Полный текст (9 345 стр.). Показаны 5426–5465 · переход к 5431.
стр. 5426
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سوء صنيعهم بقوله: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) أتى بقوله: (وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) عاطفاً عليه وهو مضارعٌ، ونوعٌ من أنواع الكفر، فدل الاستقبال على أن الصد عادتهم ودأبهم كما مر آنفاً، ودل عطف النوع على الجنس على تمادي هذا الكفر - وهو الصد- الغاية، حتى خرج من ذلك الجنس على منوال قوله: (ومَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ) [البقرة: ٩٨] ثم عقب بقوله تعالى: (وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِي) عاطفاً على (سَبِيلِ اللَّهِ) على منوال العطف السابق تتميماً ومبالغةً، يعني: ما كفاهم إعراضهم عن العبادة، حتى بلغ أن منعوا الغير عنها، وتمادى ذلك المنعُ إلى أن بلغ على الموضع الذي عظمناه وحرمناه لغير عبادتنا، ولا يختص به أحدٌ دون أحد، سواءٌ في ذلك قُطانه وقُصادُه، ويعضده تذييل الكلام بقوله: (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ)؛ لأن الصاد مائلٌ عن الحق، ملحدٌ واضعٌ للشيء في غير موضعه، وإليه الإشارة بقوله: "وكل من ارتكب فيه ذنباً فهو كذلك"، فأين في الكلام مجالُ بيع الدور وتمليكها، اللهم إلا أن يقال: إن دلالة الآية على ذلك بالإدماج وإشارة النص، ومن ثم لما حاور الإمام الشافعي إسحاق عارض دليله بمثله، وهو قوله تعالى: (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ) [الحج: ٤٠] وأتى بحديث عُمر ﵁، سكت إسحاقُ، والمصنفُ أيضاً لم يزد على ذلك، وما اشتغل بالجواب لما عرف المقام.
وأما استدلالهم بقوله تعالى: (مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى) [الإسراء: ١] بأن المراد بالمسجد الحرام الحرم فضعيفُ، لما روينا عن البخاري ومسلم والترمذي والنسائي، عن مالك بن صعصعة، أن نبي الله ﷺ حدثهم عن ليلة أُسري به قال: "بينما أنا في الحطيم- وربماقال: في الحجر مضطجعاً، ومنهم من قال: بين النائم واليقظان- إذ أتاني
стр. 5427
وإجارتها. وعند الشافعي: لا يمتنع ذلك. وقد حاور إسحاق بن راهويه فاحتجّ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
آتٍ"، الحديث. وفي حديث آخر، عن البخاري ومسلم والنسائي، عن أنسٍ قال: ليلة أُسري برسول الله ﷺ من مسجد الكعبة. الحديث. وقولهم: الإقامة لا تكون إلا خارج المسجد فضعيفٌ أيضاً؛ لأن الظاهر من لفظ العاكف أنه الملازم للمسجد، والمعتكفُ فيه.
قوله: (وقد حاور إسحق بن راهويه)، في "جامع الأصول": هو أبو يعقوب إسحاقُ بن إبراهيم التميميُّ الحنظلي المروزي المعروف بابن راهويه، بالراء وفتح الهاء والواو وسكون الياء وكسر الهاء، أحد أركان المسلمين، وعَلَمٌ من أعلام الدين، وممن جمع بين الحديث والفقه، والإتقان الحفظ والورع.
وقال الإمامُ: وقد جرت مناظرةٌ بين الشافعي وإسحاق الحنظلي بمكة، وكان إسحاقُ لا يرخصُ في كراء دور مكة، فاحتج الشافعي ﵁ بقوله تعالى: (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ) [الحج: ٤٠] فأضيف الديارُ إلى مالكيها، وهو المراد من قول المصنف: "أنسب الديار إلى مالكيها أو غير مالكيها؟ "، وقال الشافعي: قال رسول الله يوم فتح مكة: "من أغلق بابه فهو آمنٌ"، وقال ﷺ : "هل ترك لنا عقيلٌ من ربع"، وقد اشترى عمر ﵁ دار السجن، أترى أنه اشترى من مالكيها أو غير مالكيها؟
стр. 5428
بقوله (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ) [الحج: ٤٠]، [الحشر: ٨] وقال أنسب الديار إلى مالكيها، أو غير مالكيها؟ واشترى عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه دار السجن من مالكيه أو غير مالكيه؟ (سَواءً) بالنصب: قراءة حفص. والباقون على الرفع. ووجه النصب أنه ثانى مفعولي (جعلناه)، أى: جعلناه مستويا الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ وفي القراءة بالرفع. الجملة مفعول ثان. "الإلحاد": العدول عن القصد، وأصله إلحاد الحافر. وقوله (بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ) حالان مترادفتان. ومفعول (يُرِدْ) متروك ليتناول كل متناول، كأنه قال: ومن يرد فيه مرادا ما عادلا عن القصد ظالما (نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ) يعنى أنّ الواجب على من كان فيه أن يضبط نفسه ويسلك طريق السداد والعدل في جميع ما يهمّ به ويقصده. وقيل: الإلحاد في الحرم منع الناس عن عمارته وعن سعيد بن جبير: الاحتكار. وعن عطاء: قول الرجل في المبايعة «لا والله، وبلى والله» وعن عبد الله بن عمر أنه كان له فسطاطان، أحدهما: في الحل، والآخر في الحرم، فإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الحل، فقيل له، فقال، كنا نحدث أن من الإلحاد فيه أن يقول الرجل: "لا والله، وبلى والله". وقرئ: "يرد"، بفتح الياء من الورود. ومعناه: من أتى فيه بإلحاد ظالما. وعن الحسن: ومن يرد إلحاده بظلم، أراد: إلحادا فيه، فأضافه على الاتساع في الظرف، كـ"مكر الليل". ومعناه: من
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال إسحاق: فلما علمتُ أن الحجة قد لزمتني تركتُ قولي.
قوله: (إلحادُ الحافر)، أي: حافرُ القبر. الجوهري: اللحدُ بالتسكين: الشقُّ في جانب القبر.
قوله: (فُسطاطانِ)، الفسطاطُ: السُّرادقُ، وقيل: الفسطاط: ضربٌ من الأبنية.
стр. 5429
يرد أن يلحد فيه ظالما. وخبر "إن" محذوف لدلالة جواب الشرط عليه، تقديره: إن الذين كفروا ويصدون عن المسجد الحرام نذيقهم من عذاب أليم، وكل من ارتكب فيه ذنبا فهو كذلك. عن ابن مسعود: الهمة في الحرم تكتب ذنبا.
(وَإِذْ بَوَّانا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) ٢٦ [
واذكر حين جعلنا (لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ) مباءة، أى: مرجعا يرجع إليه للعمارة والعبادة. رفع البيت إلى السماء أيام الطوفان وكان من ياقوتة حمراء، فأعلم الله إبراهيم مكانه بريح أرسلها يقال لها الخجوج: كنست ما حوله، فبناه على أسه القديم. و"أن" هي المفسرة. فإن قلت: كيف يكون النهى عن الشرك والأمر بتطهير البيت تفسيرا للتبوئة؟ قلت: كانت التبوئة مقصودة من أجل العبادة، فكأنه قيل: تعبدنا إبراهيم قلنا له: (لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ) من الأصنام والأوثان «١» والأقذار أن تطرح حوله. وقرئ: "يشرك"، بالياء على الغيبة.
(وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَاتُوكَ رِجالاً وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَاتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) ٢٧ [
(وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ) ناد فيهم. وقرأ ابن محيصن: "وآذن". والنداء بالحج: أن يقول: حجوا، أو عليكم بالحج. وروى أنه صعد أبا قبيس فقال: يا أيها الناس
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (يقال له: الخجوج)، بفتح الخاء المعجمة، وبالجيمين. الجوهري: ريحٌ خجُوجٌ: تلتوي في هبوبها. الأصمعي: الخجوجُ من الرياح: الشديدة المرة.
قوله: (تعبدنا إبراهيم)، الأساس: تعبدني فلانٌ واعتبدني: صيرني كالعبد له، أي في التكليف بالأمر والنهي.
стр. 5430
حجوا بيت ربكم. وعن الحسن أنه خطاب لرسول الله ﷺ ، أمر أن يفعل ذلك في حجة الوداع «٣» (رِجالًا) مشاة جمع راجل، كقائم وقيام. وقرئ: "رجالا"، بضم الراء مخفف الجيم ومثقله، و"رجالي" كعجالى عن ابن عباس.
(وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ) حال معطوفة على حال، كأنه قال: رجالا وركبانا (يَاتِينَ) صفة ل (كل ضامر)، لأنه في معنى الجمع. وقرئ: "يأتون"، صفة للرجال والركبان. و"العميق": البعيد، وقرأ ابن مسعود: "معيق". يقال: بئر بعيدة العمق والمعق.
[(لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ)].
نكر المنافع لأنه أراد منافع مختصة بهذه العبادة دينية ودنيوية لا توجد في غيرها من العبادات. وعن أبى حنيفة ﵀: أنه كان يفاضل بين العبادات قبل أن يحج، فلما حجّ فضل الحج على العبادات كلها، لما شاهد من تلك الخصائص.
وكنى عن النحر والذبح بذكر اسم الله،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ورُجالى)، وهو جمعُ رجلانَ، كسكران وسُكارى، وهو بمعنى الراجل، قال كُثيرُ عزة:
على إذا لاقيتها في سلامةٍ … زيارة بيت الله رجلان حافيا
قوله: (نكر المنافع)، يعني: دل التنكيرُ فيها على تفخيم المنافع وتكثيرها بحيثُ لا توجد في غيرها. وعن بعض العارفين: هي سُبحاتُ البادية وزلفاتها: الليليةُ والنهارية.
стр. 5431
لأن أهل الإسلام لا ينفكون عن ذكر اسمه إذا نحروا أو ذبحوا. وفيه تنبيه على أن الغرض الأصلى فيما يتقرّب به إلى الله أن يذكر اسمه، وقد حسن الكلام تحسينا بينا: أن جمع بين قوله (لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ)، وقوله: (عَلى ما رَزَقَهُمْ) ولو قيل: لينحروا في أيام معلومات بهيمة الأنعام، لم تر شيئا من ذلك الحسن والروعة.
"الأيام المعلومات":
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لأن أهل الإسلام لا ينفكون عن ذكر اسمه إذا نحروا)، تعليلٌ لصحة الكناية، والانتقال من اللازم إلى الملزوم، فإن الشرط فيها أن تكون الملازمة مساويةً إما في نفس الأمر أو بالادعاء والعرف، وليست الكناية في مجرد قوله تعالى: (وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ) بل مع قوله: (عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ)؛ لأن "على" متعلقٌ بالفعل، كأنه قيل: وانحروا بهيمة الأنعام مسمين الله تعالى.
قوله: (وفيه تنبيهٌ)، أي: في العدول من النحر والذبح إلى ذكر اسم الله إدماجٌ وإشارةٌ إلى أن الغرض الأصلي في العبادات ذكرُ اسم الله.
