبغض شيء من ألوان
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فيمن قرأ "ننفخ" بالنون)، أبو عمرو: بالنون مفتوحةً وضم الفاء، والباقون: بالياء مضمومة وفتح الفاء.
قوله: (أو لأن الملائكة)، عطفٌ على محذوف؛ لأن المعنى: أسند النفخ إلى الله تعالى لأنه الآمر به، ولأن المقربين بالمنزلة العظيمة من رب العزة، والحاصلُ أن هذا الإسناد مجازي، أسند النفخ إلى الله تعالى لأنه سببٌ، كما في: بنى الأمير المدينة، أو لأن الملائكة المقربين بمنزلة عظيمة عنده، فيكون فعلهم فعله، كأنه لما قيل: ساء يوم القيامة حملاً، قيل: لمن؟ فقيل: لهم.
قوله: (وإسرافيل منهم)، هو جملةٌ معترضةٌ دخلت بين اسم "إنّ" وخبرها، ولا يجوز أن يكون "إسرافيل" عطفاً على "الملائكة"؛ لأنه لا يبقى لقوله: "منهم" محلٌّ، و"من رب العزة" خبرٌ لقوله: "هم"، و"بها": متعلقٌ بالفعل المقدر في الخبر نحو: مقربون، أو: حالٌ من ضمير الاستقرار في و"بها" وهو الخبر، وهو أيضاً متعلق به، والمعنى: والملائكة المقربون أو المتصلون من رب العزة بالمنزلة التي هم بتلك المنزلة، أي: بمنزلة عظيمة معلومة عند كل أحد، وذلك من إيقاع "هُم" بها صلة للموصول؛ لأن "من" حقها أن تكون معلومة الانتساب عند السامع.
стр. 5201
العيون إلى العرب لأنّ الروم أعداؤهم وهم زرق العيون ولذلك قالوا في صفة العدوّ: أسود الكبد، أصهب السبال، أزرق العين. والثاني: أنّ المراد العمى، لأنّ حدقة من يذهب نور بصره تزراقّ. تخافتهم لما يملأ صدورهم من الرعب والهول، يستقصرون مدّة لبثهم في الدنيا: إما لما يعاينون من الشدائد التي تذكرهم أيام النعمة والسرور فيتأسفون عليها ويصفونها بالقصر لأن أيام السرور قصار، وإما لأنها ذهبت عنهم وتقضت، والذاهب وإن طالت مدّته قصير بالانتهاء. ومنه توقيع عبد الله بن المعتز تحت «أطال الله بقاءك»: «كفى بالانتهاء قصرا» وإما لاستطالتهم الآخرة وأنها أبد سرمد يستقصر إليها عمر الدنيا، ويقال لبث أهلها فيها بالقياس إلى لبثهم في الآخرة. وقد استرجح الله قول من يكون أشدّ تقاولا منهم في قوله تعالى (إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً) ونحوه قوله تعالى (قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ)] المؤمنون: ١١٢ - ١١٣ [، وقيل: المراد لبثهم في القبور. ويعضده قوله (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أصهب السِّبَالِ)، النهاية: الصهبة مختصةٌ بالشعر وهي حمرةٌ يعلوها سواد.
قوله: (تخافتهم)، التخافت من: خَفت صوته إذا أخفضه.
قوله: (لأن أيام السُّرورِ قصارٌ)، قال:
تمتع بأيامِ السرور فإنها … قصارٌ وأيامُ الغموم طوال
قوله: (ويتقالُّ لبثُ أهلها)، أي: يُعد قليلاً. النهاية: وفي الحديث: "كأنهم تقالوها"، أي: استقلوها، أي: عبادة النبي ﷺ ، وهو تفاعل من القلة.
قوله: (ويعضده [قوله : ] (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ))، أي: يعضد إرادة استقصار
стр. 5202
ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ) [الروم: ٥٥]، (وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ) [الروم: ٥٦].
(وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً (١٠٥) فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً (١٠٦) لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً) [طه: ١٠٥ - ١٠٧].
(يَنْسِفُها) يجعلها كالرمل، ثم يرسل عليها الرياح فتفرّقها كما يذرى الطعام (فَيَذَرُها) «١» أى فيذر مقارّها ومراكزها. أو يجعل الضمير للأرض وإن لم يجر لها ذكر، كقوله تعالى (ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ)] فاطر: ٤٥ [. فإن قلت: قد فرّقوا بين العوج والعوج، فقالوا: العوج -بالكسر- في المعاني. والعوج بالفتح:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لُبثهم في القبور هذه الآية. وفيه نظرٌ؛ لأنه فسرها في موضعها في آخر الروم بقوله: أرادوا: لُبثُهم في الدنيا أو في القبور، أو ما بين فناء الدنيا إلى البعث. والاستشهاد للوجه الأول - وهو "يستقصرون مدة لُبثِهم في الدنيا بقوله: (قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ) [المؤمنون: ١١٢] "- صحيحٌ، لتصريح ذكر الأرض.
قوله: (يجعلها كالرمل)، الراغب: نسفت الريح الشيء: اقتلعته وأزالته، وكذا انتسفته، قال تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً) [طه: ١٠٥]، ونسف البعيرُ الأرض بمقدم رجله، قال تعالى: (ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً)، أي: نطرحه فيه طرح النسافة، وهي ما يثور من غبار الأرض، وانتسف لونه، أي: تغير عما كان عليه نُسافُه، كما يقال: اغبر وجهه.
قوله: (العوج- بالكسر-: في المعاني)، قال الزجاج: العوجُ في العصا والجبل: أن لا يكون مستوياً، والأمتُ: أن يغلُظَ مكانٌ ويدقَ مكان، قال القاضي: عوجا بالقياس، وأمتا بالإحساس.
