← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 5216–5255 · переход к 5221.

стр. 5216

قلت: "إن" لا تدخل على"أن" فلا يُقال: إن أن زيداً منطلق، والواو نائبة عن "إنّ" وقائمة مقامها فلم أدخلت عليها؟ قلت: الواو لم توضع لتكون أبداً نابة عن "إنْ"، إنما هي نائبة عن كل عامل، فلما لم تكن حرفا ًموضوعاً للتحقيق خاصة كـ"إن" لم يمتنع اجتماعهما كما امتنع اجتماع إن وأن. الشبع والرىّ والكسوة والكنّ: هي الأقطاب التي يدور عليها كفاف الإنسان، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال الزجاج إذا كُسرت فعلى الاستئناف وعطفِ جملةٍ على جملة، وإذا فُتحت فعلى معنى أن لك أن لا تظمأ فتنسقَ بأنك على قوله: (أَلاَّ تَجُوعَ) ويكونُ (أَنَّكَ) في موضع نصب. ويجوزُ أن يكون ف موضع رفع والعطفُ على محل إن واسمها. لأن معنى إن زيداً قائم: زيدٌ قائمٌ، فالمعنى: وذلك أنك لا تظمأ، وقال أبو البقاء: وجاز أن تقع "أن" المفتوحة معمولة لـ"إن" لما فُصلَ بينهما، التقديرُ: إن لك الشبع والري، وقيل: يجوز: إن عندنا أن زيداً منطلق. قوله: (الواو لم توضع لتكون أبداً نائبة عن "إنّ" إنما هي نائبة عن كل عامل)، قال صاحبُ "التقريب": يريدُ أن الواو تنوبُ عن كل عامل، ولم توضع للتحقيق خاصةً، والممتنعُ تلاقي حرفين موضوعين للتحقيق: وقلتُ: يعني أن الواو نابت مناب "إنّ"، لكن بالنظر إليها واعتبار وضعها ليست نصاً في التحقيق مثل "إنّ"، فلا يُهملُ وضعُها الحقيقيُّ. وقال القاضي: حرفث العطف وإن ناب عن "إنّ"، لكنهُ نابَ من حيث إنهُ عاملٌن لا من حيث إنه حرفُ تحقيق. وقيل: الواوُ وإن كانت نائبةً إلا أنها ليست في قوة المنوب عنه، فلذلك عومل معها ما لا يُعاملُ معه، كقولك: ليس زيدٌ قائماً ولا قاعداً، ولا يجوزُ أن تقول: ليس لا قاعداً قوله: (الشبعُ والريُّ والكسوةُ والكِنّ)، أُوردَ على خلاف ما عليه ترتيبُ الآية ليشيرَ

стр. 5217

فذكره استجماعها له في الجنة، وأنه مكفى لا يحتاج إلى كفاية كاف ولا إلى كسب ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إلى أنه من باب التتميم والاستيعاب، يعني كان من الظاهر أن يُضم الشبعُ والريُّ في قرنٍ واحد، و"الكسوةُ والكِنُّ" في آخر، فخولفَ لينبه على أن المذكور هي الأقطابُ التي يدورُ عليها الكفافُ، يعني إنما ضم الشبع واللبس ليؤذن بعدم استغناء الإنسان عنهما، وأنهما من أصولِ النعم، وجمع الاستلال والري ليُشير إلى أنهما تابعان لهُما ومُكملانِ لمنافعهما، وهذا أدخل في الامتنان من الظاهر، لما في تقديم أصول النعم وجلائلها، وإرداف توابعها ولواحقها: الإعلام باستجلابها لسائر ما يُفتقرُ إليها في الكفاف، كما سبق في تقديم (الرحمن) على (الرحيم). وينصرُ هذا التأويل اختلاف العبارتين في الفقرتين، وهو: (إِنَّ لَكَ) و (وَانُكُ) و (أَلاَّ) و (لَا)، فدلت الأولى على استقرار الإكرام وثبوت الاحترام بتقدير متعلقِ الخبر، وإتيانِ اللام، وكذا في تنسيق المذكورات الأربعة مرتبةً هكذا مُقدماً ما هو الأهمُّ فالأهمّ، ثم في جعلها تفصيلاً لمضمون قوله: (فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنْ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى) وتكرير لفظةِ (فيها)، وإخراجها في صيغة النفي مُكررةَ الأداء، الإيماءُ إلى التعريض بأحوالِ الدنيا، وأنه لابد من مقاساتها فيها، لأنها خُلقت لذلك، وأن الجنةَ ما خُلقت إلا للتنعيم ولا يتصور فيها غيره، وما ذكره من تصوير ما يُنفر السامع ويحذره حتى يُتحامى بعضٌ من ذلك. قوله: (استجماعها)، وفي بعض النسخ: "اجتماعها"، هو ثاني مفعولي "ذَكَّرَ"، أي: ذكر اللهُ تعالى آدم استجماع هذه الأشياء له في الجنة، أي: اجتماعها. المُغرب: استجمعت للمرء أموره: اجتمع له ما يحبه. وهو لازمٌ، وقولهم: استجمع الفرس جرياً. نصبٌ على التمييز، وأما قول الفقهاء: مستجمعاً شرائط الجمعة، فليس بثَبْت. واللامُ في لنقائضها لضعفِ عملِ النفي بسبب التعريفِ أو الفرعية.

стр. 5218

كاسب كما يحتاج إلى ذلك أهل الدنيا، وذكرها بلفظ النفي لنقائضها التي هي الجوع والعرى والظمأ والضحو، ليطرق سمعه بأسامى أصناف الشقوة التي حذره منها، حتى يتحامى السبب الموقع فيها كراهة لها. (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى) [طه: ١٢٠]. فإن قلت: كيف عدى "وسوس" تارة باللام في قوله (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ)] الأعراف: ٢٠ [، وأخرى ب (إلى) قلت: وسوسة الشيطان كولولة الثكلى «١» ووعوعة الذئب ووقوفة الدجاجة، في أنها حكايات للأصوات وحكمها حكم صوت وأجرس. ومنه: وسوس المبرسم، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كيف عدى "وسوسَ"؟ )، سؤالٌ عن موقع استعماله مع حرفِ الجرِّ، ووجهِ صحته وتحقيق وضعه، قال الجوهري: (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ) يريدُ: إليهما، ولكن العرب تُوصلُ بهذه الحروف كلها الفعل. وأجاب: أن "وسوس" مأخوذٌ من الوسوسة، وهي: حكايةُ صوتٍ وحكمها حم "صوت"، وكذا وكذا، وهو فعلٌ لازمٌ، فإذا عُدي باللام كان لبيان الموسوس له كما في قوله تعالى: (هَيْتَ لَكَ) [يوسف: ٢٣]، وقوله: أجرس لها، واللامُ من صلة الفعل. وأما في الأصوات فللبيان، وإذا عُدي بـ"إلى" ضُمنَ معنى الإنهاء. المُغرب: الوسوسة: الصوتُ الخفي. يقال: وسوس الرجلُ بلفظ ما سُمي فاعله: إذا تكلم بكلام خفي يكرره، وهو فعلٌ لازمٌ، كولولت المرأة، ووعوع الذئب، ورجلٌ موسوسٌ بالكسر، ولا يقال بالفتح، ولكن موسوسٌ إليه أو له، أي: تُلقى إليه الوسوسةٌ، وقال أبو الليث: الوسوسةُ: حديثُ النفس، وإنما قيل: موسوس لأنه يحدثُ بما في ضميره. قوله: (وسوس المُبَرْسَمُ)، المُغرب: بُرْسِمَ الرجل، على ما لا يسم فاعله، فهو مبرسمٌ

стр. 5219

وهو موسوس بالكسر. والفتح لحن. وأنشد ابن الأعرابى: وسوس يدعو مخلصا ربّ الفلق فإذا قلت: وسوس له، فمعناه لأجله، كقوله: أجرس لها يا ابن أبي كباش ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بفتح السين: إذا أخذه البرسامُ، بالكسر، وفي "التهذيب": بالفتح، وهو معربٌ، عن ابن دُريد، وفي "الأسباب والعلامات": هو ورمٌ يحدثُ في الحجاب المعترض بين الكبد والمعدة، فيزولُ العقلُ لاتصالِ هذا الحجاب بحجُبِ الدماغ. قوله: (وهو موسوسٌ بالكسر، والفتحُ لحن)، قال الحريري في "دُرةِ الغواص": يقولون: باقلاء مُدود، وطعامٌ مسوس، ورجلٌ موسوس، وخبزٌ مُكَرَّجن ومتاعٌ مقارب، يفتحون ما قبل الحرف الأخير من كل كلمة، والصوابُ كسره. ويقالُ في الفعل من المدود: قد داد، وأداد، ودود، وديد. قوله: (وسوس يدعو مخلصاً رب الفلق)، تمامُه: سراً وقد أون تأوين العقق … في الزرب لو يمضغ شريا ما بصق أون البعيرُ: إذا عظُم بطنه من شُرب الماء. والعقق: جمعُ عقوق، وهي الحاملُ. وسوس: صوتُ حكايةً للصوت؛ لأن رؤبة يصفُ قانصاً يُخفي شخصه ويخفتُ صوته حتى إنه لو مضغ حنظلاً ما بصق خوفاً من أن يُحسه الصيدُ فينفر. الأساس: ومن المجاز: الصائد في زربه وزريبته وهي قترته، شُبهت بزرب البُهم. قوله: (أجرس لها يا ابن أبي كباش)، تمامه في "المطلع":

стр. 5220

ومعنى «وسوس إليه» أنهى إليه الوسوسة، كقولك. حدّث إليه. وأسرّ إليه. أضاف الشجرة إلى الخلد وهو الخلود، لأن من أكل منها خلد بزعمه، كما قيل لحيزوم: فرس الحياة، لأنّ من باشر أثره حيي (وَمُلْكٍ لا يَبْلى) دليل على قراءة الحسن بن على وابن عباس رضى الله عنهم: (إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ)] الأعراف: ٢٠ [بالكسر. (فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى) [طه: ١٢١] «طفق يفعل كذا» مثل: جعل يفعل، وأخذ، وأنشأ. وحكمها حكم كاد في وقوع الخبر فعلا مضارعا، وبينها وبينه مسافة قصيرة هي للشروع في أوّل الأمر. وكاد لمشارفته والدنوّ منه. قرئ (يَخْصِفانِ) للتكثير والتكرير، من خصف النعل وهو أن ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فما لها الليلة من إنفاش أجرس لها، أي: أحدُ للإبل لتسمع الحُداء فتسير، وهو مأخوذٌ من الجرس وهو الصوتُ، وجرس الطيرُ: صوتتْ بمناقيرها على شيء تأكله، قوله: "لها"، أي: لأجلها، الإنفاشُ: من: أنفش الغنم: إذا تركها ترعى ليلاً بلا راعٍ، أي: سر بها ولاتتركها الليلة لترعى. قوله: ((وَمُلْكٍ لا يَبْلَى) دليلٌ على قراءة الحسن … : "إلا أن تكونا ملكين" بالكسر) في الأعراف؛ لأن المُلك غيرُ مطابق للملكين بالفتح، وقلتُ: يجوزُ أن يطابقه من حيث انضمام (لا يَبْلَى) مع الملك؛ لأنه حينئذ كنايةٌ عن الخلود، فهو بمنزلة (أَوْ تَكُونَا مِنْ الْخَالِدِينَ) هناك.