قوله: (وقد حسن الكلام تحسيناً بيناً أن جمع)، يعني: جمع بين ذكر الرازق والمرزوق على طريقة التعليل. وذلك أن رتب ذكر اسم الله على الوصف المناسب، هو كونه رزقاً منه، ويؤيده قوله تعالى: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ)، فإنه تصريحٌ في المقصود، ومع هذه النكتة الجليلة رُوعي فيه معنى الإجمال والتفصيل.
قوله: (الحُسْن والروعة)، الأساس: رُعُته وروعتُه، وارتعتُ منه وأصابته روعةُ الفراق، ووقع ذلك في روعي أي: في خلدي، ومن المجاز: فرسٌ رائع، يروع الرائي بجماله، وكلامٌ رائع.
قوله: (الأيام المعلومات)، المطلع: قيل لها: معلوماتٌ للحرص على علمها بحسابها؛
стр. 5432
أيام العشر عند أبى حنيفة، وهو قول الحسن وقتادة. وعند صاحبيه: أيام النحر.
"البهيمة": مبهمة في كل ذات أربع في البر والبحر، فبينت بالأنعام: وهي الإبل والبقر والضأن والمعز. الأمر بالأكل منها أمر إباحة، لأن أهل الجاهلية كانوا لا يأكلون من نسائكهم، ويجوز أن يكون ندبا لما فيه من مساواة الفقراء ومواساتهم ومن استعمال التواضع. ومن ثمة استحب الفقهاء أن يأكل الموسع من أضحيته مقدار الثلث. وعن ابن مسعود أنه بعث بهدى وقال فيه: إذا نحرته فكل وتصدّق
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لأن وقت الحج في آخرها، وكثرةُ ذكر الله تعالى فيها بالتلبية والتكبير، وقيل لأيام النحر: معلوماتٌ؛ لأن الذكر على بهيمة الأنعام يدلُ على التسمية على نحرها، ونحر الهدايا يكونُ في هذه الأيام قاله الزجاج.
قوله: (أيام العشر)، أي: أيام الليالي العشر.
قوله: (ومن ثم استحبالفقهاء ان يأكل الموسع من أضحيته)، قال مُحيي السُّنة: اتفق العلماء على أن الهدي إذا كان تطوعاً يجوز للمُهدي أن يأكل منه، وكذلك أضحية التطع، واختلفوا في الهدي الواجب مثل دم التمتع والقران، والواجب بإفساد الحج وفواته وجزاء الصيد، وكذلك ما أوجبه على نفسه بالنذر، فذهب قومٌ إلى أنه لا يجوز، وبه قال الشافعي. وقال ابن عمر: لا يأكل من جزاء الصيد والنذور، ويأكل مما سوى ذلك، وبه قال أحمد وإسحاق. وقال مالكٌ: يأكلُ من هدي التمتع ومن كل هدي وجب عليه إلا من فدية الأذى وجزاء الصيد والمنذور. وعند أصحاب الرأي: يأكل من دم التمتع والقران، ولا يأكل من واجب سواهما.
стр. 5433
وابعث منه إلى عتبة، يعنى ابنه. وفي الحديث: «كلوا وادخروا وائتجروا».
(الْبائِسَ) الذي أصابه بؤس أى شدة: و (الْفَقِيرَ) الذي أضعفه الإعسار.
[(ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ)] ٢٩ [.
"قضاء التفث": قص الشارب والأظفار ونتف الإبط والاستحداد، و"التفث": الوسخ، فالمراد قضاء إزالة التفث. وقرئ: "وليوفوا"، بتشديد الفاء (نُذُورَهُمْ)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وادخروا وائتجروا)، ورُوي: "واتجروا". النهاية: وفي حديث الأضاحي: "كلُوا وادخروا وائتجرا" أي: تصدقوا طالبين الأجر بذلك، ولا يجوزُ فيه "اتجروا" بالإدغام؛ لأن الهمزة لا تُدغمُ في التاء، وإنما هو من الأجر لا من التجارة، وقد أجار الهرويُّ في "كتابهِ"، واستشهد عليه بقوله في الحديث: إن رجلاً دخل المسجد وقد قضى النبي ﷺ صلاته فقال: "من يتجر فيقوم ويُصلي معه؟ "، والرواية إنما هي: "يأتجرُ"، وإن صح فيها: "يتجرُ"، فيكون من التجارة لا من الأجر، كأنه بصلاته معه قد حصل لنفسه تجارةً، أي مكسباً.
قوله: (والْفَقِيرَ) الذي اضعفه الإعسارُ)، الأساس: فلانٌ فقيرٌ أصابته النواقر، وعملت فيه الفواقر، أي: الدواهي التي تكسرُ فقار ظهره.
стр. 5434
مواجب حجهم، أو ما عسى ينذرونه من أعمال البر في حجهم (وَلْيَطَّوَّفُوا) طواف الإفاضة، وهو طواف الزيارة الذي هو من أركان الحج، ويقع به تمام التحلل. وقيل: طواف الصدر، وهو طواف الوداع (الْعَتِيقِ) القديم، لأنه أول بيت وضع للناس عن الحسن. وعن قتادة: أعتق من الجبابرة، كم من جبار سار إليه ليهدمه فمنعه الله. وعن مجاهد: لم يملك قط. وعنه: أعتق من الغرق. وقيل: بيت كريم، من قولهم: عتاق الخيل والطير.
فإن قلت: قد تسلط عليه الحجاج فلم يمنع. قلت: ما قصد التسلط على البيت، وإنما تحصن به ابن الزبير، فاحتال لإخراجه ثم بناه. ولما قصد التسلط عليه أبرهة، فعل به ما فعل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أو ما عسى ينذُرونه من أعمال البر)، فالنذرُ على هذا حقيقةٌ، وعلى الأول مجازٌ. الأساس: ومن المجاز: أعطيتُ الرجل نذر جرحه، أي: أرشه؛ لأنه مما نذر رسول الله ﷺ ، أي: أوجبه ما يوجب الرجلُ على نفسه، ولذلك قال: "مواجب حجهم".
قوله: (بيتٌ كريم)، أي: العتيق، بمعنى الكريم، الراغب: كل شيء شرُفض في بابه؛ فإنه يوصفُ بالكرم. وقال بعضهم: الكرمُ بالحرية، إلاأن الحرية قد تُقالُ في المحاسن الصغيرة؛ الكرمُ لا يقال إلا في المحاسن الكبيرة، قال الل تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [الحجرات: ١٣] فعُلِمَ أن الكرم أبلغُ من العتاقة.
الجوهري: العتقُ: الكرم، والعتقُ: الجمال، والعتقُ: الحرية، وكذلك العتاقُ- بالفتح- والعتاقة.
قوله: (وإنما تحصن به ابن الزبير)، قال أبو حنيفة الدينوريُّ في "الأخبار الطوال": سار الحجاجُ من الطائف حتى دخل مكة، ونصب المنجنيق على أبي قُبيس، وتحصن منه ابن
стр. 5435
[(ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلاَّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ* حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ) [.
(ذلِكَ) خبر مبتدإ محذوف، أى: الأمر والشأن ذلك، كما يقدّم الكاتب جملة من كتابه في بعض المعاني، ثم إذا أراد الخوض في معنى آخر قال: هذا وقد كان كذا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الزُّبير في المسجد، فجعلوا يرمون أهل المسجد، واشتد على ابن الزبير وأصحابه الحصارُ وجعل أهل الشام يدخلون المسجد، فيشتد عليهم ابن الزبير، فيخرجهم، فأحدقوا به من كل جانب، فضربوه بأسيافهم حتى قتلوه ﵀. فأمر به الحجاج فصلب، وأقام الحجاج بمكة حتى قضى الناس الحج؛ وأمر بالكعبة فنُقضت، وأعاد بناءها، وهو هذا البناء القائم اليوم، وقصة إبراهيم ستجيءُ، إن شاء الله تعالى.
قوله: (قال: هذا، وقد كان كذا)، يريدُ أن "ذلك" هاهنا نحو "هذا" في قوله تعالى: (هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ) [ص: ٥٥] وأنهُ من فصل الخطاب، وهاهنا لما ذكر نُبذاً من مناسك الحج وكان حديثاً في بيان التوصية في حُرمات الحج، وتعظيم شعائر الله، ناسب أن يذكر سائر المحرمات استطراداً، فقدم من أمهات الخبائث ما يستتبع سائرها من الشرك، وقول الزور، وجعل التخلص إلى ذكرهما ما كانوا يعظمونها من النسائك والقرابين تشبيهاً لها بالمعبود بالحق، فقال: (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ) ثُم قصد إلى تحقير شأنها بأن جرد من الأصنام مثل الرجس، وأدخل عبادتها في جنس قول الزور، ومثل لعبادتها تمثيلاً عجيباً وتصويراً غريباً حيث قال: (فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنْ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ
стр. 5436
و"الحرمة": ما لا يحل هتكه. وجميع ما كلفه الله تعالى بهذه الصفة من مناسك الحج وغيرها، فيحتمل أن يكون عاما في جميع تكاليفه، ويحتمل أن يكون خاصا فيما يتعلق بالحج. وعن زيد بن أسلم: "الحرمات خمس الكعبة الحرام، والمسجد الحرام، والبلد الحرام، والشهر الحرام، والمحرم حتى يحل (فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ) أى فالتعظيم خير له. ومعنى التعظيم: العلم بأنها واجبة المراعاة والحفظ والقيام بمراعاتها.
المتلوّ لا يستثنى من الأنعام، ولكن المعنى (إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ) آية تحريمه، وذلك قوله في سورة المائدة (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ)] المائدة: ٣ [والمعنى: أنّ الله قد أحل لكم الأنعام كلها إلا ما استثناه في كتابه، فحافظوا على حدوده، وإياكم أن تحرموا مما أحل شيئا، كتحريم عبدة الأوثان البحيرة والسائبة وغير ذلك، وأن تحلوا مما حرم الله، كاحلالهم أكل الموقوذة والميتة وغير ذلك.
لما حث على تعظيم حرماته وأحمد من يعظمها أتبعه الأمر باجتناب الأوثان وقول
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ)، ولما أراد أن يكِرَّ إلى ما بُدئ به من حديث المناسك أعاد بفصل الخطاب فقال: "ذلك ومن يعظم شعائر الله فنها من تقوى القلوب".
قوله: (المتلو لا يُستثنى من الأنعام)، يعني: ظاهرُ قوله: (إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ) مستثنى من قوله: (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ) وليس المتلو من جنس الأنعام، فلا يصحُّ الاستثناء، لكن التقدير: "إلا ما يتلى عليكم" آية تحريمه" آية تحريمه، والمتلو في تحريم الأشياء المحرمة في سورة المائدة هو قوله: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) الآية [المائدة: ٣].