стр. 5203
في الأعيان، والأرض عين، فكيف صح فيها المكسور العين؟ قلت: اختيار هذا اللفظ له موقع حسن بديع في وصف الأرض بالاستواء والملاسة، ونفى الاعوجاج عنها على أبلغ ما يكون، وذلك أنك لو عمدت إلى قطعة أرض فسوّيتها وبالغت في التسوية على عينك وعيون البصراء من الفلاحة، واتفقتم على أنه لم يبق فيها اعوجاج قط، ثم استطلعت رأى المهندس فيها وأمرته أن يعرض استواءها على المقاييس الهندسية، لعثر فيها على عوج في غير موضع، لا يدرك ذلك بحاسة البصر ولكن بالقياس الهندسي، فنفى الله عزّ وعلا ذلك العوج الذي دقّ ولطف عن الإدراك، اللهمّ إلا بالقياس الذي يعرفه صاحب التقدير والهندسة، وذلك الاعوجاج لما لم يدرك إلا بالقياس دون الإحساس لحق بالمعاني، فقيل فيه: عوج بالكسر. الأمت: النتوّ اليسير، يقال: مدّ حبله حتى ما فيه أمت.
(يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً (١٠٨) يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً) [طه: ١٠٨ - ١٠٩].
أضاف اليوم إلى وقت نسف الجبال في قوله (يَوْمَئِذٍ) أى يوم إذ نسفت، ويجوز أن يكون بدلا بعد بدل من يوم القيامة. والمراد: الداعي إلى المحشر. قالوا: هو إسرافيل قائما على صخرة بيت المقدس يدعو الناس، فيقبلون من كل أوب إلى صوبه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (من الفلاحة)، الأساس: الفلاحةُ: الأكرةُ، جمع أكار؛ لأنهم يفلحون الأرض، أي: يشقونها.
قوله: (بدلاً بعد بدل)، يعني (يَوْمَئِذٍ) بدلٌ من (يَوْمَ يُنْفَخُ) وهو من قوله: (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) في قوله: (وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلاً)، والعامل ساء، فيكون قوله: (وَيَسْأَلُونَكَ) الآية، وحدها استطراداً، وعلى الأول العاملُ: (يُتْبِعُونَ) (وَيَسْأَلُونَكَ) إلى قصة أدم استطراداً، والأول أوجه لمجيء قوله: (يَوْمَئِذٍ لا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ) فيكون بدلاً ثالثاً على الترقي.
قوله: (يدعو الناس فيقبلون من كل أوب)، قال محيي السنة: يقول: أيتها العظام البالية،
стр. 5204
لا يعدلون (لا عِوَجَ لَهُ) أى لا يعوجّ له مدعوّ، بل يستوون إليه من غير انحراف متبعين لصوته. أى: خفضت الأصوات من شدة الفزع وخفتت (فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً) وهو الركز الخفي. ومنه الحروف المهموسة. وقيل: هو من همس الإبل وهو صوت أخفافها إذا مشت، أى: لا تسمع إلا خفق الأقدام ونقلها إلى المحشر (مَنْ) يصلح أن يكون مرفوعا ومنصوبا، فالرفع على البدل من الشفاعة بتقدير حذف المضاف، أى: لا تنفع الشفاعة إلا شفاعة من (أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ) والنصب على المفعولية. ومعنى (أذن له) (وَرَضِيَ لَهُ) لأجله. أى: أذن للشافع ورضى قوله لأجله. ونحو هذه اللام اللام في قوله تعالى (وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ) [الأحقاف: ١١].
(يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً) [طه: ١١٠].
أى يعلم ما تقدّمهم من الأحوال وما يستقبلونه، ولا يحيطون بمعلوماته علما.
(وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً) [طه: ١١١].
المراد بالوجوه وجوه العصاة، وأنهم إذا عاينوا - يوم القيامة - الخيبة والشقوة وسوء
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والجلود المتمزقة، واللحوم المتفرقة، هلموا إلى عرض الرحمن.
قوله: (لا يعوج له مدعو)، قيل: هو كما يقال: لا عصيان له، أي: لا يعصي، ولا ظلم له، أي: لا يظلم.
قوله: (المراد بالوجوه: وجوه العصاة)، قال القاضي: ظاهره يقتضي العموم، ويجوز أن يُراد بها وجوه المجرمين، فتكون اللام بدل الإضافة، ويؤيده قوله: (وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ
стр. 5205
الحساب، صارت وجوههم عانية، أى ذليلة خاشعة، مثل وجوه العناة وهم الأسارى. ونحوه قوله تعالى (فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا)] الملك: ٢٧ [، (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ)] القيامة: ٢٤ [. وقوله تعالى (وَقَدْ خابَ) وما بعده اعتراض، كقولك: خابوا وخسروا. وكلّ من ظلم فهو خائب خاسر.
(وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً) [طه: ١١٢].
الظلم: أن يأخذ من صاحبه فوق حقه. والهضم: أن يكسر من حق أخيه فلا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ظُلْماً)، وهو يحتمل الحال والاستئناف لبيان ما لأجله عنت وجوههم، وكذا عن أبي البقاء.
قوله: (وقوله: (وَقَدْ خَابَ) وما بعده: اعتراضٌ)، يعني: في هذا الكلام معنى التوكيد لما قبله، وكان من الظاهر: وذلت وجوه العصاة وقد خابوا وخسروا، فوضع موضعه ذلك، وفيه رائحةٌ من الاعتزال، والأولى أنه حالٌ من الوجوه ووضع موضع الراجع (مَنْ حَمَلَ ظُلْماً)، كما في قوله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً) [الكهف: ٣٠] أي: لا نُضيع أجرهم.
والمرادُ بالظلم: الشركُ، لقوله تعالى: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) [لقمان: ١٣]، وروى محيي السُّنة، عن ابن عباس: خسر من أشرك بالله، والظلم هو الشرك، ولأنه واقعٌ في مقابلة قوله: (وَهُوَ مُؤْمِنٌ)، والمراد بالوجوه، الرؤساء والمتكبرون؛ لأن المقام مقام الهيبة ولصوق الذلة بوجوههم أولى: (وَقَدْ خَابَ): مقابلٌ لقوله: (فَلا يَخَافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً)، المعنى: فلا يخاف الخيبة وإليه الإشارة بقوله: فلا يخاف جزاء ظُلم ولا هضم؛ لأنه لم يظلم ولم يهضم، فلا يستقيم حينئذ أن يكون اعتراضاً.