стр. 5221

يخرز عليها الخصاف، أى: يلزقان الورق بسوآتهما للتستر وهو ورق التين. وقيل كان مدورا فصار على هذا الشكل من تحت أصابعهما. وقيل كان لباسهما الظفر، فلما أصابا الخطيئة نزع عنهما وتركت هذه البقايا في أطراف الأصابع. عن ابن عباس: لا شبهة في أنّ آدم لم يمتثل ما رسم الله له، وتخطى فيه ساحة الطاعة، وذلك هو العصيان. ولما عصى خرج فعله من أن يكون رشدا وخيرا، فكان غيا لا محالة، لأنّ الغى خلاف الرشد، ولكن قوله (وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى) بهذا الإطلاق وبهذا التصريح، وحيث لم يقل: وزل آدم وأخطأ وما أشبه ذلك، مما يعبر به عن الزلات والفرطات: فيه لطف بالمكلفين ومزجرة بليغة وموعظة كافة، وكأنه قيل لهم: انظروا واعتبروا كيف نعيت على النبي المعصوم حبيب الله الذي لا يجوز عليه إلا اقتراف الصغيرة غير المنفرة زلته بهذه الغلطة وبهذا اللفظ الشنيع، فلا تتهاونوا بما يفرط منكم من السيئات والصغائر، فضلا أن تجسروا على التورّط في الكبائر. وعن بعضهم (فَغَوى) فبشم «١» من كثرة الأكل، وهذا - وإن صح على لغة من يقلب الياء المكسور ما قبلها ألفا فيقول في «فنى، وبقي»: «فنا، وبقا» وهم بنو طىّ - تفسير خبيث. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كان لباسهما الظُّفر)، النهاية: أي: شيءٌ يشبه الظفر في بياضه وصفائه وكثافته. قوله: (فيه لطفٌ للمُكلفين ومزجرةٌ بليغة)، خبرُ "لكن"، أي: لكن قوله كيت وذيت فيه لطف، يعني: كان من الظاهر أن يُقال في حقه: زل وأخطأ، فجعلهُ عاصياً ثم أوقع الغي مسبباً عنه للتغليظ، كما قال تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ) [آل عمران: ٩٧]، يدُلُّ عليه قوله بهذه الغلظة. قوله: (فَبشِم)، الجوهري: البشمُ: التخمة، يقال: بشمتُ من الطعام، وبشم الفصيلُ من كثرةِ شُربِ اللبَن.

стр. 5222

(ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى) [طه: ١٢٢]. فإن قلت: ما معنى (ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ) قلت: ثم قبله بعد التوبة وقرّبه إليه، من جبى إلىّ كذا فاجتبيته. ونظيره: جليت علىّ العروس فاجتليتها. ومنه قوله (وَإِذا لَمْ تَاتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها) أى هلا جبيت إليك فاجتبيتها. وأصل الكلمة الجمع. ويقولون: اجتبت الفرس نفسها إذا اجتمعت نفسها راجعة بعد النفار. و (وهَدى) أى وفقه لحفظ التوبة وغيره من أسباب العصمة والتقوى. (قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى) [طه: ١٢٣]. لما كان آدم وحواء ﵉ أصلى البشر، والسببين اللذين منهما نشؤا وتفرعوا: جعلا كأنهما البشر في أنفسهما، فخوطبا مخاطبتهم، فقيل (فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ) على لفظ الجماعة ونظيره إسنادهم الفعل إلى السبب، وهو في الحقيقة للمسبب ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (جُبي إليّ كذا فاجتبيتُه)، من قولك: اجتبى الشيء بمعنى جباهُ لنفسه، أي: جمعه، فقوله: هلا جُبيت إليك فأجتبيتها؟ معناه: هلا جُمعت إليك فاجتمعتها افتعالاً من عند نسك؟ فإنهم كانوا يقولون: (إِنْ هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ) [الفرقان: ٤]. قوله: (جُليت عليَّ العروسُ فاجتليتُها)، أي: نظرتُ إليها مجلوةً. قوله: ((وَهُدًى) أي: وقفه لحفظ التوبة)، فسر الهداية المطلقة لاقترانها بالتوبة بما يناسبها تتميماً، فعلى هذا ينبغي أن يفسر الغواية في قوله: (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى) بما يناسب العصيان من متابعة هو النفس بتسويل الشيطان، لا بالغواية الحقيقية، كقول إخوة يوسف: (إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) [يوسف: ٨]. قوله: (ونظيره: إسنادهم الفعل إلى السبب، وهو في الحقيقة للمسبب)، نحو: بنى الأميرُ المدينة، وكسى الخليفةُ الكعبة، يعني: خوطب آدمُ وحواءُ بقوله: (بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ)

стр. 5223

(هُدىً) كتاب وشريعة. وعن ابن عباس: ضمن الله لمن اتبع القرآن أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة، ثم تلا قوله (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى) ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لأنه حالٌ من الضمير في (اهْبِطَا)، أي: متعادين، عقب بقوله: (فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى) على لفظ الجماعة، ولم تحصل منهما العداوة ولا كانا تابعين لأحدٍ من الأنبياء، لكن لما كانا سببي البشري ومنهما نشؤوا، جُعلا كأنهما البشرُ فخوطبا مخاطبتهم، وفي عكسه خطابُ اليهود في زمن الرسول ﷺ بنحو قوله: (وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمْ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ) [البقرة: ١٥٥]. قوله: (وعن ابن عباس: ضمن الله لمن اتبع القرآن أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة)، ونحوه في "المعالم" عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وعن الشعبي، عن ابن عباس. وقلتُ: هذا إشارة إلى الترجيع الذي بُنيت هذه السورة الكريمة عليه كما سبق، وإلا فلم خصه بالقرآن هاهنا وتركه في البقرة على العموم والقصة القصةُ؟ حيث قال: (فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى) [البقرة: ٣٨] برسولٍ أبعثه إليكم وكتاب أنزله عليكم، بدليل قوله: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا) [البقرة: ٣٩] في مقابلة قوله: (كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا)، روينا عن أبي داود عن سعد بن عبادة، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من امرئ يقرأ القرآن ثم ينساه إلا لقي الله يوم القيامة أجذم"، وزاد رزين: واقرؤوا إن شئتم: قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى)، وإنما خص خير الأمة بأنها لا تضل بالدنيا ولا تشقى بالآخرة؛ لأن قصة آدم ﵇ كانت مصدرةً بقوله: (فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنْ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى) ومختتمة بقوله: (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى) [طه: ١٢١]، وأنهما

стр. 5224

والمعنى أنّ الشقاء في الآخرة هو عقاب من ضلّ في الدنيا عن طريق الدين فمن اتبع كتاب الله وامتثل أوامره وانتهى عن نواهيه نجا من الضلال ومن عقابه. (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى (١٢٤) قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً (١٢٥) قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى) [طه: ١٢٤ - ١٢٦]. الضنك: مصدر يستوي في الوصف به المذكر والمؤنث. وقرئ (ضَنْكاً) على (فعلى). ومعنى ذلك: أن مع الدين التسليم والقناعة والتوكل على الله وعلى قسمته فصاحبه ينفق ما رزقه بسماح وسهولة، فيعيش عيشا رافغا كما قال : ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مقابلان لقوله: (فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) [طه: ١٢٤]. قوله: (الضنك: مصدر)، الراغب: (ضَنكاً) أي: ضيقاً، وقد ضنُكَ عيشه، وامرأةٌ ضناكُ: مكتنزةٌ. والضناك: الزكامُ، والمضنوك: المزكوم. قوله: (أن مع الدين التسليم)، تأويل المعنى قوله: (ذِكْرَى) [طه: ١٢٤] المرادُ به القرآن؛ لأن الدين منه، ويؤيده قوله: (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ) [المائدة: ٦٦]. قوله: (فيعيش عيشاً رافعاً)، الجوهري: الرفعُ: السعةُ والخصبُ، يقالُ: رفع عيشه- بالضم- رفاعةً: اتسع فهو عيشٌ رافعٌ ورفيع، أي: واسعٌ طيب. الراغب: العيشُ: الحياةُ المختصةُ بالحيوان، وهو أخص من الحياة؛ لأن الحياة تقالُ في الحيوان، وفي البارئ وفي الملك، وتشتق منه المعيشة لما يُتعيشُ منه؛ قال تعالى: (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) [الزخرف: ٣٢]، وقال في أهل الجنة: (فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ) [القارعة: ٧]، وقال ﷺ : "لا عيش إلا عيشُ الآخرة".

стр. 5225

(فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً) [النحل: ٩٧]، والمعرض عن الدين، مستول عليه الحرص الذي لا يزال يطمح به إلى الازدياد من الدنيا، مسلط عليه الشح الذي يقبض يده عن الإنفاق، فعيشه ضنك وحاله مظلمة، كما قال بعض المتصوّفة: لا يعرض أحد عن ذكر ربه إلا أظلم عليه وقته وتشوّش عليه رزقه. ومن الكفرة من ضرب الله عليه الذلة والمسكنة لكفره: قال الله تعالى (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ)] البقرة: ٦١ [، وقال: (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ)] المائدة: ٦٦ [وقال (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ)] الأعراف: ٩٦ [، وقال (فَقُلتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً)] نوح: ١١ - ١٢ [وقال (وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً)] الجن: ١٦ [، وعن الحسن: هو الضريع والزقوم في النار. وعن أبى سعيد الخدري: عذاب القبر. وقرئ (وَنَحْشُرُهُ) بالجزم عطفا على محل (فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً) ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وعن الحسنِ: هو الضريع)، عطفٌ على قوله: "إن مع الدين التسليم والقناعة" إلى آخره من حيث المعنى، يعني: معنى (مَعِيشَةً ضَنكاً): إما ما يلقاه المعرضُ في الدنيا من الضيق في العيش بسبب الحرص وجمع المال أو الذلة والمسكنة أو قلة الرزق أو الابتلاء بالجدب والقحط، وغما ما يلقاه في الآخرة من أكل الزقوم والضريع، وقال الله: (يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَاتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ) [إبراهيم: ١٧]، فتلخيصه: المعرضُ عن الدين شأنه في الدنيا كيت وكيت، وعيشه ضنك، وعن الحسن: المُعرِضُ عن الدين شأنه في الآخرة أكلُ الضريع والزقوم، يشهدُ للقول الأول رعاية التقابل، فإن قوله: (فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) مقابلٌ لقوله: (فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى) كما سبق.