قوله: (لما حث على تعظيم حرماته، وأحمد من يعظمها، أتبعه الأمر باجتناب الأوثان)، إشارةٌ إلى أن قوله: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ) محمولٌ على أحد الوجهين السابقين، وهو العموم المشار إليه بقوله: "فيحتمل أن يكون عاماً في جميع تكاليفه"، ليدخُل فيه
стр. 5437
الزور، لأن توحيد الله ونفى الشركاء عنه وصدق القول أعظم الحرمات وأسبقها خطوا. وجمع الشرك وقول الزور في قران واحد، وذلك أنّ الشرك من باب الزور لأنّ المشرك زاعم أنّ الوثن تحق له العبادة، فكأنه قال: فاجتنبوا عبادة الأوثان التي هي رأس الزور واجتنبوا قول الزور كله لا تقربوا شيئا منه لتماديه في القبح والسماجة. وما ظنك بشيء من قبيله عبادة الأوثان. وسمى الأوثان رجسا وكذلك الخمر والميسر والأزلام، على طريق التشبيه. يعنى: أنكم كما تنفرون بطباعكم عن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المحرماتُ التي تتعلق بالحج دخولاً أولياً، وأن قوله تعالى: (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ) وقوله: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ) تعريضٌ وإيماءٌ إلى بيان النوعين من قبائح المشركين، أحدهما: تحريمهم السوائب والحام والوصيلة، وتحليل الميتة والدم وغيرهما. وثانيهما: عكوفهم على عبادة الأوثان، فأتى بهما تخصيصاً بعد تعميم ليؤذن بأنهما من أعظم أنواع المحرمات، ثم ضم مع عبادة الأوثان قول الزور، ولم يعطف عليه، بل أعاد الفعل؛ ليكون مستقلاً في الاجتناب عنهُ، وما اكتفي بذلك، بل جعل التعريف للجنس؛ ليكون من باب عطفِ العامِّ على الخاص.
قوله: (في قرانٍ واحد)، أي: أدخلهما في حُكم الأمر بالاجتناب عنهما، ورُوعي فيه تأخيرُ العامِّ عن الخاص، على عكس قوله تعالى: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ) تناول بظاهره كل ما تنفر عنه النفس والطبيعة من القاذورات، وحين بينه بقوله: (مِنْ الأَوْثَانِ) عُلم منه تشبيه الأوثان به، كقوله تعالى: (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ) [البقرة: ١٨٧]، ولما قال: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ) [المائدة: ٩٠] فُهم منه التشبيه؛ لعدم صحة الحمل، فكأنه قيل: هي كالرجس، كقولك: زيدٌ أسدٌ، لكن الأول من التشبيه الواقع على طريق التجريد، فجُرد من الرجس شيءٌ يسمى وثناً، وهو هو، والجهة الجامعة: تنفيرُ النفس،
стр. 5438
الرجس وتجتنبونه، فعليكم أن تنفروا عن هذه الأشياء مثل تلك النفرة. ونبه على هذا المعنى بقوله (رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ)] المائدة: ٩٠ [جعل العلة في اجتنابه أنه رجس، والرجس مجتنب (مِنَ الْأَوْثانِ) بيان للرجس وتمييز له، كقولك: عندي عشرون من الدراهم، لأنّ الرجس مبهم يتناول غير شيء، كأنه قيل: فاجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان. والزور من الزور والازورار وهو الانحراف، كما أنّ الإفك من أفكه إذا صرفه. وقيل "قَوْلَ الزُّورِ" قولهم: (هذا حلال وهذا حرام)] النحل: ١١٦ [، وما أشبه ذلك من افترائهم. وقيل: شهادة الزور. عن النبي ﷺ أنه صلى الصبح فلما سلم قام قائما واستقبل الناس بوجهه وقال «عدلت شهادة الزور الإشراك بالله، عدلت شهادة الزور الإشراك بالله، عدلت شهادة الزور الإشراك بالله» «١» وتلا هذه الاية. وقيل: الكذب والبهتان. وقيل: قول أهل الجاهلية في تلبيتهم: "لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك". يجوز في هذا التشبيه أن يكون من المركب والمفرق.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وإليه الإشارة بقوله: "كما تنفرون بطباعكم عن الرجس وتجتنبونه فعليكم أن تنفروا عن هذه الأشياء".
قوله: (جعل العلةَ في اجتنابه أنه رجس)، يعني: جمع الأشياء في معنى الرجس، ثم رتب على ذلك بالفاء قوله: (فَاجْتَنِبُوهُ) ترتُّباً للحكم على الوصف المناسب.
قوله: (عن النبي ﷺ "أنه صلى الصبح، فلما سلم")، الحديث من رواية الإمام أحمد والترمذي وأبي داود وابن ماجه، عن أيمن بن خريم: أن النبي ﷺ قام خطيباً فقال: "يا أيها الناس، عدلت شهادة الزُّور إشراكاً بالله" ثم قرأ رسول الله ﷺ : فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ * حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ).
قوله: (يجوزُ في هذا التشبيه أن يكون من المركب والمفرق)، فالمركبُ يجوزُ أن يكونَ
стр. 5439
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عقلياً بأخذِ الزُّبدةِ والخلاصة من المجموع، وأن يكون تمثيلياً بأن تشبهَ الحالةُ المنتزعةُ بمثلها المقدرة.
الانتصاف: تقديرُ كونه مفرقاً تشبيهٌ للمشرك بالهاوي من السماء إن كان من ردة، كمثل من علا السماء ذاهباً ثم أهبط بارتداده. وإن كان مشركاً أصلياًّ، فقد عُدَّ تمكنهُ منَ الإيمان وعدولُه عنه بمنزلةِ الصاعد ثم الهابط، كقوله تعالى: (يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) [البقرة: ٢٥٧]، ولم يدخلوا في النور بل كانوا متمكنين منه، وفي قول الزمخشري: "الأهواءُ التي تتوزعُ أفكاره بالطير المختطفة، والشيطان الذي يطوح به في وادي الضلالة بالريح التي تهوي بما عصفت به في بعض المهاوي المتلفة" نظرٌ؛ لأنه رجع بهما إلى أمرٍ واحد؛ إذ الأفكارٌ من نتائج وسوسة الشيطان، والآية سيقت لجعلهما شيئين، والذي يتضح في التشبيهين غير ذلك. فالكافرون قسمان، أحدهما: مُذبذبٌ شاكٌّ ليس بمصمم، وهذا مشبهٌ بمن اختطفه الطيرُ فلا يتولى طائرٌ منه على مزعةٍ إلا انتهبها منه آخرُ، كذا المُذبذبُ متى لاح له خيالٌ اتبعه، وترك ما كان عليه. والآخر مصممٌ لا يرجع، وهو فرحٌ بضلاله، فهو مشبهٌ باستقرار من ألقته الريح في وادٍ فاستقر فيه.
وقال القاضي: (أوْ) للتخيير، كما في قوله: (أَوْ كَصَيِّبٍ) [البقرة: ١٩]، أو للتنويع، فن من المشركين من لا خلاص له أصلاً، ومنهم من يمكنُ خلاصه بالتوبة ولكن على بُعد.
وقلتُ: الذي عليه ظاهرُ كلام الله المجيد أن (أوْ) للتخيير، وهُو المختارُ عند المصنفِ رحمه الله تعالى؛ لأن المشبه هو المشرك، والمشبه به من خر من السماء، ثم هذا الشخصُ المخرور منها بين حالين: إما أن تخطفه الطيرُ، أو تهوي به الريح، فإن (أَوْ تَهْوِي بِهِ) عطفٌ على (فَتَخْطَفُهُ)، وهو عطفٌ على (خَرَّ). قال أبو البقاء: (خَرَّ) بمعنى: يخرُّ؛ ولذلك عطف عليه (فَتَخْطَفُهُ).
стр. 5440
فإن كان تشبيها مركبا فكأنه قال: من أشرك بالله فقد أهلك نفسه إهلاكا ليس بعده نهاية، بأن صور حاله بصورة حال من خرّ من السماء فاختطفته الطير،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقلتُ: في إيثار المضارع إشعارٌ باستحضار تلك الحالة العجيبة في مشاهد المخاطب تعجيباً له.
واعلم أن تشبيه الأفكار المتوزعة بخطف الطير مأخوذٌ من قوله تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ) [الزمر: ٢٩]. قال المصنف: "فهو متحيرٌ في أمره، قد تشعبت الهمومُ قلبه، وتوزعت أفكاره، لا يدري أيهم يُرضي؟ ".
وأن تشبيه الشيطان المضل بالريح المهوية إلى مكان سحيق مأخوذٌ من قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً) [مريم: ٨٣]. قال: "تُغريهم على المعاصي، وتهيجهم لها، فتؤديهم إلى التمادي في الغي، والإفراط في العناد، والتصميم على الكفر، وإلى الضلال البعيد"، وإلى هذا الإشارة بقوله تعالى: (فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ). وإذا حُمِلَ (أوْ) على التخيير يُمكن أن يُحمل على المعنيين كما قال في قوله تعالى: (أَوْ كَصَيِّبٍ مِنْ السَّمَاءِ) [البقرة: ١٩]: "معناه: أن كيفية قصة المنافين مشبهةٌ بكيفيتي هاتين القصتين، وأن القصتين سواءٌ في استقلال كل واحدةٍ منهما بوجه التمثيل، فبأيتهما مثلتَ فأنت مُصيب، وإن مثلتها بهما جميعاً فكذلك". ولهذا عطف في المفرق قوله: "والشيطان الذي يطوح"، بالواو على "الأهواء التي تتوزع" ليؤذن به أن (أَوْ تَهْوِي) عطفٌ على (فَتَخْطَفُهُ)، والمجموعُ تشبيهٌ واحد، وعطف في المركب قوله: "أو عصفت به الريحُ" على قوله: "خر من السماء فاختطفه الطير" بـ"أوْ" ليشير به إلى أن قوله: (أَوْ تَهْوِي) عطفٌ على قوله: (خَرَّ مِنْ السَّمَاءِ)، والمجموع تشبيهان؛ لأن المركب يكفي في أخذ الزبدة من كل واحد من المعطوف والمعطوف عليه، بخلاف المُفرقِ فإنهُ كلما كانت المفردات أكثر كان التشبيه أحسن، وفي القبول أدخل.
стр. 5441
فتفرق مزعا في حواصلها، أو عصفت به الريح حتى هوت به في بعض المطاوح «٣» البعيدة. وإن كان مفرقا فقد شبه الإيمان في علوه بالسماء، والذي ترك الإيمان وأشرك بالله بالساقط من السماء، والأهواء التي تتوزع أفكاره بالطير المختطفة، والشيطان الذي يطوّح به في وادى الضلالة بالريح التي تهوى بما عصفت به في بعض المهاوى المتلفة. وقرئ: "فتخطفه". بكسر الخاء والطاء. وبكسر التاء مع كسرهما، وهي قراءة الحسن. وأصلها: تختطفه. وقرئ: "الرياح".
[(ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢) لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ)].