стр. 5206
يوفيه له، كصفة المطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون ويسترجحون، وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون. أى: فلا يخاف جزاء ظلم ولا هضم، لأنه لم يظلم ولم يهضم. وقرئ: (فلا يخف) على النهى.
(وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً) [طه: ١١٣].
(وَكَذلِكَ) عطف على (كَذلِكَ نَقُصُّ)] طه: ٩٩ [أى: ومثل ذلك الإنزال، وكما
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: "فلا يخف")، على النهي: ابن كثير، والباقون: (يَخَافُ) بالرفع، وهذه القراءة توافق ما يُقابله منهما - وهو قوله: (وَقَدْ خَابَ) - من حيث الإخبار، وأبلغُ من القراءة الأولى من حيث الاستمرار، والأولى أبلغ لأنها لا تحتمل التردد في الإخبار، قال الواحدي: "فلا يخف": فليأمن لأنه لم يُفرط فيما وجب عليه، ونهيه عن الخوف أمرٌ بالأمن.
قوله: (وَكَذَلِكَ): عطفٌ على (كَذَلِكَ نَقُصُّ))، إشارةٌ إلى بيان النظم، وأن التكرير للترديد والترجيع إلى ما هو مهتمٌ بشأنه وما سيق الكلام لأجله، ذكره هناك وعلق به مدح القرآن، ومن أقبل عليه ومن أعرض عنه، وأشار إلى أن المقبل مربح مفلح والمعرض خاسرٌ دامر. واستمر على وعيد المعرض ووعد المقبل إلى أن عاد إلى ما له سوق الكلام وهو مدح القرآن، فحرض على التمسك به واستعمال التؤدة والرفق في أخذه، وعهد على العزيمة بأمره وترك النسيان فيه، وضرب حديث آدم مثلاً للنسيان وترك العزيمة. واستوفى حقه، ثم رجع إلى ما هو المقصد في الإيراد حيث قال: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً) [طه: ١٢٤] إلى أن قال: (كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا)، وأنت إذا تأملت حديث موسى عليه السالم بطوله وجدته متمماً لحديث القرآن وما افتتح به السورة من قوله تعالى: (طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى) [طه: ١ - ٢]، وهلُمَّ جرا، إلى آخر السورة، وقوله تعالى: (وَلا
стр. 5207
أنزلنا عليك هؤلاء الآيات المضمنة للوعيد أنزلنا القرآن كله على هذه الوتيرة، مكرّرين فيه آيات الوعيد،
ليكونوا بحيث يراد منهم ترك المعاصي أو فعل الخير والطاعة. والذكر - كما ذكرنا - يطلق على الطاعة والعبادة. وقرئ: (نحدث) و (تحدث)، بالنون والتاء، أى: تحدث أنت.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً) [طه: ١٣١] إلى قوله: (وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ)؛ لأنه على وزان قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنْ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧) لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً) [الحجر: ٨٧ - ٨٨]، وينصره قوله تعالى: (وَامُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً) [طه: ١٣٢]، ولأمر ما صدر عن أمر النبوة ومشكاة الرسالة صلوات الله عليه: "إن الله تعالى قرأ (طه) و (يس) قبل أن يخلُقَ السموات والأرض بألف عام، فلما سمعت الملائكة القرآن قالوا: طوبي لأمةٍ ينزلُ هذا عليها، وطوبى لأجوافٍ تحمل هذا، وطوبى لألسنةٍ تتكلمُ بهذا"، أخرجه الدارمي عن أبي هريرة.
قوله: (الوتيرة)، الجوهري: هي الطريقة، يقال: ما زال على وتيرة واحدة.
قوله: (ليكونوا بحيث يُراد منهم تركُ المعاصي أو فعلُ الخير)، قال في "الانتصاف": الصوابُ: ليكونوا على رجاء التقوى والتذكر، إذ لو أراد اللهُ تقواهم لكان. والعجبُ أن الزمخشري نقل عن سيبويه في أول هذه السورة في: (لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) [طه: ٤٤]، أي: كُونا على رجائكما، ثم كع عنه هاهنا لمعتقده.
قوله: (والذكرُ كما ذكرنا)، أي عند قوله: (وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي) [طه: ١٤]، أي: لتذكرني، فإن ذكري أن أعبد، والذكر يُطلقُ على العبادة والطاعة، أي: مجازاً؛ لأن الطاعة: أثرُ الذكر والتذكير. ومراده من هذا التأويل اعتبارُ المطابقة لتفسيره التقوى بالاجتناب عن
стр. 5208
وسكن بعضهم الثاء للتخفيف، كما في:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المعاصي ليجمع بين فعل الطاعة وترك المعصية، وفيه إيذانً بأن التقوى قد يُراد منه الاحترازُ عما لا ينبغي كا قررناهُ في فاتحة البقرة، وقال محيي السنة والواحدي: (لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)، أي: يجتنبون الشرك، (أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً) أي: يُجددُ لهم القرآنُ عبرةً وعظةً ليعتبروا ويتعظوا بذكر عقاب الله للأمم.
وقال الإمامُ: وفيه وجهان: (لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)، أي: يصيرون متحرزين عما لا ينبغي أو يحدث لهم القرآن ذكراً يدعوهم إلى الطاعات وفعل ما ينبغي، أو: أنزلنا القرآن ليتقوا، فإن لم يحصل ذلك فلا أقل من أن يُحدث لهم ذكراً شرفاً وصيتاً حسناً أو كلمة، أو كما في قولك: جالس الحسن وابن سيرين.