стр. 5226

لأنه جواب الشرط. وقرئ: (ونحشره)، بسكون الهاء على لفظ الوقف، وهذا مثل قوله (وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا)] الإسراء: ٩٧ [وكما فسر الزرق بالعمى (كَذلِكَ) أى مثل ذلك فعلت أنت، ثم فسر بأن آياتنا أتتك واضحة مستنيرة، فلم تنظر إليها بعين المعتبر ولم تتبصر، وتركتها وعميت عنها، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وهذا مثل قولهم)، (وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وَجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً) [الإسراء: ٩٧]؛ لأنه من أعمى البصر. وقيل: أعمى عن الحجة لقوله: (كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا)، والوجه هو الأول لقوله: (لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً). قوله: (وكما فُسر الزرقُ بالعمى)، يعني: في قوله تعالى: (وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً) [طه: ١٠٢]، قال: العمى؛ لأن حدقة من يذهب بنور بصره تزراق. قوله: (ثم فُسر بأن آياتنا أتتك)، يعني: لما قال القائل: (لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً) وأجيب بقوله: (كَذَلِكَ) والمشار إليه السابق، أي: كما أنا حشرناك أعمى وكنت بصيراً، مثل ذلك فعلتَ أنت، قال: ما فعلتُ يا ربِّ؟ فقيل: أتتك آياتنا واضحة مستنيرةً، وأنت بصيرٌ صحيحٌ، فعميت عنها. فلما وضع في التنزيل موضع فعميت عنها: فنسيت وضعاً للمسبب موضع السبب؛ لأن من عمي عن شيء نسيه وتركه، رتب عليه: (وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى)، ولذلك بدل المصنفُ الواو بالفاء. وأما معنى (َكَذَلِكَ) الثالث فالتذييلُ والتقرير، ولذلك عم المعنى بقوله: (مَنْ أَسْرَفَ) فالمشبهُ في التشبيه الأول فعلُهم، وهو عماهم عن الآيات، والمشبه به حشرهم أعمى، وفي التشبيه الثاني المشبه: فعلُ الحق وهو تركه إياهم على عماهم، والمشبه به: تركهم آيات الله، وفي التشبيه الثالث المشبه به: الجزاء الخاص والمشبه الجزاء العام. قوله: (أتتك واضحةً مستنيرةً). هذا إذا فسر الآيات بالدلائل الظاهرة والمعجزات

стр. 5227

فكذلك اليوم نتركك على عماك ولا نزيل غطاءه عن عينيك. (وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى) [طه: ١٢٧]. لما توعد المعرض عن ذكره بعقوبتين: المعيشة الضنك في الدنيا، وحشره أعمى في الآخرة - ختم آيات الوعيد بقوله (وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى) كأنه قال: وللحشر على العمى الذي لا يزول أبدا أشدّ من ضيق العيش المنقضى. أو أراد: ولتركنا إياه في العمى أشدّ وأبقى من تركه لآياتنا. (أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى) [طه: ١٢٨]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الباهرة، ويجوزُ أن تُحمل الآياتُ على آي القرآن، وإتيانُها حفظُها وتعاهدها ليلاً ونهاراً، وقضية النظم يساعدُ؛ فإن قوله تعالى: (فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى) [البقرة: ٣٨]، دالٌّ عليه، لما أن المراد باهلدى، رسول يبعثه، وكتابٌ ينزله كما مر في أول البقرة؛ فقوله: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي)، معطوفٌ على قوله: (فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ)، وهو جوابٌ للشرط، فيكون المعنى: ومن أعرض عن هداي، ومن الهُدى الكتابُ المنزل. والإعراضُ عنه: غما بأن لا يقبل رأساً، أو لا يُعمل بهن أو يحفظُ ولا يتعاهدُ فينسى، فيقالُ له: أتتك آياتنا، أي حفظتها ثم نسيتها، وكذلك اليوم تترك من لطفنا ورمتنا، ويؤيده ما روينا عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "عُرضت عليَّ أجورُ أمتي، حتى القذاةُ يخرجها الرجل من المسجد، وعرضت ذنوبُ أمتي، فلم أر ذنباً أعم من سورة من القرآن، أو آية أوتيها رجلٌ ثم نسيها". رواه الترمذي، وأبو داود. قوله: (لما توعد المعرض)، يريد: أن قوله: (وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ) إما مؤكدٌ لمعنى قوله: (وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) ومبينٌ لما قصد به، أو لقوله: (وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى).

стр. 5228

فاعل (لمْ يَهْدِ) الجملة بعده يريد: ألم يهد لهم هذا بمعناه ومضمونه. ونظيره قوله تعالى (وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ)] الصافات: ٧٩ - ٨٠ [، أى تركنا عليه هذا الكلام. ويجوز أن يكون فيه ضمير الله أو الرسول، ويدل عليه القراءة بالنون. وقرئ (يَمْشُونَ) يريد أنّ قريشا يتقلبون في بلاد عاد وثمود ويمشون (فِي مَساكِنِهِمْ) ويعاينون آثار هلاكهم. (وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى) [طه: ١٢٩]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وفاعلُ (أَفَلَمْ يَهْدِ) الجملة)، قال صاحبُ "الكشف": فاعلُ (يَهْدِ) مضمرٌ، والمعنى: أفلم يتبين لهم إهلاكنا؟ ولا يكونُ كم في (كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ الْقُرُونِ) فاعلاً ولا مفعولاً؛ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، ولكنه منصوبٌ بـ (أَهْلَكْنَا)، فهو مفعولٌ مقدم، أي: وكثيراً من القرى أهلكنا، وإذا كان الضمير في (يَهْدِ) لله أو للرسول، فـ (كَمْ أَهْلَكْنَا) لجملة في تأويل المفعول. قال المصنف في قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ) [الأعراف: ١٠٠]، إنما عُدي فعل الهداية باللام؛ لأنه بمعنى التبيين. فإذا قرئ بالنون كان المعنى: أولم يهد لهم هذا الشأن؟ كذلك المعنى: أولم يتبين لقريش هذا الشأن، وهو إهلاكنا كثيراً من القرى الخالية والحالُ أنهم يمشون في مساكنهم، والبيان مثل قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) [الروم: ٩]. في "اللباب": قال الكوفيون: فاعله: (كَمْ أَهْلَكْنَا)، وهذا لا يجوز عند البصريين؛ لأن الجملة لا تكون فاعلةً، وقالوا: فاعله مضمرٌ يفسره (كَمْ أَهْلَكْنَا) والباء في قول المصنف بمعناه، مثله: كتبتُ بالقلم، أي: فاعلُ (أَوَلَمْ يَهْدِ) هذا بواسطة مضمونه.

стр. 5229

الكلمة السابقة: هي العدة بتأخير جزائهم إلى الآخرة، يقول: لولا هذه العدة لكان مثل إهلاكنا عادا وثمودا لازما لهؤلاء الكفرة. واللزام: إما مصدر (لازَمَ) وصف به، وإما فعال بمعنى (مفعل)، أى ملزم، كأنه آلة اللزوم لفرط لزومه، كما قالوا: لزاز خصم (وَأَجَلٌ مُسَمًّى) لا يخلو من أن يكون معطوفا على (كَلِمَةٌ) أو على الضمير في (كَانَ) أى لكان الأخذ العاجل وأجل مسمى لازمين لهم كما كانا لازمين لعاد وثمود، ولم ينفرد الأجل المسمى دون الأخذ العاجل. (فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى) [طه: ١٣٠]. (بِحَمْدِ رَبِّكَ) في موضع الحال، أى: وأنت حامد لربك على أن وفقك للتسبيح وأعانك عليه. والمراد بالتسبيح الصلاة. أو على ظاهره قدم الفعل على الأوقات أوّلا، والأوقات على الفعل آخرا، فكأنه قال: صل لله قبل طلوع الشمس يعنى الفجر، وقبل غروبها يعنى الظهر والعصر، لأنهما واقعتان في النصف الأخير من النهار بين زوال الشمس وغروبها، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (هي العدةُ بتأخير جزائهم إلى الآخرة)، قال القاضي: أي: تأخير عذاب هذه الأمة. قوله: (لزأزُ خصم)، أي: مُلِحٌّ. الأساس: هذا لزازُ الباب؛ لنجافه الذي يُلز به، وإنهُ لزازٌ خصمٌ، ولزاز مالٍ: مصلحٌ له، والنجافُ: العتبةُ. قوله: (من أن يكون معطوفاً على (كَلِمَةُ)، قال صاحب "الكشف": التقدير: لولا كلمةٌ سبقت من ربك لكان لزاماً وأجلٌ مسمى لكان العذابُ لازماً لهم، فصل بين المعطوف والمعطوفِ عليه بـ"كان" واسمها وخبرها.