تعظيم الشعائر - وهي الهدايا، لأنها من معالم الحج -: أن يختارها عظام الأجرام
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فتفرقَ مُزعاً)، الجوهري: التمزيعُ التفريق، والمزعة بالضم والسكون: قطعةُ لحم.
قوله: (يطرحُ)، الجوهري: طاح يطوحُ: هلك.
قوله: (وقرئ: "فتخطفه")، يعني: بالفتحات، أصله: فتخطتفه، نُقلت حركةُ التاء إلى الخاء، وأدغمت في الطاء.
قوله: (وبكسر الخاء والطاء)، أصله: تختطفه أيضاً، حُذفت حركةُ التاء، ثم أدغمت في الطاء، وحُركت الخاء والتاء بالكسر لالتقاء الساكنين، وأُتبعتِ الطاءُ الخاء.
قوله: (وبكسر التاء مع كسرهما)، أي: مع كسر الخاء والطاء، وجهُ هذا مثل الوجه الثاني إلا أنه كسر التاء أيضاً، فلذلك جعل المصنفُ الثاني والثالث كالوجه الواحد، وقال: "أصلُهما" يريدُ أصل الثاني والثالث.
قوله: (تعظيمُ الشعائر)، هو مبتدأ، والخبرُ: "أن يختارها عظام الأجرام"، وقوله: "وهي
стр. 5442
حسانا سماناً غالية الأتمان، ويترك المكاس في شرائها، فقد كانوا يغالون في ثلاث - ويكرهون المكاس فيهنّ -: الهدى، والأضحية، والرقبة. وروى ابن عمر عن أبيه رضى الله عنهما أنه أهدى نجيبة طلبت منه بثلاث مائة دينار، فسأل رسول الله ﷺ أن يبيعها ويشترى بثمنها بدنا.
فنهاه عن ذلك وقال: «بل أهدها» وأهدى رسول الله ﷺ مئة بدنة، فيها جمل لأبى جهل في أنفه برّة من ذهب. وكان ابن عمر ﵁ يسوق البدن مجللة بالقباطى «٣» فيتصدّق بلحومها وبجلالها «٤»، ويعتقد أن طاعة الله في التقرّب بها وإهدائها إلى بيته المعظم أمر عظيم لا بدّ أن يقام به ويسارع فيه (فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) أى فإن تعظيمها من أفعال ذوى تقوى القلوب، فحذفت هذه المضافات، ولا يستقيم المعنى إلا بتقديرها، لأنه لا بد من راجع من الجزاء إلى "مَنْ" ليرتبط به،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهدايا تفسيرٌ للشعائر"، وقوله: "لأنها من معالم الحج" تعليلٌ لتسمية الهدايا بالشعائر، ويؤيد تفسير الشعائر بالهدايا في هذا المقام قوله تعالى في آخر الآية التالية: (ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ)؛ ولهذا نقل قول من فسر الشعائر: بالمناسك كلها، وردهُ بهذه العلة حيثُ قال: "و (ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ) يأباه".
قوله: (بُرة)، البُرةُ: حلقةٌ من صُفرٍ تُجعلُ في أنفِ البعير.
قوله: (مجللةً بالقباطي)، النهاية: القُبطيةُ: الثوبُ من ثياب مصر رقيقةٌ بيضاء، كأنه منسوبٌ إلى قبط، وهم أهل مصر، وضم القاف من تغيير النسب، وهذا في الثياب، وأما في الناس فقبطيٌّ بالكسر.
قوله: (ويعتقد)، بالنصب، عطفٌ على "أن يختارها".
قوله: (ولا يستقيم المعنى إلا بتقديرها؛ لأنه لابد من راجع … إلى"مَن")، أي: لابد من رابطة تربط الجزاء مع الشرط. قال صاحب "التقريب": وفيه نظرٌ؛ لأنه إنما يُحتاجُ إلى المضمرات إذا جُعل من للتبعيض، فإن جُعلت للابتداء لم يُحتج إلى إضمار "أفعال"، ولا "ذوي"؛ إذ المعنى: فإن تعظيمها ناشئٌ من تقوى القلوب.
стр. 5443
وإنما ذكرت القلوب لأنها مراكز التقوى التي إذا ثبتت فيها وتمكنت، ظهر أثرها في سائر الأعضاء. (إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى) إلى أن تنحر ويتصدق بلحومها ويؤكل منها. و (ثُمَّ) للتراخي في الوقت، فاستعيرت للتراخي في الأحوال. والمعنى: أن لكم في الهدايا منافع كثيرة في دنياكم ودينكم، وإنما يعتدّ الله بالمنافع الدينية، قال سبحانه (تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ)] الأنفال: ٦٧ [وأعظم هذه المنافع وأبعدها شوطا في النفع: (مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ) أى وجوب نحرها. أو وقت وجوب نحرها في الحرم منتهية إلى البيت، كقوله (هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ)] المائدة: ٩٥ [والمراد نحرها في الحرم الذي هو في حكم البيت، لأن الحرم هو حريم البيت. ومثل هذا في الاتساع قولك: "بلغنا البلد"، وإنما شارفتموه واتصل مسيركم بحدوده. وقيل: المراد ب"الشعائر": المناسك كلها، و (مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ) يأباه.
[(وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ) ٣٤ - ٣٥].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقلتُ: فعلى هذا لابد من جعل اللام بدلاً من المضاف إليه للربط، كما أن الراجع من تقدير المصنف ما دل عليه عمومُ ذوي القلوب، قال أبو البقاء: والعائدٌ على من محذوفٌ، أي: فإن تعظيمها منه، أو من تقوى القلوب منهم، ويُخرجُ على قول الكوفيين أن يكون التقديرُ: من تقوى قلوبهم، والألف واللامُ بدلٌ من الضمير.
قوله: (وإنما ذُكرت القلوبُ؛ لأنها مراكزُ التقوى)، يعني: أُطلقتِ القلوبُ على الجملة كلها إطلاقاً للبعض على الكل؛ لأن التقوى لا تختصُّ بالقلب، فإن لكل عُضو تقوى، ولكونه رئيس الأعضاء وأِرفها صح هذا المجازُ لقوله تعالى: (فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ) [البقرة: ٢٨٣].
стр. 5444
شرع الله لكل أمة أن ينسكوا له: أى يذبحوا لوجهه على وجه التقرّب، وجعل العلة في ذلك أيذكر اسمه تقدست أسماؤه على النسائك: وقرئ (مَنْسَكاً) بفتح السين وكسرها، وهو مصدر بمعنى النسك، والمكسور يكون بمعنى الموضع (فَلَهُ أَسْلِمُوا) أى أخلصوا له الذكر خاصة، واجعلوه لوجهه سالما، أى: خالصا لا تشوبوه بإشراك.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: (مَنْسَكاً) بفتح السين وكسرها)، حمزة والكسائي: بالكسر، والباقون: بالفتح.
قوله: (أي: أخلصوا له الذكر خاصة)، فـ"أخلِصُوا": تفسيرٌ لقوله: (أَسْلِمُوا)، وقوله: "خاصةً" تأكيدٌ له وتأويل لتقديم الجار والمجرور على عامله، وإنما قيد (أَسْلِمُوا) وهو مطلقٌ بأخلصوا الذكر؛ لأن قوله: أسلموا مترتبٌ على قوله: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ)، فالفاء في (فَلَهُ أَسْلِمُوا) الفاء في (فَاسْتَبَقُوا) في قوله تعالى: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً) إلى قوله: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) [المائدة: ٤٨]، وفي قوله تعالى: (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) [البقرة: ١٤٨]، قال المصنف: "لكل أمةٍ قبلةٌ تتوجه إليها منكم ومن غيركم، فاستبقوا أنتم الخيرات، واستبقوا إليها غيركم من أمرِ القبلة وغيرها".
وهاهنا لما كانت الجملةُ الأولى- أعني قوله: (لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ) - متضمنةً لمعنى الإخلاص؛ لأن المقصود الأولى من الذبح ذكرُ اسم الله، ولا ارتياب أن الذكر لا يكونُ معتداً به إذا كان مشوباً بشيء من الرياء، ولذلك قال: "أي: يذبحوا لوجهه على وجه التقرب" جعل قوله: (فَلَهُ أَسْلِمُوا) المفيد للإخلاص منطوقاً ومفهوماً مسبباً عنها، ولما أُريد مزيدُ الحض، والبعثُ على الأمر أوقع قوله: (فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) في البين تمهيداً للثاني، وجعله مسبباً عن السابق، وسبباً للاحق، المصنفُ ما ذكر هذا التمهيد
стр. 5445
"المخبتون": المتواضعون الخاشعون، من الخبت وهو المطمئن من الأرض. وقيل: هم الذين لا يظلمون، وإذا ظلموا لم ينتصروا. وقرأ الحسن "وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ" بالنصب على تقدير النون. وقرأ ابن مسعود: "والمقيمين الصلاة"، على الأصل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
واكتفى بذكرِ السابق واللاحق، فكأنهُ قيل: شرع لكل أمةٍ من الأمم: السابقة والحاضرة منكم ومن غيركم أن ينحروا النسيكة خالصاً لوجه الله تعالى، وتُخلصوا له الذكر، وإذا كان كذلك فأنتم- أيتها العصابةُ من أمة محمدٍ ﷺ -أحرى بذلك؛ لأن إلهكم إلهٌ واحدٌ فأخلصوا له الذكر خاصة، واجعلوه لوجهه سالماً خالصاً لا تشوبوه بإشراكٍ كما قال: "فاستبقوا أنتم الخيرات، واستبقوا إليها غيركم من أمر القبلة وغيرها"، وفيه تعريضٌ بالمشركين.
قوله: (وقرأ الحسنُ: "المقيمي الصلاة"، بالنصب على تقدير النون)، قال ابن جني: وهي قراءةُ إسحاق، ورُويت عن أبي عمرو. أراد "المقيمين" فحذف النون تخفيفاً، لا لتعاقبها الإضافةُ، وشبه ذلك بـ"الذين" في قوله:
فإن الذي حانت بفلج دماؤهم … هم القومُ كل القوم يا أم خالد
حذف النون تخفيفاً لطول الاسم، وأما الإضافة فساقطةٌ هنا، وعليه قول الأخطل:
أبني كُليب إن عمي اللذا … قتلا الملك وفككا الأغلالا
ونحوه بيتُ "الكتاب":
الحافظو عورةَ العشيرة لا … يأتيهم من ورائهم نطفُ
بنصبِ "العورة".
стр. 5446
[(وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) ٣٦].
"الْبُدْنَ" جمع بدنة، سميت لعظم بدنها وهي الإبل خاصة، ولأن رسول الله ﷺ ألحق البقر بالإبل حين قال: «البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة»، فجعل البقر في
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
النطفُ: التلطُّخُ بالعيب، ونطفانُ الماء: سيلانُه.