وقال القاضي: (لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) المعاصي، فتصير التقوى لهم ملكةً، (أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً) عظةً واعتباراً حين يسمعونها فتثبطهم عن المعاصي: ولهذه النكتة أسند التقوى إليهم والإحداث إلى القرآن.
وقلتُ: والذي يحضرنا الآن - والله أعلم: أن المعنى: (وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً) أي: فصيحاً ناطقاً بالحق ساطعاً تبيانه يحدث لهم التأمل والتفكرُ في آياته وبياناته الواقية الشافية فيُذعنون ويُطيعون (وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنْ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) العذاب، فقيه لفٌّ من غير ترتيب، فالآية على وزان قوله تعالى: (لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) [طه: ٤٤]، قال المصنف: يتذكرُ، أي: يتأملُ فيبذل النصفة من نفسه والإذعان للحق ويخشى أن يكون الأمر كما تصفان فيجره إنكاره إلى الهلكة.
قوله: (وسكن بعضهم الثاء للتخفيف)، أي: يحدث، قال ابن جني: قرأ بها الحسنُ، وينبغي أن يكون هذا مما يسكن استثقالاً للضمة. وأنشدنا أبو علي لجرير:
стр. 5209
فاليوم أشرب غير مستحقب
(فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً) [طه: ١١٤].
(فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ) استعظام له ولما يصرف عليه عباده من أوامره ونواهيه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سيروا بني العم فالأهواز منزلكم … ونهرُ تيرى ولا تعرفكم العرب
أي: لا تعرفكم.
قوله: (فاليوم أشرب غير مستحقبٍ)، تمامه في "المطلع":
إثماً من الله ولا واغل
مستحقبِ الاثم، أي: محتملٍ، يقال: استحقب الإثم: إذا احتمله واكتسبه، مأخوذٌ من الحقيبة، ووغل يغلُ: إذا دخل على القوم في شربٍ من غير أن يدعى كالوارس في العظام. قبله:
حلت لي الخمرُ وكنتُ امرءاً … عن شُربها في شغلٍ شاغل
قائله امرؤ القيس، وكان حلفَ أن لا يشربَ الخمرَ حتى يُقتل بني أسدٍ بأبيه حُجرن فوقع ببعضهم فقتل جماعةً منهم فقال عند ذلك: حلت … البيت.
قوله: (ولما يُصرفُ عليه)، عطفٌ على "لهُ"، أي: استعظامٌ لما يُصرفُ عليه عباده. وقوله: يُصرف، بضم الياء وفتح الصاد وكسر الراء المشددة. الأساس: صرفه في أعماله وأموره فيتصرفُ فيها، وتصرفت به الأحوال. وليس فيه ولا في "الصحاح": تصرف عليه، ولعله ضمنه معنى العلو والاستيلاء، أي يجبر الخلق على امتثال أوامره والانتهاء من نواهيه تصريفاً كما ترى الملك الغالب النافذ التصرف في رعيته، وهذا لا يوافق مذهبه.
стр. 5210
ووعده ووعيده والإدارة بين ثوابه وعقابه على حسب أعمالهم، وغير ذلك مما يجرى عليه أمر ملكوته ولما ذكر القرآن وإنزاله قال على سبيل الاستطراد: وإذا لقنك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وفي هذا التقدير إيذانٌ في ترتب حكم الإنزال والتصريف في (أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنْ الْوَعِيدِ) على قوله: (فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ) بالفاء، أمراً عظيماً وخطباً جليلاً، فدل وصفُ الباري بالملك على التصريف القوي في الملك والملكوت على مقتضى مشيئته بالأمر والنهي والوضع والرفع والثواب والعقاب، فكان مناسباً لقوله: (وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنْ الْوَعِيدِ)، ودل وصفه بالحق على البيان والظهور، وعلى الثبات في الصفات الكاملة، فكان مناسباً لقوله: (أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً) أي: بينا بُرهانه ساطعاً نُوره لا يحوم الباطلُ حوله، فأعظم بمنزلٍ ومتصرفٍ منزله الحق ومتصرفه الملك، وفيه أيضاً معنى (وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ)، وقوله تعالى: (لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ) [القيامة: ١٦ - ١٧]، يعني: لا تستعجل بالقرآن خوفاً من أن ينفلت منك؛ لأن المصرف قاهرٌ والمبين محق لابد من إمضاء ما أراده (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ) في صدرك لتحفظه، وإجرائه على لسانك لتدفع الباطل بالحق، وهذه السُّنةُ قائمةٌ في أمتك إلى يوم القيامة (فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ)، فإن له تحت كل كلمة، بل كل حرفٍ من هذا الكتاب العزيز، أسراراً ورموزاً تتحير فيها الأوهامُ، زادنا الله اطلاعاً على أسرار تنزيله والتوفيق للعمل بما فيه بقدر الوُسع والطاقة. قال صاحب "المطلع": الذي بيده الثواب والعقاب فهو يملكهما، والحق الثابت: ذاته وصفاته الكاملة.
قوله: (ولما ذكر القرآن وإنزاله قال على سبيل الاستطراد)، قلتُ: قد سبق بأن قوله: (فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ) كالرابطة بين الكلامين، وذلك أنه تعالى لما عظم شأنه في إنزال القرآن العربي وتصريف الوعيد فيه بأن أتى بصيغة العظمة والكبرياء في قوله: (أَنزَلْنَا)، (وَصَرَّفْنَا) امتناناً على حبيبه صلوات الله عليه، وبين أن القصد في الإنزال والتصريف: الترغيب والترهيب، وأراد أن يُرشده إلى حُسن تلقيه لهذا المنزل العظيم الشأن، وأن يترك من عادته من العجلة فيه، وشط بين الكلامين قوله: (فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ)، وعطف عليه (وَلا تَعْجَلْ) على تنزيل الإخباري منزلة الإنشائي؛ لأن فيه إنشاء التعجب معنى،
стр. 5211
جبريل ما يوحى إليك من القرآن، فتأنّ عليك ريثما يسمعك ويفهمك، ثم أقبل عليه بالتحفظ بعد ذلك، ولا تكن قراءتك مساوقة لقراءته. ونحوه قوله تعالى (لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ)] القيامة: ١٦ [،
وقيل معناه: لا تبلغ ما كان منه مجملا حتى يأتيك البيان. وقرئ: (حتى تقضى إليك وحيه). وقوله تعالى (رَبِّ زِدْنِي عِلْماً) متضمن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حين نُبهت على عظمةِ جلالة المنزل وأُرشدت إلى فخامة المنزل، فعظم جناب الملك الحق المتصرف في المُلك والملكوت وأقبل بشراشرك في تحفظ ألفاظ كتابه وتحقق مبانيه، وإذا وعيت فادعُ الله لاستزادة العلم لتدبر حقائقه ومعانيه، وقد سبق وجه نظمه مع قوله: (وَلَقَدْ عَهِدْنَا).