стр. 5230

وتعمد آناء الليل وأطراف النهار مختصا لهما بصلاتك، وذلك أن أفضل الذكر ما كان بالليل، لاجتماع القلب وهدو الرجل والخلو بالرب. وقال الله (إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلًا)] المزمل: ٦ [، وقال (أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً)] الزمر: ٩ [، ولأنّ الليل وقت السكون والراحة، فإذا صرف إلى العبادة كانت على النفس أشد وأشق، وللبدن أتعب وأنصب، فكانت أدخل في معنى التكليف وأفضل عند الله. وقد تناول التسبيح في آناء الليل صلاة العتمة، وفي أطراف النهار صلاة المغرب وصلاة الفجر على التكرار، إرادة الاختصاص، كما اختصت في قوله (حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى)] البقرة: ٢٣٨ [عند بعض المفسرين. فإن ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وتعمد آناء الليل)، قال صاحب "المطلع": أي: بعض ساعات الليل، واحدها: أني، مثل: رحى، وإني: كمعي، وإني: كنحي. قوله: (مختصاً لهما بصلاتك)، اعتبر في تقديم الظرف الاختصاص، وقدر "تعمدْ" لقرب معناهُ من قوله تعالى: (وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) [البقرة: ٤٠] أي: إياي ارهبوا فارهبون، وأريد بالاختصاص: الاهتمام؛ لأنه ليس المراد: خصص هذين الوقتين بالصلاة دون غيرهما، ويجوز أن يراد الاختصاص، أي: تعمد هذين الوقتين بالفضل وخصص فضيلتهما على سائر الأوقات. قوله: (وهدوء الرجل)، الجوهري: أتانا فلانٌ هدوءاً، أي: بعد نومه، وبعدما هدأ الناس، أي: ناموا، والرواية: "هدو الزجل" بالزاي والجيم المفتوحة: الصوت. قوله: (عند بعض المفسرين)، وهو مجاهدٌ، لقوله في قوله تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى) [البقرة: ٢٣٨]: الوسطى هي الفجر؛ لأنها بين صلاتي النهار وصلاتي الليل، وبيان التشبيه هو أن (قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا) تناول صلاة الفجر والظهر والعصر، و (وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ): صلاة العتمة، ثم جيء بقوله: (وَأَطْرَافَ النَّهَارِ) فعُلِمَ

стр. 5231

قلت: ما وجه قوله (وَأَطْرافَ النَّهارِ) على الجمع، وإنما هما طرفان كما قال (أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ)] هود: ١١٤ [؟ قلت: الوجه أمن الإلباس، وفي التثنية زيادة بيان. ونظير مجيء الأمرين في الآيتين: مجيئهما في قوله: ظهراهما مثل ظهور الترسين ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ منه صلاةُ المغرب وصلاةُ الفجر، على أن صلاة الفجر كررتْ على تلك الوتيرة، أي: على عطفِ الخاص على العام، فقوله: "على التكرار" متعلقٌ بصلاة الفجر بدليل قوله: "كما اختصت" أي: صلاةُ الفجر، لا صلاةُ المغرب والفجر كما ظن. قوله: (مجيء الأمرين)، أي: التثنية والجمع. قوله: (ظهراهما مثل ظهور الترسين)، قبله: ومهمهين فدفدين مرتين وبعده: جبتهما بالنعت لا بالنعتين المهمه: المفازة البعيدة، والرتُ، بسكون الراء: مفازةٌ لا نبت فيها ولا ماء، والفدفدُ: الأرض المستوية. والواوُ بمعنى رُبَّ وجوابُها: جُبتهُما، وظهراهُما: صُلباهما؛ لأن ظهرَ التُّرسِ يأتي بالنعتِ بالفرس، فرس نعتٌ: متناهٍ في الجري؛ لأن النعت: وصفُكَ الشيء بما فيه من الحُسن، هكذا ذكر الخليلُ، وكل شيءٍ جيدٍ بالغٍ فيه فهو نعتٌ. وقيل: المرادُ قطعُها ولم ُنعت لي إلا مرةً واحدةً يصفُ نفسه بالفطانة الخبرة بسلوك المفاوز. وقيل: إنما قال: ظهورُ الترسين، كراهة الجمع بين التثنيتين أحداهما في المضاف وثانيتهما في المضاف إليه، كقوله تعالى: (فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا) [التحريم: ٤].

стр. 5232

وقرئ: (وأطراف النهار)، عطفا على (آناء الليل)، و (لعل) للمخاطب، أى: اذكر الله في هذه الأوقات، طمعا ورجاء أن تنال عند الله ما به ترضى نفسك ويسر قلبك. وقرئ: (ترضى)، أى يرضيك ربك. (وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى) [طه: ١٣١]. (وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ) أى نظر عينيك، ومدّ النظر: تطويله، وأن لا يكاد يرده، استحسانا للمنظور إليه وإعجابا به، وتمنيا أن يكون له، كما فعل نظارة قارون حين قالوا (يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ)] القصص: ٧٩ [، حتى واجههم أو لو العلم والإيمان ب (وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً)] القصص: ٨٠ [وفيه أن النظر غير الممدود معفو عنه، وذلك مثل نظر من باده الشيء بالنظر ثم غض الطرف، ولما كان النظر إلى الزخارف كالمركوز في الطباع، وأنّ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ولعل للمخاطب)، أي: الترجي راجعٌ إلى المخاطب، كما أن الشك في قوله تعالى: (أَوْ يَزِيدُونَ) [الصافات: ١٤٧] راجعٌ إلى المخاطب لا إلى المتكلم . قوله: (وقرئ: "تُرْضَى")، بضم التاء: الكسائي. الراغبُ: رضي يرضى رضاً فهو مرضي ومرضُوٌّ، ورضا العبد عن الله: أن لا يكره ما يجري به قضاؤه، ورضا الله عن العبد هو: أن يراه مؤتمراً لأمره ومنتهياً عن نهيه، قال الله تعالى: (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) [البينة: ٨]. قوله: (باده الشيء)، بادهه: فاجأه، والاسم البداهة والبديهة

стр. 5233

من أبصر منها شيئا أحب أن يمدّ إليه نظره ويملأ منه عينيه: قيل (وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ) أى لا تفعل ما أنت معتاد له وضاربه، ولقد شدّد العلماء من أهل التقوى في وجوب غض البصر عن أبنية الظلمة وعدد الفسقة في اللباس والمراكب وغير ذلك، لأنهم إنما اتخذوا هذه الأشياء لعيون النظارة، فالناظر إليها محصل لغرضهم، وكالمغري لهم على اتخاذها (أَزْواجاً مِنْهُمْ) أصنافا من الكفرة. ويجوز أن ينتصب حالا من هاء الضمير، والفعل واقع على (مِنْهُمْ) كأنه قال: إلى الذي متعنا به -وهو أصناف- بعضهم وناسا منهم. فإن قلت: علام انتصب (زَهْرَةَ)؟ قلت: على أحد أربعة أوجه: على الذم وهو النصب على الاختصاص. وعلى تضمين (مَتَّعْنا) معنى أعطينا وخوّلنا، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((أَزْوَاجاً مِنْهُمْ): أصنافاً من الكفرة)، الراغبُ: الزوجُ يقال لكل من القرينتين من الذكر والأنثى، في الحيوانات المتزاوجة وفي غيرها، كالخُف والنعل، ولكل ما يقترنُ بآخر مماثلاً له أو مضادا. قال تعالى: (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ) [الصافات: ٢٢]. أي: أقرانهم المقتدين بهم في أفعالهم. وقال تعالى: (وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ) [طه: ١٣١] أي: أشباهاً وأقراناً. قوله: (ويجوزُ أن ينتصب حالاً من هاء الضمير)، أي: في (بهِ)، وتقديره: وهو أصنافٌ. وقوله: (منهم) على هذا: مفعولٌ به، والعاملُ (مَتَّعْنَا)، و"مِن": للتبعيض، و"ناسا" في الكتاب تفسيرٌ لقوله: بعضهم، المعنى: لاتمدن عينيك إلى أصناف الزخارف التي متعنا بها بعضاً من الكفرة كالملابس الفاخرة والمناكح المؤنقة والمراكب الفائقة والروائح الطيبة، وعلى الأول كان الفعلُ واقعاً على (أَزْوَاجاً) و (مِنْهُمْ): صفةٌ، و"مِن": بيانٌ، أي: لا تُمدنَّ عينيكَ إلى الزخارف التي متعنا بها أصنافاً من الكفرة اليهود والنصارى والمشركين، قال صاحب "التقريب": (مِنْهُمْ) هو المفعولُ به. قوله: (وعلى تضمين (مَتَّعْنَا) معنى أعطينا وخولنا)، أي: ملكنا، قال صاحبُ

стр. 5234

وكونه مفعولا ثانيا له. وعلى إبداله من محل الجار والمجرور. وعلى إبداله من ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ "التقريب": فالباء في (بهِ) على هذا: للآلة، أي: إلى المال الذي أعطينا بسببه الكُفار (زَهْرَةَ)، إذ لو كان صلة (مَتَّعْنَا) لزم أن يكون له ثلاثةُ مفاعيل. وقال ابن الحاجب في "الأمالي": الأظهر أن تكون (زَهْرَةَ) منصوباً بفعل مضمرٍ دل عليه الكلام أي: جعلنا لهم أزواجاً، أو آتيناهم؛ لأنه إذا متعهم بها جعلها لهم وآتاها إياهم، وهذا قولُ الزجاج. وقال ابن الحاجب: ويجوزُ أن يكون الفعلُ المقدر: قولنا، أعني: بياناً لـ (مَا) أو للضمير في (به) أو لـ (أَزْوَاجاً) وهو الذي يُسمى نصباً على الاختصاص، وان يكون بدلاً من (أَزْوَاجاً) على حذف المضاف، أي: أهل زهرة الدنيا بدل الكل من الكل على المبالغة، كأنه جعلهم الزهرة على الحقيقة، وجعلهُ بدلاً من (به) ضعيفٌ؛ لأنه لا يقالُ: مررتُ بزيدٍ أخاك، ولأن الإبدال من الضمير العائد إلى الموصول يجعله من باب قولك: زيدٌ رأيتُ غلامه رجلاً صالحاً. وفي جوازها قولانِ، وكذا عند صاحب "التقريب". قوله: (وعلى إبداله من محل الجار والمجرور)، هذا اختيار صاحب "الكشف"، قال: هو عندي بدلٌ من موضع "ما" في قوله: (إِلَى مَا مَتَّعْنَا)؛ لأن موضع الجار والمجرور نصبٌ، كقوله تعالى: (دِيناً قِيَماً) [الأنعام: ١٦١]، وقوله: (مِلَّةَ أَبِيكُمْ) بعد قوله: (قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) وقوله تعالى: (وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ). وقلتُ: أما وجه النصب على الاختصاص والذم فيقتضي تحقير شأنها وازدراء حالها، كقوله تعالى: (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ) [العنكبوت: ٦٤] والمقامُ يأباه؛ لأن المعنى

стр. 5235

(أزواجا)، على تقدير ذوى زهرة. فإن قلت: ما معنى الزهرة فيمن حرّك؟ قلت: معنى الزهرة بعينه وهو الزينة والبهجة، كما جاء في الجهرة الجهرة. وقرئ: (أرنا الله جهرة)] النساء: ١٥٣ [. وأن تكون جمع زاهر، وصفا لهم بأنهم زاهروا هذه الدنيا، لصفاء ألوانهم مما يلهون ويتنعمون، وتهلل وجوههم وبهاء زيهم وشارتهم، بخلاف ما عليه ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أن النفوس مجبولةٌ على النزوع إليها راغبة فيها حق رغبتها حتى لا تكاد ترغبُ عنها نفوسُ الأنبياء، فلذلك نهى النبي ﷺ عن مد العينين إليها، ويعضده ما رويناه عن البخاري ومسلم، عن أبي سعيد، عن رسول الله ﷺ قال: "إن أخوف ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من زهرة الدنيا"، قالوا: وما زهرةُ الدنيا يا رسول الله؟ قال: "بركاتُ الأرض". وعن مسلم والنسائي عن أبي سعيد، أن رسول الله ﷺ قال: "إن الدنيا حلوةٌ خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون". ولتوافقه التعليل في قوله: (لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ)، ولاستشعار الخوف بسبب زخرفها وزينتها وبهجتها، ويجوز أن تكون (زَهْرَةَ) بدلاً من (أَزْوَاجاً) على تقدير أن تكون حالاً من هاء الضمير، فلا يحتاج إلى تقدير ذوي. قوله: (كما جاء في الجهرة: الجهرةُ)، وهي إما: مصدرٌ كالغلبة، وإما جمعُ جاهر، قرأ يعقوب: زهرة، بفتح الهاء، والباقون: بسكونها. قوله: (وتهلل وجوههم)، الجوهري: تهلل السحاب ببرقه: تلألأ، وتهلل وجه الرجل من فرحه واستهل. قوله: (وشارتهم)، الشارة: اللباس والهيئة.