وقال الزجاجُ: (الْمُقِيمِي الصَّلاةِ) القراءة بالخفض، وإسقاط النون على الإضافة، ويجوز "المقيمين الصلاة" إلا أنه خلافُ المصحف، قيل هو مثلُ قوله:
هم الآمرون الخير والفاعلون … إذا ما خشُوا من مفظع الأمر جانبا
قوله: (ولأن رسول الله ﷺ ألحق البقر بالإبل)، تعليلٌ لما يردُ عقيبه، والجملةُ معطوفةٌ على قوله: "سُميت لعظم بدنها وهي الإبلُ"، المعنى: البدنة في اللغة مضوعة للإبل خاصة، ولأجل أن الشارع ﷺ ألحق البقر بالإبل صارت البدنةُ جنساً متناولاً للنوعين: الإبل والبقر. روينا عن مسلم ومالكٍ والترمذي وأبي داود والنسائي، عن جابرٍ، قال: "كنا نتمتعُ مع رسول الله ﷺ فنذبحُ البقرة عن سبعة"، وفي رواية: "قد خرجنا مع رسول الله ﷺ مهلين بالحج، فأمرنا رسولُ الله ﷺ أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعةٍ منا في بدنة"، وفي أخرى لأبي داود قال: قال ﷺ : "البقرةُ عن سبعة، والجزورُ عن سبعة".
стр. 5447
حكم الإبل، صارت البدنة في الشريعة متناولة للجنسين عند أبى حنيفة وأصحابه، وإلا فالبدن هي الإبل وعليه تدل الآية، وقرأ الحسن: "والبدن"، بضمتين، ك"ثمر" في جمع "ثمرة". وابن أبى إسحاق بالضمتين وتشديد النون على لفظ الوقف. وقرئ بالنصب والرفع كقوله (وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ)] يس: ٣٩ [. (مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ) أى من أعلام الشريعة التي شرعها الله. وإضافتها إلى اسمه: تعظيم لها (لَكُمْ فِيها خَيْرٌ) كقوله (لَكُمْ فِيها مَنافِعُ) ومن شأن الحاج أن يحرص على شيء فيه خير ومنافع بشهادة الله.
عن بعض السلف أنه لم يملك إلا تسعة دنانير، فاشترى بها بدنة، فقيل له في ذلك، فقال: "سمعت ربى يقول (لَكُمْ فِيها خَيْرٌ) " وعن ابن عباس: دنيا وآخرة. وعن إبراهيم: من احتاج إلى ظهرها ركب، ومن احتاج إلى لبنها شرب. وذكر اسم الله: أن يقول عند النحر: الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر، اللهم منك وإليك.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال القاضي: "ولا يلزمُ من مشاركة البقر لها في إجزائها عن سبعةٍ تناولُ اسم البدنة لها شرعاً".
قوله: (وعليه تدلُّ الآيةُ)، أي: على أن المراد بالبُدن الإبلُ، لأن قوله تعالى: (مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) وقوله تعالى: (فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ) وقوله: (فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا) من خصائص نحر الإبل لا البقر.
قوله: (اللهم منك وإليك)، الحديث من رواية الترمذي وأبي داود، عن جابر ﵁ قال: ذبح النبيُّ ﷺ يوم الذبح كبشين أقرنين أملحين موجوءين، فلما وجههما قال: "إني وجهتُ وجهي للذي فطر السماوات والأرض على ملة إبراهيم حنيفاً وما أنا من المشركين، (إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي) [الأنعام: ١٦٢] الآية، اللهم منك ولك، اللهم عن محمدٍ وأمته، بسم الله والله أكبر"، ثم ذبحَ.
стр. 5448
(صَوافَّ) قائمات قد صففن أيديهنّ وأرجلهنّ. وقرئ: "صوافن"، من صفون الفرس، وهو أن يقوم على ثلاث وينصب الرابعة على طرف سنبكه، لأن البدنة تعقل إحدى يديها فتقوم على ثلاث. وقرئ: "صوافي"، أي: خوالص لوجه الله. وعن عمرو بن عبيد: "صوافنا"، بالتنوين عوضا من حرف الإطلاق عند الوقف. وعن بعضهم: "صوافي" نحو مثل العرب. "أعط القوس باريها"، بسكون الياء.
و"جوب الجنوب": وقوعها على الأرض، من وجب الحائط وجبة إذا سقط. ووجبت الشمس جبة: غربت. والمعنى: فإذا وجبت جنوبها وسكنت نسائسها حل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
منك: أي: عطاؤك وصادرٌ منك، وإليك: أي: تقرُباً إليك.
قوله: (وقرئ: صوافن)، قال ابن جني: وهي قراءة ابن مسعودٍ وأبي عمرو وابن عباس، وقرأ: صوافي: أبو موسى الأشعري والحسن.
قوله: (أعطِ القوس باريها)، قال الميداني: أي: استعنْ على عملك بأهل المعرفة اولحذقِ فيه ويُنشدُ:
يا باري القوس برياً لست تُحسنُها … لا تفسدنها وأعط القوس باريها
قوله: (نسائسها)، الجوهري: النسيسُ: بقيةُ الروح، ومنه قول الشاعر:
فقد أودى إذا بُلِغَ النسيسُ
стр. 5449
لكم الأكل منها والإطعام (الْقانِعَ) السائل، من قنعت إليه وكنعت: إذا خضعت له وسألته قنوعا (وَالْمُعْتَرَّ) المعترض بغير سؤال، أو "القانع" الراضي بما عنده وبما يعطى من غير سؤال، من قنعت قنعا وقناعة.
و"المعتر": المعترض بسؤال. وقرأ الحسن: و"المعترى". وعرّه وعراه واعتراه واعتره: بمعنى.
وقرأ أبو رجاء: "القنع"، وهو الراضي لا غير. يقال: قنع فهو قنع وقانع.
منّ الله على عباده واستحمد إليهم بأن سخر لهم البدن مثل التسخير الذي رأوا وعلموا، يأخذونها منقادة للأخذ طيعة فيعقلونها ويحبسونها صافة قوائمها، ثم يطعنون في لباتها. ولولا تسخير الله لم
تطق، ولم نكن بأعجز من بعض الوحوش التي هي أصغر منها جرما وأقل قوّة، وكفى بما يتأبد من الإبل شاهدا وعبرة.
[(لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ) ٣٧].
أي: لن يصيب رضا الله اللحوم المتصدق بها ولا الدماء المهراقة بالنحر، والمراد أصحاب اللحوم والدماء، والمعنى: لن يرضى المضحون والمقرّبون ربهم إلا بمراعاة النية والإخلاص والاحتفاظ بشروط التقوى في حل ما قرب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (واستحمد إليهم). الأساس: واستحمد الله على خلقه بإحسانه إليهم، وإنعامه عليهم، يعني: أن الله تعالى من على عباده بقوله: (كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ) وطلب منهم أن يشكروه بسبب تسخيره لهم ذلك البُدن العظيم تسخيراً مثل ذلك التسخير العجيب الشأن الذي عرفوهُ وعلموه، ونبه عليه بقوله: (فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا) الآية. قال أبو البقاء: (كَذَلِكَ) الكافُ: نعتٌ لمصدرٍ محذوف، أي: سخرناها تسخيراً مثل ما ذكرنا.
стр. 5450
به، وغير ذلك من المحافظات الشرعية وأوامر الورع. فإذا لم يراعوا ذلك، لم تغن عنهم التضحية والتقريب وإن كثر ذلك منهم. وقرئ: (لن تنال الله. ولكن تناله): بالتاء والياء. وقيل: كان أهل الجاهلية إذا نحروا البدن نضحوا الدماء حول البيت ولطخوه بالدم، فلما حج المسلمون أرادوا مثل ذلك، فنزلت.
كرّر تذكير النعمة بالتسخير ثم قال: لتشكروا الله على هدايته إياكم لأعلام دينه ومناسك حجه، بأن تكبروا وتهللوا، فاختصر الكلام بأن ضمن التكبير معنى الشكر، وعدى تعديته.
[(إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ) ٣٨].
خص المؤمنين بدفعه عنهم ونصرته لهم، كما قال (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا) [غافر: ٥١]، وقال: (إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ) [الصافات: ١٧٢] قال: (وَأُخْرى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ … وَلَكِنْ يَنَالُهُ) بالياء والتاء)، بالياء التحتاني: السبعةُ، والتاءُ: شاذة.
قوله: (كرر تذكير النعمة)، يعني: قال قبل هذا: "كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون" ثم كرَّ إلى هذا المعنى بقوله: (كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ) بأن ضمن التكبير معنى الشكر، وعداهُ بـ"على"، وإنما حسُن تسميةُ الشكر بالتكبير؛ لأن التكبير على هداية الله تعالى المكلف لأعلام الدين ومناسك الحج: هو النداء على الجميل بسبب إحسانه، وليس معنى الشكر اللساني إلا هذا، فوضع التكبير هاهنا موضع الشكر كوضع (وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ) - في قوله تعالى: (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ) [الحج: ٢٨]- موضع "ينحروا"؛ للإيذان بأن المقصود الأولي من شرعية الأحكام التوحيدُ، وذكرُ الله تعالى وحده وتشييده، وأن رأس الشكر هو الذكرُ باللسان.
стр. 5451
تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ) [الصف: ١٣] وجعل العلة في ذلك أنه لا يحب أضدادهم: وهم الخونة الكفرة الذين يخونون الله والرسول ويخونون أماناتهم ويكفرون نعم الله ويغمطونها. ومن قرأ (يُدافِعُ) فمعناه يبالغ في الدفع عنهم، كما يبالغ من يغالب فيه، لأن فعل المغالب يجيء أقوى وأبلغ.
[(أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ) ٣٩ - ٤١].
(أُذِنَ) و (يُقاتَلُونَ) قرئا على لفظ المبنى للفاعل والمفعول جميعاً: والمعنى:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وجعل العلة في ذلك أنه لا يحب أضدادهم)، يعني: أن الله تعالى إنما ينصرُ المؤمنين؛ لما أنه يبغض أضدادهم، فإن قلت: أليس هذا كقول القائل: إنما أحبكَ لبُغضِ فلان، ويؤدي هذا إلى أنه لولا بُغض فلانٍ لما أحببتك؟ قلت: لا، لأن المعنى: إن الله تعالى ينصرُ الذين آمنوا بالله ورسوله لأنهم لم يخونوا الله ورسوله، ولا يخونوا أماناتهم، ويشكرون نعم الله ولا يغمطونها؛ وكذلك لا يحب من هو على خلاف ما هم عليه من الخيانة والكُفران ويدفعُ شرهم عنهم.
قوله: (ويغمطونها)، النهاية: الغمط، الاستهانةُ والاستحقار، وهو مثلُ الغمص.
قوله: (ومن قرأ: (يُدَافِعُ))، كلهم سوى ابن كثير وأبي عمرو.
قوله: ((أُذِنَ) و (يُقَاتَلُونَ) قُرئا على لفظ المبنى للفاعل)، نافعٌ وعاصمٌ وأبو عمرو:
стр. 5452
أذن لهم في القتال، فحذف المأذون فيه لدلالة (يقاتلون) عليه.
(بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا) أى بسبب كونهم مظلومين وهم أصحاب رسول الله ﷺ : كان مشركو مكة يؤذونهم أذى شديدا، وكانوا يأتون رسول الله ﷺ من بين مضروب ومشجوج يتظلمون إليه، فيقول لهم: "اصبروا فإنى لم أومر بالقتال"، حتى هاجر فأنزلت هذه الآية، وهي أول آية أذن فيها بالقتال بعد ما نهى عنه في نيف وسبعين آية. وقيل: نزلت في قوم خرجوا مهاجرين فاعترضهم مشركو مكة فأذن لهم في مقاتلتهم. والأخبار بكونه قادرا على نصرهم عدة منه بالنصر واردة على سنن كلام الجبابرة، وما مرّ من دفعه عن الذين آمنوا مؤذن بمثل هذه العدة أيضا. (أَنْ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(أُذِنَ لِلَّذِينَ) بضم الهمزة، والباقون: بفتحها. نافعٌ وابن عامر وحفصٌ: (يُقَاتَلُونَ) بفتح التاء، والباقون: بكسرها.
قوله: (وهم أصحاب رسول الله ﷺ ، كان مشركو مكة يؤذونهم أذى شديداً)، في هذا إشعارٌ بأن قوله: (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا) وما بعدها متصلٌ بقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ)، والآيات الواردة في بيان شعائر الحج ومناسكه تفصيلٌ وتوضيحٌ لقوله: (الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ) على سبيل الاستطراد مزيداً لتهجين فعلهم وتصوير قُبحهم؛ لأنه كلما ازداد ما صُدَّ عنه تعظيماً يزدادُ قبحُ الصدِّ والمنعُ، وبه يتقوى مذهب الشافعي وهو أن المراد بالتسوية في قوله: (سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ) التسوية في أعمال الحج ومناسكه.
قوله: (عدةٌ منه بالنصر، واردةٌ على سنن كلام الجبابرة)، أي: عدةٌ منه بالنصر جازمةٌ قاطعةٌ؛ لأنه من ديدنهم وأوضاع أمرهم أن يقتصروا في مواعيدهم التي يوطنون أنفسهم على إنجازها أن يقولوا: عسى ولعل، ونحوهما من الكلمات، أو يُخيلوا إخالةً أو يُظفر منهم
стр. 5453
يَقُولُوا) في محل الجرّ على الإبدال من (حَقٍّ) أى بغير موجب سوى التوحيد الذي ينبغي أن يكون موجب الإقرار والتمكين لا موجب الإخراج والتسيير. ومثله: (هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ)] المائدة: ٥٩ [.
"دفع الله بعض الناس ببعض": إظهاره وتسليطه المسلمين منهم على الكافرين بالمجاهدة، ولولا ذلك لاستولى المشركون على أهل الملل المختلفة في أزمنتهم، وعلى متعبداتهم فهدموها، ولم يتركوا للنصارى بيعا، ولا لرهبانهم صوامع، ولا لليهود صلوات، ولا للمسلمين مساجد. أو لغلب المشركون من أمّة محمد ﷺ على
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بالرمزة، فإذا عُثرَ على شيءٍ من ذلك لم يبق للطالب ما عندهم شكٌ في النجاح والفوز بالمطلوب، قاله في أول البقرة، فعلى هذا أصلُ الكلام: قاتلوا الذين ظلموكم وإني أنصركم البتة، فعدل إلى لفظ العظمة والكبرياء بقوله: (أُذِنَ) لما عُلم أن الآذن في مثل هذا الخطاب من هو؟ وقيل في جانب المظلوم: (لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ) كأنه لا يريدُ المخاطبين، يعني: لمن هذا شأنه وعادتُه، ثم قيل: (إِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) إن شاء نصرهم، وعسى أن يفعله، ولا يُعدمُ من كرمه ولطفه ذلك، وعلى هذا قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ)؛ لعدم التصريح وإخراج الكلام على التعريض وإليه الإشارة بقوله: "وما مر من دفعه عن الذين آمنا يؤذن بمثل هذه العدة".
قوله: (ومثله: (هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ)، [المائدة: ٥٩] يريدُ أنه من باب قوله:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم … بهن فلولٌ من قراع الكتائب
قوله: (أو لغلب المشركون في أمة محمد ﷺ ، عطف على قوله: "لاستولى المشركون على أهل الملل المختلفة"، فعلى الأول: المرادُ بالمشركين: العمومُ، كما أن المراد بالمسلمين في قوله: "وتسليطهُ المسلمين" للتعميم.
стр. 5454
المسلمين وعلى أهل الكتاب الذين في ذمتهم وهدموا متعبدات الفريقين. وقرئ: "دفاع". و"لهدمت": بالتخفيف. وسميت الكنيسة «صلاة» لأنه يصلى فيها. وقيل: هي كلمة معرّبة، أصلها بالعبرانية: صلوثا (مَنْ يَنْصُرُهُ) أى ينصر دينه وأولياءه: هو إخبار من الله بظهر الغيب عما ستكون عليه سيرة المهاجرين رضى الله عنهم إن مكنهم في الأرض وبسط لهم في الدنيا، وكيف يقومون بأمر الدين. وعن عثمان رضى الله عنه: هذا والله ثناء قبل بلاء. يريد: أنّ الله قد أثنى عليهم قبل أن يحدثوا من الخير ما أحدثوا. وقالوا: فيه دليل على صحة أمر الخلفاء الراشدين، لأنّ الله لم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: "دفاعُ")، قرأها نافعٌ وابن كثير.
قوله: (يريد أن الله أثنى عليهم قبل أن يحدثوا من الخير ما أحدثوا)، وذلك أن قوله تعالى: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ) الآية بدلٌ من (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ)، وهو من قوله: (لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ)، وكان ذلك وارداً على سنن الوعد للمهاجرين الذين أُخرجا من ديارهم بغير حق بما سيكون من نصرهم على من ظلمهم، فيكون تمكنهم في الأرض الذي هو سبب تمدحهم بقوله: (أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ) ثناء قبل بلاء، وأما إتيانُ "إنْ" الشرطية في قوله: (إِنْ مَكَّنَّاهُمْ) فمن قبيل عسى ولعل من أمثال الجبابرة في المواعيد كما مر آنفاً، الله أعلم.
قوله: (فيه دليلٌ على صحة أمر الخلفاء الراشدين رضي الله تعالى عنهم)، يعني: أدمج هذا المعنى في إبدال (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ) بقوله: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ) الآية. قال الإمامُ: إن الله تعالى وصف المهاجرين بأنه إن مكنهم في الأرض فإنهم يأتون بالأمور الأربعة؛ وهي: إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فقد ثبت ذلك في الأئمة الأربعة. فإذا ثبت ذلك، وجب أن يكونوا على الحق، ولا يجوزُ حملُ الآية على أمير المؤمنين عليٍّ وحده كرم الله وجهه؛ لأن الآية دالةٌ على الجمع.
стр. 5455
يعط التمكين ونفاذ الأمر مع السيرة العادلة غيرهم من المهاجرين، لا حظ في ذلك للأنصار والطلقاء. وعن الحسن: هم أمة محمد ﷺ . وقيل (الَّذِينَ) منصوب بدل من قوله (من ينصره). والظاهر أنه مجرور، تابع (للذين أخرجوا) (وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ) أى مرجعها إلى حكمه وتقديره. وفيه تأكيد لما وعده من إظهار أوليائه وإعلاء كلمتهم.
[(وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ* وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ* وَأَصْحابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسى فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ)].
يقول لرسوله ﷺ تسلية له: لست بأوحدى في التكذيب، فقد كذب الرسل قبلك أقوامهم، وكفاك بهم أسوة.
فإن قلت: لم قيل (وَكُذِّبَ مُوسى) ولم يقل: "قوم موسى"؟ قلت: لأنّ موسى ما كذبه قومه بنو إسرائيل، وإنما كذبه غير قومه وهم القبط. وفيه شيء آخر، كأنه قيل بعد ما ذكر تكذيب كل قوم رسولهم: وكذب موسى أيضا مع وضوح آياته وعظم معجزاته، فما ظنك بغيره.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والطُّلقاء)، النهاية: همُ الذين خلَّى عنهم يوم فتح مكة وأطلقهم فلم يسترقهم، واحدهُ: طليقٌ، فعيلٌ بمعنى مفعول، وهو الأسيرُ إذا أطلق سبيله، ومنه الحديث: "الطلقاءُ من قريش، والعتقاءُ من ثقيف"، ميز القُرشيَّ حيث هو أكرم من ثقيفٍ.
قوله: (وكُذِّبَ موسى أيضاً مع وضوح آياته)، يريد أنه تعالى ما نظم موسى ﵇ في سلك ما تقدم من ذكر الأنبياء ﵈ وتكذيبه من بل كرر له الفعل وأتى
стр. 5456
النكير: بمعنى الإنكار والتغيير، حيث أبدلهم بالنعمة محنة، وبالحياة هلاكا، وبالعمارة خرابا.
[(فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ) ٤٥].
كل مرتفع أظلك من سقف بيت أو خيمة أو ظلة أو كرم فهو «عرش» و"الخاوي": الساقط، من خوى النجم إذا سقط. أو الخالي، من خوى المنزل إذا خلا من أهله. وخوى بطن الحامل.
وقوله (عَلى عُرُوشِها) لا يخلو من أن يتعلق ب (خاوية)، فيكون المعنى أنها ساقطة على سقوفها، أى خرّت سقوفها على الأرض، ثم تهدّمت حيطانها فسقطت فوق السقوف. أو أنها ساقطة أو خالية مع بقاء عروشها وسلامتها. وإما
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
به مجهولاً؛ ليؤذن باستقلاله وعظم شأنه، والمقصود حصول تكذيب مثله مع جلالته فكيف بمن دونه؟
قوله: (النكيرُ: بمعنى الإنكار والتغيير)، الأساس: وقد نكرالأمر نكارةً: صار منكراً، ونكرتُه فتنكر: غيرته، وتنكر لي فلانٌ: لقيني لقاء بشعاً، وعن أبي سفيان: أن محمداً لم يُناكر أحداً إلا كانت معه الأهوالُ، وأصابهم من الدهر نكراءُ: شدة.
قوله: (أو أنها ساقطة أو خاليةٌ مع بقاء عروشها وسلامتها)، قال صاحب "التقريب": وفي سلامتها على تفسيرها بساقطةٍ نظرٌ، فلعل لفظة الساقطة سهوٌ من الناسخ وتفسرُ بخالية لا غيرُ، والمرادُ: سقوط الجدران عليها.