قوله: (ريثما يُسمعك)، الأساس: ما ريثك وما بطأ بك؟ وما قعدتُ لفلانٍ إلا ريثما قال كذا، النهاية: وفي الحديث: "فلم يلبث إلا ريثما"، قلت: أي: إلا قدر ذلك، وقد يُستعملُ بغير (ما)، والمعنى: ارفق على نفسك قدر ما يُسمعُك.
قوله: (مساوقةً لقراءته)، الأساس: فلانٌ في ساقة العسكر: في آخره، جمعُ سائق، وهو يساوقه، وتساوقت الإبل: تتابعت، وهو يسوق الحديث، النهاية: المساوقة: المتابعة. أن بعضها يسوق بعضا.
قوله: (لا تبلغ ما كان منه مجملاً) إلى آخره. هذا منتقض بنزول (مِنْ الْفَجْرِ) بياناً لقوله: (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ) [البقرة: ١٨٧]، لأنه ﷺ بُلغه قبل نزول (مِنْ الْفَجْرِ)، وكذا قوله تعالى: (غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ) [النساء: ٩٥]، نزل بعد تبليغه (لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ)، ولضعف هذا الوجه ذكر لفظ (قبل).
قوله: (وقرئ: "حتى نقضي")، قال محيي السنة: قرأ يعقوبُ: "نقضي"، بالنون وفتحها وكسر الضاد وفتح الياء، "وحيهُ" بالنصبِ.
стр. 5212
للتواضع لله تعالى والشكر له عند ما علم من ترتيب التعلم، أى علمتني يا رب لطيفة في باب التعلم وأدبا جميلا ما كان عندي، فزدني علما إلى علم، فإنّ لك في كل شيء حكمة وعلما.
وقيل: ما أمر الله رسوله بطلب الزيادة في شيء إلا في العلم.
(وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً) [طه: ١١٥].
يُقال في أوامر الملوك ووصاياهم: تقدّم الملك إلى فلان وأوعز إليه، وعزم عليه، وعهد
إليه. عطف الله سبحانه قصة آدم على قوله (وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)] طه: ١١٣ [والمعنى:
وأقسم قسما لقد أمرنا أباهم آدم ووصيناه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (عندما عَلِم)، ظرفٌ يتعلقُ بـ"الشكر"، "والشكر لهُ" عطفٌ تفسيريٌ على قوله: "للتواضع لله"؛ لأن التواضع هاهنا عينُ الشكر. كأنه قيل: يا رب إني لا أعلم شيئاً، وإن اتقاري إلى جنابك الأقدس لا يزول، فكما علمتني كيفية ترتيب التعلم، وهو التحفظ بعد التعلم، فلا تقطع هذه النعمة عني في كل ما أنا فيه من الأقوال والفعال.
قوله: (أي: علمتني يا رب)، يعني: أدبتني في باب العلم أدباً جميلاً، وهو التأني عند تلقين المعلم ثُم الإقبالُ عليه بالتحفظ، وهذا ما كنتُ أعلمه، فزدني علماً أي: أدبني تأديباً إلى تأديبِ فإن لك في كل شيء حكمة. فقوله: "ما كان عندي" معترضةٌ.
قوله: (تقدم الملكُ إلى فُلان)، الراغبُ: قدمتُ إليه بكذا: أمرتهُ قبل وقت الحاجة إلى الفعل. أي: قبل أن يدهمه الأمر أو الناس، وعهد فلانٌ إلى فلان: ألقى العهد إليه وأوصاه بحفظه.
قوله: (وأوعز إليه)، الجوهري: أوعزتُ إليه في كذا وكذا، أي: تقدمتُ، وكذلك: وعزتُ إليه توعيزاً، وقد يُخفف. فيقال: وعزتُ إليه وعيزاً.
قوله: (عطفَ اللهُ قصة آدم ﵇ على قوله: (وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنْ
стр. 5213
أن لا يقرب الشجرة، وتوعدناه بالدخول في جملة الظالمين إن قربها، وذلك من قبل وجودهم ومن قبل أن نتوعدهم، فخالف إلى ما نهى عنه، وتوعد في ارتكابه مخالفتهم، ولم يلتفت إلى الوعيد كما لا يلتفتون، كأنه يقول: إنّ أساس أمر بنى آدم على ذلك، وعرقهم راسخ فيه. فإن قلت: ما المراد بالنسيان؟ قلت يجوز أن يراد النسيان الذي هو نقيض الذكر،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الْوَعِيدِ))، فإن قلت: أليس هذا مخالفاً لما ذهبت إليه في النظم، وقولك: وضرب حديث آدم مثلاً للنسيان وترك العزيمة، وأنه متصلٌ بقوله: (وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ)؟ قلت: هيهات! ما أشد التئامه بما أسلفناه من أن تصريف الوعيد لأجل اتقاء العذاب، وأن قوله: (وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ) متصلٌ بقوله: (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا)، وذلك عليه الوعيد لعلهم يخافون العذاب ويجتنبون عنه، كذلك نهيناك عن التعجيل لتلقي التنزيل متأنياً متدبراً بجد وعزيمةٍ، فكأنا عهدنا إليك بذلك لئلا تقع فيما لا ينبغي، كما نهينا آدم عن أكل الشجرة لئلا يشقى (فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً)، فالضميرُ في قوله: قبل وجودهم لمن قيل في حقهم: (لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً) من قوم محمدٍ صلوات الله عليه، فسبيل حديث العجلة سبيل الاستطراد، وسبيلُ حديث آدم سبيلُ التذييل، وإليه الإشارة بقوله: "إن أساس أمر بني آدم على ذلك".