стр. 5236

المؤمنون والصلحاء: من شحوب الألوان والتقشف في الثياب (لِنَفْتِنَهُمْ) لنبلوهم حتى يستوجبوا العذاب، لوجود الكفران منهم. أو لنعذبهم في الآخرة بسببه (وَرِزْقُ رَبِّكَ) هو ما ادّخر له من ثواب الآخرة الذي هو خير منه في نفسه وأدوم. أو ما رزقه من نعمة الإسلام والنبوّة. أو لأن أموالهم الغالب عليها الغصب والسرقة والحرمة من بعض الوجوه، والحلال (خَيْرٌ وَأَبْقى) لأن الله لا ينسب إلى نفسه إلا ما حل وطاب دون ما حرم وخبث، والحرام لا يسمى رزقا أصلا. وعن عبد الله بن قسيط عن رافع قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يهودى وقال: «قل له يقول لك رسول الله أقرضنى إلى رجب» فقال: والله لا أقرضته إلا برهن، فقال رسول الله «إنى لأمين في السماء، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (والتقشف)، الجوهري: والتقشفُ: أن يتبلغ بالقوت والمرقع. قوله: (هو خيرٌ منه)، أي: مما متع به الكافر في نفسه؛ لأنه الخيرُ المحضُ الذي لا يشوبه مما يُكدرهُ في نسه، ولا يلحقه ما يفنيه. قوله: (أو ما رزقه من نعمة الإسلام والنبوة)، هذا الوجهُ أوفقُ لتأليف النظم على ما سبق، وعليه ينطبق قوله: (وَامُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا) أي: دينُ الإسلام والنبوة من الكتاب والسنة خيرٌ فاشتغل بذلك وتمسك بالحبل المتين، (وَامُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا)؛ لأن الذي بُعثتَ لأجله هؤلاء الخصال، لا لتكون تاجراً كسُوباً أو حريصاً بجمع الدنيا، فلا تهتم بأمر رزقك فن رزقك مكفيٌّ عندنا، ونحن رازقوك، ولا نسألك أن ترزق نفسك ولا أهلك، ففرغ بالك في التبليغ والإنذار والاشتغال بالعبادة والأمر بالمعروف لأهلك وأمتك، والعاقبة -أي: الجنةُ - لأهل التقوى، ولمن اتقى حُطام الدنيا وزينتها، كما جاء عن خير البرية: "ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا". قوله: (لا أقرضته)، قيل: هو على سبيل الدعاء، كأنه قال: لا كان إقراضي إياه إلا برهن، كما تقول: لا رحمك الله، وأوجه من هذا أن يكون حاكياً لما يقوله بعد إقراضه برهن للمبالغة، هذا الوجه منقول من خطه.

стр. 5237

وإنى لأمين في الأرض، احمل إليه درعي الحديد» فنزلت: (ولا تمدّنّ عينيك). (وَامُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى) [طه: ١٣٢]. (وَامُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ) أى وأقبل أنت مع أهلك على عبادة الله والصلاة، واستعينوا بها على خصاصتكم ولا تهتم بأمر الرزق والمعيشة، فإنّ رزقك مكفىّ من عندنا، ونحن رازقوك ولا نسألك أن ترزق نفسك ولا أهلك ففرّغ بالك لأمر الآخرة. وفي معناه قول الناس: من كان في عمل الله كان الله في عمله. وعن عروة بن الزبير أنه كان إذا رأى ما عند السلاطين قرأ (وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ) ثم ينادى الصلاة الصلاة رحمكم الله. وعن بكر بن عبد الله المزني كان إذا أصابت أهله خصاصة قال: قوموا فصلوا، بهذا أمر الله رسوله، ثم يتلو هذه الآية. (وَقالُوا لَوْلا يَاتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَ لَمْ تَاتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى) [طه: ١٣٣]. اقترحوا على عادتهم في التعنت آية على النبوّة، فقيل لهم: أو لم تأتكم آية هي أمّ الآيات وأعظمها في باب الإعجاز يعنى القرآن، من قبل أنّ القرآن برهان ما في سائر الكتب المنزلة ودليل صحته لأنه معجزة، وتلك ليست بمعجزات، فهي مفتقرة إلى ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كان الله في عمله)، قيل: كان ملائكة الله الموكلون بكفاية الأعمال في تحقيق عمله. قوله: (خصاصة)، النهاية: الخصاصة: الجوع والضعف، وأصلها الفقر والحاجة إلى الشيء. قوله: (أن القرآن برهان ما في سائر الكتب المنزلة)، قال القاضي: لأن القرآن مشتمل على زُبدة ما فيها من العقائد والأحكام الكُلية، مع أن الآتي به أميٌّ لم يرها ولم يتعلم ممن

стр. 5238

شهادته على صحة ما فيها، افتقار المحتج عليه إلى شهادة الحجة. وقرئ: (الصحف). بالتخفيف. ذكر الضمير الراجع إلى البينة لأنها في معنى البرهان والدليل. (وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى) [طه: ١٣٤] قرئ (نَذِلَّ وَنَخْزى) على لفظ ما لم يسم فاعله. (قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى) [طه: ١٣٥]. (كُلٌّ) أى كل واحد منا ومنكم (مُتَرَبِّصٌ) للعاقبة ولما يؤول إليه أمرنا وأمركم. وقرئ: (السواء)، بمعنى الوسط والجيد. أو المستوى والسوء والسوأى ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ علمها، وفيه إشعارٌ بأن القرآن، كما يدلُّ على نبوته، برهانٌ لما تقدمه من الكتب، من حيثُ إنه مصداقٌ لها وهو معجزٌّ وتلك ليست كذلك، بل هي مفتقرة إلى ما يشهدُ على صحتها. قوله: (ذكر الضمير)، أي: في قوله: (مِنْ قَبْلِهِ)، والظاهر أنه راجعٌ إلى معنى (تَاتِيهِمْ)، أي: قبل مجيء البينة ويؤيده قوله: (لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ) لأن مجيء هذه البينة لا يكون إلا مع إرسال الرسول. قوله: (كل واحدٍ منا ومنكم (مُتَرَبِّصٌ) للعاقبة وما يؤول إليه أمره)، فيه معنى المتاركة وأن الإنذار والتذكير بلغ غايته. كقوله تعالى: (فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) [الزخرف: ٨٩]. اعلم أن هذه خاتمةٌ شريفةٌ ناظرةٌ إلى الفاتحة، وهي قوله تعالى: (مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلاَّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى) [طه: ٢ - ٣]، فإنه تعالى لما أمر حبيبه صلوات الله عليه

стр. 5239

والسوي تصغير السوء. وقرئ: (فتمتعوا فسوف تعلمون). قال أبو رافع: حفظته من رسول الله ﷺ . عن رسول الله ﷺ «من قرأ سورة (طه) أعطى يوم القيامة ثواب المهاجرين والأنصار» وقال: «لا يقرأ أهل الجنة من القرآن إلا (طه) و (يس)» , ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بالإعراض عن الكفار وعما أوتوا من زهرة الدنيا والإقبال بكليته إلى دين الحق والاشتغال بالعبادة والصبر عليها وبأمر أهله، أي: أمته به رمز إلى ما بُدئ به، أي: اشتغل بالعبادة على مقدار طاقتك وصبرك، وأمُر من ينجعُ فيه تذكيرك ووعظُك. وأما هؤلاء المعاندون الذين ما توانيت في إنذارهم، وألزمت الحجة عليهم، وظهر إفحامهم حيث اقترحوا الآيات (وَقَالُوا لَوْلا يَاتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ) وأنت قد أتيت بأم الآيات وأعظمها في باب الإعجاز، يعني: القرآن، فأعرض عنهم واتركهم؛ لأن التذكير إنما ينفع فيمن يخشى، وأوعدهم بقولك: (قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنْ اهْتَدَى) [طه: ١٣٥]. والحمد لله على آلائه، والصلاة والسلام على خير أنبيائه تمت بحمد الله وحسن توفيقه

стр. 5240

سورة الأنبياء مكية وآياتها اثنتا عشرة ومئة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ) [الأنبياء: ١]. هذه اللام: لا تخلو من أن تكون صلة ل (اَقَتَرَبَ)، أو تأكيدا لإضافة الحساب إليهم، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سورة الأنبياء مكية، وهي مئة واثنتا عشرة آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله: (أو تأكيداً لإضافة الحساب إليهم)، الأصل: اقترب حسابُ الناس، كقوله: أزف رحيلُ الحي. ثم اقترب للناس الحساب، كقوله: أزف للحي الرحيلُ، فقدم المضاف إليه، وعرفا لناس تعريف جنس: ليفيد ضرباً من الإبهام والتبيين، وعند التقديم احتيج إلى تقدير مضاف؛ لأنه ليس صلة (اقْتَرَبَ) فصار مثل: حسابٌ للناس الحساب، فحذف المفسر

стр. 5241

كقولك: «أزف للحي رحيلهم» الأصل: أزف رحيل الحىّ، ثم أزف للحىّ الرحيل، ثم أزف للحىّ رحيلهم. ونحوه ما أورده سيبويه في «باب ما يثنى فيه المستقرّ توكيدا» عليك زيد حريص عليك. وفيك زيد راغب فيك. ومنه قولهم: لا أبا لك: لأنّ اللام مؤكدة لمعنى الإضافة. وهذا الوجه أغرب من الأوّل. والمراد اقتراب الساعة. (وإذا اقتربت الساعة فقد اقترب ما يكون فيها من الحساب والثواب) والعقاب وغير ذلك. ونحوه (وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ) [الأنبياء: ٩٧] .. فإن قلت: كيف وصف بالاقتراب وقد عدّت دون هذا القول أكثر من خمسمائة عام؟ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لدلالة المفسرِ عليه. ولما كان الحسابُ لا يتعداهم جيء بضمير الناس ليعود إليهم فيحصل تأيدٌ آخرُ نحو: أزف للحي رحيلهم، فعلى هذا: فيك زيدٌ راغبٌ فيك. الأصلُ: زيدٌ راغبٌ في، ثم قدم "فيك" فصار معمولاً لمقدرٍ لإعادة "فيك"، وإليه الإشارةُ بقوله: "وهذا الوجه أغربُ". وقال صاحب "الفرائد": يمكن أن يكون التقدير: اقترب لمجازات الناس حسابهم، فيكون (لِلنَّاسِ) مفعولاً له، كقولك: جئتك للسمن، أي: لحصوله، وقيل: إذا جُعِل اللامُ صلةً كان المقترب له، أي: المدنو منه مذكوراً، وإذا جُعِل تأكيداً للإضافة لم يكن مذكوراص. قوله: (أزف للحي رحيلُهم) يأزف أزفاً، أي: دنا. قوله: (المستقر) وهو الظرفُ الذي يقع خبراً محتاجاً إليه، وسُمي مستقراً؛ لتعلقه بفعل الاستقرار، فهو مستقرٌّ فيه، فحذف "فيه" اختصاراً، والظرفُ اللغو: ما كان فضله، ولو حُذف لكان الكلام مستقيماً، الظرفُ في المثال لغوٌ، فسماه مستقراً مجازاً. قوله: (وقد عدت دون هذا القول أكثر من خمس مئة عام) أي: عدت أزمنة أكثر من خمس مئة عام بعد هذا القول.