وقلتُ: لا يرد إذا عرف وجه التقسيم؛ لأن بناء التقسيم على أن "الخاوي" بمعنى الساقط، أو بمعنى الخالي، و (عَلَى عُرُوشِهَا) إما ظرفٌ لغوٌ أو مستقرٌ، فقوله: "أو خاليةٌ مع بقاء عروشها" عطفٌ على "ساقطةٌ على سقوفها"، وقوله: "أو أنها ساقطة" عطفٌ على"أنها ساقطةٌ على سقوفها" أيضاً، المعنى: لا يخلو (عَلَى عُرُوشِهَا) من أن يتعلق
стр. 5457
أن يكون خبرا بعد خبر، كأنه قيل: هي خالية، وهي على عروشها أى قائمة مطلة على عروشها، على معنى أنّ السقوف سقطت إلى الأرض فصارت في قرار الحيطان وبقيت الحيطان ماثلة فهي مشرفة على السقوف الساقطة.
فإن قلت: ما محل الجملتين من الإعراب أعنى (وَهِيَ ظالِمَةٌ، فَهِيَ خاوِيَةٌ)؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بـ (خَاوِيَةٌ)، أو يكون خبراً بعد خبر، وعلى الأول لا تخلو (خَاوِيَةٌ) من أن تكون بمعنى ساقطة، أو خالية، وعلى أن تكون بمعنى ساقطةٍ لا يخلو: إما أن يُعتبر فيه معنى الاستعلاء، فهو المراد من قوله: "خرت سُقوفها على الأرض، ثم تهدمت حيطانها فسقطت فوق السقوف"، أو أن تُجعل خاليةٌ، أي: ساقطة كناية عن مطلق الخراب كما كنى بقوله: (سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ) [الأعراف: ١٤٩] عن الندم مُطلقاً، وهو المرادُ من قوله: "أو أنها ساقطةٌ"، فعلى هذا "عروشُها" متعلقٌ بها تعلق الخالية، كأنه قيل: وهي خربةٌ مع عروشها، وعلى الثاني أن يكون خبراً بعد خبر: (خَاوِيَةٌ) إما بمعنى: ساقطةٌ أو خالية، فاعتبر معنى الثاني بقوله: "كأنه قيل: هي خاليةٌ وهي على عروشها" دون الأول لما عُلمَ من قوله: "خرتْ سُقوفُها على الأرض" هذا المعنى، فاندفع بقولنا: "أو خاليةٌ مع بقاء عروشها" عطفٌ على "ساقطةٌ على سقوفها" النظرُ الذي أورده صاحبُ "التقريب".
قال القاضي: والجملةُ - أي: (فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا) - معطوفةٌ على (أَهْلَكْنَاهَا) لا على (وَهِيَ ظَالِمَةٌ)؛ فإنها حالٌ، والإهلاكُ ليس حال خرابها فلا محل لها إن نصبت (فَكَأَيِّنْ) بمقدرٍ يفسره (أَهْلَكْنَاهَا)، وإن رفعته بالابتداء فمحلها الرفعُ، وكذا عن أبي البقاء.
قوله: (مُطلةٌ على عروشها)، بالطاء غير المعجمة، وهي مُعدى بـ "على"، أي: أوفى عليه بطلله، أي: شخصه. و"أظل" بالظاء المعجمة مُعدى بنفسه. وفي الحديث: "قد أظلكُم شهرٌ عظيم".
стр. 5458
قلت: الأولى في محل النصب على الحال، والثانية لا محلّ لها لأنها معطوفة على (أهلكناها)، وهذا الفعل ليس له محل. قرأ الحسن: "معطلة"، من أعطله بمعنى عطله. ومعنى المعطلة: أنها عامرة فيها الماء، ومعها آلات الاستقاء، إلا أنها عطلت، أى: تركت لا يستقى منها لهلاك أهلها. و"المشيد": المجصص أو المرفوع البنيان. والمعنى: كم قرية أهلكنا؟ وكم بئر عطلنا عن سقاتها؟ وقصر مشيد أخليناه عن ساكنيه؟ فترك ذلك لدلالة "معطلة" عليه. وفي هذا دليل على أنّ (عَلى عُرُوشِها) بمعنى «مع» أوجه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (هذا الفعل ليس له محل)، قال بعضهم: لأنه استئنافٌ تقديره: أهلكنا كثيراً من القُرى أهلكناها إضماراً على شريطة التفسير، هذا إذا كان "كأين" منصوبَ المحل، فأما إذا كان مرفوع المحل على الابتداء، فـ (أَهْلَكْنَاهَا) في محل الجر، لأنها صفة (قَرْيَةٍ)، وهذه الجملة أيضاً؛ لأنها معطوفةٌ على تلك، كما ذكر في المتن.
قوله: (و"المشيد": المجصصُ أو المرفوعُ البُنيان)، قال الزجاجُ: أكثر ما جاء في (مُشَيَّدَ) في التفسير: مجصص، والشيد: الجص، والكلسُ أيضاً: شيد، وقيل: مشيد: محصنٌ مرتفعٌ في سُمكه، والمشيد: إذا قيل: مجصصٌ فهو مرتفعٌ في قدره وإن لم يرتفع في سمكه، وأصلُ الشيد: الجصُّ والنورةُ، وكل ما بُني بهما أو بأحدهما فهو مشيد. يعني: إذا قيل للبناء المرتفع: مشيد، كان كنايةً.
قوله: (وفي هذا دليلٌ على أن (عَلَى عُرُوشِهَا) بمعنى "مع" أوجهُ)، يعني: تفسيرنا قوله: (فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا) خالية مع بقاء عروشها وسلامتها أولى من تفسيرنا أنها ساقطةٌ؛ ليناسب قوله: (وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ)؛ لأن المراد: أخليناه عن ساكنيه
стр. 5459
روي أنّ هذه بئر نزل عليها صالح ﵇ مع أربعة آلاف نفر ممن آمن به. ونجاهم الله من العذاب، وهي بحضر موت. وإنما سميت بذلك لأنّ صالحا حين حضرها مات، وثمة بلدة عند البئر اسمها «حاضوراء» بناها قوم صالح، وأمّروا عليهم جلهس بن جلاس، وأقاموا بها زمانا ثم كفروا وعبدوا صنما، وأرسل الله إليهم حنظلة ابن صفوان نبيا فقتلوه، فأهلكهم الله وعطل بئرهم وخرّب قصورهم.
[(أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) ٤٦].
يحتمل أنهم لم يسافروا فحثوا على السفر، ليروا مصارع من أهلكهم الله بكفرهم، ويشاهدوا آثارهم فيعتبروا. وأن يكونوا قد سافروا ورأوا ذلك ولكن لم يعتبروا، فجعلوا كأن لم يسافروا ولم يروا. وقرئ "فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ" بالياء، أي: يعقلون ما يجب أن يعقل من التوحيد، ويسمعون ما يجب سماعه من الوحى (فَإِنَّها) الضمير ضمير الشأن والقصة، يجيء مذكرا ومؤنثا وفي قراءة ابن مسعود: "فإنه". ويجوز أن يكون ضميرا مبهما يفسره (الْأَبْصارُ) وفي (تعمى) ضمير راجع إليه. والمعنى: أنّ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأنها باقيةٌ. قال أبو البقاء: (وَبِئْرٍ) معطوفة على (قَرْيَةٍ).
قوله: (حضرموت) المغرب: هي بلدةٌ صغيرةٌ في شرقي عدن.
قوله: (وأن يكونوا قد سافروا ورأوا ذلك، ولكن لم يعتبروا)، معنى: الفاء في (أَفَلَمْ يَسِيرُوا) يقتضي معطوفاً عليه وهو إما الكلام السابق، والهمزةُ دخلت بين المعطوف والمعطوف عليه لمزيد الإنكار، أي: كأين من قرية أهكلناها فهي ظالمةٌ فلم يسيروا في الأرض فيعتبروا. وإليه الإشارة بقوله: "ولن لم يعتبروا فجُعلوا كأن لم يسافروا"، أو الفاءُ عطفٌ على مُقدر، والهمزةُ على أصلها في صدر الكلام، أي: أتقاعدوا في الأرض فلم يسيروا فيها ليعتبروا.
стр. 5460
أبصارهم صحيحة سالمة لا عمى بها. وإنما العمى بقلوبهم. أولا يعتدّ بعمى الأبصار، فكأنه ليس بعمى بالإضافة إلى عمى القلوب.
فإن قلت: أى فائدة في ذكر الصدور؟ قلت: الذي قد تعورف واعتقد أنّ العمى على الحقيقة مكانه البصر، وهو أن تصاب الحدقة بما يطمس نورها. واستعماله في القلب استعارة ومثل، فلما أريد إثبات ما هو خلاف المعتقد من نسبة العمى إلى القلوب حقيقة ونفيه عن الأبصار، احتاج هذا التصوير إلى زيادة تعيين وفضل تعريف، ليتقرّر أنّ مكان العمى هو القلوب لا الأبصار، كما تقول: "ليس المضاء للسيف ولكنه للسانك الذي بين فكيك"، فقولك «الذي بين فكيك» تقرير لما ادّعيته للسانه وتثبيت لأنّ محلّ المضاء هو هو لا غير، وكأنك قلت: ما نفيت المضاء عن السيف وأثبته للسانك فلتة ولا سهوا منى، ولكن تعمدت به إياه بعينه تعمدا.
[(وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ) ٤٧ - ٤٨].
أنكر استعجالهم بالمتوعد به من العذاب العاجل أو الآجل، كأنه قال: ولم يستعجلون به؟ كأنهم يجوّزون الفوت، وإنما يجوز ذلك على ميعاد من يجوز عليه الخلف،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (احتاج هذا التصوير على زيادة تعيين، وفضل تعريف)، قال الزجاجُ: جرى هذا على التوكيد كما في قوله تعالى: (يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ) [آل عمران: ١٦٧]، وقوله تعالى: (وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ) [الأنعام: ٣٨]، وقلتُ: التوكيدُ في (يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ) لتقرير معنى الحقيقة، وأن المراد بالطير: المتعارفُ، وفي (تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) لتقرير معنى المجاز، وأن العمى مكانه القلبُ البتة، وإليه الإشارة بقوله: "فلما أريد إثباتُ ما هو خلافُ المعتقد، احتاج هذا التصوير إلى زيادة تعيين".
قوله: (وإنما يجوز ذلك على ميعاد من يجوز عليه الخُلفُ)، أي: إنما يجوزُ الفوتُ على من
стр. 5461
والله عز وعلا لا يخلف الميعاد وما وعده ليصيبنهم ولو بعد حين، وهو سبحانه حليم لا يعجل، ومن حلمه ووقاره واستقصاره المدد الطوال أنّ يوما واحدا عنده كألف سنة «١» عندكم. وقيل: معناه كيف يستعجلون بعذاب من يوم واحد من أيام عذابه في طول ألف سنة من سنيكم، لأنّ أيام الشدائد مستطالة. أو كأن ذلك اليوم الواحد لشدّة عذابه كألف سنة من سنى العذاب. وقيل: ولن يخلف الله وعده في النظرة والإمهال. وقرئ: (تعدون)، بالتاء والياء، ثم قال: وكم من أهل قرية كانوا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يكون في ميعاده الخلف، ومنه قولهم: إنما يعجلُ من يخشى الفوت.