قوله: (فخالف إلى ما نُهي عنهُ)، هو من قوله تعالى: (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ) [هود: ٨٨]، قال المصنف: خالفني فلانٌ إلى كذا: إذا قصده وأنت مولٍّ عنه، وتقولُ: خالفني إلى الماء، يريد أنه قد ذهب إيه وارداً وأنت صادرٌ.
قوله: (مخالفتهم)، مفعولٌ مطلقٌ، لقوله: "فخالف"، "وتوعد": عطفٌ على "نُهيَ عنهُ". أي: خالف المنهي والمتوعد في قوله: وصيناه أن لا يقرب الشجرة، وتوعدناهُ بالدخول في جملة الظالمين مخالفةً مثل مخالفةِ هؤلاءِ في النهي والوعيد.
стр. 5214
وأنه لم يعن بالوصية العناية الصادقة، ولم يستوثق منها بعقد القلب عليها وضبط النفس، حتى تولد من ذلك النسيان. وأن يراد الترك وأنه ترك ما وصى به من الاحتراس عن الشجرة وأكل ثمرتها. وقرئ: (فنسي)، أى: نساه الشيطان. العزم: التصميم والمضىّ على ترك الأكل، وأن يتصلب في ذلك تصلبا يؤيس الشيطان من التسويل له.
والوجود: يجوز أن يكون بمعنى العلم، ومفعولاه (لَهُ عَزْماً) وأن يكون نقيض العدم كأنه قال:
وعدمنا له عزما.
(وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى) [طه: ١١٦].
(وإِذْ) منصوب بمضمر، أى: واذكر وقت ما جرى عليه من معاداة إبليس ووسوسته إليه وتزيينه له الأكل من الشجرة، وطاعته له بعد ما تقدّمت معه النصيحة والموعظة البليغة والتحذير من كيده، حتى يتبين لك أنه لم يكن من أولى العزم والثبات. فإن قلت: إبليس كان جنيا بدليل قوله تعالى (كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ)] الكهف: ٥٠ [، فمن أين تناوله الأمر وهو للملائكة خاصة؟ قلت كان في صحبتهم، وكان يعبد الله تعالى عبادتهم، فلما أمروا بالسجود لآدم والتواضع له كرامة له، كان الجنى الذي معهم أجدر بأن بتواضع، كما لو قام لمقبل على المجلس علية أهله وسراتهم، كان القيام على واحد بينهم هو دونهم في المنزلة أوجب، حتى إن لم يقم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لم يُعْنَ بالوصية)، أي: لم يعتد بها الاعتداد الصادق، الجوهري: عُنيت بحاجتك، أعني بها عنايةً، وأنا بها معنيٌّ، والأمرُ: لتُعْنَ بحاجتي بضم التاء وسكون العين.
قوله: (من الاحتراس)، الجوهري: تحرستُ من فلانٍ واحترستُ منه، أي تحفظتُ منه.
قوله: (علية أهلِه)، الجوهري: فلانٌ من علية الناس، وهو جمعُ رجلٍ علي، أي: شريفٍ رفيع، مثل صبي وصبية.
قوله: (وسراتهم)، الجوهري: وهو جمعُ السريِّن لا يُعرفُ جمعُ "فعيلٍ" على "فعلةٍ" غيره. الأساس: هو سريٌّ، من السراة ومن أهل السرو، وهو السخاء والمروءة.
стр. 5215
عنف. وقيل له: قد قام فلان وفلان، فمن أنت حتى تترفع عن القيام؟ فإن قلت: فكيف صحّ استثناؤه وهو جنى عن الملائكة؟ قلت: عمل على حكم التغليب في إطلاق اسم الملائكة عليهم وعليه، فأخرج الاستثناء على ذلك، كقولك: خرجوا إلا فلانة، لامرأة بين الرجال (أَبى) جملة مستأنفة، كأنه جواب قائل قال: لم لم يسجد. والوجه أن لا يقدّر له مفعول، وهو السجود المدلول عليه بقوله (فَسَجَدُوا) وأن يكون معناه أظهر الإباء وتوقف وتثبط.
(فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى) [طه: ١١٧].
(فَلا يُخْرِجَنَّكُما) فلا يكونن سببا لإخراجكما. وإنما أسند إلى آدم وحده فعل الشقاء دون حوّاء بعد إشراكهما في الخروج، لأنّ في ضمن شقاء الرجل وهو قيم أهله وأميرهم شقاءهم، كما أنّ في ضمن سعادته سعادتهم، فاختصر الكلام بإسناده إليه دونها. مع المحافظة على الفاصلة. أو أريد بالشقاء التعب في طلب القوت، وذلك معصوب برأس الرجل وهو راجع إليه. وروى أنه أهبط إلى آدم ثور أحمر فكان يحرث عليه ويمسح العرق من جبينه.
(إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى (١١٨) وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى) [طه: ١١٨ - ١١٩].
قرئ: (وَأَنَّكَ) بالكسر والفتح. ووجه الفتح العطف على (أَلَّا تَجُوعَ). فإن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وذلك معصوبٌ برأس الرجل)، أي: موكلٌ إليه. الأساس: الأمورُ تعصبُ برأسه. النهاية: سموا السيد المُطاع معصباً؛ لأنه تعصبُ به أمورُ الناس، أي: تُردُّ إليه وترادُ به. قال عتبةُ بن ربيعة: ارجعوا ولا تقاتلوا واعصبوها برأسي، يريد السبة التي تلحقهم بترك الحرب. أي: انسبوها إلي وإن كانت ذميمةً.