стр. 5242

قلت: هو مقترب عند الله والدليل عليه قوله (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) [الحج: ٤٧] ولأنّ كلّ آت - وإن طالت أوقات استقباله وترقبه - قريب، إنما البعيد هو الذي وجد وانقرض، ولأنّ ما بقي في الدنيا أقصر وأقل مما سلف منها، بدليل انبعاث خاتم النبيين الموعود مبعثه في آخر الزمان. وقال ﵇ «بعثت في نسم الساعة» وفي خطبة بعض المتقدّمين: "ولت الدنيا حذاء، ولم تبق إلا صبابة كصبابة الإناء". وإذا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (بُعثتُ في نسم الساعة)، قيل: بقيته: "إن كادت لتسبقني". النهاية: في الحديث: "بُعثتُ في نسم الساعة"، وهو جمع نسمة، أي: بُعثتُ في ذوي أرواح خلقهم الله قبل اقتراب الساعة، كأنه قال: آخر النشء من بني آدم، النسمةُ: النفس والروح. الجوهري: "نسم الساعة": حين ابتدأت وأقبلت أوائلها، ونسمُ الريح: أولها حين تُقبل، ويؤيده ما جاء: "بُعثتُ في الساعة فسبقتها كما سبقت هذه لهذه" لإصبعيه: السبابة والوسطى، أخرجه الترمذي عن المستورد. قوله: (وفي خطبة بعض المتقدمين ٩، قال ابن عبد البر في "الاستيعاب": هو عتبة بن غزوان صاحب رسول الله ﷺ ، شهد المشاهد كلها، وهو الذي اختط البصرة. وخطبته بعد الحمد لله والثناء عليه: "أما بعدُ، فإن الدنيا قد آذنت بصُرْمٍ وولتْ حذاء، وإنما بقي منها صبابةٌ كصبابة الإناء، وأنتم منقلبون عنها إلى دارٍ لا زوال لها، فانتقلوا بخير ما

стр. 5243

كانت بقية الشيء -وإن كثرت في نفسها- قليلة بالإضافة إلى معظمه، كانت خليقة بأن توصف بالقلة وقصر الذرع. وعن ابن عباس رضى الله عنهما: أنّ المراد ب"الناس": المشركون. وهذا من إطلاق اسم الجنس على بعضه للدليل القائم، وهو ما يتلوه من صفات المشركين. وصفهم بالغفلة مع الإعراض، على معنى: أنهم غافلون عن حسابهم ساهون، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بحضرتكم" وفيها: "ولقد رأيتُني وأنا سابعُ سبعةٍ مع رسول الله ﷺ وما لنا طعامٌ إلا ورقُ الشجر حتى تقرحت أشداقنا، فالتقطت بردة فشققتها بيني وبين سعد بن مالك، فاتزرت ببعضها، واتزر سعدٌ ببعضها، فما أصبح منا اليوم واحدٌ إلا وهو أميرٌ على مصرٍ من الأمصار، فإني أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيماً، وعند الناس صغيراً". ورواه صاحب "رياض الصالحين" عن مُسلم، عن خالد بن عمير العدوي. آذنت: أعلمتْ. بصُرْم: بانقطاع وفناء. الصبابةُ، بضم الصاد المهملة: البقية اليسيرة. النهاية: حذاءَ، بالحاء المهملة، الذال المعجمة مشددة، وبالمد: الخفيفة السريعة، وفي حديث علي ﵁: بيدٍ حذاء، أي: قصيرةٍ لا تمتد إلى ما تريد. قوله: (من إطلاقِ اسم الجنس على بعضه للدليل القائم). قد سبق أن تعريف الجنس يحتملُ الكل والبعض، وهو كاللفظ المشترك، مفتقرٌ في تعيين المراد إلى انتهاض القرينة. فـ"الناسُ" في قوله: (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ): للجنس، مُحتملٌ لأن يُراد به الناسُ من لدُنْ آدمَ على تلك المدة، وأن يُراد البعضُ، والقرينة هاهنا لإرادة الثاني قوله: (مَا يَاتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ) الآية، وهو المراد من قوله: "هو ما يتلوه من صفات المشركين". قوله: (وصفهم بالغفلة مع الإعراض)، أي: أوقع (مُعْرِضُونَ) خبراً بعد خبرٍ لضميرِ

стр. 5244

لا يتفكرون في عاقبتهم، ولا يتفطنون لما ترجع إليه خاتمة أمرهم، مع اقتضاء عقولهم أنه لا بدّ من جزاء للمحسن والمسيء، وإذا قرعت لهم العصا ونبهوا عن سنة الغفلة وفطنوا لذلك بما يتلى عليهم من الآيات والنذر، أعرضوا وسدوا أسماعهم ونفروا. (ما يَاتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢) لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَاتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ) [الأنبياء: ٢ - ٣]. قرّر إعراضهم عن تنبيه المنبه وإيقاظ الموقظ: بأنّ الله يجدّد لهم الذكر ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ "هم"، ألا ترى كيف أوقع "غافلون عن حسابهم" خبر "أنّ" في قوله: "على معنى أنهم غافلون"؟ وقال أبو البقاء والقاضي: ويجوز أيضاً أن يكون الظرفُ حالاً من الضمير في (مُعْرِضُونَ). قوله: (وإذا قُرعت لهم العصا). أصلُ المثل على ما قاله الميداني: "إن العصا قُرعت لذي الحلم" أولُ من قُرعت له عمرو بن مالك الكناني، يُضربُ لمن إذا نُبه انتبه. مضى بيانه في أول "البقرة". قوله: (قُرر إعراضُهم) على ما لم يُسم فاعله، عطفٌ على "ما وصفهُم". ولو قرئ معروفاً كان ظاهراص، يعني: جيء بقوله: (مَا يَاتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ) بغير عاطفٍ مؤكداً للجملة الأولى، مقرراً لها، لما فيه من معنى الإعراض والغفلة، مع تنبيه المنبه وقتاً فوقتاً.

стр. 5245

وقتا فوقتاً، ويحدث لهم الآية بعد الآية والسورة بعد السورة، ليكرّر على أسماعهم التنبيه والموعظة لعلهم يتعظون، فما يزيدهم استماع الآي والسور وما فيها من فنون المواعظ والبصائر - التي هي أحق الحق وأجدّ الجدّ - إلا لعبا وتلهيا واستسخارا. و"الذكر": هو الطائفة النازلة من القرآن. وقرأ ابن أبى عبلة "مُحْدَثٍ" بالرفع صفة على المحل. قوله (وَهُمْ يَلْعَبُونَ لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ) حالان مترادفتان أو متداخلتان. ومن قرأ "لاهِيَةً" بالرفع فالحال واحدة، لأن "لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ" خبر بعد خبر، لقوله (وَهُمْ) واللاهية: من لها عنه إذا ذهل وغفل، يعنى أنهم وإن فطنوا فهم في قلة جدوى فطنتهم كأنهم لم يفطنوا أصلا، وثبتوا على رأس غفلتهم وذهولهم عن التأمّل ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (حالان مترادفتان)، وهي أن يُجعلا حالين من الضمير في (اسْتَمَعُوهُ)، أو متداخلتان بأن يُجعل (وَهُمْ يَلْعَبُونَ) حالاً من الضمير في (اسْتَمَعُوهُ) و (لاهِيَةً) حالاً من الضمير في (يَلْعَبُونَ). قوله: (كأنهم لم يفطنوا أصلاً)، يعني: أفاد قوله: (مَا يَاتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ) أنهم فطنوا كل ما تجدد لهم من الذكر آية فآية، وسورةٌ فسورة، فطنةً لا مزيد عليها، بدلالة "مِن" الاستغراقية وأداة احصر، وأفاد قوله: (لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ) أنهم ذاهلون غافلون عن ذلك، فنفى آخرُ الكلام ما أثبته أولاً على سبيل التوكيد؛ ليؤذن بأنهم لما لم ينتفعوا بذلك الاستماع والتفطن، حيث استهزؤوا بالذكر، كأنهم لم يفطنوا أصلاً، وثبتوا على رأس غفلتهم، ونحوه قوله تعالى: (وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) [البقرة: ١٠٢]، أكد إثبات العلم أولاً بالقسيمة، ثم نفاهُ نفياً كلياً لعدم جريهم على موجب العلم.