قوله: (ومن حِلمه ووقاره)، الانتصاف: الوقارُ يفهم منه لغةً: سكون الأعضاء وطمأنينتها عند المزعجات، ولا يجوز إطلاقه على الله كالأناة التؤدة، وأما قوله تعالى: (مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً) [نوح: ١٣] فهو مفسرٌ بالعظمة، فليس من هذا.
وقلتُ: وهذا مبنيٌ على أن أسماء الله توقيفيةٌ، وأنه لا يجوز أن يُستعمل الوقار إلا في العظمة؛ لما ورد، وإلا فلا يجوز ذلك أيضاً.
قوله: (أن يوماً واحداً عنده كألف سنة عندكم)، يعني: قوله تعالى: (وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ) إما محمولٌ على القصر، وهو إنما يكون بالنسبة إلى الله تعالى، وهو المراد من قوله: "إن يوماً واحداً عنده كألف سنة عندكم"، فالمدة الطويلة عنده قصيرةٌ؛ لأنه لا يعجل كما تعجلون أو على الطول، وإنما يعجل من يخشى الفوت، وهو بالنسبة إلى العبد، فإن أيام الشدائد مستطالةٌ، فاليومُ القصيرُ عنده طويل، وهو المراد من قوله: "يوم واحدٌ من أيام عذابه كألف سنةٍ عندكم".
قوله: (وقرئ: (تَعُدُّونَ)، بالياء والتاء"، بالياء التحتاني: ابن كثير وحمزةُ الكسائي، والباقون: بالتاء.
стр. 5462
مثلكم ظالمين قد أنظرتهم حينا ثم أخذتهم بالعذاب والمرجع إلىّ وإلى حكمى.
فإن قلت: لم كانت الأولى معطوفة بالفاء، وهذه بالواو؟ قلت: الأولى وقعت بدلا عن قوله (فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ) وأمّا هذه فحكمها حكم ما تقدّمها من الجملتين المعطوفتين بالواو، أعنى قوله (وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (الأولى وقعت بدلاً عن قوله: (فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ)، وأما هذه فحكمها حكم ما تقدمها من الجملتين)، قال صاحب "الفرائد": أراد أن مجموع قوله: (فَكَأَيِّنْ) إلى آخره حكمه حكم (فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ) في أنه كان متعقباً لما تقدمه حتى لو لم يكن قوله: (فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ) صلح أن يكون هذا في مكانه.
وقلتُ: الفرقُ بينهما أن قوله: (فَكَأَيِّنْ)، إلى آخره، متعقبٌ بجملة ما تقدمه؛ لأن إهلاك الجماعة المذكورين من قوله: (نُوحٍ وَعَادٌ) إلى قوله: (وَكُذِّبَ مُوسَى) إهلاك كثير، فمعنى "كأين إلى آخره من لوازم ما تقدم فكان متعقباً له، فوجب أن يكون بالفاء بخلاف قوله: (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا) إلى آخره؛ لأن ما قبله لم يستلزمه، فيجب أن يكون بالواو، وليفيد اجتماعهما في الحصول. تم كلامُ صاحب "الفرائد".
وقلتُ: "ثم" في قوله: (ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ) في الآية السابقة لعطفِ (أَخَذْتُهُمْ) على (أَمْلَيْتُ)، وكلاهما مسببان عن تكذيب القوم الرسل، والفاء في (فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ) للعقيب لا غير، فإنه عقب قوله: (أَخَذْتُهُمْ) بما يُستحضر للسامع مما يتعجب له من الاستفهام عن حال تلك الأخذة، وهو أيضاً منهم، فعقب بقوله: (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ) الآية ليكشفه كشفاً تاماً، أو يبدل منه إيضاحاً كما قال، وأما قوله: (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ) بالواو فمنسوقةٌ على قوله: (لَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ)، وقوله تعالى: (وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ)، والمعنى: كيف يستعجلونك بالعذاب والحالُ أنه لابد أن يصيبهم ما وعد
стр. 5463
[(قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ* فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ* وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ)].
يقال: سعيت في أمر فلان، إذا أصلحه أو أفسده بسعيه. وعاجزه: سابقه، لأنّ كل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ربُّك، وإن ذلك عن قريب، أو أن الموعود شديدٌ مُرُّ المذاق، وأن سنة الله في الإنظار ثم الاستئصال جاريةٌ في الأمم الخالية، فماذا يستعجلُ منها المجرمون؟
هذا، وإن المصنف رحمه الله تعالى ما ذهب إلى الحال، بل إلى العطف على إنكار العلم بوجود الجمل الأربع وحصولها، أي: أخبر عن استعجالهم العذاب، وعن أن الله تعالى لا يُخلفُ وعده، وعن أنه حليمٌ لا يعجل، وعن أن لهم أسوة بالأمم السالفة الظالمة إذا لم يعتبروا بها، ثم استدعى الإنكار من السامع على من يجمع في علمه ذلك كله، وإليه الإشارة بقوله: "كأنهم يجوزون الفوت" إلى آخره، ويجوز أن يكون (وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ) معترضاً بين الحال وعاملها.
قوله: (وعاجزه: سابقه)، الأساس: طلبته فأعجز وعاجز: إذا سبق فلم يُدرك.
الراغب: عجزُ الإنسان: مؤخره، وبه شبه مؤخر غيره، قال تعالى: (كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ) [القمر: ٢٠]، والعجز أصله: التأخر عن الشيء، وحصوله عند عجزِ الأمر، أي: مؤخره كما ذُكر في الدبر، وصار في التعارف اسماً للقصور عن فعل الشيء، وهو ضد القدرة، قال تعالى: (أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ)، وأعجزت فلاناً، وعجزتُه، وعاجزتُه، قال تعالى: (وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ) [العنكبوت: ٢٢]، (وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ) [سبأ: ٥]، وقرئ: "معجزين"، فـ (مُعَاجِزِينَ). قبل: معناه: ظاهرين، ومُقدرين أنهم يعجزوننا؛ لأنهم حسبوا أن لا بعث ولا نُشور، فيكون ثوابٌ وعقابٌ، وهذا في قوله: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا) [العنكبوت: ٤]، ومعجزين: ينسبون من تبع النبي ﷺ إلى العجز، وذلك نحو: جهلتُه، وقيل: يعني: مثبطين، أي: مثبطين الناس عن النبي ﷺ ، كقوله
стр. 5464
واحد منهما في طلب إعجاز الآخر عن اللحاق به، فإذا سبقه قيل: أعجزه وعجزه. والمعنى: سعوا في معناها بالفساد من الطعن فيها، حيث سموها: سحرا وشعرا وأساطير، ومن تثبيط الناس
عنها سابقين أو مسابقين في زعمهم، وتقديرهم طامعين أن كيدهم للإسلام يتم لهم.
فإن قلت: كأن القياس أن يقال: إنما أنا لكم بشير ونذير، لذكر الفريقين بعده. قلت: الحديث مسوق إلى المشركين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تعالى: (الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) [الأعراف: ٤٥] والعجوزُ سُميت لعجزها عن كثير من الأمور.
قوله: (سابقين)، هو حال من فاعل (سَعَوْا) في معناها، على أن (مُعَاجِزِينَ): مُغالبينَ معاندين؛ لأن المغالبة حينئذٍ للمبالغة، ولهذا قال: "سموها سحراً وشعراً وأساطير، وثبطوا الناس عنها"، وقوله: "أو مُسابقين" على معناها: ظانين مقدرين أنهم يعجزوننا بزعمهم، فالمبالغة على حقيقتها. قال محي السُّنة: قرأ ابن كثيرٍ وأبو عمرو: معجزين، بالتشديد، أي: مثبطين الناس عن الإيمان، والباقون: معاجزين بالألف، أي: معاندين مشاقين. وقال قتادة: ظانين مقدرين أنهم يعجزوننا بزعمهم أن لا بعث ولا نُشور ولا جنة ولا نار. وقيل: معاجزين، يريد كل واحدٍ أن يُظهر عجز صاحبه.
قوله: (كان القياس أن يُقال: إنما أنا لكم بشيرٌ ونذير)، لأن قوله: يا أيها الناسُ، شاملٌ للمشركين والمؤمنين، على أنه فصل بقوله: (فَالَّذِينَ آمَنُوا)، (وَالَّذِينَ سَعَوْا) ليبشر المؤمنين، ويُنذر الكافرين.
قوله: (الحديث مسوقٌ إلى المشركين)، وذلك أنه تعالى لما قال: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا) وبين كيفية ظُلمهم بقوله: (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ)، وبقوله:
стр. 5465
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ)، وبقوله: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ) أمر نبيه صلواتُ الله عليه بأنْ يُنذرهم العذاب بقوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ) إلزاماً للحجة، وإزاحةً للعلة، ثُم شرع في مقاتلتهم، ولما كان الإحسان إلى المؤمنين مما يغمهم ويغيظهم، كان داخلاً - بهذا الاعتبار - في معنى التخويف والإنذار.
وقلتُ: ويمكنُ أن يقال- والله أعلم-: إن الآية واردةٌ لبيان ما يترتبُ على الإنذار من انتفاع من قبله، وهلاك من رده، فكأنه قيل: أنذر يا محمدُ هؤلاء الكفرة وبالغ فيه، فمن قبل منك وآمن فله الثواب، ومن دام على ما كان في إبطالٍ ما جئت به وسعى فيه فقد أديتَ حقك فقاتلهم ليُعذبهم الله تعالى في الدنيا بالقتل وفي الآخرة بالجحيم، فلا يكونُ ذكرُ المؤمنين لاغتمامهم. ويعضد هذا التأويل ما روينا عن البخاري ومسلم، عن أبي موسى، أن النبي ﷺ قال: "إن مثلي ومثلُ ما بعثني الله به كمثل رجلٍ أتى قومه فقال يا قوم، إني رأيتُ الجيش بعيني، وأنا النذيرُ العريان، فالنجاء النجاء، فأطاعته طائفةٌ من قومه، فأدلجوا وانطلقوا على مهلهم فنجوا، وكذبت طائفةٌ منهم فأصبحوا مكانهم فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثلي ومثلُ من أطاعني واتبع ما جئت به، ومثل من عصاني وكذب ما جئت به من الحق".
وقريبٌ من هذا المعنى ما ذكره الإمام وقال: نه تعالى أمر رسوله ﷺ أن يديم لهم التخويف والإنذار، وأن لا يصده ما يكون منهم من استعجال العذاب على سبيل التهكم، وأردف ذلك بأن أمره بوعدهم ووعيدهم؛ لأن المنذر إنما يكون منذراً إذا قرن الوعد بالوعيد.
وقلتُ: ويؤيد هذا التقرير قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ) يعني: ينبغي لك أن تعزم على الإنذار وتديمه، ولا يلحقك فتورٌ لا من قبل شياطين الإنس،
следующие страницы →