قوله: (قرئ: (وَأَنَّكَ) بالكسر والفتح)، بالكسر: ابنُ كثير، وبالفتح: الباقون،
стр. 5216
قلت: "إن" لا تدخل على"أن" فلا يُقال: إن أن زيداً منطلق، والواو نائبة عن "إنّ" وقائمة مقامها فلم أدخلت عليها؟ قلت: الواو لم توضع لتكون أبداً نابة عن "إنْ"، إنما هي نائبة عن كل عامل، فلما لم تكن حرفا ًموضوعاً للتحقيق خاصة كـ"إن" لم يمتنع اجتماعهما كما امتنع اجتماع إن وأن.
الشبع والرىّ والكسوة والكنّ: هي الأقطاب التي يدور عليها كفاف الإنسان،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال الزجاج إذا كُسرت فعلى الاستئناف وعطفِ جملةٍ على جملة، وإذا فُتحت فعلى معنى أن لك أن لا تظمأ فتنسقَ بأنك على قوله: (أَلاَّ تَجُوعَ) ويكونُ (أَنَّكَ) في موضع نصب. ويجوزُ أن يكون ف موضع رفع والعطفُ على محل إن واسمها. لأن معنى إن زيداً قائم: زيدٌ قائمٌ، فالمعنى: وذلك أنك لا تظمأ، وقال أبو البقاء: وجاز أن تقع "أن" المفتوحة معمولة لـ"إن" لما فُصلَ بينهما، التقديرُ: إن لك الشبع والري، وقيل: يجوز: إن عندنا أن زيداً منطلق.
قوله: (الواو لم توضع لتكون أبداً نائبة عن "إنّ" إنما هي نائبة عن كل عامل)، قال صاحبُ "التقريب": يريدُ أن الواو تنوبُ عن كل عامل، ولم توضع للتحقيق خاصةً، والممتنعُ تلاقي حرفين موضوعين للتحقيق: وقلتُ: يعني أن الواو نابت مناب "إنّ"، لكن بالنظر إليها واعتبار وضعها ليست نصاً في التحقيق مثل "إنّ"، فلا يُهملُ وضعُها الحقيقيُّ.
وقال القاضي: حرفث العطف وإن ناب عن "إنّ"، لكنهُ نابَ من حيث إنهُ عاملٌن لا من حيث إنه حرفُ تحقيق.
وقيل: الواوُ وإن كانت نائبةً إلا أنها ليست في قوة المنوب عنه، فلذلك عومل معها ما لا يُعاملُ معه، كقولك: ليس زيدٌ قائماً ولا قاعداً، ولا يجوزُ أن تقول: ليس لا قاعداً
قوله: (الشبعُ والريُّ والكسوةُ والكِنّ)، أُوردَ على خلاف ما عليه ترتيبُ الآية ليشيرَ
стр. 5217
فذكره استجماعها له في الجنة، وأنه مكفى لا يحتاج إلى كفاية كاف ولا إلى كسب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إلى أنه من باب التتميم والاستيعاب، يعني كان من الظاهر أن يُضم الشبعُ والريُّ في قرنٍ واحد، و"الكسوةُ والكِنُّ" في آخر، فخولفَ لينبه على أن المذكور هي الأقطابُ التي يدورُ عليها الكفافُ، يعني إنما ضم الشبع واللبس ليؤذن بعدم استغناء الإنسان عنهما، وأنهما من أصولِ النعم، وجمع الاستلال والري ليُشير إلى أنهما تابعان لهُما ومُكملانِ لمنافعهما، وهذا أدخل في الامتنان من الظاهر، لما في تقديم أصول النعم وجلائلها، وإرداف توابعها ولواحقها: الإعلام باستجلابها لسائر ما يُفتقرُ إليها في الكفاف، كما سبق في تقديم (الرحمن) على (الرحيم). وينصرُ هذا التأويل اختلاف العبارتين في الفقرتين، وهو: (إِنَّ لَكَ) و (وَانُكُ) و (أَلاَّ) و (لَا)، فدلت الأولى على استقرار الإكرام وثبوت الاحترام بتقدير متعلقِ الخبر، وإتيانِ اللام، وكذا في تنسيق المذكورات الأربعة مرتبةً هكذا مُقدماً ما هو الأهمُّ فالأهمّ، ثم في جعلها تفصيلاً لمضمون قوله: (فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنْ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى) وتكرير لفظةِ (فيها)، وإخراجها في صيغة النفي مُكررةَ الأداء، الإيماءُ إلى التعريض بأحوالِ الدنيا، وأنه لابد من مقاساتها فيها، لأنها خُلقت لذلك، وأن الجنةَ ما خُلقت إلا للتنعيم ولا يتصور فيها غيره، وما ذكره من تصوير ما يُنفر السامع ويحذره حتى يُتحامى بعضٌ من ذلك.
قوله: (استجماعها)، وفي بعض النسخ: "اجتماعها"، هو ثاني مفعولي "ذَكَّرَ"، أي: ذكر اللهُ تعالى آدم استجماع هذه الأشياء له في الجنة، أي: اجتماعها.
المُغرب: استجمعت للمرء أموره: اجتمع له ما يحبه. وهو لازمٌ، وقولهم: استجمع الفرس جرياً. نصبٌ على التمييز، وأما قول الفقهاء: مستجمعاً شرائط الجمعة، فليس بثَبْت.
واللامُ في لنقائضها لضعفِ عملِ النفي بسبب التعريفِ أو الفرعية.
стр. 5218
كاسب كما يحتاج إلى ذلك أهل الدنيا، وذكرها بلفظ النفي لنقائضها التي هي الجوع والعرى والظمأ والضحو، ليطرق سمعه بأسامى أصناف الشقوة التي حذره منها، حتى يتحامى السبب الموقع فيها كراهة لها.
(فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى) [طه: ١٢٠].
فإن قلت: كيف عدى "وسوس" تارة باللام في قوله (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ)] الأعراف: ٢٠ [، وأخرى ب (إلى)
قلت: وسوسة الشيطان كولولة الثكلى «١» ووعوعة الذئب ووقوفة الدجاجة، في أنها حكايات للأصوات وحكمها حكم صوت وأجرس. ومنه: وسوس المبرسم،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كيف عدى "وسوسَ"؟ )، سؤالٌ عن موقع استعماله مع حرفِ الجرِّ، ووجهِ صحته وتحقيق وضعه، قال الجوهري: (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ) يريدُ: إليهما، ولكن العرب تُوصلُ بهذه الحروف كلها الفعل. وأجاب: أن "وسوس" مأخوذٌ من الوسوسة، وهي: حكايةُ صوتٍ وحكمها حم "صوت"، وكذا وكذا، وهو فعلٌ لازمٌ، فإذا عُدي باللام كان لبيان الموسوس له كما في قوله تعالى: (هَيْتَ لَكَ) [يوسف: ٢٣]، وقوله: أجرس لها، واللامُ من صلة الفعل. وأما في الأصوات فللبيان، وإذا عُدي بـ"إلى" ضُمنَ معنى الإنهاء.
المُغرب: الوسوسة: الصوتُ الخفي. يقال: وسوس الرجلُ بلفظ ما سُمي فاعله: إذا تكلم بكلام خفي يكرره، وهو فعلٌ لازمٌ، كولولت المرأة، ووعوع الذئب، ورجلٌ موسوسٌ بالكسر، ولا يقال بالفتح، ولكن موسوسٌ إليه أو له، أي: تُلقى إليه الوسوسةٌ، وقال أبو الليث: الوسوسةُ: حديثُ النفس، وإنما قيل: موسوس لأنه يحدثُ بما في ضميره.
قوله: (وسوس المُبَرْسَمُ)، المُغرب: بُرْسِمَ الرجل، على ما لا يسم فاعله، فهو مبرسمٌ
стр. 5219
وهو موسوس بالكسر. والفتح لحن. وأنشد ابن الأعرابى:
وسوس يدعو مخلصا ربّ الفلق
فإذا قلت: وسوس له، فمعناه لأجله، كقوله:
أجرس لها يا ابن أبي كباش
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بفتح السين: إذا أخذه البرسامُ، بالكسر، وفي "التهذيب": بالفتح، وهو معربٌ، عن ابن دُريد، وفي "الأسباب والعلامات": هو ورمٌ يحدثُ في الحجاب المعترض بين الكبد والمعدة، فيزولُ العقلُ لاتصالِ هذا الحجاب بحجُبِ الدماغ.
قوله: (وهو موسوسٌ بالكسر، والفتحُ لحن)، قال الحريري في "دُرةِ الغواص": يقولون: باقلاء مُدود، وطعامٌ مسوس، ورجلٌ موسوس، وخبزٌ مُكَرَّجن ومتاعٌ مقارب، يفتحون ما قبل الحرف الأخير من كل كلمة، والصوابُ كسره. ويقالُ في الفعل من المدود: قد داد، وأداد، ودود، وديد.
قوله: (وسوس يدعو مخلصاً رب الفلق)، تمامُه:
سراً وقد أون تأوين العقق … في الزرب لو يمضغ شريا ما بصق
أون البعيرُ: إذا عظُم بطنه من شُرب الماء. والعقق: جمعُ عقوق، وهي الحاملُ. وسوس: صوتُ حكايةً للصوت؛ لأن رؤبة يصفُ قانصاً يُخفي شخصه ويخفتُ صوته حتى إنه لو مضغ حنظلاً ما بصق خوفاً من أن يُحسه الصيدُ فينفر.
الأساس: ومن المجاز: الصائد في زربه وزريبته وهي قترته، شُبهت بزرب البُهم.
قوله: (أجرس لها يا ابن أبي كباش)، تمامه في "المطلع":
стр. 5220
ومعنى «وسوس إليه» أنهى إليه الوسوسة، كقولك. حدّث إليه. وأسرّ إليه. أضاف الشجرة إلى الخلد وهو الخلود، لأن من أكل منها خلد بزعمه، كما قيل لحيزوم: فرس الحياة، لأنّ من باشر أثره حيي (وَمُلْكٍ لا يَبْلى) دليل على قراءة الحسن بن على وابن عباس رضى الله عنهم: (إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ)] الأعراف: ٢٠ [بالكسر.
(فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى) [طه: ١٢١]
«طفق يفعل كذا» مثل: جعل يفعل، وأخذ، وأنشأ. وحكمها حكم كاد في وقوع الخبر فعلا مضارعا، وبينها وبينه مسافة قصيرة هي للشروع في أوّل الأمر. وكاد لمشارفته والدنوّ منه. قرئ (يَخْصِفانِ) للتكثير والتكرير، من خصف النعل وهو أن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فما لها الليلة من إنفاش
أجرس لها، أي: أحدُ للإبل لتسمع الحُداء فتسير، وهو مأخوذٌ من الجرس وهو الصوتُ، وجرس الطيرُ: صوتتْ بمناقيرها على شيء تأكله، قوله: "لها"، أي: لأجلها، الإنفاشُ: من: أنفش الغنم: إذا تركها ترعى ليلاً بلا راعٍ، أي: سر بها ولاتتركها الليلة لترعى.
قوله: ((وَمُلْكٍ لا يَبْلَى) دليلٌ على قراءة الحسن … : "إلا أن تكونا ملكين" بالكسر) في الأعراف؛ لأن المُلك غيرُ مطابق للملكين بالفتح، وقلتُ: يجوزُ أن يطابقه من حيث انضمام (لا يَبْلَى) مع الملك؛ لأنه حينئذ كنايةٌ عن الخلود، فهو بمنزلة (أَوْ تَكُونَا مِنْ الْخَالِدِينَ) هناك.
следующие страницы →