стр. 5246

والتبصر بقلوبهم. فإن قلت: (النجوى) وهي اسم من التناجي لا تكون إلا خفية، فما معنى قوله (وَأَسَرُّوا)؟ قلت: معناه: وبالغوا في إخفائها. أو جعلوها بحيث لا يفطن أحد لتناجيهم ولا يعلم أنهم متناجون. أبدل (الَّذِينَ ظَلَمُوا) من واو (وأسرّوا)، إشعارا بأنهم الموسومون بالظلم الفاحش فيما أسرّوا به. أو جاء على لغة من قال «أكلونى البراغيث» أو هو منصوب ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (اسمٌ من التناجي). الجوهري: النجوُ: السر بين اثنين، يقال نجوتُه نجوى، أي: ساررته، والاسم: النجوى، وقال الفراء: قد يكون النجي والنجوى اسماً ومصدراً، قال تعالى: (وَإِذْ هُمْ نَجْوَى) [الإسراء: ٤٧] فجعلهم هم النجوى، وإنما النجوى فِعلُهم. قوله: (بالغوا في إخفائها)، أي: أسروا قول التناجي، تلخيصه: وأسروا السر. قوله: (أو جعلوها بحيث لا يفطن أحد)، معناه: وأسروا فعل التناجي، أي: جعلوها في الخلوة، ولا يبعد في الأول أن يعلم تناجيهم، لكن لا يفطن قطعاً ما أسروا به. قوله: (إشعاراً بأنهم الموسومون بالظلم الفاحش)؛ لأن في الإبدال فائدة البيان والتوكيد كما سبق في قوله تعالى: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ) [الفاتحة: ٧ - ٨] والذي خص هذا الموضع من الفائدة ما ذكره؛ لأنه أبدل المظهر من المضمر وخصه بذكر الظلم للإشعار بقُبح ما أسروا به وأنه الظلمُ الفاحش. قوله: (أو جاء على لغة من قال: أكلوني البراغيث)، قيل: هي لغة أزدِ شنؤةَ، وفيه شذوذان، أحدهما: تعددُ الفاعل، وثانيهما: جعلُ ضمير اولي العلم لغيره. واعتذر للأولِ أبو عبيدة، وقال عن بعضهم: إن العرب قد يُظهرون عدد القوم في فعلهم إذا بدؤوا بالفعل. قال أبوعمرو الهذلي: أكلوني البراغيث، فجاء بلفظ الجمعِ في الفعل، وأظهر الفاعلين بعده.

стр. 5247

المحل على الذم. أو هو مبتدأ خبره (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى) قدم عليه: والمعنى: وهؤلاء أسروا النجوى. فوضع المظهر موضع المضمر تسجيلا على فعلهم بأنه ظلم. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال أبو البقاء: الواو حرفٌ للجمع لا اسمٌ. قيل جيء بالواو وهي حرفٌ للدلالة على أن الفاعل جمعٌ، كما يُجاءُ بالتاء للدلالة على أن الفاعل مؤنث. واعتذر للثاني الزجاج، حيث قال لما وُصفت البراغيثُ بالأكل، قيل: أكلوني. قال الشاعر: تمززتُها والديكُ يدعو صباحه … إذا ما بنو نعشٍ دنوا فتصوبوا قوله: (فوضع المظهر موضع المضمر)، هذا يوهم أن "هؤلاء" في تقديره: "وهؤلاء أسروا النجوى" مُضمرٌ وُضع موضع (الَّذِينَ ظَلَمُوا) وليس بذلك؛ لأنه مثلُ "الذين" على قول من قال: "أولاءِ" موصولةً، إذ الأصلُ: هم أسروا النجوى، لاقتضاء قوله: (وَهُمْ يَلْعَبُونَ) ذلك. كشف الله تعالى عن معنى قوله: (وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ) بثلاثة أنواع من القبائح، أحدها: أنهم استمعوا الذكر استماع تفطن، لكنهم قرنوا بذلك الاستهزاء. نقل الواحديُّ عن ابن عباس ﵄ في معنى (إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ): يستمعون القرآن مستهزئين. وثانيها: (لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ)، قال القاضي: (وَهُمْ يَلْعَبُونَ) يستهزئون لتناهي غفلتهم، وفرط إعراضهم عن النظر في الأمور، والتفكر في العواقب؛ جعل (لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ) علةً لقوله: (وَهُمْ يَلْعَبُونَ) على تداخل الحالين، والأولى أن يجعل لاهية قلوبهم أمراً مستقلاً عن ترادف الحالين، أنه قيل: يستمعون مستهزئين، كأنهم ما يستمعون؛ لأنهم ما انتفعوا

стр. 5248

(هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَاتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ) هذا الكلام كله في محل النصب بدلا من (النجوى)، أى: وأسروا هذا الحديث. ويجوز أن يتعلق ب"قالوا" مضمرا: اعتقدوا أنّ رسول الله ﷺ لا يكون إلا ملكا، وأن كل من ادّعى الرسالة من البشر وجاء بالمعجزة هو ساحر ومعجزته سحر، فلذلك قالوا على سبيل الإنكار: أفتحضرون السحر وأنتم تشاهدون وتعاينون أنه سحر. فإن قلت: لم أسروا هذا الحديث وبالغوا في إخفائه؟ قلت: كان ذلك شبه التشاور فيما بينهم، والتحاور في طلب الطريق إلى هدم أمره، وعمل المنصوبة في التثبيط عنه. وعادة المتشاورين في خطب أن لا يشركوا أعداءهم في شوراهم، ويتجاهدوا في طىّ سرّهم عنهم ما أمكن وأستطيع. ومنه قول الناس «استعينوا على حوائجكم بالكتمان» ويرفع إلى رسول الله ﷺ ويجوز أن يسرّوا نجواهم بذلك ثم يقولوا لرسول الله ﷺ والمؤمنين: إن كان ما تدعونه حقا فأخبرونا بما أسررناه. (قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [الأنبياء: ٤]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ به؛ ليؤذن به أن استماعهم ذلك لم يكن استماعاً؛ لأنهم ما عملوا بموجبه، بل عكسوا حيث لعبوا، فهم على رأس غفلتهم. ثالثها: أنهم ما اكتفوا في العناد على هذا المقدار حتى بالغوا في التناجي خُبثاً ودهاءً ليُظهروا للأتباع أن ذلك ليس للعناد، بل لأنه سحرٌ باطل، فهو الطريق إلى هدم أمره، وعمل المنصوبة في التثبيط عنه، وظهر بهذا أن الجواب الثاني للمتصور في النفس قبل الإبراز باللفظ عن قوله: "لم أسروا" وهو قوله: "ويجوز أن يُسروا نجواهم بذلك" ضعيفٌ. قوله: (وعمل المنصوبة). الجوهري: النصيب: الشركُ المنصوبُ، ويقال: فلانٌ سوى منصوبةً، وهي في الأصل صفةٌ للشبكة أو الحبالة، فجرت مجرى الأسماء كالدابة.

стр. 5249

فإن قلت: هلا قيل: يعلم السر لقوله (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى)] الأنبياء: ٣ [؟ «١»؟ قلت: القول عام يشمل السرّ والجهر، فكان في العلم به العلم بالسرّ وزيادة، فكان آكد في بيان الاطلاع على نجواهم من أن يقول: يعلم السرّ، كما أنّ قوله: يعلم السرّ، آكد من أن يقول: يعلم سرهم. ثم بين ذلك بأنه السميع العليم لذاته فكيف تخفى عليه خافية. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (القول عام). الراغب: القول يستعمل على وجه: أظهرها: أن يكون للمُركبِ من الحروف المبرز بالنطق مفرداً كان أو جملةً. الثاني: للمتصور في النفس قبل الإبراز باللفظ فيقال: في نفسي قولٌ لم أظهره، قال تعالى: (وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ) [المجادلة: ٨]، فجعل ما في اعتقادهم قولاً. الثالث: للاعتقاد، نحو: فلانٌ يقولُ بقول أبي حنيفة. الرابعُ: للدلالة على الشيء، قال الشاعر: امتلأ الحوضُ وقال قطني الخامس: للعناية الصادقة بالشيء نحو: فلانٌ يقول بكذا، والسادس: يستعمل في معنى الحد فيقال: قول الجوهر كذا، وقول العرض كذا أي: حدهما. السابع: للإلهام نحو: (قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ) [الكهف: ٨٦]، فإن ذلك لم يكن بخطاب فيما رُوي، وقيل في قوله تعالى: (قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) [فصلت: ١١]: إن ذلك [كان] بتسخير لا بخطاب. وكذا في قوله تعالى: (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً) [الأنبياء: ٦٩]. قوله: (ثم بين ذلك بأنه السميع العليم) يحتملُ أن يراد أن الجملة حالٌ من فاعل (يَعْلَمُ)، والحالُ بيانٌ، أو مُذيلة، وفيها نوعٌ من التأكيد والبيان، لكن قوله: "بأنه السميع العليم لذاته" مذهبه. وفي "شرح السنة": على العبد أن يعتقد أن الله تعالى عالمٌ له علمن وسميعٌ له سمع،

стр. 5250

فإن قلت: فلم ترك هذا الآكد في سورة الفرقان في قوله (قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ)] الفرقان: ٦ [؟ قلت: ليس بواجب أن يجيء بالآكد في كل موضع، ولكن يجيء بالوكيد تارة وبالآكد أخرى، كما يجيء بالحسن في موضع وبالأحسن في غيره ليفتنّ الكلام افتنانا، وتجمع الغاية وما دونها، على أن أسلوب ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال الله تعالى: (وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ) [البقرة: ٢٥٥]، (وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً) [النساء: ١٧]، (وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً) [النساء: ١٣٤]، (إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) [طه: ٤٦]. قال في "الانتصاف": (السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) إثباتُ صفتين لله تعالى، والزمخشري يحرفهما عن مواضعهما، فيكونُ سميعاً بصيراً لذاته، والصفات مشتقاتٌ من المصادر لا تثبتُ إلا بمصادرها، فمن أنكر السمع والعلم فقد تسارع على إنكار السميع العليم، وتحقيقُ هذا يُعلمُ من الكلام، وإنما الزمخشري إذا ادعى أن الآية ظاهرةٌ له بينا خلافه، أو حرف شيئاً عن موضعه نبهنا عليه، وهذه الآية خاصة تعسف فيها، وخالف نصها. قوله: (ليفتن الكلامُ). الجوهري: الفنُّ: واحدُ الفنون، وهي الأنواع، والأفانينُ: الأساليبُ، وهي أجناسُ الكلام وطرقه. وافتن الرجل في حديثه: إذا جاء بالأفانين. قال صاحب "الفرائد": ما ذكر يوجب أن يكون البعضُ في الدرجة العليا من البلاغة والفصاح، والبعض نازلا ًعنها، ومنحطاً في الدرجة، هذا لا يجوز. والافتنان إنما يحسنُ إذا كان غير مفضٍ إلى نزول البعض؛ لأنه يُنبئ عن نقصان البعض، بل الافتنان المستحسن: أن يكون الكل في الدرجة العليا ويبدل بعض اللفظ بالبعض باعتبار اقتضاء الموارد والموضع، لا بالنزول من الأعلى إلى الأسفل؛ لأنه يكون اختلافاً وتفاوتاً في البلاغة والفصاحة. والجواب عن قوله: "بل الافتنان المستحسنُ أن يكون الكل في الدرجة العُليا" أنْ

стр. 5251

تلك الآية خلاف أسلوب هذه، من قبل أنه قدم هاهنا أنهم أسروا النجوى، فكأنه أراد أن يقول: إن ربى يعلم ما أسروه، فوضع القول موضع ذلك للمبالغة، وثم قصد ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يقال: إن أردت به أن التراكيب بأسرها ينبغي أن تكون مفرغةً في قالب المبالغة، فهو غير مسلم، فكم من تركيب في كلام الله المجيد تجده ابتدائياً ليس فيه رائحة المبالغة، وترى تراكيب فيه بلغت في المبالغة الدرجة القُصيا، وإن أردت أن التركيب في استعماله في مقامه ينبغي أن يكون في الدرجة العليا، فهذا لا ننكره؛ لأن مقامات المقاولة ومقتضيات الأحوال تتغيرُ وبحسبها يتغير اللامُ، فمن مقام يقتضي الخلو عن التأكيد، فإثباته خروجٌ عن مقتضى البلاغة، ومن مقام يستدعي توكيداً ما، فلا يؤتي بالآكد؛ لأن البلاغة هي: إصابة المحز، وتطبيق المفضل، ومراعاةُ وجه النظم، ومن ثم لم يقع التحدي بأقل من سورة. قوله: (من قبل أنه قدم هاهنا أنهم أسروا النجوى) إلى قوله: (فوضع القول موضع ذلك للمبالغة)، قال صاحب "التقريب": فيه نظرٌ؛ لأن تلخيص كلامه يؤول إلى أن اللام في القول للعهد، وقد تقدم هاهنا معهودٌ دون ثم؛ إذ لو أراد الجنس لم يؤثر تقدم شيء عليه، لكنه حينئذٍ يفوت كونه أوكد، إذ القول المعهود والسرُّ واحد. وقلت: مغزى كلامه: أن اللام إن جعلته للعهد لم يحصل التأكيدُ. قُلنا: نختارُ الأول. فلا نُسلمُ عدم تأثيره؛ لأن المراد من الثاني العامُّ الذي سيق لقصد الخاص، فيدخل فيه الأول دخولاً أولياً؛ ولذلك كان آكد، فعلى هذا مبنى لامه حيثُ قال: "على أن أسلوب تلك الآية خلافُ أسلوب هذه"، يعني: إيرادُ هذا القول الذي هاهنا مسبوقق بإيراد إخفائهم سرهم

стр. 5252

وصف ذاته بأن أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض، فهو كقوله: (علام الغيوب) (عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ)] سبأ: ٣ [. وقرئ (قالَ رَبِّي) حكاية لقول رسول الله ﷺ لهم. (بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَاتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ) [الأنبياء: ٥]. أضربوا عن قولهم هو سحر إلى أنه تخاليط أحلام، ثم إلى أنه كلام مفترى من ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ونجواهم أقصى الغاية لينبههم به على أن إخفاءهم ذلك لا يجديهم شيئاً؛ لأنه تعالى يعلمُ القول، الذي هو الجنسُ الشائعُ للجهر، والهمس والسر وأخفى منه، فيدخل سرهم في هذا العام بالطريق البرهاني كما سبق غير مرةٍ. وأما سياقُ قوله (أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ) [الفرقان: ٦] فعلى ابتداء إثبات صفة العلم من كلام سابق؛ لأن المراد من قوله: (يَعْلَمُ السِّرَّ) ما أسروه في قولهم: (إِنْ هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْماً وَزُوراً (٤) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً) [الفرقان: ٤ - ٥]؛ لأنهم أيقنوا أن الأمر على خلافه، ولكن قصدوا بذلك إيقاع الشبه في قلوب الناس؛ ولهذا قال: ومن جملته ما تسرونه من الكيد لرسوله مع علمكم أنما تقولونه باطل. فالمراد من السر ما يتضمنه قولهم: (أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ) فقيل: لا يعلمُ ذلك إلا عالمُ الغيب والشهادة، كقوله: (عَلاَّمُ الْغُيُوبِ) [المائدة: ١٠٩] (عَالِمَ الْغَيْبِ) [الجن: ٢٦] (لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ) [سبأ: ٣]، فإذن القصدُ في الثاني إجراءُ الوصف على الله . وفي الأول تقريرُ ما مر من المعنى السابق والمبالغة فيه. قوله: (وقرئ: (قَالَ رَبِّي)): أبو عمرو، وحفص، والكسائي.

стр. 5253

عنده، ثم إلى أنه قول شاعر، وهكذا الباطل لجلج، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (الباطل لجلج) هو من قولهم: الحق أبلج، والباطلُ لجلج. قال الميداني: يعني: أن الحق واضحٌ، يقالُ: صبحٌ أبلج، أي: مشرق، ومنه قوله: حتى بدت أعناقُ صبح أبلجا وفي صفة النبي ﷺ : "أبلج الوجه" أي: مشرقه. "والباطلُ لجلج" أي: ملتبسٌ. قال المبردُ: قولٌ لجلج، أي: يترددُ فيه صاحبه ولا يصيب منه مخرجاً. ومقصودُ المصنف من هذا الاستشهاد: بيانُ أن إضراب الكفرة عن قولهم: هو سحرٌ، إلى أنه تخاليطُ أحلام، إلى آخره، ليس على النسق السوي، بل هو خبط عشواء، وفعل المتحير من غير تمييز بين مضربٍ عنه ومُضربٍ عنه، يدل عليه قوله بعد ذلك: "ويجوز أن يكون تنزيلاً من الله لأقوالهم"، يعني: انه تعالى أتى بأقوالهم، ونزلها على سبيل التدرج والترقي ليؤذن بفاسدها وأفسدها، فظهر من هذا أن الإضراب فيا لوجه الأول واقعٌ في لام الكفرة، وانه تعالى حاك إضرابه الواقع في كلامهم. وفي الثاني الإضراب واقعٌ في كلام الله تعالى، وأنه تعالى حكى كلامهم. وفي الوجه الأول إشكالٌ؛ لأنه لو أريد ذلك لقيل: قالوا بل أضغاث أحلام. ويمن أن يقال: إن (قَالُوا) زيادةُ تأكيدٍ لما يتضمن قوله تعالى: (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ) من القول، يؤيده قوله تعالى: (قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ)، فإنه يدل على أنه صدر منهم قولٌ سراً لطول الكلام. وسبق مثله في "يونس" عند قوله: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ) إلى قوله: (قُلْ أَاللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ) [يونس: ٥٩] في وجهٍ. وأما بيانُ الترقي في الوجه الثاني: فأن يقال: إن نسبتهم القرآن إلى السحر فاسدٌ؛ لأن

стр. 5254

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ هذا حقٌ، وذلك باطلٌ، وأنى يُشبه هذا السحر (أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ) [الطور: ١٥]؟ ثم إن قولهم: إنه أضغاث أحلام، أي: تخاليطها، أفسد منه؛ لأن تشبهي النظم المعجز الفائق بالسحر أقربُ من ذلك، كقوله: "إن من البيان لسحرا"، لكن أين هذا من التخاليط: إنه (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) [هود: ١] ثم قولهم: إنه كلامٌ مفترى من عنده أبعد من ذلك؛ لأنهم لم يحرروا أنفسهم، ولم يدركوا أن قوى البشرية وإن استفرغت طوقها، لا تطيق على الإتيان بمثله: (فَاتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ) [هود: ١٣]؛ ولأن المفترى مبطل، وكلامه باطل، وهذا (لا يَاتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) [فصلت: ٤٢]. ثم قولهم: إنه قول شاعر، أبعد وأفسد؛ لأن الشعر: متخيلات ملفقة وتخرصاتٌ مزخرفةٌ تدعو إلى الهوى والشيطان، وهذا يدعو إلى الهدى وطاعة الرحمن: (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ * لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيّاً وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ) [يس: ٦٩ - ٧٠]، وهذا الوجه أدل على التحير من حيث الحقيقة. الراغب: (بل): للتدارك، وهو ضربان: ضربٌ يناقض ما بعده ما قبله لكن ربما يقصد لتصحيح الحكم الذي بعده، وإبطال ما قبله، قال تعالى: (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ * كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ) [المطففين: ١٣ - ١٤]، أي: يس الأمر كما قال، بل جهلٌ، أو يقصد به تصحيح الأول، وإبطال الثاني، كقوله تعالى: (فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ) إلى قوله: (فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلاَّ بَل لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ) [الفجر: ١٥ - ١٧]، أي: ليس إعطاؤه من الإكرام، ولا منعه من الإهانة، لكن جهلوا وظلموا، حيثُ وضعوا المال في غير موضعه، والضرب الثاني: أن يكون (بل) مبيناً للحكم الأول وزائداً عليه بما بعده، نحو: (بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ بَلْ افْتَرَاهُ)، فإنه نبه أنهم يقولون: أضغاثُ أحلام، ويزيدون على ذلك بأن

стр. 5255

والمبطل متحير رجاع غير ثابت على قول واحد. ويجوز أن يكون تنزيلا من الله تعالى لأقوالهم في درج الفساد: وأن قولهم الثاني أفسد من الأول، والثالث أفسد من الثاني، وكذلك الرابع من الثالث. صحة التشبيه في قوله (كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ) من حيث أنه في معنى: كما أتى الأوّلون بالآيات، لأنّ إرسال الرسل متضمن للإتيان بالآيات ألا ترى أنه لا فرق بين أن تقول: أرسل محمد ﷺ ، وبين قولك: أتى محمد بالمعجزة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الذي أتى به مُفترىً، بل يزيدون ويدعون أنه كذاب؛ فإن الشاعر في القرآن عبارةٌ عن الكاذب بالطبع. قوله: (لا فرق بين أن تقول: أرسل محمدٌ صلى الله عليه وسلمن وبين قولك: أتى محمدٌ بالمعجزة)، قيل: فيه نظرٌ؛ لأن قوله: أرسل محمدٌ، إثباتٌ للرسالة؛ لأنها ثبتت بإرسال الملك، وقوله: أتى بالمعجزة، إظهارٌ للرسالة، وما تثبت به النبوة غير ما تظهر به الرسالة. قلتُ: ليس مراده من قوله: "لا فرق … " أن معنى العبارتين سواءٌ، بل مراده أن مؤدى العبارتين سواءٌ، فإن قولك: أُرسل محمدٌ صلواتُ الله عليه معناه: أنه ادعى الرسالة، وأتى بالمعجزة، فثبتت رسالته، وقولك: أتى محمدٌ بالمعجزة، مؤداه: ادعى الرسالة وأتى بالمعجزة، فيكون رسولاً. والأول كنايةٌ، والثاني تصريحٌ، ومؤداهما واحدٌ، ألا ترى إلى تفسيره لقوله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) [طه: ٥]؟ قولك: يد فلانٍ مبسوطةٌ، بمعنى أنه جواد، لا فرق بين العبارتين إلا فيما قلتُ، يعني: كون أحدهما كنايةً، والآخر صريحاً، والكناية أشرح وأبسط. فإن قلت: ما فائدة العدول؟ قلتُ: لو قيل: كما أتى الأولون لكان من القصد بمعزل؛
следующие страницы →